العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النحل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27 جمادى الأولى 1434هـ/7-04-2013م, 04:43 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
افتراضي تفسير سورة النحل [ من الآية (125) إلى الآية (128) ]

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27 جمادى الأولى 1434هـ/7-04-2013م, 04:44 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالّتي هي أحسن، إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {ادع} يا محمّد من أرسلك إليه ربّك بالدّعاء إلى طاعته {إلى سبيل ربّك} يقول: إلى شريعة ربّك الّتي شرعها لخلقه، وهو الإسلام {بالحكمة} يقول بوحي اللّه الّذي يوحيه إليك وكتابه الّذي ينزله عليك {والموعظة الحسنة} يقول: وبالعبر الجميلة الّتي جعلها اللّه حجّةً عليهم في كتابه، وذكّرهم بها في تنزيله، كالّتي عدّد عليهم في هذه السّورة من حججه، وذكّرهم فيها ما ذكّرهم من آلائه {وجادلهم بالّتي هي أحسن} يقول: وخاصمهم بالخصومة الّتي هي أحسن من غيرها، أن تصفح عمّا نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربّك.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل
ذكر من قال ذلك
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {وجادلهم بالّتي هي أحسن} " أعرض عن أذاهم إيّاك ".
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثله
وقوله: {إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله} يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ ربّك يا محمّد هو أعلم بمن جار عن قصد السّبيل من المختلفين في السّبت وغيره من خلقه، وحادّ اللّه، وهو أعلم بمن كان منهم سالكًا قصد السّبيل ومحجّة الحقّ، وهو مجازٍ جميعهم جزاءهم عند ورودهم عليه). [جامع البيان: 14/400-401]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وجادلهم بالتي هي أحسن يقول أعرض عن أذاهم إياك). [تفسير مجاهد: 355]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 125.
أخرج ابن مردويه عن أبي ليلى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم فإن طاعتهم طاعة الله معصيتهم معصية الله فإن الله إنما بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة فمن خالفني في ذلك فهو من الهالكين وقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ومن ولي من أمركم شيئا فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). [الدر المنثور: 9/133]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} قال: أعرض عن أذاهم إياك). [الدر المنثور: 9/133-134]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة وهناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن هرم بن حيان أنه لما أنزل به الموت قالوا له: أوص، قال: أوصيكم بآخر سورة النحل {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} إلى آخر السورة). [الدر المنثور: 9/137]

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به قال مثل المسلمين يوم أحد فقال وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ثم قال بعد ذلك واصبر وما صبرك إلا بالله). [تفسير عبد الرزاق: 1/361]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن خالد عن ابن سيرين قال وإن عاقبتم فعاقبوا يقول إن أخذ الرجل منك شيئا فخذ منه مثله.
عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال إن أخذ منك شيئا فخذ منه مثله). [تفسير عبد الرزاق: 1/361]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال سفيان الثوري ويقول إن أخذ منك دينارا فلا تأخذ منه إلا دينارا وإن أخذ منك شيئا فلا تأخذ إلا مثل ذلك). [تفسير عبد الرزاق: 1/361]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن ابن التيمي عن داود عن الشعبي قال لا تخن من خانك أكثرا مما خانك فإن أخذت منه مثل ما أخذ منك فليس عليك بأس). [تفسير عبد الرزاق: 1/361]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال سمعت هشاما يحدث عن الحسن أن النبي قال لا تخن من خانك وأد الأمانة إلى من ائتمنك). [تفسير عبد الرزاق: 1/361-362]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا أبو عمّارٍ، قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيدٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، قال: حدّثني أبيّ بن كعبٍ، قال: لمّا كان يوم أحدٍ أصيب من الأنصار أربعةٌ وستّون رجلاً، ومن المهاجرين ستّةٌ منهم حمزة، فمثّلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربينّ عليهم قال: فلمّا كان يوم فتح مكّة، فأنزل اللّه تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين} فقال رجلٌ: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: كفّوا عن القوم إلاّ أربعةً.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديث أبيّ بن كعبٍ). [سنن الترمذي: 5/150]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}
- أخبرنا الحسين بن حريثٍ، أخبرنا الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيدٍ، عن ربيعٍ، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعبٍ، قال: لمّا كان يوم أحدٍ أصيب من الأنصار أربعةٌ وستّون رجلًا، ومن المهاجرين ستّةٌ، منهم حمزة، فمثّلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربينّ عليهم، فلمّا أن كان يوم فتح مكّة، فأنزل الله تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين} [النحل: 126]، فقال رجلٌ: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كفّوا عن القوم غير أربعةٍ»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/145]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين}.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين: وإن عاقبتم أيّها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم، فعاقبوه بمثل الّذي نالكم به ظالمكم من العقوبة، ولئن صبرتم عن عقوبته واحتسبتم عند اللّه ما نالكم به من الظّلم ووكّلتم أمره إليه حتّى يكون هو المتولّي عقوبته، {لهو خيرٌ للصّابرين} يقول: للصّبر عن عقوبته لذلك خيرٌ لأهل الصّبر احتسابًا وابتغاء ثواب اللّه، لأنّ اللّه يعوّضه من الّذي أراد أن يناله بانتقامه من ظالمه على ظلمه إيّاه من لذّة الانتصار.
وهو من قوله: {لهو} كنايةٌ عن الصّبر وحسن ذلك، وإن لم يكن ذكر قبل ذلك الصّبر لدلالة قوله: {ولئن صبرتم} عليه.
وقد اختلف أهل التّأويل في السّبب الّذي من أجله نزلت هذه الآية، وقيل: هي منسوخةٌ أو محكمةٌ؟ فقال بعضهم: نزلت من أجل أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه أقسموا حين فعل المشركون يوم أحدٍ ما فعلوا بقتلى المسلمين من التّمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المثلة بهم إن رزقوا الظّفر عليهم يومًا، فنهاهم اللّه عن ذلك بهذه الآية، وأمرهم أن يقتصروا في التّمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الّذي كان منهم، ثمّ أمرهم بعد ذلك بترك التّمثيل وإيثار الصّبر عنه بقوله: {واصبر وما صبرك إلاّ باللّه} فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المثلة
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامرٍ: أنّ المسلمين قالوا لمّا مثل المشركون بقتلاهم يوم أحدٍ: " لئن ظهرنا عليهم لنفعلنّ ولنفعلنّ "، فأنزل اللّه تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين} قالوا: بل نصبر "
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا عبد الوهّاب قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ قال: لمّا رأى المسلمون ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحدٍ، من تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السّيّئة، قالوا: " لئن أظفرنا اللّه بهم، لنفعلنّ ولنفعلنّ "، فأنزل اللّه فيهم: {ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين. واصبر وما صبرك إلاّ باللّه} "
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسارٍ، قال: " نزلت سورة النّحل كلّها بمكّة، وهي مكّيّةٌ، إلاّ ثلاث آياتٍ في آخرها نزلت بالمدينة بعد أحدٍ، حيث قتل حمزة ومثّل به، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " لئن ظهرنا عليهم لنمثّلنّ بثلاثين رجلاً منهم "، فلمّا سمع المسلمون بذلك، قالوا: واللّه لئن ظهرنا عليهم لنمثّلنّ بهم مثلةً لم يمثّلها أحدٌ من العرب بأحدٍ قطّ، فأنزل اللّه: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين} إلى آخر السّورة "
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: " {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال مثل بالمسلمون يوم أحدٍ، فقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى قوله: {لهو خيرٌ للصّابرين} ثمّ قال بعد: {واصبر وما صبرك إلاّ باللّه} "
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لمّا أصيب في أهل أحدٍ المثل، فقال المسلمون: " لئن أصبناهم لنمثّلنّ بهم "، فقال اللّه: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين} فلم تعاقبوا {لهو خيرٌ للصّابرين} ثمّ عزم وأخبر فلا يمثّل، فنهي عن المثل، قال: مثّل الكفّار بقتلى أحدٍ، إلاّ حنظلة بن الرّاهب، كان الرّاهب أبو عامرٍ مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك ".
وقال آخرون: نسخ ذلك بقوله في براءة: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} قالوا: وإنّما قال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} حين أمر المؤمنين أن لا يبدءوهم بقتالٍ حتّى يبدءوهم به، فقال: {وقاتلوا في سبيل اللّه الّذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين}
ذكر من قال ذلك
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال: " هذا حين أمر اللّه نبيّه أن يقاتل من قاتله، قال: ثمّ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم، قال: فهذا من المنسوخ ".
وقال آخرون: بل عنى اللّه تعالى بقوله: {واصبر وما صبرك إلاّ باللّه} نبيّ اللّه خاصّةً دون سائر أصحابه، فكان الأمر بالصّبر له عزيمةً من اللّه دونهم
ذكر من قال ذلك
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال: " أمرهم اللّه أن يعفوا عن المشركين، فأسلم رجالٌ لهم منعةٌ، فقالوا: يا رسول اللّه، لو أذن اللّه لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب فنزل القرآن: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين} واصبر أنت يا محمّد، ولا تكن ممّن ينتصر، وما صبرك إلاّ باللّه، ثمّ نسخ هذا وأمره بجهادهم، فهذا كلّه منسوخٌ ".
وقال آخرون: لم يعن بهاتين الآيتين شيءٌ ممّا ذكر هؤلاء، وإنّما عني بهما أنّ من ظلم بظلامةٍ فلا يحلّ له أن ينال ممّن ظلمه أكثر ممّا نال الظّالم منه، وقالوا: الآية محكمةٌ غير منسوخةٍ
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن خالدٍ، عن ابن سيرين: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} يقول: " إن أخذ منك رجلٌ شيئًا، فخذ منه مثله "
- حدّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: " إن أخذ منك شيئًا فخذ منه مثله ".
- قال الحسن: قال عبد الرّزّاق: قال سفيان: ويقولون: إن أخذ منك دينارًا فلا تأخذ منه إلاّ دينارًا، وإن أخذ منك شيئًا فلا تأخذ منه إلاّ مثل ذلك الشّيء
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} " لا تعتدوا ".
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
والصّواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ اللّه تعالى ذكره أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبةٍ أن يعاقب من عاقبه بمثل الّذي عوقب به، إن اختار عقوبته، وأعلمه أنّ الصّبر على ترك عقوبته على ما كان منه إليه خيرٌ، وعزم على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصبر، وذلك أنّ ذلك هو ظاهر التّنزيل، والتّأويلات الّتي ذكرناها عمّن ذكروها عنه محتملتها الآية كلّها فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالةٌ على أي ذلك عنى بها من خبّر ولا عقل كان الواجب علينا الحكم بها إلى باطن لا دلالةٌ عليه، وأن يقال: هي آيةٌ محكمةٌ أمر اللّه تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قبل غيرهم من حقٍّ من مالٍ أو نفسٍ الحقّ الّذي جعله اللّه لهم إلى غيره، وأنّها غير منسوخةٍ، إذ كان لا دلالة على نسخها، وأنّ للقول بأنّها محكمةٌ وجهًا صحيحًا مفهومًا). [جامع البيان: 14/401-407]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمنا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به يقول لا تعتدوا يعني محمدا وأصحابه). [تفسير مجاهد: 355]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن الفضل بن موسى، ثنا عيسى بن عبيدٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، قال: حدّثني أبيّ بن كعبٍ رضي اللّه عنه، قال: لمّا كان يوم أحدٍ أصيب من الأنصار أربعةٌ وستّون رجلًا، ومن المهاجرين ستّةٌ، فمثّلوا بهم، وفيهم حمزة فقالت الأنصار: لئن أصبناهم يومًا مثل هذا لنربينّ عليهم. فلمّا كان يوم فتح مكّة أنزل اللّه عزّ وجلّ {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين} [النحل: 126] فقال رجلٌ: لا قريش بعد اليوم. فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «كفّوا عن القوم غير أربعةٍ» هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/391]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحدٍ: أصيب من الأنصار أربعةٌ وستّون رجلاً، ومن المهاجرين ستةٌ - منهم حمزة بن عبد المطّلب - فمثّلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربينّ عليهم التمثيل، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين} [النحل: 126] فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفّوا عن القوم إلا أربعة ». أخرجه الترمذي.
[شرح الغريب]
(مثّلوا بهم) مثل به يمثل: إذا نكّل به، ومثل بالقتيل: إذا جدعه. وشوه خلقته، والاسم: المثلة.
(لنربين) أي: لنزيدن). [جامع الأصول: 2/208-210]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 126 - 128.
أخرج الترمذي وحسنه وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلا أربعة). [الدر المنثور: 9/134]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد والبزار، وابن المنذر، وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد فنظر إلى منظر لم ير شيئا قط كان أوجع لقلبه منه ونظر إليه قد مثل به فقال: رحمة الله عليك فإنك كنت ما علمت وصولا للرحم فعولا للخيرات ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم النحل {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم} الآية، فكفر النّبيّ عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر). [الدر المنثور: 9/134-135]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل حمزة ومثل به: لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين رجلا منهم، فأنزل الله {وإن عاقبتم} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نصبر يا رب: فصبر ونهى عن المثلة). [الدر المنثور: 9/135]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير عن الشعبي قال: لما كان يوم أحد وانصرف المشركون فرأى المسلمون بإخوانهم مثلة جعلوا يقطعون آذانهم وآنافهم ويشقون بطونهم، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن أنالنا الله منهم لنفعلن ولنفعلن، فأنزل الله {وإن عاقبتم} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نصبر). [الدر المنثور: 9/135-136]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة يوم أحد حيث قتل حمزة ومثل به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلا منهم فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله {وإن عاقبتم فعاقبوا} إلى آخر السورة). [الدر المنثور: 9/136]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال: هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله ثم نزلت براءة وإنسلاخ الأشهر الحرم، قال: فهذا من المنسوخ). [الدر المنثور: 9/136]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين فأسلم رجال ذو منعنة فقالوا: يا رسول الله صلى الله وسلم لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب، فنزلت هذه الآية ثم نسخ ذلك بالجهاد). [الدر المنثور: 9/136]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) . قال: لا تعتدوا). [الدر المنثور: 9/137]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين في قوله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) . قال: إن أخذ منك رجل شيئا فخذ منه مثله). [الدر المنثور: 9/137]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال: لا تعتدوا). [الدر المنثور: 9/137]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين في قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال: إن أخذ منك رجل شيئا فخذ منه مثله). [الدر المنثور: 9/137]

تفسير قوله تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ({في ضيقٍ} [النحل: 127] : " يقال: أمرٌ ضيقٌ وضيّقٌ، مثل هينٍ وهيّنٍ، ولينٍ وليّنٍ، وميتٍ وميّتٍ "). [صحيح البخاري: 6/82]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله في ضيقٍ يقال أمرٌ ضيقٌ وأمرٌ ضيّقٌ مثل هينٌ وهيّنٌ ولينٌ وليّنٌ وميتٌ وميّتٌ قال أبو عبيدة في قوله تعالى ولا تك في ضيق بفتح أوّله وتخفيف ضيقٍ كميتٍ وهينٍ ولينٍ فإذا خفّفتها قلت ميتٌ وهينٌ ولينٌ فإذا كسرت أوّله فهو مصدر ضيّق انتهى وقرأ بن كثيرٍ هنا وفي النّمل بالكسر والباقون بالفتح فقيل على لغتين وقيل المفتوح مخفّفٌ من ضيقٍ أي في أمر ضيّقٍ واعترضه الفارسيّ بأنّ الصّفة غير خاصّةٍ بالموصوف فلا يدّعى الحذف). [فتح الباري: 8/385]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ({في ضيقٍ} يقال أمرٌ ضيقٌ وضيّقٌ مثل هيّنٍ وليّنٍ وليّنٍ وميتٍ وميّتٍ (النّحل: 127)
أشار بقوله في ضيق إلى قوله تعالى: {ولا تك في ضيق ممّا يمكرون} وأشار بقوله: بقال أمر ضيق إلّا أن فيه لغتين: التّشديد والتّخفيف كما ذكرها في الأمثلة المذكورة، وقرأ ابن كثير هنا، وفي النّمل بكسر الضّاد والباقون بفتحها، وقال الفراء الضّيق بالتّشديد ما يكون في الّذي يتّسع مثل الدّار والثّوب معنى الآية لا يضيق صدرك من مكرهم). [عمدة القاري: 19/15]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله: {ولا تك} ({في ضيق}) (النحل: 27] (يقال أمر ضيق) بسكون التحتية (وضيق) بتشديدها (مثل هين وهين ولين ولين وميت وميت) لغتان وكسر الضاد ابن كثير وفتحها غيره فقيل هما بمعنى في هذا المصدر كالقول والقيل؛ وقيل المفتوح مخفف من ضيق كميت في ميت.
قال في اللباب؛ هذا من الكلام المقلوب لأن الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلًا في الصفة فكأن المعنى ولا يكون الضيق فيك إلا أن الفائدة في قوله: {ولا تك في ضيق} [النحل: 27] هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى). [إرشاد الساري: 7/195]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلاّ باللّه، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيقٍ ممّا يمكرون}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: واصبر يا محمّد على ما أصابك من أذًى في اللّه {وما صبرك إلاّ باللّه} يقول: وما صبرك إن صبرت إلاّ بمعونة اللّه وتوفيقه إيّاك لذلك {ولا تحزن عليهم} يقول: ولا تحزن على هؤلاء المشركين الّذين يكذّبونك وينكرون ما جئتهم به في أن ولّوا عنك وأعرضوا عمّا أتيتهم به من النّصيحة {ولا تك في ضيقٍ ممّا يمكرون} يقول: ولا يضق صدرك بما يقولون من الجهل ونسبتهم ما جئتهم به إلى أنّه سحرٌ أو شعرٌ أو كهانةٌ {ممّا يمكرون} ممّا يحتالون بالخدع في الصّدّ عن سبيل اللّه من أراد الإيمان بك والتّصديق بما أنزل اللّه إليك.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء العراق: {ولا تك في ضيقٍ} بفتح الضّاد في الضّيق على المعنى الّذي وصفت من تأويله.
وقراءة بعض قرّاء أهل المدينة: ( ولا تك في ضيقٍ ) بكسر الضّاد.
وأولى القراءتين بالصّواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه: {في ضيقٍ} بفتح الضّاد، لأنّ اللّه تعالى إنّما نهى نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يضيق صدره ممّا يلقى من أذى المشركين على تبليغه إيّاهم وحي اللّه وتنزيله، فقال له: {فلا يكن في صدرك حرجٌ منه لتنذر به}، وقال: {فلعلّك تاركٌ بعض ما يوحى إليك وضائقٌ به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنزٌ أو جاء معه ملكٌ، إنّما أنت نذيرٌ}، وإذ كان ذلك هو الّذي نهاه تعالى ذكره، ففتح الضّاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى، تقول العرب: في صدري من هذا الأمر ضيقٌ، وإنّما تكسر الضّاد في الشّيء المعاش وضيق المسكن ونحو ذلك فإن وقع الضّيق بفتح الضّاد في موقع الضّيق بالكسر، كان على الّذي يتّسع أحيانًا ويضيق من قلّةٍ أحد وجهين، إمّا على جميع الضّيقة، كما قال أعشى بني ثعلبة:
فلئن ربّك من رحمته = كشف الضّيقة عنّا وفسح
والآخر على تخفيف الشّيء الضّيّق، كما يخفّف الهيّن اللّيّن، فيقال: هو هيّنٌ ليّنٌ). [جامع البيان: 14/407-408]

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن رجل عن الحسن إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قال اتقوا الله فيما حرم عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/364]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ اللّه مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون}.
يقول تعالى ذكره: {إنّ اللّه} يا محمّد {مع الّذين اتّقوا} اللّه في محارمه فاجتنبوها، وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عن التّقدّم عليها {والّذين هم محسنون} يقول: وهو مع الّذين يحسنون رعاية فرائضه والقيام بحقوقه ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن: {إنّ اللّه مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون} قال: " اتّقوا اللّه فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم ".
- حدّثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن رجلٍ، عن الحسن، مثله
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا، أنّ هرم بن حيّان العبديّ لمّا حضره الموت، قيل له: أوص، قال: " ما أدري ما أوصي، ولكن بيعوا درعي فاقضوا عنّي ديني، فإن لم يف فبيعوا فرسي، فإن لم تف فبيعوا غلامي، وأوصيكم بخواتيم سورة النّحل: {ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالّتي هي أحسن، إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين}. ذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم " لمّا نزلت هذه الآية، قال: " بل نصبر "). [جامع البيان: 14/409-410]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا) الآية
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} قال: اتقوا فيما حرم الله عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم). [الدر المنثور: 9/137]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27 جمادى الأولى 1434هـ/7-04-2013م, 04:48 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
Post

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {ادع إلى سبيل ربّك} الهدى، الطّريق إلى الجنّة.
وقال السّدّيّ: يعني: إلى دين ربّك.
{بالحكمة} يعني: القرآن.
تفسير السّدّيّ.
{والموعظة الحسنة} القرآن.
{وجادلهم بالّتي هي أحسن} يأمرهم بما أمرهم اللّه به، وينهاهم عمّا نهاهم اللّه عنه.
{إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}، أي: إنّهم مشركون ضالّون، وإنّ محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه مؤمنون مهتدون). [تفسير القرآن العظيم: 1/99]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}
جاء في التفسير: {الحكمة} النبوة، و {الموعظة} القرآن.
{وجادلهم بالتي هي أحسن}أي جادلهم غير فظ ولا غليظ القلب في ذلك. ألن لهم جانبك). [معاني القرآن: 3/223]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}
وجادلهم بالتي هي أحسن هي منسوخة). [معاني القرآن: 4/112]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين}
- المعلّى عن أبي بكر بن عبد اللّه عن مجاهدٍ عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا كان يوم أحدٍ مثّل المشركون بحمزة يوم أحدٍ وقطعوا مذاكيره، فلمّا رآه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جزع عليه جزعًا شديدًا فأمر به فغطّي ببردةٍ كانت عليه، فمدّها على وجهه ورأسه وجعل على رجليه إذ خرّ وصلّى عليه، ثمّ قال رسول اللّه: لأمثّلنّ بثلاثين من قريشٍ.
فأنزل اللّه: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين * واصبر وما صبرك إلا باللّه} فصبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وترك ذلك ولم يمثّل.
- ابن لهيعة عن عبيد اللّه بن أبي جعفرٍ عن مكحولٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان ينهى جيوشه عن المثل بالكفّار.
- الحسن بن دينارٍ عن الحسن عن عمران بن حصينٍ قال: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المثلة). [تفسير القرآن العظيم: 1/99-100]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به...}
(نزلت في حمزة) لمّا مثّل المشركون بحمزة يوم أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأمثّلنّ بسبعين شيخاً من قريش فأنزل الله عز وجل: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}
ثم أمره بالصبر فقال {ولئن صبرتم لهو خيرٌ لّلصّابرين} ثم أمره بالصبر عزماً). [معاني القرآن: 2/115]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصّابرين }
سمّي الأول عقوبة، وإنما العقوبة الثاني - لازدواج الكلام لأن الجنسين في الفعل معنى واحد. ومثله: {وجزاء سيّئة سيّئة مثلها} فالثاني ليس بسيئة ولكنه سمّي به ليتفق اللفظ،
لأن معنى القتل واحد وقد بيّنّا نظير هذا في سورة آل عمران في قوله: {ومكروا ومكر اللّه}.
وجاء في التفسير أن المسلمين همّوا بأن يمثّلوا بالمشركين، لأنهم كانوا قد مثّلوا بهم، فهمّ المسلمون بأن يزيدوا في المثلة، فأمروا بأن لا يزيدوا وجائز - واللّه أعلم -
أن يكون معنى: {وجزاء سيّئة سيّئة مثلها} أي من فعل به ما يجب فيه القصاص فلا يجاوز القصاص إلا بمثل.
وقوله جلّ وعزّ: {ولئن صبرتم لهو خير للصّابرين}.
هو مثل قوله: {فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه} ). [معاني القرآن: 3/224-223]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال قتادة لما مثلوا بحمزة رضي الله عنه قال لنمثلن بهم فأنزل الله جل وعز هذه الآية وروى على بن الحكم عن الضحاك قال نزلت هذه الآية قبل القتال وقبل سورة براءة قال أبو جعفر وهذا القول أولى وقد قال زيد بن أسلم نحوه
قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أذن له في جهاد المشركين والغلظة عليهم ويدلك على أن هذا نزل بمكة قوله تعالى: {ولا تك في ضيق مما يمكرون} وأكثر مكرهم وحزنه صلى الله عليه وسلم عليهم كان بمكة، فأما حديث أبي هريرة وابن عباس لما قتل حمزة رحمة الله عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم لأمثلن بسبعين منهم فنزلت:
{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} فإسنادهما ضعيف). [معاني القرآن: 4/113-112]

تفسير قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين}
- المعلّى عن أبي بكر بن عبد اللّه عن مجاهدٍ عن ابن عبّاسٍ قال: لمّا كان يوم أحدٍ مثّل المشركون بحمزة يوم أحدٍ وقطعوا مذاكيره، فلمّا رآه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جزع عليه جزعًا شديدًا فأمر به فغطّي ببردةٍ كانت عليه، فمدّها على وجهه ورأسه وجعل على رجليه إذ خرّ وصلّى عليه، ثمّ قال رسول اللّه: لأمثّلنّ بثلاثين من قريشٍ.
فأنزل اللّه: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين * واصبر وما صبرك إلا باللّه} فصبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وترك ذلك ولم يمثّل.
- ابن لهيعة عن عبيد اللّه بن أبي جعفرٍ عن مكحولٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان ينهى جيوشه عن المثل بالكفّار.
- الحسن بن دينارٍ عن الحسن عن عمران بن حصينٍ، قال: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المثلة). [تفسير القرآن العظيم: 1/100-99] (م)
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {ولا تحزن عليهم} على المشركين إن لم يؤمنوا.
{ولا تك في ضيقٍ ممّا يمكرون} لا يضيق صدرك بمكرهم وكذبهم عليك). [تفسير القرآن العظيم: 1/100]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {واصبر وما صبرك إلاّ باللّه...}
وقوله: {ولا تك في ضيقٍ مّمّا يمكرون} فالضّيق ما ضاق عنه صدرك، والضّيق ما يكون في الذي يتّسع؛ مثل الدار والثوب وأشباه ذلك إذا رأيت الضّيق وقع في موقع الضّيق كان على وجهين: أحدهما أن يكون جمعاً واحدته ضيقة كما قال:
* كشف الضيقة عنا وفسح *
والوجه الآخر أن يراد به شيء ضيّق فيكون مخففاً، وأصله التشديد مثل هين ولين تريد هيّن ليّن). [معاني القرآن: 2/115]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {في ضيقٍ} مفتوح الأول وهو تخفيف ضيّقٍ بمنزلة ميّت وهيّن وليّن، وإذا خففتها قلت ميت ولين وإذا كسرت أول ضيق فهو مصدر الضّيق). [مجاز القرآن: 1/369]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {ولا تك في ضيقٍ} تخفيف ضيّق. مثل: هين ولين. وهو إذا كان على التأويل صفة.
كأنه قال: لا تك في أمر ضيق من مكرهم.
ويقال: إن «ضيق» و«ضيق» بمعنى واحد. كما يقال: رطل ورطل.
ويقال: أنا قي ضيق وضيقة. وهو أعجب إليّ). [تفسير غريب القرآن: 250-249]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {واصبر وما صبرك إلّا باللّه ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق ممّا يمكرون}
ضيق، في معنى ضيّق مخفف، مثل ميت وميّت. وجائز أن يكون بمعنى الضّيق، فيكون مصدرا لقولك ضاق الشيء يضيق ضيقا). [معاني القرآن: 3/224]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {في ضيق} أي في ضيق). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 133]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (فـ {إنّ اللّه} معك و {مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون} ). [تفسير القرآن العظيم: 1/100]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {إنّ اللّه مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون}أي إن اللّه ناصرهم،
كما قال: {لا تحزن إنّ اللّه معنا} فقد وعد في هذه الآية بالنّصر). [معاني القرآن: 3/224]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (قوله جل اسمه: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} روى عن الحسن أنه قال اتقوا الله جل وعز فيما حرم عليكم وأحسنوا في أداء فرائضه). [معاني القرآن: 4/114]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27 جمادى الأولى 1434هـ/7-04-2013م, 04:53 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
Post

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) }

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) }

تفسير قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (أبو عمرو: الضيق الشيء الضيق. والضيق المصدر منه. والضيق الشك يكون في القلب ومنه قوله [عز وجل]: {ولا تك في ضيق مما يمكرون} ). [الغريب المصنف: 3/1005]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 03:57 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 1,933
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 04:02 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 1,933
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 04:13 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 1,933
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}
نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنته للمشركين، أمره الله تعالى أن يدعو إلى الله وشرعه بتلطف، وهو أن يسمع المدعو حكمه، وهو الكلام الصواب القريب الواقع في النفس أجمل موقع، و"الموعظة الحسنة": التخويف والتوجيه والتلطف بالإنسان، بأن يجله وينشطه ويجعله بصورة من يقبل الفضائل، فهذه حالة من يدعى، وحالة من يجادل دون مخاشنة فتظهر عليه دون قتال، والكلام يعطي أن جدك وهمك وتعبك لا يغني; لأن الله قد علم من يؤمن منهم ويهتدي، وعلم من يضل، فجملة المعنى: اسلك هذه السبيل ولا تلجأ للمخاشنة فإنها غير مجدية، لأن علم الله قد سبق بالمهتدي منهم والضال. وقالت فرقة: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وقالت فرقة: هي محكمة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ويظهر لي أن الاقتصار على هذه الحال، وألا يتعدى مع الكفرة متى احتيج إلى المخاشنة وهو منسوخ لا محالة. وأما من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار، ويرجى إيمانه بها دون قتال، فهي فيه محكمة إلى يوم القيامة، وأيضا فهي محكمة في جهة العصاة، فهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة). [المحرر الوجيز: 5/429]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا} الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة رضي الله عنه في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتاب السير، وذهب النحاس إلى أنها مكية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
[المحرر الوجيز: 5/429]
والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا، لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله، ولكن ما روى الجمهور أثبت، وأيضا فقوله تعالى: {ولئن صبرتم} تعلق بمعنى الآية على ما روى الجمع أن كفار قريش لما مثلوا بحمزة رضي الله عنه وقع ذلك من نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين -وفي كتاب النحاس وغيره: بسبعين- منهم"، فقال الناس: إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن، فنزلت هذه الآية.
ثم عزم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر في الآية بعدها وسمى الإذايات في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية، وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب ديباجة القول، وهذا بعكس قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله}، وقوله: {الله يستهزئ بهم}، فإن الثاني هو المجازي، والأول هو الحقيقة. وقرأ ابن سيرين: "وإن عقبتم فعقبوا".
وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ألا ينال من ظالميه إذا تمكن إلا مثل ظلامته، لا يتعداه إلى غيره، واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال، ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل تجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه؟ -فقالت فرقة: "له ذلك"، منهم ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وسفيان، ومجاهد، واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها، وقال مالك -رحمه الله- وفرقة معه: "لا يجوز له ذلك"، واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك
[المحرر الوجيز: 5/430]
ولا تخن من خانك". ووقع في مسند ابن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنا بامرأة آخر، ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر، فاستشار الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر، فقال له هذا:
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ويتقوى في أمر المال قول مالك رحمه الله; لأن الخيانة لاحقة في ذلك، وهي رذيلة لا انفكاك عنها، ولا ينبغي للمرء أن يتأسى بغيره في الرذائل، وإنما ينبغي أن يتجنبها لنفسه، وأما الرجل يظلم في المال، ثم يتمكن من الانتصاف دون أن يؤتمن فيشبه أن ذلك له جائز، يرى أن الله حكم له كما لو تمكن له بالحكم من الحاكم). [المحرر الوجيز: 5/431]

تفسير قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله}، هذه عزيمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر على المجازاة في التمثيل بالقتلى، قال ابن زيد: هذه الآية منسوخة بالقتال، وجمهور الناس على أنها محكمة، ويروى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟"، قالوا: نصبر يا رسول الله كما ندبنا، وقوله: {وما صبرك إلا بالله} أي: بمعونة الله وتأييده لك على ذلك، والضمير في قوله: "عليهم"، قيل: يعود على الكفار، أي: لا تتأسف على أن لم يسلموا، وقالت فرقة: بل يعود على القتلى: حمزة وأصحابه رضوان الله عليهم الذين حزن عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أصوب; إذ يكون عود الضمائر على جهة واحدة.
وقرأ الجمهور: "في ضيق" بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير "في ضيق" بكسرها،
[المحرر الوجيز: 5/431]
ورويت عن نافع وهو غلط ممن رواه، قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر، وقال أبو عبيدة: الضيق مصدر، والضيق مخفف من ضيق، كميت وميت، وهين وهين، قال أبو علي الفارسي: والصواب أن يكون الضيق لغة في المصدر; لأنه إن كان مخففا من ضيق لزم أن تقام الصفة مقام الموصوف، وليس هذا موضع ذلك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
إنما تقوم الصفة مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة، كما تقول: "رأيت ضاحكا"، فإنما تخصص الإنسان، ولو قلت: "رأيت باردا" لم يحسن، وببارد مثل سيبويه رحمه الله، و"ضيق" لا تخصص الموصوف، وقال ابن عباس، وابن زيد: إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ). [المحرر الوجيز: 5/432]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله: {مع الذين اتقوا} أي: بالنصر والمعونة والتأييد، و"اتقوا" يريد: المعاصي، و"محسنون" معناه: يزيدون فيما ندب إليه من فعل الخير). [المحرر الوجيز: 5/432]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 25 ذو الحجة 1439هـ/5-09-2018م, 09:03 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 25 ذو الحجة 1439هـ/5-09-2018م, 09:08 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125)}
يقول تعالى آمرًا رسوله محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو الخلق إلى اللّه {بالحكمة}
قال ابن جريرٍ: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسّنّة {والموعظة الحسنة} أي: بما فيه من الزّواجر والوقائع بالنّاس ذكّرهم بها، ليحذروا بأس اللّه تعالى.
وقوله: {وجادلهم بالّتي هي أحسن} أي: من احتاج منهم إلى مناظرةٍ وجدالٍ، فليكن بالوجه الحسن برفقٍ ولينٍ وحسن خطابٍ، كما قال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالّتي هي أحسن إلا الّذين ظلموا منهم} [العنكبوت: 46] فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون، عليهما السّلام، حين بعثهما إلى فرعون فقال: {فقولا له قولا ليّنًا لعلّه يتذكّر أو يخشى} [طه: 44].
وقوله: {إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي: قدم علم الشّقيّ منهم والسّعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ منه، فادعهم إلى اللّه، ولا تذهب نفسك على من ضلّ منهم حسراتٍ، فإنّه ليس عليك هداهم إنّما أنت نذيرٌ، عليك البلاغ، وعلينا الحساب، {إنّك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56]، و {ليس عليك هداهم} [البقرة: 272]). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 613]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين (126) واصبر وما صبرك إلا باللّه ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيقٍ ممّا يمكرون (127) إنّ اللّه مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون (128)}
يأمر تعالى بالعدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحقّ، كما قال عبد الرّزّاق، عن الثّوريّ، عن خالدٍ، عن ابن سيرين: أنّه قال في قوله تعالى: {فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إن أخذ منكم رجلٌ شيئًا، فخذوا منه مثله.
وكذا قال مجاهدٌ، وإبراهيم، والحسن البصريّ، وغيرهم. واختاره ابن جريرٍ.
وقال ابن زيدٍ: كانوا قد أمروا بالصّفح عن المشركين، فأسلم رجالٌ ذوو منعةٍ، فقالوا: يا رسول اللّه، لو أذن اللّه لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب! فنزلت هذه الآية، ثمّ نسخ ذلك بالجهاد.
وقال محمّد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة "النّحل" كلّها بمكّة، وهي مكّيّةٌ إلّا ثلاث آياتٍ من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحدٍ، حيث قتل حمزة، رضي اللّه عنه، ومثّل به فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لئن ظهرنا عليهم لنمثّلنّ بثلاثين رجلًا منهم" فلمّا سمع المسلمون ذلك قالوا: واللّه لئن ظهرنا عليهم لنمثّلنّ بهم مثلةً لم يمثّلها أحدٌ من العرب بأحدٍ قطّ. فأنزل اللّه: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر السّورة.
وهذا مرسلٌ، وفيه [رجلٌ] مبهمٌ لم يسمّ، وقد روي هذا من وجهٍ آخر متّصلٍ، فقال الحافظ أبو بكرٍ البزّار:
حدّثنا الحسن بن يحيى، حدّثنا عمرو بن عاصمٍ، حدّثنا صالح المرّيّ، عن سليمان التّيميّ، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقف على حمزة بن عبد المطّلب، رضي اللّه عنه، حين استشهد، فنظر إلى منظرٍ لم ينظر أوجع للقلب منه. أو قال: لقلبه [منه] فنظر إليه وقد مثّل به فقال: "رحمة اللّه عليك، إن كنت -لما علمت-لوصولًا للرّحم، فعولًا للخيرات، واللّه لولا حزن من بعدك عليك، لسرّني أن أتركك حتّى يحشرك اللّه من بطون السّباع -أو كلمةً نحوها-أما واللّه على ذلك، لأمثّلنّ بسبعين كمثلتك. فنزل جبريل، عليه السّلام، على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم بهذه السّورة وقرأ: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر الآية، فكفّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم -يعني: عن يمينه-وأمسك عن ذلك.
وهذا إسنادٌ فيه ضعفٌ؛ لأنّ صالحًا -هو ابن بشيرٍ المرّيّ-ضعيفٌ عند الأئمّة، وقال البخاريّ: هو منكر الحديث.
وقال الشّعبيّ وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحدٍ فيمن مثّل بهم: لنمثّلنّ بهم. فأنزل اللّه فيهم ذلك.
وقال عبد اللّه بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدّثنا هديّة بن عبد الوهّاب المروزيّ، حدّثنا الفضل بن موسى، حدّثنا عيسى بن عبيدٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعبٍ قال: لمّا كان يوم أحدٍ، قتل من الأنصار ستّون رجلًا ومن المهاجرين ستّةٌ، فقال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لئن كان لنا يومٌ مثل هذا من المشركين لنربينّ عليهم. فلمّا كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريشٌ بعد اليوم. فنادى منادٍ: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آمن الأسود والأبيض إلّا فلانًا وفلانًا -ناسًا سمّاهم-فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {وإن عاقبتم [فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين]} فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "نصبر ولا نعاقب".
وهذه الآية الكريمة لها أمثالٌ في القرآن، فإنّها مشتملةٌ على مشروعيّة العدل والنّدب إلى الفضل، كما في قوله: {وجزاء سيّئةٍ سيّئةٌ مثلها} ثمّ قال {فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه} [الشّورى: 40]. وقال {والجروح قصاصٌ} ثمّ قال {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} [المائدة: 45]، وقال في هذه الآية الكريمة: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ثمّ قال {ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين}).[تفسير القرآن العظيم: 4/ 613-615]

تفسير قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {واصبر وما صبرك إلا باللّه} تأكيدٌ للأمر بالصّبر، وإخبارٌ بأنّ ذلك إنّما ينال بمشيئة اللّه وإعانته، وحوله وقوّته.
ثمّ قال تعالى: {ولا تحزن عليهم} أي: على من خالفك، لا تحزن عليهم؛ فإنّ اللّه قدّر ذلك، {ولا تك في ضيقٍ} أي: غمٍّ {ممّا يمكرون} أي: ممّا يجهدون [أنفسهم] في عداوتك وإيصال الشّرّ إليك، فإنّ اللّه كافيك وناصرك، ومؤيّدك، ومظهرك ومظفرك بهم). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 615]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {إنّ اللّه مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون} أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته وهذه معيّةٌ خاصّةٌ، كقوله: {إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الّذين آمنوا} [الأنفال: 12]، وقوله لموسى وهارون: {لا تخافا إنّني معكما أسمع وأرى} [طه: 46]، وقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للصّدّيق وهما في الغار: {لا تحزن إنّ اللّه معنا} [التّوبة: 40] وأمّا المعيّة العامّة فبالسّمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم واللّه بما تعملون بصيرٌ} [الحديد: 4]، وكقوله تعالى: {ألم تر أنّ اللّه يعلم ما في السّماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم ولا خمسةٍ إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7]، وكما قال تعالى: {وما تكون في شأنٍ وما تتلو منه من قرآنٍ ولا تعملون من عملٍ إلا كنّا عليكم شهودًا [إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّةٍ في الأرض ولا في السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتابٍ مبينٍ]} [يونس: 61].
ومعنى: {الّذين اتّقوا} أي: تركوا المحرّمات، {والّذين هم محسنون} أي: فعلوا الطّاعات، فهؤلاء اللّه يحفظهم ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيّدهم، ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، حدثنا مسعر، عن ابن عونٍ، عن محمّد بن حاطبٍ قال: كان عثمان، رضي اللّه عنه، من الّذين آمنوا، والّذين اتّقوا، والّذين هم محسنون). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 615-616]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:02 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة