العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة المائدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 10:20 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير سورة المائدة [ من الآية (116) إلى الآية (120) ]

تفسير سورة المائدة
[ من الآية (116) إلى الآية (120) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:20 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر في قوله تعالى {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} متى تكون قال قتادة يوم القيامة ألا ترى أنه يقول هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/201]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن طاووسٍ، عن أبي هريرة، قال: يلقّى عيسى حجّته ولقّاه اللّه في قوله: {وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه} قال أبو هريرة: عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فلقّاه اللّه: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ} الآية كلّها.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/110]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (أخبرنا زكريّا بن يحيى، حدّثنا محمّدٌ، حدّثنا سفيان، عن عمرٍو، عن طاوسٍ، عن أبي هريرة، قال: تلقّى عيسى عليه السّلام حجّته لقّاه الله في قوله: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] قال أبو هريرة، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " فلقّاه الله {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول} [المائدة: 116] الآية كلّها). [السنن الكبرى للنسائي: 10/90]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علاّم الغيوب}.
يقول تعالى ذكره: يوم يجمع اللّه الرّسل، فيقول ماذا أجبتم، إذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه؟
وقيل: إنّ اللّه قال هذا القول لعيسى حين رفعه إليه في الدّنيا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه} قال: لمّا رفع اللّه عيسى ابن مريم إليه، قالت النّصارى ما قالت، وزعموا أنّ عيسى أمرهم بذلك، فسأله عن قوله، فـ {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علاّم الغيوب} إلى قوله: {وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ}.
وقال آخرون: بل هذا خبرٌ من اللّه تعالى ذكره عن أنّه يقول لعيسى ذلك في القيامة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه} قال: والنّاس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقرّ له بالعبوديّة على نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول أنّه إنّما كان يقول باطلاً.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ميسرة، قال: {قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه} فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قال، فـ {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته} الآية.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه}، متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة، ألا ترى أنّه يقول: {هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم}.
فعلى هذا التّأويل الّذي تأوّله ابن جريجٍ يجب أن يكون {وإذ} بمعنى (وإذا)، كما قال في موضعٍ آخر: {ولو ترى إذ فزعوا} بمعنى: يفزعون. وكما قال أبو النّجم:
ثمّ جزاه اللّه عنّا إذ جزى = جنّات عدنٍ في العلاليّ العلا
والمعنى: إذا جزى. وكما قال الأسود:
فالآن إذ هازلتهنّ فإنّما = يقلن ألا لم يذهب الشّيخ مذهبا
بمعنى: إذا هازلتهنّ.
وكأنّ من قال في ذلك بقول ابن جريجٍ هذا، وجّه تأويل الآية إلى: {فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذّبه عذابًا لا أعذّبه أحدًا من العالمين} في الدّنيا، وأعذّبه أيضًا في الآخرة، {إذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه}.
وأولى القولين عندنا بالصّواب في ذلك، قول من قال بقول السّدّيّ، وهو أنّ اللّه تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه، وأنّ الخبر خبرٌ عمّا مضى لعلّتين: إحداهما: أنّ (إذ) إنّما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضي من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحيانًا في موضع الخبر عمّا يحدث إذا عرف السّامعون معناها، وذلك غير فاشٍ ولا فصيحٍ في كلامهم، فتوجيه معاني كلام اللّه تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السّبيل أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر.
والأخرى: أنّ عيسى لم يشكّ هو ولا أحدٌ من الأنبياء أنّ اللّه لا يغفر لمشركٍ مات على شركه، فيجوز أن يتوهّم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربّه تعالى: إن تعذّب من اتّخذني وأمّي إلهين من دونك فإنّهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم.
فإن قال قائلٌ: وما كان وجه سؤال اللّه عيسى: {أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه}، وهو العالم بأنّ عيسى لم يقل ذلك؟
قيل: يحتمل ذلك وجهين من التّأويل.
أحدهما: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيه، كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ ممّا يعلم المقول له ذلك أنّ القائل يستعظم فعل ما قال له: (أفعلته) على وجه النّهي عن فعله والتّهديد له فيه.
والآخر: إعلامه أنّ قومه الّذين فارقهم قد خالفوا عهده وبدّلوا دينهم بعده، فيكون بذلك جامعًا إعلامه حالهم بعده وتحذيره له قيله.
وأمّا تأويل الكلام، فإنّه: {أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين}، أي معبودين تعبدونهما من دون اللّه؟ قال عيسى: تنزيهًا لك يا ربّ وتعظيمًا أن أفعل ذلك أو أتكلّم به، ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ، يقول: ليس لي أن أقول ذلك لأنّي عبدٌ مخلوقٌ، وأمّي أمةٌ لك، فهل يكون للعبد والأمة ادّعاء ربوبيّةٍ؟
{إن كنت قلته فقد علمته}، يقول: إنّك لا يخفى عليك شيءٌ، وأنت عالمٌ أنّي لم أقل ذلك ولم آمرهم به). [جامع البيان: 9/132-136]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علاّم الغيوب}.
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن نبيّه عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه يبرأ إليه ممّا قالت فيه وفي أمّه الكفرة من النّصارى أن يكون دعاهم إليه أو أمرهم به، فقال: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته}، ثمّ قال: {تعلم ما في نفسي}، يقول: إنّك يا ربّ لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي ممّا لم أنطق به ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما قد نطقت به وأظهرته بجوارحي؟ يقول: لو كنت قد قلت للنّاس {اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه} كنت قد علمته، لأنّك تعلم ضمائر النّفوس ممّا لم تنطق به، فكيف بما قد نطقت به؟ {ولا أعلم ما في نفسك} يقول: ولا أعلم أنا ما أخفيته عنّي فلم تطلعني عليه، لأنّي إنّما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه. {إنّك أنت علاّم الغيوب} يقول: إنّك أنت العالم بخفيّات الأمور الّتي لا يطّلع عليها سواك ولا يعلمها غيرك). [جامع البيان: 9/136-137]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علّام الغيوب (116)
قوله تعالى: وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، ثنا جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السّائب، عن ميسرة قال: لمّا قال اللّه تعالى: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال: فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قالها. قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ.
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ قال: سمعت يحيى بن معينٍ يقول:
سمعت يحيى بن آدم يقول: سمعت حسن بن صالحٍ يقول: لمّا قال: أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله قال: زال كلّ مفصلٍ له عن مكانه خيفة فيقول: سبحانك... إن كنت قلته فقد علمته.
- أخبرنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق ، أنبأ معمرٌ، عن قتادة في قوله: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله متى يكون قال: يوم القيامة ألا ترى أنّه يقول: هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم؟
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال: لمّا رفع اللّه تعالى عيسى ابن مريم إليه قالت النّصارى ما قالت وزعموا أنّ عيسى أمرهم بذلك.
قوله تعالى: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق
- حدّثنا أبي، ثنا ابن عمر، ثنا سفيان، عن عمرٍو، عن طاوسٍ، عن أبي هريرة قال: تلقّى عيسى حجّته ولقاءه اللّه في قوله: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله قال أبو هريرة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: فلقّاه اللّه: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته الآية كلّها
- أخبرنا عمرو بن ثورٍ فيما كتب إليّ، ثنا الفريابيّ، ثنا سفيان، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ قال: احتجّ عيسى ربّه في هذه الآية، واللّه وفّقه.
قوله تعالى: إن كنت قلته فقد علمته
- حدّثنا أبي ثنا أبو غسّان مالك بن إسماعيل، ثنا قيسٌ عن عطاء بن السّائب، عن ميسرة في قوله: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله قال: أرعد كلّ مفصلٍ فيه حتّى وقع مخافة أن يكون قالها، وما قال: إنّي لم أقل، ولكنّه قال: إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علّام الغيوب). [تفسير القرآن العظيم: 4/1252-1253]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج الترمذي وصححه والنسائي، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال: يلقي الله عيسى حجته والله لقاه في قوله {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} قال أبو هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: فلقاه الله {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق}، الآية كلها.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ميسرة قال: لما {قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} أرعد كل مفصل منه حتى وقع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن صالح قال: لما قال {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} زال كل مفصل له من مكانه خيفة.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} متى يكون ذلك قال: يوم القيامة ألا ترى انه يقول {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} المائدة الآية 119.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} قال: لما رفع الله عيسى بن مريم إليه قالت النصارى ما قالت وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك فسأله عن قوله {قال سبحانك ما يكون لي} إلى قوله {وأنت على كل شيء شهيد}.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن طاووس في هذه الآية قال: احتج عيسى وربه والله وفقه {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق}.
وأخرج أبو الشيخ من طريق طاووس عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال إن عيسى حاجه ربه فحاج عيسى ربه والله لقاه حجته بقوله {أأنت قلت للناس} الآية.
وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ودعي كل أناس بإمامهم قال: ويدعى عيسى فيقول لعيسى {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} فيقول {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} إلى قوله {يوم ينفع الصادقين صدقهم}.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} والناس يسمعون فراجعه بما قد رأيت فأقر له بالعبودية على نفسه فعلم من كان يقول في عيسى ما كان يقول أنه إنما كان يقول باطلا). [الدر المنثور: 5/605-607]

تفسير قوله تعالى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى كنت أنت الرقيب عليهم قال الحفيظ عليهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/201]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (وقال ابن عبّاسٍ: {متوفّيك} [آل عمران: 55]: «مميتك»). [صحيح البخاري: 6/54] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وقال ابن عبّاسٍ متوفّيك مميتك هكذا ثبت هذا هنا وهذه اللّفظة إنّما هي في سورة آل عمران فكأنّ بعض الرّواة ظنّها من سورة المائدة فكتبها فيها أو ذكرها المصنّف هنا لمناسبة قوله في هذه السّورة فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب). [فتح الباري: 8/283] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
وقال ابن عبّاس متوفيك مميتك قال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علّي عن ابن عبّاس بهذا). [تغليق التعليق: 4/206]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال ابن عبّاسٍ متوفّيك مميتك أشار به إلى قوله تعالى: {إذا قال الله يا عيسى إنّي متوفيك ورافعك إليّ} (آل عمران: 55) ولكن هذا في سورة آل عمران، وكان المناسب أن يذكر هناك، وقال بعضهم: كأن بعض الرواة ظنّها من سورة المائدة فكتبها فيها وقال الكرماني: ذكر هذه الكلمة هاهنا وإن كانت من سورة آل عمران لمناسبة قوله تعالى: {فلمّا توفيتني كنت أنت الرّقيب عليهم} (المائدة: 117) وكلاهما من قصّة عيسى عليه الصّلاة والسّلام، قلت: هذا بعيد لا يخفى بعده، والّذي قاله بعضهم أبعد منه فليتأمّل، ثمّ إن تعليق ابن عبّاس هذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه: حدثنا أبو صالح حدثنا معاوية عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس). [عمدة القاري: 18/214-215]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (وقال ابن عباس) -رضي الله عنهما- فيما رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: {يا عيسى إني} ({متوفيك}) [آل عمران: 55] معناه (مميتك) وهذه الآية من سورة آل عمران. قيل: وذكرها هنا لمناسبة {فلما توفيتني} وكلاهما في قصة عيسى). [إرشاد الساري: 7/112]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم، فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم، وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ} [المائدة: 117]
- حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا شعبة، أخبرنا المغيرة بن النّعمان، قال: سمعت سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: خطب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النّاس، إنّكم محشورون إلى اللّه حفاةً عراةً غرلًا» ، ثمّ قال: {كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده، وعدًا علينا إنّا كنّا فاعلين} [الأنبياء: 104] إلى آخر الآية، ثمّ قال: " ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنّه يجاء برجالٍ من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال، فأقول: يا ربّ أصيحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصّالح: {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم، فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ} [المائدة: 117] فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم "). [صحيح البخاري: 6/55]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم)
ذكر فيه حديث بن عبّاسٍ إنّكم محشورون إلى اللّه حفاةً الحديث وسيأتي شرحه في الرّقاق والغرض منه فأقول كما قال العبد الصّالح وكنت عليهم شهيدًا مادمت فيهم وقوله

[4625] أصيحابي كذا للأكثر بالتّصغير وللكشميهنيّ بغير تصغيرٍ قال الخطّابيّ فيه إشارةٌ إلى قلّة عدد من وقع لهم ذلك وإنّما وقع لبعض جفاة العرب ولم يقع من أحد الصّحابة المشهورين). [فتح الباري: 8/286]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدا} (المائدة: 117)

أي: هذا باب في قوله تعالى: {وكنت عليهم شهيدا} الآية هذه والآيات الّتي قبلها من قوله: {وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس} (المائدة: 116) إلى آخر السّورة، ممّا يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليهما السّلام قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتّخذه وأمه إلاهين من دون الله تهديدا للنّصارى وتوبيخا وتقريعا على رؤوس الأشهاد، وهكذا قال قتادة وغيره.)
- حدّثنا أبو الوليد حدّثنا شعبة أخبرنا المغيرة بن النّعمان قال سمعت سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيّها النّاس إنّكم محشورون إلى الله حفاةً عراةً غرلاً ثمّ قال: {كما بدأنا أول خلقٍ نعيده وعدا علينا إنّا كنّا فاعلين} (الأنبياء: 104) إلى آخر الآية ثمّ قال ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنّه يجاء برجالٍ من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال فأقول يا ربّ أصيحابي فيقال إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا توفيتني كنت أنت الرّقيب عليهم} فيقال إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطّيالسيّ، والحديث قد مضى في مناقب إبراهيم عليه السّلام، وأخرجه هناك عن محمّد بن كثير عن سفيان عن المغيرة بن النّعمان عن سعيد بن جبير عن النّبي صلى الله عليه وسلم، إلى آخره.
قوله: (غرلًا) بضم الغين المعجمة جمع أغرل وهو الّذي لم يختن وبقيت منه غرلته وهي ما يقطعه الختان من ذكر الصّبي. قوله: (ذات الشمال)، جهة النّار. قوله: (أصيحابي)، مصغر الأصحاب، كذا في رواية الأكثرين بالتّصغير يدل على تقليل عددهم ولم يرد به خواص أصحابه الّذين لزموه وعرفوا بصحبته أولئك صانهم الله وعصمهم من التبديل، والّذي وقع من تأخير بعض الحقوق إنّما كان من جفاة الأعراف وكذلك الّذي ارتدّ ما كان إلاّ منهم ممّن لا بصيرة له في الدّين وذلك لا يوجب قدحا في الصّحابة المشهورين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قوله: (العبد الصّالح)، هو عيسى ابن مريم، عليهما السّلام). [عمدة القاري: 18/217-218]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ} [المائدة: 117]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ({وكنت عليهم شهيدًا}) رقيبًا كالشاهد لم أمكنهم من هذا القول الشنيع وهو المذكور في قوله تعالى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} فضلًا عن أن يعتقدوه ({ما دمت فيهم فلما توفيتني}) أي بالرفع إلى السماء لقوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك} [آل عمران: 55] والمتوفى أخذ الشيء وافيًا والموت نوع منه ({كنت أنت الرقيب عليهم}) المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته بأدلة العقل والآيات التي أنزلت إليهم ({وأنت على كل شيء شهيد}) [المائدة: 117] مطلع عليه مراقب له.
قال في فتوح الغيب: فإن قلت: إذا كان الشهيد بمعنى الرقيب فلم عدل عنه إلى الرقيب في قوله تعالى: {كنت أنت الرقيب عليهم} مع أنه ذيل الكلام بقوله: {وأنت على كل شيء شهيد}؟ وأجاب: بأنه خولف بين العبارتين ليميز بين الشهيدين والرقيبين فيكون عيسى عليه السلام رقيبًا ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم بل هو كالشاهد على المشهود عليه ومنعه بمجرد القول، وأنه تعالى هو الذي يمنع منع إلزام بنصب الأدلة وإنزال البينات وإرسال الرسل، وسقط لأبي ذر قوله: {فلما توفيتني} الخ ... وقال بعد قوله: {ما دمت فيهم} الآية.
- حدّثنا أبو الوليد حدّثنا شعبة، أخبرنا المغيرة بن النّعمان، قال: سمعت سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ -رضي الله عنهما- قال: خطب رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال: «يا أيّها النّاس إنّكم محشورون إلى اللّه حفاةً عراةً غرلًا» ثمّ قال: «{كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدًا علينا إنّا كنّا فاعلين}» إلى آخر الآية. ثمّ قال: «ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنّه يجاء برجالٍ من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال فأقول: يا ربّ أصيحابي فيقال: إنّك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال: العبد الصّالح: {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم} فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (قال: سمعت سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: خطب رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال):
(يا أيها الناس إنكم محشورون) أي مجموعون يوم القيامة (إلى الله) تعالى حال كونكم (حفاة عراة غرلًا) بضم الغين وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف، والغرلة القلفة التي تقطع من ذكر الصبي. قال ابن عبد البر: يحشر الآدمي عاريًا ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع له شيء يرد حتى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة فلما أزالوها في الدنيا أعادها الله في الآخرة ليذيقها من حلاوة فضله، وسقط لأبي ذر: عراة (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: ولأبي ذر عن الكشميهني ثم قرأ: ({كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين}) [الأنبياء: 104] (إلى آخر الآية). قال في شرح المشكاة: إن قيل سياق الآية في إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم عن العدم كما أوجدناكم أولًا عن العدم فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور؟ وأجاب: بأن سياق الآية دل على إثبات الحشر وأشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج.
(ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (ألا) بالتخفيف للاستفتاح (وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم) الخليل -صلّى اللّه عليه وسلّم- لأنه أول من عري في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النار ولا يلزم من أوليته لذلك تفضيله على نبينا -صلّى اللّه عليه وسلّم- لأنا نقول إذا استأثر الله عبدًا بفضيلة على آخر واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بغيرها أفضل منها كانت الفضيلة له، فحلة نبينا -صلّى اللّه عليه وسلّم- التي يكساها بعد الخليل حلة خضراء وهي حلة الكرامة بقرينة إجلاسه عند ساق العرش فهي أعلى وأكمل فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية ولا خفاء بأن منصب الشفاعة حيث لا يؤذن لأحد غير نبينا فيه لم يبق سابقة لأولي السابقة ولا فضيلة لذوي الفضائل إلا أتت عليها وكم له من فضائل مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها (ألا) بالتخفيف أيضًا (وإنه يجاء) بضم الياء وفتح الجيم (برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال) جهة النار (فأقول: يا رب أصيحابي) بضم الهمزة وفتح المهملة مصغرًا والتصغير يدل على التقليل والمراد أنهم تأخروا عن بعض الحقوق وقصروا فيها أو من ارتد من جفاة الأعراب ولأبي ذر عن الكشميهني أصحابي بالتكبير (فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: كما قال العبد الصالح) عيسى -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ({وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) وزاد أبو ذر {وأنت على كل شيء شهيد}.
وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى.
(فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ) بالنون لأبي ذر عن الكشميهني مذ (فارقتهم) لم يرد به خواص الصحابة الذين لزموه وعرفوا بصحبته فقد صانهم الله تعالى وعصمهم من ذلك وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب من المؤلّفة قلوبهم ممن لا بصيرة له في الدين.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الرقاق بعون الله تعالى وقوته). [إرشاد الساري: 7/113-115]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ}.
وهذا خبرٌ من اللّه تعالى ذكره عن قول عيسى يقول: ما قلت لهم إلاّ الّذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم: {اعبدوا اللّه ربّي وربّكم} {وكنت عليهم شهيدًا} يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم. {فلمّا توفّيتني} يقول: فلمّا قبضتني إليك، {كنت أنت الرّقيب عليهم} يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، لأنّي إنّما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم.
وفي هذا تبيانٌ أنّ اللّه تعالى إنّما عرّفه أفعال القوم ومقالتهم بعدما قبضه إليه وتوفّاه بقوله: {أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه}.
{وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ} يقول: وأنت تشهد على كلّ شيءٍ، لأنّه لا يخفى عليك شيءٌ، وأمّا أنا فإنّما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيمٌ بين أظهر القوم، فإنّما أنا أشهد على ذلك الّذي عاينت ورأيت وشهدت.
وبنحو الّذي قلنا في قوله: كنت أنت الرّقيب عليهم قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {كنت أنت الرّقيب عليهم} أمّا الرّقيب: فهو الحفيظ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {كنت أنت الرّقيب عليهم} قال: الحفيظ.
وكانت جماعةٌ من أهل العلم تقول: كان جواب عيسى الّذي أجاب به ربّه من اللّه تعالى توقيفًا منه له فيه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن معمرٍ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه: {أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ}، قال: اللّه وقّفه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبو داود الحفريّ قال: قرئ على سفيان، عن معمرٍ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه طاووسٍ قال: احتجّ عيسى واللّه وقّفه: {أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه} الآية.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ميسرة، قال: قال اللّه تعالى: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه} قال: فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قالها، فـ {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علاّم الغيوب}). [جامع البيان: 9/137-138]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ما قلت لهم إلّا ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ (117)
قوله تعالى: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به
- ذكر أبي، عن محمود بن مرداسٍ، ثنا يحيى بن أبي روقٍ، عن أبيه، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم قال: سيّدي وسيّدكم.
قوله تعالى: وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ، ثنا أبو داود قال: انطلقت أنا وسفيان الثّوريّ إلى المغيرة بن النّعمان فأملاه على سفيان وأنا معه فلمّا قام.. من سفيان فحدّثنا قال: سمعت سعيد بن جبيرٍ يحدّث عن ابن عبّاسٍ قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بموعظةٍ فقال: يا أيّها النّاس إنّكم محشورون إلى اللّه حفاةً عراةً غرلا كما بدأنا أوّل الخلق نعيده، وإنّ أوّل الخلائق تحشر يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنّه يجاء برجالٍ من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال فأقول: أصحابي فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصّالح: وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم الآية إلى ليفرّقا فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم.
قوله تعالى: فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق أنبأ معمرٌ، عن قتادة في قوله: كنت أنت الرّقيب عليهم قال: الحفيظ). [تفسير القرآن العظيم: 4/1254]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} [المائدة: 117]
- عن ابن مسعودٍ قال: قال النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم -: «{كنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} [المائدة: 117]: ما كنت فيهم».
رواه الطّبرانيّ، ورجاله رجال الصّحيح). [مجمع الزوائد: 7/19]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {أن اعبدوا الله ربي وربكم} قال: سيدي وسيدكم.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان وأبو الشيخ، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا ثم قرأ {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} الأنبياء الآية 104 ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} فيقال: أما هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {كنت أنت الرقيب عليهم} قال: الحفيظ.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {كنت أنت الرقيب} قال: الحفيظ). [الدر المنثور: 5/607-608]

تفسير قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فقال والله ما كانوا طعانين ولا لعانين). [تفسير عبد الرزاق: 1/201]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118]
- حدّثنا محمّد بن كثيرٍ، حدّثنا سفيان، حدّثنا المغيرة بن النّعمان، قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: " إنّكم محشورون وإنّ ناسًا يؤخذ بهم ذات الشّمال، فأقول كما قال العبد الصّالح: {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} [المائدة: 117] إلى قوله {العزيز الحكيم} [البقرة: 129] "). [صحيح البخاري: 6/55]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله إن تعذّبهم فإنّهم عبادك الآية)
ذكر فيه حديث ابن عبّاسٍ المذكور قبل أورده مختصرًا). [فتح الباري: 8/286]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} (المائدة: 118)
(أي: هذا باب في قوله عز وجل: {أن تعذبهم} الآية. هذا حكاية عن كلام عيسى عليه السّلام، ذكر ذلك على وجه الاستعطاف والتّسليم لأمره عز وجل، والمعنى: إن تعذب هؤلاء فذلك بإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم لأنهم عبادك وأنت العادل فيهم وأنت في مغفرتك عزيز لا يمتنع عليك ما تريد حكيم في ذلك.

- حدّثنا محمّد بن كثيرٍ حدّثنا سفيان حدّثنا المغيرة بن النّعمان قال حدّثني سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال إنّكم محشورون وإنّ ناسا يؤخذ بهم ذات الشّمال فأقول كما قال العبد الصّالح. وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وسفيان هو الثّوريّ، والحديث أخرجه أيضا في الرقاق عن بندار عن غندر، وفي أحاديث الأنبياء عن محمّد بن يوسف، وأخرجه مسلم في صفة القيامة عن أبي موسى وبندار وغيرهما. وأخرجه التّرمذيّ في الزّهد عن أبي موسى وغيره، وأخرجه النّسائيّ في الجنائز عن محمّد بن غيلان وغيره، وفي التّفسير عن سليمان بن عبد الله. قوله: (محشورون)، يعني: مجموعون يوم القيامة. قوله: (وأن ناسا) ويروى، وأن رجالًا). [عمدة القاري: 18/218]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118]
(باب قوله) عز وجل: ({وإن تعذبهم فإنهم عبادك}) أي إن عذبتهم فلا تعذب إلا عبادك ولا اعتراض على المالك فيما يتصرف فيه من ملكه وهم يستحقون ذلك حيث عبدوا غيرك ({وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}) [المائدة: 118]. إن قيل: كيف جاز أن يقول وأن تغفر لهم فتعرّض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة؟ أجيب: بأن هذا ليس بسؤال وإنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، ولذا قال: فإنك أنت العزيز الحكيم تنبيهًا على أنه لا امتناع لأحد من عزته ولا اعتراض في حكمه وحكمته فإن عذبت فعدل وإن غفرت ففضل. قال:
أذنبت ذنبًا عظيمًا = وأنت للعفو أهل
فإن عفوت ففضل = وإن جزيت فعدل
وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته وسط قوله: {وإن تغفر لهم} الخ لأبي ذر وقال بعد قوله: {فإنهم عبادك} الآية.
- حدّثنا محمّد بن كثيرٍ، حدّثنا سفيان، حدّثنا المغيرة بن النّعمان، قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: «إنّكم محشورون، وإنّ ناسًا يؤخذ بهم ذات الشّمال فأقول: كما قال العبد الصّالح: {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} -إلى قوله- {العزيز الحكيم}.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (سفيان) الثوري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (المغيرة بن النعمان) النخعي (قال: حدّثني) بالإفراد (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (عن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أنه (قال):
(إنكم محشورون) أي يوم القيامة وزاد في الرواية السابقة إلى الله (وإن ناسًا) ولأبي ذر عن الكشميهني وأن رجالًا (يؤخذ بهم ذات الشمال) جهة النار (فأقول كما قال العبد الصالح) عيسى ابن مريم -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ({وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} -إلى قوله- {العزيز الحكيم}).
فإن قلت: ما وجه مناسبة العزيز الحكيم بعد التعذيب والمغفرة وبالنظر إلى القسم الآخر الغفور أنسب ظاهرًا؟ أجيب: بأن مجموع الوصفين لمجموع الحكمين كأنه قال: إن تعذبهم فإنهم
عبادك ولا يفوتك ولا يؤدك تعذيبهم وأن تغفر لهم فإنك أنت الحكيم الذي لا يفعل إلا بمقتضى الحكمة لا بالنظر إلى أنهم يستحقون المغفرة بل باعتبار أن فعلك لا يكون إلا على وجه الصواب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الرقاق وأحاديث الأنبياء، ومسلم في صفة القيامة، والترمذي في الزهد، والنسائي في الجنائز والتفسير). [إرشاد الساري: 7/115]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك}
- أخبرنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثني إسحاق بن يوسف، حدّثنا سفيان، وأخبرنا محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم، حدّثنا إسحاق، عن سفيان، عن المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في النّاس فوعظهم وقال: «يا أيّها النّاس إنّكم محشورون إلى الله حفاةً عراةً غرلًا» ثمّ قرأ {كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدًا علينا إنّا كنّا فاعلين} [الأنبياء: 104] فيجاء برجالٍ من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال، فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي، فيقال: هل تعلم ما أحدثوا بعدك؟ فأقول كما قال العبد الصّالح: {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} [المائدة: 117] إلى {العزيز الحكيم} [المائدة: 118] فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم "
- أخبرنا نوح بن حبيبٍ، حدّثنا يحيى يعني ابن سعيدٍ، حدّثنا قدامة بن عبد الله، حدّثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت أبا ذرٍّ، يقول: " قام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى أصبح بآيةٍ، والآية {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/90]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم}.
يقول تعالى ذكره: إن تعذّب هؤلاء الّذين قالوا هذه المقالة بإماتتك إيّاهم عليها، {فإنّهم عبادك}، مستسلمون لك، لا يمتنعون ممّا أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًّا ولا أمرًا تنالهم به. {وإن تغفر لهم} بهدايتك إيّاهم إلى التّوبة منها فتستر عليهم، {فإنّك أنت العزيز} في انتقامه ممّن أراد الانتقام منه، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه، {الحكيم} في هدايته من هدى من خلقه إلى التّوبة، وتوفيقه من وفّق منهم لسبيل النّجاة من العقاب.
- كالّذي حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في قوله: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم} فتخرجهم من النّصرانيّة وتهديهم إلى الإسلام، {فإنّك أنت العزيز الحكيم}، وهذا قول عيسى في الدّنيا.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم}، قال: واللّه ما كانوا طعّانين ولا لعّانين). [جامع البيان: 9/139]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم (118)
قوله تعالى: إن تعذّبهم فإنّهم عبادك
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا ابن وهبٍ، أخبرني عمرو بن الحارث أنّ بكر بن سوارة، حدّثه عن عبد الرّحمن بن جبيرٍ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تلا قول عيسى: إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فرفع يديه وقال: اللّهمّ أمّتي أمّتي. وبكى. فقال اللّه عزّ وجلّ: يا جبريل اذهب إلى محمّدٍ- وربك أعلم- فسأله ما يبكيه فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما قال: وهو أعلم فقال اللّه: يا جبريل اذهب إلى محمّدٍ، فقل، إنّا سنرضيك في أمّتك فلا نسوؤك.
- أخبرنا جعفر بن عليٍّ الحنفيّ فيما كتب إليّ، ثنا ابن أبي أويسٍ، حدّثني عبد القدّوس بن إبراهيم الصّنعانيّ، عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبّهٍ، عن أبي عثمان النّهديّ، عن سلمان الخير أنّه قال:
لمّا سأل الحواريون عيسى بن مريم المائدة- أوحى الله إلى عيسى بن مريم أنّي معذّبٌ منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذّبه أحدًا من العالمين: فقال عيسى مستكينًا لربّه إلهي إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم فلمّا أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورةٍ مع نسائهم آمنين، فلمّا كان في آخر اللّيل مسخهم اللّه خنازير، وأصبحوا يتتبّعون الأقذار في الكناسات، وأمّا سائر بني إسرائيل يطيفون بعيسى خوفًا ورعبًا ممّا لقي أصحابهم.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: إن تعذّبهم فإنّهم عبادك يقول: إن تعذّبهم تميتهم بنصرانيّتهم فيحقّ عليهم العذاب فإنّهم عبادك.
- ذكر عن سلمة بن شبيبٍ، ثنا أبو عبد الرّحمن المقري، ثنا ابن لهيعة، ثنا ابن هبيرة، حدّثنا أبو تميمٍ، حدّثني سعيد بن المسيّب أنّه سمع حذيفة يقول: غاب عنّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومًا فلم يخرج حتّى ظننّا ألا يخرج، فلمّا خرج قال: إنّ ربّي قال لي: في أمّتي بالّذي يفعل به. فقلت: ما شئت هم خلقك وعبادك، إن تعذّبهم فأنت أعلم ثمّ قال في الثّالثة: فقلت مثل ذلك. فبشّرني أنّي أوّل من يدخل الجنّة، ومعي سبعون ألفًا من أمتي يدخلون الجنة، مع كل ألفا سبعون ألف بغير حسابٍ.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: وإن تغفر لهم فتخرجهم من النّصرانيّة، وتهديهم إلى الإسلام فإنّك أنت العزيز الحكيم. هذا قول عيسى عليه السّلام في الدّنيا). [تفسير القرآن العظيم: 4/1254-1255]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (أخبرنا محمّد بن المسيّب بن إسحاق حدّثنا موسى بن عبد الرّحمن المسروقيّ حدّثنا حسين بن عليٍّ الجعفيّ عن فضيل بن عياضٍ عن هشام بن حسّان عن محمّد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: "لو أنّ اللّه يؤاخذني وعيسى بذنوبنا لعذّبنا ولا يظلمنا شيئا" وأشار بالسبابة والّتي تليها). [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: 1/429-430]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد والنسائي، وابن مردويه والبيهقي في "سننه" عن أبي ذر قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الآية، فلما أصبح قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي وائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا
وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال قام النّبيّ صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}.
وأخرج مسلم والنسائي، وابن أبي الدنيا في حسن الظن، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني} إبراهيم الآية 36 الآية، وقال عيسى بن مريم {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه فقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة يشفع لأمته فكان يصلي بهذه الآية {إن تعذبهم فإنهم عبادك} إلى آخر الآية، كان بها يسجد وبها يركع وبها يقوم وبها يقعد حتى أصبح.
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية من القرآن ومعك قرآن لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه قال: دعوت لأمتي، قال: فماذا أجبت قال: أجبت بالذي لو اطلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة، قال: أفلا أبشر الناس قال: بلى، فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادة فناداه أن ارجع فرجع وتلا الآية التي يتلوها {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {إن تعذبهم فإنهم عبادك} يقول: عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم {وإن تغفر لهم} أي من تركت منهم ومد في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض يقتل الدجال فنزلوا عن مقالتهم ووحدوك وأقروا انا عبيد {وإن تغفر لهم} حيث رجعوا عن مقالتهم {فإنك أنت العزيز الحكيم}.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {إن تعذبهم فإنهم عبادك} يقول: إن تعذبهم تميتهم بنصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك {وإن تغفر لهم} فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام {فإنك أنت العزيز الحكيم} هذا قول عيسى عليه السلام في الدنيا). [الدر المنثور: 5/608-610]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال اللّه هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم لهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم}.
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: هذا يوم ينفع الصّادقين، فقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والمدينة: (هذا يوم ينفع الصّادقين) بنصب (يوم).
وقرأ بعض أهل الحجاز وبعض أهل المدينة وعامّة قرّاء أهل العراق: هذا يوم ينفع الصّادقين برفع (يوم). فمن رفعه رفعه بهذا، وجعل (يوم) اسمًا، وإن كانت إضافته غير محضةٍ، لأنّه صار كالمنعوت.
وكان بعض أهل العربيّة يزعم أنّ العرب يعملون في إعراب الأوقات مثل اليوم واللّيلة عملهم فيما بعدها، إن كان ما بعدها رفعًا رفعوها، كقولهم: هذا يوم يركب الأمير، وليلة يصدر الحاجّ، ويوم أخوك منطلقٌ، وإن كان ما بعدها نصبًا نصبوها، وكذلك كقولهم: هذا يوم خرج الجيش وسار النّاس، وليلة قتل زيدٌ ونحو ذلك، وإن كان معناها في الحالين (إذ)، و(إذا). وكأنّ من قرأ هذا هكذا رفعًا وجّه الكلام إلى أنّه من قيل اللّه يوم القيامة.
وكذلك كان السّدّيّ يقول في ذلك.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {قال اللّه هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم}: هذا فصلٌ من كلام عيسى، وهذا يوم القيامة.
يعني السّدّيّ بقوله: هذا فصلٌ من كلام عيسى، أنّ قوله: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ} إلى قوله: {فإنّك أنت العزيز الحكيم} من خبر اللّه عزّ وجلّ عن عيسى أنّه قاله في الدّنيا بعد أن رفعه إليه، وأنّ ما بعد ذلك من كلام اللّه لعباده يوم القيامة.
وأمّا النّصب في ذلك، فإنّه يتوجّه من وجهين:
أحدهما: أنّ إضافة (يوم) ما لم تكن إلى اسمٍ تجعله نصبًا، لأنّ الإضافة غير محضةٍ، وإنّما تكون الإضافة محضةً إذا أضيف إلى اسمٍ صحيحٍ. ونظير اليوم في ذلك الحين والزّمان وما أشبههما من الأزمنة، كما قال النّابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصّبا = وقلت ألمّا أصح والشّيب وازع
والوجه الآخر: أن يكون مرادًا بالكلام هذا الأمر وهذا الشّأن، ({يوم ينفع الصّادقين})، فيكون اليوم حينئذٍ منصوبًا على الوقت والصّفة، بمعنى: هذا الأمر في يوم ينفع الصّادقين صدقهم.
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصّواب: ({هذا يوم ينفع الصّادقين}) بنصب اليوم على أنّه منصوبٌ على الوقت والصّفة، لأنّ معنى الكلام: أنّ اللّه تعالى أجاب عيسى حين قال: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته} إلى قوله: {فإنّك أنت العزيز الحكيم}، فقال له عزّ وجلّ: هذا القول النّافع أو هذا الصّدق النّافع يوم ينفع الصّادقين صدقهم، فاليوم وقت القول والصّدق النّافع.
فإن قال قائلٌ: فما موضع (هذا)؟ قيل: رفعٌ، فإن قال: فأين رافعه؟ قيل: مضمرٌ، وكأنّه قال: قال اللّه عزّ وجلّ: هذا، هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم، كما قال الشّاعر:
أما ترى السّحاب كيف يجري = هذا ولا خيلك يا ابن بشر
يريد: هذا هذا، ولا خيلك.
فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا لما بيّنّا: قال اللّه لعيسى: هذا القول النّافع في يوم ينفع الصّادقين في الدّنيا صدقهم ذلك في الآخرة عند اللّه.
{لهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار} يقول: للصّادقين في الدّنيا جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار في الآخرة ثوابًا لهم من اللّه عزّ وجلّ، على ما كان من صدقهم الّذي صدقوا اللّه فيما وعدوه، فوفّوا به للّه، فوفّى اللّه عزّ وجلّ لهم ما وعدهم من ثوابه. {خالدين فيها أبدًا} يقول: باقين في الجنّات الّتي أعطاهموها أبدًا دائمًا لهم فيها نعيمٌ لا ينتقل عنهم ولا يزول.
وقد بيّنّا فيما مضى أنّ معنى الخلود: الدّوام والبقاء). [جامع البيان: 9/140-142]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم}.
يقول تعالى ذكره: رضي اللّه عن هؤلاء الصّادقين الّذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، {ورضوا عنه} يقول: ورضوا هم عن اللّه تعالى في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إيّاه، فيما أمرهم ونهاهم من جزيل ثوابه. ذلك الفوز العظيم، يقول: هذا الّذي أعطاهم اللّه من الجنّات الّتي تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، مرضيًّا عنهم، وراضين عن ربّهم، هو الظّفر العظيم بالطّلبة وإدراك الحاجة الّتي كانوا يطلبونها في الدّنيا، ولها كانوا يعملون فيها، فنالوا ما طلبوا وأدركوا ما أملوا). [جامع البيان: 9/142]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قال اللّه هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم لهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119)
قوله تعالى: هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم
- ذكر أبي، عن محمّد بن مرداسٍ، ثنا يحيى بن أبي روقٍ، عن أبيه، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم يقول: هذا يوم ينفع الموحّدين توحيدهم.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا رجلٌ سمّاه، ثنا هشام بن يوسف في تفسير ابن جريجٍ: هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم: أبو بكرٍ وعمر- زعم ذلك الحسن.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: قال الله هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم: هذا أفضل من كلام عيسى، وهذا يوم القيامة.
قوله تعالى: لهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن مسروقٍ قال: قال عبد اللّه: أنهار الجنّة تفجّر من جبل مسكٍ.
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى الأنصاريّ، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: تجري من تحتها الأنهار يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها.
قوله تعالى: خالدين فيها
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، ثنا ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: خالدين فيها يعني: لا يموتون.
قوله تعالى: أبداً
- حدّثنا محمّد بن يحيى، ثنا محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق، حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ خالدين فيها أبدًا: لا انقطاع له.
قوله تعالى: رضي اللّه عنهم ورضوا عنه
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا المحاربيّ، عن ليثٍ، عن عثمان بن عمر أبي اليقظان، عن أنسٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ثمّ تجلّى لهم الرّبّ تبارك وتعالى فيقول: سلوني، سلوني أعطكم قال: فيسألونه الرضى. فيقول: رضاي أحلكم داري وأنا لكم كرامتي فاسألونى أعطكم، فيسألونه الرضى قال: فيشهدهم أنّه قد رضي عنهم.
قوله تعالى: ذلك الفوز العظيم
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: ذلك الفوز العظيم يعني: ذلك الثّواب الفوز العظيم). [تفسير القرآن العظيم: 4/1256-1257]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال: يقول هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال: هذا فصل بين كلام عيسى وهذا يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: متكلمان تكلما يوم القيامة، نبي الله عيسى وإبليس عدو الله فأما إبليس فيقول {إن الله وعدكم وعد الحق} إبراهيم الآية 42 إلى قوله {إلا أن دعوتكم فاستجبتم} لي وصدق عدو الله يومئذ وكان في الدنيا كاذبا وأما عيسى فما قص الله عليكم في قوله {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي} المائدة الآية 116 إلى آخر الآية: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وكان صادقا في الحياة الدنيا وبعد الموت، قوله تعالى: {لله ملك السماوات} الآية). [الدر المنثور: 5/610-611] (م)

تفسير قوله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {للّه ملك السّموات والأرض وما فيهنّ وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ}.
يقول تعالى ذكره: أيّها النّصارى {للّه ملك السّموات والأرض} يقول: له سلطان السّموات والأرض، {وما فيهنّ} دون عيسى الّذين تزعمون أنّه إلهكم، ودون أمّه، ودون جميع من في السّموات ومن في الأرض فإنّ السّموات والأرض خلقٌ من خلقه، وما فيهنّ وعيسى وأمّه من بعض ذلك بالحلول والانتقال، يدلاّن بكونهما في المكان الّذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال أنّهما عبدان مملوكان لمن له ملك السّموات والأرض وما فيهنّ. ينبّههم وجميع خلقه على موضع حجّته عليهم ليدّبروه ويعتبروه، فيعقلوا عنه. {وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ} يقول تعالى ذكره: واللّه الّذي له ملك السّموات والأرض وما فيهنّ، قادرٌ على إفنائهنّ وعلى إهلاكهنّ وإهلاك عيسى وأمّه ومن في الأرض جميعًا كما ابتدأ خلقهم، لا يعجزه ذلك ولا شيءٌ أراده، لأنّ قدرته القدرة الّتي لا يشبهها قدرةٌ وسلطانه السّلطان الّذي لا يشبهه سلطانٌ ولا مملكةٌ). [جامع البيان: 9/143]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (للّه ملك السّماوات والأرض وما فيهنّ وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ (120)
قوله تعالى: للّه ملك السّماوات والأرض وما فيهنّ وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة قال: محمّد بن إسحاق: وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ إنّ اللّه على كلّ شيءٍ ما أراد بعباده من نقمةٍ أو عفوٍ فهو قديرٌ). [تفسير القرآن العظيم: 4/1257]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال: يقول هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال: هذا فصل بين كلام عيسى وهذا يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: متكلمان تكلما يوم القيامة، نبي الله عيسى وإبليس عدو الله فأما إبليس فيقول {إن الله وعدكم وعد الحق} إبراهيم الآية 42 إلى قوله {إلا أن دعوتكم فاستجبتم} لي وصدق عدو الله يومئذ وكان في الدنيا كاذبا وأما عيسى فما قص الله عليكم في قوله {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي} المائدة الآية 116 إلى آخر الآية: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وكان صادقا في الحياة الدنيا وبعد الموت، قوله تعالى: {لله ملك السماوات} الآية.
أخرج أبو عبيد في فضائله عن أبي الزاهرية أن عثمان رضي الله عنه كتب في آخر المائدة لله ملك السموات والأرض والله سميع بصير). [الدر المنثور: 5/610-611] (م)


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:21 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) )

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {يا عيسى ابن مريم...}
(عيسى) في موضع رفع، وإن شئت نصبت. وأمّا (ابن) فلا يجوز فيه إلا النصب. وكذلك تفعل في كل اسم دعوته باسمه ونسبته إلى أبيه؛ كقولك: يا زيد بن عبد الله، ويا زيد بن عبد الله. والنصب في (زيد) في كلام العرب أكثر. فإذا رفعت فالكلام على دعوتين، وإذا نصبت فهو دعوة. فإذا قلت: يا زيد أخا تميم، أو قلت: يا زيد ابن الرجل الصالح رفعت الأوّل، ونصبت الثاني؛ كقول الشاعر:
يا زبرقان أخا بني خلفٍ=ما أنت ويل أبيك والفخر). [معاني القرآن: 1/326]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (وإذ قال الله يا عيسى) (116) مجازه: وقال الله يا عيسى، وإذ من حروف الزوائد، وكذلك: (وإذ علّمتك الكتاب والحكمة) (110) أي علمتك.
(ءانت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي) (116)، هذا باب تفهيم، وليس باستفهام عن جهل ليعلمه، وهو يخرج مخرج الاستفهام، وإنما يراد به النّهى عن ذلك ويتهدد به، وقد علم قائله أكان ذلك أم لم يكن، ويقول الرجل لعبده: أفعلت كذا؟ وهو يعلم أنه لم يفعله ولكن يحذّره، وقال جرير:
ألستم خير من ركب المطايا=وأندى العالمين بطون راح
ولم يستفهم، ولو كان استفهاماً ما أعطاه عبد الملك مائةً من الإبل برعاتها.
(أتّخذوني وأمّي إلهين) (116) إذا أشركوا فعل ذكر مع فعل أنثى غلّب فعل الذّكر وذكّروهما). [مجاز القرآن: 1/183-184]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم} بمعنى إذ يقول اللّه يوم القيامة. فعل بمعنى يفعل. على ما بينت في كتاب «المشكل»). [تفسير غريب القرآن: 149]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه أن يأتي الكلام على مذهب الاستفهام وهو تقرير كقوله سبحانه: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}، و{مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}، {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ}). [تأويل مشكل القرآن: 279]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علّام الغيوب (116)
فالمسألة ههنا على وجه التوبيخ للذين ادّعوا عليه لأنهم مجمعون أنه صادق الخبر وأنّه لا يكذبهم وهو الصادق عندهم فذلك أوكد في الحجة عليهم وأبلغ في توبيخهم، والتوبيخ ضرب من العقوبة.
قال: (سبحانك). أي براء أنت من السوء.
(ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ).
وأمّا قوله: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علّام الغيوب).
و" الغيوب " بالكسر والضم.
قال أبو إسحاق: هذا موضع أعني (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) يلبّس به أهل الإلحاد على من ضعف علمه باللغة ولا تعلم حقيقة هذا
إلا من اللغة، قال أهل اللغة: النفس في كلام العرب تجري على ضربين أحدهما قولك خرجت نفس فلان وفي نفس فلان أن يفعل كذا وكذا.
والضرب الآخر معنى النفس فيه معنى جملة الشيء ومعنى حقيقة الشيء، قتل فلان نفسه، وأهلك فلان نفسه، فليس معناه أن الإهلاك وقع ببعضه، إنما الإهلاك وقع بذاته كلها، ووقع بحقيقته، ومعنى تعلم ما في نفسي، أي تعلم ما أضمره، ولا أعلم ما في نفسك. لا أعلم ما في حقيقتك وما عندي علمه، فالتأويل أنك تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، ويدل عليه: (إنّك أنت علّام الغيوب).
فإنما هو راجع إلى الفائدة في المعلوم والتوكيد أن الغيب لا يعلمه إلا اللّه جلّ ثناؤه). [معاني القرآن: 2/222-223]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله قال سبحانك} في معنى هذا قولان:
أحدهما أن هذا يقال له في الآخرة، قال قتادة يقال له: هذا يوم القيامة قال: ألا ترى أنه قال: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لا يكون إلا يوم القيامة
وقال السدي: انه قال هذا حين رفعه؛ لأنه قال: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فإنما هذا على أنهم في الدنيا أي إن تغفر لهم بعد التوبة واحتج لصاحب هذا القول بأن إذ في كلام العرب لما مضى

والقول الأول عليه أكثر أهل التفسير فأما حجة صاحب هذا القول الثاني بأن إذ لما مضى فلا تجب؛ لأن إخبار الله جل وعز عما يكون بمنزلة ما كان فعلى هذا يصح أنه للمستقبل وسنذكر قولهم في: {إن تعذبهم فإنهم عبادك}). [معاني القرآن: 2/388-390]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} قال أبو إسحاق النفس عند أهل اللغة على معنيين أحدهما أن يراد بها بعض الشيء والآخر أن يراد بها الشيء كله نحو قولك قتل فلان نفسه فقوله عز وجل: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} معناه تعلم حقيقتي وما عندي والدليل على هذا قوله: {انك أنت علام الغيوب} وقال غيره تعلم غيبي ولا أعلم غيبك). [معاني القرآن: 2/390-391]

تفسير قوله تعالى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) )
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (الرّقيب) (117): الحافظ). [مجاز القرآن: 1/184]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (ما قلت لهم إلّا ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيء شهيد (117)
(أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم)
جائز أن تكون في معنى " أي " مفسّرة، المعنى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أي اعبدوا، ويجوز أن تكون " أن " في موضع جر على البدل من الهاء، وتكون " أن " موصولة ب (اعبدوا الله) ومعناه إلا ما أمرتني به بأن يعبدوا اللّه.
ويجوز أن يكون موضعها نصبا على البدل، من (ما).
المعنى ما قلت لهم شيئا إلا أن اعبدوا اللّه، أي ما ذكرت لهم إلا عبادة اللّه). [معاني القرآن: 2/223]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} قال قتادة الرقيب الحافظ وكذلك هو عند أهل اللغة). [معاني القرآن: 2/391]

تفسير قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) )
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (عبادك) (118): جمع عبد، بمنزلة عبيد). [مجاز القرآن: 1/184]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({فإنّهم عبادك} أي عبيدك عبد وعباد، كما يقال: فرخ وفراخ، وكلب وكلاب). [تفسير غريب القرآن: 149]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم (118) ).
معنى قول عيسى - عليه السلام - (وإن تغفر لهم) اختلف أهل النظر في تفسير قول عيسى: (وإن تغفر لهم).
فقال بعضهم: معناه: إن تغفر لهم كذبهم عليّ.
وقالوا: لا يجوز أن يقول عيسى عليه السلام: إن الله يجوز أن يغفر الكفر، وكأنه على هذا القول: إن تغفر لهم الحكاية فقط، هذا قول أبي العباس محمد بن يزيد، ولا أدري أشيء سمعه أم استخرجه، والذي عندي واللّه أعلم، أن عيسى قد علم أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر، فقال: عيسى في جملتهم. (إن تعذّبهم) أي إن تعذب من كفر منهم.
فإنهم عبادك وأنت العادل عليهم لأنك أوضحت لهم الحق وكفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لمن أقلع منهم وآمن فذلك تفضل منك لأنه قد كان لك ألا تقبلهم وألا تغفر لهم بعد عظيم فريتهم، وأنت في مغفرتك لهم عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، " حكيم " في ذلك.
وقال بعض الناس: جائز أن يكون اللّه لم يعلم عيسى أنّه لا يغفر الشرك، وهذا قول لا يعرج عليه لأن قوله تعالى (إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به) لا يخص شيئا من أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - دون غيرها، لأن هذا خبر والخبر لا ينسخ، وهذا القول دار في المناظرة وليس شيئا يعتقده أحد يوثق بعلمه). [معاني القرآن: 2/223-224]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم} في هذا أقوال فمن أحسنها أن هذا على التسليم لله جل وعز وقد علم أنه لا يغفر لكافر ولا يدرى أكفروا بعد أم آمنوا ومن الدليل على صحة هذا القول أن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلا وقرأ صلى الله عليه وسلم (كما بدأكم تعودون) فيؤمر بأمتي ذات اليمين وذات الشمال فأقول أصحابي
فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم بعدك فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم وقرأ إلى قوله: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}
وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة يردد {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}
وقيل: إنه معطوف على قوله: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به}
والمعنى على هذا القول ما قلت في الدنيا إلا هذا
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: لا يراد بهذا مغفرة الكفر
وإنما المعنى ولأن تغفر لهم كذبهم علي وحكايتهم عني ما لم أقل.
وقال أبو إسحاق: قد علم عيسى صلى الله عليه وسلم أن منهم من آمن فالمعنى عندي والله أعلم إن تعذبهم على فريتهم وكفرهم فقد استحقوا ذلك وإن تغفر لمن تاب منهم بعد الافتراء العظيم والكفر وقد كان لك أن لا تقبل توبته بعد اجترائه عليك فإنك أنت العزيز الحكيم وأما قول من قال إن عيسى صلى الله عليه وسلم لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فقول مجترئ على كتاب الله جل وعز لأن الإخبار من الله جل وعز لا ينسخ وقيل كان عند عيسى صلى الله عليه وسلم أنهم أحدثوا معاصي وعملوا بعده بما لم يأمرهم به إلا أنهم على عمود دينه فقال وإن تغفر لهم ما أحدثوا بعدي من المعاصي). [معاني القرآن: 2/391-393]


تفسير قوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {هذا يوم ينفع الصّادقين...}
ترفع (اليوم) بـ (هذا)، ويجوز أن تنصبه؛ لأنه مضاف إلى غير اسم؛ كما قالت العرب: مضى يومئذٍ بما فيه. ويفعلون ذلك به في موضع الخفض؛ قال الشاعر:
رددنا لشعثاء الرسول ولا أرى=كيومئذٍ شيئا تردّ رسائله
وكذلك وجه القراءة في قوله: {من عذاب يومئذٍ}؛ {ومن خزي يومئذ} ويجوز خفضه في موضع الخفض؛ كما جاز رفعه في موضع الرفع. وما أضيف إلى كلام ليس فيه مخفوض فافعل به ما فعلت في هذا؛ كقول الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا=وقلت ألمّا تصح والشيب وازع
وتفعل ذلك في يوم، وليلة، وحين، وغداة، وعشيّة، وزمن، وأزمان وأيام، وليال. وقد يكون قوله: {هذا يوم ينفع الصّادقين} كذلك. وقوله: {هذا يوم لا ينطقون} فيه ما في قوله: (يوم ينفع) وإن قلت "هذا يومٌ ينفع الصادقين" كما قال الله: {واتقوا يوما لا تجزي نفسٌ} تذهب إلى النكرة كان صوابا. والنصب في مثل هذا مكروه في الصفة؛ وهو على ذلك جائز، ولا يصلح في القراءة). [معاني القرآن: 1/326-327]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه أن يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل: كقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، أي أنتم خير أمّة.
وقوله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، أي وإذ يقول الله يوم القيامة. يدلك على ذلك قوله سبحانه: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}). [تأويل مشكل القرآن: 295] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (قال اللّه هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119)
القراءة برفع " اليوم " ونصب " اليوم " جميعا، فأمّا من رفع اليوم فعلى خبر هذا اليوم، قال الله اليوم ذو منفعة صدق الصادقين ومن نصب فعلى أن يوم منصوب على الظرف، المعنى قال اللّه: هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، أي قال اللّه هذا في يوم القيامة، ويجوز أن يكون قال الله هذه الأشياء وهذا الذي ذكرناه يقع في يوم ينفع الصادقين صدقهم، وزعم بعضهم أن (يوم) منصوب لأنه مضاف إلى الفعل، وهو في موضع رفع بمنزله يومئذ مبني على الفتح في كل حال، وهذا عند البصريين خطأ، لا يجيزون هذا يوم آتيك يريدون هذا يوم إتيانك لأن آتيك فعل مضارع، فالإضافة إليه لا تزيل الإعراب عن جهته ولكنهم يجيزون ذلك يوم نفع زيدا صدقه، لأن الفعل الماضي غير مضارع، فهي إضافة إلى غير متمكن وإلى غير ما ضارع المتمكن، وفيها وجه ثالث. (هذا يوم ينفع الصادقين) بتنوين " يوم " على إضمار (هذا يوم ينفع - فيه الصادقين صدقهم)، ويكون كقوله: (واتّقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا).
ومثله قول الشاعر:
وما الدّهر إلا تارتان فمنهما أموت=وأخرى أبتغي العيش أكدح
المعنى فمنهما تارة أموت فيها). [معاني القرآن: 2/224-225]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} سئل بعض أهل النظر عن معنى هذا فقيل له لو صدق الكافر وقال أسأت لم ينفعه ذلك والجواب عن هذا أن يوم القيامة يوم مجازاة وليس بيوم عمل فإنما المعنى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا وتركهم الافتراء على الله جل اسمه وعلى رسله وقيل ينفعهم صدقهم في العمل والله أعلم بما أراد). [معاني القرآن: 2/394]

تفسير قوله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) )


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 3 جمادى الأولى 1434هـ/14-03-2013م, 05:59 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وإن خففت الهمزة من قولك: هو يجيئك، ويسوءك قلت: يجيك، ويسوك، تحرك الياء والواو بحركة الهمزة، لأنهما أصلا في الحروف. فهذا يدلك على ما يرد عليك من هذا الباب.
واعلم أنه من أبى قول ابن أبي إسحق في الجمع بين الهمزتين فإنه إذا أراد تحقيقهما أدخل بينهما ألفا زائدة، ليفصل بينهما، كالألف الداخلة بين نون جماعة النساء، والنون الثقيلة إذا قلت: اضربنان زيدا.
فتقول: {أئذا كنا ترابا} وتقول: {آأنت قلت للناس} ومثل ذلك قول ذي الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍ = وبين النّقا آأنت أم أم سالـم).
[المقتضب: 1/299-300] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله:
"أأنت أخي ما لم تكن لي حاجة"
تقرير وليس باستفهام، ولكن معناه: أني قد بلوتك تظهر الإخاء فإذا بدت الحاجة لم أر من إخائك شيئًا وقال الله عز وجل: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} إنما هو توبيخ وليس باستفهام. وهو رجل وعز العالم بأن عيسى لم يقله. وقد ذكرنا التقرير الواقع، بلفظ الاستفهام في موضعه من الكتاب "المقتضب "مستقصى، ونذكر منه جملة في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى). [الكامل: 1/277]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وكان ابن عباس يقرأ: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سَأَلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتُ}. وقال أهل المعرفة في قول الله عزّ وجل: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} إنما تسأل تبكيتًا لمن فعل ذلك بها، كما قال الله تعالى: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}.
وقوله: "وئدت"، إنما هو أثقلت بالتراب، يقال للرجل: اتّئد أي تثبّت. وتثقّل، كما يقال: توفّر، قال قصيرٌ صاحب جذيمة:
ما للجمال مشيها وئيدا = أجندلاً يحملن أم حديدا).
[الكامل: 2/609] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( وأخفيت حرف من الأضداد؛ يقال: أخفيت الشيء، إذا سترته، وأخفيته إذا أظهرته، قال الله عز وجل: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها}، فمعناه أكاد أسترها، وفي قراءة أبي: (أكاد أخفيها من نفسي
فكيف أطلعكم عليها)، فتأويل (من نفسي) (من قبلي) و(من غيبي)، كما قال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك}، ويقال: معنى الآية: إن الساعة آتية أكاد أظهرها. ويقال: خفيت الشيء، إذا أظهرته.
ولا يقع هذا –أعني الذي لا ألف فيه- على الستر والتغطية.
قال الفراء: حدثنا الكسائي، عن محمد بن سهل، عن وقاء، عن سعيد بن جبير أنه قرأ: (أكاد أَخْفيها) فمعنى (أخفيها) أظهرها. وقال عبدة بن الطبيب يذكر ثورا يحفر كناسا، ويستخرج ترابه فيظهره:
يخفي التراب بأظلاف ثمانية = في أربع مسهن الأرض تحليل
أراد يظهر التراب. وقال الكندي:
فإن تدفنوا الداء لا نخفه = وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
أراد لا نظهره، وقال النابغة:
يخفي بأظلافه حتى إذا بلغت = يبس الكثيب تدانى الترب وانهدما
أراد يظهر.
قال أبو بكر: يجوز أن يكون معنى الآية: إن الساعة آتية أكاد آتي بها؛ فحذف (آتي) لبيان معناه، ثم
ابتدأ فقال: (أخفيها لتجزى كل نفس)، قال ضابئ البرجمي:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني = تركت على عثمان تبكي حلائله
أراد: وكدت أقتله، فحذف ما حذف، إذ كان غير ملبس. ويجوز أن يكون المعنى: إن الساعة آتية أريد أخفيها، قال الله عز وجل: {كذلك كدنا ليوسف}، فيقال: معناه أردنا. وأنشدنا أبو علي العنزي للأفوه:
فإن تجمع أوتاد وأعمدة = وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
معناه الذي أرادوا. وقال الآخر:
كادت وكدت وتلك خير إرادة = لو عاد من لهو الصبابة ما مضى
معناه أرادت وأردت. ويجوز أن يكون معنى الآية: إن الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس؛ فيكون (أكاد) مزيدا للتوكيد، قال الشاعر:
سريعا إلى الهيجاء شاك سلاحه = فما إن يكاد قرنه يتنفس
أراد: فما كاد قرنه. وقال أبو النجم:
وإن أتاك نعيي فاندبن أبا = قد كاد يضطلع الأعداء والخطبا
معناه قد يضطلع. وقال الآخر:
وألا ألوم النفس فيما أصابني = وألا أكاد بالذي نلت أبجح
معناه: وألا أبجح بالذي نلت. وقال حسان:
وتكاد تكل أن تجيء فراشها = في جسم خرعبة وحسن قوام
معناه: وتكسل أن تجيء فراشها.
وقال أبو بكر: والمشهور في (كدت) مقاربة الفعل، كدت أفعل كذا وكذا: قاربت الفعل ولما أفعله. وما كدت أفعله، معناه فعلته بعد إبطاء. قال الله عز وجل: {فذبحوها وما كادوا يفعلون}، معناه فعلوا بعد إبطاء لغلائها، قال قيس بن الخطيم:

أتعرف رسما كاطراد المذاهب = لعمرة وحشا غير موقف راكب
ديار التي كادت ونحن على منى = تحل بنا لولا نجاء الركائب
معناه قاربت الحلول ولم تحل. وقال ذو الرمة:
وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه

وأسقيه حتى كاد مما أبثه = تكلمني أحجاره وملاعبه
معناه: قارب الكلام ولم يكن كلام. وقال الآخر:

وقد كدت يوم الحزن لما ترتمت = هتوف الضحى محزونة بالترنم
أموت لمبكاها أسي إن عولتي = ووجدي بسعدى شجوه غير منجم
معناه مقلع. وأراد بقوله: (كدت) قاربت الموتى ولم أمت، ويقال: خفا البرق يخفو، إذا ظهر، وهو من قولهم: خفيت الشيء، إذا أظهرته، قال حميد بن ثور:

أرقت لبرق في نشاص خفت به = سواجم في أعناقهن بسوق
بسوق: طول، بسق الرجل إذا طال). [كتاب الأضداد: 95-99] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وقول الله عز وجل: {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}
...
وقال ثعلب: ظاهر الخطاب لجهنم؛ ومعنى التوبيخ لمن حضر ممن يستحق دخولها، كما قال جل اسمه: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}، لعيسى عليه السلام، وقد علم أنه ما قال هذا قط إلا ليوبخ الكفار بإكذاب من ادعوا عليه هذه الدعوى الباطلة إياهم). [كتاب الأضداد: 195]

تفسير قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (هذا باب ما تكون فيه أن بمنزلة أي
وذلك قوله عز وجل: {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا} زعم الخليل أنه بمنزلة أي لأنك إذا قلت انطلق بنو فلان أن امشوا فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي ومثل ذلك: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله} وهذا تفسير الخليل ومثل هذا في القرآن كثير). [الكتاب: 3/162] (م)

تفسير قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) }

تفسير قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (هذا باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء
يضاف إليها أسماء الدهر وذلك قولك هذا يوم يقوم زيدٌ وآتيك يوم يقول ذاك وقال الله عز وجل: {هذا يوم لا ينطقون} و: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وجاز هذا في الأزمة واطرد فيها كما جاز للفعل أن يكون صفةً وتوسعوا بذلك في الدهر لكثرته في كلامهم فلم يخرجوا الفعل من هذا كما لم يخرجوا الأسماء من ألف الوصل نحو ابنٍ وإنما أصله للفعل وتصريفه). [الكتاب: 3/117] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما إن فإنها ليست باسم ولا فعل، إنما هي حرف، تقع على كل ما وصلته به، زماناً كان أو مكاناً أو آدمياً أو غير ذلك. تقول: إن يأتني زيدٌ آته. وإن يقم في مكان كذا وكذا أقم فيه، وإن تأتني يوم الجمعة آتك فيه.
وكذلك الألف في الاستفهام. تدخل على كل ضرب منه، وتتخطى ذلك إلى التقرير والتسوية: فالتقرير: قولك: أما جئتني فأكرمتك. وقوله عز وجل: {أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين}.
والتسوية: ليت شعري أقام زيد أم قعد. وقد علمت أزيد في الدار أم عمرو.
فأما قولنا في إذ وحيث: إن الجزاء لا يكون فيهما إلا بما وما ذكرنا من أنا سنفسره فهذا موضع تفسيره.
أما إذ فتنبىء عن زمان ماض، وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال فإذا أضيفت إليها كانت معها كالشيء الواحد، ومتى جزمتها فصلت منها؛ ألا ترى أنك تقول: جئتك يوم خرج زيدٌ، وهذا يوم يخرج زيد، و{هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} فلما وصلتها بـ ما جعلتهما شيئاً واحداً فانفصلت من الإضافة فعملت.
وحيث اسم من أسماء المكان مبهمٌ يفسره ما يضاف إليه. فحيث في المكان كحين في الزمان فلما ضارعتها أضيفت إلى الجمل، وهي الابتداء والخبر، أو الفعل والفاعل. فلما وصلتها ب ما امتنعت من الإضافة فصارت ك إذ إذا وصلتها ب ما.
فأما سائر الحروف التي ذكرنا سواهما فأنت في زيادة ما وتركها مخير. تقول: إن تأتني آتك، وإما تأتني آتك، وأين تكن أكن، وأينما تكن أكن، وأياً تكرم يكرمك، و{أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى}.
فـ ما تدخل على ضربين: أحدهما: أن تكون زائدة للتوكيد فلا يتغير الكلام بها عن عمل ولا معنى. فالتوكيد ما ذكرته في هذه الحروف سوى حيثما وإذ ما. واللازم. ما وقع فيهما. ونظيرهما قولك: إنما زيد أخوك. منعت ما إن عملها، وكذلك جئتك بعد ما عبد الله قائم، فهذا خلاف قولك: بعد عبد الله، وكذلك:

أعلاقةً أم الوليد بـعـدمـا = أفنان رأسك كالثغام المخلس
وكذلك رب، تقول: رب رجلٍ، ولا تقول: رب يقوم زيد. فإذا ألحقت ما هيأتها للأفعال فقلت: ربما يقوم زيد، و{ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} ). [المقتضب: 2/52-54] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وتقول في المستقبل: أتيتك يوم يقوم زيد، ولا يجوز: يوم زيدٌ أميرٌ لما ذكرت لك. قال الله عز وجل: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}. وقال: {هذا يوم لا ينطقون}.
فأما إذا التي تقع للمفاجأة فهي التي تسد مسد الخبر، والاسم بعدها مبتدأ وذلك قولك: جئتك فإذا زيد، وكلمتك فإذا أخوك. وتأويل هذا: جئت، ففاجأني زيد، وكلمتك، ففاجأني أخوك، وهذه تغني عن الفاء، وتكون جواباً للجزاء؛ نحو: إن تأتني إذا أنا أفرح على حد قولك: فأنا أفرح. قال الله عز وجل: {وإن تصبهم سيئةٌ بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} فقوله: {إذا هم يقنطون} في موضع: يقنطوا. وقوله: إن تأتني فلك درهم في موضع إن تأتني أعطك درهما؛ كما أن قوله عز وجل: {سواءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} في موضع: أم صممتم). [المقتضب: 3/177-178]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقول الله عز وجل: {إذا السماء انفطرت} و{إذا السماء انشقت} معناه: إذا انشقت السماء، ولولا هذا الفعل لم يصلح أن يقع بعد إذا لما فيها من معنى الجزاء. فعلى هذا تقول: آتيك يوم يقوم زيد، ولا يجوز: آتيك يوم زيد منطلق، لما ذكرت لك. قال الله عز وجل: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وقال {هذا يوم لا ينطقون} ). [المقتضب: 4/348] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فريث وعوض ما يضاف إلى الأفعال، وتأويله أنه لا يطعم النوم إلا يسيرًا حتى يبعثه الهم، فمعناه مقدار ذلك ومما يضاف إلى الأفعال أسماء الزمان، كقوله عز ذكره: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}؛ فأسماء الزمان كلها تضاف إلى الفعل، نحو قولك: آتيك يوم يخرج زيد. وجئتك يوم قام عبد الله). [الكامل: 3/1352-1353]

تفسير قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 09:22 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 09:22 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 09:22 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 09:22 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علاّم الغيوب (116) ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ (117)
اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول. فقال السدي وغيره: لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى حينئذ عن قولهم فقال سبحانك الآية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فتجيء قال على هذا متمكنة في المضي، ويجيء قوله آخرا وإن تغفر لهم [المائدة: 118] أي بالتوبة من الكفر، لأن هذا ما قاله عيسى عليه السلام وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس وقتادة وجمهور الناس: هذا القول من الله إنما هو في القيامة، يقول الله له على رؤوس الخلائق، فيرى الكفار تبريه منهم، ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقال على هذا التأويل بمعنى يقول. ونزل الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته، وقوله آخرا وإن تغفر لهم [المائدة: 118] معناه إن عذبت العالم كله فبحقك وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك، فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي عنهم مع علمه بأنهم كفرة قد حتم عليهم العذاب، وليس المعنى أنه لا بد من أن تفعل أحد هذين الأمرين. بل قال هذا القول مع علمه بأن الله لا يغفر أن يشرك به. وفائدة هذا التوقيف على قول من قال إنه في يوم القيامة ظهور الذنب على الكفرة في عبادة عيسى وهو توقيف له يتقرر منه بيان ضلال الضالين.
وسبحانك معناه تنزيها لك عن أن يقال هذا وينطق به، وقوله ما يكون لي أن أقول = الآية. بقي يعضده دليل العقل، فهذا ممتنع عقلا أن يكون لبشر محدث أن يدعي الألوهية وقد تجيء هذه الصيغة فيما لا ينبغي ولا يحسن مع إمكانه، ومنه قول الصديق رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال إن كنت قلته فقد علمته فوفق الله عيسى عليه السلام لهذه الحجة البالغة، وقوله تعلم ما في نفسي بإحاطة الله به، وخص النفس بالذكر لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات، والمعنى: أن الله يعلم ما في نفس عيسى ويعلم كل أمره مما عسى أن يكون في نفسه، وقوله ولا أعلم ما في نفسك معناه ولا أعلم ما عندك من المعلومات وما أحطت به. وذكر النفس هنا مقابلة لفظية في اللسان العربي يقتضيها الإيجاز، وهذا ينظر من طرف خفي إلى قوله ومكروا ومكر اللّه [آل عمران: 54] اللّه يستهزئ بهم [البقرة: 15]، فتسمية العقوبة باسم الذنب إنما قاد إليها طلب المقابلة اللفظية إذ هي من فصيح الكلام وبارع العبارة، ثم أقر عليه السلام لله تعالى بأنه علّام الغيوب، المعنى ولا علم لي أنا بغيب فكيف تكون لي الألوهية). [المحرر الوجيز: 3/303-305]

تفسير قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم أخبر عما صنع في الدنيا وقال في تبليغه وهو أنه لم يتعد أمر الله في أن أمرهم بعبادته وأقر بربوبيته، وأن في قوله أن اعبدوا اللّه مفسرة لا موضع لها من الإعراب. ويصح أن تكون بدلا من ما.
ويصح أن تكون في موضع خفض على تقدير بأن اعبدوا الله، ويصح أن تكون بدلا من الضمير في به ثم أخبر عليه السلام أنه كان شهيدا ما دام فيهم في الدنيا، فما ظرفية. وقوله فلمّا توفّيتني قبضتني إليك بالرفع والتصيير في السماء. والرقيب: الحافظ المراعي). [المحرر الوجيز: 3/305]

تفسير قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم (118) قال اللّه هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم لهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) للّه ملك السّماوات والأرض وما فيهنّ وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ (120)
هذه الآية على قول من قال: إن توقيف عيسى عليه السلام كان إثر رفعه مستقيمة المعنى. لأنه قال عنهم هذه المقالة وهم أحياء في الدنيا وهو لا يدري على ما يوافون. وهي على قول من قال إن التوقيف هو يوم القيامة بمعنى أن سبقت لهم كلمة العذاب كما سبقت فهم عبادك تصنع بحق الملك ما شئت لا اعتراض عليك. وإن تغفر لهم أي لو غفرت بتوبة كما غفرت لغيرهم فإنك أنت العزيز في قدرتك، الحكيم في أفعالك. لا تعارض على حال. فكأنه قال إن يكن لك في الناس معذبون فهم عبادك. وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله. وهذا هو عندي القول الأرجح. ويتقوى ما بعده.
وذلك أن عيسى عليه السلام لما قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه يقول هذا أمر قد فرغ منه. وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص، فقال تبارك وتعالى هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن بالله تعالى وكل ما كان اتقى فهو أدخل في العبارة، ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك وصدقه فيما قال. فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم وإن كان اللفظ يعمه وسواه، وذكر تعالى ما أعد لهم برحمته وطوله إلى قوله ذلك الفوز العظيم). [المحرر الوجيز: 3/305-306]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن بالله تعالى وكل ما كان اتقى فهو أدخل في العبارة، ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك وصدقه فيما قال. فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم وإن كان اللفظ يعمه وسواه، وذكر تعالى ما أعد لهم برحمته وطوله إلى قوله ذلك الفوز العظيم.
وقرأ نافع وحده «هذا يوم» بنصب يوم، وقرأ الباقون «يوم» بالرفع على خبر المبتدأ الذي هو هذا ويوم مضاف إلى ينفع، والمبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول. إذ القول يعمل في الجمل، وأما قراءة نافع فتحتمل وجهين، أحدهما أن يكون «يوم» ظرفا للقول كأن التقدير قال الله هذا القصص أو الخبر يوم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا عندي معنى يزيل رصف الآية وبهاء اللفظ، والمعنى الثاني أن يكون ما بعد قال حكاية عما قبلها ومن قوله لعيسى إشارة إليه، وخبر هذا محذوف إيجازا، كأن التقدير قال الله:
هذا المقتص يقع أو يحدث يوم ينفع الصادقين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والخطاب على هذا لمحمد عليه السلام وأمته، وهذا أشبه من الذي قبله، والبارع المتوجه قراءة الجماعة، قال أبو علي، ولا يجوز أن تكون «يوم» في موضع رفع على قراءة نافع لأن هذا الفعل الذي أضيف إليه معرب، وإنما يكتسي البناء من المضاف إليه إذا كان المضاف إليه مبنيا نحو من عذاب يومئذ، ولا يشبه قول الشاعر.
على حين عاتبت المشيب على الصبا = وقلت ألمّا أصح والشيب وازع
لأن الماضي الذي في البيت مبني والمضارع الذي في الآية معرب وقرأ الحسن بن العباس الشامي:
«هذا يوم» بالرفع والتنوين). [المحرر الوجيز: 3/306-307]

تفسير قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: للّه ملك السّماوات ... الآية، يحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أنه مقطوع من ذلك مخاطب به محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. وعلى الوجهين ففيه عضد ما قال عيسى، إن تعذب الناس فإنهم عبادك على ما تقدم من تأويل الجمهور). [المحرر الوجيز: 3/307]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 09:22 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 09:22 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ (117) إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم (118)}
هذا أيضًا ممّا يخاطب اللّه تعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم، عليه السلام، قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتّخذه وأمّه إلهين من دون اللّه: {وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه}؟ وهذا تهديدٌ للنّصارى وتوبيخٌ وتقريعٌ على رؤوس الأشهاد. هكذا قاله قتادة وغيره، واستدلّ قتادة على ذلك بقوله تعالى: {هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم}
وقال السّدّي: هذا الخطاب والجواب في الدّنيا.
قال ابن جريرٍ: هذا هو الصّواب، وكان ذلك حين رفعه اللّه إلى سماء الدّنيا. واحتجّ ابن جريرٍ على ذلك بمعنيين:
أحدهما: أنّ الكلام لفظ المضيّ.
والثّاني: قوله: {إن تعذّبهم} و {إن تغفر لهم}
وهذان الدّليلان فيهما نظرٌ؛ لأنّ كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضيّ، ليدلّ على الوقوع والثّبوت. ومعنى قوله: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك} الآية: التّبرّي منهم وردّ المشيئة فيهم إلى اللّه، وتعليق ذلك على الشّرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات.
والّذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر، واللّه أعلم: أنّ ذلك كائنٌ يوم القيامة، ليدلّ على تهديد النّصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. وقد روي بذلك حديثٌ مرفوعٌ، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد اللّه، مولى عمر بن عبد العزيز، وكان ثقةً، قال: سمعت أبا بردة يحدّث عمر بن عبد العزيز عن أبيه أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم، ثمّ يدعى بعيسى فيذكّره اللّه نعمته عليه، فيقر بها، فيقول: {يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} الآية [المائدة: 110] ثمّ يقول: {أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه}؟ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنّصارى فيسألون، فيقولون: نعم، هو أمرنا بذلك، قال: فيطوّل شعر عيسى، عليه السّلام، فيأخذ كلّ ملكٍ من الملائكة بشعرةٍ من شعر رأسه وجسده. فيجاثيهم بين يدي اللّه، عزّ وجلّ، مقدار ألف عامٍ، حتّى ترفع عليهم الحجّة، ويرفع لهم الصّليب، وينطلق بهم إلى النّار"، وهذا حديثٌ غريبٌ عزيزٌ.
وقوله: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ} هذا توفيقٌ للتّأدّب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن عمرٍو، عن طاوسٍ، عن أبي هريرة قال: يلقى عيسى حجّته، ولقّاه اللّه في قوله: {وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه}؟ قال أبو هريرة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلقّاه اللّه: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ} أي آخر الآية.
وقد رواه الثّوريّ، عن معمر، عن ابن طاوسٍ، عن طاوسٍ، بنحوه.
وقوله: {إن كنت قلته فقد علمته} أي: إن كان صدر منّي هذا فقد علمته يا ربّ، فإنّه لا يخفى عليك شيءٌ ممّا قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته؛ ولهذا قال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علام الغيوب} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/232-233]


تفسير قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} بإبلاغه {أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم} أي: ما دعوتهم إلّا إلى الّذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه: {أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم} أي: هذا هو الّذي قلت لهم، {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم} أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، {فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ}
قال أبو داود الطّيالسيّ: حدّثنا شعبة قال: انطلقت أنا وسفيان الثّوريّ إلى المغيرة بن النّعمان فأملاه على سفيان وأنا معه، فلمّا قام انتسخت من سفيان، فحدّثنا قال: سمعت سعيد بن جبيرٍ يحدّث عن ابن عبّاسٍ قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بموعظةٍ، فقال: "يا أيّها النّاس، إنّكم محشورون إلى اللّه، عزّ وجلّ، حفاةً عراةً غرلا كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده، وإنّ أوّل الخلائق يكسى إبراهيم، ألا وإنّه يجاء برجالٍ من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال فأقول: أصحابي. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصّالح: {وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ * إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم".
ورواه البخاريّ عند هذه الآية عن الوليد، عن أبي شعبة -وعن محمّد بن كثيرٍ، عن سفيان الثّوريّ، كلاهما عن المغيرة بن النّعمان، به). [تفسير القرآن العظيم: 3/233]

تفسير قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} هذا الكلام يتضمّن ردّ المشيئة إلى اللّه، عزّ وجلّ، فإنّه الفعّال لما يشاء، الّذي لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون. ويتضمن التّبرّي من النّصارى الّذين كذبوا على اللّه، وعلى رسوله، وجعلوا للّه ندًّا وصاحبةً وولدًا، تعالى اللّه عمّا يقولون علوًا كبيرًا، وهذه الآية لها شأنٌ عظيمٌ ونبأٌ عجيبٌ، وقد ورد في الحديث: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قام بها ليلةً حتّى الصّباح يردّدها.
قال الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن فضيل، حدّثني فليت العامريّ، عن جسرة العامريّة، عن أبي ذرٍّ، رضي اللّه عنه، قال: صلّى رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-ليلةً فقرأ بآيةٍ حتّى أصبح، يركع بها ويسجد بها: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} فلمّا أصبح قلت: يا رسول اللّه، ما زلت تقرأ هذه الآية حتّى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: "إنّي سألت ربّي، عزّ وجلّ، الشّفاعة لأمّتي، فأعطانيها، وهي نائلةٌ إن شاء اللّه لمن لا يشرك باللّه شيئًا".
طريقٌ أخرى وسياقٌ آخر: قال أحمد: حدّثنا يحيى، حدّثنا قدامة بن عبد اللّه، حدّثتني جسرة بنت دجاجة: أنّها انطلقت معتمرةً، فانتهت إلى الرّبذة، فسمعت أبا ذرٍّ يقول: قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلةً من اللّيالي في صلاة العشاء، فصلّى بالقوم، ثمّ تخلّف أصحابٌ له يصلّون، فلمّا رأى قيامهم وتخلّفهم انصرف إلى رحله، فلمّا رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلّى، فجئت فقمت خلفه، فأومأ إليّ بيمينه، فقمت عن يمينه. ثمّ جاء ابن مسعودٍ فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله، فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا يصلّي كلّ واحدٍ منّا بنفسه، ويتلو من القرآن ما شاء اللّه أن يتلو. وقام بآيةٍ من القرآن يردّدها حتّى صلّى الغداة. فلمّا أصبحنا أومأت إلى عبد اللّه بن مسعودٍ: أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟ فقال ابن مسعودٍ بيده: لا أسأله عن شيءٍ حتّى يحدّث إليّ، فقلت: بأبي أنت وأمّي، قمت بآيةٍ من القرآن ومعك القرآن، لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه، قال: "دعوت لأمّتي". قلت: فماذا أجبت؟ -أو ماذا ردّ عليك؟ -قال: "أجبت بالّذي لو اطّلع عليه كثيرٌ منهم طلعة تركوا الصّلاة". قلت: أفلا أبشّر النّاس؟ قال: "بلى". فانطلقت معنقًا قريبًا من قذفة بحجرٍ. فقال عمر: يا رسول اللّه، إنّك إن تبعث إلى النّاس بهذا نكلوا عن العبادة. فناداه أن ارجع فرجع، وتلك الآية: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم}
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أنّ بكر بن سوادة حدّثه، عن عبد الرّحمن بن جبيرٍ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص؛ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تلا قول عيسى: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه فقال: "اللّهمّ أمّتي". وبكى، فقال اللّه: يا جبريل، اذهب إلى محمّدٍ -وربّك أعلم-فاسأله: ما يبكيه؟ فأتاه جبريل، فسأله، فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما قال، فقال اللّه: يا جبريل، اذهب إلى محمّدٍ فقل: إنّا سنرضيك في أمّتك ولا نسوؤك.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا حسنٌ، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا ابن هبيرة أنّه سمع أبا تميمٍ الجيشاني يقول: حدّثني سعيد بن المسيّب، سمعت حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومًا فلم يخرج، حتّى ظنّنا أن لن يخرج، فلمّا خرج سجد سجدةً ظننّا أنّ نفسه قد قبضت فيها، فلمّا رفع رأسه قال: "إنّ ربّي، عزّ وجلّ، استشارني في أمّتي: ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي ربّ هم خلقك وعبادك. فاستشارني الثّانية، فقلت له كذلك، فقال: لا أخزيك في أمّتك يا محمّد، وبشّرني أنّ أوّل من يدخل الجنّة من أمّتي معي سبعون ألفًا، مع كلّ ألفٍ سبعون ألفًا، ليس عليهم حسابٌ، ثمّ أرسل إليّ فقال: ادع تجب، وسل تعط". فقلت لرسوله: أومعطٍي ربّي سؤلي؟ قال: ما أرسلني إليك إلّا ليعطيك، ولقد أعطاني ربّي ولا فخر، وغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، وأنا أمشي حيًّا صحيحًا، وأعطاني ألّا تجوع أمّتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهرٌ في الجنّة يسيل في حوضي، وأعطاني العزّ والنّصر والرّعب يسعى بين يدي أمّتي شهرًا، وأعطاني أنّي أوّل الأنبياء يدخل الجنّة، وطيّب لي ولأمّتي الغنيمة، وأحلّ لنا كثيرًا ممّا شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدّين من حرجٍ"). [تفسير القرآن العظيم: 3/233-235]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({قال اللّه هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم لهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) للّه ملك السّماوات والأرض وما فيهنّ وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ (120)}
يقول تعالى مجيبًا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم فيما أنهاه إليه من التّبرّي من النّصارى الملحدين، الكاذبين على اللّه وعلى رسوله، ومن ردّ المشيئة فيهم إلى ربّه، عزّ وجلّ، فعند ذلك يقول تعالى: {هذا يوم ينفع الصّادقين صدقهم}
قال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ يقول: يوم ينفع الموحّدين توحيدهم.
{لهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا} أي: ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون، رضي اللّه عنهم ورضوا عنه، كما قال تعالى: {ورضوانٌ من اللّه أكبر} [التّوبة: 72].
وسيأتي ما يتعلّق بتلك الآية من الحديث.
وقد روى ابن أبي حاتمٍ هاهنا حديثًا فقال: حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثنا المحاربيّ، عن ليث، عن عثمان -يعني ابن عمير أبو اليقظان -عن أنسٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ثمّ يتجلّى لهم الرب تعالى فيقول: سلوني سلوني أعطكم". قال: "فيسألونه الرّضا، فيقول: رضاي أحلّكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني أعطكم. فيسألونه الرّضا"، قال: "فيشهدهم أنّه قد رضي عنهم".
وقوله: {ذلك الفوز العظيم} أي: هذا هو الفوز الكبير الّذي لا أعظم منه، كما قال تعالى: {لمثل هذا فليعمل العاملون} [الصّافّات:61]، وكما قال: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطفّفين: 26] ). [تفسير القرآن العظيم: 3/235-236]

تفسير قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {للّه ملك السّماوات والأرض وما فيهنّ وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ} أي: هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرّف فيها القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير، ولا عديل، ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، فلا إله غيره ولا ربّ سواه.
قال ابن وهب: سمعت حييّ بن عبد اللّه يحدّث، عن أبي عبد الرّحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة). [تفسير القرآن العظيم: 3/236]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:34 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة