العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة المائدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 10:19 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير سورة المائدة [ من الآية (104) إلى الآية (105) ]

تفسير سورة المائدة
[ من الآية (104) إلى الآية (105) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:15 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرّسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون}.
يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الّذين يبحرون البحائر ويسيّبون السّوائب، الّذين لا يعقلون أنّهم بإضافتهم تحريم ذلك إلى اللّه تعالى يفترون على اللّه الكذب: تعالوا إلى تنزيل اللّه وآي كتابه وإلى رسوله، ليتبيّن لكم كذب قيلكم فيم تضيفونه إلى اللّه تعالى من تحريمكم ما تحرّمون من هذه الأشياء، أجابوا من دعاهم إلى ذلك، بأن يقولوا: حسبنا ما وجدنا عليه من قبلنا آباءنا يعملون به، ويقولون: نحن لهم تبعٌ، وهم لنا أئمّةٌ وقادةٌ، وقد اكتفينا بما أخذنا عنهم، ورضينا بما كانوا عليه من تحريمٍ وتحليلٍ قال اللّه تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: ولو كان آباء هؤلاء القائلين هذه المقالة {لا يعلمون شيئًا}، يقول: لم يكونوا يعلمون أنّ ما يضيفونه إلى اللّه تعالى من تحريم البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام كذبٌ وفريةٌ على اللّه، لا حقيقة لذلك ولا صحّة لأنّهم كانوا أتباع المفترين الّذين ابتدءوا تحريم ذلك افتراءً على اللّه بقيلهم ما كانوا يقولون من إضافتهم إلى اللّه تعالى ما يضيفون ما كانوا فيما هم به عاملون من ذلك على استقامةٍ وصوابٍ، بل كانوا على ضلالةٍ وخطأٍ). [جامع البيان: 9/42]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرّسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون (104)
قوله تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله..
- أخبرنا حمد بن سعيدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، ثنا عمّي حدّثني أبي عن أبيه عن ابن عبّاسٍ يعني قوله: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرّسول قال: كانوا إذا دعوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرّسول ليحكم بينهم قالوا:
بل نحاكمكم إلى كعب بن الأشرف). [تفسير القرآن العظيم: 4/1225]

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبوله ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). [تفسير عبد الرزاق: 1/199]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة عن رجل قال كنت في خلافة عثمان بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي فإذا فيهم شيخ يسندون إليه فحسبت أنه أبي بن كعب فقرأ رجل عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل فقال الشيخ إنما تأويلها في آخر الزمان). [تفسير عبد الرزاق: 1/199]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبّئكم بما كنتم تعملون} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيسٍ قال: سمعت أبا بكرٍ رضي اللّه عنه يقول على المنبر: إن الناس يقرؤون هذه الآية، لا يدرون كيف موضعها: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضل إذا اهتديتم}، وإنّ القوم إذا عمل فيهم بالمعاصي، فلم ينكروه، ورأوا الظّالم، فلم يغيّروا عليه، عمّهم اللّه بعقاب.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبيد اللّه بن جريرٍ، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((ما من رجلٍ يكون في قومٍ يعمل فيهم بالمعاصي يقدروا على أن يغيّروه فلا يغيّروا، إلّا أصابهم اللّه بعقابٍ قبل أن يموتوا)).
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا حزم بن أبي حزم، قال: سمعت الحسن يقول: قرأ رجلٌ من أصحاب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضل إذا اهتديتم}، قال: فقال قائلٌ: (دعوا) ذكر هذه الآية، فليست لكم، فإذا قبلت منكم فهي لكم.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا يونس، عن الحسن، قال: سئل ابن مسعودٍ عن هذه الآية، فقال: إنّها تقبل منكم اليوم، فقولوها، فإذا ردّت عليكم، فعليكم أنفسكم.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، نا جويبر، عن الضّحّاك، عن ابن مسعودٍ - في قوله عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم} - قال: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السّوط والسّيف، فإذا كان ذلك كذلك، فعليكم أنفسكم.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ - في قوله: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضل} - يعني أهل الكتاب.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، وجريرٌ، عن معاوية بن إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ قال: قلت لابن عبّاسٍ: آمر إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت ولا بدّ فاعلًا، ففيما بينك وبينه.
وزاد أبو عوانة: ولا تغتب إمامك.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد اللّه بن المبارك، عن معمرٍ، عن الزّهري، عن السّائب بن يزيد، قال: قال رجلٌ لعمر بن الخطّاب: لا أخاف في اللّه لومة لائم خيرٌ لي أم أقبل على نفسي؟ قال: أمّا من ولي من أمر المسلمين، فلا يخاف في اللّه لومة لائمٍ، ومن كان خلوًا، فليقبل على خاصّة نفسه، ولينصح وليّ أمره.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن مسعر، قال: أتى رجلٌ عبد اللّه، فقال: أوصني، قال: إذا سمعت اللّه يقول: {يا أيّها الّذين آمنوا} فأصغ لها سمعك، فإنّه خيرٌ تؤمر به، أو شرٌّ تصرف عنه.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خالد بن عبد اللّه، عن يونس، عن الحسن، عن ابن مسعودٍ - في قوله عزّ وجلّ: {عليكم أنفسكم} - قال: ليس هذا أوانها، تقولونها ما قبلت منكم، فإذا ردّت عليكم فعليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا جريرٌ، عن العلاء بن المسيّب، عن خيثمة قال: قال عبد اللّه: إذا أتيت الأمير المؤمّر فلا تأته على رؤوس الناس). [سنن سعيد بن منصور: 4/1636-1660]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا أحمد بن منيعٍ، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيس بن أبي حازمٍ، عن أبي بكرٍ الصّدّيق، أنّه قال: يا أيّها النّاس إنّكم تقرءون هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، وإنّي سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: إنّ النّاس إذا رأوا ظالمًا، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم اللّه بعقابٍ منه.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رواه غير واحدٍ عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، نحو هذا الحديث مرفوعًا وروى بعضهم عن إسماعيل، عن قيسٍ، عن أبي بكرٍ، قوله ولم يرفعوه). [سنن الترمذي: 5/106-107]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا سعيد بن يعقوب الطّالقانيّ، قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عتبة بن أبي حكيمٍ، قال: حدّثنا عمرو بن جارية اللّخميّ، عن أبي أميّة الشّعبانيّ، قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنيّ، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أيّة آيةٍ؟ قلت: قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} قال: أما واللّه لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كلّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصّة نفسك ودع العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّامًا الصّبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة، قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منّا أو منهم. قال: بل أجر خمسين رجلاً منكم.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ). [سنن الترمذي: 5/107]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}
- أخبرنا عتبة بن عبد الله، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا إسماعيل، عن قيسٍ، قال: سمعت أبا بكرٍ الصّدّيق، يقول: يا أيّها النّاس، إنّكم تقرءون هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} [المائدة: 105] إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه عمّهم الله بعقابٍ»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/88]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}.
يقول تعالى ذكره: يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم فأصلحوها، واعملوا في خلاصها من عقاب اللّه تعالى، وانظروا لها فيما يقرّبها من ربّها، فإنّه {لا يضرّكم من ضلّ} يقول: لا يضرّكم من كفر وسلك غير سبيل الحقّ إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربّكم وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فحرّمتم حرامه وحللتم حلاله.
ونصب قوله: أنفسكم بالإغراء، والعرب تغري من الصّفات بـ(عليك)، و(عندك)، و(دونك)، و(إليك).
واختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا سوّار بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أبو الأشهب، عن الحسن: أنّ هذه الآية قرئت على ابن مسعودٍ: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، فقال ابن مسعودٍ: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قبلت منكم، فإذا ردّت عليكم فعليكم أنفسكم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبو أسامة، عن أبي الأشهب، عن الحسن قال: ذكر عند ابن مسعودٍ {يا أيّها الّذين آمنوا}، ثمّ ذكر نحوه.
- حدّثنا يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة، عن يونس، عن الحسن قال: قال رجلٌ لابن مسعودٍ: ألم يقل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}؟ قال: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قبلت منكم فإذا ردّت عليكم فعليكم أنفسكم.
- حدّثنا الحسن بن عرفة، قال: حدّثنا شبابة بن سوّارٍ، قال: حدّثنا الرّبيع بن صبيحٍ، عن سفيان بن عقالٍ، قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيّام فلم تأمر ولم تنه، فإنّ اللّه تعالى يقول: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، فقال ابن عمر: إنّها ليست لي ولا لأصحابي، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب، فكنّا نحن الشّهود وأنتم الغيّب، ولكنّ هذه الآية لأقوامٍ يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم.
- حدّثنا أحمد بن المقدام، قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي قال: حدّثنا قتادة، عن أبي مازنٍ، قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قومٌ من المسلمين جلوسٌ، فقرأ أحدهم هذه الآية: {عليكم أنفسكم}، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ قال: حدّثنا عمرو بن عاصمٍ قال: حدّثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي مازنٍ، بنحوه.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، وأبوعاصمٍ، قالا: حدّثنا عوفٌ، عن سوّار بن شبيبٍ، قال: كنت عند ابن عمر، إذ أتاه رجلٌ جليدٌ في العين، شديد اللّسان، فقال: يا أبا عبد الرّحمن نحن ستّةٌ كلّهم قد قرأوا القرآن فأسرع فيه، وكلّهم مجتهدٌ لا يألو، وكلّهم بغيضٌ إليه أن يأتي دناءةً، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعضٍ بالشّرك فقال رجلٌ من القوم: وأيّ دناءةٍ تريد أكثر من أن يشهر بعضهم على بعضٍ بالشّرك؟ قال: فقال الرّجل: إنّي لست إيّاك أسأل، أنا أسأل الشّيخ. فأعاد على عبد اللّه الحديث، فقال عبد اللّه بن عمر: لعلّك ترى لا أبا لك أنّي سآمرك أن تذهب فتقتلهم؟ عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك بنفسك، فإنّ اللّه تعالى يقول: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى اللّه مرجعكم جميعًا فينبّئكم بما كنتم تعملون}.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسن: أنّ ابن مسعودٍ سأله رجلٌ عن قوله: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} قال: إنّ هذا ليس بزمانها، إنّها اليوم مقبولةٌ، ولكنّه قد أوشك أن يأتي زمانٌ تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال: فلا يقبل منكم فحينئذٍ عليكم أنفسكم، لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن رجلٍ قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة في حلقةٍ فيهم أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فإذا فيهم شيخٌ يسندون إليه، فقرأ رجلٌ: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، فقال الشّيخ: إنّما تأويلها آخر الزّمان.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة قال: حدّثنا أبو مازنٍ، رجلٌ من صالحي الأزد من بني الجدّان، قال: انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة، فقعدت إلى حلقةٍ فيها أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقرأ رجلٌ من القوم هذه الآية: {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، قال: فقال رجلٌ من أسنّ القوم: دع هذه الآية، فإنّما تأويلها في آخر الزّمان.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالحٍ، عن جبير بن نفيرٍ، قال: كنت في حلقةٍ فيها أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنّي لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس اللّه يقول في كتابه: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، فأقبلوا عليّ بلسانٍ واحدٍ وقالوا: تنزع بآيةٍ من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها، حتّى تمنّيت أنّي لم أكن تكلّمت ثمّ أقبلوا يتحدّثون، فلمّا حضر قيامهم، قالوا: إنّك غلامٌ حدث السّنّ، وإنّك نزعت بآيةٍ لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزّمان إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك لا يضرّك من ضلّ إذا اهتديت.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ليث بن هارون، قال: حدّثنا إسحاق الرّازيّ، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى اللّه مرجعكم جميعًا فينبّئكم بما كنتم تعملون}، قال: كانوا عند عبد اللّه بن مسعودٍ جلوسًا، فكان بين رجلين ما يكون بين النّاس، حتّى قام كلّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فقال رجلٌ من جلساء عبد اللّه: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإنّ اللّه تعالى يقول: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، قال: فسمعها ابن مسعودٍ فقال: مه، لم يجئ تأويل هذه بعد، إنّ القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آيٌ قد مضى تأويلهنّ قبل أن ينزلنّ، ومنه ما وقع تأويلهنّ على عهد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنه آيٌ قد وقع تأويلهنّ بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيسيرٍ، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ بعد اليوم، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ عند السّاعة على ما ذكر من أمر السّاعة، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ يوم الحساب على ما ذكر من أمر الحساب والجنّة والنّار، فما دامت قلوبكم واحدةً، وأهواؤكم واحدةً، ولم تلبسوا شيعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعضٍ، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعضٍ، فامرؤٌ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، عن ابن مسعودٍ: أنّه كان بين رجلين بعض ما يكون بين النّاس، حتّى قام كلّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، ثمّ ذكر نحوه.
- حدّثني أحمد بن المقدام، قال: حدّثنا حرميّ، قال: سمعت الحسن، يقول: تأوّل أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} فقال بعض أصحابه: دعوا هذه الآية فليست لكم.
- حدّثني إسماعيل بن إسرائيل اللّآل الرّمليّ، قال: حدّثنا أيّوب بن سويدٍ، قال: حدّثنا عتبة بن أبي حكيمٍ، عن عمرو بن جارية اللّخميّ، عن أبي أميّة الشّعبانيّ، قال: سألت أبا ثعلبة الخشنيّ عن هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم}، فقال: لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: أبا ثعلبة، ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرةً، وشحّا مطاعًا، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، أرى من بعدكم أيّام الصّبر، للمتمسّك يومئذٍ بمثل الّذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملاً. قالوا: يا رسول اللّه، كأجر خمسين عاملاً منهم؟ قال: لا، كأجر خمسين عاملاً منكم.
- حدّثنا عليّ بن سهلٍ قال: أخبرنا الوليد بن مسلمٍ، عن ابن المبارك وغيره، عن عتبة بن أبي حكيمٍ، عن عمرو بن جارية اللّخميّ، عن أبي أميّة الشّعبانيّ قال: سألت أبا ثعلبة الخشنيّ: كيف نصنع بهذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}؟ فقال أبو ثعلبة: سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامّهم، فإنّ وراءكم أيّامًا أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنّ العبد إذا عمل بطاعة اللّه لم يضرّه من ضلّ بعده وهلك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ}، يقول: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضرّه من ضلّ بعد إذا عمل بما أمرته به.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيّتي.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ليث بن هارون، قال: حدّثنا إسحاق الرّازيّ، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن صفوان بن الجون، قال: دخل عليه شابٌّ من أصحاب الأهواء، فذكر شيئًا من أمره، فقال صفوان: ألا أدلّك على خاصّة اللّه الّتي خصّ بها أولياءه، {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ} الآية.
- حدّثنا عبد الكريم بن أبي عميرٍ، قال: حدّثنا أبو المطرّف المخزوميّ، قال: حدّثنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} ما لم يكن سيفٌ أو سوطٌ.
- حدّثنا عليّ بن سهلٍ، قال: حدّثنا ضمرة بن ربيعة، قال: تلا الحسن هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، فقال الحسن: الحمد للّه بها، والحمد للّه عليها، ما كان مؤمنٌ فيما مضى ولا مؤمنٌ فيما بقي إلاّ وإلى جانبه منافقٌ يكره عمله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم} فاعملوا بطاعة اللّه {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّام بن سلمٍ، عن عنبسة، عن سعدٍ البقّال، عن سعيد بن المسيّب: {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرّك من ضلّ إذا اهتديت.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن أبي العميس، عن أبي البختريّ، عن حذيفة: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} قال: إذا أمرتم ونهيتم.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن ابن أبي خالدٍ، عن قيس بن أبي حازمٍ، قال: قال أبو بكرٍ: تقرءون هذه الآية: {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} وإنّ النّاس إذا رأوا الظّالم قال ابن وكيعٍ: فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم اللّه بعقابه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا جريرٌ وابن فضيلٍ، عن بيانٍ، عن قيسٍ قال: قال أبو بكرٍ: إنّكم تقرءون هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} وإنّ القوم إذا رأوا الظّالم فلم يأخذوا على يديه، يعمّهم اللّه بعقابه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا جريرٌ، عن إسماعيل، عن قيسٍ، عن أبي بكرٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكر نحوه.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} يقول: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قال أبو بكر بن أبي قحافة: يا أيّها النّاس، لا تغترّوا بقول اللّه: {عليكم أنفسكم}، فيقول أحدكم: عليّ نفسي واللّه لتأمرنّ بالمعروف وتنهونّ عن المنكر أو لتستعملنّ عليكم شراركم فليسومنّكم سوء العذاب، ثمّ ليدعون اللّه خياركم فلا يستجيب لهم.
- حدّثنا أبو هشامٍ الرّفاعيّ قال: حدّثنا ابن فضيلٍ قال: حدّثنا بيانٌ، عن قيس بن أبي حازمٍ قال: قال أبو بكرٍ وهو على المنبر: يا أيّها النّاس إنّكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها: {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، وإنّ النّاس إذا رأوا الظّالم فلم يأخذوا على يديه، عمّهم اللّه بعقابه.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا عيسى بن المسيّب البجليّ، قال: حدّثنا قيس بن أبي حازمٍ، قال: سمعت أبا بكرٍ الصّدّيق، رضي اللّه عنه يقرأ هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} فقال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: إذا رأى النّاس المنكر فلم يغيّروه، والظّالم فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمّهم اللّه منه بعقابٍ.
- حدّثنا الرّبيع قال: حدّثنا أسد بن موسى قال: حدّثنا سعيد بن سالمٍ قال: حدّثنا منصور بن دينارٍ، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قيس بن أبي حازمٍ قال: صعد أبو بكرٍ المنبر، منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: يا أيّها النّاس، إنّكم لتتلون آيةً من كتاب اللّه وتعدّونها رخصةً، واللّه ما أنزل اللّه في كتابه أشدّ منها: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، واللّه لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليعمّنّكم اللّه منه بعقابٍ.
- حدّثنا محمّد بن سيّارٍ قال: حدّثنا إسحاق بن إدريس قال: حدّثنا سعيد بن زيدٍ قال: حدّثنا مجالد بن سعيدٍ، عن قيس بن أبي حازمٍ قال: سمعت أبا بكرٍ يقول وهو يخطب النّاس: يا أيّها النّاس، إنّكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، وإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: إنّ النّاس إذا رأوا منكرًا فلم يغيّروه عمّهم اللّه بعقابٍ.
وقال آخرون: بل معنى هذه الآية: لا يضرّكم من حاد عن قصد السّبيل وكفر باللّه من أهل الكتاب.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} قال: يعني: من ضلّ من أهل الكتاب.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في هذه الآية: {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} قال: أنزلت في أهل الكتاب.
وقال آخرون: عنى بذلك كلّ من ضلّ عن دين اللّه الحقّ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} قال: كان الرّجل إذا أسلم، قالوا له: سفّهت آباءك وضلّلتهم، وفعلت وفعلت، وجعلت آباءك كذا وكذا، كان ينبغي لك أن تنصرهم وتفعل، فقال اللّه تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}.
وأولى هذه الأقوال وأصحّ التّأويلات عندنا بتأويل هذه الآية ما روي عن أبي بكرٍ الصّدّيق فيها، وهو: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم} الزموا العمل بطاعة اللّه، وبما أمركم به، وانتهوا عمّا نهاكم اللّه عنه {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}، يقول: فإنّه لا يضرّكم ضلال من ضلّ إذا أنتم رمتم العمل بطاعة اللّه، وأدّيتم فيمن ضلّ من النّاس ما ألزمكم اللّه به فيه من فرض الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر الّذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلمٍ أو معاهدٍ، ومنعه منه فأبى النّزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيّه وضلاله إذا أنتم اهتديتم وأدّيتم حقّ اللّه تعالى فيه.
وإنّما قلنا ذلك أولى التّأويلات في ذلك بالصّواب، لأنّ اللّه تعالى أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط ويتعاونوا على البرّ والتّقوى، ومن القيام بالقسط: الأخذ على يد الظّالم، ومن التّعاون على البرّ والتّقوى: الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أمره بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ولو كان للنّاس ترك ذلك، لم يكن للأمر به معنًى إلاّ في الحال الّتي رخّص فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظّاهرة فيكون مرخّصًا له تركه إذا قام حينئذٍ بأداء فرض اللّه عليه في ذلك بقلبه.
وإذا كان ما وصفنا من التّأويل بالآية أولى، فبيّنٌ أنّه قد دخل في معنى قوله: {إذا اهتديتم} ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيّب، من أنّ ذلك: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشنيّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم). [جامع البيان: 9/43-55]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إلى اللّه مرجعكم جميعًا فينبّئكم بما كنتم تعملون}.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: اعملوا أيّها المؤمنون بما أمرتكم به، وانتهوا عمّا نهيتكم عنه، ومروا أهل الزّيغ والضّلال وما حاد عن سبيلي بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، فإن قبلوا فلهم ولكم، وإن تمادوا في غيّهم وضلالهم فإنّ إليّ مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم، وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خيرٍ وشرٍّ، فأخبر هناك كلّ فريقٍ منكم بما كان يعمله في الدّنيا ثمّ أجازيه على عمله الّذي قدم به عليّ جزاءه حسب استحقاقه، فإنّه لا يخفى عليّ عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى). [جامع البيان: 9/55]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى اللّه مرجعكم جميعًا فينبّئكم بما كنتم تعملون (105)
قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم
- أخبرنا العبّاس بن الوليد بن مزيدٍ قراءةً، أنبأ محمّد بن شعيبٍ أخبرني عتبة بن أبي حكيمٍ، حدّثني عمر بن جارية عن أبي أميّة الشّعبانيّ قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنيّ، فقلت: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: وأيّة آيةٍ؟ قال: قلت يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم فقال أبو ثعلبة: أما واللّه لقد سألت عنها خبيرًا: سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: بل امروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كلّ ذي رأيٍ برأيه، ورأيت أيّام الصّبر، صبرٌ منهنّ على مثل قبضٍ على الجمر للعامل فيهنّ كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله.
- حدّثنا أبي، ثنا ابن أبي عمر العدنيّ قال سفيان في قوله: عليكم أنفسكم قال: عليكم أهل دينكم.
- أخبرنا أحمد بن عثمان ابن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: عليكم أنفسكم يقول: أهل ملّتكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو يحيى الرّازيّ يعني إسحاق بن سليمان عن أبي جعفرٍ عن الرّبيع عن صفوان بن محرزٍ قال: أتاه رجلٌ من أصحاب الأهواء، فذكر له بعض أمره. فقال له صفوان: ألا أدلّك على خاصّة اللّه الّتي خصّ بها أولياءه يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم
قوله تعالى: لا يضرّكم من ضل
[الوجه الأول]
- حدّثنا عبيد اللّه بن سعيد بن إبراهيم الزّهريّ، ثنا عمّي، ثنا أبي عن الوليد بن كثيرٍ عن محمّد بن مسلم بن شريكٍ الثّقفيّ أنّ إسماعيل مولى خرادشٍ حدّثهم أنّ قيس بن أبي حازمٍ حدّثه أنّه سمع أبا بكرٍ الصّدّيق وهو على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم وإنّا سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: لا يكون المنكر بين ظهراني قومٍ لا يغيّرون إثمًا أوشك أن يعمّهم اللّه العذاب.
- حدّثنا أبي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا مالك بن مغولٍ، ثنا عليّ بن مدركٍ عن أبي عامرٍ أنّه كان فيهم شيءٌ فاحتبس على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ أتاه.
فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ما حبسك. قال: يا رسول اللّه قرأت هذه الآية يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ من الكفّار إذا اهتديتم
- حدّثنا أبي، أخبرني عبيد اللّه بن حمزة قال: سمعت أبي قال ثنا أبو سنانٍ في قوله: لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم قال: من الأمم إذا اهتديتم.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا كثير بن شهابٍ القزوينيّ المذحجيّ، ثنا محمّد بن سعيد بن سابقٍ، ثنا أبو جعفرٍ عن الرّبيع عن أبي العالية عن عبد اللّه بن مسعودٍ في قوله: يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضل إذا اهتديتم قال: كانوا عند عبد اللّه بن مسعودٍ جلوسًا فكان بين جلساء عبد اللّه: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر. فقال أخى إلى جنبه: عليك بنفسك فإنّ اللّه يقول يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم قال: فسمعها ابن مسعودٍ. فقال: مه لم يجئ تأويل هذه الآية بعد. إنّ القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آيٌ: قد مضى تأويلهنّ على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنه أي: يقع تأولهن بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسنين. ومنه آيٌ: يقع تأويلهنّ بعد اليوم. ومنه آيٌ: يقع تأويلهنّ عند الحساب ما ذكر من الحساب والجنّة والنّار. فما دامت قلوبكم واحدةً وأهواءكم واحدةً ولم تلبسوا شيعًا ولم يزق بعضكم بأس بعضٍ، فمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شعيا، وذاق بعضكم بأس بعضٍ فكلّ امرئٍ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن شريحٍ، ثنا أبو أحمد الزّبيريّ، ثنا معقل بن عبيد اللّه عن حبيب بن حري، عن محكول: أنّ رجلا سأله عن قول اللّه عزّ وجلّ يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم فقال: إنّ تأويل هذه الآية لم يجئ، إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ، فعليك لا يضرّك حينئذٍ من ضلّ إذا اهتديت.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا هشام بن خالدٍ الدّمشقيّ، ثنا الوليد، ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيبٍ عن كعبٍ في قول اللّه عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم قال: إذا هدّمت كنيسة مسجد دمشق فجعلوها مسجدًا وظهر لبس العصب فحينئذٍ تأويل هذه الآية.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن الوزير، ثنا ابن شعيبٍ، حدّثني عمر مولى غفرة قال: إنّما نزلت هذه الآية: لأنّ الرّجل كان يسلم ويكفر أبوه، ويسلم الرّجل ويكفر أخوه، فلمّا دخل قلوبهم حلاوة الإيمان دعوا آباءهم وإخوانهم. فقالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، فأنزل اللّه تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم
قوله تعالى: إذا اهتديتم
- حدّثنا أبي، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان عن أبي العبّاس عن أبي البحتريّ عن حذيفة في قوله: يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم يقول: أطيعوا أمري واحفظوا وصيّتي.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي، حدّثني أبي عن أبيه عن ابن عبّاسٍ قوله: لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم يقول: إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام فلا يضرّه من ضلّ بعده إذا عمل بما أمرته به.
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم قال: لا يضرّكم ضلالة من ضلّ من مجوس أهل هجر وغيرهم من المشركين وأهل الكتاب من النّصارى واليهود). [تفسير القرآن العظيم: 4/1225-1228]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} [المائدة: 105]
- عن أبي عامرٍ الأشعريّ قال: «كان قتل رجلٍ منهم بأوطاسٍ، فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " ألا غيّرت يا أبا عامرٍ "، فتلا هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} [المائدة: 105]، فغضب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقال: " أين ذهبتم؟ إنّما هي يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ من الكفّار».
رواه الطّبرانيّ، ولفظه عن أبي عامرٍ «أنّه كان فيهم شيءٌ، فاحتبس عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " ما حبسك؟ ". قال: قرأت هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} [المائدة: 105]، فقال له النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " لا يضرّكم من ضلّ من الكفّار إذا اهتديتم». ورجالهما ثقاتٌ، إلّا أنّي لم أجد لعليّ بن مدركٍ سماعًا من أحدٍ من الصّحابة.
- وعن عبد اللّه بن مسعودٍ في قوله - تعالى {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] قال: ليس أوانها هذا، قولوها ما قبلت منكم، فإذا ردّت عليكم فعليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ.
رواه الطّبرانيّ، ورجاله رجال الصّحيح، إلّا أنّ الحسن البصريّ لم يسمع من ابن مسعودٍ، واللّه أعلم). [مجمع الزوائد: 7/19]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون}.
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد، وعبد بن حميد والعدني، وابن منيع والحميدي في مسانيدهم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي، وابن ماجه وأبو يعلى والكجي في "سننه"، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان والدارقطني في الأفراد وأبو الشيخ، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة عن قيس قال: قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب.
وأخرج ابن جرير عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدونها رخصة والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن جرير البجلي: سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي هم أمنع منه وأعز ثم لا يغيرون عليه إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب.
وأخرج الترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير والبغوي في معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية قال: أية آية قال: قوله {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام فإن من ورائكم أيام الصبر الصابر فيهن مثل القابض على الحمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم
وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم والطبراني ابن مردويه عن أبي عامر الأشعري أنه كان فيهم شيء فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال: ما حبسك قال: يا رسول الله قرأت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال: فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أين ذهبتم إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن الحسن، أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله {عليكم أنفسكم} فقال: أيها الناس إنه ليس بزمانها فإنها اليوم مقبولة ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال: فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله {عليكم أنفسكم} الآية، قال: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف فإذا كان ذلك كذلك فعليكم أنفسكم.
وأخرج عبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي العالية قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود فوقع بين رجلين بعض ما يكون بين الناس حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر فقال آخر إلى جنبه: عليك نفسك فإن الله تعالى يقول {عليكم أنفسكم} فسمعها ابن مسعود فقال: مه لم يجيء تأويل هذه الآية بعد إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنين ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة ما ذكر من أمر الساعة ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا فلم يذق بعضكم بأس بعض فمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فكل امرئ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية
وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عمر، أنه قيل له: أجلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه فإن الله قال {عليكم أنفسكم} فقال: إنها ليست لي ولا لأصحابي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا فليبلغ الشاهد الغائب فكنا نحن الشهود
وأنتم الغيب ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منه.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير من طريق قتادة عن رجل قال: كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أبي بن كعب فقرأ {عليكم أنفسكم} فقال: إنما تأويلها في آخر الزمان.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة فإذا قوم جلوس فقرأ أحدهم {عليكم أنفسكم} فقال: أكثرهم: لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم.
وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإني لأصغر القوم فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقلت: أليس الله يقول {عليكم أنفسكم} فأقبلوا علي بلسان واحد فقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت ثم أقبلوا يتحدثون فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن وإنك نزعت أية لا تدري ما هي وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت.
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال: يا معاذ مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم فهو من ورائكم أيام الصبر المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم، قلت: يا رسول الله خمسين منهم قال: بل خمسين منكم أنتم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لم يجئ تأويلها لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى بن مريم عليه السلام
وأخرج ابن مردويه عن محمد بن عبد الله التيمي عن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل ولا أقر قوم المنكر بين أظهارهم إلا عمهم الله بعقاب وما بينك وبين أن يعمكم الله بعقاب من عنده إلا أن تأولوا هذه الآية على غير أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.
وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خطب أبو بكر الناس فكان في خطبته قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس لا تتكلموا على هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} إن الذاعر ليكون في الحي فلا يمنعوه فيعمهم الله بعقاب.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن، أنه تلا هذه الآية {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فقال: يالها من سعة ما أوسعها ويالها ثقة ما أوثقها.
وأخرج أبو الشيخ عن عثمان الشحام أبي سلمة قال: حدثني شيخ من أهل البصرة وكان له فضل وسن قال: بلغني أن داود سأل ربه قال: يا رب كيف لي أن أمشي لك في الأرض وأعمل لك فيها بنصح قال ياداود تحب من أحبني من أحمر وأبيض ولا يزال شفتاك رطبتين من ذكري واجتنب فراش المغيب، قال: أي رب فكيف أن تحبني أهل الدنيا البر والفاجر قال: ياداود تصانع أهل الدنيا لدنياهم وتحب أهل الآخرة لآخرتهم وتجتان إليك ذنبك بيني وبينك فإنك إذا فعلت ذلك فلا يضرك من ضل إذا اهتديت.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أنه جاء رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن نفر ستة كلهم قرأ القرآن وكلهم مجتهد لا يألوهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك فقال: لعلك ترى أني آمرك أن تذهب إليهم تقاتلهم عظهم وانههم فإن عصوك فعليك نفسك فإن الله تعالى يقول {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} حتى ختم الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن صفوان بن محرز، أنه أتاه رجل من أصحاب الأهواء فذكر له بعض أمره فقال له صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي خص الله بها أولياءه {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} يقول: أطيعوا أمري واحفظوا وصيتي.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} يقول: إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به.
وأخرج ابن جرير من طريق قارب بينهما عن الضحاك عن ابن عباس قال: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ما لم يكن سيف أو سوط.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول، أن رجلا سأله عن قول الله {عليكم أنفسكم} الآية، فقال: إن تأويل هذه الآية لم يجيء بعد إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ فعليك نفسك لا يضرك حينئذ من ضل إذا اهتديت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال: إنما أنزلت هذه الآية لأن الرجل كان يسلم ويكفر أبوه ويسلم الرجل ويكفر أخوه فلما دخل قلوبهم حلاوة الإيمان دعوا آباءهم وإخوانهم فقالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في أهل الكتاب يقول {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل} من أهل الكتاب {إذا اهتديتم}.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حذيفة في قوله {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر لا يضرك من ضل إذا اهتديت.
وأخرج ابن جرير عن الحسن، أنه تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} فقال: الحمد لله بها والحمد لله عليها ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله
وأخرج أحمد، وابن ماجه والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم، قالوا: وما ذاك يا رسول الله قال: إذا ظهر الادهان في خياركم والفاحشة في كباركم وتحول الملك في صغاركم والفقه وفي لفظ: والعلم في رذالكم.
وأخرج البيهقي عن حذيفة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم، والله تعالى أعلم). [الدر المنثور: 5/563-574]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:15 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) )

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) )

قالَ مُحمدُ بنُ الجَهْمِ السُّمَّرِيُّ (ت: 277هـ):(وقوله: {عليكم أنفسكم...}
هذا أمر من الله عزّ وجلّ؛ كقولك: عليكم أنفسكم. والعرب تأمر من الصفات بغليك، وعندك، ودونك، وإليك. يقولون: إليك إليك، يريدون: تأخّر؛ كما تقول: وراءك وراءك. فهذه الحروف كثيرة.
وزعم الكسائيّ أنه سمع: بينكما البعير فخذاه. فأجاز ذلك في كلّ الصفات التي قد تفرد، ولم يجزه في اللام ولا في الباء ولا في الكاف.
وسمع بعض العرب تقول: كما أنت زيدا، ومكانك زيدا.
قال الفراء: وسمعت [بعض] بني سليم يقول في كلامه: كما أنتني، ومكانكني، يريد انتظرني في مكانك.
ولا تقدّمنّ ما نصبته هذه الحروف قبلها؛ لأنها أسماء، والاسم لا ينصب شيئا قبله؛ تقول: ضرباً زيدا، ولا تقول: زيدا ضربا. فإن قلته نصبت زيدا بفعل مضمر قبله كذلك؛ قال الشاعر:
= يا أيها المائح دلوي دونكا
إن شئت نصبت (الدلو) بمضمر قبله، وإن شئت جعلتها رفعا، تريد: هذه دلوي فدونكا.
{لا يضرّكم} رفع، ولو جزمت كان صوابا؛ كما قال (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف، ولا تخاف) جائزان). [معاني القرآن للفراء: 1/322-323]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم مّن ضلّ إذا اهتديتم إلى اللّه مرجعكم جميعاً فينبّئكم بما كنتم تعملون}
وقال: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم} خفيفة، فجزم لأن جواب الأمر جزم فجعلها من "ضار" "يضير". وقال بضعهم {يضرّكم} و{يضرّكم} فجعل الموضع جزما فيهما جميعا، إلا أنه حرك لأن الراء ثقيلة فأولها ساكن فلا يستقيم إسكان آخرها فيلتقي ساكنان وأجود ذلك {لا يضرّكم} رفع على الابتداء لأنه ليس بعلة لقوله: {عليكم أنفسكم} وإنما أخبر أنه لا يضرّهم). [معاني القرآن: 1/231]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى اللّه مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم تعملون (105)
معناه إنما ألزمكم اللّه أمر أنفسكم.
(لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم).
أي لا يؤاخذكم اللّه بذنوب غيركم، وليس يوجب لفظ هذه الآية ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلم أنه لا يضر المؤمن كفر الكافر.
فإذا ترك المؤمن الأمر بالمعروف وهو مستطيع ذلك فهو ضال، وليس بمهتد.
وإعراب: (لا يضرّكم من ضلّ) الأجود أن يكون رفعا ويكون على جهة الخبر.
المعنى ليس يضركم من ضل إذا اهتديتم.
ويجوز أن يكون موضعه جزما، ويكون الأصل لا يضرركم إلا أن الراء الأولى أدغمت في الثانية فضمّت الثانية لالتقاء السّاكنين، ويجوز في العربية على جهة النهي لا يضركم بفتح الراء، ولا يضركم بكسرها.
ولكن القراءة لا تخالف، ولأنّ الضم أجود كان الموضع رفعا أو جزما.
فأمّا من ضمّ لالتقاء السّاكنين فأتبع الضمّ الضمّ، وأمّا من كسر فلان أصل التقاء السّاكنين الكسر، وأمّا من فتح فلخفة الفتح فتح لالتقاء السّاكنين.
وهذا النهي للفظ غائب يراد به المخاطبون، إذا قلت: لا يضررك كفر الكافر، فالمعنى لا تعدّن أنت كفره ضررا، كما أنك إذا قلت لا أرنيك ههنا، فالنهي في اللفظ لنفسك، ومعناه لمخاطبك، معناه لا تكونن ههنا). [معاني القرآن: 2/213-214]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} أي الزموا أنفسكم فأصلحوها وخلصوها من العقاب). [معاني القرآن: 2/373]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ليس في هذا دليل على الرخصة في ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والله عز وجل قد أمر بذلك وإنما المعنى لا تؤاخذون بكفر من كفر وقد بين هذا في الحديث قال قيس بن أبي حازم سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه على المنبر يقول إنكم تأولون {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا عمل فيهم بالمعاصي ثم لم يغيروا أوشك الله جل وعز أن يعمهم بعقابه وقال ابن مسعود في هذه الآية قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم وقال سعيد بن جبير هي في أهل الكتاب وقال مجاهد هي في اليهود والنصارى ومن كان مثلهم يذهبان إلى أن المعنى لا يضركم كفر أهل الكتاب إذا أدوا الجزية وهذا تفسير حديث أبي بكر فأما حديث ابن مسعود فعلى أن تأويل الآية على وقتين ففي أوقات من آخر الزمان يعمل بها كما قال أبو أمية الشعباني قلت لأبي ثعلبة الخشني كيف أصنع بهذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فقال سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت الأمر لا يدي لك به أو لا يد لك به فعليك بنفسك ودع العوام). [معاني القرآن: 2/373-375]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 3 جمادى الأولى 1434هـ/14-03-2013م, 05:46 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) }

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما قولك: رويدك زيدا فإن الكاف زائدة، وإنما زيدت للمخاطبة، وليست باسم، وإنما هي بمنزلة قولك: النجاءك يا فتى، وأريتك زيدا ما فعل?، وكقولك: أبصرك زيدا. إنما الكاف زائدة للمخاطبة، ولولا ذلك كان النجاءك محالاً؛ لأنك لا تضيف الاسم وفيه الألف واللام، وقوله عز وجل: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} قد أوضح لك أن الكاف زائدة. ولو كانت في رويدك علامةً للفاعلين لكان خطأ إذا قلت: رويدكم؛ لأن علامة الفاعلين الواو؛ كقولك: أرودوا.
واعلم أن هذه الأسماء ما كان منها مصدراً، أو موضوعاً موضع المصدر فإن فيه الفاعل مضمراً؛ لأنه كالفعل المأمور به. تقول: رويدك أنت وعبد الله زيدا، وعليك أنت وعبد الله أخاك. فإن حذفت التوكيد قبح، وإعرابه الرفع على كل حال؛ ألا ترى أنك لو قلت: قم وعبد الله كان جائزاً على قبح حتى تقول: قم أنت وعبد الله، و{فاذهب أنت وربك فقاتلا} و{اسكن أنت وزوجك الجنة}. فإن طال الكلام حسن حذف التوكيد؛ كما قال الله عز وجل: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} وقد مضى هذا مفسراً في موضعه. وكذلك ما نعته بالنفس في المرفوع. إنما يجري على توكيد فإن لم تؤكد جاز على قبح. وهو قولك: قم أنت نفسك. فإن قلت: قم نفسك جاز. وذلك قولك: رويدك أنت نفسك زيدا، وعليك أنت نفسك زيدا، والحذف جائز قبيح إذا قلت: رويدك نفسك زيدا.
واعلم أنك إذا قلت: عليك زيدا ففي عليك اسمان: أحدهما: المرفوع الفاعل. والآخر: هذه الكاف المخفوضة. تقول: عليكم أنفسكم أجمعون زيدا، فتجعل قولك أجمعون للفاعل: وتجعل قولك: أنفسكم للكاف. وإن شئت أجريتهما جميعاً على الكاف فخفضته، وإن شئت أكدت، ورفعتهما لما ذكرت لك من قبح مجرى النفس في المرفوع إلا بتوكيد، وإن شئت رفعت بغير توكيد على قبح. وإن قلت: رويد نفسك، أو رويدك. جعلت النفس مفعولة بمنزلة زيد؛ كما قال الله عز وجل: {عليكم أنفسكم} ). [المقتضب: 3/209-211] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 08:24 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 08:24 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 08:24 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 08:25 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (والضمير في قوله قيل لهم عائد على الكفار المستنين بهذه الأشياء وتعالوا نداء بين، هذا أصله، ثم استعمل حيث البر وحيث ضده، وإلى ما أنزل اللّه يعني القرآن الذي فيه التحريم الصحيح، وحسبنا معناه كفانا وقوله أولو كان آباؤهم ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا بهذه الجملة على الأولى والتزموا شنيع القول فإنما التوقيف توبيخ لهم، كأنهم يقولون بعده نعم ولو كانوا كذلك). [المحرر الوجيز: 3/278-279]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فقال أبو أمية الشعباني سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية، فقال لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال، ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم فإن وراءكم أياما أجر العامل فيها كأجر خمسين منك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي عليه السلام، ويظهر من كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فصعد المنبر فقال أيها الناس لا تغتروا بقول الله عليكم أنفسكم فيقول أحدكم عليّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فليسومنّكم سوء العذاب، وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم، وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: ليبلغ الشاهد الغائب، ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول أو رجي رد المظالم ولو بعنف ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصيته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده، وقال سعيد بن جبير معنى هذه الآية يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم فالتزموا شرعكم بما فيه من جهاد وأمر بمعروف وغيره، ولا يضركم ضلال أهل الكتاب إذا اهتديتم، وقال ابن زيد: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ولا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم، قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت فنزلت الآية بسبب ذلك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ولم يقل أحد فيما علمت أنها آية موادعة للكفار وكذلك ينبغي أن لا يعارض لها شيء مما أمر الله به في غير ما آية من القيام بالقسط والأمر بالمعروف، قال المهدوي: وقد قيل هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف ولا يعلم قائله، وقال بعض الناس نزلت بسبب ارتداد بعض المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين لا يضركم ضلالهم، وقرأ جمهور الناس «لا يضرّكم» بضم الضاد وشد الراء المضمومة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «لا يضركم» بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم «لا يضرك» بكسر الضاد وهي كلها لغات بمعنى ضر يضر وضار يضور ويضير، وقوله تعالى: إلى اللّه مرجعكم جميعاً الآية، تذكير بالحشر وما بعده، وذلك مسل عن أمور الدنيا ومكروهها ومحبوبها، وروي عن بعض الصالحين أنه قال: ما من يوم إلا يجيء الشيطان فيقول: ما تأكل وما تلبس وأين تسكن؟ فأقول له آكل الموت وألبس الكفن وأسكن القبر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فمن فكر في مرجعه إلى الله تعالى فهذه حاله). [المحرر الوجيز: 3/279-281]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 08:25 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 08:25 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,198
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرّسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} أي: إذا دعوا إلى دين اللّه وشرعه وما أوجبه وترك ما حرّمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطّرائق والمسالك، قال اللّه تعالى {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا} أي: لا يفهمون حقًا، ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ لا يتبعهم إلّا من هو أجهل منهم، وأضلّ سبيلًا). [تفسير القرآن العظيم: 3/211-212]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى اللّه مرجعكم جميعًا فينبّئكم بما كنتم تعملون (105)}
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرًا لهم أنّه من أصلح أمره لا يضرّه فساد من فسد من النّاس، سواءٌ كان قريبًا منه أو بعيدًا.
قال العوفي عن ابن عباس عند تفسر هذه الآية: يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال والحرام فلا يضرّه من ضلّ بعده، إذا عمل بما أمرته به.
وكذا روى الوالبيّ عنه. وهكذا قال مقاتل بن حيان. فقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم} نصب على الإغراء {لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى اللّه مرجعكم جميعًا فينبّئكم بما كنتم تعملون} أي: فيجازي كلّ عاملٍ بعمله، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ.
وليس في الآية مستدلٌّ على ترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكنًا، وقد قال الإمام أحمد رحمه اللّه:
حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا زهير -يعني ابن معاوية-حدّثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، حدّثنا قيس قال: قام أبو بكرٍ، رضي اللّه عنه، فحمد اللّه وأثنى عليه، وقال: أيّها النّاس، إنّكم تقرؤون هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} إلى آخر الآية، وإنّكم تضعونها على غير موضعها، وإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ النّاس إذا رأوا المنكر ولا يغيّرونه أوشك اللّه، عزّ وجلّ، أن يعمّهم بعقابه". قال: وسمعت أبا بكرٍ يقول: يا أيّها النّاس، إيّاكم والكذب، فإنّ الكذب مجانب الإيمان.
وقد روى هذا الحديث أصحاب السّنن الأربعة، وابن حبّان في صحيحه، وغيرهم من طرقٍ كثيرةٍ عن جماعةٍ كثيرةٍ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، به متّصلًا مرفوعًا، ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصّدّيق وقد رجّح رفعه الدّارقطنيّ وغيره وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولا في مسند الصّدّيق، رضي اللّه عنه.
وقال أبو عيسى التّرمذيّ: حدّثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، وحدّثنا عبد اللّه بن المبارك، حدّثنا عتبة بن أبي حكيمٍ، حدّثنا عمرو بن جارية اللّخميّ، عن أبي أميّة الشّعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ فقال: أيّة آيةٍ؟ قلت: قوله [تعالى] {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} فقال: أما واللّه لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت شحّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّامًا الصّبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلًا يعملون كعملكم" -قال عبد اللّه بن المبارك: وزاد غير عتبة: قيل يا رسول اللّه، أجر خمسين رجلًا منهم أو منّا؟ قال: "بل أجر خمسين منكم".
ثمّ قال التّرمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك ورواه ابن ماجه، وابن جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ، عن عتبة بن أبي حكيمٍ.
وقال عبد الرّزّاق: أنبأنا معمر، عن الحسن أنّ ابن مسعودٍ سأله رجلٌ عن قوله {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} فقال: إنّ هذا ليس بزمانها، إنّها اليوم مقبولةٌ. ولكنّه قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا -أو قال: فلا يقبل منكم-فحينئذٍ {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ}
ورواه أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع عن أبي العالية، عن ابن مسعودٍ في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} الآية، قال: كانوا عند عبد اللّه بن مسعودٍ جلوسًا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين النّاس، حتّى قام كلّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فقال رجلٌ من جلساء عبد اللّه: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإنّ اللّه يقول: {[يا أيّها الّذين آمنوا] عليكم أنفسكم} الآية. قال: فسمعها ابن مسعودٍ فقال: مه، لم يجئ تأويل هذه بعد إنّ القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آيٌ قد مضى تأويلهنّ قبل أن ينزلن، ومنه آيٌ قد وقع تأويلهنّ على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنه آيٌ قد وقع تأويلهنّ بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيسيرٍ، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ بعد اليوم، ومنه آيٌ تأويلهنّ عند السّاعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهنّ يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنّة والنّار. فما دامت قلوبكم واحدةً، وأهواؤكم واحدةً ولم تلبسوا شيعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعضٍ فأمروا وانهوا. فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعضٍ فامرؤٌ ونفسه، عند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية. رواه ابن جريرٍ.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا الحسن بن عرفة، حدّثنا شبابة بن سوّار، حدّثنا الرّبيع بن صبيح، عن سفيان بن عقالٍ قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيّام فلم تأمر ولم تنه، فإنّ اللّه قال: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}؟ فقال ابن عمر: إنّها ليست لي ولا لأصحابي إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب". فكنّا نحن الشّهود وأنتم الغيّب، ولكنّ هذه الآية لأقوامٍ يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم.
وقال أيضًا: حدّثنا محمّد بن بشّار، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ وأبو عاصمٍ قالا حدّثنا عوف، عن سوّار بن شبيب قال: كنت عند ابن عمر، إذ أتاه رجلٌ جليد في العين، شديد اللّسان، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، نفرٌ ستّةٌ كلّهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلّهم مجتهدٌ لا يألو وكلّهم بغيضٌ إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعضٍ بالشّرك. فقال رجلٌ من القوم: وأيّ دناءةٍ تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعضٍ بالشّرك؟
فقال الرّجل: إنّي لست إيّاك أسأل، إنّما أسأل الشّيخ. فأعاد على عبد اللّه الحديث، فقال عبد اللّه: لعلّك ترى، لا أبالك، أنّي سآمرك أن تذهب فتقتلهم! عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك نفسك فإنّ اللّه، عزّ وجلّ يقول: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية.
وقال أيضًا: حدّثني أحمد بن المقدام، حدّثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدّثنا قتادة، عن أبي مازنٍ قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قومٌ من المسلمين جلوسٌ، فقرأ أحدهم هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ} فقال أكبرهم لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم.
وقال: حدّثنا القاسم، حدّثنا الحسين، حدّثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالحٍ، عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقةٍ فيها أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنّي لأصغر القوم، فتذاكروا بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس اللّه يقول في كتابه: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}؟ فأقبلوا عليّ بلسانٍ واحدٍ وقالوا: تنزع آيةً من القرآن ولا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها!! حتّى تمنّيت أنّي لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدّثون، فلمّا حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السّنّ، وإنّك نزعت بآيةٍ ولا تدري ما هي؟ وعسى أن تدرك ذلك الزّمان، إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، وإعجاب كلّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرّك من ضلّ إذا اهتديت.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا عليّ بن سهل، حدّثنا ضمرة بن ربيعة قال: تلا الحسن هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} فقال الحسن: الحمد للّه بها، والحمد للّه عليها، ما كان مؤمنٌ فيما مضى، ولا مؤمنٌ فيما بقي، إلّا وإلى جانبه منافقٌ يكره عمله.
وقال سعيد بن المسيّب: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا يضرّك من ضلّ إذا اهتديت.
رواه ابن جريرٍ، وكذا روي من طريق سفيان الثّوريّ، عن أبي العميس، عن أبي البختري، عن حذيفة مثله، وكذا قال غير واحدٍ من السّلف.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا هشام بن خالدٍ الدّمشقيّ، حدّثنا الوليد، حدّثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن كعبٍ في قوله: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} قال: إذا هدمت كنيسة دمشق، فجعلت مسجدًا، وظهر لبس العصب، فحينئذٍ تأويل هذه الآية). [تفسير القرآن العظيم: 3/212-215]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:34 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة