العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة المائدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 06:35 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير سورة المائدة [ من الآية (17) إلى الآية (19) ]

تفسير سورة المائدة
[ من الآية (17) إلى الآية (19) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 11:23 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لقد كفر الّذين قالوا إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من اللّه شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعًا وللّه ملك السّموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}
هذا ذمٌّ من اللّه عزّ ذكره للنّصارى والنّصرانيّة الّذين ضلّوا عن سبل السّلام، واحتجاجٌ منه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم في فريتهم عليه بادّعائهم له ولدًا، يقول جلّ ثناؤه: أقسم لقد كفر الّذين قالوا: إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم، وكفرهم في ذلك تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن اللّه جلّ وعزّ، وادّعائهم أنّ المسيح هو اللّه فريةً وكذبًا عليه.
وقد بيّنّا معنى المسيح فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع). [جامع البيان: 8/266]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قل فمن يملك من اللّه شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعًا}.
يقول جلّ ثناؤه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل يا محمّد للنّصارى الّذين افتروا عليّ، وضلّوا عن سواء السّبيل، بقيلهم: إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم {من يملك من اللّه شيئًا} يقول: من الّذي يطيق أن يدفع من أمر اللّه جلّ وعزّ شيئًا، فيردّه إذا قضاه؛ من قول القائل: ملكت على فلانٍ أمره: إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرًا إلا به.
وقوله: {إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعًا} يقول: من ذا الّذي يقدر أن يردّ من أمر اللّه شيئًا إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم بإعدامه من الأرض وإعدام أمّه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعًا. يقول جلّ ثناؤه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل لهؤلاء الجهلة من النّصارى لو كان المسيح كما يزعمون أنّه هو اللّه، وليس كذلك، لقدر أن يردّ أمر اللّه إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمّه، وقد أهلك أمّه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذ نزل ذلك، ففي ذلك لكم معتبرٌ إن اعتبرتم، وحجّةٌ عليكم إن عقلتم في أنّ المسيح بشرٌ كسائر بني آدم، وأنّ اللّه عزّ وجلّ هو الّذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردّ له أمرٌ، بل هو الحيّ الدّائم القيّوم الّذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حيّ لا يموت). [جامع البيان: 8/266-267]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وللّه ملك السّموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء}
يعني تبارك وتعالى بذلك: واللّه له تصريف ما في السّموات والأرض وما بينهما، يعني: وما بين السّماء والأرض، يهلك ما يشاء من ذلك، ويبقي ما يشاء منه، ويوجد ما أراد، ويعدم ما أحبّ، لا يمنعه من شيءٍ أراد من ذلك مانعٌ، ولا يدفعه عنه دافعٌ؛ ينفذ فيهم حكمه، ويمضي فيهم قضاءه، لا المسيح الّذي إن أراد إهلاكه ربّه وإهلاك أمّه، لم يملك دفع ما أراد به ربّه من ذلك.
يقول جلّ وعزّ: كيف يكون إلهًا يعبد من كان عاجزًا عن دفع ما أراد به غيره من السّوء، وغير قادرٍ على صرف ما نزل به من الهلاك؟ بل الإله المعبود الّذي له ملك كلّ شيءٍ، وبيده تصريف كلّ من في السّماء والأرض وما بينهما فقال جلّ ثناؤه: {وما بينهما} وقد ذكر السّموات بلفظ الجمع، ولم يقل: وما بينهنّ، لأنّ المعنى: وما بين هذين النّوعين من الأشياء، كما قال الرّاعي:.
طرقا فتلك هماهمي أقريهما = قلصًا لواقح كالقسيّ وحوّلا
فقال: طرقا، مخبرًا عن شيئين، ثمّ قال: فتلك هماهمي، فرجع إلى معنى الكلام.
وقوله: {يخلق ما يشاء} يقول: جلّ ثناؤه: وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير اللّه الواحد القهّار، وإنّما يعني بذلك أنّ له تدبير السّموات والأرض وما بينهما، وتصريفه وإفناءه وإعدامه، وإيجاد ما يشاء ممّا هو غير موجودٍ ولا منشأٍ، يقول: فليس ذلك لأحدٍ سواي، فكيف زعمتم أيّها الكذبة أنّ المسيح إلهٌ، وهو لا يطيق شيئًا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضّرر عن نفسه، ولا عن أمّه، ولا اجتلاب نفعٍ إليها، إلاّ بإذني). [جامع البيان: 8/267-268]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}
يقول عزّ ذكره: اللّه المعبود هو القادر على كلّ شيءٍ، والمالك كلّ شيءٍ، الّذي لا يعجزه شيءٌ أراده، ولا يغلبه شيءٌ طلبه، المقتدر على هلاك المسيح وأمّه ومن في الأرض جميعًا، لا العاجز الّذي لا يقدر على منع نفسه من ضرٍّ نزل به من اللّه ولا منع أمّه من الهلاك). [جامع البيان: 8/269]

تفسير قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه قل فلم يعذّبكم بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممّن خلق يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء وللّه ملك السّموات والأرض وما بينهما وإليه المصير}
وهذا خبرٌ من اللّه جلّ وعزّ عن قومٍ من اليهود والنّصارى أنّهم قالوا هذا القول وقد ذكر عن ابن عبّاسٍ تسمية الّذين قالوا ذلك من اليهود.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ، أو عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نعمان بن أضاء وبحريّ بن عمرٍو، وشأس بن عديٍّ، فكلّموه، فكلّمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودعاهم إلى اللّه وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تخوّفنا يا محمّد، نحن واللّه أبناء اللّه وأحبّاؤه، كقول النّصارى، فأنزل اللّه جلّ وعزّ فيهم: {وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه} إلى آخر الآية.
وكان السّدّيّ يقول في ذلك بما:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه} أمّا أبناء اللّه فإنّهم قالوا: إنّ اللّه أوحى إلى إسرائيل أنّ ولدًا من ولدك أدخلهم النّار فيكونون فيها أربعين يومًا حتّى تطهّرهم وتأكل خطاياهم، ثمّ ينادي منادٍ: أن أخرجوا كلّ مختونٍ من ولد إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: {لن تمسّنا النّار إلاّ أيّامًا معدوداتٍ} وأمّا النّصارى، فإنّ فريقًا منهم قال للمسيح: ابن اللّه.
والعرب قد تخرج الخبر إذا افتخرت مخرج الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحدٍ منهم، فتقول: نحن الأجواد الكرام، وإنّما الجواد فيهم واحدٌ منهم وغير المتكلّم الفاعل ذلك، كما قال جريرٌ:.
ندسنا أبا مندوسة القين بالقنا = وما ردمٌ من جار بيبة ناقع.
فقال: ندسنا، وإنّما النّادس: رجلٌ من قوم جريرٍ غيره، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعةٍ هو أحدهم. فكذا أخبر اللّه عزّ ذكره عن النّصارى أنّها قالت ذلك على هذا الوجه إن شاء اللّه.
وقوله: {وأحبّاؤه} وهو جمع حبيبٍ {قل فلم يعذّبكم بذنوبكم} يقول اللّه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل لهؤلاء الكذبة المفترين على ربّهم: فلم يعذّبكم ربّكم، يقول: فلأيّ شيءٍ يعذّبكم ربّكم بذنوبكم إن كان الأمر كما زعمتم أنّكم أبناؤه وأحبّاؤه، فإنّ الحبيب لا يعذّب حبيبه، وأنتم مقرّون أنّه معذّبكم. وذلك أنّ اليهود قالت: إنّ اللّه معذّبنا أربعين يومًا عدد الأيّام الّتي عبدنا فيها العجل، ثمّ يخرجنا جميعًا منها؛ فقال اللّه لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل لهم: إن كنتم كما تقولون أبناء اللّه وأحبّاؤه، فلم يعذّبكم بذنوبكم؟ يعلّمهم عزّ ذكره أنّهم أهل فريةٍ وكذبٍ على اللّه جلّ وعزّ). [جامع البيان: 8/269-271]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {بل أنتم بشرٌ ممّن خلق يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء}
يقول جلّ ثناؤه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنّكم أبناء اللّه وأحبّاؤه بل أنتم بشرٌ ممّن خلق، يقول: خلقٌ من بني آدم، خلقكم اللّه مثل سائر بني آدم، إن أحسنتم جوزيتم بإحسانكم كما سائر بني آدم مجزيّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم كما غيركم مجزيّ بها، ليس لكم عند اللّه إلاّ ما لغيركم من خلقه، فإنّه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها.
وقد بيّنّا معنى المغفرة في موضعٍ غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
{ويعذّب من يشاء} يقول: ويعدل على من يشاء من خلقه، فيعاقبه على ذنوبه، ويفضحه بها على رءوس الأشهاد، فلا يسترها عليه، وإنّما هذا من اللّه عزّ وجلّ وعيدٌ لهؤلاء اليهود والنّصارى، المتّكلين على منازل سلفهم الخيّار عند اللّه، الّذين فضّلهم اللّه بطاعتهم إيّاه، واجتنابهم، لمسارعتهم إلى رضاه، واصطبارهم على ما نابهم فيه.
يقول لهم: لا تغترّوا بمكان أولئك منّي، ومنازلهم عندي، فإنّهم إنّما نالوا منّي بالطّاعة لي، وإيثار رضاي على محابّهم، لا بالإمانيّ، فجدّوا في طاعتي، وانتهوا إلى أمري، وانزجروا عمّا نهيتهم عنه، فإنّي إنّما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي، لا لمن قربت زلفة آبائه منّي، وهو لي عدوٌّ ولأمري ونهيي مخالفٌ.
وكان السّدّيّ يقول في ذلك بما:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: قوله: {يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} يقول: يهدي منكم من يشاء في الدّنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذّبه). [جامع البيان: 8/271-272]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وللّه ملك السّموات والأرض وما بينهما وإليه المصير}
يقول: للّه تدبير ما في السّموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفه، وبيده أمره، وله ملكه، يصرفه كيف يشاء ويدبّره كيف أحبّه، لا شريك له في شيءٍ منه ولا لأحدٍ معه فيه ملكٌ، فاعلموا أيّها القائلون: نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه، أنّه إن عذّبكم بذنوبكم، لم يكن لكم منه مانعٌ ولا لكم عنه دافعٌ؛ لأنّه لا نسب بين أحدٍ وبينه فيحابيه بسبب ذلك، ولا لأحدٍ في شيءٍ تعذيبه بذنبه ومرجعه. فاتّقوا أيّها المفترون عقابه إيّاكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغترّوا بالإمانيّ وفضائل الآباء والإسلاف). [جامع البيان: 8/272]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ضمرة عن سفيان في قوله عز وجل يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء قال يغفر لمن يشاء العظيم ويعذب من يشاء على الصغير). [تفسير مجاهد: 190-191]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير}.
أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله فيهم {وقالت اليهود والنصارى} إلى آخر الآية والله تعالى أعلم، قوله تعالى: {قل فلم يعذبكم} الآية.
قوله تعالى: {قل فلم يعذبكم} الآية.
أخرج أحمد عن أنس قال مر النّبيّ صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، فأخذته فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لا والله ولا يلقى حبيبه في النار
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن، أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال والله لا يعذب الله حبيبه ولكن يبتليه في الدنيا.
قوله تعالى: {يغفر لمن يشاء} الآية
أخرج ابن جرير عن السدي في قوله {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه). [الدر المنثور: 5/238-239]

تفسير قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى على فترة من الرسل قال كان بين عيسى ومحمد خمس مائة سنة وستون سنة قال معمر وقال الكلبي خمس مائة سنة وأربعون سنة). [تفسير عبد الرزاق: 1/186]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترةٍ من الرّسل أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {يا أهل الكتاب} اليهود الّذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم نزلت هذه الآية. وذلك أنّهم أو بعضهم فيما ذكر لمّا دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان به وبما جاءهم به من عند اللّه، قالوا: ما بعث اللّه من نبيٍّ بعد موسى، ولا أنزل بعد التّوراة كتابًا.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ أو عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال معاذ بن جبلٍ وسعد بن عبادة وعقبة بن وهبٍ لليهود: يا معشر اليهود، اتّقوا اللّه، فواللّه إنّكم لتعلمون أنّه رسول اللّه، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهوذا: أما قلنا هذا لكم وما أنزل اللّه من كتابٍ بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده. فأنزل اللّه عزّ وجلّ في ذلك من قولهما: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترةٍ من الرّسل أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}.
ويعني بقوله جلّ ثناؤه: {قد جاءكم رسولنا} قد جاءكم محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم {رسولنا يبيّن لكم} يقول: يعرّفكم الحقّ، ويوضّح لكم أعلام الهدى، ويرشدكم إلى دين اللّه المرتضى. كما:.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترةٍ من الرّسل} وهو محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم، جاء بالفرقان الّذي فرّق اللّه به بين الحقّ والباطل، فيه بيان اللّه ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به
{على فترةٍ من الرّسل} يقول: على انقطاع من الرّسل. والفترة في هذا الموضع: الانقطاع، يقول: قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم الحقّ والهدى على انقطاعٍ من الرّسل..
والفترة: الفعلة، من قول القائل: فتر هذا الأمر يفتر فتورًا، وذلك إذا هدأ وسكن، وكذلك الفترة في هذا الموضع معناها: السّكون، يراد به سكون مجيء الرّسل، وذلك انقطاعها
ثمّ اختلف أهل التّأويل في قدر مدّة تلك الفترة، فاختلف في الرّواية في ذلك عن قتادة.
فروى معمرٌ عنه، ما:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {على فترةٍ من الرّسل} قال: كان بين عيسى ومحمّدٍ صلّى اللّه عليهما وسلّم خمسمائةٍ وستّون سنةً.
وروى سعيد بن أبي عروبة عنه ما:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمّدٍ صلّى اللّه عليهما وسلّم، ذكر لنا أنّها كانت ستّمائة سنةٍ، أو ما شاء من ذلك، اللّه أعلم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن أصحابه، قوله: {قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترةٍ من الرّسل} قال: كان بين عيسى ومحمّدٍ صلّى للّه عليهما وسلّم خمسمائة سنةٍ وأربعون سنةً. قال معمرٌ: قال قتادة: خمسمائة سنةٍ وستّون سنةً.
وقال آخرون بما:
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ الفضل بن خالدٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {على فترةٍ من الرّسل} قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمّدٍ صلّى اللّه عليهما وسلّم أربعمائة سنةٍ وبضعًا وثلاثين سنةً
ويعني بقوله: {أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ} أن لا تقولوا، وكي لا تقولوا، كما قال جلّ ثناؤه: {يبيّن اللّه لكم أن تضلّوا} بمعنى: أن لا تضلّوا، وكي لا تضلّوا.
فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترةٍ من الرّسل، كي لا تقولوا: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ. يعلّمهم عزّ ذكره أنّه قد قطع عذرهم برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، وأبلغ إليهم في الحجّة. ويعني بالبشير: المبشّر من أطاع اللّه وآمن به وبرسوله وعمل بما آتاه من عند اللّه بعظيم ثوابه في آخرته، وبالنّذير المنذر من عصاه وكذّب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وعمل بغير ما أتاه من عند اللّه من أمره ونهيه بما لا قبل له به من أليم عقابه في معاده وشديد عذابه في قيامته). [جامع البيان: 8/273-275]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}
يقول جلّ ثناؤه لهؤلاء اليهود الّذين وصفنا صفتهم: قد أعذرنا إليكم، واحتججنا عليكم برسولنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إليكم، وأرسلناه إليكم، ليبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا لم يأتنا من عندك رسولٌ يبيّن لنا ما نحن عليه من الضّلالة، فقد جاءكم من عندي رسولٌ، يبشّر من آمن بي وعمل بما أمرته، وانتهى عمّا نهيته عنه، وينذر من عصاني وخالف أمري، وأنا القادر على كلّ شيءٍ، أقدر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني، فاتّقوا عقابي على معصيتكم إيّاي وتكذيبكم رسولي، واطلبوا ثوابي على طاعتكم إيّاي، وتصديقكم بشيري ونذيري، فإنّي أنا الّذي لا يعجزه شيءٌ أراده ولا يفوته شيءٌ طلبه). [جامع البيان: 8/276]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير}.
أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهودا: ما قلنا لكم هذا وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده فأنزل الله {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة} الآية
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله {قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل} قال: هو محمد جاء بالحق الذي فتر به بين الحق والباطل فيه بيان وموعظة ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به قال: وكانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وذكر لنا أنه كانت ستمائة سنة أو ما شاء الله من ذلك.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله {على فترة من الرسل} قال: كان بين عيسى ومحمد خمسمائة سنة وستون، قال معمر: قال الكلبي: خمسمائة سنة وأربعون سنة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانت الفترة خمسمائة سنة.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد أربعمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة.
وأخرج ابن عساكر عن سلمان قال: الفترة فيما بين عيسى ابن مريم وبين النّبيّ صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة). [الدر المنثور: 5/239-240]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 11:24 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) )

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (ولله ملك السّموات والأرض وما بينهما) (17) والسموات جماع والأرض واحد فقال: (ما بينهما). فذهب إلى لفظ الإثنين، والعرب إذا وحّدوا جماعة في كلمة، ثم أشركوا بينهما وبين واحد جعلوا لفظ الكلمة التي وقع معناها على الجميع كالكلمة الواحدة، كما قال الراعي:
طرقا فتلك هما همى أقريهما=قلصاً لواقح كالقسىّ وحولا
وقد فرغنا منه في موضع قبل هذا). [مجاز القرآن: 1/159-160]

تفسير قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) )

تفسير قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {يبيّن لكم على فترةٍ مّن الرّسل أن تقولوا...}
معناه: كي لا تقولوا: {ما جاءنا من بشيرٍ} مثل ما قال {يبيّن اللّه لكم أن تضلّوا}). [معاني القرآن: 1/303]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترة من الرّسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير واللّه على كلّ شيء قدير (19)
(على فترة من الرّسل).
أي: على انقطاع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بعد انقطاع الرسل لأن الرسل كانت إلى وقت رفع عيسى تترى، أي متواترة، يجيء بعضها في إثر بعض.
وقوله جلّ وعزّ: (أن تقولوا ما جاءنا من بشير).
قال بعضهم: معناه أن لا تقولوا ما جاءنا من بشير، أي بعث اللّه النبي - صلى الله عليه وسلم - لئلا تقولوا ما جاءنا من بشير.
ومثله قوله عزّ وجلّ: (يبين اللّه لكم أن تضلوا) معناه أن لا تضلوا.
وقال بعضهم: أن تقولوا: معناه كراهة أن تقولوا.
وحذفت كراهة، كما قال جلّ وعزّ: (واسأل القرية).
معناه: سل أهل القرية.
وقد استقصينا شرح هذا في آخر سورة النساء). [معاني القرآن: 2/162]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله عز وجل: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل}
قال قتادة: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، قال: وبلغنا أن الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ست مائة عام والمعنى عند أهل اللغة على انقطاع من الرسل؛ لأن الرسل كانوا متواترين بين موسى وعيسى صلى الله عليهما ثم انقطع ذلك إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم). [معاني القرآن: 2/285-286]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} قال الكوفيون المعنى أن لا تقولوا ثم حذفت لا كما قال جل وعز: {يبين الله لكم أن تضلوا} ولا يجوز حذف لا عند البصريين لأنها تدل على النفي والمعنى عندهم كراهة أن تقولوا). [معاني القرآن: 2/286]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 2 جمادى الأولى 1434هـ/13-03-2013م, 03:34 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) }

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) }

تفسير قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 08:21 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 08:21 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 08:21 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 08:21 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (لقد كفر الّذين قالوا إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من اللّه شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعاً وللّه ملك السّماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ (17)
ثم أخبر تعالى بكفر النصارى القائلين بأن الله هو المسيح، وهذه فرقة من النصارى وكل فرقهم على اختلاف أقوالهم يجعل للمسيح عليه السلام حظا من الألوهية، وقد تقدم القول في لفظ المسيح في سورة آل عمران، ثم رد عليهم تعالى قوله لنبيه: قل فمن يملك من اللّه شيئاً أي ولا رادّ لإرادة الله تعالى في المسيح ولا في غيره فهذا مما تقضي العقول معه أن من تنفذ الإرادة فيه ليس بإله، ثم قرر تعالى ملكه في السموات والأرض وما بينهما فحصل المسيح عليه السلام أقل أجزاء ملك الله تعالى، وقوله تعالى: يخلق ما يشاء إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد. بل اختراعا كآدم عليه السلام، وقد تقدم في آل عمران الفرق بين قوله تعالى في قصة زكرياء يفعل ما يشاء [آل عمران: 40] وفي قصة مريم يخلق ما يشاء وقوله تعالى: واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ عموم معناه الخصوص في ما عدا الذات والصفات والمحالات، والشيء في اللغة هو الموجود). [المحرر الوجيز: 3/133-134]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه قل فلم يعذّبكم بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممّن خلق يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء وللّه ملك السّماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترةٍ من الرّسل أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ (19)
في الكلام لف وإيجاز يحال المستمع على تفريقه بذهنه وذلك أن ظاهر اللفظ يقتضي أن جميع اليهود والنّصارى يقولون عن جميعهم: نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه وليس الأمر كذلك بل كل فرقة تقول خاصة نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه. والبنوة في قولهم هذا بنوة الحنان والرأفة. وذكروا أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكري فضلوا بذلك. وقالوا نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه ولو صح ما رووا لكان معناه بكرا في التشريف أو النبوة ونحوه، وأحباء جمع حبيب، وكانت هذه المقالة منهم عند ما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وخوفهم العذاب، فقالوا نحن لا نخاف ما تقول لأننا أبناء اللّه وأحبّاؤه وذكر ذلك ابن عباس، وقد كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن نحن ندخل النار فنقيم بها أربعين يوما ثم تخلفوننا فيها، فرد الله عليهم بقولهم فقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل فلم يعذّبكم بذنوبكم أي لو كانت منزلتكم فوق منازل البشر لما عذبكم وأنتم قد أقررتم أنه يعذبكم.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على أن التعذيب هو بنار الآخرة، وقد تحتمل الآية أن يكون المراد ما كان الله تعالى «يعذبهم» به في الدنيا. وذلك أن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب الرجل منهم خطيئة أصبح مكتوبا على بابه ذكر ذنبه وذكر عقوبته فينفذ ذلك عليه فهذا تعذيب في الدنيا على الذنوب ينافي أنهم أبناء وأحباء. ثم ترك الكلام الأول وأضرب عنه غيره مفسد له ودخل في غيره من تقرير كونهم بشرا كسائر الناس، والخلق أكرمهم أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان فيغفر له ويورط من يشاء في الكفر فيعذبه، وله ملك السماوات والأرض وما بينهما، فله بحق الملك أن يفعل ما شاء لا معقب لحكمه وإليه مصير العالم بالحشر والمعاد). [المحرر الوجيز: 3/134-135]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: يا أهل الكتاب خطاب لليهود والنصارى، والرسول في قوله: رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: على فترةٍ من الرّسل، أي على انقطاع من مجيئهم مدة ما، والفترة سكون بعد حركة في جرم، ويستعار ذلك في المعاني، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لكل عمل شدة، ولكل شدة فترة»، وقال الشاعر:
وإني لتعروني لذكراك فترة = ... ... ... ...
معناه سكون بعد اضطراب.
واختلف الناس في قدر الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما فقال قتادة خمسمائة عام وستون عاما. وقال الضحاك أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة وفي الصحيح أن الفترة بينهما ستمائة سنة. وهذه الآية نزلت بسبب قول اليهود: ما أنزل الله على بشر بعد موسى من شيء، قاله ابن عباس، وقوله تعالى: أن تقولوا مفعول من أجله، المعنى حذار أن تقولوا محتجين يوم القيامة: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ فقد جاءكم وقامت الحجة عليكم، واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ فهو الهادي والمضل والمنعم والمعذب لا رب غيره). [المحرر الوجيز: 3/135-136]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 08:21 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 08:21 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {لقد كفر الّذين قالوا إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من اللّه شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعًا وللّه ملك السّماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ (17) وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه قل فلم يعذّبكم بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممّن خلق يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء وللّه ملك السّماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير (18)}
يقول تعالى مخبرًا وحاكمًا بكفر النّصارى في ادّعائهم في المسيح ابن مريم -وهو عبدٌ من عباد اللّه، وخلقٌ من خلقه-أنه هو اللّه، تعالى اللّه عن قولهم علوًّا كبيرًا.
ثمّ قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه: {قل فمن يملك من اللّه شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعًا} أي: لو أراد ذلك، فمن ذا الّذي كان يمنعه ؟ أو من ذا الّذي يقدر على صرفه عن ذلك؟
ثمّ قال: {وللّه ملك السّماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء} أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عمّا يفعل، لقدرته وسلطانه، وعدله وعظمته، وهذا ردٌّ على النّصارى عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة.
ثمّ قال تعالى رادًّا على اليهود والنّصارى في كذبهم وافترائهم: {وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه} أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عنايةٌ، وهو يحبّنا. ونقلوا عن كتابهم أنّ اللّه [تعالى] قال لعبده إسرائيل: "أنت ابني بكري". فحملوا هذا على غير تأويله، وحرّفوه. وقد ردّ عليهم غير واحدٍ ممّن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التّشريف والإكرام، كما نقل النّصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إنّي ذاهبٌ إلى أبي وأبيكم، يعني: ربّي وربّكم. ومعلومٌ أنّهم لم يدّعوا لأنفسهم من البنوّة ما ادّعوها في عيسى، عليه السّلام، وإنّما أرادوا بذلك معزّتهم لديه وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه.
قال اللّه تعالى رادًّا عليهم: {قل فلم يعذّبكم بذنوبكم} أي: لو كنتم كما تدّعون أبناءه وأحبّاءه، فلم أعد لكم نار جهنّم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟. وقد قال بعض شيوخ الصّوفيّة لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أنّ الحبيب لا يعذّب حبيبه؟ فلم يردّ عليه، فتلا الصّوفيّ هذه الآية: {قل فلم يعذّبكم بذنوبكم}
وهذا الّذي قاله حسنٌ، وله شاهدٌ في المسند للإمام أحمد حيث قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن حميد، عن أنسٍ قال: مرّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في نفرٍ من أصحابه، وصبيٍّ في الطّريق، فلمّا رأت أمّه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني! وسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول اللّه، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النّار. قال: فخفّضهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "لا واللّه ما يلقي حبيبه في النّار". تفرّد به.
[وقوله] {بل أنتم بشرٌ ممّن خلق} أي: لكم أسوةٌ أمثالكم من بني آدم، وهو تعالى هو الحاكم في جميع عباده {يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} أي: هو فعّالٌ لما يريد، لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب. {وللّه ملك السّماوات والأرض وما بينهما} أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه، {وإليه المصير} أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الّذي لا يجور). [تفسير القرآن العظيم: 3/68-69]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( [و] قال محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ قال: وأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نعمان بن أضاء وبحريّ بن عمرٍو، وشاس بن عديٍّ، فكلّموه وكلّمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودعاهم إلى اللّه وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تخوّفنا يا محمّد! نحن واللّه أبناء اللّه وأحبّاؤه، كقول النّصارى، فأنزل [اللّه] فيهم: {وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه} إلى آخر الآية. رواه ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ.
ورويا أيضًا من طريق أسباطٍ عن السّدّيّ في قول اللّه [تعالى] {وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه} أمّا قولهم: {نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه} فإنّهم قالوا: إنّ اللّه أوحى إلى إسرائيل أن ولدك -بكرك من الولد-فيدخلهم النّار فيكونون فيها أربعين ليلةً حتّى تطهّرهم وتأكل خطاياهم، ثمّ يناد منادٍ أن أخرجوا كلّ مختونٍ من ولد إسرائيل. فأخرجوهم فذلك قولهم: {لن تمسّنا النّار إلا أيّامًا معدوداتٍ} [آل عمران: 24] ). [تفسير القرآن العظيم: 3/69-70]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترةٍ من الرّسل أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ (19) }
يقول تعالى مخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنّصارى: إنّه قد أرسل إليهم رسوله محمّدًا خاتم النّبيّين، الّذي لا نبيّ بعده ولا رسول بل هو المعقّب لجميعهم؛ ولهذا قال: {على فترةٍ من الرّسل} أي: بعد مدّةٍ متطاولةٍ ما بين إرساله وعيسى ابن مريم.
وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة، كم هي؟ فقال أبو عثمان النّهديّ وقتادة -في روايةٍ عنه-: كانت ستّمائة سنةً. ورواه البخاريّ عن سلمان الفارسيّ. وعن قتادة: خمسمائةٍ وستّون سنةً، وقال معمر، عن بعض أصحابه: خمسمائةٍ وأربعون سنةً. وقال: الضّحّاك: أربعمائةٍ وبضعٌ وثلاثون سنةً.
وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى، عليه السّلام عن الشّعبيّ أنّه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تسعمائةٍ وثلاثٌ وثلاثون سنةً.
والمشهور هو الأوّل، وهو أنّه ستّمائة سنةٍ. ومنهم من يقول: ستّمائةٍ وعشرون سنةً. ولا منافاة بينهما، فإنّ القائل الأوّل أراد ستّمائة سنةٍ شمسيّةٍ، والآخر أراد قمريّةً، وبين كلّ مائة سنةٍ شمسيّةٍ وبين القمريّة نحوٌ من ثلاث سنين؛ ولهذا قال تعالى في قصّة أصحاب الكهف: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائةٍ سنين وازدادوا تسعًا} [الكهف: 25] أي: قمريّةً، لتكميل الثّلاثمائة الشّمسيّة الّتي كانت معلومةً لأهل الكتاب. وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم، آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمّدٍ [صلّى اللّه عليه وسلّم] خاتم النّبيّين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاريّ عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ أولى النّاس بابن مريم؛ لأنّه لا نبيّ بيني وبينه هذا فيه ردٌّ على من زعم أنّه بعث بعد عيسى [عليه السّلام] نبيٌّ، يقال له: خالد بن سنانٍ، كما حكاه القضاعيّ وغيره.
والمقصود أنّ اللّه [تعالى] بعث محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم على فترةٍ من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنّيران والصّلبان، فكانت النّعمة به أتمّ النّعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإنّ الفساد كان قد عمّ جميع البلاد، والطّغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلّا قليلًا من المتمسّكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النّصارى والصّابئين، كما قال الإمام أحمد:
حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، حدّثنا هشامٌ حدّثنا قتادة، عن مطّرّف، عن عياض بن حمار المجاشعيّ، رضي اللّه عنه، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خطب ذات يومٍ فقال في خطبته: "وإنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني في يومي هذا: كلّ مالٍ نحلته عبادي حلالٌ، وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم، وإنّهم أتتهم الشّياطين فأضلّتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانًا، ثمّ إنّ اللّه، عزّ وجلّ، نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عجمهم وعربهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان، ثمّ إنّ اللّه أمرني أن أحرّق قريشًا، فقلت: يا ربّ، إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جندًا نبعث خمسة أمثاله وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنّة ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مقسطٌ متصدّق موفّقٌ ورجلٌ رحيمٌ رقيق القلب بكلّ ذي قربى ومسلمٍ، ورجلٌ عفيف فقيرٌ متصدّقٌ، وأهل النّار خمسةٌ: الضّعيف الّذي لا زبر له، الّذين هم فيكم تبعًا أو تبعاء -شكّ يحيى-لا يبتغون أهلًا ولا مالًا والخائن الّذي لا يخفى له طمعٌ وإن دقّ إلّا خانه، ورجلٌ لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك"، وذكر البخيل أو الكذب، "والشّنظير: الفاحش".
ثمّ رواه الإمام أحمد، ومسلمٌ، والنّسائيّ من غير وجهٍ، عن قتادة، عن مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخير. وفي رواية سعيدٍ عن قتادة التّصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرّفٍ. وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده: أنّ قتادة لم يسمعه من مطرّفٍ، وإنّما سمعه من أربعةٍ، عنه. ثمّ رواه هو، عن روحٍ، عن عوفٍ، عن حكيمٍ الأثرم، عن الحسن قال: حدّثني مطرّفٍ، عن عياض بن حمار، فذكره. و [كذا] رواه النّسائيّ من حديث غندر، عن عوفٍ الأعرابيّ به.
والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: "وإنّ اللّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلّا بقايا من بني إسرائيل". وفي لفظ مسلمٍ: "من أهل الكتاب". وكان الدّين قد التبس على أهل الأرض كلّهم، حتّى بعث اللّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، فهدى الخلائق، وأخرجهم اللّه به من الظّلمات إلى النّور، وتركهم على المحجّة البيضاء، والشّريعة الغرّاء؛ ولهذا قال تعالى: {أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ} أي: لئلّا تحتجّوا وتقولوا -: يا أيّها الّذين بدّلوا دينهم وغيّروه-ما جاءنا من رسولٍ يبشّر بالخير وينذر من الشّرّ، فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ، يعني محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم {واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}
قال ابن جريرٍ: معناه: إنّي قادرٌ على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني). [تفسير القرآن العظيم: 3/70-72]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:02 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة