العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة المائدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 10:17 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير سورة المائدة [ من الآية (94) إلى الآية (96) ]

تفسير سورة المائدة
[ من الآية (94) إلى الآية (96) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:10 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تناله أيديكم ورماحكم قال تناله أيديكم بأخذ إياهن من فروخهن وأولادهن قال ورماحكم ما رميت أو طعنت). [تفسير عبد الرزاق: 1/193]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن حميدٍ الأعرج عن مجاهدٍ {ليبلونكم الله بشيء من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم} قال: هو ما لا يستطيع أن يفر من الصيد [الآية: 94]). [تفسير الثوري: 104]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم اللّه من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليمٌ}.
يقول تعالى ذكره: يا أيّها الّذين صدقوا اللّه ورسوله {ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد} يقول: ليختبرنّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد، يعني: ببعض الصّيد.
وإنّما أخبرهم تعالى ذكره أنّه يبلوهم بشيءٍ، لأنّه لم يبلهم بصيد البحر وإنّما ابتلاهم بصيد البرّ، فالابتلاء ببعضٍ لا بجميع.
وقوله: {تناله أيديكم} فإنّه يعني: إمّا باليد، كالبيض والفراخ، وإمّا بإصابة النّبل والرّماح، وذلك كالحمر والبقر والظّباء، فيمتحنكم به في حال إحرامكم بعمرتكم أو بحجّكم
وبنحو ذلك قالت جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم} قال: {أيديكم} صغار الصّيد، أخذ الفراخ والبيض. والرّماح قال: كبار الصّيد.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، عن داود، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {تناله أيديكم ورماحكم} قال: النّبل، ورماحكم تنال كبير الصّيد، وأيديكم تنال صغير الصّيد، أخذ الفراخ والبيض.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن حميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ، في قوله: {ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم} قال: ما لا يستطيع أن يفرّ من الصّيد.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ وعبد الرّحمن، قالا: حدّثنا سفيان، عن حميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {أيديكم ورماحكم} قال: هو الضّعيف من الصّيد وصغيره، يبتلي اللّه تعالى به عباده في إحرامهم حتّى لو شاءوا نالوه بأيديهم، فنهاهم اللّه أن يقربوه.
- حدّثني الحرث قال: حدّثنا عبد العزيز قال: حدّثنا سفيان الثّوريّ، عن حميدٍ الأعرج، وليثٌ عن مجاهدٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم} قال: الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفرّ). [جامع البيان: 8/670-672]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ليعلم اللّه من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليمٌ}
يعني تعالى ذكره: ليختبرنّكم اللّه أيّها المؤمنون ببعض الصّيد في حال إحرامكم، كي يعلم أهل طاعة اللّه والإيمان به والمنتهين إلى حدوده وأمره ونهيه، ومن الّذي يخاف اللّه فيتّقي ما نهاه عنه ويجتنبه خوف عقابه بالغيب، بمعنى: في الدّنيا بحيث لا يراه.
وقد بيّنّا أنّ الغيب إنّما هو مصدر قول القائل: غاب عنّي هذا الأمر فهو يغيب غيبًا وغيبةً، وأنّ ما لم يعاين فإنّ العرب تسمّيه غيبًا.
فتأويل الكلام إذن: ليعلم أولياء اللّه من يخاف اللّه فيتّقي محارمه الّتي حرّمها عليه من الصّيد وغيره، بحيث لا يراه ولا يعاينه.
وأمّا قوله: {فمن اعتدى بعد ذلك}
فإنّه يعني: فمن تجاوز حدّ اللّه الّذي حدّه له بعد ابتلائه بتحريم الصّيد عليه وهو حرامٌ، فاستحلّ ما حرّم اللّه عليه منه بأخذه وقتله {فله عذابٌ} من اللّه {أليمٌ} يعني: مؤلمٌ موجعٌ). [جامع البيان: 8/672-673]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يا أيّها الّذين آمنوا ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم اللّه من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليمٌ (94)
قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا ليبلونّكم اللّه
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه أخبرني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قول الله: ليبلونّكم اللّه يعني ليبتلينكم يعني: المؤمنين.
قوله تعالى: بشيءٍ من الصّيد
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم قال: هو الضّعيف من الصّيد وصغيره يبتلي اللّه به من عباده في إحرامهم حتّى لو شاءوا تناولوه بأيديهم فنهاهم اللّه أن يقربوه.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ وأبو نعيمٍ قالا، ثنا سفيان عن حميدٍ الأعرج عن مجاهدٍ ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد قال: ما لا يطيق أن يفرّ
قوله تعالى: تناله أيديكم
- أخبرنا محمّد بن حمّادٍ أبو عبد اللّه الطّهرانيّ فيما كتب إليّ، ثنا عبد الرّزّاق أنبأ معمرٌ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم قال: أخذكم إيّاهنّ بأيديكم من بيضهنّ وفراخهنّ.
قوله تعالى: ورماحكم
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله ورماحكم قال: والرّماح رماحكم فقال: كبير الصّيد مجاهدٌ قوله ورماحكم قال: ورماحكم فقال: كبار الصيد.
- أخبرنا محمّد بن حمّادٍ فيما كتب إليّ، ثنا عبد الرّزّاق، ثنا معمرٌ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قال: أيديكم ورماحكم قال: ورماحكم ما رمت أو قطعت.
قوله تعالى: ليعلم اللّه من يخافه بالغيب
- حدّثنا أبي، ثنا صفوان المؤذّن، ثنا الوليد، ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان في قوله: ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد قال: أنزلت في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطّير والصّيد يغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قطّ فيما خلا فنهاهم اللّه عن قتله، وهم محرمون، ليعلم اللّه من يخافه بالغيب.
قوله تعالى: فمن اعتدى بعد ذلك
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ عن أسباطٍ عن السّدّيّ عن أبي مالكٍ قوله: بعد ذلك يعني: بعد هذا
قوله تعالى: فله عذابٌ أليمٌ
- حدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة، ثنا شبلٌ عن قيس بن سعيدٍ أنّ ابن عبّاسٍ كان يقول عذابٌ أليمٌ أن يوسع ظهره وبطنه جلدًا ويسلب ثيابه.
- حدّثنا أبي، ثنا ابن أبي عمر العدنيّ قال: قال سفيان: قال مجاهدٌ:
فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليمٌ قال: هي موجبة). [تفسير القرآن العظيم: 4/1203-1204]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تناله أيديكم قال يعني النبل وتناله أيديكم أيضا صغار الصيد الفراخ والبيض ورماحكم فقال كبار الصيد). [تفسير مجاهد: 203-204]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}.
أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره يبتلي الله به عباده في إحرامهم حتى لو شاؤوا تناولوه بأيديهم فنهاهم الله أن يقربوه فمن قتله منكم متعمدا قال: إن قتله متعمدا أو ناسيا أو خطأ حكم عليه فإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في "سننه" عن مجاهد في قوله {ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} قال: النبل والرمح ينال كبار الصيد وأيديهم تنال صغار الصيد أخذ الفروخ والبيض، وفي لفظ: أيديكم، أخذكم إياهن بأيديكم من بيضهن وفراخهن ورماحكم، ما رميت أو طعنت.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد {ليبلونكم الله بشيء من الصيد} قال: ما لا يستطيع أن يرمي من الصيد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد يغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون {ليعلم الله من يخافه بالغيب}.
وأخرج ابن أبي حاتم من طرق قيس بن سعد عن ابن عباس، أنه كان يقول في قوله: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}: أن يوسع ظهره وبطنه جلدا ويسلب ثيابه.
وأخرج أبو الشيخ من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: كان إذا ما أخذ شيئا من الصيد أو قتله جلد مائة ثم نزل الحكم بعد.
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي صالح عن ابن عباس قال: يملأ بطنه وظهره إن عاد لقتل الصيد متعمدا وكذلك صنع بأهل وج أهل واد بالطائف قال ابن
عباس: كانوا في الجاهلية إذا أحدث الرجل حدثا أو قتل صيدا ضرب ضربا شديدا وسلب ثيابه.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} قال: هي والله موجبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد، مثله). [الدر المنثور: 5/508-510]

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم قال يحكم عليه بهدي أن وجده وإلا قوم الهدي طعاما ثم قوم الطعام صياما فكان كل إطعام مسكين صيام يوم). [تفسير عبد الرزاق: 1/193]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وقال الزهري ومن قتله منكم متعمدا قال هذا في العمد وهو الخطأ سنة). [تفسير عبد الرزاق: 1/193]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه). [تفسير عبد الرزاق: 1/193]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وقال قتادة لا يحكم على صاحب العمد إلا مرة واحدة ومن عاد فينتقم الله منه). [تفسير عبد الرزاق: 1/194]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن أيوب عن طاوس قال يحكم عليه في العمد وليس عليه في الخطأ شيء والله ما قال الله إلا ومن قتله منكم متعمدا). [تفسير عبد الرزاق: 1/194]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ - في قوله عزّ وجلّ: {ومن قتله منكم متعمدًا} - قال: متعمّدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه، فذلك الذي يحكم عليه.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ - في قوله عزّ وجلّ: {ومن قتله منكم متعمدًا} - قال: لا أرى في الخطأ شيئًا.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن عطاءٍ - في قوله عزّ وجلّ: {ومن قتله منكم متعمّدًا} - قال: من قتل صيدًا، ثمّ عاد، أعيد عليه الجزاء.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاءٍ قال: يحكم عليه مرّةً أخرى.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاسٍ - في قوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم} -، قال: إذا أصاب المحرم الصّيد يحكم عليه جزاؤه، فإن كان عنده جزاؤه ذبحه وتصدّق بلحمه، وإن لم يكن عنده جزاؤه قوّم جزاؤه دراهم، ثمّ قوّمت الدّراهم طعامًا، فصام مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا، وإنّما أريد بالطّعام: الصّيام، وإنّه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه). [سنن سعيد بن منصور: 4/1618-1622]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ}
يقول تعالى ذكره: يا أيّها الّذين صدقوا اللّه ورسوله {لا تقتلوا الصّيد} الّذي بيّنت لكم، وهو صيد البرّ دون صيد البحر {وأنتم حرمٌ} يقول: وأنتم محرمون بحجٍّ أو عمرةٍ.
والحرم: جمع حرامٍ، والذّكر والأنثى فيه بلفظٍ واحدٍ، يقال: هذا رجلٌ حرامٌ، وهذه امرأةٌ حرامٌ، فإذا قيل محرمٌ، قيل للمرأة محرمةٌ. والإحرام: هو الدّخول فيه، يقال: أحرم القوم: إذا دخلوا في الشّهر الحرام، أو في الحرم.
فتأويل الكلام: لا تقتلوا الصّيد وأنتم محرمون بحجٍّ أو عمرةٍ.
وقوله: {ومن قتله منكم متعمّدًا} فإنّ هذا إعلامٌ من اللّه تعالى ذكره عباده حكم القاتل من المحرمين الصّيد الّذي نهاه عن قتله متعمّدًا
ثمّ اختلف أهل التّأويل في صفة العمد الّذي أوجب اللّه على صاحبه به الكفّارة والجزاء في قتله الصّيد. فقال بعضهم: هو العمد لقتل الصّيد مع نسيان قاتله إحرامه في حال قتله، وقال: إن قتله وهو ذاكرٌ إحرامه متعمّدًا قتله فلا حكم عليه وأمره إلى اللّه. قالوا: وهذا أجلّ أمرًا من أن يحكم عليه أو يكون له كفّارةٌ.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}: من قتله منكم ناسيًا لإحرامه متعمّدًا لقتله، فذلك الّذي يحكم عليه. فإن قتله ذاكرًا لحرمه متعمّدًا لقتله، لم يحكم عليه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ وابن حميدٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في الّذي يقتل الصّيد متعمّدًا وهو يعلم أنّه محرمٌ ويتعمّدٌ قتله، قال: لا يحكم عليه، ولا حجّ له وقوله: {ومن قتله منكم متعمّدًا} قال: هو العمد المكفّر، وفيه الكفّارة، والخطأ أن يصيبه وهو ناسٍ لاحرامه متعمّدًا لقتله، أو يصيبه وهو يريد غيره، فذلك يحكم عليه مرّةً.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّدًا} غير ناسٍ لحرمه ولا مريدٍ غيره، فقد حلّ وليست له رخصةٌ. ومن قتله ناسيًا أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفّر.
- حدّثنا يعقوب قال: حدّثنا هشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {ومن قتله منكم متعمّدًا} قال: متعمّدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه.
- حدّثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ قال: حدّثنا الفضيل بن عياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قال: العمد هو الخطأ المكفّر.
- حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا يونس بن محمّدٍ قال: حدّثنا عبد الواحد بن زيادٍ قال: حدّثنا ليثٌ قال: قال مجاهدٌ: قول اللّه: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} قال: فالعمد الّذي ذكر اللّه تعالى أن يصيب الصّيد وهو يريد غيره فيصيبه، فهذا العمد المكفّر، فأمّا الّذي يصيبه غير ناسٍ ولا مريدٍ لغيره، فهذا لا يحكم عليه، هذا أجلّ من أن يحكم عليه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، ومحمّد بن المثنّى، قالا: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهدٍ، أنّه قال في هذه الآية: {ومن قتله منكم متعمّدًا} قال: يقتله متعمّدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه.
- حدّثنا ابن المثنّى قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ قال: حدّثنا شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: قال ابن جريجٍ: {ومن قتله منكم متعمّدًا} غير ناسٍ لحرمه ولا مريدٍ غيره، فقد حلّ وليست له رخصةٌ. ومن قتله ناسيًا لحرمه أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفّر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا سهل بن يوسف، عن عمرٍو، عن الحسن: {ومن قتله منكم متعمّدًا} للصّيد، ناسيًا لإحرامه، {فمن اعتدى بعد ذلك} متعمّدًا للصّيد يذكر إحرامه.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ قال: حدّثنا محمّد بن أبي عديٍّ قال: حدّثنا إسماعيل بن مسلمٍ قال: كان الحسن يفتي فيمن قتل الصّيد متعمّدًا ذاكرًا لإحرامه: لم يحكم عليه. قال إسماعيل، وقال حمّادٌ عن إبراهيم، مثل ذلك.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا عفّان بن مسلمٍ، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، قال: أمرني جعفر بن أبي وحشيّة أن أسأل، عمرو بن دينارٍ عن هذه الآية: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} الآية، فسألته، فقال: كان عطاءٌ يقول: هو بالخيار أيّ ذلك شاء فعل، إن شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام فأخبرت به جعفرًا وقلت: ما سمعت فيه؟ فتلكّأ ساعةً ثمّ جعل يضحك ولا يخبرني، ثمّ قال: كان سعيد بن جبيرٍ يقول: يحكم عليه من النّعم هديًا بالغ الكعبة،انما جعل الطعام والصيام فهذا لايباغ ثمن الهدى الصّيام فيه من ثلاثة أيّامٍ إلى عشرةٍ.
- حدّثنا ابن البرقيّ قال: حدّثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا نافع بن يزيد قال: أخبرني ابن جريجٍ قال: قال مجاهدٌ: {ومن قتله منكم متعمّدًا} غير ناسٍ لحرمه ولا مريدٍ غيره فقد حلّ وليست له رخصةٌ، ومن قتله ناسيًا أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفّر.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أمّا الّذي يتعمّد فيه الصّيد وهو ناسٍ لحرمه أو جاهلٌ أنّ قتله محرّمٍ، فهؤلاء الّذين يحكم عليهم. فأمّا من قتله متعمّدًا بعد نهي اللّه وهو يعرف أنّه محرّمٌ وأنّه حرامٌ، فذلك يوكل إلى نقمة اللّه، وذلك الّذي حمل اللّه عليه النّقمة.
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا هشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {ومن قتله منكم متعمّدًا} قال: متعمّدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه.
وقال آخرون: بل ذلك هو العمد من المحرم لقتل الصّيد ذاكرًا لحرمه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يحكم عليه في العمد والخطأ والنّسيان.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، وحدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال طاووسٌ: واللّه ما قال اللّه إلاّ: {ومن قتله منكم متعمّدًا}.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرني بعض، أصحابنا عن الزّهريّ، أنّه قال: نزل القرآن بالعمد، وجرت السّنّة في الخطأ. يعني في المحرم يصيب الصّيد.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ}، قال: إن قتله متعمّدًا أو ناسيًا حكم عليه، وإن عاد متعمّدًا عجّلت له العقوبة، إلاّ أن يعفو اللّه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إنّما جعلت الكفّارة في العمد، ولكن غلّظ عليهم في الخطأ كي يتّقوا.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ قال: حدّثنا أبو معاوية ووكيعٌ، قالا: حدّثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبيرٍ، نحوه.
- حدّثنا ابن البرقيّ قال: حدّثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا نافع بن يزيد قال: أخبرنا ابن جريجٍ قال: كان طاووسٌ يقول: واللّه ما قال اللّه إلاّ: {ومن قتله منكم متعمّدًا}.
والصّواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنّ اللّه تعالى حرّم قتل صيد البرّ على كلّ محرمٍ في حال إحرامه ما دام حرامًا بقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد} ثمّ بيّن حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمّدًا لقتله، ولم يخصّص به المتعمّد قتله في حال نسيانه إحرامه، ولا المخطئ في قتله في حال ذكره إحرامه، بل عمّ في التّنزيل بإيجاب الجزاء كلّ قاتل صيدٍ في حال إحرامه متعمّدًا. وغير جائزٍ إحالة ظاهر التّنزيل إلى باطنٍ من التّأويل لا دلالة عليه من نصّ كتابٍ، ولا خبرٍ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا إجماعٍ من الأمّة، ولا دلالة من بعض هذه الوجوه.
فإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان قاتل الصّيد من المحرمين عامدًا قتله ذاكرًا لإحرامه، أو عامدًا قتله ناسيًا لإحرامه، أو قاصدًا غيره فقتله ذاكرًا لإحرامه، في أنّ على جميعهم من الجزاء ما قال ربّنا تعالى وهو: {مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ} من المسلمين {أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا} وهذا قول عطاءٍ والزّهريّ الّذي ذكرناه عنهما وغيره، دون القول الّذي قاله مجاهدٌ.
وأمّا ما يلزم بالخطأ قاتله، فقد بيّنّا القول فيه في كتابنا كتابٌ لطيف القول في أحكام الشّرائع بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع. وليس هذا الموضع موضع ذكره، لأنّ قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التّنزيل، وليس في التّنزيل للخطإ ذكرٌ فنذكر أحكامه.
وأمّا قوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} فإنّه يقول: وعليه كفّاءٌ وبدلٌ، يعني بذلك: جزاء الصّيد المقتول، يقول تعالى ذكره: فعلى قاتل الصّيد جزاء الصّيد المقتول مثل ما قتل من النّعم. وقد ذكر أنّ ذلك في قراءة عبد اللّه: (فجزاؤه مثل ما قتل من النّعم).
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء المدينة وبعض البصريّين: (فجزاء مثل ما قتل من النّعم) بإضافة الجزاء إلى المثل وخفض المثل.
وقرأ ذلك عامّة قرّاء الكوفيّين: {فجزاءٌ مثل ما قتل} بتنوين الجزاء ورفع المثل بتأويل: فعليه جزاءٌ مثل ما قتل.
وأولى القراءتين في ذلك بالصّواب قراءة من قرأ: {فجزاءٌ مثل ما قتل} بتنوين الجزاء ورفع المثل، لأنّ الجزاء هو المثل، فلا وجه لإضافة الشّيء إلى نفسه.
وأحسب أنّ الّذين قرأوا ذلك بالإضافة رأوا أنّ الواجب على قاتل الصّيد أن يجزي مثله من الصّيد بمثلٍ من النّعم، وليس ذلك كالّذي ذهبوا إليه، بل الواجب على قاتله أن يجزي المقتول نظيره من النّعم. وإذ كان ذلك كذلك فالمثل هو الجزاء الّذي أوجبه اللّه تعالى على قاتل الصّيد، ولن يضاف الشّيء إلى نفسه، ولذلك لم يقرأ ذلك قارئٌ علمناه بالتّنوين ونصب المثل. ولو كان المثل غير الجزاء لجاز في المثل النّصب إذا نوّن الجزاء، كما نصب اليتيم إذ كان غير الإطعام في قوله: {أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبةٍ يتيمًا ذا مقربةٍ}، وكما نصب الأموات والأحياء ونوّن الكفات في قوله: {ألم نجعل الأرض كفاتًا أحياءً وأمواتًا}، إذ كان الكفات غير الأحياء والأموات. وكذلك الجزاء، لو كان غير المثل لاتّسعت القراءة في المثل بالنّصب إذا نوّن الجزاء، ولكنّ ذلك ضاق فلم يقرأه أحدٌ بتنوين الجزاء ونصب المثل، إذ كان المثل هو الجزاء، وكان معنى الكلام: ومن قتله منكم متعمّدًا فعليه جزاءٌ هو مثل ما قتل من النّعم.
ثمّ اختلف أهل العلم في صفة الجزاء، وكيف يجزي قاتل الصّيد من المحرمين ما قتل بمثله من النّعم. فقال بعضهم: ينظر إلى أشبه الأشياء به شبهًا من النّعم، فيجزيه به ويهديه إلى الكعبة.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} قال: أمّا جزاءٌ مثل ما قتل من النّعم، فإن قتل نعامةً أو حمارًا فعليه بدنةٌ، وإن قتل بقرةً أو أيّلاً أو أروى فعليه بقرةٌ، أو قتل غزالاً أو أرنبًا فعليه شاةٌ، وإن قتل ضبًّا أو حرباء أو يربوعًا فعليه سخلةٌ قد أكلت العشب وشربت اللّبن.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون بن المغيرة، عن أبن مجاهدٍ قال: سئل عطاءٌ: أيغرم في صغير الصّيد كما يغرم في كبيره؟ قال: أليس يقول اللّه تعالى: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}؟.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، قال: عليه من النّعم مثله.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، قال: إذا أصاب المحرم الصّيد حكم عليه جزاؤه من النّعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدّق به، فإن لم يجد جزاءه قوّم الجزاء دراهم ثمّ قوّمت الدّراهم حنطةً ثمّ صام مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا. قال: وإنّما أريد بالطّعام الصّوم، فإذا وجد طعامًا وجد جزاءً.
- حدّثنا ابن وكيعٍ وابن حميدٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا}، قال: إذا أصاب المحرم الصّيد حكم عليه جزاؤه من النّعم، فإن لم يجد نظر كم ثمنه قال ابن حميدٍ: نظر كم قيمته فقوّم عليه ثمنه طعامًا، فصام مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا، أو كفّارةٌ طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا. قال: إنّما أريد بالطّعام الصّيام، فإذا وجد الطّعام وجد جزاءه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسينٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، فإن لم يجد هديًا، قوّم الهدي عليه طعامًا، وصام عن كلّ صاعٍ يومين.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا عبيدة بن حميدٍ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة} قال: إذا أصاب الرّجل الصّيد حكم عليه، فإن لم يكن عنده قوّم عليه ثمنه طعامًا ثمّ صام لكلّ نصف صاعٍ يومًا.
- حدّثنا أبو كريبٍ، ويعقوب، قالا: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك بن عميرٍ، عن قبيصة بن جابرٍ، قال: ابتدرت وصاحبٌ لي ظبيًا في العقبة فأصبته، فأتيت عمر بن الخطّاب فذكرت ذلك له، فأقبل علي رجلٌ إلى جنبه، فنظرا في ذلك، فقال: اذبح كبشًا.
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا هشيمٌ قال: أخبرنا حصينٌ، عن الشّعبيّ قال: أخبرني قبيصة بن جابرٍ نحوًا ممّا حدّث به عبد الملك.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن المسعوديّ، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن قبيصة بن جابرٍ، قال: قتل صاحبٌ لي ظبيًا وهو محرمٌ، فأمره عمر أن يذبح شاةً فيتصدّق بلحمها ويسقي إهابها.
- حدّثني هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، عن داود بن أبي هندٍ، عن بكر بن عبد اللّه المزنيّ، قال: قتل رجلٌ من الأعراب وهو محرمٌ ظبيًا، فسأل عمر، فقال له عمر: أهد شاةً.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن حصينٍ، وحدّثنا أبو هشامٍ الرّفاعيّ، قال: حدّثنا ابن فضيلٍ، قال: حدّثنا حصينٌ، عن الشّعبيّ، قال: قال قبيصة بن جابرٍ: أصبت ظبيًا وأنا محرمٌ، فأتيت عمر فسألته عن ذلك، فأرسل إلى عبد الرّحمن بن عوفٍ، فقلت: يا أمير المؤمنين إنّ أمره أهون من ذلك، قال: فضربني بالدّرّة حتّى سابقته عدوًا. قال: ثمّ قال: قتلت الصّيد وأنت محرمٌ ثمّ تغمص الفتيا، قال: فجاء عبد الرّحمن، فحكما شاةً.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} قال: إذا قتل المحرم شيئًا من الصّيد حكم فيه، فإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاةٌ تذبح بمكّة، فإن لم يجد فإطعام ستّة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ، فإن قتل أيّلاً أو نحوه فعليه بقرةٌ، وإن قتل نعامةً أو حمار وحشٍ أو نحوه فعليه بدنةٌ من الإبل.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: أرأيت إن قتلت صيدًا فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوصٌ أغرم مثله؟ قال: نعم، إن شئت. قلت: أوفي أحبّ إليك؟ قال: نعم. وقال عطاءٌ: وإن قتلت ولد الظّبي ففيه ولد شاةٍ، وإن قتلت ولد بقرةٍ وحشيّةٍ ففيه ولد بقرةٍ إنسيّةٍ مثله، فكلّ ذلك على ذلك.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ الفضل بن خالدٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان الباهليّ، قال: سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ، يقول: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} ما كان من صيد البرّ ممّا ليس له قرن الحمار والنّعامة فعليه مثله من الإبل، وما كان ذا قرنٍ من صيد البرّ من وعلٍ أو أيّلٍ فجزاؤه من البقر، وما كان من ظبي فمن الغنم مثله، وما كان من أرنبٍ ففيها ثنيّةٌ، وما كان من يربوعٍ وشبهه ففيه حملٌ صغيرٌ، وما كان من جرادةٍ أو نحوها ففيه قبضةٌ من طعامٍ، وما كان من طير البرّ ففيه أن يقوم ويتصدّق بثمنه، وإن شاء صام لكلّ نصف صاعٍ يومًا، وإن أصاب فرخ طيرٍ بريّةٍ أو بيضها فالقيمة فيها طعامٌ أو صومٌ على الّذي يكون في الطّير غير أنّه قد ذكر في بيض النّعام إذا أصابها المحرم أن يحمل الفحل على عدّة من أصاب من البيض على بكارة الإبل، فما لقح منها أهداه إلى البيت، وما فسد منها فلا شيء فيه.
- حدّثنا ابن البرقيّ، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافعٌ، قال: أخبرني ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: من قتله يعني الصّيد ناسيًا، أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفّر، فعليه مثله هديًا بالغ الكعبة، فإن لم يجد ابتاع بثمنه طعامًا، فإن لم يجد صام عن كلّ مدٍّ يومًا.وقال عطاءٌ: فإن أصاب إنسانٌ نعامةً، كان له إن كان ذا يسارٍ ما شاء، إن شاء يهدي جزورًا، أو عدلها طعامًا، أو عدلها صيامًا، أيّهنّ شاء من أجل قوله: {فجزاءٌ} أو كذا اوكذا قال: فكلّ شيءٍ في القرآن: أو، أو، فليختر منه صاحبه ما شاء.
- حدّثنا ابن البرقيّ، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافعٌ، قال: أخبرني ابن جريجٍ، قال: أخبرني الحسن بن مسلمٍ، قال: من أصاب من الصّيد ما يبلغ أن يكون شاةً فصاعدًا، فذلك الّذي قال اللّه تعالى: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، وأمّا {كفّارةٌ طعام مساكين} فذلك الّذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي، العصفور يقتل فلا يكون فيه. قال: أو عدل ذلك صيامًا، عدل النّعامة، أو عدل العصفور، أو عدل ذلك كلّه.
وقال آخرون: بل يقوّم الصّيد المقتول قيمته من الدّراهم، ثمّ يشتري القاتل بقيمته ندًّا من النّعم، ثمّ يهديه إلى الكعبة.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبيدة، عن إبراهيم، قال: ما أصاب المحرم من شيءٍ حكم فيه قيمته.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال: حدّثنا شعبة، عن حمّادٍ قال: سمعت إبراهيم يقول: في كلّ شيءٍ من الصّيد ثمنه.
وأولى القولين في تأويل الآية، ما قال عمر وابن عبّاسٍ ومن قال بقولهما: إنّ المقتول من الصّيد يجزى بمثله من النّعم، كما قال اللّه تعالى: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، وغير جائزٍ أن يكون مثل الّذي قتل من الصّيد دراهم، وقد قال اللّه تعالى: {من النّعم}، لأنّ الدّراهم ليست من النّعم في شيءٍ.
فإن قال قائلٌ: فإنّ الدّراهم وإن لم تكن مثلاً للمقتول من الصّيد، فإنّه يشتري بها المثل من النّعم، فيهديه القاتل، فيكون بفعله ذلك كذلك جازيًا بما قتل من الصّيد مثلاً من النّعم؟
قيل له: أفرأيت إن كان المقتول من الصّيد صغيرًا أو كبيرًا أو سليمًا، أو كان المقتول من الصّيد كبيرًا أو سليمًا ولايصاب بقيمته من النّعم إلاّ صغيرًا أو معيبًا، أيجوز له أن يشتري بقيمته خلافه وخلاف صفته فيهديه، أم لا يجوز ذلك له، وهو لا يجد إلاّ خلافه؟ فإن زعم أنّه لا يجوز له أن يشتري بقيمته إلاّ مثله، ترك قوله في ذلك لأنّ أهل هذه المقالة يزعمون أنّه لا يجوز له أن يشتري بقيمته ذلك فيهديه إلاّ ما يجوز في الضّحايا، وإذا أجازوا شراء مثل المقتول من الصّيد بقيمته وإهداءها، وقد يكون المقتول صغيرًا معيبًا، أجاز في الهدي ما لا يجوز في الأضاحيّ، وإن زعم أنّه لا يجوز أن يشتري بقيمته فيهديه إلاّ ما يجوز في الضّحايا أوضح بذلك من قوله الخلاف لظاهر التّنزيل وذلك أنّ اللّه تعالى أوجب على قاتل الصّيد من المحرمين عمدًا المثل من النّعم إذا وجدوه، وقد زعم قائل هذه المقالة أنّه لا يجب عليه المثل من النّعم وهو إلى ذلك واجدٌ سبيلاً.
ويقال لقائل ذلك: أرأيت إن قال قائلٌ آخر: ما على قاتل ما لا تبلغ من الصّيد قيمته ما يصاب به من النّعم ما يجوز في الأضاحيّ من إطعامٍ ولا صيامٍ، لأنّ اللّه تعالى إنّما خيّر قاتل الصّيد من المحرمين في أحد الثّلاثة الأشياء الّتي سمّاها في كتابه، فإذا لم يكن له إلى واحدٍ من ذلك سبيلٌ سقط عنه فرض الآخرين، لأنّ الخيار إنّما كان له وله إلى الثّلاثة سبيلٌ، فإذا لم يكن له إلى بعض ذلك سبيلٌ بطل فرض الجزاء عنه، لأنّه ليس ممّن عني بالآية نظير الّذي قلت أنت: إنّه إذا لم يكن المقتول من الصّيد يبلغ قيمته ما يصاب من النّعم ممّا يجوز في الضّحايا، فقد سقط فرض الجزاء بالمثل من النّعم عنه، وإنّما عليه الجزاء بالإطعام أو الصّيام، هل بينك وبينه فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ؟ فلن يقول في أحدهما قولاً إلاّ ألزم في الآخر مثله). [جامع البيان: 8/673-688]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة.
يقول تعالى ذكره: يحكم بذلك الجزاء الّذي هو مثل المقتول من الصّيد من النّعم عدلان منكم، يعني: فقيهان عالمان من أهل الدّين والفضل هديًا يقول: يقضي بالجزاء ذوا عدلٍ أن يهدي فيبلغ الكعبة. والهاء في قوله يحكم به عائدةٌ على الجزاء.
ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصّيد من النّعم على القاتل أن ينظرا إلى المقتول ويستوصفاه، فإن ذكر أنّه أصاب ظبيًا صغيرًا حكما عليه من ولد الضّأن بنظير ذلك الّذي قتله في السّنّ والجسم، فإن كان الّذي أصاب من ذلك كبيرًا حكما عليه من الضّأن بكبيرٍ، وإن كان الّذي أصاب حمار وحشٍ حكما عليه ببقرةٍ إن كان الّذي أصاب كبيرًا فكبير من البقر، وإن كان صغيرًا فصغيرًا، وإن كان المقتول ذكرًا فمثله من ذكور البقر، وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى، ثمّ كذلك ينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصّيد شبهًا من النّعم فيحكمان عليه به كما قال تعالى.
وبمثل الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل على اختلافٍ في ذلك بينهم.
ذكر من قال ذلك بنحو الّذي قلنا فيه
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود بن أبي هندٍ، عن بكر بن عبد اللّه المزنيّ، قال: كان رجلان من الأعراب محرمان، فأحاش أحدهما ظبيًا فقتله الآخر، فأتيا عمر وعنده عبد الرّحمن بن عوفٍ، فقال له عمر: ما ترى؟ قال: شاةً. قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فأهديا شاةً، فلمّا مضيّا قال أحدهما لصاحبه: ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتّى سأل صاحبه. فسمعها عمر، فردّهما فقال: هل تقرآن سورة المائدة؟ فقالا: لا. فقرأ عليهما: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم}، ثمّ قال: استعنت بصاحبي هذا.
- حدّثنا أبو كريبٍ، ويعقوب، قالا: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك بن عميرٍ، عن قبيصة بن جابرٍ، قال: ابتدرت أنا وصاحبٌ لي ظبيًا في العقبة، فأصبته. فأتيت عمر بن الخطّاب، فذكرت ذلك له، فأقبل على رجلٍ إلى جنبه، فنظرا في ذلك. قال: فقال: اذبح كبشًا قال يعقوب في حديثه: فقال لي اذبح شاةً. فانصرفت فأتيت صاحبي، قلت: إنّ أمير المؤمنين لم يدر ما يقول، فقال صاحبي: انحر ناقتك، فسمعها عمر بن الخطّاب، فأقبل عليّ ضربًا بالدّرّة، وقال: تقتل الصّيد وأنت محرمٌ وتغمص الفتيا، إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم} هذا ابن عوفٍ وأنا عمر.
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا هشيمٌ قال: أخبرنا حصينٌ، عن الشّعبيّ قال: أخبرني قبيصة بن جابرٍ بنحو ما حدّث به عبد الملك.
- حدّثنا هنّادٌ، وأبو هشامٍ، قالا: حدّثنا وكيعٌ، عن المسعوديّ، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن قبيصة بن جابرٍ، قال: خرجنا فكنّا إذا صلّينا ال غداة اقتدرنا رواحلنا نتماشى نتحدّث. قال: فبينما نحن ذات غداةٍ إذ سنح لنا ظبي، أو برح، فرماه رجلٌ منّا بحجرٍ، فما أخطأ خششاءه، فركب ردعه ميّتًا. قال: فعظّمنا عليه، فلمّا قدمنا مكّة، خرجت معه حتّى أتينا عمر، فقصّ عليه القصّة. قال: وإذا إلى جنبه رجلٌ كأنّ وجهه قلب فضّةٍ يعني عبد الرّحمن بن عوفٍ فالتفت إلى صاحبه فكلّمه، قال: ثمّ أقبل عليّ الرّجل قال: أعمدًا قتلته أم خطأً؟ قال الرّجل: لقد تعمّدت رميه، وما أردت قتله. فقال عمر: ما أراك إلاّ قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاةٍ فاذبحها، وتصدّق بلحمها، واسق إهابها، قال: فقمنا من عنده، فقلت: أيّها الرّجل عظّم شعائر اللّه، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتّى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها، فلعل ذاك. قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم} قال: فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا إلاّ ومعه الدّرّة، قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدّرّة، وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفّهت الحكم، قال: ثمّ أقبل عليّ فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحلّ لك اليوم شيئًا يحرم عليك منّي. قال: يا قبيصة بن جابرٍ، إنّي أراك شابّ السّنّ، فسيح الصّدر، بيّن اللّسان، وإنّ الشّابّ يكون فيه تسعة أخلاقٍ حسنةٌ وخلقٌ سيّئٌ، فيفسد الخلق السّيّئ الأخلاق الحسنة، فإيّاك وعثرات الشّباب.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن مخارقٍ، عن طارقٍ، قال: أوطأ أربد ضبًّا فقتله وهو محرمٌ، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي فحكما فيه جديًا قد جمع الماء والشّجر، ثمّ قال عمر: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم}.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا جامع بن حمّادٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ رجلاً، أصاب صيدًا، فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك وعنده عبد اللّه بن صفوان، فقال ابن عمر لابن صفوان: إمّا أن أقول فتصدّقني، وإمّا أن تقول فأصدّقك فقال ابن صفوان: بل أنت فقل، فقال ابن عمر، ووافقه على ذلك عبد اللّه بن صفوان.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرين، عن شريحٍ، أنّه قال: لو وجدت حكمًا عدلاً لحكمت في الثّعلب جديًا، وجدي أحبّ إليّ من الثّعلب.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بكرٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أبي مجلزٍ، أنّ رجلاً سأل ابن عمر عن رجلٍ أصاب صيدًا وهو محرمٌ، وعنده ابن صفوان، فقال له ابن عمر: إمّا أن تقول فأصدّقك، أو أقول فتصدّقني، قال: قل وأصدّقك.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا شعبة، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: أخبرني أبو حريزٍ البجليّ، قال: أصبت ظبيًا وأنا محرمٌ، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرّحمن وسعدًا، فحكما عليّ تيسًا أعفر. قال أبو جعفرٍ: الأعفر: الأبيض.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال: حدّثنا شعبة، عن منصورٍ بإسناده عن عمر، مثله.
- حدّثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريكٍ، عن أشعث بن سوّارٍ، عن ابن سيرين، قال: كان رجلٌ على ناقةٍ وهو محرمٌ، فأبصر ظبيًا يأوي إلى أكمةٍ، فقال: لأنظر أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظّبي؟ فوقعت عنزٌ من الظّباء تحت قوائم ناقته فقتلتها. فأتى عمر فذكر ذلك له، فحكم عليه هو وابن عوفٍ عنزًا عفراء قال: وهي البيضاء.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا أيّوب، عن محمّدٍ، أنّ رجلاً، أوطأ ظبيًا وهو محرمٌ، فأتى عمر فذكر ذلك له وإلى جنبه عبد الرّحمن بن عوفٍ، فأقبل على عبد الرّحمن فكلّمه، ثمّ أقبل على الرّجل فقال: أهد عنزًا عفراء.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنّه كان يقول: ما أصاب المحرم من شيءٍ لم يمض فيه حكومةٌ، استقبل به، فيحكم فيه ذوا عدلٍ.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثني وهب بن جريرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن يعلى، عن عمرو بن حبشيٍّ، قال: سمعت رجلاً، يسأل عبد اللّه بن عمر عن رجلٍ، أصاب ولد أرنبٍ، فقال: فيه ولد ماعزٍ فيما أرى أنا. ثمّ قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلم منّي، فقال: قال اللّه تعالى: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، وسهل بن يوسف، عن حميدٍ، عن بكرٍ، أنّ رجلين، أبصرا ظبيًا وهما محرمان، فتراهنا، وجعل كلّ واحدٍ منهما لمن سبق إليه. فسبق إليه أحدهما، فرماه بعصاه فقتله. فلمّا قدما مكّة أتيا عمر يختصمان إليه وعنده عبد الرّحمن بن عوفٍ، فذكرا ذلك له، فقال عمر: هذا قمارٌ، ولا أجيزه، ثمّ نظر إلى عبد الرّحمن فقال: ما ترى؟ قال: شاةً، فقال عمر: وأنا أرى ذلك. فلمّا قفّى الرّجلان من عند عمر قال أحدهما لصاحبه: ما درى عمر ما يقول حتّى سأل الرّجل، فردّهما عمر فقال: إنّ اللّه تعالى لم يرض بعمر وحده فقال: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم} وأنا عمر، وهذا عبد الرّحمن بن عوفٍ.
وقال آخرون: بل ينظر العدلان إلى الصّيد المقتول فيقوّمانه قيمته دراهم، ثمّ يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النّعم هديًا.
فالحاكمان في قول هؤلاء بالقيمة، وإنّما يحتاج إليهما لتقويم الصّيد قيمته في الموضع الّذي أصابه فيه.
وقد ذكرنا عن إبراهيم النّخعيّ فيما مضى قبل أنّه كان يقول: ما أصاب المحرم من شيءٍ حكم فيه قيمته، وهو قول جماعةٍ من متفقّهة الكوفيّين.
وأمّا قوله: {هديًا} فإنّه مصدرٌ على الحال من الهاء الّتي في قوله: {يحكم به}.
وقوله: {بالغ الكعبة} من نعت الهدي وصفته. وإنّما جاز أن ينعت به وهو مضافٌ إلى معرفةٍ، لأنّه في معنى النّكرة، وذلك أنّ معنى قوله: {بالغ الكعبة} يبلغ الكعبة، فهو وإن كان مضافًا فمعناه التّنوين، لأنّه بمعنى الاستقبال، وهو نظير قوله: {هذا عارضٌ ممطرنا} فوصف بقوله: {ممطرنا} عارضًا، لأنّ في {ممطرنا} معنى التّنوين، لأنّ تأويله الاستقبال، فمعناه: هذا عارضٌ يمطرنا، فكذلك ذلك في قوله: {هديًا بالغ الكعبة}). [جامع البيان: 8/689-695]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: أو كفّارةٌ طعام مساكين
يقول تعالى ذكره: أو عليه كفّارةٌ طعام مساكين. والكفّارة معطوفةٌ على الجزاء في قوله: فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة: (أو كفّارة طعام مساكين) بالإضافة.
وأمّا قرّاء أهل العراق، فإنّ عامّتهم قرءوا ذلك بتنوين الكفّارة ورفع الطّعام: أو كفّارةٌ طعام مساكين.
وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصّواب، قراءة من قرأ بتنوين الكفّارة ورفع الطّعام، للعلّة الّتي ذكرناها في قوله: فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم.
واختلف أهل التّأويل في معنى قوله: أو كفّارةٌ طعام مساكين فقال بعضهم: معنى ذلك أنّ القاتل وهو محرمٌ صيدًا عمدًا، لا يخلو من وجوب بعض هذه الأشياء الثّلاثة الّتي ذكر اللّه تعالى من مثل المقتول هديًا بالغ الكعبة، أو طعام مسكينٍ كفّارةً لما فعل، أو عدل ذلك صيامًا، لأنّه مخيّرٌ في أيّ ذلك شاء فعل، وأنّه بأيّها كان كفّر فقد أدّى الواجب عليه، وإنّما ذلك إعلامٌ من اللّه تعالى عباده أنّ قاتل ذلك كما وصف لن يخرج حكمه من إحدى الخلال الثّلاثة.
قالوا: فحكمه إن كان على المثل قادرًا أن يحكم عليه بمثل المقتول من النّعم، لا يجزيه غير ذلك ما دام للمثل واجدًا. قالوا: فإن لم يكن له واجدًا، أو لم يكن للمقتول مثلٌ من النّعم، فكفّارته حينئذٍ إطعام مساكين.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال أمره}، قال: إذا قتل المحرم شيئًا من الصّيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاةٌ تذبح بمكّة، فإن لم يجدها فإطعام ستّة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ وإن قتل أيّلاً أو نحوه فعليه بقرةٌ، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا. وإن قتل نعامةً أو حمار وحشٍ أو نحوه، فعليه بدنةٌ من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا والطّعام مدٌّ مدٌّ يشبعهم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ} إلى قوله: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم} فالكفّارة من قتل ما دون الأرنب إطعامٌ.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: إذا أصاب المحرم الصّيد حكم عليه جزاؤه من النّعم، فإن وجد جزاءً ذبحه فتصدّق به، وإن لم يجد جزاءه قوّم الجزاء دراهم، ثمّ قوّمت الدّراهم حنطةً، ثمّ صام مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا. قال: إنّما أريد بالطّعام: الصّوم، فإذا وجد طعامًا وجد جزاءً.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا حميد بن عبد الرّحمن، عن زهيرٍ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ، ومجاهدٍ، وعامرٍ: {أو عدل ذلك صيامًا ليذوق}، قال: إنّما الطّعام لمن لم يجد الهدي.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنّه كان يقول: إذا أصاب المحرم شيئًا من الصّيد عليه جزاؤه من النّعم، فإن لم يجد قوّم الجزاء دراهم، ثمّ قوّمت الدّراهم طعامًا، ثمّ صام لكلّ نصف صاعٍ يومًا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن حمّادٍ، قال: إذا أصاب المحرم الصّيد فحكم عليه، فإن فضل منه ما لا يتمّ نصف صاعٍ صام له يومًا، ولا يكون الصّوم إلاّ على من لم يجد ثمن هدي فيحكم عليه الطّعام. فإن لم يكن عنده طعامٌ يتصدّق به، حكم عليه الصّوم، فصام مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا. {كفّارةٌ طعام مساكين} قال: فيما لا يبلغ ثمن هدي. {أو عدل ذلك صيامًا} من الجزاء إذا لم يجد ما يشتري به هديًا، أو ما يتصدّق به، ممّا لا يبلغ ثمن هدي، حكم عليه الصّيام مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} قال: عليه من النّعم مثله هديًا بالغ الكعبة، ومن لم يجد ابتاع قيمته طعامًا، فيطعم كلّ مسكينٍ مدّين، فإن لم يجد صام عن كلّ مدّين يومًا.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {ومن قتله منكم متعمّدًا} إلى قوله: {ومن عاد فينتقم اللّه منه} قال: إذا قتل صيدًا فعليه جزاؤه مثل ما قتل من النّعم، فإن لم يجد ما حكم عليه قوّم الفداء كم هو درهمًا، وقدّر ثمن ذلك بالطّعام على المسكين، فصام عن كلّ مسكينٍ يومًا، ولا يحلّ طعام المسكين، لأنّ من وجد طعام المسكين فهو يجد الفداء.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لي الحسن بن مسلمٍ: من أصاب الصّيد فيمّا جزاؤه شاةٌ، فذلك الّذي قال اللّه تعالى: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم}، وما كان من كفّارةٍ طعام مساكين مثل العصفورة يقتل ولا يبلغ أن يكون فيه هدي، {أو عدل ذلك صيامًا}، قال: عدل النّعامة أو العصفور، أو عدل ذلك كلّه. فذكرت ذلك لعطاءٍ، فقال: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو)، فلصاحبه أن يختار ما شاء.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سفيان بن حسينٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله {لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} فإن لم يجد جزاءً قوّم عليه الجزاء طعامًا ثمّ صام لكلّ صاعٍ يومين.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنّ للقاتل صيدًا عمدًا وهو محرمٌ الخيار بين إحدى الكفّارات الثّلاث، وهي الجزاء بمثله من النّعم، والطّعام، والصّوم. قالوا: وإنّما تأويل قوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، {أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا} فعليه أن يجزي بمثله من النّعم، أو يكفّر بإطعام مساكين أو بعدل الطّعام من الصّيام.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، في قول اللّه تعالى: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا} قال: إن أصاب إنسانٌ محرمٌ نعامةً، فإنّ له إن كان ذا يسارٍ أن يهدي ما شاء جزورًا، أو عدلها طعامًا، أو عدلها صيامًا. قال: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو)، فليختر منه صاحبه ما شاء.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجّاجٌ، عن عطاءٍ، في قوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} قال: ما كان في القرآن (أو كذا أو كذا)، فصاحبه فيه بالخيار، أيّ ذلك شاء فعل.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، وعبد الأعلى، عن داود، عن عكرمة، قال: ما كان في القرآن (أو أو)، فهو فيه بالخيار، وما كان ({فمن لم يجد} فالأوّل، ثمّ الّذي يليه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا حفصٌ، عن عمرٍو، عن الحسن، مثله.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا ليثٌ، عن عطاءٍ، ومجاهدٍ، أنّهما قالا في قوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، قالا: ما كان في القرآن (أو كذا أو كذا)، فصاحبه فيه بالخيار أيّ ذلك شاء فعل.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، ما كان في القرآن (أو كذا أو كذا)، فصاحبه فيه بالخيار، أيّ ذلك شاء فعل.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو حرة، عن الحسن، قال: وأخبرنا عبيدة، عن إبراهيم، قالا: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو) فهو بالخيار، أيّ ذلك شاء فعل.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو) فصاحبه مخيّرٌ فيه، وكلّ شيءٍ (فمن لم يجد) فالأوّل، ثمّ الّذي يليه
واختلف القائلون بتخيير قاتل الصّيد من المحرمين بين الأشياء الثّلاثة في صفة اللاّزم له من التّكفير بالإطعام والصّوم إذا اختار الكفّارة بأحدهما دون الهدي، فقال بعضهم: إذا اختار التّكفير بذلك فإنّ الواجب عليه أن يقوّم المثل من النّعم طعامًا، ثمّ يصوم مكان كلّ مدٍّ يومًا.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ما {أو عدل} ذلك صيامًا؟ قال: إن أصاب ما عدله شاةٌ أقيمت الشّاة طعامًا، ثمّ جعل مكان كلّ مدٍّ يومًا يصومه.
وقال آخرون: بل الواجب عليه إذا أراد التّكفير بالإطعام أو الصّوم، أن يقوّم الصّيد المقتول طعامًا، ثمّ الصدّقة بالطّعام إن اختار الصّدقة، وإن اختار الصّوم صام.
ثمّ اختلفوا أيضًا في الصّوم، فقال بعضهم: يصوم لكلّ مدٍّ يومًا.
وقال آخرون: يصوم مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا.
وقال آخرون: يصوم مكان كلّ صاعٍ يومًا.
ذكر من قال: المتقوّم للإطعام هو الصّيد المقتول.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا جامع بن حمّادٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد} الآية، قال: كان قتادة يقول: يحكمان في النّعم، فإن كان ليس عنده ما يبلغ ذلك، نظروا ثمنه فقوّموه طعامًا، ثمّ صام مكان كلّ صاعٍ يومين.
وقال آخرون: لا معنى للتّكفير بالإطعام، لأنّ من وجد سبيلاً إلى التّكفير بالإطعام فهو واجدٌ إلى الجزاء بالمثل من النّعم سبيلاً، ومن وجد إلى الجزاء بالمثل من النّعم سبيلاً لم يجزه التّكفير بغيره. قالوا: وإنّما ذكر اللّه تعالى ذكره الكفّارة بالإطعام في هذا الموضع ليدلّ على صفة التّكفير بالصّوم، لا أنّه جعل التّكفير بالإطعام إحدى الكفّارات الّتي يكفّر بها قتل الصّيد، وقد ذكرنا تأويل ذلك فيما مضى قبل.
وأولى الأقوال بالصّواب عندي في قول اللّه تعالى: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} أن يكون مرادًا به: فعلى قاتله متعمّدًا مثل الّذي قتل من النّعم لا القيمة، إن اختار أن يجزيه بالمثل من النّعم، وذلك أنّ القيمة إنّما هي من الدّنانير أو الدّراهم، والدّنانير، ليست للصّيد بمثلٍ، واللّه تعالى إنّما أوجب الجزاء مثلاً من النّعم.
وأولى الأقوال بالصّواب عندي في قوله: {أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا} أن يكون تخييرًا، وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصّيد وهو محرمٌ بأيّ هذه الكفّارات الثّلاث شاء، لأنّ اللّه تعالى جعل ما أوجب في قتل الصّيد من الجزاء والكفّارة عقوبةً لفعله، وتكفيرًا لذنبه في إتلافه ما أتلف من الصّيد الّذي كان حرامًا عليه إتلافه في حال إحرامه، وقد كان حلالاً له قبل حال إحرامه، كما جعل الفدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ في حلق الشّعر الّذي حلقه المحرم في حال إحرامه، وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه، ثمّ منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصّيد، ثمّ جعل عليه إن حلقه جزاءٌ من حلقه إيّاه، فأجمع الجميع على أنّه في حلقه إيّاه إذا حلقه من إيذائه مخيّرٌ في تكفيره، فعله ذلك بأيّ الكفّارات الثّلاث شاء، فمثله فيما ناله إن شاء اللّه قاتل الصّيد من المحرمين، وأنّه مخيّرٌ في تكفيره قتله الصّيد بأيّ الكفّارات الثّلاث شاء، لا فرق بين ذلك.
ومن أبى ما قلنا فيه، قيل له: حكم اللّه تعالى على قاتل الصّيد بالمثل من النّعم، أو كفّارةٍ طعام مساكين، أو عدله صيامًا، كما حكم على الحالق بفديةٍ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، فزعمت أنّ أحدهما مخيّرٌ في تكفير ما جعل منه، عوّض بأيّ الثّلاث شاء، وأنكرت أن يكون ذلك للآخر، فهل بينك وبين من عكس عليك الأمر في ذلك فجعل الخيار فيه حيث أبيت، وأبى حيث جعلته له فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ؟ فلن يقول في أحدهما قولاً، إلاّ ألزم في الآخر مثله.
ثمّ اختلفوا في صفة التّقويم إذا أراد التّكفير بالإطعام، فقال بعضهم: يقوّم الصّيد قيمه بالموضع الّذي أصابه فيه، وهو قول إبراهيم النّخعيّ، وحمّادٍ، وأبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمّدٍ، وقد ذكرت الرّواية عن إبراهيم وحمّادٍ فيما مضى بما يدلّ على ذلك، وهو نصّ قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقال آخرون: بل يقوّم ذلك بسعر الأرض الّتي يكفّر بها.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: حدّثنا إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال في محرمٍ أصاب صيدًا بخراسان قال: يكفّر بمكّة أو بمنًى، وقال: يقوّم الطّعام بسعر الأرض الّتي يكفّر بها.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو يمانٍ، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن الشّعبيّ، في رجلٍ أصاب صيدًا بخراسان قال: يحكم عليه بمكّة.
والصّواب من القول في ذلك عندنا، أنّ قاتل الصّيد إذا جزاه بمثله من النّعم، فإنّما يجزيه بنظيره في خلقٍ، وقدره في جسمه من أقرب الأشياء به شبهًا من الأنعام، فإذ جزاه بالإطعام قوّمه قيمته بموضعه الّذي أصابه فيه، لأنّه هنالك وجب عليه التّكفير بالإطعام، ثمّ إن شاء أطعم بالموضع الّذي أصابه فيه، وإن شاء بمكّة، وإن شاء بغير ذلك من المواضع حيث شاء، لأنّ اللّه تعالى إنّما شرط بلوغ الكعبة بالهدي في قتل الصّيد دون غيره من جزائه، فللجازي بغير الهدي أن يجزيه بالإطعام والصّوم حيث شاء من الأرض.
وبمثل الّذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل العلم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: حدّثنا ابن أبي عروبة، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيم، قال: ما كان من دمٍ فبمكّة، وما كان من صدقةٍ أو صومٍ حيث شاء.
وقد خالف ذلك مخالفون فقالوا: لا يجزئ الهدي والإطعام إلاّ بمكّة، فأمّا الصّوم فإن كفّر به يصوم حيث شاء من الأرض.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن حمّاد بن سلمة، عن قيس بن سعدٍ، عن عطاءٍ، قال: الدّم والطّعام بمكّة، والصّيام حيث شاء.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن مالك بن مغولٍ، عن عطاءٍ، قال: كفّارة الحجّ بمكّة.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: أين يتصدّق بالطّعام إن بدا له؟ قال: بمكّة، من أجل أنّه بمنزلة الهدي، قال: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، {أو هديًا بالغ الكعبة}، من أجل أنّه أصابه في حرمٍ يريد البيت فجزاؤه عند البيت.
فأمّا الهدي، فإنّه جزى به ما قتل من الصّيد، فلن يجزئه من كفّارة ما قتل من ذلك إلاّ أن يبلغه الكعبة طيّبًا كما قال تعالى ذكره، وينحره أو يذبحه، ويتصدّق به على مساكين الحرم. ويعني بالكعبة في هذا الموضع: الحرم كلّه.
ولمن قدم بهديه الواجب من جزاء الصّيد أن ينحره في أي وقتٍ شاء قبل يوم النّحر وبعده، ويطعمه وكذلك إن كفّر بالطّعام فله أن يكفّر به متى أحبّ وحيث أحبّ، وإن كفّر بالصّوم فكذلك.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل، خلا ما ذكرنا من اختلافهم في التّكفير بالإطعام على ما قد بيّنّا فيما مضى.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: {أو عدل ذلك صيامًا} هل لصيامه وقتٌ؟ قال: لا، إذ شاء وحيث شاء، وتعجيله أحبّ إليّ.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: رجلٌ أصاب صيدًا في الحجّ أو العمرة، فأرسل بجزائه إلى الحرم في المحرّم أو غيره من الشّهور أيجزئ عنه؟ قال: نعم، ثمّ قرأ: {هديًا بالغ الكعبة} قال هنّادٌ: قال يحيى: وبه نأخذ.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، وابن أبي سليمٍان، عن عطاءٍ، قال: إذا قدمت مكّة بجزاء صيدٍ فانحره، فإنّ اللّه تعالى يقول: {هديًا بالغ الكعبة}، إلاّ أن يقدم في العشر، فيؤخّر إلى يوم النّحر.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يتصدّق الّذي يصيب الصّيد بمكّة، فإنّ اللّه تعالى يقول: {هديًا بالغ الكعبة}). [جامع البيان: 8/696-708]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: أو عدل ذلك صيامًا
يعني تعالى ذكره بذلك: أو على قاتل الصّيد محرمًا عدل الصّيد المقتول من الصّيام، وذلك أن يقوّم الصّيد حيًّا غير مقتولٍ قيمته من الطّعام بالموضع الّذي قتله فيه المحرم، ثمّ يصوم مكان كلّ مدٍّ يومًا، وذكر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عدل المدّ من الطّعام بصوم يومٍ في كفّارة المواقع في شهر رمضان.
فإن قال قائلٌ: فهلاّ جعلت مكان كلّ صاعٍ في جزاء الصّيد صوم يومٍ قياسًا على حكم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في نظيره، وذلك حكمه على كعب بن عجرة، إذ أمره أن يطعم إن كفّر بالإطعام فرقًا من طعامٍ وذلك ثلاثة آصعٍ بين ستّة مساكين، فإن كفّر بالصّيام أن يصوم ثلاثة أيّامٍ، فجعل الأيّام الثّلاثة في الصّوم عدلاً من إطعام ثلاثة آصعٍ، فإنّ ذلك بالكفّارة في جزاء الصّيد أشبه من الكفّارة في قتل الصّيد بكفّارة المواقع امرأته في شهر رمضان؟
قيل: إنّ القياس إنّما هو ردّ الفروع المختلف فيها إلى نظائرها من الأصول المجمع عليها، ولا خلاف بين الجميع من الحجّة، أنّه لا يجزئ مكفّرًا كفّر في قتل الصّيد بالصّوم، أن يعدل صوم يومٍ بصاع طعامٍ. فإن كان ذلك كذلك، وكان غير جائزٍ خلافها فيما حدّثت به من الدّين مجمعةً عليه صحّ بذلك أنّ حكم معادلة الصّوم الطّعام في قتل الصّيد مخالفٌ حكم معادلته إيّاه في كفّارة الحلق، إذا كان غير جائزٍ، راد أصل على آخر قياسًا، وإنّما يجوز أن يقاس الفرع على الأصل، وسواءٌ قال قائلٌ: هلاّ رددت حكم الصّوم في كفّارة قتل الصّيد على حكمه في حلق الأذى فيما يعدل به من الطّعام، وآخر قال: هلاّ رددت حكم الصّوم في الحلق على حكمه في كفّارة قتل الصّيد فيما يعدل به من الطّعام، فتوجب عليه مكان كلّ مدٍّ، أو مكان كلّ نصف صاعٍ، صوم يومٍ.
وقد بيّنّا فيما مضى قبل أنّ العدل في كلام العرب بالفتح، وهو قدر الشّيء من غير جنسه، وأنّ العدل هو قدره من جنسه.
وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: العدل مصدرٌ من قول القائل: عدلت بهذا عدلاً حسنًا. قال: والعدل أيضًا بالفتح: المثل، ولكنّهم فرّقوا بين العدل في هذا وبين عدل المتاع، بأن كسروا العين من عدل المتاع، وفتحوها من قول الله: ولا يقبل منها عدلٌ، وقول اللّه عزّ وجلّ: أو عدل ذلك صيامًا، كما قالوا: امرأةٌ رزانٌ، وحجرٌ رزينٌ.
وقال بعضهم: العدل: هو القسط في الحقّ، والعدل بالكسر: المثل.
وقد بيّنّا ذلك بشواهد فيما مضى.
وأمّا نصب الصّيام فإنّه على التّفسير كما يقال عندي ملء زقٍّ سمنًا، وقدر رطلٍ عسلاً.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ما عدل ذلك صيامًا؟ قال: عدل الطّعام من الصّيام قال: لكلٍّ يومًا يؤخذ زعم بصيام رمضان وبالظّهار. وزعم أنّ ذلك رأي يراه ولم يسمعه من أحدٍ، ولم تمض به سنّةٌ قال: ثمّ عاودته بعد ذلك بحينٍ، قلت: ما عدل ذلك صيامًا؟ قال: إن أصاب ما عدله شاةٌ، قوّمت طعامًا ثمّ صام مكان كلّ مدٍّ يومًا. قال: ولم أسأله: هذا رأي أو سنّةٌ مسنونةٌ.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله عزّ وجلّ: {أو عدل ذلك صيامًا} قال: بصوم ثلاثة أيّامٍ، إلى عشرة أيّامٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن حمّادٍ، {أو عدل ذلك صيامًا} من الجزاء، إذا لم يجد ما يشتري به هديًا أو ما يتصدّق به ممّا لا يبلغ ثمن هدي، حكم عليه الصّيام مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {أو عدل ذلك صيامًا} قال: إذا قتل المحرم شيئًا من الصّيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاةٌ تذبح بمكّة، فإن لم يجد فإطعام ستّة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ. وإن قتل أيّلاً أو نحوه فعليه بقرةٌ، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامةً أو حمار وحشٍ أو نحوه فعليه بدنةٌ من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا، والطّعام مدٌّ مدٌّ شبعهم.
- حدّثنا ابن البرقيّ، قال: حدّثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيدٍ عن المحرم يصيب الصّيد فيكون عليه الفدية شاةً أو البقرة أو البدنة، ولا يجد فما عدل ذلك من الصّيام أو الصّدقة؟ قال: ثمن ذلك، فإن لم يجد ثمنه قوّم ثمنه طعامًا يتصدّق به لكلّ مسكينً مدٌّ، ثمّ يصوم بكلّ مدٍّ يومًا). [جامع البيان: 8/708-711]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: ليذوق وبال أمره
يقول جلّ ثناؤه: أوجبت على قاتل الصّيد محرمًا ما أوجبت من الجزاءّ والكفّارة الّذي ذكرت في هذه الآية، كي يذوق وبال أمره وعذابه.
يعني بـ أمره: ذنبه وفعله الّذي فعله من قتله ما نهاه اللّه عزّ وجلّ عن قتله في حال إحرامه، يقول: فألزمته الكفّارة الّتي ألزمته إيّاها، لأذيقه عقوبة ذنبه بإلزامه الغرامة والعمل ببدنه ممّا يتعبه ويشقّ عليه.
وأصل الوبال: الشّدّة في المكروه. ومنه قول اللّه: فعصى فرعون الرّسول فأخذناه أخذًا وبيلاً.
وقد بيّن تعالى ذكره بقوله: ليذوق وبال أمره أنّ الكفّارات اللاّزمة الأموال والأبدان عقوباتٌ منه لخلقه، وإن كانت تمحيصًا لهم، وكفّارةً لذنوبهم الّتي كفّروها بها.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: أمّا وبال أمره، فعقوبة أمره). [جامع البيان: 8/712]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه
يقول جلّ ثناؤه لعباده المؤمنين به وبرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم: عفا اللّه أيّها المؤمنون عمّا سلف منكم في جاهليّتكم من إصابتكم الصّيد وأنتم حرمٌ وقتلكموه، فلا يؤاخذكم بما كان منكم في ذلك قبل تحريمه إيّاه عليكم، ولا يلزمكم له كفّارهً في مالٍ ولا نفسٍ، ولكن من عاد منكم لقتله وهو محرمٌ بعد تحريمه عليه بالمعنى الّذي يقتله في حال كفره وقبل تحريمه عليه من استحلاله قتله، فينتقم اللّه منه.
وقد يحتمل أن يكون ذلك في معناه: من عاد لقتله بعد تحريمه في الإسلام فينتقم اللّه منه في الآخرة، فأمّا في الدّنيا فإنّ عليه من الجزاء والكفّارة فيها ما بيّنت.
واختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو الّذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ما {عفا اللّه عمّا سلف}؟ قال: عمّا كان في الجاهليّة، قال: قلت: وما {ومن عاد فينتقم اللّه منه}؟ قال: من عاد في الإسلام، فينتقم اللّه منه، وعليه مع ذلك الكفّارة.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ، فذكر نحوه، وزاد فيه وقال: وإن عاد فقتل عليه الكفّارة، قلت: هل في العود من حدٍّ يعلم؟ قال: لا، قلت: فترى حقًّا على الإمام أن يعاقبه؟ قال:لا هو ذنبٌ أذنبه فيما بينه وبين اللّه، ولكن يفتدي.
- حدّثنا سفيان قال: حدّثنا محمّد بن بكرٍ، وأبو خالدٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: {ومن عاد فينتقم اللّه منه} قال: في الإسلام، وعليه مع ذلك الكفّارة، قلت: عليه من الإمام عقوبةٌ؟ قال: لا.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: {عفا اللّه عمّا سلف} عمّا كان في الجاهليّة، {ومن عاد} قال: في الإسلام، {فينتقم اللّه منه} وعليه الكفّارة. قال: قلت لعطاءٍ: فعليه من الإمام عقوبةٌ؟ قال: لا.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ قال: حدّثنا عبد الرّحمن قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ قال: يحكم عليه في الخطإ والعمد والنّسيان وكلّما أصاب، قال اللّه عزّ وجلّ: {عفا اللّه عمّا سلف} قال: ما كان في الجاهليّة، {ومن عاد فينتقم اللّه منه} مع الكفّارة قال سفيان: قال ابن جريجٍ: فقلت: أيعاقبه السّلطان؟ قال: لا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بكرٍ، وأبو خالدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: {عفا اللّه عمّا سلف}، قال: عمّا كان في الجاهليّة.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، أنّه قال: يحكم عليه كلّما عاد.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلّما أصاب المحرم الصّيد ناسيًا حكم عليه.
- حدّثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: حدّثنا فضيل بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: كلّما أصاب الصّيد المحرم حكم عليه.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ قال: من قتل الصّيد ثمّ عاد حكم عليه.
- حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن داود بن أبي هندٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: يحكم عليه أفيخلع، أو يترك.
- حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا داود بن أبي هندٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: الّذي يصيب الصّيد وهو محرمٌ فيحكم عليه ثمّ يعود، قال: يحكم عليه.
- حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا كثير بن هشامٍ، قال: حدّثنا الفرات بن سلمان، عن عبد الكريم، عن عطاءٍ، قال: يحكم عليه كلّما عاد.
وقال آخرون: معنى ذلك: عفا اللّه عمّا سلف منكم في ذلك في الجاهليّة، ومن عاد في الإسلام فينتقم اللّه منه بإلزامه الكفّارة.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني ابن البرقيّ، قال: حدّثنا عمرٌو، عن زهيرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، وعطاءٍ، في قول اللّه تعالى: {ومن عاد فينتقم اللّه منه} قالا: ينتقم اللّه، يعني بالجزاء. {عفا اللّه عمّا سلف} في الجاهليّة.
وقال آخرون في ذلك: عفا اللّه عمّا سلف من قتل من قتل منكم الصّيد حرامًا في أوّل مرّةٍ، ومن عاد ثانيةً لقتله بعد أولى حرامًا، فاللّه وليّ الانتقام منه دون كفّارةٍ تلزمه لقتله إيّاه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، من قتل شيئًا من الصّيد خطأً وهو محرمٌ، حكم عليه كلما عاد ومن قتله متعمدا حكم عليه فيه مرّةً واحدةً، فإن عاد يقال له: ينتقم اللّه منك، كما قال اللّه عزّ وجلّ.
- حدّثنا يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: حدّثنا فضيل بن عياضٍ، عن هشامٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: إذا أصاب المحرم الصّيد حكم عليه، فإن عاد لم يحكم عليه، وكان ذلك إلى اللّه عزّ وجلّ، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، ثمّ قرأ هذه الآية: {ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ}.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا يحيى بن أبي زائدة، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى شريحٍ فقال: إنّي أصبت صيدًا وأنا محرمٌ، فقال: هل أصبت قبل ذلك شيئًا؟ قال: لا، قال: لو قلت: نعم، وكلتك إلى اللّه، يكون هو ينتقم منك، إنّه عزيزٌ ذو انتقامٍ قال داود: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: بل يحكم عليه، أ فيخلع.
- حدّثني أبو السّائب، وعمرو بن عليٍّ، قالا: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: إذا أصاب الرّجل الصّيد وهو محرمٌ، وقيل له أصبت صيدًا قبل هذا؟ قال: فإن قال: نعم، قيل له: اذهب، فينتقم اللّه منك، وإن قال: لا، حكم عليه.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، في الّذي يقتل الصّيد ثمّ يعود، قال: كانوا يقولون: من عاد لا يحكم عليه، أمره إلى اللّه عزّ وجلّ.
- حدّثنا عمرٌو قال: حدّثنا ابن عيينة، عن داود بن أبي هندٍ، عن الشّعبيّ: أنّ رجلاً أتى شريحًا فقال: أصبت صيدًا، قال: أصبت قبله صيدًا؟ قال: لا، قال: أما إنّك لو قلت: نعم، لم أحكم عليك.
- حدّثنا عمرٌو قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ قال: حدّثنا داود، عن الشّعبيّ، عن شريحٍ، مثله.
- حدّثنا عمرٌو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن الأشعث، عن محمّدٍ، عن شريحٍ في الّذي يصيب الصّيد، قال: يحكم عليه، فإن عاد انتقم اللّه منه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّام بن سلمٍ، عن عنبسة، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم}، قال: يحكم عليه في العمد مرّةً واحدةً، فإن عاد لم يحكم عليه وقيل له: اذهب ينتقم اللّه منك، ويحكم عليه في الخطأ أبدًا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن خصيفٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: رخّص في قتل الصّيد مرّةً، فمن عاد لم يدعه اللّه تعالى حتّى ينتقم منه.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن خصيفٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، مثله.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ وابن أبي عديٍّ، جميعًا عن هشامٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، فيمن أصاب صيدًا فحكم عليه ثمّ عاد، قال: لا يحكم، ينتقم اللّه منه.
- حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: إنّما قال اللّه عزّ وجلّ: {ومن قتله منكم متعمّدًا}، يقول: متعمّدًا لقتله ناسيًا لإحرامه، فذلك الّذي يحكم عليه، فإن عاد لا يحكم عليه، وقيل له: ينتقم اللّه منك.
- حدّثنا عمرٌو قال: حدّثنا كثير بن هشامٍ قال: حدّثنا الفرات بن سلمان، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ: إن عاد لم يحكم عليه، وقيل له: ينتقم اللّه منك.
- حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا الأشعث، عن الحسن، في الّذي يصيب الصّيد فيحكم عليه ثمّ يعود، قال: لا يحكم عليه.
وقال آخرون: معنى ذلك عفا اللّه عمّا سلف من قتلكم الصّيد قبل تحريم اللّه تعالى ذلك عليكم، ومن عاد لقتله بعد تحريم اللّه إيّاه عليه عالمًا بتحريمه ذلك عليه، عامدًا لقتله، ذاكرًا لإحرامه، فإنّ اللّه هو المنتقم منه، ولا كفّارة لذنبه ذلك، ولا جزاء يلزمه له في الدّنيا.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ومن عاد فينتقم اللّه منه} قال: من عاد بعد نهي اللّه بعد أن يعرف أنّه محرمٌ وأنّه ذاكرٌ لحرمه لم ينبغ لأحدٍ أن يحكم عليه، ووكلوه إلى نقمة اللّه عزّ وجلّ. فأمّا الّذي يتعمّد قتل الصّيد وهو ناسٍ لحرمه، أو جاهلٌ أنّ قتله محرّمٌ، فهؤلاء الّذين يحكم عليهم فأمّا من قتله متعمّدًا بعد نهي اللّه وهو يعرف أنّه محرّمٌ وأنّه حرامٌ، فذلك يوكل إلى نقمة اللّه، فذلك الّذي جعل اللّه عليه النّقمة.
وهذا شبيهٌ بقول مجاهدٍ الّذي ذكرناه قبل.
وقال آخرون: عني بذلك شخصٌ بعينه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا معتمر بن سليمان، قال: حدّثنا زيد أبو المعلّى: أنّ رجلاً أصاب صيدًا وهو محرمٌ، فتجوّز له عنه. ثمّ عاد، فأرسل اللّه عليه نارًا فأحرقته، فذلك قوله: {ومن عاد فينتقم اللّه منه}، قال: في الإسلام.
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب عندنا، قول من قال: معناه: ومن عاد في الإسلام لقتله بعد نهي اللّه تعالى عنه، فينتقم اللّه منه، وعليه مع ذلك الكفّارة، لأنّ اللّه عزّ وجلّ إذ أخبر أنّه ينتقم منه لم يخبرنا وقد أوجب عليه في قتله الصّيد عمدًا ما أوجب من الجزاء أو الكفّارة بقوله: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} أنّه قد أزال عنه الكفّارة في المرّة الثّانية والثّالثة، بل أعلم عباده ما أوجب من الحكم على قاتل الصّيد من المحرمين عمدًا، ثمّ أخبر أنّه منتقمٌ ممّن عاد، ولم يقل: ولا كفّارة عليه في الدّنيا.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ الكفّارة مزيلةٌ للعقاب، ولو كانت الكفّارة لازمةً له في الدّنيا لبطل العقاب في الآخرة، فقد ظنّ خطأً، وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ أن يخالف بين عقوبات معاصيه بما شاء وأحبّ، فيزيد في عقوبته على بعض معاصيه ممّا ينقص من بعضٍ، وينقص من بعضٍ ممّا يزيد في بعضٍ، كالّذي فعل من ذلك في مخالفته بين عقوبته الزّاني البكر والزّاني الثّيّب المحصن، وبين سارق ربع دينارٍ وبين سارق أقلّ من ذلك، فكذلك خالف بين عقوبته قاتل الصّيد من المحرمين عمدًا ابتداءً وبين عقوبته عودًا بعد بدءٍ، فأوجب على البادئ المثل من النّعم، أو الكفّارة بالإطعام، أو العدل من الصّيام، وجعل ذلك عقوبة جرمه بقوله: {ليذوق وبال أمره}، وجعل على العائد بعد البدء، وزاده من عقوبته ما أخبر عباده أنّه فاعلٌ من الانتقام تغليظًا منه للعود بعد البدء. ولو كانت عقوباته على الأشياء متّفقةً، لوجب أن لا يكون حدٌّ في شيءٍ مخالفًا حدًّا في غيره، ولا عقاب في الآخرة أغلظ من عقابٍ، وذلك خلاف ما جاء به محكم الفرقان.
وقد زعم بعض الزّاعمين أنّ معنى ذلك: ومن عاد في الإسلام بعد نهي اللّه عن قتله لقتله بالمعنى الّذي كان القوم يقتلونه في جاهليّتهم، فعفا لهم عنه عند تحريم قتله عليهم، وذلك قتله على استحلال قتله. قال: فأمّا إذا قتله على غير ذلك الوجه، وذلك أن يقتله على وجه الفسوق لا على وجه الاستحلال، فعليه الجزاء والكفّارة كلّما عاد.
وهذا قولٌ لا نعلم قائلاً قاله من أهل التّأويل، وكفى خطأً بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئه دلالةٌ سواه، فكيف وظاهر التّنزيل ينبئ عن فساده؟ وذلك أنّ اللّه عمّ بقوله: {ومن عاد فينتقم اللّه منه} كلّ عائدٍ لقتل الصّيد بالمعنى الّذي تقدّم النّهي منه به في أوّل الآية، ولم يخصّ به عائدًا منهم دون عائدٍ، فمن ادّعى في التّنزيل ما ليس في ظاهره كلّف البرهان على دعواه من الوجه الّذي يجب التّسليم له.
وأمّا من زعم أنّ معنى ذلك: ومن عاد في قتله متعمّدًا بعد بدءٍ لقتلٍ تقدّم منه في حال إحرامه فينتقم اللّه منه، كإنّ معنى قوله: {عفا اللّه عمّا سلف} إنّما هو: عفا اللّه عمّا سلف من ذنبه بقتله الصّيد بدءًا. فإنّ في قول اللّه تعالى: {ليذوق وبال أمره} دليلاً واضحًا على أنّ القول في ذلك غير ما قال لأنّ العفو عن الجرم ترك المؤاخذة به، ومن أذيق وبال جرمه فقد عوقب به، وغير جائزٍ أن يقال لمن عوقب قد عفي عنه، وخبر اللّه أصدق من أن يقع فيه تناقضٌ.
فإن قال قائلٌ: وما ينكر أن يكون قاتل الصّيد من المحرمين في أوّل مرّةٍ قد أذيق وبال أمره بما ألزم من الجزاء والكفّارة، وعفي له من العقوبة بأكثر من ذلك ممّا كان للّه عزّ وجلّ أن يعاقبه به؟
قيل له: فإن كان ذلك جائزًا أن يكون تأويل الآية عندك وإن كان مخالفًا لقول أهل التّأويل، فما ينكر أن يكون الانتقام الّذي أوعده اللّه على العود بعد البدء، هو تلك الزّيادة الّتي عفاها عنه في أوّل مرّةٍ ممّا كان له فعله به مع الّذي أذاقه من وبال أمره، فيذيقه في عوده بعد البدء وبال أمره الّذي أذاقه المرّة الأولى، ويترك عفوه عمّا عفا عنه في البدء، فيؤاخذه به؟ فلن يقول في ذلك شيئًا إلاّ ألزم في الآخر مثله). [جامع البيان: 8/712-722]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ}
يقول عزّ وجلّ: واللّه منيعٌ في سلطانه، لا يقهره قاهرٌ، ولا يمنعه من الانتقام ممّن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانعٌ، لأنّ الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزّة والمنعة.
وأمّا قوله: {ذو انتقامٍ} فإنّه يعني به: معاقبته لمن عصاه على معصيته إيّاه). [جامع البيان: 8/722]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ (95)
قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ
- ذكر عن شريكٍ عن سالمٍ عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ فنهى المحرم عن قتله في هذه الآية.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا زكريّا بن يحيى الواسطيّ زحمويه، ثنا شريكٌ عن سالمٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ قال:
حرّم صيده... وأكله.
قوله تعالى: ومن قتله منكم متعمّدًا
[الوجه الأول]
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا وكيعٌ عن سفيان عن جابرٍ عن الحكم أنّ عمر كتب أن يحكم عليه في الخطّاء والعمد.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّدًا قال إن قتله متعمّدًا أو ناسيًا أو خطأً حكم عليه فإن كان متعمّدًا عجّلت له العقوبة إلا أن يعفوا اللّه عنه- وروي عن مجاهدٍ والنّخعيّ والحسن وعطاءٍ نحو بعض هذا الكلام.
الوجه الثّاني
: وهو إزالة الكفّارة عن قاتل الصّيد ناسيًا.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن عليّة عن أيّوب قال نبّئت عن طاوسٍ قال: لا يحكم على من أصاب صيدًا خطأً إنّما يحكم على من أصابه متعمّدًا.
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا وكيعٌ عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبيرٍ قال: إنّما جعلت الكفّارة في العمد ولكن غلّظ عليهم في الخطأ كي يتّقوا.
قوله تعالى: فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، ثنا جريرٌ عن منصورٍ عن الحكم عن مقسمٍ عن ابن عبّاسٍ في قوله: فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم قال: إذا أصاب المحرم الصّيد حكم عليه جزاؤه من النّعم.
- أخبرنا العبّاس بن الوليد بن مزيدٍ قراءةً عليه، ثنا محمّد بن شعيب بن شابور، أخبرني عثمان بن عطاءٍ عن أبيه قوله: فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم قال:
ما كان له مثلٌ يشبهه فهو جزاؤه قضاؤه.
قوله تعالى: من النّعم
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم قال: إذا قتل المحرم شيئًا من الصّيد حكم عليه فيه وإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاةٌ تذبح بمكّة.
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم فما كان من صيد البرّ ممّا ليس له قرنٌ كالحمار والنّعامة فجزاؤه من البدن، وما كان من صيد البرّ من ذوات القرون فجزاؤه من البقر، وما كان من الظّبي ففيه من الغنم والأرنب فيه بينةٌ من الغنم واليربوع فيه برقٌ وهو الحمل، وما كان من حمامةٍ أو نحوها من الطّير فيهما شاةٌ وما كان من جرادةٍ أو نحوها ففيهما قبضةٌ من طعامٍ.
قوله تعالى: يحكم به ذوا عدلٍ منكم
- حدّثنا محمّد بن يحيى وجدت في كتاب جدّي يحيى بن ضريسٍ في أصله العتيق، ثنا سفيان عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ قوله: يحكم به ذوا عدلٍ قال: يحكم عليه في الخطأ والعمد والنّسيان.
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا وكيعٌ عن المسعوديّ عن عبد الملك بن عميرٍ عن قبيصة بن جابرٍ الأسديّ قال: خرجنا حجّاجًا فكنّا إذا صلّينا الفجر أقمنا رواحلنا نتماشا نتحدّث فبينما نحن ذات غداةٍ نمشي إذ نسح لنا ظبيٌ أو برح قال وكيعٌ: السّنوح الّذي يعترض، والبارح، أمامك. قال: فرماه رجلٌ كان معنا وهو محرمٌ بحجرٍ فما أخطأ حشاه فركب ردعه ميتًا. قال: فغضبنا عليه، فلمّا قدمت مكّة خرجت معه حتّى أتينا عمر. فقصّ عليه القصّة. قال: وإذا إلى جنبه رجلٌ جالسٌ كأنّ وجهه قلب فضّةٍ، يعني عبد الرّحمن بن عوفٍ- فالتفت إلى صاحبه فكلّمه ثمّ أقبل على صاحبنا فقال:
أعمدًا قتلته أم خطأً قال: الرّجل: لقد تعمّدت رميه وما أردت قتله. قال: عمر:
ما أدراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاةٍ فاذبحها وتصدّق بلحمها أسق إهابها يعني ادفعه إلى مسكينٍ يجعله سقاءً قال: فقمنا من عنده. فقلت لصاحبي: أيّها الرّجل أعظم شعائر اللّه واللّه ما درأ أمير المؤمنين ما يفتيك حتّى شاور صاحبه. قال قبيصة: اعمد إلى ناقتك فانحرها ففعل ذلك. قال قبيصة وما أذكر الآية في سورة المائدة يحكم به ذوا عدلٍ منكم قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا به إلا ومعه الدّرّة قال: فعلا صاحبي ضربًا بها وهو يقول: أقتلت في الحرم وسفّهت الحكم ثمّ أقبل عليّ ليضربني فقلت: يا أمير المؤمنين لا أحل لك حرّم عليك قال: يا قبيصة بن جابرٍ إنّي أراك شابّ السّنّ فسيح الصّدر بيّن اللّسان، وأنّ الشّابّ يكون فيه تسعة أخلاقٍ حسنةٌ وخلقٌ سيّئٌ فيفسد الخلق السّيّئ الأخلاق الحسنة وإيّاك وعثرات الشّباب.
- حدّثنا أبو إبراهيم الفضل بن دكينٍ، ثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران أنّ أعرابيًّا أتى أبا بكرٍ قال: قتلت صيدًا وأنا محرمٌ فما ترى عليّ من الجزاء.
فقال أبو بكر لأبى ابن كعبٍ وهو جالسٌ عنده: ما ترى فيها. قال: قال الأعرابيّ أتيتك وأنت خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسألك فإذا أنت تسأل غيرك قال أبو بكرٍ: وما تذكر قول اللّه فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنى على أمرٍ أمرناك به
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ أبو وهبٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: يحكم به ذوا عدلٍ منكم يحكم به رجلان ذوا عدلٍ في من قتل الصّيد- وروي عن أبي الزّناد نحو ذلك
قوله تعالى: هديًا
- حدّثنا أبي، ثنا أبو النّضرٍ إسحاق بن إبراهيم الفراديسيّ الأمويّ، ثنا سعيد بن يحيى، ثنا محمّد بن إسحاق عن أبي جعفرٍ محمّد بن عليٍّ: أنّ رجلا سأل عليًّا عن الهدي ممّا هو فقال: من الثّمانية الأزواج. فكأنّ الرّجل شكّ. قال عليٌّ:
تقرأ القرآن؟ قال نعم قال: فسمعت اللّه يقول يا أيّها الّذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلّت لكم بهيمة الأنعام قال وسمعته يقول ليذكروا اسم اللّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام... ومن الأنعام حمولةً وفرشًا قال: فسمعته يقول: من الضّأن اثنين ومن البقر اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين قال فسمعت اللّه يقول يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ إلى قوله هديًا بالغ الكعبة فقال الرّجل: نعم. فقال عليٌّ: قتلت ظبيًا فما عليّ. قال: شاةٌ. قال عليٌّ: هديًا بالغ الكعبة. فقال الرّجل:
نعم. فقال عليٌّ: قد سمّاه اللّه هديًا بالغ الكعبة كما تسمع.
- حدّثنا أبي، ثنا مقاتل بن محمّدٍ، ثنا وكيعٌ عن حنظلة عن القاسم بن محمّدٍ عن ابن عمر قال: إنّما الهدي ذوات الجود.
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: هديًا بالغ الكعبة يعني: بالهدي:
البدن.
قوله تعالى: بالغ الكعبة
- وبه عن مقاتلٍ قوله: بالغ الكعبة قال: محلّها مكّة
قوله تعالى: أو كفّارةٌ طعام مساكين
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، ثنا جريرٌ عن منصورٍ عن الحكم عن مقسمٍ عن ابن عبّاسٍ في قوله: فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا قال: إذا أصاب المحرم صيد حكم عليه نصف صاعٍ يومًا. قال أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا قال: إنّما أريد بالطّعام والصّيام أنّه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه.
- حدّثنا أبي، ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا شعيب بن زريقٍ أنّه سمع عطاءً الخراسانيّ كتب: أنّ عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان وعليّ بن أبي طالبٍ وابن عبّاسٍ وزيد بن ثابتٍ ومعاوية، قضوا فيما كان من هديٍ يقتل المحرم من صيدٍ فيه جزاءٌ نظر إلى قيمة ذلك فأطعم به المساكين.
- حدثنا حجاج بن حمزة، ثنا شبانة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: أو كفّارةٌ طعام مساكين فإنّه يشتري بثمنها طعامًا ويطعم كلّ مسكينٍ مدّين.
قوله تعالى: أو عدل ذلك صيامًا
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا فإذا قتل المحرم شيئًا من الصّيد حكم عليه فيه فإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاةٌ تذبح بمكّة فإن لم يجد فإطعام ستّة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ، فإن قتل إبلا أو نحوه فعليه بقرةٌ، فإن لم يجد فإطعام عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامةً أو حمارًا وحشيًّا أو نحوه فعليه بدنةٌ من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبانة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: أو عدل ذلك صيامًا فإنّه يصوم مكان كلّ مدّين يومًا.
قوله تعالى: ليذوق وبال أمره
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: ليذوق وبال أمره قال: أمّا وبال أمره:
فعقوبة أمره.
قوله تعالى: عفا اللّه عمّا سلف
- حدّثنا العبّاس بن يزيد العبديّ، ثنا أبو بحر التكراوي عبد الرّحمن بن عثمان، حدّثني الجريديّ عن العلاء، حدّثني نعيم بن قعنبٍ عن أبي ذرٍّ عفا اللّه عمّا سلف قال: عمّا كان في الجاهلية وروى بن عطاءٍ مثل ذلك.
قوله تعالى: ومن عاد
[الوجه الأول]
- حدّثنا العبّاس بن يزيد البحرانيّ ثنا أبو بحرٍ البكراويّ، حدّثني الجريديّ عن أبي العلاء حدّثني نعيم بن قعنبٍ عن أبي ذرٍّ قوله: ومن عاد فينتقم اللّه منه قال: في الإسلام.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشامٌ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ في الّذي يصيب الصّيد وهو محرمٌ قال: يحكم عليه مرّةً واحدةً فإن عاد لم يحكم عليه، ثمّ تلا ومن عاد فينتقم اللّه منه
- حدّثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: ومن عاد قال: فإن عاد متعمّدًا.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشامٌ قال: قال الحسن:
يحكم عليه كلّما أصاب يعني قوله: ومن عاد فينتقم اللّه منه وروي عن عطاءٍ وسعيد بن جبيرٍ نحو ذلك.
قوله تعالى: فينتقم اللّه منه
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: ومن عاد فينتقم اللّه منه قال: عاد متعمّدًا عجّلت له العقوبة إلّا أن يعفوا الله.
- أخبرنا العبّاس بن يزيد العبديّ، ثنا المعتمر بن سليمان عن زيدٍ أبي المعلا عن الحسين أنّ رجلا أصاب صيدًا فتجوّز عنه ثمّ عاد فأصاب صيدًا آخر فنزلت نارٌ من السّماء فأحرقته فهو قوله: ومن عاد فينتقم اللّه منه
قوله تعالى: واللّه عزيزٌ
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ، ثنا آدم ثنا أبو جعفرٍ عن الرّبيع بن أنسٍ عن أبي العالية واللّه عزيزٌ يقول: عزيزٌ في نقمته إذا انتقم.
- حدّثنا أبي ثنا الحسن بن الرّبيع، ثنا ابن إدريس، ثنا محمّد بن إسحاق واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ قال: عزيزٌ ذو بطشٍ.
قوله تعالى: ذو انتقامٍ
- وبه عن ابن إسحاق واللّه عزيزٌ ذو انتقام قال: ذوا انتقامٍ ممّن آذاه.
- حدّثنا محمّد بن يحيى، ثنا أبو غسّان، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ أي أنّ اللّه منتقمٌ ممّن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته بما جاءه منه فيها). [تفسير القرآن العظيم: 4/1204-1210]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال المتعمد غير الناسي لحرمه ولا مريد غيره فقد حل وليست له رخصة ومن قتله ناسيا لحرمه وأراد غيره فأخطأ فذلك العمد المكفر وعليه مثله من النعم). [تفسير مجاهد: 204]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة فإن لم يجد هديا ولم يبلغ ثمنه هديا اشترى بثمنه طعاما فأعطى كل مسكين مدين فإن لم يجد الثمن صام لكل مدين يوما). [تفسير مجاهد: 204-205]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتلهم منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام}.
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} فنهى المحرم عن قتله في هذه الآية وأكله.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} قال: حرم صيده ههنا وأكله ههنا.
وأخرج ابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس في قوله {ومن قتله منكم متعمدا} قال: إن قتله متعمدا أو ناسيا أوخطأ حكم عليه فإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه، وفي قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فإن قتل إبلا ونحوه فعليه بقرة فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكينا فإن لم يجد صام عشرين يوما وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا فإن لم يجد صام ثلاثين يوما والطعام مد مد يشبعهم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحكم، أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عطاء قال: يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ومن قتله منكم متعمدا} قال: متعمد القتلة ناسيا لإحرامه فذلك الذي يحكم عليه فإن قتله ذاكرا لإحرامه متعمد القتلة لم يحكم عليه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمدا وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله قال: لا يحكم عليه ولا حج له.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: العمد هو الخطأ المكفر أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه
وأخرج ابن جرير عن الحسن {ومن قتله منكم متعمدا} للصيد ناسيا لإحرامه فمن اعتدى بعد ذلك متعمدا للصيد يذكر إحرامه لم يحكم عليه.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {ومن قتله منكم متعمدا} قال: إذا كان ناسيا لإحرامه وقتل الصيد متعمدا.
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن سيرين قال: من قتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه فعليه الجزاء ومن قتله متعمدا لقتله غير ناس لإحرامه فذاك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
وأخرج الشافعي، وعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد قال: من قتله متعمدا غير ناس لإحرامه ولا يريد غيره فقد حل وليست له رخصة ومن قتله ناسيا لإحرامه أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر.
وأخرج الشافعي، وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: قلت لعطاء {ومن قتله منكم متعمدا} فمن قتله خطأ يغرم وإنما جعل الغرم على من قتله متعمدا قال: نعم تعظم بذلك حرمات الله ومضت بذلك السنن ولئلا يدخل الناس في ذلك.
وأخرج الشافعي، وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال: رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطأ.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: إنما كانت الكفارة فيمن قتل الصيد متعمدا ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا.
وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ يعني في المحرم يصيب الصيد.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الزهري قال: يحكم عليه في العمد وفي الخطأ ومنه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم الصيد فليس عليه شيء.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير، في المحرم إذا أمات صيدا خطأ فلا شيء عليه وإن أصاب متعمدا فعليه الجزاء.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن طاووس قال: لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ إنما يحكم من أصابه عمدا والله ما قال الله إلا {ومن قتله منكم متعمدا}
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: إذا أصاب المحرم الصيد يحكم عليه جزاؤه من النعم فإن وجد جزاؤه ذبحه وتصدق بلحمه وإن لم يجد جزاؤه قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوما، قال {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} وإنما أريد بالطعام الصيام أنه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الرجل يصيب الصيد وهو محرم قال: يحكم عليه جزاؤه فإن لم يجد قال: يحكم عليه ثمنه فقوم طعاما فتصدق به فإن لم يجد حكم عليه الصيام.
وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني في قوله {فجزاء مثل} قال: شبهه.
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: نده.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عكرمة قال: سأل مروان بن الحكم ابن عباس وهو بوادي الأزرق قال: أرأيت ما أصبنا من الصيد لم نجد له ندا فقال ابن عباس: ثمنه يهدى إلى مكة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: عليه من النعم مثله.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: إن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنه وإن قتل بقرة أو أيلا أو أروى فعليه بقرة أو قتل غزالا أو أرنبا فعليه شاة وإن قتل ظبيا أو جريا أو يربوعا فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن.
وأخرج ابن جرير عن عطاء أنه سئل: أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره قال: أليس يقول الله {فجزاء مثل ما قتل}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله {فجزاء مثل ما قتل} قال: ما كان له مثل يشبهه فهو جزاؤه قضاؤه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان في قوله {فجزاء مثل ما قتل} قال: فما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار والنعامة فجزاؤه من البدن وما كان من صيد البر ذوات القرون فجزاؤه من البقر وما كان من الظباء ففيه من الغنم والأرنب فيه ثنية من الغنم واليربوع فيه برق وهو الحمل وما كان من حمامة أونحوها من الطير ففيها شاة وما كان من جرادة أونحوها ففيها قبضة من طعام.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت إن قتلت صيدا فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوص أغرم مثله قال: نعم إن شئت، قال عطاء: وإن قتلت ولد بقرة وحشية ففيه ولد بقرة أنسية مثله فكل ذلك على ذلك.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار أو النعامة فعليه مثله من الإبل وما كان ذا قرن من صيد البر من وعل أو إبل فجزاؤه من البقر وما كان من ظبي فمن الغنم مثله وما كان من أرنب ففيها ثنية وما كان من يربوع وشبهه ففيه حمل صغير وما كان من جرادة أو نحوها ففيها قبضة من طعام وما كان من طير البر ففيه أن يقوم ويتصدق بثمنه وإن شاء صام لكل نصف صاع يوما وإن أصاب فرخ طير برية أو بيضها فالقيمة فيها طعام أوصوم على الذي يكون في الطير.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن وتؤكل
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، أن عمر وعثمان وزيد بن ثابت، وابن عباس ومعاوية قالوا: في النعامة بدنة.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن جابر، أن عمر قضى في الأرنب جفرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: في الحمار بقرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: إذا أصاب المحرم بقرة الوحش ففيها جزور.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، أن رجلا أغلق بابه على حمامة وفرخيها ثم انطلق إلى عرفات ومنى فرجع وقد ماتت فأتى ابن عمر فذكر ذلك له فجعل عليه ثلاثة من الغنم وحكم معه رجل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في طير الحرم شاة شاة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: أول من فدى طير الحرم بشاة عثمان.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: في الجراد قبضة من طعام
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: تمرة خير من جرادة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال: سئل ابن عباس عن المحرم يصيد الجرادة فقال: تمرة خير من جرادة.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته.
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: في بيضة النعام صيام يوم أو إطعام مسكين.
وأخرج الشافعي عن أبي موسى الأشعري، وابن مسعود موقوفا، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وأحمد عن رجل من الأنصار، أن رجلا أوطأ بعيره ادحي نعامة فكسر بيضها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك بكل بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن ذكوان، أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل محرم أصاب بيض نعام قال: عليه في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الزناد عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.
وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه من طريق أبي المهزم عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: في بيض النعام ثمنه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: في بيض النعام قيمته.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: في بيض النعام قيمته.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في كل بيضتين درهم وفي كل بيضة نصف درهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن قبيصة بن جابر قال: حججنا زمن عمر فرأينا ظبيا فقال أحدنا لصاحبه: أتراني أبلغه فرمى بحجر فما أخطأ خششاه فقتله فأتينا عمر بن الخطاب فسألناه عن ذلك وإذا إلى جنبه رجل يعني عبد الرحمن بن عوف فالتفت إليه فكلمه ثم أقبل على صاحبنا فقال: أعمدا قتله أم خطأ قال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله، قال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها وأسق اهابها يعني ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء فقمنا من عنده فقلت لصاحبي: أيها الرجل أعظم شعائر الله الله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى شاور صاحبه اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذلك، قال قبيصة: وما أذكر الآية في سورة المائدة {يحكم به ذوا عدل منكم} قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة فعلا صاحبي ضربا بها وهو يقول: أقتلت الصيد في الحرم وسفهت الفتيا ثم أقبل علي يضربني فقلت: يا أمير المؤمنين لا أحل لك مني شيئا مما حرم الله عليك، قال: يا قبيصة إني أراك شابا حديث السن فصيح اللسان فسيح الصدر وإنه قد يكون في الرجل تسعة أخلاق صالحة وخلق سيء فيغلب خلقه السيء أخلاقه الصالحة فإياك وعثرات الشباب.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران، أن أعرابيا أتى أبا بكر فقال: قتلت صيدا وأنا محرم فما ترى علي من الجزاء فقال أبو بكر لأبي بن كعب وهوجالس عنده: ما ترى فيها فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك فإذا أنت تسأل غيرك قال أبو بكر: فما تنكر يقول الله {يحكم به ذوا عدل منكم} فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن بكر بن عبد الله المزني قال: كان رجلان من الأعراب محرمان فأجاش أحدهما ظبيا فقتله الآخر فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف فقال له عمر: ما ترى قال: شاة، قال: وأنا أرى ذلك اذهبا فاهديا شاة فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه: ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه فسمعها عمر فردهما وأقبل على القائل ضربا بالدرة وقال: تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا إن الله يقول {يحكم به ذوا عدل منكم} ثم قال: إن الله لم يرض بعمر وحده فاستعنت بصاحبي هذا.
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن طارق بن شهاب قال: أوطأ أربد ظبيا فقتله وهو محرم فأتى عمر ليحكم عليه فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر ثم قال عمر {يحكم به ذوا عدل منكم}.
وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز: أن رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدا وهومحرم وعنده عبد الله بن صفوان فقال ابن عمر له: إما أن تقول فأصدقك أو أقول فتصدقني، فقال ابن صفوان: بل أنت فقل، فقال ابن عمر ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان.
وأخرج ابن سعد، وابن جرير وأبو الشيخ عن أبي حريز البجلي قال: أصبت ظبيا وأنا محرم فذكرت ذلك لعمر فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك فأتيت عبد الرحمن بن عوف وسعدا فحكما علي تيسا أعفر.
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن حبشي قال: سمعت رجلا سأل عبد الله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال: فيه ولد ماعز فيما أرى أنا ثم قال لي: أكذاك فقلت: أنت أعلم مني، فقال: قال الله {يحكم به ذوا عدل منكم}.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مليكة قال: سئل القاسم بن محمد عن محرم قتل سخلة في الحرم فقال لي: احكم، فقلت: أحكم وأنت ههنا فقال: إن الله يقول {يحكم به ذوا عدل منكم}.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد قال: لا يصلح إلا بحكمين لا يختلفان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر بن محمد بن علي أن رجلا سأل عليا عن الهدي مم هو قال: من الثمانية الأزواج فكأن الرجل شك فقال علي: تقرأ القرآن فكأن الرجل قال نعم، قال: أفسمعت الله يقول {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام} المائدة الآية 1 قال: نعم، قال: وسمعته يقول {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}
الحج الآية 34 {ومن الأنعام حمولة وفرشا} الأنعام 142 فكلوا من بهيمة الانعام قال: نعم، قال: أفسمعته يقول {من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} الأنعام قال: نعم، قال: أفسمعته يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} المائدة الآية 95 إلى قوله {هديا بالغ الكعبة} قال الرجل: نعم، فقال: إن قتلت ظبيا فما علي قال: شاة، قال علي: هديا بالغ الكعبة، قال الرجل: نعم، فقال علي: قد سماه الله بالغ الكعبة كما تسمع.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال: إنما الهدي ذوات الجوف
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان {هديا بالغ الكعبة} قال: محله مكة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال: الهدي والنسك والطعام بمكة والصوم حيث شئت.
وأخرج أبو الشيخ عن الحكم قال: قيمة الصيد حيث أصابه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {أو كفارة طعام مساكين} قال: الكفارة في قتل ما دون الأرنب إطعام.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد قال: من قتل الصيد ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر فعليه مثله {هديا بالغ الكعبة} فإن لم يجد فابتاع بثمنه طعاما فإن لم يجد صام عن كل مد يوما.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج قال: قال لي الحسن بن مسلم: من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون فيه شاة فصاعدا فذلك الذي قال الله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} وأما {كفارة طعام مساكين} فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي العصفور يقتل فلا يكون هدي قال {أو عدل ذلك صياما} عدل النعامة أو عدل العصفور أو عدل ذلك كله، قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء فقال: كل شيء في القرآن أو فلصاحبه أن يختار ما شاء.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي، أنه كان يقول: إذا أصاب المحرم شيئا من الصيد عليه جزاؤه من النعم فإن لم يجد قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم طعاما بسعر ذلك اليوم فتصدق به فإن لم يكن عنده طعام صام مكان كل نصف صاع يوما.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء ومجاهد في قوله {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} قالا: هو ما يصيب المحرم من الصيد لا يبلغ أن يكون فيه الهدي ففيه طعام قيمته.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عطاء في الآية قال: إن أصاب إنسان محرم نعامة فإن له إن كان ذا يسار أن يهدي ما شاء جزورا أو عدلها طعاما أو عدلها صياما له ايتهن شاء من أجل قوله عز وجل فجزاؤه كذا، قال: فكل شيء في القرآن أو فليختر منه صاحبه ما شاء، قلت له: أرأيت إذا قدر على الطعام ألا يقدر على عدل الصيد الذي أصاب قال: ترخيص الله عسى أن يكون عنده طعام وليس عنده ثمن الجزور وهي الرخصة
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني، أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وابن عباس وزيد بن ثابت ومعاوية قضوا فيما كان من هدي مما يقتل المحرم من صيد فيه جزاء نظر إلى قيمة ذلك فأطعم به المساكين.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة قال: ما كان في القرآن أو فهو فيه بالخيار وما كان فمن لم يجد فالأول ثم الذي يليه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك، مثله.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي في محرم أصاب صيدا بخراسان قال: يكفر بمكة أو بمنى ويقوم الطعام بسعر الأرض التي يكفر بها.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن إبراهيم قال: ما كان من دم فبمكة وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن طاووس وعطاء، مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أين يتصدق بالطعام قال: بمكة من أجل أنه بمنزلة الهدي.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال: كفارة الحج بمكة.
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: إذا قدمت مكة بجزاء صيد فانحره فإن الله يقول {هديا بالغ الكعبة} إلا أن تقدم في العشر فيؤخر إلى يوم النحر.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل لصيامه وقت قال: لا إذا شاء وحيث شاء وتعجيله أحب إلي.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما عدل الطعام من الصيام قال: لكل مد يوم يأخذ زعم بصيام رمضان وبالظهار وزعم أن ذلك رأي يراه ولم يسمعه من أحد.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {أو عدل ذلك صياما} قال: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: إنما جعل الطعام ليعلم به الصيام
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي {ليذوق وبال أمره} قال: عقوبة أمره.
وأخرج أبو الشيخ عن قتاد {ليذوق وبال أمره} قال: عاقبة عمله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق نعيم بن قعنب عن أبي ذر {عفا الله عما سلف} عما كان في الجاهلية {ومن عاد فينتقم الله منه} قال: في الإسلام.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء {عفا الله عما سلف} قال: عما كان في الجاهلية {ومن عاد} قال: من عاد في الإسلام {فينتقم الله منه} وعليه مع ذلك الكفارة، قال ابن جريج: قلت لعطاء: فعليه من الآثام عقوبة قال: لا.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس، في الذي يصيب الصيد وهو محرم يحكم عليه من واحدة فإن عاد لم يحكم عليه وكان ذلك إلى الله إن شاء عاقبة وإن شاء عفا عنه ثم تلا {ومن عاد فينتقم الله منه} ولفظ أبي الشيخ: ومن عاد قيل له اذهب ينتقم الله منك.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس قال: من قتل شيئا من الصيد خطأ وهومحرم حكم عليه كلما قتله ومن قتله متعمدا حكم عليه فيه مرة واحدة فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك كما قال الله عز وجل.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن الشعبي، أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فسأل شريحا فقال: هل أصبت قبل هذا شيئا قال: لا، قال: أما إنك لو فعلت لم أحكم عليك ولوكلتك إلى الله يكون هو ينتقم منك.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: رخص في قتل الصيد مرة فإن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن إبراهيم، في الذي يقتل الصيد ثم يعود قال: كانوا يقولون: من عاد لا يحكم عليه أمره إلى الله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: يحكم عليه في العمد مرة واحدة فإن عاد لم يحكم عليه وقيل له: اذهب ينتقم الله منك ويحكم عليه في الخطأ أبدا.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال: يحكم عليه كلما عاد.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كلما أصاب الصيد المحرم حكم عليه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق زيد أبي المعلى عن الحسن، أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز عنه ثم عاد فأصاب صيدا آخر فنزلت نار من السماء فأحرقته فهو قوله {ومن عاد فينتقم الله منه}.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا عاد فبعث الله عليه نارا فأكلته.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتل المحرم الفأرة والعقرب والحدأ والغراب والكلب العقور زاد في رواية ويقتل الحية.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس فواسق فاقتلوهن في الحرم: الحدأ والغراب والكلب والفأرة والعقرب.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود، أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر محرما أن يقتل حية في الحرم بمنى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يقتل المحرم الذئب). [الدر المنثور: 5/510-531]

تفسير قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني [ .. .. عن ابن] دينارٍ عن ابن عمر أنّه قال: (طعام البحر)، ما ألقى ميّتًا). [الجامع في علوم القرآن: 2/115]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب في قوله أحل لكم صيد البحر وطعامه قال صيده ما اصطدت منه وطعامه ما اصطدت منه مملوكا في سفرك.
عن معمر عن قتادة قال: قال ابن عمر طعامه ما قذف وصيده ما اصطدت.
عن معمر عن قتادة أن أبا بكر قال الحيتان كلها ذكي حية وميتة
قال قتادة وما طفا على الماء فليس به بأس.
عن معمر عن يحيى عن أبي كثير قال سئل النبي عن البحر فقال هو الذي حلال ميتته طهور ماؤه). [تفسير عبد الرزاق: 1/194]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن أيوب عن أبي الزبير عن مولى لأبي بكر الصديق قال كل دابة في البحر قد ذبحها الله لك فكلها). [تفسير عبد الرزاق: 1/195]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن أبي حصينٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال: {أحلّ لكم صيد البحر} الطري {وطعامه متاعا لكم} قال: السمك المالح [الآية: 96]). [تفسير الثوري: 104-105]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي مجلز، عن ابن (عبّاسٍ) - في قوله عزّ وجلّ: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم} - قال: طعامه: ما قذف به.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خالد، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ - في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه} -، قال: صيده: الطّريّ، وطعامه: المالح، للمسافر والمقيم.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خلف بن خليفة، قال: نا حصين، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: صيده (ما اصطيد)، وطعامه ما لفظ به البحر.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: (قدمت) البحرين،
فسألني أهلها عمّا يقذف البحر من السّمك، فأمرتهم بأكله، فلمّا قدمت سألت عمر عن ذلك، فقال: ما أمرتهم؟ فقلت: أمرتهم بأكله، فقال: لو قلت غير ذلك لعلوتك بالدّرّة، ثمّ قرأ عمر: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه}، قال: صيده: ما اصطيد، وطعامه ما رمى به.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: لا يحلّ لكم الصّيد وأنت محرمٌ، وقرأ: {وحرّم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا}.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عبد الكريم البصريّ، عن طاوس، عن ابن عباس قال: هي مبهمةٌ). [سنن سعيد بن منصور: 4/1624-1633]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا واتّقوا اللّه الّذي إليه تحشرون}.
يقول تعالى ذكره: {أحلّ لكم} أيّها المؤمنون {صيد البحر}، وهو ما صيد طريًّا.
- كما حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال عمر بن الخطّاب في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر} قال: صيده: ما صيد منه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن سماكٍ، قال: حدّثت عن ابن عبّاسٍ، قال: خطب أبو بكرٍ النّاس فقال: {أحلّ لكم صيد البحر} قال: فصيده: ما أخذ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر} قال: صيده: ما صيد منه.
- حدّثنا سليمان بن عمر بن خالدٍ البرقيّ، قال: حدّثنا محمّد بن سلمة الحرّانيّ، عن خصيفٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر} قال: صيده الطّريّ.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ قال: حدّثنا الهذيل بن بلالٍ قال: حدّثنا عبد اللّه بن عبيد بن عميرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر} قال: صيده: ما صيد.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ {أحلّ لكم صيد البحر} قال: الطّريّ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن الحنفيّ أو الحسين، شكّ أبو جعفرٍ عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: كان ابن عبّاسٍ يقول: صيد البحر: ما اصطاده.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ {أحلّ لكم صيد البحر} قال: الطّريّ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن الحجّاج، عن العلاء بن بدرٍ، عن أبي سلمة، قال: صيد البحر: ما صيد.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {أحلّ لكم صيد البحر} قال: الطّريّ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا حميد بن عبد الرّحمن، عن سفيان، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ مثله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ قال: حدّثنا سفيان، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {أحلّ لكم صيد البحر} قال: السّمك الطّريّ.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {أحلّ لكم صيد البحر}، أمّا صيد البحر: فهو السّمك الطّريّ، هي الحيتان.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، قال: صيده: ما اصطدته طريًّا، قال معمرٌ: وقال قتادة: صيده: ما اصطدته.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {أحلّ لكم صيد البحر} قال: حيتانه.
- حدّثنا ابن البرقيّ، قال: حدّثنا عمر بن أبي سلمة، قال: سئل سعيدٌ عن صيد البحر، فقال: قال مكحولٌ: قال زيد بن ثابتٍ: صيده: ما اصطدت.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} قال: يصطاد المحرم والمحلّ من البحر، ويأكل من صيده.
- حدّثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عمرٍو، عن عكرمة، قال: قال أبو بكرٍ: طعام البحر: كلّ ما فيه وقال جابر بن عبد اللّه: ما حسر عنه فكل. وقال: كلّ ما فيه، يعني: جميع ما صيد.
- حدّثنا سعيد بن الرّبيع، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرٍو، سمع عكرمة، يقول: قال أبو بكرٍ: {وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} قال: هو كلّ ما فيه.
وعنى بالبحر في هذا الموضع: الأنهار كلّها، والعرب تسمّي الأنهار بحارًا، كما قال تعالى ذكره: {ظهر الفساد في البرّ والبحر}
فتأويل الكلام: أحلّ لكم أيّها المؤمنون طريّ سمك الأنهار الّذي صدتموه في حال حلّكم وحرمكم، وما لم تصيدوه من طعامه الّذي قتله ثمّ رمى به إلى ساحله.
واختلف أهل التّأويل في معنى قوله: {وطعامه}، فقال بعضهم: عنى بذلك: ما قذف به إلى ساحله ميّتًا.نحو الّذي قلنا في ذلك.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن سماكٍ، قال: حدّثت عن ابن عبّاسٍ، قال: خطب أبو بكرٍ النّاس فقال: أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم، وطعامه: ما قذف.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: كنت بالبحرين، فسألوني عمّا قذف البحر، قال: فأفتيتهم أن يأكلوا. فلمّا قدمت على عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، ذكرت ذلك له، فقال لي: بم أفتيتهم؟ قال: قلت: أفتيتهم أن يأكلوا، قال: لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدّرّة. قال: ثمّ قال: إنّ اللّه تعالى قال في كتابه: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم}، فصيده: ما صيد منه، وطعامه: ما قذف.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم}، قال: طعامه: ما قذف.
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه} قال: طعامه: ما قذف.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ، عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا حسين بن عليٍّ، عن زائدة، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: طعامه: كلّ ما ألقاه البحر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا الحسن بن عليٍّ، أو الحسين بن عليٍّ الحنفيّ، شكّ أبو جعفرٍ عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: طعامه: ما لفظ من ميتته.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ قال: حدّثنا الهذيل بن بلالٍ قال: حدّثنا عبد اللّه بن عبيد بن عميرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه} قال طعامه: ما وجد على السّاحل ميّتًا.
- حدّثنا أبو كريبٍ قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: طعامه: ما قذف به.
- حدّثنا سعيد بن الرّبيع، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرٍو، سمع عكرمة، يقول: قال أبو بكرٍ رضي اللّه عنه: {وطعامه متاعًا لكم}، قال: طعامه: هو كلّ ما فيه.
- حدّثني محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا الضّحّاك بن مخلدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة مولى ابن عبّاسٍ، قال: قال أبو بكرٍ: {وطعامه متاعًا لكم} قال: طعامه: ميتته.قال عمرٌو: وسمع أبا الشّعثاء يقول: ما كنت أحسب طعامه إلاّ مالحه.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثني الضّحّاك بن مخلدٍ، عن ابن جريجٍ قال: أخبرني ايضا أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعدٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله:. {وطعامه متاعًا لكم}، قال: طعامه: ميتته.
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن عثمان، عن عكرمة: {وطعامه متاعًا لكم}، قال: طعامه: ما قذف.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عبيد اللّه، عن نافعٍ، قال: جاء عبد الرّحمن إلى عبد اللّه فقال: البحر قد ألقى حيتانًا كثيرةً؟ قال: فنهاه عن أكلها، ثمّ قال: يا نافع، هات المصحف، فأتيته به، فقرأ هذه الآية: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم}، قال: قلت: طعامه: هو الّذي ألقاه. قال: فالحقه، فمره بأكله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا عبد الوهّاب قال: حدّثنا أيّوب، عن نافعٍ، أنّ عبد الرّحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: إنّ البحر قذف حيتانًا كثيرةً ميتةً أفنأكله؟ قال: لا تأكله، فلمّا رجع عبد اللّه إلى أهله، أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى على هذه الآية: {وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} قال: اذهب، فقل له فليأكله، فإنّه طعامه.
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة قال: أخبرنا أيّوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، بنحوه.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الضّحّاك بن مخلدٍ، عن ابن جريجٍ قال: أخبرني عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة مولى ابن عبّاسٍ قال: قال أبو بكرٍ رضي اللّه عنه: {وطعامه متاعًا لكم}، قال: ميتته.قال عمرٌو: سمعت أبا الشّعثاء يقول: ما كنت أحسب طعامه: إلاّ مالحه.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا الضّحّاك بن مخلدٍ، عن ابن جريجٍ قال: أخبرنا نافعٌ، أنّ عبد الرّحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتانٍ كثيرةٍ ألقاها البحر، أميتةٌ هي؟ قال: نعم، فنهاه عنها. ثمّ دخل البيت، فدعا بالمصحف فقرأ تلك الآية: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم}، قال: طعامه: كلّ شيءٍ أخرج منه، فكله فليس به بأسٌ، وكلّ شيءٍ فيه يؤكل ميتًا أو بساحله.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، قال قتادة: طعامه: ما قذف منه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو خالدٍ، عن ليثٍ، عن شهرٍ، عن أبي أيّوب، قال: ما لفظ البحر فهو طعامه، وإن كان ميّتًا.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن ليثٍ، عن شهرٍ، قال: سئل أبو أيّوب عن قول اللّه، تعالى: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا}، قال: هو ما لفظ البحر.
وقال آخرون: عنى بقوله: {وطعامه} المليح من السّمك.
فيكون تأويل الكلام على ذلك من تأويلهم: أحلّ لكم سمك البحر ومليحه في كلّ حالٍ في حال، إحلالكم وإحرامكم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا سليمان بن عمر بن خالدٍ الرّقّيّ، قال: حدّثنا محمّد بن سلمة، عن خصيفٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، {وطعامه} قال: طعامه المالح منه.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {وطعامه متاعًا لكم} يعني بطعامه: مالحه، وما قذف البحر منه مالحه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وطعامه متاعًا لكم}، وهو المالح.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن مجمّعٍ التّيميّ، عن عكرمة، في قوله: {متاعًا لكم}، قال: المليح.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن سالمٍ الأفطس، وأبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: المليح.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم: {وطعامه متاعًا لكم}، قال: المليح وما لفظ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم}، قال: يأتي الرّجل أهل البحر فيقول: أطعموني، فإن قال: غريضًا، ألقوا شبكتهم فصادوا له، وإن قال: أطعموني من طعامكم، أطعموه من سمكهم المالح.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا ابن فضيلٍ: عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه} قال: المنبوذ، السّمك المالح.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {وطعامه}، قال: المالح.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم: {وطعامه}، قال: هو مالحه. ثمّ قال: ما قذف.
- حدّثنا ابن معاذٍ، قال: حدّثنا جامع بن حمّادٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وطعامه}، قال: مملوح السّمك.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا ابن أبي زائدة قال: أخبرني الثّوريّ، عن منصورٍ قال: كان إبراهيم يقول: طعامه: السّمك المليح. ثمّ قال بعد: ما قذف به.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا ابن أبي زائدة قال: أخبرنا الثّوريّ، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قال: {طعامه}: المليح.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ، قال: {طعامه}: السّمك المليح.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في هذه الآية: {وطعامه متاعًا لكم} قال: الصّير قال شعبة: فقلت لأبي بشرٍ: ما الصّير؟ قال: المالح.
- حدّثنا ابن المثنّى قال: حدّثنا هشام بن الوليد قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ جعفر بن أبي وحشيّة، عن سعيد بن جبيرٍ، قوله: {وطعامه متاعًا لكم} قال: الصّير. قال: قلت: ما الصّير؟ قال: المالح.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وطعامه متاعًا لكم} قال: أمّا طعامه فهو المالح.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب: {وطعامه متاعًا لكم} قال: طعامه: ما تزوّدت مملوحًا في سفرك.
- حدّثنا عمرو بن عبد الحميد، وسعيد بن الرّبيع الرّازيّ، قالا: حدّثنا سفيان، عن عمرٍو، قال: قال جابر بن زيدٍ: كنّا نتحدّث أنّ طعامه، مليحه، ونكره الطّافي منه.
وقال آخرون: {طعامه}: ما فيه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عمرٍو، عن عكرمة، قال: طعام البحر: ما فيه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن حريثٍ، عن عكرمة: {وطعامه متاعًا لكم} قال: ما جاء به البحر بموجهٍ هكذا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا حميد بن عبد الرّحمن، عن حسن بن صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: طعامه: كلّ ما صيد منه.
وأولى هذه الأقوال بالصّواب عندنا، قول من قال: طعامه: ما قذفه البحر أو حسر عنه فوجد ميّتًا على ساحله. وذلك أنّ اللّه تعالى ذكر قبله صيد الّذي يصاد، فقال: {أحلّ لكم صيد البحر}، فالّذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يصد منه، فقال: أحلّ لكم صيد ما صدتموه من البحر وما لم تصيدوه منه. وأمّا المليح، فإنّه ما كان منه ملّح بعد الاصطياد، فقد دخل في جملة قوله: {أحلّ لكم صيد البحر} فلا وجه لتكريره، إذ لا فائدة فيه. وقد أعلم عباده تعالى إحلاله ما صيد من البحر بقوله {أحلّ لكم صيد البحر}، فلا فائدة أن يقال لهم بعد ذلك: ومليحه الّذي صيد حلالٌ لكم، لأنّ ما صيد منه فقد بيّن تحليله طريًّا كان أو مليحًا بقوله: {أحلّ لكم صيد البحر}، واللّه يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدةً.
وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنحو الّذي قلنا خبرٌ، وإن كان بعض نقلته يقف به على ناقله عنه من الصّحابة.
- وذلك ما حدّثنا به هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا عبدة بن سليمان، عن محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم} قال: طعامه: ما لفظه ميّتًا فهو طعامه.
وقد وقف هذا الحديث بعضهم على أبي هريرة.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، عن محمّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه} قال: طعامه: ما لفظه ميّتًا). [جامع البيان: 8/722-735]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: متاعًا لكم وللسّيّارة
يعني تعالى ذكره بقوله: متاعًا لكم منفعةً لمن كان منكم مقيمًا أو حاضرًا في بلده يستمتع بأكله وينتفع به وللسّيّارة يقول: ومنفعةٌ أيضًا ومتعةٌ للسّائرين من أرضٍ إلى أرضٍ، ومسافرين يتزوّدونه في سفرهم مليحًا.
والسّيّارة: جمع سيّارٍ
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرني أبو إسحاق، عن عكرمة، أنّه قال في قوله: {متاعًا لكم وللسّيّارة} قال: لمن كان بحضرة البحر، {وللسّيّارة}، السّفر.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله: {وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} ما قذف البحر، وما يتزوّدون في أسفارهم من هذا المالح. يتأوّلها على هذا.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ قال: حدّثنا جامع بن حمّادٍ قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة}: مملوح السّمك ما يتزوّدون في أسفارهم.
- حدّثنا سليمان بن عمر بن خالدٍ الرّقّيّ، قال: حدّثنا مسكين بن بكيرٍ، قال: حدّثنا عبد السّلام بن حبيبٍ النّجّاريّ، عن الحسن، في قوله: {وللسّيّارة}، قال: هم المحرمون.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة، أمّا طعامه: فهو المالح منه، بلاغٌ يأكل منه السّيّارة في الأسفار.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} قال: طعامه: مالحه، وما قذف البحر منه يتزوّده المسافر وقال مرّةً أخرى: مالحه، وما قذف البحر، فمالحه يتزوّده المسافر.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} يعني المالح فيتزوّده.
وكان مجاهدٌ يقول في ذلك بما.
- حدّثني محمّد بن عمر، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وطعامه متاعًا لكم} قال: أهل القرى، {وللسّيّارة}: أهل الأمصار.
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {متاعًا لكم} قال: لأهل القرى، {وللسّيّارة} قال: أهل الأمصار وأجناس النّاس كلّهم.
وهذا الّذي قاله مجاهدٌ من أنّ السّيّارة هم أهل الأمصار لا وجه له مفهومٌ، إلاّ أن يكون أراد بقوله هم أهل الأمصار: هم المسافرون من أهل الأمصار، فيجب أن يدخل في ذلك كلّ سيّارةٍ من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى، فأمّا السّيّارة فلا نعلقه المقيمين في أمصارهم). [جامع البيان: 8/735-737]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}
يعني تعالى ذكره: {وحرّم عليكم} أيّها المؤمنون {صيد البرّ ما دمتم حرمًا}، يقول: ما كنتم محرمين لم تحلّوا من إحرامكم.
ثمّ اختلف أهل العلم في المعنى الّذي عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {وحرّم عليكم صيد البرّ}، فقال بعضهم: عنى بذلك: أنّه حرّم علينا كلّ معاني صيد البرّ من اصطيادٍ وأكلٍ وقتلٍ وبيعٍ وشراءٍ وإمساكٍ وتملّكٍ.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبد اللّه بن الحارث، بن نوفلٍ، عن أبيه، قال: حجّ عثمان بن عفّان، فحجّ عليّ معه. قال: فأتي عثمان بلحم صيدٍ صاده حلالٌ، فأكل منه ولم يأكل عليّ، فقال عثمان: واللّه ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال عليّ: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن سماكٍ، عن صبيح بن عبيد اللّه العبسيّ، قال: بعث عثمان بن عفّان أبا سفيان بن الحارث على العروض، فنزل قديدًا، فمرّ به رجلٌ من أهل الشّام معه بازٌ وصقرٌ، فاستعاره منه، فاصطاد به من اليعاقيب، فجعلهنّ في حظيرةٍ. فلمّا مرّ به عثمان طبخهنّ، ثمّ قدّمهنّ إليه، فقال عثمان: كلوا، فقال بعضهم: حتّى يجيء عليّ بن أبي طالبٍ فلمّا جاء فرأى ما بين أيديهم قال عليٌّ: إنّا لن نأكل منه، فقال عثمان: ما لك لا تأكل؟ فقال: هو صيدٌ، ولا يحلّ أكله وأنا محرمٌ. فقال عثمان: بيّن لنا، فقال عليّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ}، فقال عثمان: أو نحن قتلناه؟ فقرأ عليه: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}.
- حدّثنا تميم بن المنتصر، وعبد الحميد بن بيانٍ القنّاد، قالا: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريكٍ، عن سماك بن حربٍ، عن صبيح بن عبيد اللّه العبسيّ، قال: استعمل عثمان بن عفّان أبا سفيان بن الحارث على العروض. ثمّ ذكر نحوه، وزاد فيه قال: فمكث عثمان ما شاء اللّه أن يمكث، ثمّ أتي فقيل له بمكّة: هل لك في ابن أبي طالبٍ، أهدي له صفيف حمارٍ فهو يأكل منه، فأرسل إليه عثمان وسأله عن أكل الصّفيف، فقال: أمّا أنت فتأكل، وأمّا نحن فتنهانا؟ فقال: إنّه صيد عام أوّلٍ، وأنا حلالٌ، فليس عليّ بأكله بأسٌ، وصيد ذلك يعني اليعاقيب وأنا محرمٌ، وذبحن وأنا حرامٌ.
- حدّثنا عمران بن موسى القزّاز، قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيدٍ، قال: حدّثنا يونس، عن الحسن، أنّ عمر بن الخطّاب، لم يكن يرى بأسًا بلحم الصّيد للمحرم، وكرهه عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنهما.
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن بزيعٍ، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب: أنّ عليًّا، كره لحم الصّيد للمحرم على كلّ حالٍ.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبد اللّه بن الحارث، أنّه شهد عثمان وعليًّا أتيا بلحمٍ، فأكل عثمان ولم يأكل عليّ، فقال عثمان: أنحن صدنا أو صيد لنا؟ فقرأ عليّ هذه الآية: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: حجّ عثمان بن عفّان، فحجّ معه عليّ، فأتي بلحم صيدٍ صاده حلالٌ، فأكل منه وهو محرمٌ، ولم يأكل منه عليّ، فقال عثمان: إنّه صيد قبل أن نحرم فقال له عليّ: ونحن قد نزلنا وأهالينا لنا حلالٌ، أفيحللن لنا اليوم؟.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون، عن عمرٍو، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ، عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفلٍ، أنّ عليًّا، أتي بشقّ عجز حمارٍ وهو محرمٌ، فقال: إنّي محرمٌ.
- حدّثنا ابن بزيعٍ، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن يعلى بن حكيمٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، أنّه كان يكرهه على كلّ حالٍ ما كان محرمًا.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرنا نافعٌ، أنّ ابن عمر، كان يكره كلّ شيءٍ من الصّيد وهو حرامٌ، أخذ له أو لم يؤخذ له، وشيقةً وغيرها.
- حدّثنا ابن المثنّى قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان، عن عبد اللّه قال: أخبرني نافعٌ، أنّ ابن عمر كان لا يأكل الصّيد وهو محرمٌ، وإن صاده الحلال.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني الحسن بن مسلم بن ينّاقٍ، أنّ طاووسًا كان ينهى الحرام عن أكل الصّيد وشيقةً وغيرها، صيد له أو لم يصد له.
- حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا خالد بن الحارث، قال: حدّثنا الأشعث، قال: قال الحسن: إذا صاد الصّيد ثمّ أحرم لم يأكل من لحمه حتّى يحلّ. فإن أكل منه وهو محرمٌ لم ير الحسن عليه شيئًا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، وهارون، عن عنبسة، عن سالمٍ، قال: سألت سعيد بن جبيرٍ، عن الصّيد يصيده الحلال، أيأكل منه المحرم؟ فقال: سأذكر لك من ذلك، إنّ اللّه تعالى قال: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ} فنهى عن قتله، ثمّ قال: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم}، ثمّ قال تعالى: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة}، قال: يأتي الرّجل أهل البحر فيقول: أطعموني، فإن قال: غريضًا، ألقوا شبكتهم فصادوا له، وإن قال: أطعموني من طعامكم، أطعموه من سمكهم المالح. ثمّ قال: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}، وهو عليك حرامٌ، صدته أو صاده حلالٌ.
وقال آخرون: إنّما عنى اللّه تعالى بقوله: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا} ما استحدث المحرم صيده في حال إحرامه أو ذبحه، أو استحدث له ذلك في تلك الحال. فأمّا ما ذبحه حلالٌ وللحلال فلا بأس بأكله للمحرم، وكذلك ما كان في ملكه قبل حال إحرامه فغير محرّمٌ عليه إمساكه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن بزيعٍ، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا سعيدٌ، قال: حدّثنا قتادة، أنّ سعيد بن المسيّب، حدّثه، عن أبي هريرة، أنّه سئل عن صيدٍ، صاده حلالٌ أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاه هو بأكله، ثمّ لقي عمر بن الخطّاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك.
- حدّثنا أحمد بن عبدة الضّبّيّ، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: نزل عثمان بن عفّان العرج وهو محرمٌ، فأهدى صاحب العرج له قطًا، قال: فقال لأصحابه: كلوا فإنّه إنّما اصطيد على اسمي قال: فأكلوا، ولم يأكل.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، وابن المثنّى، قالا: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، أنّ أبا هريرة، كان بالرّبذة، فسألوه عن لحم صيدٍ صاده حلالٌ. ثمّ ذكر نحو حديث ابن بزيعٍ عن بشرٍ.
- حدّثنا ابن المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن عمر، نحوه.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الشّعثاء، قال: سألت ابن عمر عن لحم صيدٍ يهديه الحلال إلى الحرام، فقال: أكله عمر، وكان لا يرى به بأسًا قال: قلت: تأكله؟ قال: عمر خيرٌ منّي.
- حدّثنا ابن المثنّى قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن شعبة قال: حدّثنا أبو إسحاق عن أبي الشّعثاء قال: سألت ابن عمر عن صيدٍ صاده حلالٌ يأكل منه حرامٌ؟ قال: كان عمر يأكله. قال: قلت: فأنت؟ قال: كان عمر خيرًا منّي.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن هشامٍ، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: استفتاني رجلٌ من أهل الشّام في لحم صيدٍ أصابه وهو محرمٌ، فأمرته أن يأكله فأتيت عمر بن الخطّاب فقلت له: إنّ رجلاً من أهل الشّام استفتاني في لحم صيدٍ أصابه وهو محرمٌ. قال: فما أفتيته؟ قال: قلت: أفتيته أن يأكله. قال: فوالّذي نفسي بيده لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدّرّة، وقال عمر: إنّما نهيت أن تصطاده.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا مصعب بن المقدام، قال: حدّثنا خارجة، عن زيد بن أسلم، عن عطاءٍ، عن كعبٍ، قال: أقبلت في أناسٍ محرمين، فأصبنا لحم حمار وحشٍ، فسألني النّاس عن أكله، فأفتيتهم بأكله وهم محرمون فقدمنا على عمر، فأخبروه أنّي أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون، فقال عمر: قد أمّرته عليكم حتّى ترجعوا.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: مررت بالرّبذة، فسألني أهلها عن المحرم يأكل ما صاده الحلال، فأفتيتهم أن يأكلوه. فلقيت عمر بن الخطّاب فذكرت ذلك له، قال: فبم أفتيتهم؟ قال: أفتيتهم أن يأكلوا. قال: لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، عن يونس، عن أبي الشّعثاء الكنديّ، قال: قلت لابن عمر: كيف ترى في قومٍ حرامٍ لقوا قومًا حلالاً ومعهم لحم صيدٍ، فإمّا باعوهم وإمّا أطعموهم؟ فقال: حلالٌ.
- حدّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدّثنا محمّد بن سعيدٍ، قال: حدّثنا هشامٌ، يعني ابن عروة، قال: حدّثنا عروة، عن يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطبٍ، أنّ عبد الرّحمن، حدّثه أنّه، اعتمر مع عثمان بن عفّان في ركبٍ فيهم عمرو بن العاص حتّى نزلوا بالرّوحاء، فقرّب إليهم طيرٌ وهم محرمون، فقال لهم عثمان: كلوا فإنّي غير آكله، فقال عمرو بن العاص: أتأمرنا بما لست آكلاً؟ فقال عثمان: إنّي لولا أظنّ أنّه صطيد من أجلي لأكلت فأكل القوم.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنّ الزّبير، كان يتزوّد لحوم الوحش وهو محرمٌ.
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريكٍ، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: ما صيد أو ذبح وأنت حلالٌ فهو لك حلالٌ، وما صيد أو ذبح وأنت حرامٌ فهو عليك حرامٌ.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا هارون، عن عمرٍو، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: ما صيد من شيءٍ وأنت حرامٌ فهو عليك حرامٌ، وما صيد من شيءٍ وأنت حلالٌ فهو لك حلالٌ فلا يحل له أكله
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}، فجعل الصّيد حرامًا على المحرم صيده وأكله ما دام حرامًا، وإن كان الصّيد صيد قبل أن يحرم الرّجل فهو حلالٌ، وإن صاده حرامٌ لحلالٍ فلا يحلّ له أكله.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: سألت أبا بشرٍ عن المحرم يأكل ممّا صاده الحلال، قال: كان سعيد بن جبيرٍ ومجاهدٌ يقولان: ما صيد قبل أن يحرم أكل منه، وما صيد بعد ما أحرم لم يأكل منه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: كان عطاءٌ يقول إذا سئل في العلانية: أيأكل الحرام الوشيقة والشّيء اليابس؟ يقول بيني وبينه: لا أستطيع أن أبيّن لك في مجلسٍ، إن ذبح قبل أن يحرم فكل، وإلاّ فلا تبع لحمه ولا تبتع.
وقال آخرون: إنّما عنى اللّه تعالى بقوله: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا} وحرّم عليكم اصطياده. قالوا: فأمّا شراؤه من مالكٍ يملكه وذبحه وأكله بعد أن يكون ملكه إيّاه على غير وجه الاصطياد له وبيعه وشراؤه جائزٌ. قالوا: والنّهي من اللّه تعالى عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن شبّويه، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: حدّثنا يحيى بن أيّوب قال: أخبرني يحيى، أنّ أبا سلمة، اشترى قطًا وهو بالعرج، وهو محرمٌ ومعه محمّد بن المنكدر، فأكلها فعاب عليه ذلك النّاس.
والصّواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إنّ اللّه تعالى عمّ تحريم كلّ معاني صيد البرّ على المحرم في حال إحرامه من غير أن يخصّ من ذلك شيئًا دون شيءٍ، فكلّ معاني الصّيد حرامٌ على المحرم ما دام حرامًا بيعه وشراؤه واصطياده وقتله وغير ذلك من معانيه، إلاّ أن يجده مذبوحًا قد ذبحه حلالٌ لحلالٍ، فيحلّ له حينئذٍ أكله، للثّابت من الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي.
- حدّثناه يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جريجٍ وحدّثني عبد اللّه بن أبي زيادٍ، قال: حدّثنا مكّيّ بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبد الملك بن جريجٍ، قال: أخبرني محمّد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرّحمن بن عثمان، عن أبيه عبد الرّحمن بن عثمان، قال: كنّا مع طلحة بن عبيد اللّه ونحن حرمٌ، فأهدي لنا طائرٌ، فمنّا من أكل، ومنّا من تورّع فلم يأكل. فلمّا استيقظ طلحة وفّق من أكل، وقال: أكلناه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما روي عن الصّعب بن جثّامة أنّه أهدى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل حمار وحشٍ يقطر دمًا، فردّه فقال: إنّا حرمٌ. وفيما روي عن عائشة أنّ وشيقة ظبي أهديت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محرمٌ، فردّها وما أشبه ذلك من الأخبار؟
قيل: إنّه ليس في واحدٍ من هذه الأخبار الّتي جاءت بهذا المعنى بيانٌ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ردّ من ذلك ما ردّ وقد ذبحه الذّابح إذ ذبحه وهو حلالٌ لحلالٍ، ثمّ أهداه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو حرامٌ، فردّه وقال: إنّه لا يحلّ لنا لأنّا حرمٌ، وإنّما ذكر فيه أنّه أهدي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحم صيدٍ فردّه، وقد يجوز أن يكون ردّه ذلك من أجل أنّ ذابحه ذبحه، أو صائده صاده، من أجله صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محرمٌ، وقد بيّن خبر جابرٍ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله: لحم صيد البرّ للمحرم حلالٌ، إلاّ ما صاده أو صيد له معنى ذلك كلّه:
فإن كان كلا الخبرين صحيحًا مخرجهما، فواجبٌ التّصديق بهما وتوجيه كلّ واحدٍ منهما إلى الصّحيح من وجهٍ، وأن يقال ردّه ما ردّ من ذلك من أجل أنّه كان صيد من أجله، وإذنه في كلّ ما أذن في أكله منه من أجل أنّه لم يكن صيد لمحرمٍ ولا صاده محرمٌ، فيصحّ معنى الخبرين كليهما.
واختلفوا في صفة الصّيد الّذي عنى اللّه تعالى بالتّحريم في قوله: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}، فقال بعضهم: صيد البرّ: كلّ ما كان يعيش في البرّ والبحر، وإنّما صيد البحر ما كان يعيش في الماء دون البرّ ويأوي إليه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن عمران بن حديرٍ، عن أبي مجلزٍ: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}، قال: ما كان يعيش في البرّ والبحر فلا تصيده، وما كان حياته في الماء فذاك.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا الحجّاج، عن عطاءٍ، قال: ما كان يعيش في البرّ فأصابه المحرم فعليه جزاؤه، نحو السّلحفاة والسّرطان والضّفادع.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن الحجّاج، عن عطاءٍ قال: كلّ شيءٍ عاش في البرّ والبحر، فأصابه المحرم، فعليه الكفّارة.
- حدّثنا أبو كريبٍ، وأبو السّائب، قالا: حدّثنا ابن إدريس، قال: حدّثنا يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبد الملك، بن سعيد بن جبيرٍ، قال: خرجنا حجّاجًا معنا رجلٌ من أهل السّواد معه شصوص طير ماءٍ، فقال له أبي حين أحرمنا: اعزل هذا عنّا.
- وحدّثنا به أبو كريبٍ، مرّةً أخرى قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت يزيد بن أبي زيادٍ، قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن عطاءٍ، أنّه كره للمحرم أن يذبح، الدّجاج الزّنجيّ، لأنّ له أصلاً في البرّ.
وقال بعضهم: صيد البرّ ما كان كونه في البرّ أكثر من كونه في البحر.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال ابن جريجٍ: أخبرناه قال: سألت عطاءً عن ابن الماء، أصيد برٍّ أم بحرٍ؟ وعن أشباهه، فقال: حيث يكون أكثر فهو صيده.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني وكيعٌ، عن سفيان، عن رجلٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: أكثر ما يكون حيث يفرخ، فهو منه). [جامع البيان: 8/737-750]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: واتّقوا اللّه الّذي إليه تحشرون
وهذا تقدّم من اللّه تعالى ذكره إلى خلقه بالحذر من عقابه على معاصيه.
يقول تعالى: واخشوا اللّه أيّها النّاس، واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات الّتي أنزلها على نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم من النّهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وعن إصابة صيد البرّ وقتله في حال إحرامكم، وفي غيرها، فإنّ للّه مصيركم ومرجعكم فيعاقبكم بمعصيتكم إيّاه، ومجازيكم فمثيبكم على طاعتكم له). [جامع البيان: 8/750]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا واتّقوا اللّه الّذي إليه تحشرون (96)
قوله تعالى: أحلّ لكم صيد البحر
- حدّثنا أحمد بن عصامٍ الأنصاريّ، ثنا أبو عاصمٍ عن عثمان عن سعدٍ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ أحلّ لكم صيد البحر قال: صيده طريّه- وروي عن سعيد بن جبيرٍ مثل ذلك.
- حدّثنا أبي ثنا يحيى بن المغيرة، ثنا جريرٌ عن سليمان التّيميّ عن أبي مجلزٍ عن ابن عبّاسٍ في قوله: أحلّ لكم صيد البحر وطعامه قال: الصّيد ما يصطاد وروي عن زيد بن ثابتٍ، وأبي هريرة، وأبي سلمة بن عبد الرّحمن نحو ذلك.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا عبد المؤمن بن عليٍّ، ثنا المحاربيّ قال: سفيان ما نعلمه حرّم من صيد البحر شيئًا غير الكلاب.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو نعيمٍ، ثنا أبو خلدة، حدّثني ميمونٌ الكرديّ أنّ ابن عبّاسٍ كان راكبًا فمرّ عليه جرادٌ فضربه فقيل له: قتلت صيدًا وأنت حرمٌ فقال: إنّما هو من صيد البحر.
- حدّثنا محمّد بن عزيزٍ الأيليّ حدّثنا سلامة بن روحٍ عن عقيل بن خالدٍ قال: قال ابن شهابٍ سمعت سعيد بن المسيّب يذكر في قول اللّه تعالى: أحلّ لكم صيد البحر وطعامه فكان سعيدٌ يقول: صيد البحر ما أكل منه غريقًا.
قوله تعالى: وطعامه متاعًا لكم
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو خالدٍ الأحمر قال سمعت سليمان التّيميّ عن أبي مجلزٍ عن ابن عبّاسٍ في قوله: وطعامه قال: ما قذف يعني ميتًا.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا عبدة عن محمّد بن عمرٍو عن أبي سلمة عن أبي هريرة في قوله: أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم قال: ما لفظ ميتًا فهو طعامه وروي عن زيد بن ثابتٍ، وعبد اللّه بن عمر، وأبي أيّوب الأنصاريّ وأبي سلمة بن عبد الرّحمن وعكرمة وإبراهيم النّخعيّ، والحسن نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ عن سفيان عن خصيفٍ عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ وطعامه متاعًا لكم قال: السّمك المالح يتزوّدونه.
- حدّثنا محمّد بن عزيزٍ، حدّثني سلامة عن عقيل بن خالدٍ قال: وقال ابن شهابٍ سمعت سعيد بن المسيّب يذكر في قول اللّه وطعامه السّمك المالح.
والوجه الثّالث:
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: وطعامه فيعني: مالحه ويقال يعني: ما لفظ البحر، ويقال: طعامه طريّه ومالحه.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا أبو ثابتٍ محمّد بن عبيد اللّه، ثنا عبد العزيز بن محمّدٍ عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيّب قال: طعام البحر ما لفظه حيًّا أو حصر عنه الماء فمات.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم أنبأ نافع بن يزيد ويحيى بن أيّوب قالا، ثنا ابن جريجٍ أنّ أبا بكر بن حفصٍ أخبره، عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ إنّه كان يقول طعامه متاعًا لكم فطعامه ميّته.
الوجه الخامس:
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن يزيد المقرئ، ثنا سفيان عن عمرو بن دينارٍ عن عكرمة قال: قال أبو بكرٍ رضي اللّه عنه وطعامه قال: كلّ ما فيه.
قوله تعالى: متاعًا لكم
- حدّثنا أحمد بن عصامٍ الأنصاريّ، ثنا أبو عاصمٍ عن عثمان بن سعيدٍ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ قوله: متاعًا لكم قال: الّذي يتزوّد المسافر.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن سلمة، ثنا حمزة عن سفيان الثّوريّ متاعًا لكم قال: متاعٌ لكم طريّه ما نبذ وما حسر.
قوله تعالى: وللسيارة
[الوجه الأول]
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: وللسّيّارة أهل الأمصار وأجناس النّاس كلّهم وروي عن مقاتل بن حيّان نحو ذلك.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا عمرو بن عوفٍ الواسطيّ، ثنا هشيمٌ عن أبي إسحاق الكوفيّ عن عكرمة أنّه قال: في قوله: وللسّيّارة قال: السّفر.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا سعدان بن نصيرٍ، ثنا مسكين بن بكيرٍ عن عبد السّلام بن حبيبٍ عن الحسن في قوله: وللسيارة قال: هم المحرمون.
- حدّثنا أبي، ثنا سليمٌ، ثنا شعبة عن أبي بشرٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: وللسّيّارة قال: الظّهر. قال أبي وقال غيره: التّتمير.
قوله تعالى: وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا
- حدّثنا أبي، ثنا ابن الأصبهانيّ، ثنا عبد السّلام بن حربٍ عن يزيد بن عبد الرّحمن الدّلانيّ عن سماك بن حربٍ عن صبيح بن عبد اللّه قال: أتي عثمان بلحم صيدٍ وعنده عليٌّ فأبى عليٌّ أن يأكل، وقرأ وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا
- حدّثنا أبي، ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن عبد الكريم أبي أميّة عن طاوسٍ عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا قال هي صيده وأكله حرامٌ على المحرم.
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا وكيعٌ عن عمران بن حديد عن أبي مجلزٍ وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا قال: ما كان يعيش في البرّ والبحر فلا يصيده، وما كان حياته في الماء فذلك له.
قوله تعالى: واتّقوا اللّه الّذي إليه تحشرون
قد تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 4/1210-1213]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير قال صيده ما صيد منها وطعامه ما لفظ). [تفسير مجاهد: 205]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال حدثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال طعامه حيتانه). [تفسير مجاهد: 206]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا هيثم عن المغيرة عن إبراهيم قال طعامه المملوح). [تفسير مجاهد: 206]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد متاعا لكم أهل القرى وللسيارة لأهل الأمصار وأجناس الناس كلهم). [تفسير مجاهد: 206]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال مسدّدٌ: حدثنا يحيى، عن ابن جريجٍ، أخبرني نافعٍ، أنّ عبد الرّحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر رضي الله عنهما، عن حيتانٍ كثيرةٍ ألقاها البحر، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: أميّتةٌ هي؟ قال: نعم، فنهاه، قال: فلمّا دخل دعا بالمصحف، فقرأ:
{أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا}، قال: فطعامه ما يخرج منه، فكلوه ليس به بأسٌ، وكلّ شيءٍ فيه يؤكل ميّتًا فيه أو ميّتًا جنبه.
قلت: رواه مالكٌ في الموطّأ عن نافعٍ نحوه، فقال بعد قوله: فقرأ {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعا}، (فأرسلني إلى) عبد الرّحمن فقال: لا بأس به فكله). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/634]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون}.
أخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم} قال: ما لفظه ميتا فهو طعامه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة موقوفا، مثله.
وأخرج أبو الشيخ من طريق قتادة عن أنس عن أبي بكر الصديق في الآية قال: صيده ما حويت عليه وطعامه ما لفظ إليك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة، أن أبا بكر الصديق قال في قوله {أحل لكم صيد البحر وطعامه} قال: صيد البحر ما تصطاده أيدينا وطعامه ما لاثه البحر، وفي لفظ: طعامه كل ما فيه وفي لفظ: طعامه ميتته.
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الطفيل عن أبي بكر الصديق قال في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: صيد البحر حلال وماؤه طهور.
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزبير عن عبد الرحمن مولى بني مخزوم قال: ما في البحر شيء إلا قد ذكاه الله لكم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس فقال {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم} قال: وطعامه ما قذف به.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في "سننه" عن أبي هريرة قال: قدمت البحرين فسألني أهل البحرين عما يقذف البحر من السمك فقلت لهم: كلوا فلما رجعت سألت عمر بن الخطاب عن ذلك فقال: بم أفتيتهم قال: أفتيتهم أن يأكلوا، قال: لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة ثم قال {أحل لكم صيد البحر وطعامه} فصيده ما صيد منه وطعامه ما قذف.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في "سننه" من طرق عن ابن عباس قال: صيده ما صيد وطعامه ما لفظ به البحر وفي رواية ما قذف به يعني ميتا.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق أخرى عن ابن عباس في الآية قال: صيده الطري وطعامه المالح للمسافر والمقيم.
وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت قال: صيده ما اصطدت.
وأخرج ابن جرير، عن جابر بن عبد الله قال: ما حسر عنه فكل.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: صيده ما اضطرب وطعامه ما قذف.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس {أحل لكم صيد البحر} يعني طعامه مالحه وما حسر عنه الماء وما قذفه فهذا حلال لجميع الناس محرم وغيره.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان ألقاها البحر فقال ابن عمر: أميتة هي قال: نعم، فنهاه فلما رجع عبد الله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى على هذه الآية {وطعامه متاعا لكم} فقال: طعامه هو الذي ألقاه فالحقه فمره يأكله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي أيوب قال: ما لفظ البحر فهو طعامه وإن كان ميتا.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: صيده ما اصطدت طريا وطعامه ما تزودت مملوحا في سفرك
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن سعيد بن جبير، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: ما نعلمه حرم من صيد البحر شيئا غير الكلاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون الكردي، أن ابن عباس كان راكبا فمر عليه جراد فضربه فقيل له: قتلت صيدا وأنت محرم فقال: إنما هو من صيد البحر.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن عطاء بن يسار قال: قال كعب الأحبار لعمر: والذي نفسي بيده إن هو إلا نثرة حوت ينثره في كل عام مرتين، يعني الجراد.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مجلز في الآية قال: ما كان من صيد البحر يعيش في البر والبحر فلا يصيده وما كان حياته في الماء فذلك له.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة {متاعا لكم} لمن كان يحضره البحر، {وللسيارة} قال: السفر.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد {وطعامه} قال: حيتانه {متاعا لكم} لأهل القرى {وللسيارة} أهل الأسفار وأجناس الناس كلهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن {وللسيارة} قال: هم المحرمون.
وأخرج الفريابي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {وللسيارة} قال: المسافر يتزود منه ويأكل.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق طاووس عن ابن عباس في قوله {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} قال: هي مبهمة لا يحل لك أكل لحم الصيد وأنت محرم ولفظ ابن أبي حاتم قال: هي مبهمة صيده وأكله حرام على المحرم.
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الكريم بن أبي المخارق قال: قلت لمجاهد: فإنه صيد اصطيد بهمذان قبل أن يحرم الرجل بأربعة اشهر، فقال: لا كان ابن عباس يقول: هي مبهمة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحارث بن نوفل قال: حج عثمان بن عفان فأتى بلحم صيد صاده حلال فأكل منه عثمان ولم يأكل علي فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا فقال علي {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما}.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن الحسن، أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصيد للمحرم إذا صيد لغيره وكرهه علي بن أبي طالب.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب، أن عليا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال.
وأخرج عن ابن عباس، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن ابن عمر، أنه كان لا يأكل الصيد وهو محرم وإن صاده الحلال.
وأخرج ابن أبي شيبة عن اسماعيل قال: سألت الشعبي عنه فقال: قد اختلف فيه فلا تأكل منه أحب إلي
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي هريرة، أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم قال: نعم، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره فقال: لو أفتيت بغير هذا لعلوتك بالدرة إنما نهيت أن تصطاده.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} فجعل الصيد حراما على المحرم صيده وأكله حراما وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل فهو حلال وإن صاده حرام للحلال فلا يحل أكله.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن عبد الرحمن بن عثمان قال كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم فأهدي لنا طائر فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل فلما استيقظ طلحة وافق من أكل وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: اقرأها كما تقرؤها فإن الله ختم الآية بحرام قال أبو عبيد: يعني {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} يقول: فهذا يأتي معناه على قتله وعلى أكل لحمه
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا فنزلوا فأكلوا من لحمها فقالوا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فنزلنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا أنأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها، قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال يا زيد بن أرقم أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له بيضات نعام وهو حرام فردهن قال: نعم.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي، وابن ماجة بسند ضعيف عن أبي هريرة: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة فاستقبلنا رحل جراد فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا فنقتلهن فأسقط في أيدينا فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس بصيد البحر.
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: كل شيء عاش في البر والبحر فأصابه المحرم فعليه الكفارة). [الدر المنثور: 5/531-540]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:11 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) )

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {تناله أيديكم ورماحكم...}
فما نالته الأيدي فهو بيض النعام وفراخها، وما نالت الرماح فهو سائر الوحش). [معاني القرآن: 1/319]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (ليبلونّكم الله بشيءٍ من الصّيد) (94) أي ليختبرنكم وليبتلينكم). [مجاز القرآن: 1/175]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا ليبلونّكم اللّه بشيءٍ مّن الصّيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم اللّه من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليمٌ}
وقال: {ليبلونّكم اللّه بشيءٍ مّن الصّيد} على القسم أي: والله ليبلونّكم. وكذلك هذه اللام التي بعدها النون لا تكون إلا بعد القسم). [معاني القرآن: 1/230]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({تناله أيديكم} يعني بيض النعام {ورماحكم} يعني الصيد). [تفسير غريب القرآن: 146]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (يا أيّها الّذين آمنوا ليبلونّكم اللّه بشيء من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم اللّه من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (94)
هذه اللام لام القسم، واللام مفتوحة لالتقاء السّاكنين في قول بعضهم اغزون يا رجل، فأمّا لام لتبلون، فزعم سيبويه أنها مبنية على الفتح.
وقد أحكمنا شرح هذا قبل هذا الموضع.
ومعنى: " ليبلونكم ": ليختبرنّ طاعتكم من معصيتكم.
(بشيء من الصيد).
فقال عزّ وجلّ بشيء من الصيد فبّعض، وهو يحتمل وجهين أحدهما أنه على صيد البر دون صيد البحر، والثاني أنه لمّا عنى الصّيد ما داموا في الإحرام كان ذلك بعض الصّيد. وجائز أن يكون على وجه ثالث، ويكون " من " هذه تبين جنسا من الأجناس، تقول: لأمتحنك بشيء من الورق، أي لامتحننك بالجنس الذي هو ورق، كما قال جلّ ثناؤه: (فاجتنبوا الرّجس من الأوثان) والأوثان كلها رجس.
المعنى فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن.
ومعنى قوله: (تناله أيديكم ورماحكم).
الذي تناله الأيدي نحو بيض النعام وفراخه وما كان صغيرا ينهض من مجثمه من غير النعام وسائر ما يفوق اليد بحركته من سائر الوحش.
فحرم جميع صيد البر الجراد وكل ما يصطاد فحرام صيده ما داموا حرما. وبيّن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنّ كل ما اصطيد في الحرم حرام، كانوا محرمين أو غير محرمين). [معاني القرآن: 2/206]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} المعنى ليختبرن طاعتكم من معصيتكم). [معاني القرآن: 2/358]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {تناله أيديكم ورماحكم} قال مجاهد الذي تناله أيديكم البيض والفراخ والذي تناله الرماح ما كان كبيرا). [معاني القرآن: 2/359]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( (تناله أيديكم) يعني: بيض النعام، والعرب تقول: صدت نعاما، وصدت بيضة، أي: أخذتهما بيدي). [ياقوتة الصراط: 212]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( (ورماحكم) يعني: الحمير الوحشية، والنعام الجافل). [ياقوتة الصراط: 212]

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (قوله: {فجزاء مّثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ مّنكم...}
يقول: من أصاب صيدا ناسيا لإحرامه معتمدا للصيد حكم عليه حاكمان عدلان فقيهان يسألانه: أقتلت قبل هذا صيدا؟ فإن قال: نعم، لم يحكما عليه، وقالا: ينتقم الله منك. وإن قال: لا، حكما عليه، فإن بلغ قيمة حكمها ثمن بدنة أو شاة حكما بذلك عليه {هدياً بالغ الكعبة} وإن لم يبلغ ثمن شاة حكما عليه بقيمة ما أصاب: دراهم، ثمّ قوّماه طعاما، وأطعمه المساكين لكل مسكين نصف صاع. فإن لم يجد حكما عليه أن يصوم يوما مكان كل نصف صاع.
وقوله: {أو عدل ذلك صياماً} والعدل: ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل المثل. وذلك أن تقول: عندي عدل غلامك وعدل شاتك إذا كان غلاما يعدل غلاما أو شاة تعدل شاة. فإذا أردت قيمته من غير جنسه نضبت العين. وربما قال بعض العرب: عدله. وكأنه منهم غلط لتقارب معنى العدل من العدل. وقد اجتمعوا على واحد الأعدال أنه عدل. ونصبك الصيام على التفسير؛ كما تقول: عندي رطلان عسلا، وملء بيت قتّا، وهو مما يفسّر للمبتدئ: أن ينظر إلى (من) فإذا حسنت فيه ثم ألقيت نصبت؛ ألا ترى أنك تقول: عليه عدل ذلك من الصيام. وكذلك قول الله تبارك وتعالى: {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا}). [معاني القرآن: 1/320]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم) (95) في هذا الموضع الإبل والبقر والغنم، والغالب على النّعم الإبل.
(يحكم به ذوا عدلٍ منكم، (95) فجاء مصدراً في القرآن كلّه؛ من جعله صفةً على أنه مصدرٌ ولفظه للأنثى والذكر والجميع سواء؛ هي عدلٌ وهم عدل، قال زهير:
متى يشتجر قومٌ يقل سرواتهم=هم بيننا فهم رضاً وهم عدل
فجعله هشامٌ أخو ذي الرّمة صفةً تجرى مجرى ضخم وضخمة، فقال: عدل، وعدلة للمرأة.
(أو عدل ذلك صياماً) (95) مفتوح الأول، أي مثل ذلك، (فإذا كسرت فقلت: عدل فهو زنة ذلك).
(ليذوق وبال أمره) (95) أي نكال أمره، وعذابه ويقال: عاقبة أمره من الشرّ.
(ومن عاد فينتقم الله منه) (95) رفعٌ لأنه مجازاتٌ فيه، فمجازه فمن عاد فإن الله ينتقم منه، وعاد: في موضع يعود، قال قعنب بن أم صاحب:
إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحاً=وإن ذكرت بسوءٍ عندهم أذنوا
أي استمعوا.
(ذو انتقام) (95): ذو اجتراء). [مجاز القرآن: 1/175-177]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم مّتعمّداً فجزاء مّثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ مّنكم هدياً بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً لّيذوق وبال أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ}
وقال: {فجزاء مّثل ما قتل من النّعم} أي: فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم.
[و] قال: {يحكم به ذوا عدلٍ مّنكم هدياً} انتصب على الحال {بالغ الكعبة} من صفته وليس قولك {بالغ الكعبة} بمعرفة لأن فيه معنى التنوين لأنه إذا قال "هذا ضارب زيدٍ" في لغة من حذف النون ولم يفعل بعد فهو نكرة. ومثل ذلك {هذا عارضٌ مّمطرنا} ففيه بعض التنوين غير أنه لا يوصل إليه من أجل الاسم المضمر.
ثم قال: {أو كفّارةٌ طعام مساكين} أي: أو عليه كفارةٌ. رفعٌ منون ثم فسر فقال "هي طعام مساكين" وقال بعضهم {كفّارة طعام مساكين} بإضافة الكفارة إليه.
[و] قال: {أو عدل ذلك صياماً} يريد: أو عليه مثل ذلك من الصيام. كما تقول: "عليها مثلها زبداً". وقال بعضهم {أو عدل ذلك صياما} فكسر وهو الوجه لأن "العدل": المثل. وأمّا "العدل" فهو المصدر تقول: "عدلت هذا بهذا عدلاً حسنا"، و"العدل" أيضا: المثل. وقال: {ولا يقبل منها عدلٌ} أي: مثلٌ ففرقوا بين ذا وبين "عدل المتاع" كما تقول: "امرأةٌ رزان" و"حجرٌ رزينٌ"). [معاني القرآن: 1/230-231]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({وبال أمره}: عاقبة أمره). [غريب القرآن وتفسيره: 131]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( و(النّعم): الإبل. وقد تكون البقر والغنم. والأغلب عليها الإبل.
وقوله تعالى: {أو عدل ذلك صياماً} أي مثله). [تفسير غريب القرآن: 146-147]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( (أو عدل ذلك صياما).
(ذلك كفّارة أيمانكم إذا حلفتم).
أي ذلك الذي يغطي على آثامكم، يقال كفرت الشيء إذا غطّيته، ومنه قوله عزّ وجلّ: (أعجب الكفار نباته)، والكفار الذين يغطون الزرع ويصلحونه، والكافر إنما سمي كافرا، لأنه ستر بكفره الإيمان). [معاني القرآن: 2/203]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله (يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمّدا فجزاء مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفّارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيز ذو انتقام (95)
(ومن قتله منكم متعمّدا)
أي عمدا لقتله، كأنه ناس إنّه محرم، ومتعمّد للقتل، وجائز أن يقصد القتل وهو يعلم أنّه محرم.
وقوله: (فجزاء مثل ما قتل من النّعم).
و (فجزاء مثل ما قتل)برفع مثل وجرها، فمن رفعهما جميعا فرفعه على معنى فعليه جزاء مثل الذي قتل، فيكون " مثل " من نعت الجزاء، ويكون أن ترفع " جزاء " على الابتداء ويكون مثل قتل خبر الابتداء، ويكون المعنى فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل، ومن جرّ أراد فعليه جزاء مثل ذلك المقتول من النّعم، والنعم في اللغة هي الإبل والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل منها قيل لها نعم وإن انفردت الغنم والبقر لم تسمّ نعما.
فكان عليه بحذاء حمار الوحش وبقرة الوحش بدنة، وعليه بحذاء الظباء من الغنم شاة.
وقوله عزّ وجلّ: (يحكم به ذوا عدل منكم).
أي من أهل ملتكم، فعلى قاتل الصيد أن يسألا فقيهين عدلين عن جزاء ما قتل، ويقولان له: أقتلت صيدا قبل هذا وأنت محرم فإن اعترف بأنه قتل صيدا قبل ذلك لم يحكما عليه بشيء، لقول الله عزّ وجلّ:
(ومن عاد فينتقم اللّه منه).
وإن لم يعترف نظرا فيما قتل. فإن كان كالإبل حكما عليه بها (هديا بالغ الكعبة) وإن كان كالشاء حكما عليه بمثل ذلك.
وإن كانت القيمة لا تبلغ نظرا فقدرا قيمة ذلك، وأطعم بثمن ذلك المساكين، كل مسكين - قال بعضهم - صاعا من حنطة، وقال بعضهم نصف صاع أو صام بعدل ذلك على ما توجبه السّنّة.
ويجوز أن تكون " أو " - وهو الأجود في اللغة - للتخيير، فإن شاء أهدى وإن شأت قوّما له الهدي وأطعم بدله على ما وصفنا.
وجعل مثل ذلك صياما لأن " أو " للتخيير، وقال بعضهم كأنّه إن لم يقدر على الإبل والغنم
فينبغي أن يطعم أو يصوم، والذي يوجبه اللفظ التخيير، وأهل الفقه أعلم بالسنة في ذلك، إلّا أني أختار على مذهب اللغة أنّه مخير.
وقوله: (هديا بالغ الكعبة).
منصوب على الحال. المعنى يحكمان به مقذرا أن يهدى.
و (بالغ الكعبة) لفظه لفظ معرفة، ومعناه النكرة، المعنى بالغا الكعبة، إلا أن التّنوين حذف استخفافا.
ومعنى قوله: (أو عدل ذلك).
أو مثل ذلك، قال بعضهم عدل الشيء مثله من جنسه، وعدله مثله من غير جنسه - بفتح العين، وقال إلا أن بعض العرب يغلط فيجعل العدل والعدل في معنى المثل، وإن كان من غير جنس الأول.
قال البصريون العدل والعدل في معنى المثل، والمعنى واحد كان، لمثل من الجنس أو من غير الجنس، كما أن المثل ما كان من جنس الشيء ومن غير جنسه، مثل، ولم يقولوا إن العرب غلطت، وليس إذا أخطا مخطئ يوجب أن تقول أن بعض العرب غلط.
وقوله: (صياما).
منصوب على التمييز. المعنى أو مثل ذلك من الصيام.
(ليذوق وبال أمره).
" الوبال " ثقل الشيء في المكروه، ومنه قولهم طعام وبيل، وماء وبيل، إذا كانا ثقيلين غير ناميين في المال، قال عزّ وجلّ: (فأخذناه أخذا وبيلا) أي ثقيلا شديدا، والوبيل خشبة القصّار ومن هذا قيل لها وبيل.
قال طرفة ابن العبد:
=عقيلة شيخ كالوبيل يلندد
وقوله: (ومن عاد فينتقم اللّه منه).
الفاء جواب الجزاء والمعنى أنه - واللّه أعلم - ومن عاد مستحلّا للصيد بعد أن حرمه الله منه فينتقم اللّه منه أي فيعذبه اللّه.
وجائز أن يكون: من عاد مستخفّا بأمر اللّه فجزاؤه العذاب كجزاء قاتل النفس). [معاني القرآن: 2/206-209]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} روى شريك عن سالم عن سعيد بن جبير {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} قال قتله حرام في هذه الآية قال بعض العلماء أي أنه لما حرم قتل الصيد على المحرم كان قتله إياه غير تذكية). [معاني القرآن: 2/359]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {ومن قتله منكم متعمدا} أكثر الفقهاء على أن عليه الجزاء سواء كان متعمدا أو مخطئا
وذهبوا إلى قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} مردود إلى قوله جل وعز: {ومن عاد فينتقم الله منه} واحتجوا في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضبع فقال هي صيد وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا ولم يقل: عمدا ولا خطأ قال الزهري: هو في الخطأ سنة وقال بعض أهل العلم: إنما عليه الجزاء إذا قتله متعمدا واحتجوا بظاهر الآية حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام نا محمد بن يحيى نا أبو الوليد نا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله جل وعز: {ومن قتله منكم متعمدا} قال: ليس عليه في الخطأ شيء إنما هو في العمد يعني الصيد). [معاني القرآن: 2/359-360]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قيل النعم في اللغة الإبل والبقر والغنم وإن انفردت الإبل قيل لها نعم وإن انفردت البقر والغنم لم يقل لها نعم وقرأ الأعمش (فجزاؤه مثل ما) والمعنى فعليه جزاؤه ثم أبدل مثلا من جزائه). [معاني القرآن: 2/361]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {أو كفارة طعام مساكين} أو هنا للتخيير وفي معناه أقوال وقيل الحاكم مخير وقيل إنه يعمل بالأول فالأول والقول الأول أحسن لأن قاتل الصيد هو المخاطب ولأن المعروف أن أو للتخيير وقرأ طلحة والجحدري (أو عدل ذلك صياما) وأنكره جماعة من أهل اللغة وقالوا العدل الحمل.
وقال الكسائي: العدل والعدل لغتان بمعنى واحد وقال الفراء: عدل الشيء مثله من غير جنسه وعدله مثله من جنسه.
وأنكر البصريون هذا التفريق وقالوا: العدل والعدل المثل كان من الجنس أو من غير الجنس لا يختلف كما أن المثل لا يختلف وفي الحديث لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا فالصرف التوبة والعدل الفدية، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو حاتم ولا يعرف قول من قال إنهما الفريضة والنافلة والذي أنكره أبو حاتم قال المازري). [معاني القرآن: 2/361-363]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {ليذوق وبال أمره} أي شدته ومنه طعام وبيل إذا كان ثقيلا ومنه قوله:
عقيلة شيخ كالوبيل يلندد). [معاني القرآن: 2/362-363]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه} قال عطاء عفا الله عما سلف في الجاهلية وقال شريح وسعيد بن جبير يحكم عليه في أول مرة فإذا عاد لم يحكم عليه وقيل له اذهب ينتقم الله منك أي ذنبك أعظم من أن يكفر
كما أن اليمين الفاجرة لا كفارة لها عند أكثر أهل العلم لعظم إثمها قلت قول عطاء في هذا أشبه والمعنى ومن عاد بعد الذي سلف في الجاهلية فينتقم الله منه بأشياء تصيبه من العقوبة أو يكون مثل قوله: {ليذوق وبال أمره}). [معاني القرآن: 2/363-364]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( (أو عدل ذلك) أي: وقيمة ذلك). [ياقوتة الصراط: 213]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({النَّعَمِ} الإبل، وقد تكون الغنم والبقر، والغالب عليها الإبل). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 71]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({وَبَالَ أَمْرِهِ}: عاقبة أمره). [العمدة في غريب القرآن: 122]

تفسير قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه...}
الصيد: ما صدته، وطعامه ما نضب عنه الماء فبقي على وجه الأرض). [معاني القرآن: 1/321]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({وصيد البحر} ما صيد من السمك (و طعامه) ما نضب عنه الماء وما قذفه البحر وهو حي {متاعاً لكم} أي منفعة لكم (و للسيارة) يعني المسافرين). [تفسير غريب القرآن: 147]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (والمتاع: المنفعة، قال الله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ}، وقال تعالى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}، وقال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}). [تأويل مشكل القرآن: 512] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسّيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما واتّقوا اللّه الّذي إليه تحشرون (96)
أي أحل لكم صيد البحر، وأحل لكم طعام البحر للسّيّارة، فأمّا صيده فمعروف، وأمّا طعامه فقد اختلف فيه، فقال بعضهم: ما نضب الماء عنه فأخذ بغير صيد فهو طعامه، وقال طعامه هو كل ما سقاه الماء فأنبت فهو طعام البحر، لأنه نبت عن ماء البحر، فأعلمهم اللّه أن الذي أحل لهم كثير في البر والبحر، وأن الذي حرم عليهم إنما هو صيد البر في حال الإحرام. وسن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تحريم الصيد في الحرم ليكون قد أعذر إليهم من الانتقام ممن عاود ما حرم اللّه عليه مع كثرة ما أحل اللّه له.
و (متاعا): منصوب مصدر مؤكد، لأنه لما قال أجل لكم كان دليلا على أنه قد متّعهم به، كما أنه لما قال: (حرّمت عليكم أمّهاتكم)
كان دليلا على أنه قد كتب عليهم ذلك، فقال: (كتاب اللّه عليكم) ). [معاني القرآن: 2/209]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة}.
روى عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن عمر قال: صيد البحر ما صيد منه وطعامه ما قذف.
وكذلك روى سعيد بن جبير عن ابن عباس،وقيل: طعامه ما زرع لأنه به ينبت.
وقال سعيد بن جبير: طعامه المليح منه وصيده ما كان طريا البين أن صيده أن تصيدوا وطعامه أن تأكلوا الصيد.
قال مجاهد لكم لأهل القرى وللسيارة لأهل الأمصار وقيل السيارة المسافرون وهذا أولى). [معاني القرآن: 2/364-365]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({صَيْدُ الْبَحْرِ} ما صيد منه. {وطَعَامُهُ} ما نضب عنه الماء وصادفه وهو حي أو ميت.
{مَتَاعًا لَّكُمْ} أي منفعة لكم). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 71]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 3 جمادى الأولى 1434هـ/14-03-2013م, 05:39 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) }

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (واعلم أنّ العرب يستخفّون فيحذفون التنوين والنون ولا يتغيّر من المعنى
شيء وينجرّ المفعول لكف التنوين ممن الاسم فصار عمله فيه الجرّ ودخل في الاسم معاقباً للتنوين فجرى مجرى غلام عبد الله في اللّفظ لأنّه اسمٌ وإن كان ليس مثله في المعنى والعمل.
وليس يغير كفّ التنوين إذا حذفته مستخفاً شيئاً من المعنى ولا يجعله معرفةً. فمن ذلك قوله عزّ وجلّ: {كل نفس ذائقة الموت} و{إنّا مرسلو النّاقة} و{لو ترى إذ المجرمون ناكسو رءسهم} و: {غير محلي الصيد}. فالمعنى معنى: {ولا آمين البيت الحرام}.
ويزيد هذا عندك بياناً قوله تعالى جدّه: {هديا بالغ الكعبة} و: {عارض ممطرنا}. فلو لم يكن هذا في معنى النّكرة والتنوين لم توصف به النّكرة.
وستراه مفصّلاً أيضاً في بابه مع غير هذا من الحجج إن شاء الله. وقال الخليل هو كائن أخيك على الاستخفاف والمعنى هو كائنٌ أخاك). [الكتاب: 1/165-166] (م)
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وقال ذو الرمة:
وأنّي متى أشرف على الجانب الذي = به أنت من بين الجوانب ناظر
أي ناظرٌ متى أشرف فجاز هذا في الشعر وشبهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزماً لأن المعنى واحد كما شبه الله يشكرها وظالم فإذا هم يقنطون جعله بمنزلة يظلم ويشكرها الله كما كان هذا بمنزلة قنطوا وكما قالوا في اضطرارٍ إن تأتني أنا صاحبك يريد معنى الفاء فشبهه ببعض ما يجوز في الكلام حذفه وأنت تعنيه.
وقد يقال إن أتيتني آتك وإن لم تأتني أجزك لأن هذا في موضع الفعل المجزوم وكأنه قال إن تفعل أفعل.
ومثل ذلك قوله عز وجل: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} فكان فعل وقال الفرزدق

دسّت رسولاً بأنًّ القوم إن قدروا = عليك يشفوا صدوراً ذات توغير
وقال الأسود بن يعفر:

ألا هل لهذا الدّهر من متعلّل = عن النّاس مهما شاء بالناس يفعل
وقال إن تأتني فأكرمك أي فأنا أكرمك فلا بد من رفع فأكرمك إذا سكت عليه لأنه جواب وإنما ارتفع لأنه مبني على مبتدأ.
ومثل ذلك قوله عز وجل: {ومن عاد فينتقم الله منه} ومثله: {ومن كفر فأمتعه قليلا} ومثله: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا}). [الكتاب: 3/68-69] (م)
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (والنعم من الإبل:
وقالوا: النعم من الإبل والغنم والبقر والبراذين والسوام والخيل.
وقالوا في مثل ذلك من ذي الظلف:
قالوا في الشاء:
الصبة من المَعْز خاصة: ما بين العشر إلى الأربعين. وقالوا: المَعْز، والمَعَز.
وقرأ أبو عمرو: المَعَز فحرك، وأهل المدينة: سكنوا.
ويقال للماعز: المَعْز، والمعزى، والمعيز، وقد معز معازة.
والضأن للجميع، وحكى لنا بعضهم: واحد الضأن: ضأنه، وهي قليلة شاذة.
وقالوا: ضائنة، وضائن للجميع، والضئين –على مثال فعيل- مثل: المعيز.
ويقال: ضئنت الغنم ضأنا إذا أشبهت الضأن، كالصبة من المَعْز). [الفرق في اللغة:151- 152]
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (و«النَّعم» ذكر؛ يقال: هذا نعم وارد). [المذكور والمؤنث: 79]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (باب
قال الأصمعي: الكعب من السمن الكتلة. والكعب من الرمح طرف الأنبوب الناشز ومثله الكعبان من الإنسان العظمان الناشزان من جانبي القدمين وله قال الشاعر:
[؟]
درماء الكعوب
يعني أن ذلك منها غائب وأنكر قول الناس إنه في ظهر القدم. غيره: الكعاب والكاعب الجارية حين يبدأ ثديها وقد كعبت تكعب كعوبًا وكعبت تكعب تكعيبًا. والكعبة البيت الحرام، ويقال إنما سميت الكعبة للتربيع). [الغريب المصنف: 3/938-939] (م)
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (قال يونس قولهم لا يقبل منه صرف ولا عدل الصرف الحيلة ومنه قيل إنه ليتصرف في الأمور والعدل والفداء ومنه قول الله جل وعز: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} أي وإن تفد كل

فداء ومنه: {عدل ذلك صياما} أي فداء ذلك). [إصلاح المنطق:314- 315] (م)
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (
ترنم الشارف في أخرى النهم
...
و(النعم) الإبل). [شرح أشعار الهذليين: 2/576]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (واعلم أن المصدر كسائر الأسماء إلا أنه اسم للفعل، فإذا نصبت فعلى إضمار الفعل. فمن المصادر ما يكثر استعماله، فيكون بدلاً من فعله ومنها ما لا يكون له حق الاسم. فأما ما كثر استعماله حتى صار بدلاً من الفعل فقولك: حمداً وشكراً، لا كفراً. وعجباً إنما أردت: أحمد الله حمداً. فلولا الاستعمال الذي أبان عن ضميرك لم يجز أن تضمر؛ لأنه موضع خبر، وإنما يحسن الإضمار ويطرد في موضع الأمر؛ لأن الأمر لا يكون إلا بفعل. نحو قولك: ضرباً زيدا. إنما أردت: اضرب ضربا. وكذلك ضرب زيد. نصبت الضرب باضرب، ثم أضفته إلى زيد لما حذفت التنوين؛ كما تقول: هذا ضارب زيد غدا. والأصل إثبات التنوين وحذفه استخافٌ لعلم المخاطب. ألا ترى أن الاسم المضاف إلى معرفة على نية التنوين لا يكون إلا نكرة؛ لأن التنوين في النية، نحو قوله عز وجل: {هذا عارضٌ ممطرنا} و{هدياً بالغ الكعبة}. هو وصف للنكرة، وتدخل عليه رب كما تدخل على النكرة. وقد مضى تفسير هذا في بابه. قال الشاعر:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم = لاقى مباعدةً منكم وحرمانا
يريد: غابطٍ لنا. ومن ذلك قوله عز وجل: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} وإنما التقدير - والله أعلم -: فضرباً الرقاب. فهذا يدل على ما بعده، وما يرد من جنسه ونظائره). [المقتضب: 3/226-227] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (واعلم أنه قد يجوز لك أن تحذف النون والتنوين من التي تجري مجرى الفعل، ولا يكون الاسم إلا نكرة وإن كانا مضافاً إلى معرفة؛ لأنك إنما تحذف النون استخفافاً. فلما ذهب النون عاقبتها الإضافة، والمعنى معنى ثبات النون. فمن ذلك قول الله عز وجل: {هدياً بالغ الكعبة} فلو لم ترد التنوين لم يكن صفة لهدي وهو نكرة. ومن ذلك قوله تعالى: {هذا عارض ممطرنا} و{ثاني عطفه}؛ لأنه نصب على الحال، ولا تكون الحال إلا نكرة.
ومن ذلك قول الله عز وجل: {إنا مرسلو الناقة} فإنما هذه حكاية قول الله عز وجل قبل إرسالها.
وكذلك {إلا آتي الرحمن عبداً} و{كل نفس ذائقة الموت} ومن نون قال: (آتٍ الرحمن عبداً)، و(ذائقةٌ الموت)؛ كما قال عز وجل: {ولا آمين البيت الحرام}. وهذا هو الأصل، وذاك أخف وأكثر، إذ لم يكن ناقضاً لمعنى، وكلاهما في الجودة سواء). [المقتضب: 4/149-150]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ويجوز أن تقول: هذا رجل حسن الوجه. فالوجه لم يجعل حسناً معرفة، وإن كان مضافاً إليه؛ وذلك لأن التنوين هو الأصل. ومعنى هذه الإضافة الانفصال؛ كما كان ذلك في قوله: {هدياً بالغ الكعبة} و{هذا عارض ممطرنا} لما كان التقدير: إنما هو التنوين ثبت الاسم نكرة، وصار بمنزلة ما لفظوا بتنوينه). [المقتضب: 4/158]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (والنعم: الإبل خاصة، فإن اختلط بها غنمٌ جاز أن يقال: نعم، ولا يجوز أن يقال للغنم: وحدها: نعم، وجمع نعم: أنعام). [الأمالي: 2/133]

تفسير قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 07:43 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 07:43 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 07:44 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 07:44 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى يا أيّها الّذين آمنوا ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد أي ليختبركم ليرى طاعتكم من معصيتكم وصبركم من عجزكم عن الصيد، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعا عند الجميع منهم مستعما جدا، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام أو الحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعتدوا في السبت، ومن تحتمل أن تكون للتبعيض، فالمعنى من صيد البر دون البحر، ذهب إليه الطبري وغيره، ويحتمل أن يكون التبعيض في حالة الحرمة إذ قد يزول الإحرام ويفارق الحرم، فصيد بعض هذه الأحوال بعض الصيد على العموم، ويجوز أن تكون لبيان الجنس، قال الزجّاج وهذا كما تقول لأمتحننك بشيء من الورق، وكما قال تعالى فاجتنبوا الرّجس من الأوثان [الحج: 30] وقوله بشيءٍ يقتضي تبعيضا ما وقد قال كثير من الفقهاء إن الباء في قوله تعالى: وامسحوا برؤسكم [المائدة: 6] أعطت تبعيضا ما، وقرأ ابن وثاب والنخعي «يناله» بالياء منقوطة من تحت، وقال مجاهد الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر، والرماح تنال كبار الصيد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئا، وقوله تعالى ليعلم معناه ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل. وقرأ الزهري «ليعلم الله» بضم الياء وكسر اللام أي ليعلم عباده، وبالغيب قال الطبري معناه في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه فهو غائب عنه، والظاهر أن المعنى بالغيب من الناس أي في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، وقد خفي له لو صاد، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد هذا النهي الذي يأتي وهو الذي أراد بقوله ليبلونّكم وأشار إليه قوله ذلك والعذاب الأليم هو عذاب الآخرة). [المحرر الوجيز: 3/252-253]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ (95)
الخطاب لجميع المؤمنين، وهذا النهي هو الابتلاء الذي أعلم به قوله قبل ليبلونّكم [المائدة: 94] والصّيد مصدر عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصيد، ولفظ الصيد هنا عام ومعناه الخصوص فيما عدا الحيوان الذي أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الحرم، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خمس فواسق يقتلن في الحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور» ووقف مع ظاهر هذا الحديث سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فلم يبيحوا للمحرم قتل شيء سوى ما ذكر، وقاس مالك رحمه الله على الكلب العقور كل ما كلب على الناس وعقرهم ورآه داخلا في اللفظ فقال للمحرم أن يقتل الأسد والنمر والفهد والذئب وكل السباع العادية مبتدئا بها، فأما الهر والثعلب والضبع فلا يقتلها المحرم وإن قتلها فدى، وقال أصحاب الرأي إن بدأ السبع المحرم فله أن يقتله، وإن ابتدأه المحرم فعليه قيمته، وقال مجاهد والنخعي لا يقتل المحرم من السباع إلا ما عدا عليه، وقال ابن عمر ما حل بك من السباع فحلّ به، وأما فراخ السبع الصغار قبل أن تفرس فقال مالك في المدونة لا ينبغي للمحرم قتلها، قال أشهب في كتاب محمد: فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضا أشهب وابن القاسم لا جزاء عليه، وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر المحرمين بقتل الحيات، وأجمع الناس على إباحة قتلها، وثبت عن عمر رضي الله عنه إباحة قتل الزنبور لأنه في حكم العقرب، وقال مالك: يطعم قاتله شيئا، وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوه، وقال أصحاب الرأي لا شيء على قاتل هذه كلها، وأما سباع الطير فقال مالك لا يقتلها المحرم وإن فعل فدى، وقال ابن القاسم في كتاب محمد: وأحب إليّ أن لا يقتل الغراب والحدأة حتى يؤذياه، ولكن إن فعل فلا شيء عليه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وذوات السموم كلها في حكم الحية كالأفعى والرتيلاء وما عدا ما ذكرناه فهو مما نهى الله عن قتله في الحرمة بالبلد أو الحال، وفرض الجزاء على من قتله وحرمٌ جمع حرام وهو الذي يدخل في الحرام أو في الإحرام، وحرام، يقال للذكر والأنثى والاثنين والجميع، واختلف العلماء في معنى قوله متعمّداً فقال مجاهد وابن جريج والحسن وابن زيد: معناه متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه، فهذا هو الذي يكفر وكذلك الخطأ المحض يكفر وأما إن قتله متعمدا ذاكرا لإحرامه فهذا أجلّ وأعظم من أن يكفر. قال مجاهد: قد حل ولا رخصة له، وقاله ابن جريج، وحكى المهدوي وغيره أنه بطل حجه، وقال ابن زيد: هذا يوكل إلى نقمة الله، وقال جماعة من أهل العلم منهم ابن عباس ومالك وعطاء وسعيد ابن جبير والزهري وطاوس وغيرهم، المتعمد هو القاصد للقتل الذاكر لإحرامه، وهو يكفر وكذلك الناسي والقاتل خطأ يكفران.
قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في قتله خطأ أنهما يكفران، وقال بعض الناس لا يلزم القاتل خطأ كفارة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «فجزاء مثل ما» بإضافة الجزاء إلى مثل وخفض مثل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «فجزاء» بالرفع «مثل» بالرفع أيضا فأما القراءة الأولى ومعناها فعليه جزاء مثل ما قتل أي قضاؤه وغرمه، ودخلت لفظة «مثل» هنا كما تقول أنا أكرم مثلك وأنت تقصد بقولك أنا أكرمك، ونظير هذا قوله تعالى: أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في النّاس كمن مثله في الظّلمات [الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحتمل قوله تعالى: فجزاءٌ مثل أن يكون المعنى فعليه أن يجزي مثل ما، ثم وقعت الإضافة إلى المثل الذي يجزي به اتساعا، وأما القراءة الثانية فمعناها فالواجب عليه أو فاللازم له جزاء مثل ما و «مثل» على هذه القراءة صفة لجزاء، أي فجزاء مماثل، وقوله تعالى: من النّعم صفة لجزاء على القراءتين كلتيهما، وقرأ عبد الله بن مسعود «فجزاؤه مثل ما» بإظهار هاء يحتمل أن تعود على الصيد أو على الصائد القاتل، وقرأ أبو عبد الرحمن «فجزاء» بالرفع والتنوين «مثل ما» بالنصب، وقال أبو الفتح «مثل» منصوبة بنفس الجزاء أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل، واختلف العلماء في هذه المماثلة كيف تكون؟! فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى مثل الحيوان المقتول في الخلقة وعظم المرأى فيجعلون ذلك من النعم جزاءه، قال الضحاك بن مزاحم والسدي وجماعة من الفقهاء: في النعامة
وحمار الوحش ونحوه بدنة، وفي الوعل والإبل ونحوه بقرة، وفي الظبي ونحوه كبش، وفي الأرنب ونحوه ثنية من الغنم، وفي اليربوع حمل صغير، وما كان من جرادة ونحوها ففيها قبضة طعام، وما كان من طير فيقوم ثمنها طعاما فإن شاء تصدق به وإن شاء صام لكل صاع يوما، وإن أصاب بيض نعام فإنه يحمل الفحل على عدد ما أصاب من بكارة الإبل فما نتج منها أهداه إلى البيت وما فسد منها فلا شيء عليه فيه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: حكم عمر على قبيصة بن جابر في الظبي بشاة، وحكم هو وعبد الرحمن بن عوف، قال قبيصة: فقلت يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من أن تدعو من يحكم معك، قال: فضربني بالدرة حتى سابقته عدوا. ثم قال: أقتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمض الفتوى؟ وهذه القصة في الموطأ بغير هذه الألفاظ. وكذلك روي أنها نزلت بصاحب لقبيصة، وقبيصة هو راويها والله أعلم. وأما الأرنب واليربوع ونحوها فالحكم فيه عند مالك أن يقوم طعاما، فإن شاء تصدق به وإن شاء صام بدل كلّ مدّ يوما، وكذلك عنده الصيام في كفارة الجزاء إنما هو كله يوم بدل مد، وعند قوم صاع، وعند قوم بدل مدين، وفي حمام الحرم عند مالك شاة في الحمامة، وفي الحمام غيره حكومة وليس كحمام الحرم، وأما بيض النعام وسائر الطير ففي البيضة عند مالك عشر ثمن أمه، قال ابن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ صارخا بعد الكسر فإن استهل ففيه الجزاء كاملا كجزاء كبير ذلك الطير. قال ابن المواز: بحكومة عدلين، وقال ابن وهب: إن كان في بيضة النعامة فما دونها فرخ فعشر ثمن أمه، وإن لم يكن فصيام يوم أو مد لكل مسكين، وذهبت فرقة من أهل العلم منهم النخعي وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة، يقوّم الصيد المقتول ثم يشترى بقيمته من النعم ثم يهدى، ورد الطبري وغيره على هذا القول، والنّعم لفظ يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمع هذه الأصناف، فإذا انفرد كل صنف لم يقل «نعم» إلا للإبل وحدها، وقرأ الحسن «من النعم» بسكون العين وهي لغة، والجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه بحكم لفظ الآية، وذلك في المدونة ظاهر من مسألة الذي اصطاد طائرا فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار، قال لا جزاء عليه، وقصر القرآن هذه النازلة على حكمين عدلين عالمين بحكم النازلة وبالتقدير فيها، وحكم عمر وعبد الرحمن بن عوف وأمر أبا جرير البجلي أن يأتي رجلين من العدول ليحكما عليه في عنز من الظباء أصابها قال:
فأتيت عبد الرحمن وسعدا فحكما عليّ تيسا أعفر، ودعا ابن عمر ابن صفوان ليحكم معه في جزاء، وعلى هذا جمهور الناس وفقهاء الأمصار، وقال ابن وهب رحمه الله في العتبية: من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد كما خيره الله في أن يخرج هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما. فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي. فما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام، ثم خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوما.
وكذلك قال مالك في المدونة: إذا أراد المصيب أن يطعم أو يصوم وإن كان لما أصاب نظير من النعم فإنه يقوم صيده طعاما لا دراهم، قال: وإن قوموه دراهم واشتري بها طعام لرجوت أن يكون واسعا، والأول أصوب، فإن شاء أطعمه وإلا صام مكانه لكل مد يوما، وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ثم يقال كم من الطعام يشبع هذا
العدد، فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول حسن أحتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة فبهذا النظر يكثر الطعام، ومن أهل العلم من يرى أن لا يتجاوز في صيام الجزاء شهران، قالوا: لأنها أعلى الكفارات بالصيام، وقوله تعالى: هدياً بالغ الكعبة يقتضي هذا اللفظ أن يشخص بهذا الهدي حتى يبلغ، وذكرت الكعبة لأنها أم الحرم ورأس الحرمة، والحرم كله منحر لهذا الهدي فما وقف به بعرفة من هذا الجزاء فينحر بمنى، وما لم يوقف به فينحر بمكة وفي سائر بقاع الحرم، بشرط أن يدخل من الحل لا بد أن يجمع فيه بين حل وحرم حتى يكون بالغا الكعبة، وقرأ عبد الرحمن الأعرج «هديّا بالغ الكعبة» بكسر الدال وتشديد الياء، وهدياً نصب على الحال من الضمير في به، وقيل على المصدر، وبالغ نكرة في الحقيقة لم تزل الإضافة عنه الشياع، فتقديره بالغا الكعبة حذف تنويه تخفيفا، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي «أو كفارة» منونا «طعام مساكين» برفع طعام وإضافته إلى جمع المساكين، وقرأ نافع وابن عامر برفع الكفارة دون تنوين وخفض الطعام على الإضافة ومساكين بالجمع، قال أبو علي: إعراب طعام في قراءة من رفعه أنه عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة لأنها ليست للطعام إنما هي لقتل الصيد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا الكلام كله مبني على أن الكفارة هي الطعام وفي هذا نظر، لأن الكفارة هي تغطية الذنب بإعطاء الطعام، فالكفارة غير الطعام لكنها به، فيتجه في رفع الطعام البدل المحض، ويتجه قراءة من أضاف الكفارة إلى الطعام على أنها إضافة تخصيص، إذ كفارة هذا القتل قد تكون كفارة هدي أو كفارة طعام أو كفارة صيام، وقرأ الأعرج وعيسى بن عمر «أو كفارة» بالرفع والتنوين «طعام» بالرفع دون تنوين «مسكين» على الإفراد وهو اسم الجنس، وقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء: القاتل مخير في الرتب الثلاثة وإن كان غنيا، وهذا عندهم مقتضى أو، وقال ابن عباس وجماعة لا ينتقل المكفر من الهدي إلى الطعام إلا إذا لم يجد هديا، وكذلك لا يصوم إلا إذا لم يجد ما يطعم، وقاله إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان، قالوا: والمعنى أو كفارة طعام إن لم يجد الهدي. ومالك رحمه الله وجماعة معه يرى أن المقوم إنما هو الصيد المقتول بالطعام كما تقدم، وقال العراقيون إنما يقوم الجزاء طعاما، فمن قتل ظبيا قوم الظبي عند مالك وقوم عدله من الكباش أو غير ذلك عند أبي حنيفة وغيره، وحكى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوما قال: وإنما أريد بذكر الطعام تبيين أمر الصوم، ومن يجد طعاما فإنما يجد جزاء، وأسنده أيضا عن السدي.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويعترض هذا القول بظاهر لفظ الآية فإنه ينافره، والهدي لا يكون إلا في الحرم كما ذكرنا قبل.
واختلف الناس في الطعام فقال جماعة من العلماء: الإطعام والصيام حيث شاء المكفر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره «الهدي والإطعام بمكة والصوم حيث شئت»
وقوله تعالى: أو عدل ذلك صياماً قرأ الجمهور بفتح العين ومعناه: نظير الشيء بالموازنة والمقدار المعنوي، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري: «أو عدل» بكسر العين، قال أبو عمرو الداني ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الناس «العدل» بالفتح قدر الشيء من غير جنسه، وعدله بالكسر قدره من جنسه، نسبها مكي إلى الكسائي وهو وهم والصحيح عن الكسائي: أنهما لغتان في المثل، وهذه المنسوبة عبارة معترضة وإنما مقصد قائلها أن «العدل» بالكسر قدر الشيء موازنة على الحقيقة كعدلي البعير، وعدله قدره من شيء آخر موازنة معنوية، كما يقال في ثمن فرس هذا عدله من الذهب، ولا يتجه هنا كسر العين فيما حفظت، والإشارة بذلك في قوله عدل ذلك يحتمل أن تكون إلى الطعام، وعلى هذا انبنى قول من قال من الفقهاء الأيام التي تصام هي على عدد الأمداد أو الأصوع أو أنصافها حسب الخلاف الذي قد ذكرته في ذلك. ويحتم أن تكون الإشارة ب ذلك إلى الصيد المقتول، وعلى هذا انبنى قول من قال من العلماء:
الصوم في قتل الصيد إنما هو على قدر المقتول، وقال ابن عباس رضي الله عنه إن قتل المحرم ظبيا فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلا فعليه بقرة، فإن لم يجد فإطعام عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد تقدم لابن عباس رضي الله عنه قول غير هذا آنفا حكاهما عنه الطبري مسندين، ولا ينكر أن يكون له في هيئة التكفير قولان، وقال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: أو عدل ذلك صياماً قال يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة.
وقوله تعالى: ليذوق وبال أمره الذوق هنا مستعار كما قال تعالى: ذق إنّك أنت العزيز الكريم [الدخان: 49] وكما قال فأذاقها اللّه لباس الجوع [النحل: 112] وكما قال أبو سفيان: ذق عقق وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة السان، وهي في هذا كله مستعارة فيما بوشر بالنفس، والوبال سوء العاقبة، والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله، وعبر بأمره عن جميع حاله من قتل وتكفير وحكم عليه ومضي ماله أو تعبه بالصيام، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: عفا اللّه عمّا سلف فقال عطاء بن أبي رباح وجماعة معه: معناه عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتلكم الصيد في الحرمة ومن عاد الآن في الإسلام فإن كان مستحيلا فينتقم الله منه في الآخرة ويكفر في ظاهر الحكم، وإن كان عاصيا فالنقمة هي في إلزام الكفارة فقط، قالوا وكلما عاد المحرم فهو مكفر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويخاف المتورعون أن تبقى النقمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالك ونظائره وأصحابه رحمهم الله، وقال ابن عباس رضي الله عنه: المحرم إذا قتل مرارا ناسيا لإحرامه فإنه يكفر في كل مرة، فأما المتعمد العالم بإحرامه فإنه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه مع التكفير، فإن عاد ثانية فلا يحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله منك، كما قال الله، وقال بهذا القول شريح القاضي وإبراهيم النخعي ومجاهد، وقال سعيد بن جبير: رخص في قتل الصيد مرة فمن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا القول منه رضي الله عنه وعظ بالآية، وهو مع ذلك يرى أن يحكم عليه في العودة ويكفر لكنه خشي مع ذلك بقاء النقمة، وقال ابن زيد: معنى الآية عفا اللّه عمّا سلف لكم أيها المؤمنون من قتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم، قال وأما من عاد فقتل الصيد وهو عالم بالحرمة متعمد للقتل فهذا لا يحكم عليه، وهو موكول إلى نقمة الله، ومعنى قوله متعمّداً في صدر الآية أي متعمدا للقتل ناسيا للحرمة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد تقدم ذكر هذا الفصل، قال الطبري: وقال قوم: هذه الآية مخصوصة في شخص بعينه وأسند إلى زيد بن المعلى أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز له عنه ثم عاد فأرسل الله عليه نارا فأحرقته، فذلك قوله تعالى: ومن عاد فينتقم اللّه منه وقوله تعالى: واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ تنبيه على صفتين تقتضي خوف من له بصيرة، ومن خاف ازدجر، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل). [المحرر الوجيز: 3/253-262]

تفسير قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسّيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً واتّقوا اللّه الّذي إليه تحشرون (96) جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياماً للنّاس والشّهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أنّ اللّه يعلم ما في السّماوات وما في الأرض وأنّ اللّه بكلّ شيءٍ عليمٌ (97) اعلموا أنّ اللّه شديد العقاب وأنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ (98)
هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه، وهذا التحليل هو للمحرم وللحلال، والصيد هنا أيضا يراد به الصيد، وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب، والبحر الماء الكثير ملحا كان أو عذبا، وكل نهر كبير بحر، واختلف الناس في معنى قوله وطعامه قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هو ما قذف به وما طفا عليه لأن ذلك طعام لا صيد، وسأل رجل ابن عمر عن حيتان طرحها البحر فنهاه عنها ثم قرأ المصحف فقال لنافع الحقه فمره بأكلها فإنها طعام البحر، وهذا التأويل ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وجماعة: «طعامه» كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنائع تدخله فترده طعاما، وإنما الصيد الغريض، وقال قوم طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات ونحوه. وكره قوم خنزير الماء، وقال مالك رحمه الله: أنتم تقولون خنزير، ومذهبه إباحته، وقول أبي بكر وعمر هو أرجح الأقوال، وهو مذهب مالك، وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الحارث و «طعمه» بضم الطاء وسكون العين دون ألف ومتاعاً نصب على المصدر والمعنى متعكم به متاعا تنتفعون به وتأتدمون، ولكم يريد حاضري البحر ومدنه، وللسّيّارة المسافرين، وقال مجاهد أهل القرى هم المخاطبون، والسيارة أهل الأمصار.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: كأنه يريد أهل قرى البحر وأن السيارة من أهل الأمصار غير تلك القرى يجلبونه إلى الأمصار.
واختلف العلماء في مقتضى قوله وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً فتلقاه بعضهم على العموم من جميع جهاته، فقالوا إن المحرم لا يحل له أن يصيد ولا أن يأمر بصيد ولا أن يأكل صيدا صيد من أجله ولا من غير أجله، ولحم الصيد بأي وجه كان حرام على المحرم، وروي أن عثمان حج وحج معه علي بن أبي طالب فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال فأكل منه ولم يأكل علي، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي: وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً، وروي أن عثمان استعمل على العروض أبا سفيان بن الحارث فصاد يعاقيب فجعلها في حظيرة فمر به عثمان بن عفان فطبخهن وقدمهن إليه، وجاء علي بن أبي طالب فنهاهم عن الأكل، وذكر نحو ما تقدم قال: ثم لما كانوا بمكة أتي عثمان فقيل له هل لك في علي؟ أهدي له تصفيف حمار فهو يأكل منه، فأرسل إليه عثمان فسأله عن أكله التصفيف وقال له: أما أنت فتأكل وأما نحن فتنهانا فقال له علي: إنه صيد عام أول، وأنا حلال، فليس علي بأكله بأس، وصيد ذلك، يعني اليعاقيب وأنا محرم وذبحن وأنا حرام، وروي مثل قول علي عن ابن عباس وابن عمر وطاوس وسعيد بن جبير، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى بأسا للمحرم أن يأكل لحم الصيد الذي صاده الحلال لحلال مثله ولنفسه، وسئل أبو هريرة عن هذه النازلة فأفتى بالإباحة، ثم أخبر عمر بن الخطاب فقال له لو أفتيت بغير هذا لأوجعت رأسك بهذه الدرة، وسأل أبو الشعثاء ابن عمر عن هذه المسألة فقال له، كان عمر يأكله، قال: قلت فأنت؟ قال كان عمر خيرا مني، روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال، وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مثل قول علي بن أبي طالب، وروى عطاء عن كعب قال أقبلت في ناس محرمين فوجدنا لحم حمار وحشي فسألوني عن أكله فأفتيتهم بأكله، فقدمنا على عمر فأخبروه بذلك، فقال، قد أمرته عليكم حتى ترجعوا، وقال بمثل قول عمر بن الخطاب عثمان بن عفان رضي الله عنهما والزبير بن العوام وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلال والنبي محرم، قال الطبري وقال آخرون: إنما حرم على المحرم أن يصيد، فأما أن يشتري الصيد من مالك له فيذبحه فيأكله فذلك غير محرم ثم ذكر أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، اشترى قطا وهو بالعرج فأكله فعاب ذلك عليه الناس، ومالك رحمه الله يجيز للمحرم أن يأكل ما صاده الحلال وذبحه إذا كان لم يصده من أجل المحرم، فإن صيد من أجله فلا يأكله، وكذلك قال الشافعي، ثم اختلفا إن أكل، فقال مالك: عليه الجزاء وقال الشافعي لا جزاء عليه، وقرأ ابن عباس و «حرّم» بفتح الحاء والراء مشددة «صيد» بنصب الدال «ما دمتم حرما» بفتح الحاء، المعنى وحرم الله عليكم، وحرماً يقع للجميع والواحد كرضى وما أشبهه، والمعنى ما دمتم محرمين، فهي بالمعنى كقراءة الجماعة بضم الحاء والراء، ولا يختلف في أن ما لا زوال له من الماء أنه صيد بحر، وفيما لا زوال له من البر أنه صيد بر، واختلف فيما يكون في أحدهما وقد يعيش ويحيا في الآخر فقال مالك رحمه الله وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو من صيد البر إن قتله المحرم وداه: وذكر أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في المدونة، فإنه قال الضفادع من صيد البحر، وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه راعى أكثر عيش الحيوان، سئل عن ابن الماء أصيد بر أم صيد بحر؟
فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل الحب، وقوله تعالى: واتّقوا اللّه تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم.
ثم ذكر تعالى بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير). [المحرر الوجيز: 3/262-266]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 07:44 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 18 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 07:44 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم اللّه من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليمٌ (94) يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ (95)}
قال الوالبيّ، عن ابن عبّاسٍ قوله: {ليبلونّكم اللّه بشيءٍ من الصّيد تناله أيديكم ورماحكم} قال: هو الضّعيف من الصّيد وصغيره، يبتلي اللّه به عباده في إحرامهم، حتى لو شاؤوا يتناولونه بأيديهم. فنهاهم اللّه أن يقربوه.
وقال مجاهدٌ: {تناله أيديكم} يعني: صغار الصّيد وفراخه {ورماحكم} يعني: كباره.
وقال مقاتل بن حيّان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبيّة، فكانت الوحش والطّير والصّيد تغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قطّ فيما خلا فنهاهم اللّه عن قتله وهم محرمون.
{ليعلم اللّه من يخافه بالغيب} يعني: أنّه تعالى يبتليهم بالصّيد يغشاهم في رحالهم، يتمكّنون من أخذه بالأيدي والرّماح سرًّا وجهرًا ليظهر طاعة من يطيع منهم في سرّه وجهره، كما قال تعالى: {إنّ الّذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ} [الملك:12].
وقوله هاهنا: {فمن اعتدى بعد ذلك} قال السّدّيّ وغيره: يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتّقدّم {فله عذابٌ أليمٌ} أي: لمخالفته أمر اللّه وشرعه). [تفسير القرآن العظيم: 3/190]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ} وهذا تحريمٌ منه تعالى لقتل الصّيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه. وهذا إنّما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولّد منه ومن غيره، فأمّا غير المأكول من حيوانات البرّ، فعند الشّافعيّ يجوز للمحرم قتلها. والجمهور على تحريم قتلها أيضًا، ولا يستثنى من ذلك إلّا ما ثبت في الصّحيحين من طريق الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة أمّ المؤمنين؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم الغراب والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
وقال مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "خمسٌ من الدّوابّ ليس على المحرم في قتلهنّ جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". أخرجاه.
ورواه أيّوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، مثله. قال أيّوب، قلت لنافعٍ: فالحيّة؟ قال: الحية لا شك فيها، ولا يختلف في قتلها.
ومن العلماء -كمالكٍ وأحمد-من ألحق بالكلب العقور الذّئب، والسّبع، والنّمر، والفهد؛ لأنّها أشدّ ضررًا منه فاللّه أعلم. وقال سفيان بن عيينة وزيد بن أسلم: الكلب العقور يشمل هذه السّباع العادية كلّها. واستأنس من قال بهذا بما روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا دعا على عتبة بن أبي لهبٍ قال: "اللّهمّ سلّط عليه كلبك بالشّام" فأكله السّبع بالزّرقاء، قالوا: فإن قتل ما عداهنّ فداها كالضّبع والثّعلب وهرّ البرّ ونحو ذلك.
قال مالكٌ: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السّباع العوادي.
وقال الشّافعيّ [رحمه اللّه] يجوز للمحرم قتل كلّ ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره. وجعل العلّة الجامعة كونها لا تؤكل.
وقال أبو حنيفة: يقتل المحرم الكلب العقور والذّئب؛ لأنّه كلبٌ برّيٌّ، فإن قتل غيرهما فداه، إلّا أن يصول عليه سبعٌ غيرهما فيقتله فلا فداء عليه. وهذا قول الأوزاعيّ، والحسن بن صالح بن حييٍّ.
وقال زفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه.
وقال بعض النّاس: المراد بالغراب هاهنا الأبقع وهو الّذي في بطنه وظهره بياضٌ، دون الأدرع وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض؛ لما رواه النّسائيّ عن عمرو بن عليٍّ الفلاس، عن يحيى القطّان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن عائشة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "خمسٌ يقتلهنّ المحرم: الحيّة، والفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور".
والجمهور على أنّ المراد به أعمّ من ذلك؛ لما ثبت في الصّحيحين من إطلاق لفظه.
وقال مالكٌ، رحمه اللّه: لا يقتل المحرم الغراب إلّا إذا صال عليه وآذاه.
وقال مجاهد بن جبر وطائفةٌ: لا يقتله بل يرميه. ويروى مثله عن عليٍّ.
وقد روى هشيم: حدّثنا يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيدٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم؛ أنّه سئل عمّا يقتل المحرم، فقال: "الحيّة، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسّبع العادي".
رواه أبو داود عن أحمد بن حنبلٍ، والتّرمذيّ عن أحمد بن منيعٍ، كلاهما عن هشيم. وابن ماجه، عن أبي كريم عن محمّد بن فضيلٍ، كلاهما عن يزيد بن أبي زيادٍ، وهو ضعيفٌ، به. وقال التّرمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
وقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمّدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثنا ابن عليّة، عن أيّوب قال: نبّئت عن طاوسٍ قال: لا يحكم على من أصاب صيدًا خطأً، إنّما يحكم على من أصابه متعمّدًا.
وهذا مذهبٌ غريبٌ عن طاوسٍ، وهو متمسّكٌ بظاهر الآية.
وقال مجاهد بن جبيرٍ: المراد بالمتعمّد هنا القاصد إلى قتل الصّيد، النّاسي لإحرامه. فأمّا المتعمّد لقتل الصّيد مع ذكره لإحرامه، فذاك أمره أعظم من أن يكفر، وقد بطل إحرامه.
رواه ابن جريرٍ عنه من طريق ابن أبي نجيح وليث بن أبي سليمٍ وغيرهما، عنه. وهو قولٌ غريبٌ أيضًا. والّذي عليه الجمهور أنّ العامد والنّاسي سواءٌ في وجوب الجزاء عليه. قال الزّهريّ: دلّ الكتاب على العامد، وجرت السّنّة على النّاسي، ومعنى هذا أنّ القرآن دلّ على وجوب الجزاء على المتعمّد وعلى تأثيمه بقوله: {ليذوق وبال أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه} وجاءت السّنّة من أحكام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دلّ الكتاب عليه في العمد، وأيضًا فإنّ قتل الصّيد إتلافٌ، والإتلاف مضمونٌ في العمد وفي النّسيان، لكنّ المتعمّد مأثومٌ والمخطئ غير ملوم.
وقوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} وحكى ابن جريرٍ أنّ ابن مسعودٍ قرأها: "فجزاؤه مثل ما قتل من النّعم".
وفي قوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم} على كلٍّ من القراءتين دليلٌ لما ذهب إليه مالكٌ، والشّافعيّ، وأحمد، والجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إذا كان له مثلٌ من الحيوان الإنسيّ، خلافًا لأبي حنيفة، رحمه اللّه، حيث أوجب القيمة سواءٌ كان الصّيد المقتول مثليًّا أو غير مثليٍّ، قال: وهو مخيّرٌ إن شاء تصدّق بثمنه، وإن شاء اشترى به هديًا. والّذي حكم به الصّحابة في المثل أولى بالاتّباع، فإنّهم حكموا في النّعامة ببدنةٍ، وفي بقرة الوحش ببقرةٍ، وفي الغزال بعنزٍ وذكر قضايا الصّحابة وأسانيدها مقرّرٌ في كتاب "الأحكام"، وأمّا إذا لم يكن الصّيد مثليًّا فقد حكم ابن عبّاسٍ فيه بثمنه، يحمل إلى مكّة. رواه البيهقيّ. وقوله: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم} يعني أنّه يحكم بالجزاء في المثل، أو بالقيمة في غير المثل، عدلان من المسلمين، واختلف العلماء في القاتل: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين:
أحدهما: " لا؛ لأنّه قد يتّهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالكٍ.
والثّاني: نعم؛ لعموم الآية. وهو مذهب الشّافعيّ، وأحمد.
واحتجّ الأوّلون بأنّ الحاكم لا يكون محكومًا عليه في صورةٍ واحدةٍ.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدّثنا جعفرٌ -هو ابن برقان-عن ميمون بن مهران؛ أنّ أعرابيًّا أتى أبا بكرٍ قال: قتلت صيدًا وأنا محرمٌ، فما ترى عليّ من الجزاء؟ فقال أبو بكرٍ، رضي اللّه عنه، لأبيّ بن كعبٍ وهو جالسٌ عنده: ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابيّ: أتيتك وأنت خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسألك، فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكرٍ: وما تنكر؟ يقول اللّه تعالى: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم} فشاورت صاحبي حتّى إذا اتّفقنا على أمرٍ أمرناك به.
وهذا إسنادٌ جيّدٌ، لكنّه منقطعٌ بين ميمونٍ وبين الصّدّيق، ومثله يحتمل هاهنا. فبيّن له الصّدّيق الحكم برفقٍ وتؤدة، لمّا رآه أعرابيًّا جاهلًا وإنّما دواء الجهل التّعليم، فأمّا إذا كان المعترض منسوبًا إلى العلم، فقد قال ابن جريرٍ:
حدّثنا هنّاد وأبو هشامٍ الرّفاعيّ قالا حدّثنا وكيع بن الجرّاح، عن المسعوديّ، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن قبيصة بن جابرٍ قال: خرجنا حجّاجًا، فكنّا إذا صلّينا الغداة اقتدنا رواحلنا نتماشى نتحدّث، قال: فبينما نحن ذات غداةٍ إذ سنح لنا ظبيٌ -أو: برح-فرماه رجلٌ كان معنا بحجرٍ فما أخطأ خشّاءه فركب ردعه ميّتًا، قال: فعظّمنا عليه، فلمّا قدمنا مكّة خرجت معه حتّى أتينا عمر رضي اللّه عنه، قال: فقصّ عليه القصّة قال: وإلى جنبه رجلٌ كأنّ وجهه قلب فضّةٍ -يعني عبد الرّحمن بن عوفٍ-فالتفت عمر إلى صاحبه فكلّمه قال: ثمّ أقبل على الرّجل فقال: أعمدًا قتلته أم خطأً؟ قال الرّجل: لقد تعمّدت رميه، وما أردت قتله. فقال عمر: ما أراك إلّا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاةٍ فاذبحها وتصدّق بلحمها واستبق إهابها. قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيّها الرّجل، عظّم شعائر اللّه، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتّى سأل صاحبه: اعمد إلى ناقتك فانحرها، ففعل ذاك. قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم} قال: فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلّا ومعه الدّرّة. قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدّرّة، وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفّهت الحكم؟ قال: ثمّ أقبل عليّ فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحلّ لك اليوم شيئًا يحرم عليك منّي، قال: يا قبيصة بن جابرٍ، إنّي أراك شابّ السّنّ، فسيح الصّدر، بيّن اللّسان، وإنّ الشّابّ يكون فيه تسعة أخلاقٍ حسنةٍ وخلقٌ سيّئٌ، فيفسد الخلق السّيّئ الأخلاق الحسنة، فإيّاك وعثرات الشّباب.
وقد روى هشيم هذه القصّة، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن قبيصة، بنحوه. ورواها أيضًا عن حصين، عن الشّعبيّ، عن قبيصة، بنحوه. وذكرها مرسلة عن عمر: بن بكر بن عبد اللّه المزنيّ، ومحمّد بن سيرين.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن بشّار، حدّثنا عبد الرّحمن، حدّثنا شعبة، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، أخبرني أبو جريرٍ البجليّ قال: أصبت ظبيًا وأنا محرمٌ، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك. فأتيت عبد الرّحمن وسعدًا، فحكما عليّ بتيس أعفر.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن وكيع، حدّثنا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارقٍ قال: أوطأ أربد ظبيًا فقتلته وهو محرمٌ فأتى عمر؛ ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جديًا، قد جمع الماء والشّجر. ثمّ قال عمر: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم}
وفي هذا دلالةٌ على جواز كون القاتل أحد الحكمين، كما قاله الشّافعيّ وأحمد، رحمهما اللّه.
واختلفوا: هل تستأنف الحكومة في كلّ ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدلٍ، وإن كان قد حكم من قبله الصّحابة، أو يكتفي بأحكام الصّحابة المتقدّمة؟ على قولين، فقال الشّافعيّ وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصّحابة وجعلاه شرعًا مقرّرًا لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه الصّحابة يرجع فيه إلى عدلين. وقال مالكٌ وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كلّ فردٍ فردٍ، سواءٌ وجد للصّحابة في مثله حكمٌ أم لا؛ لقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم}
وقوله تعالى: {هديًا بالغ الكعبة} أي: واصلًا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم، بأن يذبح هناك، ويفرّق لحمه على مساكين الحرم. وهذا أمرٌ متّفقٌ عليه في هذه الصّورة.
وقوله: {أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا} أي: إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم أو لم يكن الصّيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتّخيير في هذا المقام من الجزاء والإطعام والصّيام، كما هو قول مالكٍ، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمّد بن الحسن، وأحد قولي الشّافعيّ، والمشهور عن أحمد رحمهم اللّه، لظاهر الآية "أو" فإنّها للتّخيير. والقول الآخر: أنّها على التّرتيب.
فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوّم الصّيد المقتول عند مالكٍ، وأبي حنيفة وأصحابه، وحمّادٍ، وإبراهيم. وقال الشّافعيّ: يقوّم مثله من النّعم لو كان موجودًا، ثمّ يشترى به طعامٌ ويتصدّق به، فيصرف لكلّ مسكينٍ مدٌ منه عند الشّافعيّ، ومالكٍ، وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جريرٍ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كلّ مسكين مدّين، وهو قول مجاهدٍ.
وقال أحمد: مدّ من حنطةٍ، أو مدّان من غيره. فإن لم يجد، أو قلنا بالتّخيير صام عن إطعام كلّ مسكينٍ يومًا.
وقال ابن جريرٍ: وقال آخرون: يصوم مكان كلّ صاعٍ يومًا. كما في جزاء المترفّه بالحلق ونحوه، فإنّ الشّارع أمر كعب بن عجرة أن يقسم فرقًا بين ستّةٍ، أو يصوم ثلاثة أيّامٍ، والفرق ثلاثة آصعٍ.
واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشّافعيّ: محلّه الحرم، وهو قول عطاءٍ. وقال مالكٌ: يطعم في المكان الّذي أصاب فيه الصّيد، أو أقرب الأماكن إليه. وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره.
ذكر أقوال السّلف في هذا المقام:
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا يحيى بن المغيرة، حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا} قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النّعم، فإن وجد جزاءه، ذبحه فتصدّق به. وإن لم يجد نظر كم ثمنه، ثمّ قوّم ثمنه طعامًا، فصام مكان كلّ نصف صاعٍ يومًا، قال: {أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا} قال: إنّما أريد بالطّعام الصّيام، أنّه إذ وجد الطّعام وجد جزاؤه.
ورواه ابن جريرٍ، من طريق جريرٍ.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {هديًا بالغ الكعبة أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا} إذا قتل المحرم شيئًا من الصّيد، حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه، فعليه شاةٌ تذبح بمكّة. فإن لم يجد فإطعام ستّة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ. فإن قتل إبلا أو نحوه، فعليه بقرةٌ. فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا. فإن لم يجد صام عشرين يومًا. وإنّ قتل نعامةً أو حمار وحشٍ أو نحوه، فعليه بدنةٌ من الإبل. فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا. فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا.
رواه ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ، وزاد: والطّعام مدٌّ مدّ تشبعهم.
وقال جابرٌ الجعفي، عن عامرٍ الشّعبيّ وعطاءٍ ومجاهدٍ: {أو عدل ذلك صيامًا} قالوا: إنّما الطّعام لمن لا يبلغ الهدي. رواه ابن جريرٍ.
وكذا روى ابن جريج عن مجاهدٍ، وأسباطٍ عن السّدّي أنّها على التّرتيب.
وقال عطاءٌ، وعكرمة، ومجاهدٌ -في رواية الضّحّاك-وإبراهيم النّخعي: هي على الخيار. وهو رواية اللّيث، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ. واختار ذلك ابن جريرٍ، رحمه اللّه تعالى.
وقوله: {ليذوق وبال أمره} أي: أوجبنا عليه الكفّارة ليذوق عقوبة فعله الّذي ارتكب فيه المخالفة {عفا اللّه عمّا سلف} أي: في زمان الجاهليّة، لمن أحسن في الإسلام واتّبع شرع اللّه، ولم يرتكب المعصية.
ثمّ قال: {ومن عاد فينتقم اللّه منه} أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشّرعيّ إليه فينتقم اللّه منه واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ
قال ابن جريج، قلت لعطاءٍ: ما {عفا اللّه عمّا سلف} قال: عمّا كان في الجاهليّة. قال: قلت: وما {ومن عاد فينتقم اللّه منه}؟ قال: ومن عاد في الإسلام، فينتقم اللّه منه، وعليه مع ذلك الكفّارة قال: قلت: فهل في العود حدّ تعلمه؟ قال: لا. قال: قلت: فترى حقًّا على الإمام أن يعاقبه؟ قال: لا هو ذنبٌ أذنبه فيما بينه وبين اللّه، عزّ وجلّ، ولكن يفتدي. رواه ابن جريرٍ.
وقيل معناه: فينتقم اللّه منه بالكفّارة. قاله سعيد بن جبيرٍ، وعطاءٌ.
ثمّ الجمهور من السّلف والخلف، على أنّه متى قتل المحرم الصّيد وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثّانية وإن تكرّر ما تكرّر، سواءٌ الخطأ في ذلك والعمد.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قال: من قتل شيئًا من الصّيد خطأً، وهو محرمٌ، يحكم عليه فيه كلّما قتله، وإن قتله عمدًا يحكم عليه فيه مرّةً واحدةً، فإن عاد يقال له: ينتقم اللّه منك كما قال اللّه، عزّ وجلّ.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا عمرو بن عليٍّ، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ وابن أبي عديٍّ جميعًا، عن هشامٍ -هو ابن حسّانٍ-عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ فيمن أصاب صيدًا فحكم عليه ثمّ عاد، قال: لا يحكم عليه، ينتقم اللّه منه.
وهكذا قال شريح، ومجاهدٌ، وسعيد بن جبيرٍ، والحسن البصريّ، وإبراهيم النّخعي. رواهنّ ابن جريرٍ، ثمّ اختار القول الأوّل.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا العبّاس بن يزيد العبديّ، حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن زيدٍ أبي المعلّى، عن الحسن البصريّ؛ أنّ رجلًا أصاب صيدًا، فتجوّز عنه، ثمّ عاد فأصاب صيدًا آخر، فنزلت نارٌ من السّماء فأحرقته فهو قوله: {ومن عاد فينتقم اللّه منه}
وقال ابن جريرٍ في قوله: {واللّه عزيزٌ ذو انتقامٍ} يقول عزّ ذكره: واللّه منيعٌ في سلطانه لا يقهره قاهرٌ، ولا يمنعه من الانتقام ممّن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانعٌ؛ لأنّ الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزّة والمنعة.
وقوله: {ذو انتقامٍ} يعني: أنّه ذو معاقبةٍ لمن عصاه على معصيته إياه). [تفسير القرآن العظيم: 3/190-196]

تفسير قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا واتّقوا اللّه الّذي إليه تحشرون (96) جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قيامًا للنّاس والشّهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أنّ اللّه يعلم ما في السّماوات وما في الأرض وأنّ اللّه بكلّ شيءٍ عليمٌ (97) اعلموا أنّ اللّه شديد العقاب وأنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ (98) ما على الرّسول إلا البلاغ واللّه يعلم ما تبدون وما تكتمون (99)}
قال ابن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ -في روايةٍ عنه-وسعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبيرٍ، وغيرهم في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر} يعني: ما يصطاد منه طريًّا {وطعامه} ما يتزوّد منه مليحًا يابسًا.
وقال ابن عبّاسٍ في الرّواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حيًّا {وطعامه} ما لفظه ميّتًا.
وهكذا روي عن أبي بكرٍ الصّدّيق وزيد بن ثابتٍ، وعبد اللّه بن عمرٍو، وأبي أيّوب الأنصاريّ، رضي اللّه عنهم. وعكرمة، وأبي سلمة بن عبد الرّحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصريّ.
قال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن أبي بكرٍ الصّدّيق أنّه قال: {وطعامه} كلّ ما فيه. رواه ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن حميدٍ، حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن سماك قال: حدّثت عن ابن عبّاسٍ قال: خطب أبو بكرٍ النّاس فقال: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم} وطعامه ما قذف.
قال: وحدّثنا يعقوب، حدّثنا ابن عليّة، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلز، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه} قال {وطعامه} ما قذف.
وقال عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: {وطعامه} ما لفظ من ميتةٍ. ورواه ابن جريرٍ أيضًا.
وقال سعيد بن المسيّب: طعامه ما لفظه حيًّا، أو حسر عنه فمات. رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن بشّار، حدّثنا عبد الوهّاب، حدّثنا أيّوب، عن نافعٍ؛ أنّ عبد الرّحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: إنّ البحر قد قذف حيتانًا كثيرًا ميتًا أفنأكله؟ فقال: لا تأكلوه. فلمّا رجع عبد اللّه إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى هذه الآية {وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} فقال: اذهب فقل له فليأكله، فإنّه طعامه.
وهكذا اختار ابن جريرٍ أنّ المراد بطعامه ما مات فيه، قال: وقد روي في ذلك خبرٌ، وإنّ بعضهم يرويه موقوفًا.
حدّثنا هنّاد بن السّرّي قال: حدّثنا عبدة بن سليمان، عن محمّد بن عمرٍو، حدّثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم} قال: طعامه ما لفظه ميّتًا".
ثمّ قال: وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة: حدّثنا هنّادٌ، حدّثنا ابن أبي زائدة، عن محمّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه} قال: طعامه: ما لفظه ميّتًا.
وقوله: {متاعًا لكم وللسّيّارة} أي: منفعةً وقوتًا لكم أيّها المخاطبون {وللسّيّارة} وهو جمع سيّار. قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر وللسّيّارة: السفر.
وقال غيره: الطّريّ منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، و {طعامه} ما مات فيه أو اصطيد منه وملّح وقدّد زادًا للمسافرين والنّائين عن البحر.
وقد روي نحوه عن ابن عبّاسٍ، ومجاهدٍ، والسّدّي وغيرهم. وقد استدلّ جمهور العلماء على حلّ ميتة البحر بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك بن أنسٍ، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللّه قال: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعثًا قبل السّاحل، فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح، وهم ثلاثمائةٍ، قال: وأنا فيهم. قال: فخرجنا، حتّى إذا كنّا ببعض الطّريق فني الزّاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كلّه، فكان مزودي تمرٍ، قال: فكان يقوّتنا كلّ يومٍ قليلًا قليلًا حتّى فني، فلم يكن يصيبنا إلّا تمرةً تمرةً. فقلت: وما تغني تمرةٌ؟ فقال: فقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثمّ انتهينا إلى البحر، فإذا حوتٌ مثل الظّرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلةً. ثمّ أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثمّ أمر براحلةٍ فرحلت، ومرّت تحتهما فلم تصبهما.
وهذا الحديث مخرّجٌ في الصّحيحين وله طرقٌ عن جابرٍ.
وفي صحيح مسلمٍ من رواية أبي الزّبير، عن جابرٍ: فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضّخم، فأتيناه فإذا بدابّةٍ يقال لها: العنبر قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثمّ قال: لا نحن رسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي سبيل اللّه، وقد اضطررتم فكلوا قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائةٍ حتّى سمنّا. ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدّهن، ونقتطع منه الفدر كالثّور، أو: كقدر الثّور، قال: ولقد أخذ منّا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثمّ رحل أعظم بعيرٍ معنا فمرّ من تحتها، وتزوّدنا من لحمه وشائق. فلمّا قدمنا المدينة أتينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فذكرنا ذلك له، فقال: "هو رزقٌ أخرجه اللّه لكم، هل معكم من لحمه شيءٌ فتطعمونا؟ " قال: فأرسلنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منه فأكله. وفي بعض روايات مسلمٍ: أنّهم كانوا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين وجدوا هذه السّمكة. فقال بعضهم: هي واقعةٌ أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضيّةٌ واحدةٌ، ولكن كانوا أوّلًا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ بعثهم سريّةً مع أبي عبيدة، فوجدوا هذه في سريّتهم تلك مع أبي عبيدة، والله أعلم.
وقال مالكٌ، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة -من آل ابن الأزرق: أنّ المغيرة بن أبي بردة-وهو من بني عبد الدّار-أخبره، أنّه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه، إنّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضّأنا به عطشنا، أفنتوضّأ بماء البحر؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته".
وقد روى هذا الحديث الإمامان الشّافعيّ، وأحمد بن حنبلٍ، وأهل السّنن الأربعة، وصحّحه البخاريّ، والتّرمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهم. وقد روي عن جماعةٍ من الصّحابة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والتّرمذيّ، وابن ماجه، من طرقٍ، عن حمّاد بن سلمة: حدّثنا أبو المهزّم -هو يزيد بن سفيان-سمعت أبا هريرة يقول: كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حجٍّ -أو عمرةٍ-فاستقبلنا رجل جراد، فجعلنا نضربهنّ بعصيّنا وسياطنا فنقتلهنّ، فأسقط في أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "لا بأس بصيد البحر"
أبو المهزّم ضعيفٌ، واللّه أعلم.
وقال ابن ماجه: حدّثنا هارون بن عبد اللّه الحمّال، حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا زياد بن عبد اللّه عن علاثة، عن موسى بن محمّد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابرٍ وأنس بن مالكٍ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا دعا على الجراد قال: "اللّهمّ أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنّك سميع الدّعاء". فقال خالدٌ: يا رسول اللّه، كيف تدعو على جندٍ من أجناد اللّه بقطع دابره؟ فقال: "إنّ الجراد نثرة الحوت في البحر". قال هاشمٌ: قال زيادٌ: فحدّثني من رأى الحوت ينثره. تفرّد به ابن ماجه.
وقد روى الشّافعيّ، عن سعيدٍ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنّه أنكر على من يصيد الجراد في الحرم.
وقد احتجّ بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنّه تؤكل دوابّ البحر، ولم يستثن من ذلك شيئًا. وقد تقدّم عن الصّدّيق أنّه قال: {طعامه} كلّ ما فيه.
وقد استثنى بعضهم الضّفادع وأباح ما سواها؛ لما رواه الإمام أحمد، وأبو داود والنّسائيّ من رواية ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد بن خالدٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن عبد الرّحمن بن عثمان التّيميّ؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم "نهى عن قتل الضفدع".
وللنّسائيّ عن عبد اللّه بن عمرٍو قال: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل الضّفدع، وقال: نقيقها تسبيحٌ.
وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السّمك، ولا يؤكل الضّفدع. واختلفوا فيما سواهما، فقيل: يؤكل سائر ذلك، وقيل: لا يؤكل. وقيل: ما أكل شبهه من البرّ أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل. وهذه كلّها وجوهٌ في مذهب الشّافعيّ، رحمه اللّه.
قال أبو حنيفة، رحمه اللّه: لا يؤكل ما مات في البحر، كما لا يؤكل ما مات في البرّ؛ لعموم قوله: {حرّمت عليكم الميتة} [المائدة: 3].
وقد ورد حديثٌ بنحو ذلك، فقال ابن مردويه:
حدّثنا عبد الباقي -هو ابن قانعٍ-حدّثنا الحسين بن إسحاق التّستريّ وعبد اللّه بن موسى بن أبي عثمان قالا حدّثنا الحسين بن زيدٍ الطّحّان، حدّثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئبٍ، عن أبي الزّبير، عن جابرٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما صدتموه وهو حيٌّ فمات فكلوه، وما ألقى البحر ميّتًا طافيًا فلا تأكلوه".
ثمّ رواه من طريق إسماعيل بن أميّة، ويحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزّبير عن جابرٍ به. وهو منكرٌ.
وقد احتجّ الجمهور من أصحاب مالكٍ، والشّافعيّ، وأحمد بن حنبلٍ، بحديث "العنبر" المتقدّم ذكره، وبحديث: "هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته"، وقد تقدّم أيضًا.
وروى الإمام أبو عبد اللّه الشّافعيّ، عن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أحلّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدّمان فالكبد والطّحال".
ورواه أحمد وابن ماجه، والدّارقطنيّ والبيهقيّ. وله شواهد، وروي موقوفًا، واللّه أعلم.
وقوله: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا} أي: في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد. ففيه دلالةٌ على تحريمٍ ذلك فإذا اصطاد المحرم الصّيد متعمّدًا أثم وغرم، أو مخطئًا غرّم وحرم عليه أكله؛ لأنّه في حقّه كالميتة، وكذا في حقّ غيره من المحرمين والمحلّين عند مالكٍ والشّافعيّ -في أحد قوليه-وبه يقول عطاءٌ، والقاسم، وسالمٌ، وأبو يوسف، ومحمّد بن الحسن، وغيرهم. فإن أكله أو شيئًا منه، فهل يلزمه جزاءٌ؟ فيه قولان للعلماء:
أحدهما: نعم، قال عبد الرّزّاق، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، قال: إن ذبحه ثمّ أكله فكفّارتان، وإليه ذهب طائفةٌ.
والثّاني: لا جزاء عليه بأكله. نصّ عليه مالك بن أنسٍ.
قال أبو عمر بن عبد البرّ: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء. ثمّ وجّهه أبو عمر بما لو وطئ ثمّ وطئ ثمّ وطئ قبل أن يحدّ، فإنّما عليه حدٌّ واحدٌ.
وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل.
وقال أبو ثورٍ: إذا قتل المحرم الصّيد فعليه جزاؤه، وحلالٌ أكل ذلك الصّيد، إلّا أنّني أكرهه للّذي قتله، للخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "صيد البرّ لكم حلالٌ، ما لم تصيدوه
أو يصد لكم".
وهذا الحديث سيأتي بيانه. وقوله بإباحته للقاتل غريبٌ، وأمّا لغيره ففيه خلافٌ. قد ذكرنا المنع عمّن تقدّم. وقال آخرون. بإباحته لغير القاتل، سواءٌ المحرمون والمحلّون؛ لهذا الحديث. واللّه أعلم.
وأمّا إذا صاد حلال صيدًا فأهداه إلى محرمٍ، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقًا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده لأجله أم لا. حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البرّ، عن عمر بن الخطّاب، وأبي هريرة، والزّبير بن العوّام، وكعب الأحبار، ومجاهدٍ وعطاءٍ -في روايةٍ-وسعيد بن جبيرٍ. قال: وبه قال الكوفيّون.
قال ابن جريرٍ: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن بزيع، حدّثنا بشر بن المفضّل، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، أنّ سعيد بن المسيّب حدّثه، عن أبي هريرة؛ أنّه سئل عن لحم صيدٍ صاده حلال، أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله. ثمّ لقي عمر بن الخطّاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك.
وقال آخرون: لا يجوز أكل الصّيد للمحرم بالكلّيّة، ومنعوا من ذلك مطلقًا؛ لعموم هذه الآية الكريمة.
وقال عبد الرّزّاق، عن معمر، عن ابن طاوسٍ وعبد الكريم بن أبي أميّة، عن طاوسٍ، عن ابن عبّاسٍ؛ أنّه كره أكل لحم الصّيد للمحرم. وقال: هي مبهمةٌ. يعني قوله: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا}.
قال: وأخبرني معمرٌ، عن الزّهريّ، عن ابن عمر؛ أنّه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصّيد على كل حال.
قال معمرٌ: وأخبرني أيّوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، مثله.
قال ابن عبد البرّ: وبه قال طاوسٌ، وجابر بن زيدٍ، وإليه ذهب الثوري، وإسحاق بن راهويه -في روايةٍ-وقد روي نحوه عن عليّ بن أبي طالبٍ، رواه ابن جريرٍ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب: أنّ عليًّا كره لحم الصّيد للمحرم على كلّ حالٍ.
وقال مالكٌ، والشّافعيّ، وأحمد بن حنبلٍ، وإسحاق بن راهويه -في روايةٍ-والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصّيد، لم يجز للمحرم أكله؛ لحديث الصّعب بن جثّامة: أنّه أهدى للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء -أو: بودّان-فردّه عليه، فلمّا رأى ما في وجهه قال: "إنّا لم نردّه عليك إلّا أنّا حرم".
وهذا الحديث مخرّجٌ في الصّحيحين، وله ألفاظٌ كثيرةٌ قالوا: فوجهه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ظنّ أنّ هذا إنّما صاده من أجله، فردّه لذلك. فأمّا إذا لم يقصده بالاصطياد فإنّه يجوز له الأكل منه؛ لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش، كان حلالًا لم يحرم، وكان أصحابه محرمين، فتوقّفوا في أكله. ثمّ سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "هل كان منكم أحدٌ أشار إليها، أو أعان في قتلها؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا". وأكل منها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وهذه القصّة ثابتةٌ أيضًا في الصّحيحين بألفاظٍ كثيرةٍ.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا سعيد بن منصورٍ وقتيبة بن سعيدٍ قالا حدّثنا يعقوب بن عبد الرّحمن، عن عمرو بن أبي عمرٍو، عن المطّلب بن عبد اللّه بن حنطب، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم -وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم-يقول: "صيد البرّ لكم حلالٌ -قال سعيدٌ: وأنتم حرمٌ-ما لم تصيدوه أو يصد لكم".
وكذا رواه أبو داود والتّرمذيّ والنّسائيّ جميعًا، عن قتيبة. وقال التّرمذيّ: لا نعرف للمطّلب سماعًا من جابرٍ.
ورواه الإمام محمّد بن إدريس الشّافعيّ، من طريق عمرو بن أبي عمرٍو، عن مولاه المطّلب، عن جابرٍ ثمّ قال: وهذا أحسن حديثٍ روي في هذا الباب وأقيس.
وقال مالكٌ، عن عبد اللّه بن أبي بكرٍ، عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفّان بالعرج، وهو محرمٌ في يومٍ صائفٍ، قد غطّى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أولا تأكل أنت؟ فقال: إنّي لست كهيئتكم، إنّما صيد من أجلي). [تفسير القرآن العظيم: 3/196-203]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:22 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة