العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة المائدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 10:16 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير سورة المائدة [ من الآية (82) إلى الآية (86) ]

تفسير سورة المائدة
[ من الآية (82) إلى الآية (86) ]

بسم الله الرحمن الرحيم
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:06 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى الذين قالوا إنا نصارى قال تسموا بقرية يقال لها ناصرة وكان عيسى بن مريم ينزلها). [تفسير عبد الرزاق: 1/187]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا قال نزلت في النجاشي وأصحابه إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين). [تفسير عبد الرزاق: 1/190]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: لتجدنّ يا محمّد أشدّ النّاس عداوةً للّذين صدّقوك واتّبعوك وصدّقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام اليهود والّذين أشركوا يعني عبدة الأوثان الّذين اتّخذوا الأوثان آلهةً يعبدونها من دون اللّه ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا، يقول ولتجدنّ أقرب النّاس مودّةً ومحبّةً. والمودّة: المفعلة من قول الرّجل: وددت كذا أودّه ودًّا وودًّا وودًّا ومودّةً، إذا أحببته. للّذين آمنوا، يقول: للّذين صدقوا اللّه ورسوله محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم. الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون عن قبول الحقّ واتّباعه والإذعان به.
وقيل: إنّ هذه الآية والّتي بعدها نزلت في نفرٍ قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من نصارى الحبشة، فلمّا سمعوا القرآن أسلموا واتّبعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقيل: إنّها نزلت في النّجاشيّ ملك الحبشة وأصحابٍ له أسلموا معه:.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن أبي الشّوارب، قال: حدّثنا عبد الواحد بن زيادٍ، قال: حدّثنا خصيفٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: بعث النّجاشيّ وفدًا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقرأ عليهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلموا. قال: فأنزل اللّه تعالى فيهم: {لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا} إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النّجاشيّ فأخبروه، فأسلم النّجاشيّ، فلم يزل مسلمًا حتّى مات. قال: فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ أخاكم النّجاشيّ قد مات، فصلّوا عليه، فصلّى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة، والنّجاشيّ ثم.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى}، قال: هم الوفد الّذين جاءوا مع جعفرٍ وأصحابه من أرض الحبشة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى}، قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بمكّة خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالبٍ وابن مسعودٍ وعثمان بن مظعونٍ في رهطٍ من أصحابه إلى النّجاشيّ ملك الحبشة، فلمّا بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاص في رهطٍ منهم، ذكر أنّهم سبقوا أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى النّجاشيّ، فقالوا: إنّه خرج فينا رجلٌ سفّه عقول قريشٍ وأحلامها، زعم أنّه نبيّ، وإنّه بعث إليك رهطًا ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون. فقدم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأموا باب النّجاشيّ فقالوا: أستأذن لأولياء اللّه؟ فقال: ائذن لهم، فمرحبًا بأولياء اللّه، فلمّا دخلوا عليه سلّموا، فقال له الرّهط من المشركين: ألا ترى أيّها الملك أنّا صدقناك، لم يحيّوك بتحيّتك الّتي تحيّا بها؟ فقال لهم: ما منعكم أن تحيّوني بتحيّتي؟
فقالوا: إنّا حيّيناك بتحيّة أهل الجنّة وتحيّة الملائكة. قال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمّه؟ قال: يقول: هو عبد اللّه وكلمةٌ من اللّه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، ويقول في مريم: إنّها العذراء البتول. قال: فأخذ عودًا من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمّه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود، فكره المشركون قوله، وتغيّرت وجوههم. قال لهم: هل تعرفون شيئًا ممّا أنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا، فقرؤوا، وهنالك منهم قسّيسون ورهبانٌ وسائر النّصارى، فعرفت كلّ ما قرأوا، وانحدرت دموعهم ممّا عرفوا من الحقّ. قال اللّه تعالى ذكره: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول} الآية.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثني أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى} الآية. قال: بعث النّجاشيّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اثني عشر رجلاً من الحبشة، سبعةً قسّيسين وخمسةً رهبانًا، ينظرون إليه ويسألونه. فلمّا لقوه فقرأ عليهم ما أنزل اللّه بكوا وآمنوا، فأنزل اللّه عليه فيهم: {وأنّهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين}، فآمنوا ثمّ رجعوا إلى النّجاشيّ، فهاجر النّجاشيّ معهم، فمات في الطّريق، فصلّى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون واستغفروا له.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال عطاءٌ في قوله: {ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى} الآية، هم ناسٌ من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين.
وقال آخرون: بل هذه صفة قومٍ كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلمّا بعث اللّه تعالى ذكره نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم آمنوا به.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا}، فقرأ حتّى بلغ {فاكتبنا مع الشّاهدين}: أناسٌ من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحقّ ممّا جاء به عيسى، يؤمنون به وينتهون إليه، فلمّا بعث اللّه نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم صدّقوا به وآمنوا، وعرفوا الّذي جاء به أنّه الحقّ، فأثنى عليهم ما تسمعون.
والصّواب في ذلك من القول عندي أنّ اللّه تعالى وصف صفة قومٍ قالوا: إنّا نصارى، أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يجدهم أقرب النّاس ودادًا لأهل الإيمان باللّه ورسوله، ولم يسمّ لنا أسماءهم. وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النّجاشيّ، ويجوز أن يكون أريد به قومٌ كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلموا لمّا سمعوا القرآن وعرفوا أنّه الحقّ، ولم يستكبروا عنه.
وأمّا قوله تعالى: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا}، فإنّه يقول: قرّبت مودّة هؤلاء الّذين وصف اللّه صفتهم للمؤمنين من أجل أنّ منهم قسّيسين ورهبانًا. والقسّيسون: جمع قسّيسٍ، وقد يجمع القسّيس: قسوسٌ، لأنّ القسّ والقسّيس بمعنًى واحدٍ.
وكان ابن زيدٍ يقول في القسّيس بما:.
- حدّثنا يونس، قال: حدّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: القسّيسين: عبّادهم.
وأمّا الرّهبان، فإنّه يكون واحدًا وجمعًا، فأمّا إذا كان جمعًا فإنّ واحدهم يكون راهبًا، ويكون الرّاهب حينئذٍ فاعلاً من قول القائل: رهب اللّه فلانٌ، بمعنى: خافه، يرهبه رهبًا ورهبًا، ثمّ يجمع الرّاهب رهبانٌ، مثل راكبٍ وركبانٍ، وفارسٍ وفرسانٍ. ومن الدّليل على أنّه قد يكون عند العرب جمعًا قول الشّاعر:.
رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا = والعصم من شعف العقول الفادر
وقد يكون الرّهبان واحدًا، وإذا كان واحدًا كان جمعه رهابين، مثل قربانٍ وقرابين، وجردانٍ وجرادين. ويجوز جمعه أيضًا رهابنةٌ إذا كان كذلك. ومن الدّليل على أنّه قد يكون عند العرب واحدًا قول الشّاعر:.
لو عاينت رهبان ديرٍ في القلل = لانحدر الرّهبان يمشي ونزل
واختلف أهل التّأويل في المعنيّ بقوله: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا}، فقال بعضهم: عني بذلك قومٌ كانوا استجابوا لعيسى ابن مريم حين دعاهم، واتّبعوه على شريعته.
ذكر من قال ذلك.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عمّن حدّثه، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا}، قال: كانوا نواتيّ في البحر يعني ملاّحين قال: فمرّ بهم عيسى ابن مريم، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه. قال: فذلك قوله: {قسّيسين ورهبانًا}.
وقال آخرون: بل عني بذلك القوم الّذين كان النّجاشيّ بعثهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّام بن سلمٍ، قال: حدّثنا عنبسة، عمّن حدّثه، عن أبي صالحٍ، في قوله: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا} قال: ستّةٌ وستّون، أو سبعةٌ وستّون، أو اثنان وستّون من الحبشة، كلّهم صاحب صومعةٍ، عليهم ثياب الصّوف.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن سفيان، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا} قال: بعث النّجاشيّ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خمسين أو سبعين من خيارهم، فجعلوا يبكون، فقال: هم هؤلاء.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا قيسٌ، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا} قال: هم رسل النّجاشيّ الّذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً اختارهم الخيّر فالخيّر. فدخلوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقرأ عليهم: {يس والقرآن الحكيم}، فبكوا وعرفوا الحقّ، فأنزل اللّه فيهم: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون}، وأنزل فيهم: {الّذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} إلى قوله: {يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا}.
والصّواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إنّ اللّه تعالى ذكره أخبر عن النّفر الّذين أثنى عليهم من النّصارى بقرب مودّتهم لأهل الإيمان باللّه ورسوله، أنّ ذلك إنّما كان منهم لأنّ منهم أهل اجتهادٍ في العبادة وترهبٍ في الدّيارات والصّوامع، وأنّ منهم علماء بكتبهم، وأهل تلاوةٍ لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحقّ إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبيّنوه لأنّهم أهل دينٍ واجتهادٍ فيه ونصيحةٍ لأنفسهم في ذات اللّه، وليسوا كاليهود الّذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرّسل ومعاندة اللّه في أمره ونهيه وتحريف تنزيله الّذي أنزله في كتبه). [جامع البيان: 8/593-600]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون (82)
قوله تعالى: ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى
قال
هم الوفد الّذين جاءوا مع جعفرٍ وأصحابه من أرض الحبشة- وروي عن عطاءٍ نحو ذلك.
- وحدّثنا ابن إبراهيم بن حمزة، ثنا يحيى بن عبدك بن، حدّثنا سليمان بن كثيرٍ عن حصينٍ قال: ثنا حمزة عن ابن عطاءٍ عن أبيه قال: ما ذكر اللّه به النّصارى من خيرٍ فإنّما يراد به النّجاشيّ وأصحابه.
قوله تعالى: ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا
- ذكر أبي، ثنا يحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ، ثنا نصير بن زيادٍ القاريّ، ثنا صلتٌ الدّهّان عن جامية بن ديابٍ قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله: ذلك بأنّ منهم قسّيسين قال: هم الرّهبان الّذين في الصّوامع والحزب فدعوهم فيها.
- قال سلمان وقرأت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك بأنّ منهم قسّيسين فأقرأني «ذلك بأنّ منهم صدّيقين ورهبانًا»
- حدّثني أبي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا هذيلٌ الهمذانيّ، ثنا شريكٌ عن سالمٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا قال: هم أصحاب النّجاشيّ بعث من خيار أصحابه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بثلاثين رجلا فقرأ عليهم يس فبكوا وقالوا نعرف واللّه فنزلت فيهم.
- حدّثنا أبي، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا البراء بن يزيد قال: سمعت الحسن في قوله: ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا قال: علماؤهم وفقهاؤهم.
قوله تعالى: وأنّهم لا يستكبرون
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن المفضّل ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: وأنّهم لا يستكبرون قال: بعث النّجاشيّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اثنى عشر رجلًا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا، ينظرون إليه ويسألونه، فلمّا لقوه فقرأ عليهم ما أنزل إليه بكوا وأسفوا فأنزل اللّه فيهم وأنّهم لا يستكبرون). [تفسير القرآن العظيم: 4/1183-1184]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى قال هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة). [تفسير مجاهد: 202]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا} [المائدة: 82]
- عن سلمان «وسئل عن قول اللّه تعالى: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا} [المائدة: 82]) قال: الرّهبان الّذين في الصّوامع. قال سلمان: نزلت على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا} [المائدة: 82]».
رواه الطّبرانيّ، وفيه يحيى الحمّانيّ ونصير بن زيادٍ وكلاهما ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 7/17]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا معاوية بن هشامٍ، عن نصر بن زياد الطائي، حدثني الصلت الدهان عن حامية بن رئاب قال: "سألت سلمان- رضي اللّه عنه- عن هذه الآية (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً) فقال: دع القسّيسين في الصّوامع والخرب، أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم "ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً".
- رواه الحارث بن محمّد بن أبي أسامة: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ، ثنا نضير بن زيادٍ الطّائيّ، عن صلتٍ الدّهّان، عن حامية بن رئابٍ قال: "سمعت سلمان وسئل عن قوله تعالى: (ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً" قال: هم الرّهبان الّذين في الصّوامع والخرب دعوهم فيها. قال سلمان: وقرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهباناً) فأقرأني: "ذلك بأنّ منهم صدّيقين ورهبانًا"). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/205-206]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال أبو بكرٍ: حدثنا معاوية بن هشامٍ، ثنا (نصير) بن زيادٍ الطّائيّ، حدّثني الصّلت، عن حامية بن رقاب، قال: سألت سلمان رضي الله عنه عن هذه الآية: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا}، فقال: دع القسّيسين في الصّوامع والخرب، أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ذلك بأنّ منهم صدّيقين ورهبانًا.
- [2] (وقال الحارث: حدثنا) يحيى بن عبد الحميد، ثنا نصير بن زياد، فذكره بلفظٍ: فقال: هم الرّهبان الّذين في الصّوامع والخرب دعوهم فيها، قال سلمان رضي الله عنه: وقرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك بأنّ منهم قسّيسين، فأقرأني ذلك بأنّ منهم صدّيقين). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/614-616]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال الحارث: حدثنا (سريج) بن يونس، ثنا مروان - هو ابن معاوية - حدّثني خصيفٌ، عن سعيد بن جبيرٍ قال: بعث النّجاشيّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفدًا من أصحابه.. الحديث.
وأنزلت فيهم: {لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) } الآية.
(148) وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في السّيرة النّبويّة). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/637]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسن ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}
- أخرج أبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله وفي لفظ: إلا حدث نفسه بقتله). [الدر المنثور: 5/404]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ولتجدن أقربهم مودة} الآيات.
أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} قال: هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من ارض الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: ما ذكر الله به النصارى قال: هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين فذلك لهم
وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع}.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتابا إلى النجاشي فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم سورة
مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع وهم الذين أنزل فيهم {ولتجدن أقربهم مودة} إلى قوله {مع الشاهدين}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه كانوا سبعين رجلا أختارهم من قومه الخير الخير فالخير في الفقه والسن وفي لفظ: بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلا فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه فقرأ عليهم سورة يس فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق فأنزل الله فيهم {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} الآية، ونزلت هذه الآية فيهم أيضا {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} القصص الآية 52 إلى قوله {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} القصص الآية 54.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عروة قال: كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في النجاشي {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} قال: إنهم كانوا برايين يعني ملاحين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجعتم إلى أرضكم انقلبتم عن دينكم فقالوا لن ننقلب عن ديننا فأنزل الله ذلك من قولهم {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول}.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش وخمسون من الأشعريين منهم أربعة من عك أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر فذكر لنا أن قريشا بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد فأتوا النجاشي فقالوا: أن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم فأرسل اليهم فجاؤوا فسألهم فقالوا: بعث الله فينا نبيا كما بعث في الأمم قبلنا يدعونا إلى الله وحده ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر ويأمرنا بالصلة وينهانا عن القطيعة ويأمرنا بالوفاء وينهانا عن النكث وإن قومنا بغوا علينا وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به فلم نجد
أحد نلجأ إليه غيرك فقال: معروفا، فقال عمرو وصاحبه: انهم يقولون في عيسى غير الذي تقول، قال: وما تقولون في عيسى قالوا: نشهد أنه عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ولدته عذراء بتول، قال: ما أخطأتم ثم قال لعمرو وصاحبه: لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال قائل: لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم فلما قرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فاضت أعينهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي قال بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثنا عشر رجلا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا وأنزل الله فيهم: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم وذكروا أنهم سبقوا أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فقالوا انه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم، قال: أن جاؤوني نظرت فيما يقولون فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا: استأذن لأولياء الله فقال: ائذن لهم فمرحبا بأولياء الله فلما دخلوا عليه سلموا فقال الرهط من المشركين: ألم تر أيها الملك انا صدقناك وانهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيى بها، فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتيحيتي قالوا: أنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه قالوا: يقول عبد الله ورسوله وكلمة من الله وروح منه ألقاها إلى مريم ويقول في مريم: إنها العذراء الطيبة البتول، قال: فأخذ عودا من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود فكره المشركون قوله وتغير لون وجوههم فقال: هل تقرأون شيئا مما أنزل عليكم قالوا: نعم، قال: فاقرأوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، قال الله {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}.
وأخرج الطبراني عن سلمان في إسلامه قال لما قدم النّبيّ الله صلى الله عليه وسلم المدينة صنعت طعاما فجئت به فقال: ما هذا قلت: صدقة، فقال لأصحابه: كلوا ولم يأكل ثم إني رجعت حتى جمعت طعاما فأتيته به فقال: ما هذا قلت: هدية، فأكل وقال لأصحابه: كلوا، قلت يا رسول الله أخبرني عن النصارى قال: لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم فقمت وأنا مثقل فانزل الله {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود} حتى بلغ {تفيض من الدمع} فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا سلمان أن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ولتجدن أقربهم مودة} الآية، قال: أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه فلما بعث الله محمدا صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من الله فأثنى عليهم بما تسمعون.
وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن أبي شيبة في مسنده، وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحارث بن أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن الأنباري في المصاحف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه عن سلمان أنه سئل عن قوله {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} قال: الرهبان الذين في الصوامع نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} ولفظ البزار دع القسيسين أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم (ذلك بأن منهم صديقين) ولفظ الحكيم الترمذي: قرأت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم {ذلك بأن منهم قسيسين} فأقرأني (ذلك بأن منهم صديقين).
وأخرج البيهقي في الدلائل عن سلمان قال: كنت يتيما من رامهرمز وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه فلزمته لأكون في كنفه وكان لي أخ اكبر مني وكان مستغنيا في نفسه وكنت غلاما فقيرا فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه فإذا تفرقوا خرج فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل فكان يفعل ذلك غير مرة متنكرا قال: فقلت اما انك تفعل كذا وكذا فلم لا تذهب بي معك قال: أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء، قال: قلت لا تخف، قال: فإن في هذا الجبل قوما في برطيل لهم عبادة وصلاح يذكرون الله عز وجل ويذكرون الآخرة يزعمون انا عبدة النيران وعبدة الأوثان وأنا على غير دين، قلت: فاذهب بي معك إليهم، قال: لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم وانا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيجري هلاكهم على يدي، قال: قلت لن يظهر مني ذلك فاستأمرهم فقال: غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم قالوا: أن كنت تثق به، قال: أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب، قالوا: فجيء به، فقال لي: قد استأذنت القوم أن تجيء معي فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ولا يعلم بك احد فإن أبي إن علم قتلهم، قال: فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته فصعد الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم، قال: علي، وأراه قال: هم ستة أو سبعة، قال: وكانت الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدهقان علي خيرا فتكلموا فحمدوا الله واثنوا عليه وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى بن مريم قالوا: بعثه الله وولده بغير ذكر بعثه الله رسوله وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى وخلق الطير وابراء الأعمى والأبرص فكفر به قوم وتبعه قوم، وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه، قال: وقالوا قبل ذلك: يا غلام أن لك ربا وإن لك معادا وإن بين يديك جنة ونارا إليها تصير وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن فلزمتهم فقالوا: يا غلام إنك غلام وانك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع فكل واشرب وصل ونم، قال: فاطلع الملك على صنيع ابنه فركب الخيل حتى اتاهم في برطيلهم فقال: يا هؤلاء قد جاورتموني فأحسنت جوراكم ولم تروا مني سوءا فعمدتم إلى ابني فافسدتموه علي قد أجلتكم ثلاثا فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم فاني أكره أن يكون مني إليكم سوء، قالوا: نعم ما تعمدنا إساءتك ولا أردنا إلا الخير فكف ابنه عن إتيانهم فقلت له: اتق الله فانك تعرف أن هذا الدين دين الله وإن أباك ونحن على غير دين إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك، قال: يا سلمان هو كما تقول وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم أن اتبعت القوم يطلبني أبي في الخيل وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم وقد أعرف أن الحق في أيديهم، قلت: أنت اعلم ثم لقيت اخي فعرضت عليه فقال: انا مشتغل بنفسي وطلب المعيشة فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا: يا سلمان قد كنا نحذر فكان ما رأيت اتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به وإن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه فلا يخدعنك أحد عن ذلك، قلت: ما أنا بمفارقكم، قالوا: إنك لا تقدر على أن تكون معنا نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا وأنت لا تستطيع ذلك، قال: قلت: لا أفارقكم، قالوا: أنت اعلم قد اعلمناك حالنا فإذا أبيت فاطلب أحدا يكون معك واحمل معك شيئا تأكله لا تستطيع ما نستطيع نحن، قال: ففعلت فلقيت أخي فعرضت عليه فأبى فأتيتهم فتحملوا فكانوا يمشون وأمشي معهم فرزقنا الله السلامة حتى أتينا الموصل فأتينا بيعه بالموصل فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا: أين كنتم قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون الله بها عباد نيران فطردونا فقدمنا عليكم فلما كان بعد قالوا: يا سلمان إن ههنا قوما في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم فكن أنت ههنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين وسترى منهم ما تحب قلت: ما أنا بمفارقكم، قال: وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل دين البيعة: أقم معنا فإنه لا يعجزك شيء يسعنا، قلت: ما انا بمفارقكم، فخرجوا وأنا معهم فأصبحنا بين الجبال فإذا صخرة وماء كثير في جرار وخبز كثير فقعدنا عند الصخرة فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال يخرج رجل رجل من مكانه كأن الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا فرحبوا بهم وحفوا وقالوا: أين كنتم لم نركم قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون اسم الله فيها عبدة النيران وكنا نعبد الله فيها فطردونا فقالوا: ما هذا الغلام قال: فطفقوا يثنون علي وقالوا: صحبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيرا، قال: فو الله إنهم لكذا إذ طلع عليهم رجل من كهف رجل طويل فجاء حتى سلم وجلس فحف به أصحابي الذين كنت معهم وعظموه وأحدقوا به فقال لهم: أين كنتم فأخبروه فقال: وما هذا الغلام معكم فأثنوا علي خيرا وأخبروه باتباعي إياهم ولم أر مثل إعظامهم إياه فحمد الله واثنى عليه ثم ذكر من أرسل من رسله وأنبيائه وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر مولد عيسى بن مريم وإنه ولد بغير ذكر فبعثه الله رسولا وأجرى على يديه إحياء الموتى وابراء الأعمى والأبرص وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل فكفر به قوم وآمن به قوم وذكر بعض ما لقي عيسى بن مريم وأنه كان عبدا انعم الله عليه فشكر ذلك له ورضي عنه حتى قبضه الله وهو يعظمهم ويقول: اتقوا الله والزموا ما جاء عيسى به ولا تخالفوا فيخالف بكم ثم قال: من أراد أن يأخذ من هذا شيئا فليأخذ، فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام والشيء وقام إليه أصحابي الذين جئت معهم فسلموا عليه وعظموه فقال لهم: الزموا هذا الدين وإياكم أن تفرقوا واستوصوا بهذا الغلام خيرا وقال لي: هذا دين الله الذي ليس له دين فوقه وما سواه هو الكفر، قال: قلت: ما أفارقك، قال: إنك لن تستطيع أن تكون معي إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد لا تقدر على الكينونة معي، قال: وأقبل على أصحابه فقالوا: يا غلام إنك لا تستطيع أن تكون معه، قلت: ما أنا بمفارقك، قال: يا غلام فإني أعلمك الآن إني أدخل هذا الكهف ولا أخرج منه إلى الأحد الآخر وأنت أعلم، قلت: ما أنا بمفارقك، قال له أصحابه: يا فلان هذا غلام ونخاف عليه، قال: قال لي: أنت أعلم، قلت: إني لا أفارقك، فبكى أصحابي الاولون الذين كنت معهم عند فراقهم إياي، فقال: خذ من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر وخذ من هذا الماء ما تكتفي به ففعلت وتفرقوا وذهب كل إنسان إلى مكانه الذي يكون فيه وتبعته حتى دخل الكهف في الجبل فقال: ضع ما معك وكل واشرب وقام يصلي فقمت معه أصلي قال: وانفتل إلي فقال: إنك لا تستطيع هذا ولكن صل ونم وكل واشرب ففعلت فما رأيته لا نائما ولا طاعما إلا راكعا وساجدا إلى الاحد الآخر، فلما أصبحنا قال: خذ جرتك هذه وانطلق فخرجت معه أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال واجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه فقعدوا وجاد في حديثه نحو المرة الأولى، فقال: الزموا هذا الدين ولا تفرقوا واتقوا الله واعلموا أن عيسى بن مريم كان عبد الله انعم الله عليه ثم ذكروني فقالوا: يا فلان كيف وجدت هذا الغلام فاثنى علي وقال: خيرا، فحمدوا الله فإذا خبز كثير وماء فأخذوا وجعل الرجل يأخذ بقدر ما يكتفي به ففعلت وتفرقوا في تلك الجبال ورجع إلى كهفه ورجعت معه، فلبث ما شاء الله يخرج في كل يوم احد ويخرجون معه ويوصيهم بما كان يوصيهم به فخرج في أحد فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم وقال مثل ما كان يقول لهم ثم قال لهم آخر ذلك: يا هؤلاء إني قد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وأنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا ولا بد لي من إتيانه فاستوصوا بهذا الغلام خيرا واني رأيته لا بأس به قال: فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم وقالوا: يا أبا فلان أنت كبير وأنت وحدك ولا نأمن أن يصيبك الشيء ولسنا أحوج ما كنا إليك، قال: لا تراجعوني لا بد لي من إتيانه ولكن استوصوا بهذا الغلام خيرا وافعلوا وافعلوا، قال: قلت: ما أنا بمفارقك، قال: يا سلمان قد رأيت حالي وما كنت عليه وليس هذا لك إنما أمشي أصوم النهار وأقوم الليل ولا أستطيع أن أحمل معي زادا ولاغيره ولا تقدر على هذا، قال: قلت: ما أنا بمفارقك، قال: أنت أعلم قالوا: يا أبا فلان إنا نخاف عليك وعلى هذا الغلام، قال: هو أعلم قد أعلمته الحالة وقد رأى ما كان قبل هذا، قلت: لا أفارقك، فبكوا وودعوه وقال لهم: اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتكم به فإن أعش فلعلي أرجع إليكم وإن أمت فإن الله حي لا يموت فسلم عليهم وخرج وخرجت معه وقال لي: احمل معك من هذا الخبز شيئا تأكله، فخرج وخرجت معه يمشي واتبعه يذكر الله ولا يلتفت ولا يقف على شيء حتى إذ امسى قال: يا سلمان صل أنت ونم وكل واشرب ثم قام هو يصلي إلى أن انتهى إلى بيت المقدس وكان لا يرفع طرفه إلى السماء حتى انتهينا إلى بيت المقدس وإذا على الباب مقعد قال: يا عبد الله قد ترى حالي فتصدق علي بشيء فلم يلتفت إليه ودخل المسجد ودخلت معه فجعل يتتبع أمكنة من المسجد يصلي فيها ثم قال: يا سلمان إني لم أنم منذ كذا وكذا ولم أجد طعم نوم فإن انت جعلت لي أن توقظني إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت فاني أحب أن أنام في هذا المسجد وإلا لم أنم، قال: قلت: فإني أفعل، قال: فانظر إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني إذا غلبتني عيني فنام فقلت في نفسي: هذا لم ينم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك لأدعنه ينام حتى يشتفى من النوم، وكان فيما يمشي وأنا معه يقبل علي فيعظني ويخبرني أن لي ربا وإن بين يديه جنة ونارا وحسابا ويعلمني بذلك ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الاحد حتى قال فيما يقول لي: يا سلمان الله تعالى سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهامة - وكان رجلا أعجميا لا يحسن أن يقول تهامة ولا محمد - علامته انه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب فأما أنا فاني شيخ كبير ولا أحسبني ادركه فإن أدركته انت فصدقه واتبعه، قلت: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه قال: وإن أمرك فإن الحق فيما يجيء به ورضا الرحمن فيما قال، فلم يمض إلا يسير حتى استيقظ فزعا يذكر الله تعالى فقال: يا سلمان مضى الفيء من هذا المكان ولم أذكر الله أينما جعلت لي على نفسك قال: قلت: أخبرتني أنك لم تنم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك فاحببت أن تشتفي من النوم فحمد الله فقام وخرج فتبعته فقال المقعد: يا عبد الله دخلت فسألتك فلم تعطني وخرجت فسألتك فلم تعطني فقام ينظر هل يرى أحد فلم يره فدنا منه فقال: ناولني يدك فناوله فقال: قم بسم الله فقام كأنه نشط من عقال صحيحا لا عيب فيه فخلى عن يده فانطلق ذاهبا فكان لا يلوي على أحد ولا يقوم عليه فقال لي المقعد: يا غلام أحمل على ثيابي حتى أنطلق وأبشر أهلي فحملت عليه ثيابه وانطلق لا يلوي علي، فخرجت في أثره أطلبه وكلما سالت عنه قالوا: أمامك، حتى لقيني الركب من كلب فسألتهم فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني فجعلني خلفه حتى بلغوا بي بلادهم قال: فباعوني فاشترتني امرأة من الانصار فجعلتني في حائط لها وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرت به فأخذت شيئا من تمر حائطي فجعلته على شيء ثم أتيته فوجدت عنده اناسا وإذا أبو بكر أقرب القوم منه فوضعته بين يديه فقال: ما هذا قلت صدقة، فقال للقوم: كلوا ولم يأكل هو ثم لبثت ما شاء الله ثم اخذت مثل ذلك فجعلته على شيء ثم أتيته به فوجدت عنده أناسا وإذا أبو بكر أقرب القوم منه فوضعته بين يديه فقال: ما هذا قلت: هدية، قال: بسم الله فأكل وأكل القوم قال: قلت: في نفسي هذه من آياته كان صاحبي رجلا أعجميا لم يحسن أن يقول تهامة قال تهمة وقال أحمد فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه فإذا الخاتم في ناحية كتفه الايسر فتبينته ثم درت حتى جلست بين يديه فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وانك رسول الله، قال: من أنت قلت: مملوك فحدثته بحديثي وحديث الرجل الذي كنت معه وما امرني به قال: لمن أنت قلت: لامرأة من الانصار جعلتني في حائط لها، قال: يا أبا بكر قال: لبيك، قال: اشتره، قال: فاشتراني أبو بكر فاعتقني فلبثت ما شاء الله أن ألبث ثم أتيته فسلمت عليه وقعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله ما تقول في دين النصارى قال: لا خير فيهم ولا في دينهم فدخلني أمر عظيم فقلت في نفسي: هذا الذي كنت معه ورأيت منه ما رأيت أخذ بيد المقعد فأقامه الله على يديه لا خير في هؤلاء ولا في دينهم فانصرفت وفي نفسي ما شاء الله فأنزل الله بعد على النّبيّ صلى الله عليه وسلم {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} إلى آخر الآية، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم علي بسلمان فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف فجئت حتى قعدت بين يديه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} إلى آخر الآية، فقال: يا سلمان أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى إنما كانوا مسلمين فقلت: يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق لقد امرني باتباعك، فقلت له: وإن امرني بترك دينك وما أنت عليه فأتركه قال: نعم فاتركه فإن الحق وما يحب الله فيما يأمرك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {قسيسين} قال: علماؤهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: القسيسون، عبادهم
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: سألت الزهري عن هذه الآية {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} وقوله {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} الفرقان الآية 63 قال: مازلت أسمع علمائنا يقولون: نزلت في النجاشي وأصحابه). [الدر المنثور: 5/404-419]

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) )
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع}
- أخبرنا عمرو بن عليٍّ، حدّثنا عمر بن عليّ بن مقدّمٍ، قال: سمعت هشام بن عروة يحدّث عن أبيه، عن عبد الله بن الزّبير، قال: " نزلت هذه الآية في النّجاشيّ وأصحابه، {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع} [المائدة: 83]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/84]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين}.
يقول تعالى ذكره: وإذا سمع هؤلاء الّذين قالوا إنّا نصارى الّذين وصفت لك يا محمّد صفتهم أنّك تجدهم أقرب النّاس مودّةً للّذين آمنوا، ما أنزل إليك من الكتاب يتلى {ترى أعينهم تفيض من الدّمع}، وفيض العين من الدّمع: امتلاؤها منه ثمّ سيلانه منها كفيض النّهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدّة امتلائه، ومنه قول الأعشى:.
ففاضت دموعي فظلّ الشّؤ = ن إمّا وكيفًا وإمّا انحدارا.
وقوله: {ممّا عرفوا من الحقّ} يقول: فيض دموعهم لمعرفتهم بأنّ الّذي يتلى عليهم من كتاب اللّه الّذي أنزله إلى رسول اللّه حقٌّ:.
- كما حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ الهمدانيّ، عن إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ، قال: بعث النّجاشيّ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اثنى عشر رجلاً يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن فبكوا. وكان منهم سبعةٌ رهبانٌ وخمسةٌ قسّيسون، أو خمسةٌ رهبانٌ وسبعةٌ قسّيسون، فأنزل اللّه فيهم: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع} إلى آخر الآية.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا عمر بن عليّ بن مقدّمٍ، قال: سمعت هشام بن عروة، يحدّث، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الزّبير، قال: نزلت في النّجاشيّ وأصحابه: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع}.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله: {ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ}، قال: ذلك في النّجاشيّ.
- حدّثنا هنّادٌ وابن وكيعٍ، قالا: حدّثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كانوا يرون أنّ هذه الآية أنزلت في النّجاشيّ: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع}.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، قال: قال ابن إسحاق، سألت الزّهريّ عن الآيات: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع} الآية، وقوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا}، قال: ما زلت أسمع علماءنا يقولون: نزلت في النّجاشيّ وأصحابه.
وأمّا قوله: {يقولون}، فإنّه لو كان بلفظ اسمٍ كان نصبًا على الحال، لأنّ معنى الكلام: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ قائلين: ربّنا آمنّا.
ويعني بقوله تعالى ذكره: {يقولون ربّنا آمنّا} أنّهم يقولون: يا ربّنا صدّقنا لمّا سمعنا ما أنزلته إلى نبيّك محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم من كتابك، وأقررنا به أنّه من عندك، وأنّه الحقّ لا شكّ فيه.
وأمّا قوله: {فاكتبنا مع الشّاهدين}، فإنّه روي عن ابن عبّاسٍ وغيره في تأويله ما.
- حدّثنا به، هنّادٌ قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي وابن نميرٍ، جميعًا عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {فاكتبنا مع الشّاهدين}، قال: أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، {فاكتبنا مع الشّاهدين} مع أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {فاكتبنا مع الشّاهدين} يعنون بالشّاهدين محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته.
- حدّثني الحرث قال: حدّثنا عبد العزيز قال: حدّثنا إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {فاكتبنا مع الشّاهدين}، قال: محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته، أنّهم شهدوا أنّه قد بلّغ، وشهدوا أنّ الرّسل قد بلّغت.
- حدّثنا الرّبيع قال: حدّثنا أسد بن موسى قال: حدّثنا يحيى بن زكريّا قال: حدّثني إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، مثل حديث الحارث بن عبد العزيز غير أنّه قال: وشهدوا للرّسل أنّهم قد بلّغوا.
فكأنّ متأوّل هذا التّأويل قصد بتأويله هذا إلى معنى قول اللّه تعالى ذكره: {وكذلك جعلناكم أمّةً وسطًا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيدًا}، فذهب ابن عبّاسٍ إلى أنّ الشّاهدين هم الشّهداء في قوله: {لتكونوا شهداء على النّاس}، وهم أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
وإذا كان التّأويل ذلك كان معنى الكلام: يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين الّذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة أنّهم قد بلّغوا أممهم رسالاتك.
ولو قال قائلٌ: معنى ذلك: فاكتبنا مع الشّاهدين الّذين يشهدون أنّ ما أنزلته إلى رسولك من الكتب حقٌّ، كان صوابًا لأنّ ذلك خاتمة قوله: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين}، وذلك صفةٌ من اللّه تعالى ذكره لهم بإيمانهم لمّا سمعوا من كتاب اللّه، فتكون مسألتهم أيضًا اللّه أن يجعلهم ممّن صحّت عنده شهادتهم بذلك، ويلحقهم في الثّواب والجزاء منازلهم.
ومعنى الكتاب في هذا الموضع: الجعل، يقول: فاجعلنا مع الشّاهدين، وأثبتنا معهم في عدادهم). [جامع البيان: 8/600-604]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين (83)
قوله تعالى: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول
- حدّثنا محمّد بن يحيى، ثنا العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ عن سعيدٍ عن قتادة قوله: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع قال: هم أناسٌ من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحقّ ممّا جاء به عيسى عليه الصّلاة والسّلام، يؤمنون به وينتهون إليه، فلمّا بعث الله نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فصدّقوا وآمنوا به وعرفوا الّذي جاء به أنّه الحقّ من اللّه فأثنى عليهم كما تسمعون قوله تعالى: ترى أعينهم
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قال: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جعفر بن أبي طالبٍ وابن مسعودٍ وعثمان بن مظعونٍ في رهطٍ من أصحابه إلى النّجاشيّ فلمّا دخلوا عليه قال: تعرفون ما أنزل إليكم قالوا نعم: قال: اقرءوا فقرءوا وهنالك منهم قسّيسين ورهبانٌ وساير النّصارى، فجعلت طائفةٌ كلّما قرءوا آيةً انحدرت دموعهم ممّا عرفوا من الحقّ ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ
- حدّثنا محمّد بن عزيزٍ الأيليّ، حدّثني سلامة بن روح عن عمه غفيل، حدّثني ابن شهابٍ، أخبرني سعيد بن المسيّب وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ وعروة بن الزّبير، قالوا: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمرو بن أميّة الضّمريّ. وكتب معه كتابًا إلى النّجاشيّ، فقدم على النّجاشيّ، فقرأ كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ دعا جعفر ابن أبي طالبٍ والمهاجرين معه، وأرسل النّجاشيّ إلى الرّهبان والقسّيسين، ثمّ أمر جعفر بن أبي طالبٍ فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدّمع فهم الّذين أنزل اللّه فيهم ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إلى قوله: ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين
- حدّثنا أبي، ثنا منصور بن أبي مزاحمٍ، ثنا أبو سعيد بن أبي الزّجّاج عن سالمٍ عن سعيدٍ قال: نزلت في أصحاب النّجاشيّ الّذين أسلموا وكانوا سبعين رجلا فقرأ عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سورة يس فبكوا وأسلموا فذلك قوله: ترى أعينهم تفيض من الدّمع
- حدّثنا أبي، ثنا عمرو بن عليٍّ، ثنا عمر بن عليٍّ المقدسيّ قال: سمعت هشام بن عروة يحدّث عن أبيه عن عبد اللّه بن الزّبير قال: نزلت هذه الآية في النّجاشيّ وأصحابه وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع وقوله: يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ عن إسرائيل عن سماكٍ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ فاكتبنا مع الشّاهدين قال: أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا إبراهيم بن موسى أنا ابن أبي زائدة ثنا إسرائيل عن سماكٍ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين قال مع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته أنّهم قد شهدوا أنّه قد بلّغ وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا). [تفسير القرآن العظيم: 4/1184-1185]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفّان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله عزّ وجلّ {فاكتبنا مع الشّاهدين} [المائدة: 83] قال: «مع أمّة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وأمّته شهدوا له بالبلاغ، وشهدوا للرّسل أنّهم قد بلّغوا» هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/343]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {وإذ سمعوا ما أنزل إلى الرّسول} [المائدة: 83]
- عن ابن عبّاسٍ في «قوله: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع} [المائدة: 83]
قال: إنّهم كانوا نوّاتين - يعني ملّاحين - قدموا مع جعفر بن أبي طالبٍ من الحبشة، فلمّا قرأ عليهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - القرآن آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " لعلّكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم عن دينكم "، قالوا: لن ننقلب عن ديننا، فأنزل اللّه ذلك في قولهم».
رواه الطّبرانيّ في الأوسط والكبير، وفيه العبّاس بن الفضل الأنصاريّ وهو ضعيفٌ. قلت: ولهذا الحديث طرقٌ بنحوه في الصّلاة على الغائب، وفي مناقب النّجاشيّ). [مجمع الزوائد: 7/17-18]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين} [المائدة: 83]
- عن ابن عبّاسٍ في قوله تعالى: {ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين} [المائدة: 83]) قال: مع محمّدٍ - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأمّته، فإنّهم شهدوا له أنّه قد بلّغ، وشهد للرّسل أنّهم قد بلّغوا.
رواه الطّبرانيّ عن شيخه عبد اللّه بن محمّد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 7/18]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله {فاكتبنا مع الشاهدين} قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ: قال: يعنون بالشاهدين محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته أنهم قد شهدوا له أنه بلغ وشهدوا للمرسلين أنهم قد بلغوا). [الدر المنثور: 5/419]

تفسير قوله تعالى: (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين}.
وهذا خبرٌ من اللّه تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الّذين وصف صفتهم في هذه الآيات، أنّهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم من كتابه، آمنوا به وصدّقوا كتاب اللّه، وقالوا: ما لنا لا نؤمن باللّه؟ يقول: لا نقرّ بوحدانيّة اللّه، {وما جاءنا من الحقّ} يقول: وما جاءنا من عند اللّه من كتابه وآي تنزيله، ونحن نطمع بإيماننا بذلك {أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين}، يعني بالقوم الصّالحين: المؤمنين باللّه المطيعين له، الّذين استحقّوا من اللّه الجنّة بطاعتهم إيّاه.
وإنّما معنى ذلك: ونحن نطمع أن يدخلنا ربّنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنّته يوم القيامة، ويلحق منازلنا بمنازلهم، ودرجاتنا بدرجاتهم في جنّاته.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين}، قال: القوم الصّالحون: رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه). [جامع البيان: 8/604-605]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين (84)
قوله تعالى: وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصّالحين
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، ثنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيدٍ يقول في قول اللّه: وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين قال: القوم الصّالحون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه). [تفسير القرآن العظيم: 4/1186]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} قال: القوم الصالحون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصاحبه رضي الله عنهم). [الدر المنثور: 5/419]

تفسير قوله تعالى: (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فأثابهم اللّه بما قالوا جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين}
يقول تعالى ذكره: فجزاهم اللّه بقولهم: ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين، وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ، ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين {جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار}، يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار، {خالدين فيها}، يقول: دائمًا فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحوّلون عنها {وذلك جزاء المحسنين}، يقول: وهذا الّذي جزيت هؤلاء القائلين بما وصفت عنهم من قيلهم على ما قالوا من الجنّات الّتي هم فيها خالدون، جزاء كلّ محسنٍ في قيله وفعله. وإحسان المحسن في ذلك أن يوحّد اللّه توحيدًا خالصًا محضًا لا شرك فيه، ويقرّ بأنبياء اللّه وما جاءت به من عند اللّه من الكتب، ويؤدّي فرائضه، ويجتنب معاصيه، فذلك كمال إحسان المحسنين الّذين قال اللّه تعالى: {جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}). [جامع البيان: 8/605]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (فأثابهم اللّه بما قالوا جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85)
قوله تعالى: فأثابهم اللّه بما قالوا جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ عن الأعمش عن عبد اللّه بن مرّة عن مسروقٍ قال: قال عبد اللّه: أنهار الجنّة تفجّر من جبل مسكٍ.
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى الأنصاريّ، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ عن أسباطٍ عن السّدّيّ عن أبي مالكٍ تجري من تحتها الأنهار يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها.
قوله تعالى: خالدين فيها
- حدّثنا محمّد بن يحيى، ثنا أبو غسّان، ثنا سلمة قال محمّد بن إسحاق، حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ عن سعيد بن جبيرٍ أو عكرمة عن ابن عبّاسٍ خالدين فيها يخبرهم أنّ الثّواب مقيمٌ على أهله أبدًا لا انقطاع له). [تفسير القرآن العظيم: 4/1186]

تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}
يقول تعالى ذكره: وأمّا الّذين جحدوا توحيد اللّه، وأنكروا نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وكذّبوا بآيات كتابه، فإنّ أولئك أصحاب الجحيم، يقول: هم سكّانها واللاّبثون فيها.
والجحيم: ما اشتدّ من النّار، وهو الجاحم والجحيم). [جامع البيان: 8/606]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:07 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) }

قالَ مُحمدُ بنُ الجَهْمِ السُّمَّرِيُّ (ت: 277هـ): (وقوله: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين...}
نزلت فيمن أسلم من النصارى. ويقال: هو النّجاشي وأصحابه. قال الفرّاء ويقال: النجاشي). [معاني القرآن للفراء: 1/318]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {لتجدنّ أشدّ النّاس عداوة للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانا وأنّهم لا يستكبرون (82)}
وذلك أن اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين، والمؤمنون يؤمنون بموسى والتوراة التي أتى بها، وكان ينبغي أن يكونوا إلى من وافقهم في الإيمان بنبيهم وكتابهم أقرب، فظاهروا المشركين حسدا للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله: (لتجدنّ) هذه اللام لام القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال، هذا مذهب الخليل وسيبويه، ومن يوثق بعلمه.
وقوله: (عداوة) منصوب على التمييز.
{ولتجدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى}.
في هذه غير وجه، جاء في التفسير أن نيفا وثلاثين من الحبش من النصارى جاءوا وجماعة معهم، فأسلموا لمّا تلا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - (القرآن).
وجائز أن يكون يعنى به النصارى؛ لأنهم كانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود، ويكون قوله: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول}.
على معنى {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانا}، ومنهم قوم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول، يعني به ههنا مؤمنيهم، والقسّ والقيس من رؤساء النصارى، فأمّا القس في اللغة فهي النميمة ونشر الحديث، يقال: قس فلان الحديث قسّا.
ومعنى {فاكتبنا مع الشاهدين}.
أي مع من شهد من أنبيائك عليهم السلام ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك). [معاني القرآن: 2/199-200]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى}
قال سعيد بن جبير: هم سبعون رجلا وجه بهم النجاشي وكانوا أجل من عنده فقها وسنا، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم يس فبكوا، وقالوا: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين
وأنزل الله فيهم أيضا الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} إلى آخر الآية.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هم من الحبشة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان معهم رهبان من رهبان الشام فآمنوا ولم يرجعوا). [معاني القرآن: 2/348-349]

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) )
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {فاكتبنا مع الشاهدين}.
روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين لك صحة هذا القول قوله جل وعز: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}). [معاني القرآن: 2/349]

تفسير قوله تعالى: (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين (84)
موضع (لا نؤمن باللّه) نصب على الحال، المعنى أي شيء لنا تاركين للإيمان، أي في حال تركنا للإيمان، وذلك أن قومهم عنفوهم على إيمانهم، فأجابوهم بأن قالوا: ما لنا لا نؤمن بالله). [معاني القرآن: 2/200]

تفسير قوله تعالى: (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) )

تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجل: (والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86)
الجحيم النّار الشديدة الوقود، وقد جحم فلان النار إذا شدّد وقودها، - ويقال لعين الأسد: جحمة لشدة توقدها، ويقال لوقود الحرب: وهو شدة القتال فيها: جاحم.
قال الشاعر:
=والخيل لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصّبّار في النجدات والفرس الوقاح). [معاني القرآن: 2/200-201]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 3 جمادى الأولى 1434هـ/14-03-2013م, 05:32 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) }

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) }

تفسير قوله تعالى: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) }

تفسير قوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) }

تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 05:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 05:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 05:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 05:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً وأنّهم لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين (83)
اللام في قوله لتجدنّ لام الابتداء، وقال الزجّاج هي لام قسم، ودخلت هذه النون الثقيلة لتفصل بين الحال والاستقبال.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن كله وهكذا هو الأمر حتى الآن، وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم ودربوا العتو والمعاصي ومردوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لجت عداواتهم وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك المشركون عبدة الأوثان من العرب والنيران من المجوس لأن الإيمان إياهم كفر وعروشهم ثل، وبين أنهم ليسوا على شيء من أول أمرهم فلم يبق لهم بقية فعداوتهم شديدة، والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ شرعهم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم إذا حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم صاف، ويعين على هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم وتأمل أن النبي صلى الله عليه وسلم سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد عليه السلام أن يستمر ظهور الروم وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء من هذه الخلق بل شأنهم الخبث والليّ بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو الغوائل إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصص بأدب وأمور غير ما علم أولا. ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين، وفي قوله تعالى: الّذين قالوا إنّا نصارى إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم، وقوله تعالى: ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هذي، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد، ويقال «قس» بفتح القاف وبكسرها وقسيس وهو اسم أعجمي عرّب، والقس في كلام العرب النميمة وليس من هذا، وأما الرهبان فجمع راهب. وهذه تسمية عربية والرهب الخوف، ومن الشواهد على أن الرهبان جمع قول الشاعر جرير:
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا = والعصم من شغف العقول الفادر
وقد قيل الرهبان اسم مفرد والدليل عليه قول الشاعر:
لو عاينت رهبان دير في القلل = تحدّر الرهبان يمشي ونزل
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويروى و «يزل» بالياء من الزلل، وهذا الرواية أبلغ في معنى غلبة هذه المرأة على ذهن هذا الراهب، ووصف الله تعالى النصارى بأنهم لا يستكبرون وهذا بين موجود فيهم حتى الآن، واليهودي متى وجد غرورا طغى وتكبر وإنما أذلهم الله وأضرعتهم الحمى وداسهم كلكل الشريعة ودين الإسلام أعلاه الله، وذكر سعيد بن جبير ومجاهد وابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروه ويعرفوا حاله، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فآمن، ولم يزل مؤمنا حتى مات فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وروي أن نعش النجاشي كشف للنبي صلى الله عليه وسلم فكان يراه من موضعه بالمدينة وجاء الخبر بعد مدة أن النجاشي دفن في اليوم الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وذكر السدي: أنهم كانوا اثني عشر سبعة قسيسين وخمسة رهبان. وقال أبو صالح: كانوا سبعة وستين رجلا، وقال سعيد بن جبير: كانوا سبعين عليهم ثياب الصوف وكلهم صاحب صومعة اختارهم النجاشي الخير بالخير، وذكر السدي: أن النجاشي خرج مهاجرا فمات في الطريق.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف لم يذكره أحد من العلماء بالسيرة، وقال قتادة: نزلت هذه الآيات في قوم كانوا مؤمنين ثم آمنوا بمحمد عليه السلام.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفرق الطبري بين هذين القولين وهما واحد، وروى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا). [المحرر الوجيز: 3/230-234]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم الآية الضمير في سمعوا ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن آمن من هؤلاء القادمين من أرض الحبشة، إذ هم عرفوا الحق وقالوا آمنا، وليس كل النصارى يفعل ذلك، وصدر الآية في قرب المودة عام فيها ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصا فيمن آمن لأن من آمن فهو من الذين آمنوا وليس يقال فيه قالوا إنا نصارى ولا يقال في مؤمنين: ذلك بأنّ منهم قسّيسين ولا يقال إنهم أقرب مودة، بل من آمن فهو أهل مودة محضة، فإنما وقع التخصيص من قوله تعالى: وإذا سمعوا وجاء الضمير عاما إذ قد تحمد الجماعة بفعل واحد منها، وفي هذا استدعاء للنصارى ولطف من الله تعالى بهم، ولقد يوجد فيض الدموع غالبا فيهم وإن لم يؤمنوا، وروي أن وفدا من نجران قدم على أبي بكر الصديق في شيء من أمورهم فأمر من يقرأ القرآن بحضرتهم فبكوا بكاء شديدا فقال أبو بكر: هكذا كنا ولكن قست القلوب، وروي أن راهبا من رهبان ديارات الشام نظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأى عبادتهم وجدهم في قتال عدوهم فعجب من حالهم، وبكى، وقال: ما كان الذين نشروا بالمناشير على دين عيسى بأصبر من هؤلاء ولا أجدّ في دينهم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فالقوم الذين وصفوا بأنهم عرفوا الحق هم الذين بعثهم النجاشي ليروا النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعوا ما عنده، فلما رأوه قرأ عليهم القرآن وهو المراد بقوله تعالى: ما أنزل إلى الرّسول فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله ورقت القلوب. والرؤية رؤية العين، وتفيض حال من الأعين، ويقولون حال أيضا وآمنّا معناه صدقنا أن هذا رسولك والمسموع كتابك والشاهدون محمد وأمته، قاله ابن عباس وابن جريج وغيرهما، وقال الطبري: لو قال قائل معنى ذلك مع الشاهدين بتوحيدك من جميع العالم من تقدم ومن تأخر لكان ذلك صوابا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: هذا معنى قول الطبري وهو كلام صحيح، وكان ابن عباس رضي الله عنه خصص أمة محمد عليه السلام لقول الله تعالى: وكذلك جعلناكم أمّةً وسطاً [البقرة: 143]). [المحرر الوجيز: 3/234-236]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين (84) فأثابهم اللّه بما قالوا جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86) يا أيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللّه لكم ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين (87)
قولهم وما لنا توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من الكفار بأن قال لهم آمنتم وعجلتم.
فقالوا وأي شيء يصدنا عن الإيمان وقد لاح الصواب وجاء الحق المنير وما لنا ابتداء وخبر، ولا نؤمن في موضع الحال، ولكنها حال هي المقصد وفيها الفائدة: كما تقول جاء زيد راكبا وأنت قد سئلت هل جاء ماشيا أو راكبا. وفي مصحف ابن مسعود «وما لنا لا نؤمن بالله وما أنزل إلينا ربنا». ونطمع تقديره ونحن نطمع. فالواو عاطفة جملة على الجملة لا عاطفة فعل على فعل و «القوم الصالحون» محمد وأصحابه، قاله ابن زيد وغيره من المفسرين). [المحرر الوجيز: 3/236]

تفسير قوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم ذكر الله تعالى ما أثابهم به من النعيم على إيمانهم وإحسانهم). [المحرر الوجيز: 3/236]

تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم ذكر حال الكافرين المكذبين وأنهم قرناء الجحيم، والمعنى قد علم من غير ما آية من كتاب الله أنه اقتران لازم دائم أبدي). [المحرر الوجيز: 3/236]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 05:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 05:07 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,218
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين (83) وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين (84) فأثابهم اللّه بما قالوا جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86)}
قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: نزلت هذه الآيات في النّجاشيّ وأصحابه، الّذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالبٍ بالحبشة القرآن بكوا حتّى أخضلوا لحاهم. وهذا القول فيه نظرٌ؛ لأنّ هذه الآية مدنيّةٌ، وقصّة جعفرٍ مع النّجاشيّ قبل الهجرة.
وقال سعيد بن جبير والسّدّي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النّجاشيّ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته، فلما قرأ عليهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثمّ رجعوا إلى النّجاشيّ فأخبروه.
قال السّدّيّ: فهاجر النّجاشيّ فمات في الطّريق.
وهذا من إفراد السّدّيّ؛ فإنّ النّجاشيّ مات وهو ملك الحبشة، وصلّى عليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنّه مات بأرض الحبشة.
ثمّ اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر، سبعة قساوسةٍ وخمسة رهابين. وقيل بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضعٌ وستّون. وقيل: سبعون رجلًا. فاللّه أعلم.
وقال عطاء بن أبي رباح: هم قومٌ من أهل الحبشة، أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين، وقال قتادة: هم قومٌ كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلمّا رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا. واختار ابن جريرٍ أنّ هذه [الآية] نزلت في صفة أقوامٍ بهذه المثابة، سواءٌ أكانوا من الحبشة أو غيرها.
فقوله [تعالى] {لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا} ما ذاك إلّا لأنّ كفر اليهود عنادٌ وجحودٌ ومباهتةٌ للحقّ، وغمط للنّاس وتنقص بحملة العلم. ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتّى همّوا بقتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غير مرّةٍ وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين -عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدّثنا أحمد بن محمّد بن السّرّي: حدّثنا محمّد بن عليّ بن حبيبٍ الرّقي، حدّثنا سعيدٌ العلّاف بن العلّاف، حدّثنا أبو النّضر، عن الأشجعيّ، عن سفيان، عن يحيى بن عبد اللّه عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما خلا يهوديٌّ قطّ بمسلمٍ إلّا همّ بقتله".
ثمّ رواه عن محمّد بن أحمد بن إسحاق اليشكري حدّثنا أحمد بن سهل بن أيّوب الأهوازيّ، حدّثنا فرج بن عبيدٍ، حدّثنا عبّاد بن العوّام، عن يحيى بن عبيد اللّه، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما خلا يهوديٌّ بمسلمٍ إلّا حدّثت نفسه بقتله". وهذا حديثٌ غريبٌ جدًا.
وقوله: {ولتجدنّ أقربهم مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى} أي: الّذين زعموا أنّهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودّةٌ للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلّا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرّقّة والرّأفة، كما قال تعالى: {وجعلنا في قلوب الّذين اتّبعوه رأفةً ورحمةً} [الحديد: 27] وفي كتابهم: من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر. وليس القتال مشروعًا في ملّتهم؛ ولهذا قال تعالى: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون} أي: يوجد فيهم القسّيسون -وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم: قسّيسٌ وقس أيضًا، وقد يجمع على قسوسٍ-والرّهبان: جمع راهبٍ، وهو: العابد. مشتقٌّ من الرّهبة، وهي الخوف كراكبٍ وركبانٍ، وفارسٍ وفرسانٍ.
وقال ابن جريرٍ: وقد يكون الرّهبان واحدًا وجمعه رهابين، مثل قربانٍ وقرابين، وجردان وجرادين وقد يجمع على رهابنةٍ. ومن الدّليل على أنّه يكون عند العرب واحدًا قول الشّاعر:
لو عاينت رهبان دير في القلل = لانحدر الرّهبان يمشي ونزل
وقال الحافظ أبو بكرٍ البزّار: حدّثنا بشر بن آدم، حدّثنا نصير بن أبي الأشعث، حدّثني الصّلت الدّهّان، عن حامية بن رئابٍ قال: سألت سلمان عن قول اللّه [عزّ وجلّ]: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا} فقال: دع "القسّيسين" في البيع والخرب، أقرأني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ذلك بأنّ منهم صدّيقين ورهبانًا".
وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، عن نصير بن زيادٍ الطّائيّ، عن صلت الدّهان، عن حامية بن رئاب، عن سلمان، به.
وقال ابن أبي حاتمٍ: ذكره أبي، حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، حدّثنا نصير بن زيادٍ الطّائيّ، حدّثنا صلتٌ الدّهّان، عن حامية بن رئابٍ قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا} قال: هم الرّهبان الّذين هم في الصّوامع والخرب، فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم {ذلك بأنّ منهم قسّيسين [ورهبانًا]} فأقرأني: "ذلك بأنّ منهم صديقين ورهبانا".
فقوله: {ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون} تضمّن وصفهم بأنّ فيهم العلم والعبادة والتّواضع). [تفسير القرآن العظيم: 3/166-168]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ وصفهم بالانقياد للحقّ واتّباعه والإنصاف، فقال: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ} أي: ممّا عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم {يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين} أي: مع من يشهد بصحّة هذا ويؤمن به.
وقد روى النّسائيّ عن عمرو بن عليٍّ الفلاس، عن عمر بن عليّ بن مقدّم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الزّبير [رضي اللّه عنهما] قال: نزلت هذه الآية في النّجاشيّ وفي أصحابه: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين}
وقال الطّبرانيّ: حدّثنا أبو شبيل عبيد اللّه بن عبد الرّحمن بن واقدٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا العبّاس بن الفضل، عن عبد الجبّار بن نافعٍ الضّبّيّ، عن قتادة وجعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع} قال: إنّهم كانوا كرابين -يعني: فلّاحين-قدموا مع جعفر بن أبي طالبٍ من الحبشة، فلمّا قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ولعلّكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم". فقالوا: لن ننتقل عن ديننا. فأنزل اللّه ذلك من قولهم.
وروى ابن أبي حاتمٍ: وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من طريق سماك عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {فاكتبنا مع الشّاهدين} أي: مع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأمّته هم الشّاهدون، يشهدون لنبيّهم أنّه قد بلّغ، وللرّسل أنّهم قد بلّغوا. ثمّ قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه). [تفسير القرآن العظيم: 3/168]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصّالحين} وهذا الصّنف من النّصارى هم المذكورون في قوله [عزّ وجلّ] {وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن باللّه وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين للّه [لا يشترون بآيات اللّه ثمنًا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربّهم إنّ اللّه سريع الحساب]} الآية [آل عمران:199]، وهم الّذين قال اللّه فيهم: {الّذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنّا به إنّه الحقّ من ربّنا إنّا كنّا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السّيّئة وممّا رزقناهم ينفقون * وإذا سمعوا اللّغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم]} إلى قوله {لا نبتغي الجاهلين} [القصص:52-55]؛ ولهذا قال تعالى ههنا: {فأثابهم اللّه بما قالوا جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/168-169]

تفسير قوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فأثابهم اللّه بما قالوا جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} أي: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحقّ {جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي: ساكنين فيها أبدًا، لا يحوّلون ولا يزولون، {وذلك جزاء المحسنين} أي: في اتّباعهم الحقّ وانقيادهم له حيث كان، وأين كان، ومع من كان). [تفسير القرآن العظيم: 3/169]

تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ أخبر عن حال الأشقياء فقال: {والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا} أي: جحدوا بها وخالفوها {أولئك أصحاب الجحيم} أي: هم أهلها والدّاخلون إليها). [تفسير القرآن العظيم: 3/169]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:15 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة