العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة المائدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 10:10 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير سورة المائدة [ من الآية (44) إلى الآية (45) ]

تفسير سورة المائدة
[ من الآية (44) إلى الآية (45) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 11:35 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن ابن عيينة عن ابن نجيح عن مجاهد الربانيون قال هم فوق الأحبار هم الفقهاء العلماء). [تفسير عبد الرزاق: 1/187]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الزهري قال حدثنا رجل من مزينة ونحن جلوس عند ابن المسيب عن أبي هريرة قال زنى رجل من اليهود وامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى النبي فإنه نبي بعث بتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك فقال فأتوا النبي وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى بن عمران ما تجدون في التوراة على من زنا إذا أحصن قالوا يحمم ويجبه قال والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما قال وسكت شاب منهم فلما رآه النبي سكت ألظ به النشيدة فقال اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي فما أول ما ارتخصتم أمر الله قال زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل آخر في أثرة من الناس فأراد رجمه فحال دونه وقالوا لا ترجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم قال النبي فإني أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما قال الزهري فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا فكان النبي منه.
عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال شهدت رسول الله حين أمر برجمها رأيته يجافي بيده عنها ليقيها الحجارة). [تفسير عبد الرزاق: 1/189-190]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال هي كفر قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته ورسله). [تفسير عبد الرزاق: 1/191]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فأولئك هم الظالمون فأولئك هم الفاسقون قال فقيل ذلك في بني إسرائيل قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة فلا والله لتسألن طريقهم قد الشراك.
عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال نزلت هؤلاء الآيات في بني إسرائيل ورضي لهذه الأمة بها.
نا الثوري عن زكريا عن الشعبي قال الأولى للمسلمين والثانية لليهود والثالثة للنصارى). [تفسير عبد الرزاق: 1/191]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا الثوري عن رجل عن طاوس قال فأولئك هم الكافرون قال كفر لا ينقل عن الملة قال وقال عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسوق دون فسوق). [تفسير عبد الرزاق: 1/191]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ابن طاؤس عن أبيه قال: قيل لابن عبّاسٍ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: هي كفره وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر [الآية: 44].
سفيان [الثوري] عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ قال: كفرٌ دون كفرٍ وفسقٌ دون فسقٍ وظلم دون ظلم.
سفيان [الثوري] عن رجل عن طاؤس قال: كفرٌ لا يخرج من الملة.
سفيان [الثوري] عن حبيب بن أبي ثابتٍ عن أبي الطّفيل قال: قيل لحذيفة: نزل هذه الآية في بني إسرائيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله} قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل كان لهم مرّةٌ ولكم حلوة لتسلكن طريقهم قد الشراك [الآية: 44]). [تفسير الثوري: 101-102]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا النّاس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}
يقول تعالى ذكره: إنّا أنزلنا التّوراة فيها بيان ما سألك هؤلاء اليهود عنه من حكم الزّانيين المحصنين {ونورٌ} يقول: وفيها جلاء ما أظلم عليهم وضياء ما التبس من الحكم {يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا} يقول: يحكم بحكم التّوراة في ذلك: أي فيما احتكموا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيه من أمر الزّانيين النّبيّون الّذين أسلموا، وهم الّذين أذعنوا لحكم اللّه وأقرّوا به.
وإنّما عنى اللّه تعالى ذكره بذلك نبيّنا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم في حكمه على الزّانيين المحصنين من اليهود بالرّجم، وفي تسويته بين دم قتلى النّضير وقريظة في القصاص والدّية، ومن قبل محمّدٍ من الأنبياء يحكم بما فيها من حكم اللّه. كما:.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا} يعني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول لمّا أنزلت هذه الآية: نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، قال: حدّثنا رجلٌ، من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: زنى رجلٌ من اليهود وامرأةٍ، فقال بعضهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى هذا النّبيّ فإنّه نبيّ بعث بتخفيفٍ، فإن أفتانا بفتيا دون الرّجم قبلناها واحتججنا بها عند اللّه وقلنا: فتيا نبيٍّ من أنبيائك. قال: فأتوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا؟ فلم يكلّمهم كلمةً، حتّى أتى بيت المدراس، فقام على الباب، فقال: أنشدكم باللّه الّذي أنزل التّوراة على موسى، ما تجدون في التّوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يحمّم ويجبّه ويجلد، والتّجبيه: أن يحمل الزّانيان على حمارٍ تقابل أقفيتهما، ويطاف بهما، وسكت شابٌّ، فلمّا رآه سكت ألظّ به النّشدة، فقال: اللّهمّ إذ نشدتنا، فإنّا نجد في التّوراة الرّجم. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: فما أوّل ما ارتخصتم أمر اللّه؟ قال: زنى رجلٌ ذو قرابةٍ من ملكٍ من ملوكنا فأخّر عنه الرّجم، ثمّ زنى رجلٌ في أسرةٍ من النّاس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا ترجم صاحبنا حتّى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: فإنّي أحكم بما في التّوراة فأمر بهما فرجما. قال الزّهريّ: فبلغنا أنّ هذه الآية نزلت فيهم {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا} فكان النّبيّ منهم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة، قوله: {يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا} النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحقّ.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسن، في قوله: {يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا} يعني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم {للّذين هادوا} يعني اليهود، فاحكم بينهم ولا تخشهم). [جامع البيان: 8/449-451]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء}
يقول تعالى ذكره: ويحكم بالتّوراة وأحكامها الّتي أنزل اللّه فيها في كلّ زمانٍ على ما أمر بالحكم به فيها مع النّبيّين الّذين أسلموا، الرّبّانيّون والأحبار.
والرّبّانيّون: جمع ربّانيٍّ، وهم العلماء الحكماء، البصراء بسياسة النّاس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم. والأحبار: هم العلماء.
وقد بيّنّا معنى الرّبّانيّين فيما مضى بشواهده، وأقوال أهل التّأويل فيه.
وأمّا الأحبار: فإنّهم جمع حبرٍ، وهو العالم المحكم للشّيء، ومنه قيل لكعبٍ: كعب الأحبار.
وكان الفرّاء يقول: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار: حبرٌ بكسر الحاء.
وكان بعض أهل التّأويل يقول: عني بالرّبّانيّين والأحبار في هذا الموضع: ابنا صوريا اللّذان أقرّا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحكم اللّه تعالى في التّوراة على الزّانيين المحصنين.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا، وقد اتّبعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يسلما، وأعطياه عهدًا أن لا يسألهما عن شيءٍ في التّوراة إلاّ أخبراه به. وكان أحدهما ربّيًّا، والآخر حبرًا، وإنّما اتّبعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتعلّمان منه. فدعاهما فسألهما، فأخبراه الأمر كيف كان حين زنى الشّريف وزنى المسكين، وكيف غيّروه. فأنزل اللّه: {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا} يعني: النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم؛ والرّبّانيّون والأحبار: هما ابنا صوريا. {للّذين هادوا} ثمّ ذكر ابني صوريا، فقال: {والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء}.
والصّواب من القول في ذلك عندي، أن يقال: إنّ اللّه تعالى ذكره أخبر أنّ التّوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء لليهود والرّبّانيّون من خلقه والأحبار. وقد يجوز أن يكون عني بذلك ابنا صوريا وغيرهما، غير أنّه قد دخل في ظاهر التّنزيل مسلمو الأنبياء وكلّ ربّانيٍّ وحبرٍ، ولا دلالة في ظاهر التّنزيل على أنّه معنيٌّ به خاصٌّ من الرّبّانيّين والأحبار، ولا قامت بذلك حجّةٌ يجب التّسليم لها، فكلّ ربّانيٍّ وحبرٍ داخلٌ في الآية بظاهر التّنزيل.
وبمثل الّذي قلنا في تأويل الأحبار قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سلمة، عن الضّحّاك: الرّبّانيّون والأحبار: قرّاؤهم وفقهاؤهم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا حفصٌ، عن أشعث، عن الحسن: الرّبّانيّون والأحبار: الفقهاء والعلماء.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: الرّبّانيّون العلماء الفقهاء، وهم فوق الأحبار.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: الرّبّانيّون: فقهاء اليهود، والأحبار: علماؤهم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا سنيد بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة: {" والرّبّانيّون والأحبار} كلّهم يحكم بما فيها من الحقّ.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الرّبّانيّون: الولاة، والأحبار: العلماء
وأمّا قوله: {بما استحفظوا من كتاب اللّه} فإنّ معناه: يحكم النّبيّون الّذين أسلموا بحكم التّوراة، والرّبّانيّون والأحبار، يعني العلماء، بما استودعوا علمه من كتاب اللّه الّذي هو التّوراة.
والباء في قوله: {بما استحفظوا} من صلة الأحبار
وأمّا قوله: {وكانوا عليه شهداء} فإنّه يعني أنّ الرّبّانيّين والأحبار بما استودعوا من كتاب اللّه يحكمون بالتّوراة مع النّبيّين الّذين أسلموا للّذين هادوا، وكانوا على حكم النّبيّين الّذين أسلموا للّذين هادوا شهداء أنّهم قضوا عليهم بكتاب اللّه الّذي أنزله على نبيّه موسى وقضائه عليهم. كما:.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وكانوا عليه شهداء} يعني الرّبّانيّين والأحبار هم الشّهداء لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم بما قال أنّه حقٌّ جاء من عند اللّه، فهو نبيّ اللّه محمّدٍ، أتته اليهود فقضى بينهم بالحقّ). [جامع البيان: 8/451-454]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تخشوا النّاس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً}
يقول تعالى ذكره لعلماء اليهود وأحبارهم: لا تخشوا النّاس في تنفيذ حكمي الّذي حكمت به على عبادي وإمضائه عليهم على ما أمرت، فإنّهم لا يقدرون لكم على ضرٍّ ولا نفعٍ إلاّ بإذني، ولا تكتموا الرّجم الّذي جعلته حكمًا في التّوراة على الزّانيين المحصنين، ولكن اخشوني دون كلّ أحدٍ من خلقي، فإنّ النّفع والضّرّ بيدي، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استحفظتم من كتابي. كما:.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فلا تخشوا النّاس واخشون} يقول: لا تخشوا النّاس فتكتموا ما أنزلت.
وأمّا قوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً} يقول: ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الّذي أنزلته على موسى أيّها الأحبار عوضًا خسيسًا، وذلك هو الثّمن القليل. وإنّما أراد تعالى ذكره نهيهم عن أكل السّحت على تحريفهم كتاب اللّه وتغييرهم حكمه عمّا حكم به في الزّانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام الّتي بدّلوها، طلبًا منهم للرّشا؛ كما:.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً} قال: لا تأكلوا السّحت على كتابي.
وقال مرّةً أخرى، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا} قال: لا تأخذوا به رشوةً.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً} ولا تأخذوا طعمًا قليلا على أن تكتموا ما أنزلت). [جامع البيان: 8/455-456]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} يقول تعالى ذكره: ومن كتم حكم اللّه الّذي أنزله في كتابه، وجعله حكمًا بين عباده فأخفاه، وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزّانيين المحصنين بالتّجبيه والتّحميم، وكتمانهم الرّجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بديةٍ كاملةٍ وفي بعضٍ بنصف الدّية، وفي الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدّية، وقد سوّى اللّه بين جميعهم في الحكم عليهم في التّوراة {فأولئك هم الكافرون} يقول: هؤلاء الّذين لم يحكموا بما أنزل اللّه في كتابه، ولكن بدّلوا وغيّروا حكمه وكتموا الحقّ الّذي أنزله في كتابه {هم الكافرون} يقول: هم الّذين ستروا الحقّ الّذي كان عليهم كشفه وتبيينه وغطّوه عن النّاس وأظهروا لهم غيره وقضوا به لسحتٍ أخذوه منهم عليه.
وقد اختلف أهل التّأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع. فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك، من أنّه عنى به اليهود الّذين حرّفوا كتاب اللّه وبدّلوا حكمه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن البراء بن عازبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} في الكافرين كلّها.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم، قال: حدّثنا أبو حيّان، عن أبي صالحٍ، قال: الثّلاث الآيات الّتي في المائدة: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} {فأولئك هم الظّالمون} {فأولئك هم الفاسقون} ليس في أهل الإسلام منها شيءٌ، هي في الكفّار.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن أبي حيّان، عن الضّحّاك: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} و{الظّالمون} و{الفاسقون} قال: نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حديرٍ، قال: أتى أبا مجلز ناسٌ من بني عمرو بن سدوسٍ، فقالوا: يا أبا مجلزٍ، أرأيت قول اللّه: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مجلزٍ، فيحكم هؤلاء بما أنزل اللّه؟ قال: هو دينهم الّذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنّهم قد أصابوا ذنبًا. فقالوا: لا واللّه، ولكنّك تفرق. قال: أنتم أولى بهذا منّي لا أرى رأيّكم وانتم ترون هذا ولا تحرّجون، ولكنّها أنزلت في اليهود والنّصارى وأهل الشّرك، أو نحوًا من هذا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن عمران بن حديرٍ، قال: قعد إلى أبي مجلزٍ نفرٌ من الإباضيّة، قال: فقالوا له: يقول اللّه: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}، {فأولئك هم الظّالمون}, {فأولئك هم الفاسقون} قال أبو مجلزٍ: إنّهم يعملون ما يعملون، يعني الأمراء، ويعلمون أنّه ذنبٌ. قال: وإنّما أنزلت هذه الآية في اليهود والنّصارى. قالوا: أما واللّه إنّك لتعلم مثل ما نعلم، ولكنّك تخشاهم. قال: أنتم أحقّ بذلك منّا، أمّا نحن فلا نعرف ما تعرفون ولكنّكم تعرفونه، ولكن يمنعكم أن تمضوا أمركم من خشيتهم.
- حدثنا ابن بشار قال حدّثنا عبد الرحمن قال حدّثنا سفيان وحدثنا بن وكيع قال حدّثنا أبى عن سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البخترى عن حذيفة في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال نعم الاخوة لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدى الشراك.
بعده زياد
حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عمر بن معتّبٍ، أنّ أبا حسنٍ مولى بني نوفلٍ أخبره، أنّه استفتى ابن عبّاسٍ في مملوكٍ كانت تحته مملوكةٌ، فطلّقها تطليقتين، ثمّ إنّهما أعتقا بعد ذلك، هل يصلح للرّجل أن يخطبها؟ فقال ابن عبّاسٍ: نعم، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قضى بذلك.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن أبي حيّان، عن الضّحّاك: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} و{الظّالمون} و{الفاسقون} قال: نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن أبي البختريّ، قال: قيل لحذيفة: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} ثمّ ذكر نحو حديث ابن بشّارٍ، عن عبد الرّحمن.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن أبي البختريّ، قال: سأل رجلٌ حذيفة، عن هؤلاء الآيات: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}، {فأولئك هم الظّالمون}, {فأولئك هم الفاسقون} قال: فقيل: ذلك في بني إسرائيل؟ قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهم كلّ مرّةٍ، ولكم كلّ حلوةٍ، كلاّ واللّه لتسلكنّ طريقهم قدر الشّراك.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن رجلٍ، عن عكرمة، قال: هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} ذكر لنا أنّ هؤلاء الآيات أنزلت في قتيل اليهود الّذي كان منهم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة، قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} و{الظّالمون} و{الفاسقون}، لأهل الكتاب كلّهم لما تركوا من كتاب اللّه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن البراء بن عازبٍ، قال: مرّ على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيهوديٍّ محمّمٍ مجلودٍ، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حدّ من زنى؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: أنشدك اللّه الّذي أنزل التّوراة على موسى، هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنّك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حدّه في كتابنا الرّجم، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشّريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا تعالوا فلنجتمع جميعًا على التّحميم والجلد مكان الرّجم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللّهمّ إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم، فأنزل اللّه: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} يعني اليهود {فأولئك هم الظّالمون} يعني اليهود، {فأولئك هم الفاسقون} للكفّار كلّها.
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: من حكم بكتابه الّذي كتب بيده وترك كتاب اللّه وزعم أنّ كتابه هذا من عند اللّه، فقد كفر.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن البراء بن عازبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، نحو حديث القاسم، عن الحسين. غير أنّ هنّادًا قال في حديثه: فقلنا: تعالوا فلنجتمع في شيءٍ نقيمه على الشّريف والضّعيف، فاجتمعنا على التّحميم والجلد مكان الرّجم. وسائر الحديث نحو حديث القاسم.
- حدّثنا الرّبيعٌ، قال: حدّثنا ابن وهبٍ، قال: حدّثنا ابن أبي الزّناد، عن أبيه، قال:. كنّا عند عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعودٍ، فذكر رجلٌ عنده: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} فقال عبيد اللّه: أما واللّه إنّ كثيرًا من النّاس يتأوّلون هؤلاء الآيات على ما لم ينزلن عليه، وما أنزلن إلاّ في حيّين من يهود. ثمّ قال: هي قريظة والنّضير؛ وذلك أنّ إحدى الطّائفتين كانت قد غزت الأخرى وقهرتها قبل قدوم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة، حتّى ارتضوا واصطلحوا على أنّ كلّ قتيلٍ قتلته العزيزة من الذّليلة فديته خمسون وسقًا, وكلّ قتيلٍ قتلته الذّليلة من العزيزة فديته مئة وسقٍ. فأعطوهم فرقًا وضيمًا. فقدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهم على ذلك، فذلّت الطّائفتان بمقدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يظهر عليهما. فبينما هما على ذلك أصابت الذّليلة من العزيزة قتيلاً، فقالت العزيزة: أعطونا مائة وسقٍ. فقالت الذّليلة: وهل كان هذا قطّ في حيّين دينهما واحدٌ وبلدهما واحدٌ دية بعضهم ضعف دية بعضٍ؟ إنّما أعطيناكم هذا فرقًا منكم وضيمًا، فاجعلوا بيننا وبينكم محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم. فتراضيا على أن يجعلوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بينهم. ثمّ إنّ العزيزة تذاكرت بينها، فخشيت أن لا يعطيها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أصحابها ضعف ما تعطى أصحابها منها، فدسّوا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إخوانهم من المنافقين، فقالوا لهم: أخبروا لنا رأي محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن أعطانا ما نريد حكّمناه، وإن لم يعطنا حذرناه ولم نحكّمه. فذهب المنافق إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأعلم اللّه تعالى ذكره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما أرادوا من ذلك الأمر كلّه. قال عبيد اللّه: فأنزل اللّه تعالى ذكره فيهم: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} هؤلاء الآيات كلّهنّ، حتّى بلغ: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه} إلى {الفاسقون} قرأ عبيد اللّه ذلك آيةً آيةً وفسّرها على ما أنزل، حتّى فرغ من تفسير ذلك لهم في الآيات، ثمّ قال: إنّما عنى بذلك يهود، وفيهم أنزلت هذه الصّفة
وقال بعضهم: عنى بالكافرين أهل الإسلام، وبالظّالمين: اليهود، وبالفاسقين: النّصارى.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن زكريّا، عن عامرٍ، قال: نزلت الكافرون في المسلمين، والظّالمون في اليهود، والفاسقون في النّصارى.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن ابن أبي السّفر، عن الشّعبيّ، قال: الكافرون في المسلمين، والظّالمون في اليهود، والفاسقون في النّصارى.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، وأبو السّائب، وواصل بن عبد الأعلى، قالوا: حدّثنا ابن فضيلٍ، عن ابن شبرمة، عن الشّعبيّ، قال: آيةٌ فينا، وآيتان في أهل الكتاب: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} فينا، وفيهم {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} والفاسقون في أهل الكتاب.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن جابرٍ، عن عامرٍ، مثل حديث زكريّا عنه.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدّثنا شعبة، عن ابن أبي السّفر، عن الشّعبيّ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: هذا في المسلمين {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} قال: النّصارى.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا زكريّا بن أبي زائدة، عن الشّعبيّ، قال في هؤلاء الآيات الّتي في المائدة: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: فينا أهل الإسلام {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} قال في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} قال: في النّصارى.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن زكريّا بن أبي زائدة، عن الشّعبيّ في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: نزلت الأولى في المسلمين، والثّانية في اليهود، والثّالثة في النّصارى.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن زكريّا، عن الشّعبيّ، بنحوه.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا يعلى، عن زكريّا، عن عامرٍ، بنحوه.
وقال آخرون: بل عني بذلك: كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} قال: كفرٌ دون كفرٍ، وفسقٌ دون فسقٍ، وظلمٌ دون ظلمٌ.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن أيّوب، عن عطاءٍ، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاجٌ، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن أيّوب بن أبي تميمة، عن عطاء بن أبي رباحٍ بنحوه.
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، بنحوه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، بنحوه.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن سعيدٍ المكّيّ، عن طاووسٍ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: ليس بكفرٍ ينقل عن الملّة.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن معمر بن راشدٍ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: هي به كفرٌ، وليس كفرًا باللّه وملائكته وكتبه ورسله.
- حدّثني الحسن، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن معمرٍ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، قال: قال رجلٌ لابن عبّاسٍ في هذه الآيات: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه} فمن فعل هذا فقد كفر؟ قال ابن عبّاسٍ: إذا فعل ذلك فهو به كفرٌ، وليس كمن كفر باللّه واليوم الآخر وبكذا وكذا.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، قال: سئل ابن عبّاسٍ عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: هي به كفرٌ. قال ابن طاووسٍ: وليس كمن كفر باللّه وملائكته وكتبه ورسله.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن رجلٍ، عن طاووسٍ: {فأولئك هم الكافرون} قال: كفرٌ لا ينقل عن الملّة. قال: وقال عطاءٌ: كفرٌ دون كفرٌ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب، وهى مرادٌ بها جميع النّاس مسلموهم وكفّارهم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الأمّة بها.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: نزلت في بني إسرائيل، ورضي لكم بها.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم في هذه الآية: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: نزلت في بني إسرائيل، ثمّ رضي بها لهؤلاء.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسن، في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: نزلت في اليهود، وهي علينا واجبةٌ.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمٍان، عن سلمة بن كهيلٍ، عن علقمة، ومسروقٍ: أنّهما سألا ابن مسعودٍ عن الرّشوة، فقال: من السّحت. قال: فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثمّ تلا هذه الآية: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه} يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه جاحدًا به، فأمّا الظّلم والفسق فهو للمقرّ به.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: من جحد ما أنزل اللّه فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم فهو ظالمٌ فاسقٌ.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصّواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأنّ ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت وهم المعنيّون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرًا عنهم أولى.
فإن قال قائلٌ: فإنّ اللّه تعالى ذكره قد عمّ بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل اللّه، فكيف جعلته خاصًّا؟
قيل: إنّ اللّه تعالى عمّم بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم اللّه الّذي حكم به في كتابه جاحدين فأخبر عنهم أنّهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون. وكذلك القول في كلّ من لم يحكم بما أنزل اللّه جاحدًا به، هو باللّه كافرٌ، كما قال ابن عبّاسٍ؛ لأنّه بجحوده حكم اللّه بعد علمه أنّه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنّه نبيّ). [جامع البيان: 8/456-468]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا النّاس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون (44)
قوله تعالى: إنّا أنزلنا التّوراة
- حدّثنا أبي ثنا عبد اللّه بن رجاءٍ، ثنا عمران أبو العوّام القطّان عن قتادة عن أبي المليح عن وائلة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: أنزلت التّوراة لستٍّ بقين من رمضان.
قوله تعالى: فيها هدًى ونورٌ
- قرأت على محمّدٍ ثنا محمّد بن بكير بن معروفٍ عن مقاتلٍ فيها هدًى ونورٌ يعني: هدًى من الضّلالة، ونورٌ يعني: نورًا من العمى.
قوله تعالى: يحكم بها النّبيّون
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، ثنا عبد الرّزّاق ، ثنا معمرٌ عن الزّهريّ قال: ثنا رجلٌ من مزينة، ونحن عند سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: زنا رجلٌ من اليهود بامرأةٍ. فقال بعضهم: يا أبا القاسم، ما ترى في رجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا.
قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: فأنا أحكم بما في التّوراة فأمر بهما فرجما.
قال الزّهريّ: وبلغنا أنّ هذه الآية نزلت فيهم إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا فكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم منهم.
- قرأت على محمّد بن الفضل ثنا محمّد بن عليٍّ ثنا محمّد بن مزاحمٍ ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: يحكم بها النّبيّون يحكموا بما في التّوراة من لدن موسى إلى لدن عيسى.
قوله تعالى: الّذين أسلموا
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا قال: الّذين أسلموا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قوله تعالى: للّذين هادوا
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ للّذين هادوا هما ابنا إصريا اتّبعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ولم يسلم يسلما وكان أعطياه عهدًا أن لا يسألهما عن شيءٍ من التّوراة إلا أخبرا به.
قوله تعالى: والربانيون
[الوجه الأول]
من فسّره على أنّهم العلماء الفقهاء.
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث ثنا بشر بن عمارة عن أبي روقٍ عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ قوله: والرّبّانيّون قال: الفقهاء العلماء.
- حدّثنا أبي ثنا ابن أبي عمران ابن عيينة عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قال: الرّبّانيّون العلماء الفقهاء، وهم فوق الأجناد.
الوجه الثّاني:
من فسّره على أنّهم العبّاد [6407]
حدّثنا الحسن بن أحمد ثنا موسى بن محلّمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ قال: سألت الحسن في قوله الرّبّانيّون قال: أهل عبادة اللّه وأهل تقوى اللّه.
- حدّثنا أبي ثنا محمّد بن وهب بن عطيّة ثنا الوليد بن مسلمٍ ثنا خليدٌ عن قتادة في الرّبّانيّين قال: الرّبّانيّون العبّاد. وروي عن فضيل بن عياضٍ مثل ذلك
الوجه الثّالث:
من فسّره على أنّهم المؤمنون:
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ حدّثني أبي حدّثني عمّي حدّثني أبي عن أبيه عن ابن عبّاسٍ قوله: الرّبّانيّون هم المؤمنون.
الوجه الرّابع:
من فسّر الرّبّانيّين على أنّهم أصحاب محمّدٍ صلّى الله عليه وسلم رضي الله عنهم.
- حدّثنا أبي ثنا أبو حصين بن يحيى بن سليمان يونس بن بكيرٍ عن أبي عبد اللّه الكوفيّ قال: سمعت جابر الجعفيّ عن أبي جعفرٍ يعني: محمّد بن عليٍّ وذكر أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: رحمهم اللّه جميعًا فهم الرّبّانيّون والأحبار كما أنّ نبيّهم صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم النّبيّين.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبدة بن سليمان عن سعيدٍ عن سالم بن أبي حفصة عن أبي كلثومٍ قال: سمعت ابن الحنفيّة يقول يوم مات ابن عبّاسٍ: اليوم مات ربّانيّ هذه الأمّة.
الوجه الخامس:
من فسّره على أنّهما ابنا أصريا [6412]
حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قال: كان رجلان أخوان من يهود يقال لهما ابني أصريا وقد اتّبعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتعلّمان منه فدعاهما فسألهما فأخبراه الأمر كيف كان حين زنا الشّريف وزنا المسكين، وكان أحدهما رباني والآخر حبر.
قوله: الأحبار
[الوجه الأول]
- أخبرنا محمّد بن العوفيّ فيما كتب إليّ ثنا أبي حدّثني عمّي حدّثني أبي عن ابن إسحاق عن ابن عبّاسٍ في قوله: الأحبار قال: هم القرّاء.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي عن محمّد بن وهب بن عطيّة الوليد بن مسلمٍ ثنا خليد بن دعلجٍ عن قتادة قال: الأحبار العلماء. وروي عن فضيل بن عياضٍ مثل ذلك.
قوله تعالى: بما استحفظوا
- قرأت على محمّد بن الفضل ثنا محمّد بن عليٍّ ثنا محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: بما استحفظوا من كتاب اللّه.
- وبه عن مقاتلٍ قوله: من كتاب اللّه يعني: الرّجم والإيمان بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قوله تعالى: وكانوا عليه شهداء
- أخبرنا محمّد بن سعيدٍ فيما كتب إليّ حدّثني أبي حدّثني عمّي، حدّثني أبي عن أبيه عن ابن عبّاسٍ قوله: وكانوا عليه شهداء هم الشّهداء لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم بما قاله إنّه حقٌّ جاء من عند اللّه، فهو نبيّ اللّه محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم أتته اليهود فقضى بينهم بالحقّ.
قوله تعالى: فلا تخشوا النّاس واخشون
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: فلا تخشوا النّاس واخشون يقول: لا تخشوا النّاس فتكتموا ما أنزلت.
- قرأت على محمّدٍ ثنا محمّدٌ ثنا محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتلٍ قوله: فلا تخشوا النّاس في أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم والرّجم يقول: أظهروا أمر محمّدٍ صلّى الله عليه وسلم والرجم.
قوله تعالى: واخشون
- وبه عن مقاتلٍ قوله واخشون في كتمان محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم والرّجم.
قوله تعالى: ولا تشتروا بآياتي
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ ثنا آدم ثنا أبو جعفرٍ عن الرّبيع بن أنسٍ لا يشترون بآيات اللّه ثمناً قليلا قال: لا تأخذوا على تعليم القرآن أجرًا.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ ثنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم قوله: ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا قال: لا تأكلوا علينا السّحت كما صنعت اليهود.
قوله تعالى: بآياتي
- ذكر عن الحسن بن عليٍّ الحلوانيّ ثنا سعيد بن أبي مريم حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا وإنّ آيات كتابه الّذي أنزل إليهم وإنّ الثّمن القليل هو الدّنيا وشهواتها.
قوله تعالى: ثمنًا قليلا
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّادٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: ثمنًا قليلا يقول: لا تأخذوا طعما قليلا وتكتموا اسم اللّه فذلك الطّمع وهو الثّمن.
قوله تعالى: قليلا
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا محمّد بن حمزة المروزيّ ثنا عليّ بن الحسين ثنا عبد اللّه بن المبارك ثنا عبد الرّحمن بن يزيد عن جابرٍ عن هارون بن يزيد قال: سئل الحسن عن قوله: ثمنًا قليلا قال: الثّمن القليل: الدّنيا بحذافيرها.
قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله يقول: من جحد الحكم بما أنزل اللّه فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالمٌ فاسقٌ. يقول: من جحد من حدود اللّه شيئًا فقد كفر.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه قال: من لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا وجادًّا وهو يعلم فهو من الكافرون.
- أخبرنا أبو يزيدٍ القراطيس فيما كتب إليّ ثنا أصبغ بن الفرج، ثنا عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم يقول في قوله: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون قال: من حكم بكتابه الّذي كتبه بيده وترك كتاب اللّه، وزعم أنّ كتابه هذا من عند الله قد كفر.
قوله تعالى: فأولئك هم الكافرون
[الوجه الأول]
اليهود.
وروي عن عبد اللّه بن عبّاسٍ وعبيد اله بن عبد اللّه والحسن وأبي رجاءٍ وأبي مجلزٍ مثل ذلك، غير أنّ الحسن زاد فيه وهي علينا واجبةٌ.
- قرأت على محمّدٍ ثنا محمّدٌ ثنا محمّدٌ عن بكيرٍ عن مقاتلٍ قوله فأولئك هم الكافرون فقال: أهل قريظة منهم أبو لبابة بن سعفة بن عمرٍو من أهل النّضير منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصّيف.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا وكيعٌ عن سفيان، وحدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع ثنا عبد الرّزّاق ثنا الثّوريّ عن حبيب بن أبي ثابتٍ عن أبي البحتريّ قال: قيل لحذيفة ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون قال: نزلت في بني إسرائيل. فقال حذيفة: نعم، الأخوة لكم بنوا إسرائيل إن كان لكم كلّ حلوةٍ ولهم كل مرة كلا والله لتسلكن طريقهم قد الشّراك والسّياق لعبد الرّزّاق
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، ثنا عبد الرّزّاق ثنا الثّوريّ. عن رجل عن عكرمة قال: نزلت هو الآيات في أهل الكتاب.
- حدّثنا عليّ بن الحسن ثنا مسدّدٌ ثنا يحيى عن أشعث عن الحسن قال:
نزلت في أهل الكتاب.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع اثنا عبد الرّزّاق ثنا الثّوريّ، عن زكريّا عن الشّعبيّ يعني قوله: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون قال:
للمسلمين.
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن يزيد المقري، ثنا سفيان عن هشام بن جحيرٍ عن طاوسٍ عن ابن عبّاسٍ في قوله: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون قال: ليس هو بالكفر الّذي يذهبون إليه.
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن بن طاوسٍ عن أبيه قال: سئل ابن عبّاسٍ في قوله: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون قال: هي كبيرةٌ قال ابن طاوسٍ: وليس كمن كفر باللّه وملائكته وكتبه ورسله: وروي عن عطاءٍ أنّه قال: كفرٌ دون كفرٍ). [تفسير القرآن العظيم: 4/1138-1143]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو زكريّا يحيى بن محمّدٍ العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جريرٌ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همّامٍ، قال: كنّا عند حذيفة فذكروا {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] فقال رجلٌ من القوم: إنّ هذا في بني إسرائيل فقال حذيفة: «نعم الإخوة بنو إسرائيل إن كان لكم الحلو ولهم المرّ، كلّا والّذي نفسي بيده حتّى تحذوا السّنّة بالسّنّة حذو القذّة بالقذّة» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/342]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أحمد بن سليمان الموصليّ، ثنا عليّ بن حربٍ، ثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجيرٍ، عن طاوسٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما: إنّه " ليس بالكفر الّذي يذهبون إليه إنّه ليس كفرًا ينقل عن الملّة {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] كفرٌ دون كفرٍ «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/342]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (د) ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} إلى قوله: {الفاسقون} ؛ هذه الآيات الثلاث نزلت في اليهود خاصة: قريظة، والنضير. أخرجه أبو داود). [جامع الأصول: 2/117]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك} [المائدة: 44])
- عن ابن عبّاسٍ - رضي اللّه عنهما - قال: «إنّ اللّه - عزّ وجلّ - أنزل {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، وأولئك هم الظّالمون، وأولئك هم الفاسقون. قال: قال ابن عبّاسٍ: أنزلها اللّه - عزّ وجلّ - في الطّائفتين من اليهود كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهليّة، حتّى ارتضوا واصطلحوا على أنّ كلّ قتيلٍ قتلته العزيزة فديته خمسون وسقًا، وكلّ قتيلٍ قتلته الذّليلة من العزيزة فديته مائة وسقٍ. فكانوا على ذلك حتّى قدم النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - المدينة، فنزلت الطّائفتان كلتاهما لمقدم النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لم يظهر، ولم يوطّئهما عليه، وهم في الصّلح، فقتلت الذّليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت العزيزة إلى الذّليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسقٍ. فقالت الذّليلة: وهل كان هذا في خيرٍ قطّ؟ دينهما واحدٌ ونسبهما واحدٌ وبلدهما واحدٌ، دية بعضهم نصف دية بعضٍ، إنّما أعطيناكم هذا ضيمًا منكم لنا وفرقًا منكم، فأمّا إذ قدم محمّدٌ فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما، فاصطلحوا على أن يجعلوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بينهم، ثمّ ذكرت العزيزة فقالت: واللّه ما محمّدٌ بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا بما أعطونا هذا ضيمًا منّا وقهرًا لهم، فدسّوا إلى محمّدٍ من يخبر لكم رأيه، إن أعطاكم ما تريدون حكّمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكّموه. فدسّوا إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فلمّا جاء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أخبر اللّه رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - بأمرهم كلّه وما أرادوا، فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم} [المائدة: 41] إلى قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47]، ثمّ قال فيهما: " واللّه أنزلت، وإيّاهم عنى اللّه - عزّ وجلّ». قلت: روى أبو داود بعضه.
رواه أحمد والطّبرانيّ بنحوه، وفيه عبد الرّحمن بن أبي الزّناد وهو ضعيفٌ وقد وثّق، وبقيّة رجال أحمد ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/15-16]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} يعني هدى من الضلالة ونور من العمى {يحكم بها النبيون} يحكمون بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى {للذين هادوا} لهم وعليهم ثم قال ويحكم بها {الربانيون والأحبار} أيضا بالتوراة {بما استحفظوا من كتاب الله} من الرجم والايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس} في امر محمد صلى الله عليه وسلم والرجم يقول: اظهروا أمر محمد والرجم {واخشون} في كتمانه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} قال: أما الربانيون، ففقهاء اليهود واما الأحبار، فعلماؤهم، قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لما أنزلت هذه الآية: نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الاديان.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} قال: النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحق.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {والربانيون والأحبار} قال: الفقهاء والعلماء.
وأخرج عن مجاهد قال: {الربانيون} العلماء الفقهاء وهم فوق الأحبار.
وأخرج عن قتادة قال {الربانيون} فقهاء اليهود {والأحبار} العلماء.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي قال كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا قد اتبعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يسلما وأعطياه عهدا أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا اخبراه به وكان أحدهما ربيا والآخر حبرا وإنما الأمر كيف حين زنى الشريف وزنى المسكين وكيف غيروه فأنزل الله {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم {والربانيون والأحبار} هما ابنا صوريا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الربانيون، الفقهاء العلماء.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والربانيون} قال: هم المؤمنون {والأحبار} قال: هم القراء {وكانوا عليه شهداء} يعني الربانيون والأحبار هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال انه حق جاء من عند الله فهو نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم أتته اليهود فقضى بينهم بالحق.
قوله تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} الآية.
وأخرج ابن المنذر، وابن جريج {فلا تخشوا الناس واخشون} لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن عساكر عن نافع قال: كنا مع ابن عمر في سفر فقيل أن السبع في الطريق قد حبس الناس فاستحث ابن عمر راحلته فلما بلغ إليه برك فعرك أذنه وقعده قال: سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول إنما يسخط على ابن آدم من خافه ابن آدم ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه غيره وإنما وكل ابن آدم عن رجال ابن آدم ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله إلى سواه.
وأخرج ابن جرير عن السدي {فلا تخشوا الناس} فتكتموا ما أنزلت {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} على أن تكتموا ما أنزلت.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} قال: لا تأكلوا السحت على كتابي.
قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله} فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق.
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} (المائدة آية 45) {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} (المائدة آية 47) قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.
وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما نزل الله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} والظالمون والفاسقون في اليهود خاصة.
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} هم الظالمون هم الفاسقون ليس في أهل الإسلام منها شيء هي في الكفار.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} هم الظالمون هم الفاسقون نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله} الآيات، قال: نزلت الآيات في بني إسرائيل ورضي لهذه الأمة بها.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: نزلت في اليهود وهي علينا واجبة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي قال: الثلاث آيات التي في المائدة {ومن لم يحكم بما أنزل الله} أولها في هذه الأمة والثانية في اليهود والثالثة في النصارى.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: من حكم بكتابه الذي كتب بيده وترك كتاب الله وزعم أن كتابه هذا من عند الله فقد كفر.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة أن هذه الآيات ذكرت عنده {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} والظالمون والفاسقون فقال رجل: أن هذا في بني إسرائيل، قال حذيفة: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل أن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: نعم القوم انتم أن كان ما كان من حلو فهو لكم وما كان من مر فهو لأهل الكتاب كأنه يرى أن ذلك في المسلمين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: نعم، قالوا {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} قال: نعم، قالوا: فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله، قال: نعم هو دينهم الذي به يحكمون والذي به يتكلمون وإليه يدعون فإذا تركوا منه شيئا علموا انه جور منهم إنما هذه اليهود والنصارى والمشركون الذين لا يحكمون بما أنزل الله.
وأخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير قال: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} فقلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها فقرأت عليه فقال: لا بل نزلت علينا ثم لقيت مقسما مولى ابن عباس فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة قلت: زعم قوم انها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا، قال: انه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة وحدثته أني سألت عنها سعيد بن جبير ومقسما قال: فما قال مقسم فأخبرته بما قال، قال صدق ولكنه كفر ليس ككفر الشرك وفسق ليس كفسق الشرك وظلم ليس كظلم الشرك فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال: فقال سعيد بن جبير لابنه: كيف رأيته لقد وجدت له فضلا عليك وعلى مقسم.
وأخرج سعيد بن منصور عن عمر قال: ما رأيت مثل من قضى بين اثنين بعد هذه الآيات.
وأخرج سعيد قال: استعمل أبو الدرداء على القضاء فأصبح يهينه، قال: تهينني بالقضاء وقد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن وأبين ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول رغبة عنه وكراهية له ولو يعلم الناس ما في الأذان لأخذوه بالدول رغبة فيه وحرصا عليه.
وأخرج ابن سعد عن يزيد بن موهب، أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: اقض بين الناس قال: لا أقضي بين اثنين ولا أؤم اثنين قال: لا ولكنه بلغني أن القضاة ثلاثة، رجل قضى بجهل فهو في النار ورجل حاف ومال به الهوى فهو في النار ورجل اجتهد فأصاب فهو كفاف لا أجر له ولا وزر عليه، قال: أن أباك كان يقضي قال: أن أبي إذا أشكل عليه شيء سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإذا أشكل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم سأل جبريل واني لا أجد من أسأل أما سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ فقال عثمان: بلى، قال: فاني أعوذ بالله أن تستعملني فأعفاه وقال: لا تخبر بهذا أحدا.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: بلغني أن قاضيا كان في زمن بني إسرائيل بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علما إذا هو قضى بالحق عرف ذلك، فقيل له: ادخل منزلك ثم مد يدك في جدارك ثم انظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط عنده خطا فإذا أنت قمت من مجلس القضاء فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه فانك متى كنت على الحق فانك ستبلغه وإن قصرت عن الحق قصر بك فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد وكان لا يقضي إلا بالحق وكان إذا فرغ لم يذق طعاما ولا شرابا ولا يفضي إلى أهله بشيء حتى يأتي ذلك الخط فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان بدابة فوقع في نفسه أنهما يريدان يختصمان إليه وكان أحدهما له صديقا وخدنا فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون له فيقضي له به فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف وإذا هو لا يبلغه فخر ساجدا وهو يقول: يا رب شيء لم أتعمده فقيل له: أتحسبن أن الله لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك فتقضي له به قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت لذلك كاره
وأخرج الحكيم والترمذي عن ليث قال: تقدم عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما ثم عادا ففصل بينهم فقيل له في ذلك فقال: تقدما إلي فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه فكرهت أن افصل بينهما ثم عادا فوجدت بعض ذلك فكرهت ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما). [الدر المنثور: 5/319-331]

تفسير قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني شبيب بن سعيد عن شعبة ابن الحجّاج عن قيس بن مسلمٍ عن الهيثم بن العريان قال: كنت بالشّام فإذا رجلٌ مع معاوية بن أبي سفيان قاعدٌ على السّرير كأنّه مولًى، فذكر: {فمن تصدّق به فهو كفارةٌ له}، قال: من تصدّق به هدم اللّه عنه مثله من ذنوبه؛ فإذا هو عبد اللّه بن عمرو). [الجامع في علوم القرآن: 2/22-23]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فأولئك هم الظالمون فأولئك هم الفاسقون قال فقيل ذلك في بني إسرائيل قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة فلا والله لتسألن طريقهم قد الشراك.
عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال نزلت هؤلاء الآيات في بني إسرائيل ورضي لهذه الأمة بها.
نا الثوري عن زكريا عن الشعبي قال الأولى للمسلمين والثانية لليهود والثالثة للنصارى). [تفسير عبد الرزاق: 1/191] (م)
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن منصورٍ عن إبراهيم ومجاهدٍ {فمن تصدّق به فهو كفارة له} قال: كفّارةٌ للجارح وأجر المجروح على الله تبارك وتعالى [الآية: 45].
سفيان [الثوري] عن قيس بن مسلمٍ عن طارق بن شهابٍ عن الهيثم بن الأسود عن عبد اللّه بن عمرٍو {فمن تصدّق به فهو كفارة له} قال: هدم عنه مثل ذلك من ذنوبه). [تفسير الثوري: 102]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن جابرٍ عن الشّعبيّ {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} قال: هذه الآيات أوّلها في هذه الأمّة والثّانية في اليهود والثالثة في النصارى.
سفيان [الثوري] عن زكريّا عن الشّعبيّ مثله). [تفسير الثوري: 102-103]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا النّاس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون... } إلى قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عبّاسٍ - في قوله عزّ وجلّ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} - قال: ليس بالكفر الّذي تذهبون إليه.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ قال: إنّما أنزل اللّه عزّ وجلّ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}، و: {الظالمون}، و: {الفاسقون} في اليهود خاصة.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ قال: نا زكريّا بن أبي زائدة، قال: نا الشّعبي، قال: نزلت هذه الآية: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} في أهل الإسلام، {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظالمون} قال: نزلت في اليهود، {فأولئك هم الفاسقون}، قال: نزلت في النصارى.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا العوّام، عن (يسير)، أنّ عمر قال: ما رأيت مثل من قضى بين اثنين بعد هؤلاء الآيات الثّلاث: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}، و {الظالمون} ! فما رأيت مثل من قضى بين اثنين!
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا المغيرة، عن إبراهيم - في أهل الذّمّة إذا استحلفوا-: يغلّظ عليهم بدينهم، فإذا بلغت اليمين، استحلفوا بالله.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا مغيرة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا تستحلفوا بغير اللّه أحدًا.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا عبد الملك قال: يستحلفون باللّه، وإنّ التّوراة والإنجيل لمن كتب اللّه عزّ وجلّ.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا المسعوديّ، عن القاسم بن عبد الرّحمن، عن مسروقٍ أنّه كان يستحلف أهل الكتاب بالله عز وجل.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا حصين، عمّن حدّثه، عن ابن عبّاسٍ - في قوله عزّ وجلّ: {فمن تصدّق به فهو كفارة له} -، قال: كفارة للجارح.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خالد بن عبد اللّه، عن حصين، عن ابن عباس، مثله.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا مغيرة، عن مجاهدٍ، قال: للجارح، وقال إبراهيم : للمجروح.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا فضيلٌ بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيم - في قوله عزّ وجلّ: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} - قال: الّذي أصابه، والمجروح أجره على الله.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن يونس بن أبي إسحاق، سمع أبا إسحاق يسأل مجاهدًا، عن قوله عزّ وجلّ: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: للجارح.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عمران بن ظبيان، عن عديّ بن ثابتٍ، أنّ رجلًا هتم فم رجلٍ على عهد معاوية، فأعطي دية فأبى إلّا أن يقتصّ، فأعطي ديتين فأبى، فأعطي ثلاثًا، فحدّث رجلٌ من أصحاب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: ((من تصدّق بدمٍ إلى دونه، فهو كفّارةٌ له من يوم ولد إلى يوم يموت)) ). [سنن سعيد بن منصور: 4/1482-1496]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله: {والجروح قصاصٌ} [المائدة: 45]
- حدّثني محمّد بن سلامٍ، أخبرنا الفزاريّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ رضي اللّه عنه، قال: كسرت الرّبيّع وهي عمّة أنس بن مالكٍ ثنيّة جاريةٍ من الأنصار، فطلب القوم القصاص، فأتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأمر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالقصاص، فقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالكٍ: لا واللّه، لا تكسر سنّها يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «يا أنس كتاب اللّه القصاص» فرضي القوم وقبلوا الأرش، فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبرّه»). [صحيح البخاري: 6/52]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله والجروح قصاص)
كذا للمستمليّ ولغيره باب والجروح قصاصٌ وأورد فيه حديث أنسٍ أنّ الرّبيّع أي بالتّشديد عمته كسرت ثنية جارية الحديث وسيأتي شرحه مستوفًى في الدّيات
[4611] تنبيهٌ الفزاريّ المذكور في هذا الإسناد هو مروان بن معاوية ووهم من زعم أنّه أبو إسحاق). [فتح الباري: 8/275]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {والجروح قصاصٌ} (المائدة: 45)

أي: هذا باب في قوله تعالى: {والجروح قصاص} هكذا هو في رواية المستملي، وفي رواية غيره: باب والجروح قصاص، وليس في بعض النّسخ لفظ: باب وهذا اللّفظ في قوله: (وكتبنا عليهم فيها أن النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّن بالسّنّ والجروح قصاص)، هذا تعميم بعد التّخصيص لأنّه ذكر العين بالعين ونحوها، والقصاص في الجرح إنّما يثبت فيما يمكن أن يقتصّ فيه مثل الشفتين والذكر واليدين وما أشبه ذلك، وما عدا ذلك من كسر عظم أو جراحة في البطن ففيه أرش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر والكسائيّ برفع الحاء، والباقون: ينصبها، والقصاص من: قصّ الأثر أي: اتبعه فكان المحني عليه يقص أثره ويتبع ليقتل.

- حدّثنا محمّد بن سلامٍ أخبرنا الفزاريّ عن حميدٍ عن أنسٍ رضي الله عنه قال كسرت الرّبيّع وهي عمّة أنسٍ بن مالكٍ ثنيّة جارية من الأنصار فطلب القوم القصاص فأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقال أنس بن النّضر عمّ أنسٍ بن مالكٍ لا والله لا تكسر سنها يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم وقبلوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. والفزاري، بفتح الفاء والزّاي المخففة وبالراء، واسمه: مروان بن معاوية والحديث مضى في كتاب الصّلح في: باب الصّلح في الدّية، فإنّه أخرجه هناك عن محمّد بن عبد الله الأنصاريّ عن حميد عن أنس، وأخرجه هنا عن الفزاريّ معلّقا وقد مضى الكلام فيه هناك.
قوله: (الرّبيع)، بضم الرّاء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة، والجارية الشّابّة، والنضر بفتح النّون وسكون الضّاد المعجمة. قوله: (وقبلوا الأرش) قال ابن الأثير: الأرش المشروع في الحكومات وهو الّذي يأخذه المشتري من البائع إذا اطلع على عيب في المبيع، وأرش الجنايات والجراحات من ذلك لأنّها جابرة لها عمّا حصل فيها من النّقص. قوله: (لا بره) من إبرار القسم وهو امضاؤه على الصدق). [عمدة القاري: 18/205]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله {والجروح قصاصٌ} [المائدة: 45]
(باب قوله) تعالى: ({والجروح قصاص}) [المائدة: 45] أي ذات قصاص فيما يمكن أن يقتص منه، وهذا تعميم بعد التخصيص لأن الله تعالى ذكر النفس والعين والأنف والأذن فخص الأربعة بالذكر، ثم قال والجروح قصاص على سبيل العموم فيما يمكن أن يقتص منه كاليد والرجل، وأما ما لا يمكن ككسر في عظم أو جراحة في بطن يخاف منها التلف فلا قصاص فيه بل فيه الأرش والحكومة وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله للكشميهني والحموي.
- حدّثني محمّد بن سلامٍ، أخبرنا الفزاريّ عن حميدٍ، عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: كسرت الرّبيّع وهي عمّة أنس بن مالكٍ ثنيّة جاريةٍ من الأنصار فطلب القوم القصاص فأتوا النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فأمر النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- بالقصاص. فقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالكٍ: لا واللّه لا تكسر سنّها يا رسول اللّه فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «يا أنس كتاب اللّه القصاص» فرضي القوم وقبلوا الأرش فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «إنّ من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبرّه».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن سلام) السلمي مولاهم البخاري البيكندي قال: (أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء والزاي وبعد الألف راء مروان بن معاوية بن الحارث (عن حميد) الطويل (عن أنس) هو ابن مالك الأنصاري (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: كسرت الربيع) بضم
الراء وفتح الموحدة وبعد التحتية المكسورة المشدّدة عين مهملة (وهي عمة أنس بن مالك ثنية جارية من الأنصار) أي شابة غير رقيقة ولم تسم (فطلب القوم) أي قوم الجارية (القصاص) من الربيع (فأتوا النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) ليحكم بينهم (فأمر النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- بالقصاص) من الربيع (فقال أنس بن النضر) بالضاد الساكنة (عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر سنها) ولأبي ذر: ثنيتها (يا رسول الله) ليس ردًّا للحكم بل نفي لوقوعه لما كان له عند الله من القرب والثقة بفضل الله تعالى ولطفه أنه لا يخيبه بل يلهمهم العفو (فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-): (يا أنس كتاب الله القصاص) بالرفع مبتدأ وخبر قال تعالى: {والسن بالسن} إن قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ (فرضي القوم) فتركوا القصاص عن الربيع (وقبلوا الأرش فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) في قسمه.
وهذا الحديث قد سبق في باب الصلح في الدّية من كتاب الصلح). [إرشاد الساري: 7/105-106]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {والجروح قصاصٌ}
- أخبرنا محمّد بن المثنّى، حدّثنا خالدٌ، حدّثنا حميدٌ، عن أنسٍ، قال: كسرت الرّبيّع ثنيّة جاريةٍ، فطلبوا إليهم العفو فأبوا، فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا وأتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النّضر: يا رسول الله، تكسر ثنيّة الرّبيّع؟ والّذي بعثك بالحقّ لا تكسر، قال: «يا أنس، كتاب الله القصاص» فرضي القوم وعفوا، فقال: «إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/82]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له}
- أخبرنا عليّ بن حجرٍ، عن جريرٍ، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، عن ابن الصّامت، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من تصدّق من جسده بشيءٍ كفّر الله عنه بقدر ذلك من ذنوبه»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/83]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاصٌ فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون}
يقول تعالى ذكره: وكتبنا على هؤلاء اليهود الّذين يحكّمونك يا محمّد، وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه.
ويعني بقوله: {كتبنا} فرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النّفس إذا قتلت نفسًا بغير حقٍّ بالنّفس، يعني: أن تقتل النّفس القاتلة بالنّفس المقتولة {والعين بالعين} يقول: وفرضنا عليهم فيها أن يفقئوا العين الّتي فقأ صاحبها مثلها من نفسٍ أخرى بالعين المفقوءة، ويجدع الأنف بالأنف، ويقطع الأذن بالأذن، ويقلع السّنّ بالسّنّ، ويقتصّ من الجارح غيره ظلمًا للمجروح.
وهذا إخبارٌ من اللّه تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم عن اليهود، وتعزيةٌ منه له عن كفر من كفر منهم به بعد إقراره بنبوّته وإدباره عنه بعد إقباله، وتعريفٌ منه له جراءتهم قديمًا وحديثًا على ربّهم وعلى رسل ربّهم وتقدّمهم على كتاب اللّه بالتّحريف والتّبديل؛
يقول تعالى ذكره له: وكيف يرضى هؤلاء اليهود يا محمّد بحكمك إذا جاءوا يحكّمونك وعندهم التّوراة الّتي يقرّون بها أنّها كتابي ووحيي إلى رسولي موسى صلّى اللّه عليه وسلّم فيها حكمي بالرّجم على الزّناة المحصنين، وقضائي بينهم أنّ من قتل نفسًا ظلمًا فهو بها قودٌ، ومن فقأ عينًا بغير حقٍّ فعينه بها مفقوءةٌ قصاصًا، ومن جدع أنفًا فأنفه به مجدوعٌ، ومن قلع سنًّا فسنّه بها مقلوعةٌ، ومن جرح غيره جرحًا فهو مقتصٌّ منه مثل الجرح الّذي جرحه، ثمّ هم مع الحكم الّذي عنده في التّوراة من أحكامي يتولّون عنه ويتركون العمل به؛ يقول: فهم بترك حكمك وبسخط قضائك بينهم أحرى وأولى.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لمّا رأت قريظة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد حكم بالرّجم وكانوا يخفونه في كتابهم، نهضت قريظة، فقالوا: يا محمّد اقض بيننا وبين إخواننا بني النّضير. وكان بينهم دمٌ قبل قدوم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وكانت النّضير يتعزّزون على بني قريظة ودياتهم على أنصاف ديات النّضير، وكانت الدّية من وسوق التّمر أربعين ومائة وسقٍ لبني النّضير وسبعين وسقًا لبني قريظة. فقال: دم القرظيّ وفاءٌ من دم النّضيريّ فغضب بنو النّضير، وقالوا: لا نطيعك في الرّجم، ولكن نأخذ بحدودنا الّتي كنّا عليها. فنزلت: {أفحكم الجاهليّة يبغون} ونزل: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس} الآية.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاصٌ} قال: فما بالهم يخالفون، يقتلون النّفسين بالنّفس، ويفقئون العينين بالعين؟.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا خلاّدٌ الكوفيّ، قال: حدّثنا الثّوريّ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان بين حيّين من الأنصار قتالٌ، فكان بينهم قتلى، وكان لأحد الحيّين على الآخر طولٌ. فجاء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعل يجعل الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد، والمرأة بالمرأة؛ فنزلت: {الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد} قال سفيان: وبلغني عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: نسختها: {النّفس بالنّفس}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس} فيها: في التّوراة {والعين بالعين} حتّى: {والجروح قصاصٌ} قال مجاهدٌ: عن ابن عبّاسٍ، قال: كان على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ليس بينهم ديةٌ في نفسٍ ولا جرحٍ. قال: وذلك قول اللّه تعالى ذكره: {وكتبنا عليهم فيها} في التّوراة، فخفّف اللّه عن أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعل عليهم الدّية في النّفس والجراح، وذلك تخفيفٌ من ربّكم ورحمةٌ، فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاصٌ} قال: إنّ بني إسرائيل لم يجعل لهم ديةٌ فيما كتب اللّه لموسى في التّوراة من نفسٍ قتلت، أو جرحٍ، أو سنٍّ، أو عينٍ، أو أنفٍ، إنّما هو القصاص أو العفو.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وكتبنا عليهم فيها} أي في التّوراة {أنّ النّفس بالنّفس}.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وكتبنا عليهم فيها} أي في التّوراة {أنّ النّفس بالنّفس}.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس} حتّى بلغ: {والجروح قصاصٌ} بعضها ببعضٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {أنّ النّفس بالنّفس} قال: يقول: تقتل النّفس بالنّفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السّنّ بالسّنّ، وتقتصّ الجراح بالجراح فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم إذا كان في النّفس وما دون النّفس؛ ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدًا في النّفس وما دون النّفس). [جامع البيان: 8/468-472]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له}
اختلف أهل التّأويل في المعنيّ به: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} فقال بعضهم: عني بذلك المجروح ووليّ القتيل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن قيس بن مسلمٍ، عن طارق بن شهابٍ، عن الهيثم بن الأسود، عن عبد اللّه بن عمرٍو: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: يهدم عنه، يعني المجروح، مثل ذلك من ذنوبه.
- حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن قيس بن مسلمٍ، عن طارق بن شهابٍ، عن الهيثم بن الأسود، عن عبد اللّه بن عمرٍو بنحوه.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن قيس بن مسلمٍ، عن طارق بن شهابٍ، عن الهيثم بن الأسود أبي العريان، قال: رأيت معاوية قاعدًا على السّرير وإلى جنبه رجلٌ آحمر كأنّه مولًى، وهو عبد اللّه بن عمرٍو، فقال في هذه الآية: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: يهدم عنه من ذنوبه مثل ما تصدّق به.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ} له قال: للمجروح.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدّثنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن أبي عقبة، عن جابر بن زيدٍ: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: للمجروح.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثني حرميّ بن عمارة، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن رجلٍ، - قال حرميّ: نسيت اسمه - عن جابر بن زيدٍ، بمثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن حمّادٍ، عن إبراهيم: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ} له قال: للمجروح.
- حدّثنا زكريّا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: حدّثنا ابن فضيلٍ، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السّفر، قال: دفع رجلٌ من قريشٍ رجلاً من الأنصار، فاندقّت ثنيّته، فرفعه الأنصاريّ إلى معاوية. فلمّا ألحّ عليه الرّجل، قال معاوية: شأنك وصاحبك. قال: وأبو الدّرداء عند معاوية، فقال أبو الدّرداء: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: ما من مسلمٍ يصاب بشيءٍ من جسده فيهبه إلاّ رفعه اللّه به درجةً وحطّ عنه به خطيئةً. فقال له الأنصاريّ: أنت سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. فخلّى سبيل القرشيّ، فقال معاوية: مروا له بمالٍ.
- حدّثنا محمود بن خداشٍ، قال: حدّثنا هشيم بن بشيرٍ، قال: أخبرنا مغيرة، عن الشّعبيّ، قال: قال ابن الصّامت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: من جرح في جسده جراحةً فتصدّق بها، كفّر عنه ذنوبه بمثل ما تصدّق به.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسينٍ، عن الحسن، في قوله: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: كفّارةٌ للمجروح.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن زكريّا، قال: سمعت عامرًا، يقول: كفّارةٌ لمن تصدّق به.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} يقول: لوليّ القتيل الّذي عفا.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني شبيب بن سعيدٍ، عن شعبة بن الحجّاج، عن قيس بن مسلمٍ، عن الهيثم أبي العريان، قال: كنت بالشّام، وإذا برجلٍ مع معاوية قاعدٌ على السّرير كأنّه مولًى، قال: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: فمن تصدّق به هدم اللّه عنه مثله من ذنوبه. فإذا هو عبد اللّه بن عمرٍو.
وقال آخرون: عنى بذلك الجارح، وقالوا معنى الآية: فمن تصدّق بما وجب له من قودٍ أو قصاصٍ على من وجب ذلك له عليه، فعفا عنه، فعفوه ذلك عن الجاني كفّارةٌ لذنب الجاني المجرم، كما القصاص منه كفّارةٌ له؛ قالوا: فأمّا أجر العافي المتصدّق فعلى اللّه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: كفّارةٌ للجارح، وأجر الّذي أصيب على اللّه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا يونس، بن أبي إسحاق، قال: سمعت مجاهدًا، يقول لأبي إسحاق: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} يا أبا إسحاق؟ قال أبو إسحاق: للمتصدّق؟ فقال مجاهدٌ: للمذنب الجارح.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: قال مغيرة، قال مجاهدٌ: للجارح.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا هنّادٌ، وسفيان بن وكيعٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، ومجاهدٍ: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قالا: للّذي تصدّق عليه، وأجر الّذي أصيب على اللّه. قال هنّادٌ في حديثه، قالا: كفّارةٌ للّذي تصدّق به عليه.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبد بن حميدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بشرٍ، عن زكريّا، عن عامرٍ، قال: كفّارةٌ لمن تصدّق به عليه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيم، قالا: كفّارةٌ للجارح، وأجر الّذي أصيب على اللّه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، قال: سمعت زيد بن أسلم، يقول: إن عفا عنه أو اقتصّ منه، أو قبل منه الدّية، فهو كفّارةٌ له.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: كفّارةٌ للجارح وأجرٌ للعافي، لقوله: {فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: كفّارةٌ للمتصدّق عليه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا معلّى بن أسدٍ، قال: حدّثنا خالدٌ، قال: حدّثنا حصينٌ، عن ابن عبّاسٍ: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: هي كفّارةٌ للجارح.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: فالكفّارة للجارح، وأجر المتصدّق على اللّه.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن عبد اللّه بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، أنّه كان يقول: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} يقول: للقاتل، وأجرٌ للعافي.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عمران بن ظبيان، عن عديّ بن ثابتٍ قال: هتم رجلٌ على عهد معاوية، فأعطي ديةً فلم يقبل، ثمّ أعطي ديتين فلم يقبل، ثمّ أعطي ثلاثًا فلم يقبل. فحدّث رجلٌ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: فمن تصدّق بدمٍ فما دونه، كان كفّارةً له من يوم تصدّق إلى يوم ولد قال: فتصدّق الرّجل.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {والجروح قصاصٌ فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ} له يقول: من جرح فتصدّق بالّذي جرح به على الجارح، فليس على الجارح سبيلٌ ولا قودٌ ولا عقلٌ ولا جرحٌ عليه؛ من أجل أنّه تصدّق عليه الّذي جرح، فكان كفّارةً له من ظلمه الّذي ظلم.
وأولى القولين في ذلك عندي بالصّواب قول من قال: عني به: فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له المجروح، فلأن تكون الهاء في قوله له عائدةً على من أولى من أن تكون من ذكر من لم يجر له ذكرٌ إلاّ بالمعنى دون التّصريح وأحرى، إذ الصّدقة هي المكفّرة ذنب صاحبها دون المتصدّق عليه في سائر الصّدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيل هذه سبيل غيرها من الصّدقات.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ القصاص إذ كان يكفّر ذنب صاحبه المقتصّ منه الّذي أتاه في قتل من قتله ظلمًا، لقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أخذ البيعة على أصحابه: أن لا تقتلوا ولا تزنوا ولا تسرقوا ثمّ قال: فمن فعل من ذلك شيئًا فأقيم عليه حدّه، فهو كفّارته فالواجب أن يكون عفو العافي المجنيّ عليه أو وليّ المقتول عنه، نظيره في أنّ ذلك له كفّارةٌ، فإنّ ذلك لو وجب أن يكون كذلك، لوجب أن يكون عفو المقذوف عن قاذفه بالزّنا وتركه أخذه بالواجب له من الحدّ، وقد قذفه قاذفه وهو عفيفٌ مسلمٌ محصنٌ، كفّارةً للقاذف من ذنبه الّذي ركبه ومعصيته الّتي أتاها، وذلك ما لا نعلم قائلاً من أهل العلم يقوله.
فإذ كان غير جائزٍ أن يكون ترك المقذوف الّذي وصفنا أمره أخذ قاذفه بالواجب له من الحدّ كفّارةً للقاذف من ذنبه الّذي ركبه، كان كذلك غير جائزٍ أن يكون ترك المجروح أخذ الجارح بحقّه من القصاص كفّارةً للجارح من ذنبه الّذي ركبه.
فإن قال قائلٌ: أو ليس للمجروح عندك أخذ جارحه بدية جرحه مكان القصاص؟
قيل له: بلى.
فإن قال: أفرأيت لو اختار الدّية ثمّ عفا عنها، لكانت له قبله في الآخرة تبعةً؟
قيل له: هذا كلامٌ عندنا محالٌ، وذلك أنّه لا يكون عندنا مختار الدّية إلاّ وهو لها آخذٌ. فأمّا العفو فإنّما هو عفوٌ عن الدّم. وقد دلّلنا على صحّة ذلك في موضعٍ غير هذا بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع. إلاّ أن يكون مرادًا بذلك هبتها لمن أخذت منه بعد الأخذ، مع أنّ عفوه عن الدّية بعد اختياره إيّاها لو صحّ لم يكن في صحّة ذلك ما يوجب أن يكون المعفوّ له عنها بريئًا من عقوبة ذنبه عند اللّه؛ لأنّ اللّه تعالى ذكره أوعد قاتل المؤمن بما أوعده به، إن لم يتب من ذنبه، والدّية مأخوذةٌ منه، أحبّ أم سخط، والتّوبة من التّائب إنّما تكون توبةً إذا اختارها وأرادها وآثرها على الإصرار.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ ذلك وإن كان كذلك، فقد يجب أن يكون له كفّارةً كما كان القصاص له كفّارةً؛ فإنّا إنّما جعلنا القصاص له كفّارةً مع ندمه وبذله نفسه لأخذ الحقّ منها تنصّلاً من ذنبه، بخبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. فأمّا الدّية إذا اختارها المجروح ثمّ عفا عنها فلم يقض عليه بحدّ ذنبه، فيكون ممّن دخل في حكم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله: فمن أقيم عليه الحدّ فهو كفّارته ثمّ ممّا يؤكّد صحّة ما قلنا في ذلك، الأخبار الّتي ذكرناها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله: فمن تصدّق بدمٍ وما أشبه ذلك من الأخبار الّتي قد ذكرناها قبل.
وقد يجوز أن يكون القائلون أنّه عنى بذلك الجارح، أرادوا المعنى الّذي ذكر عن عروة بن الزّبير، الّذي:.
- حدّثني به الحرث بن محمّدٍ، قال: حدّثنا ابن سلاّمٍ، قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عبد اللّه بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ قال: إذا أصاب رجلٌ رجلاً ولا يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب، قال: وكان مجاهدٌ يقول عند هذا: أصاب عروة ابن الزّبير عين إنسانٍ عند الرّكن فيما يستلمون، فقال له: يا هذا أنا عروة بن الزّبير، فإن كان بعينك بأسٌ فأنا بها.
وإذا كان الأمر من الجارح على نحو ما كان من عروة من خطأٍ فعلٌ على غير عمدٍ ثمّ اعترف للّذي أصابه بما أصابه فعفا له المصاب بذلك عن حقّه قبله، فلا تبعة له حينئذٍ قبل المصيب في الدّنيا ولا في الآخرة؛ لأنّ الّذي كان وجب له قبله مالٌ لا قصاص وقد أبرأه منه، فإبراؤه منه كفّارةٌ له من حقّه الّذي كان له أخذه به، فلا طلبة له بسبب ذلك قبله في الدّنيا ولا في الآخرة، ولا عقوبة تلزمه بها بما كان منه من أصابه، لأنّه لم يتعمّد إصابته بما أصابه به فيكون بفعله إثّما يستحقّ به العقوبة من ربّه؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد وضع الجناح عن عباده فيما أخطئوا فيه ولم يتعمّدوه من أفعالهم، فقال في كتابه: {وليس عليكم جناحٌ فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم} والتصدق في هذا الموضع بالدّم: العفو عنه). [جامع البيان: 8/472-481]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون}
يقول تعالى ذكره: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه في التّوراة من قود النّفس القاتلة قصاصًا بالنّفس المقتولة ظلمًا. ولم يفقأ عين الفاقئ بعين المفقوءة ظلمًا قصاصًا ممّن أمره اللّه به بذلك في كتابه، ولكن أقاد من بعضٍ ولم يقد من بعضٍ، أو قتل في بعضٍ اثنين بواحدٍ، وإنّ من يفعل ذلك من الظّالمين، يعني ممّن جار عن حكم اللّه ووضع فعله ما فعل من ذلك في غير موضعه الّذي جعله اللّه له موضعًا). [جامع البيان: 8/482]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاصٌ فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون (45)
قوله تعالى: وكتبنا عليهم
- حدّثنا أبي ثنا أبو الوليد عبد الملك بن الأصبغ بن محمّد بن مرزوقٍ، ثنا الوليد ثنا أبو عمرٍو الأوزاعيّ، حدّثني النّضر بن عمرو المقري عن الحسن وسألته عن قول اللّه وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس إلى تمام الآية فهي عليهم خاصّةً قال:
عليهم والنّاس عامّةً.
قوله تعالى: فيها
- حدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة ثنا شبلٌ عن بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:
وكتبنا عليهم فيها قال: مجاهدٌ يقول ابن عبّاسٍ: إنّ على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ليس بينهم ديةٌ في نفسٍ ولا جرحٍ، وذلك قول اللّه تعالى وكتبنا عليهم فيها في التوراة فخفف الله عن أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم فجعل عليهم الدّية في النّفس.
وروي عن مقاتل بن حيّان قال: كتبنا عليهم في التّوراة
قوله: أنّ النّفس بالنّفس
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: النّفس بالنّفس قال: تقتل النّفس بالنّفس.
- حدّثنا أبو زرعة ثنا يحيى بن عبد اللّه حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ قوله: النّفس بالنفس قال: يعني نفس المسلم الحرّ بنفس المسلم الحرّ وبالمسلمة إذا كان عمدًا وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لا يقتل مؤمنٌ بكافر
قوله تعالى: والعين بالعين
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قال: وتفقأ العين بالعين. يعني قوله: والعين بالعين
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ حدّثني اللّيثٌ، حدثني عقيل ويونس- والسياق لعقيل- قال: سألت بن شهابٍ عن رجلٍ أعور فقأ عين صحيحٍ أتفقأ عينه الباقية فيكون أعمى؟ قال: قضاء اللّه في كتابه أنّ العين بالعين فعينه وإن كانت بقيّة بصره.
قوله تعالى: والأنف بالأنف
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس يعني: قوله: والأنف بالأنف قال: ويقطع الأنف بالأنف
قوله تعالى: والأذن بالأذن
- قرئ على محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم ثنا عبد اللّه بن وهبٍ أخبرني يونس بن يزيد عن ربيعة أنّه قال في رجلٍ وقع به قومٌ فقطعوا أذنيه قال: أرى أن يصنع لهم مثل الّذي صنعوا به.
قوله تعالى: السّنّ بالسّنّ
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا أبو خالدٍ الأحمر عن حميدٍ عن أنسٍ قال: أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالاقتصاص من السّنّ، وقال: كتاب اللّه القصاص
قوله تعالى: والجروح قصاصٌ
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ يعني: قوله: والجروح قصاصٌ قال: يقتصّ الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونسائهم فيما بينهم إذا كان عمدًا في النّفس وكما دون النّفس ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدًا في النّفس وما دون النّفس.
- حدّثنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ أصبغ بن الفرج. قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم يقول: في قوله: والجروح قصاصٌ بعضها ببعضٍ.
قوله تعالى: فمن تصدّق به
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: فمن تصدّق به يقول: فمن عفى عنه وتصدّق عليه فهو كفّارةٌ للمطلوب وأجرٌ للطّالب.
قوله تعالى: فهو كفارة له
[الوجه الأول]
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ ثنا أبو داود ثنا شعبة عن قيس بن مسلمٍ قال: عن طارق بن شهابٍ يحدّث عن الهيثم بن العريان النّخعيّ قال: رأيت عبد اللّه بن عمرو عن معاوية أجمر شبيهًا بالموالي فسألته عن قول اللّه تعالى فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدّق به.
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن شيبة الواسطيّ حدّثنا سفيان عن عطاء بن السّائب عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ قوله: فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له للجارح وأجر الجريح على اللّه وروي عن خيثمة بن عبد الرّحمن ومجاهدٍ وإبراهيم في أحد قوليه وعامرٍ الشّعبيّ وجابر بن زيدٍ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
حدّثنا أبي ثنا حمّاد بن زاذان ثنا حرميٌّ يعني ابن عمارة ثنا شعبة عن عمارة يعني ابن أبي حفصة عن رجلٍ عن جابر بن عبد اللّه في قول اللّه فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له قال: للجروح. وروي عن الحسن البصريّ وإبراهيم النّخعيّ في أحد قوليه وأبي إسحاق الهمدانيّ نحو ذلك.
قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله يقول: من جحد شيئًا من حدود اللّه فقد كفر، ومن أمر بها ولم يحكم بها فهو ظالمٌ فاسقٌ.
قوله تعالى: فأولئك هم الظالمون
[الوجه الأول]
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ ثنا أبو معاوية بن الأعمش عن عبد اللّه بن مرّة عن البراء قوله: فأولئك هم الظّالمون قال: أنزلت في اليهود. وروي عن ابن عبّاسٍ والشّعبيّ والحسن ومقاتل بن حيّان نحو ذلك.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا أبو أسامة عن سفيان عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ قوله: فأولئك هم الظّالمون قال: ظلمٌ دون ظلم). [تفسير القرآن العظيم: 4/1144-1146]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (د) ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} إلى قوله: {الفاسقون} ؛ هذه الآيات الثلاث نزلت في اليهود خاصة: قريظة، والنضير. أخرجه أبو داود). [جامع الأصول: 2/117] (م)
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا ابن المبارك، عن يونس، أخبرني أبو عليّ بن يزيد، عن ابن شهابٍ، عن أنسٍ- رضي اللّه عنه- قال: "قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (وكتبنا عليهم فيها أن النّفس بالنّفس والعين بالعين ... الآية".
- رواه أبو يعلى الموصليّ: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
- ورواه أحمد بن حنبلٍ: ثنا يحيى بن آدم، ثنا ابن المبارك ... فذكره. ورواه الحاكم أبو عبد اللّه الحافظ من طريق عبد الله بن المبارك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه قال: ورواه محمد بن يعقوب النّيسابوريّ بمكّة عن عبد اللّه بن المبارك بزيادات ألفاظ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/204-205]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}.
أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال لما رأت قريظة النّبيّ صلى الله عليه وسلم حكم بالرجم وقد كانوا يخفونه في كتابهم فنهضت قريظة فقالوا: يا محمد اقض بيننا وبين إخواننا بني النضير وكان بينهم دم قبل قدوم النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكانت النضير ينفرون على بني قريظة دياتهم على أنصاف ديات النضير فقال: دم القرظي وفاء دم النضير فغضب بنو النضير وقالوا: لا نطيعك في الرجم ولكنا نأخذ بحدودنا التي كنا عليها فنزلت {أفحكم الجاهلية يبغون} المائدة الآية 50 ونزل {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية.
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس {وكتبنا عليهم فيها} قال: في التوراة
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} قال: كتب عليهم هذا في التوراة فكانوا يقتلون الحر بالعبد ويقولون: كتب علينا أن النفس بالنفس.
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: كتب ذلك على بني إسرائيل فهذه الآيات لنا ولهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} إلى تمام الآية، أهي عليهم خاصة قال: بل عليهم والناس عامة.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {وكتبنا عليهم فيها} قال: في التوراة {أن النفس بالنفس} الآية، قال: إنما انزل ما تسمعون في أهل الكتاب حين نبذوا كتاب الله وعطلوا حدوده وتركوا كتابه وقتلوا رسله.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن يرويه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه فراجعوه فقال: قضى الله {أن النفس بالنفس}.
وأخرج البيهقي في "سننه" عن ابن شهاب قال: لما نزلت هذه الآية {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} أقيد الرجل من المرأة وفيما تعمده من الجوارح.
وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب قال: الرجل يقتل بالمرأة إذا قتلها، قال الله {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس}.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" في قوله {أن النفس بالنفس} قال: تقتل بالنفس {والعين بالعين} قال: تفقأ بالعين {والأنف بالأنف} قال: يقطع الأنف بالأنف {والسن بالسن والجروح قصاص} قال: وتقتص الجراح بالجراح {فمن تصدق به} يقول: من عفا عنه فهو كفارة للمطلوب.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين} بنصب النفس ورفع العين وما بعده الآية كلها
وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أنس أن الربيع كسرت ثنية جارية فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله تكسر ثنية فلانة فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس كتاب الله القصاص.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: الجروح قصاص وليس للإمام أن يضربه ولا يحبسه إنما القصاص – ما كان الله نسيا - لو شاء لأمر بالضرب والسجن.
وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه والبيهقي في "سننه" عن عبد الله بن عمر، في قوله {فمن تصدق به}
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال كفارة للمجروح.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن جابر بن عبد الله {فهو كفارة له} قال للذي تصدق به.
وأخرج ابن مردويه عن رجل من الأنصار عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال: الرجل تكسر سنه أو تقطع يده أو يقطع الشيء أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك فيحط عنه قدر خطاياه فإن كان ربع الدية فربع خطاياه وإن كان الثلث فثلث خطاياه وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك.
وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فمن تصدق به فهو كفارة له} الرجل تكسر سنه أو يجرح من جسده فيعفو عنه فيحط من خطاياه بقدر ما عفا من جسده أن كان نصف الدية فنصف خطاياه وإن كان ربع الدية فربع خطاياه وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن مردويه عن عدي بن ثابت، أن رجلا هتم فم رجل على عهد معاوية فأعطاه دية فأبى إلا أن يقتص فأعطاه ديتين فأبى فأعطى ثلاثا، فحدث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت.
وأخرج أحمد والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير عن أبي الدرداء قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه فقال معاوية: أنا أسترضيه فألح الأنصاري فقال معاوية: شأنك بصاحبك وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة، فقال الأنصاري: فاني قد عفوت.
وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال: هو الرجل تكسر سنه ويجرح من جسده فيعفو عنه فيحط عنه من خطاياه بقدر ما عفا عنه من جسده أن كان نصف الدية فنصف خطاياه وإن كان ربع الدية فربع خطاياه وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه وإن كان الدية كلها فخطاياه كلها.
وأخرج أحمد والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير عن أبي الدرداء، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط به خطيئة، فقال الأنصاري: فاني قد عفوت.
وأخرج أحمد والنسائي عن عبادة بن الصامت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من رجل يجرح من جسده جرحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به.
وأخرج أحمد عن رجل من الصحابة قال: من أصيب بشيء من جسده فتركه بعد كان كفارة له.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن يونس بن أبي إسحاق قال: سأل مجاهد أبا إسحاق عن قوله {فمن تصدق به فهو كفارة له} فقال له أبو إسحاق: هو الذي يعفو، قال مجاهد: بل هو الجارح صاحب الذنب.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال: كفارة للجارح وأجر المتصدق على الله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال: كفارة للجارح وأجر المتصدق على الله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم {فمن تصدق به فهو كفارة له} قالا: للجارح.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فمن تصدق به فهو كفارة له} للمتصدق عليه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {فمن تصدق به فهو كفارة له} يقول: من جرح فتصدق به على الجارح فليس على الجارح سبيل ولا قود ولا عقل ولا جرح عليه من أجل انه تصدق عليه الذي جرح فكان كفارة له من ظلمه الذي ظلم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم في الآية قال: إن عفا عنه أو اقتص منه أو قبل منه الدية فهو كفارة له.
وأخرج الخطيب عن ابن عباس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال من عفا عن دم لم يكن له ثواب إلا الجنة). [الدر المنثور: 5/331-339]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 11:36 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) )

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (بما استحفظوا من كتاب الله) (44) أي بما استودعوا، يقال استحفظته شيئاً: أي استودعته). [مجاز القرآن: 1/167]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({الرّبّانيّون}: العلماء، وكذلك (الأحبار) واحدهم حبر وحبر.
{بما استحفظوا} أي استودعوا). [تفسير غريب القرآن: 144-144]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدى ونور يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا النّاس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون (44)
أي فيها نور أي بيان أن أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حق، وفيها بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، على معنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون، ويجوز أن يكون " يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا.
أي يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما سألوه بما في التوراة.
ويجوز أن يكون للذين هادوا للذين تابوا، أي النبيون والربانيون هم العلماء والأحبار وهم العلماء الخيار يحكمون للتائبين من الكفر.
(بما استحفظوا من كتاب اللّه).
أي استوعوا.
وقوله: (ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون)
أي من زعم أن حكما من أحكام اللّه التي أتت بها الأنبياء عليهم السلام باطل فهو كافر، أجمعت الفقهاء أن من قال إن المحصنين لا يجب أن يرجما إذا زنيا وكانا حرّين - كافر، وإنما كفر من رد حكما من أحكام النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه مكذب له، ومن كذب النبي فهو كافر). [معاني القرآن: 2/178]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} أي فيها بيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما جاءوا يستفتون فيه). [معاني القرآن: 2/312]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} يجوز أن يكون المعنى فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون ويجوز أن يكون المعنى يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وعليهم ثم حذف وقد قيل إن لهم بمعنى عليهم وتأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أمر بريرة حين قال: اشترطي لهم الولاء أن معناه عليهم لأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمرها بشيء لا يجب وقال الله جل ذكره: {وإن أسأتم فلها} والذين أسلموا ههنا نعت فيه معنى المدح مثل بسم الله الرحمن الرحيم). [معاني القرآن: 2/312-313]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {والربانيون والأحبار} قال أبو رزين الربانيون العلماء الحكماء والرباني عند أهل اللغة معناه رب العلم أي صاحب العلم وجيء بالألف والنون للمبالغة ويقوي هذا أنه يروى أن ابن الحنفية رحمة الله عليه قال لما مات ابن عباس مات رباني العلم
وقال مجاهد الربانيون فوق الأحبار والأحبار العلماء لأنهم يحبرون لشيء وهو في صدورهم محبر وقال ابن عباس سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي يحقق به وقال الثوري سألت الفراء لم سمي الحبر حبرا فقال يقال للعالم حبر وحبر والمعنى مداد حبر ثم حذف كما قال تعالى: {واسأل القرية} فسألت الأصمعي فقال ليس هذا بشيء إنما سمي حبرا لتأثيره يقال على أسنانه حبرة أي صفرة أو سواد). [معاني القرآن: 2/313-314]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {بما استحفظوا من كتاب الله} أي استودعوا). [معاني القرآن: 2/314]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.
قال ابن عباس: هو به كافر لا كفرا بالله وملائكته وكتبه.
وقال الشعبي: الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى.
وقال غيره: من رد حكما من أحكام الله فقد كفر.
قلت: وقد أجمعت الفقهاء على أنه من قال: لا يجب الرجم على من زنى وهو محصن أنه كافر؛ لأنه رد حكما من أحكام الله جل وعز.
ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات: أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم هي فيهم ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل
وقال الحسن: أخذ الله جل وعز على الحكام ثلاثة أشياء أن لا يتبعوا الهوى وأن لا يخشوا الناس ويخشوه وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.
وأحسن ما قيل في هذا، ما رواه الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء قال: هي في الكفار كلها يعني {فأولئك هم الكافرون} {فأولئك هم الظالمون} {فأولئك هم الفاسقون}، والتقدير على هذا القول والذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). [معاني القرآن: 2/315-316]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({بمَا اسْتُحْفِظُواْ} أي استُدعوا). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 69]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الرَّبَّانِيُّونَ}: العلماء). [العمدة في غريب القرآن: 122]

تفسير قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) )
قالَ مُحمدُ بنُ الجَهْمِ السُّمَّرِيُّ (ت: 277هـ):(وقوله: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس...}
تنصب (النفس) بوقوع (أنّ) عليها. وأنت في قوله: {والعين بالعين والأنف بالأنف} إلى قوله: {والجروح قصاصٌ} بالخيار. إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت. وقد نصب حمزة ورفع الكسائيّ.
قال الفراء: وحدثني إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى عن أبان بن أبي عياش عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: (والعين بالعين) رفعا.
قال الفرّاء: فإذا رفعت العين أتبع الكلام العين، وإن نصبنه فجائز. وقد كان بعضهم ينصب كله، فإذا انتهى إلى {والجروح قصاصٌ} رفع. وكل صواب، إلا أن الرفع والنصب في عطوف إنّ وأنّ إنما يسهلان إذا كان مع الأسماء أفاعيل؛ مثل قوله: {وإذا قيل إن وعد اللّه حق والساعة لا ريب فيها} كان النصب سهلا؛ لأنّ بعد الساعة خبرها. ومثله {إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} ومثله {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعضٍ والله ولي المتقين} فإذا لم يكن بعد الاسم الثاني خبر رفعته، كقوله عزّ وجلّ: {أنّ الله برئ من المشركين ورسوله} وكقوله: {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} وكذلك تقول: إنّ أخاك قائم وزيد، رفعت (زيد) بإتباعه الاسم المضمر في قائم. فابن على هذا). [معاني القرآن للفراء: 1/309-310]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ لّه...}
كنى (عن [الفعل] بهو) وهي في الفعل الذي يجرى منه فعل ويفعل، كما تقول: قد قدمت القافلة ففرحت به، تريد: بقدومها.
وقوله: {كفّارةٌ لّه} يعني: للجارح والجاني، وأجر للمجروح). [معاني القرآن: 1/312]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {وآتيناه الإنجيل فيه هدًى...}
ثم قال {ومصدّقاً} فإن شئت جعل {مصدّقاً} من صفة عيسى، وإن شئت من صفة الإنجيل.
وقوله: {وهدًى وموعظةً لّلمتّقين} متبع للمصدّق في نصبه، ولو رفعته على أن تتبعهما قوله: {فيه هدًى ونورٌ} كان صوابا). [معاني القرآن: 1/312]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له) (45) أي عفا عنه.
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون) (45): أي الكافرون، ومن ها هنا في معنى الجميع، فلذلك كان فأولئك هم الظالمون؛ وللظلم موضعٌ غير هذا؛ ظلم النّاس بعضهم بعضاً، وظلم اللّبن: أن يمخص قبل أن يروب، وظلم السائل مالا يطيق المسئول عفواً. كقول زهير:
=ويظلم أحياناً فينظلم
والأرض مظلومة: لم ينبط بهان ولا أوقد بها نار). [مجاز القرآن: 1/167]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاصٌ فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ لّه ومن لّم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون}
وقال: {والجروح قصاصٌ} إذا عطف على ما بعد "أنّ" نصب والرفع على الابتداء كما تقول: "إنّ زيداً منطلقٌ وعمرٌ ذاهبٌ" وإن شئت قلت: "وعمراً ذاهبٌ" نصب ورفع). [معاني القرآن: 1/225]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} أي للجارح وأجر للمجروح). [تفسير غريب القرآن: 144]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاص فمن تصدّق به فهو كفّارة له ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون (45)
أي في التوراة.
(أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين).
وروي أن النبي قرأ والعين بالعين والقراءة والعين بالعين
(والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاص).
بالرفع والنصب جميعا لا اختلاف بين أهل العربية في ذلك، فمن قرأ العين بالعين أراد أن العين بالعين، ومن قرأ، والعين بالعين فرفعه على وجهين، على العطف على موضع النفس بالنفس والعامل فيها.
المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، أي قلنا لهم النفس بالنفس، ويجوز كسر إن، ولا أعلم أحدا قرأ بها فلا تقرأنّ بها إلا أن تثبت رواية صحيحة.
ويجوز أن تكون العين بالعين، ورفعه على الاستئناف.
وفيها وجه آخر، يجوز أن يكون عطفا على المضمر في النفس، لأن المضمر في النفس في موضع رفع.
المعنى أن النفس مأخوذة هي بالنفس، والعين معطوفة على هي.
وقوله: (فمن تصدّق به فهو كفّارة له)
قال بعضهم من تصدق به أي بحقه فهو كفارة للجارح إذا ترك المجروح حقه، رفع القصاص عن الجارح.
وقال بعضهم هو كفارة للمجروح أي يكفر الله عنه بعفوه ما سلف من ذنوبه). [معاني القرآن: 2/178-179]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال ابن عباس فهو كفارة للجارح وكذلك قال عكرمة والمعنى فمن تصدق بحقه وقال عبد الله بن عمرو فهو كفارة للمجروح أي يكفر عنه من ذنوبه مثل ذلك وكذلك قال ابن مسعود وجابر بن زيد رحمهما الله). [معاني القرآن: 2/317]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} أي للجارح، والهاء عائدة على الجارح، وقيل: الهاء تعود على المجروح، وقيل: تعود على ولي المقتول). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 69]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 3 جمادى الأولى 1434هـ/14-03-2013م, 05:09 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) }
قال أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المثنَّى التيمي (ت:209هـ): (
وكأن منزلة لها بجلاجل = وحي الزبور تجده الأحبار
...
قال والأحبار العلماء الذين يكتبون الزبور فقد انمحى ذلك الكتاب إلا القليل). [نقائض جرير والفرزدق: 850]
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (وقال أبو العباس في قوله عز وجل: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} قال: كل نبي بعض بالإسلام). [مجالس ثعلب: 221]


تفسير قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ َهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) }
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (باب الأنف
وقالوا في الأنف من الإنسان:
والأنف من الإنسان: ما شخص على الوجه، وهو: الخَطم والخُرْطوم أيضا.
وقال بعضهم: الأنف هو العِرْنين، والمَرْسِن: الأنف). [الفرق في اللغة: 47]
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (والأذن أنثى، تصغيرها: أُذينة، وتجمعها فتقول: ثلاث آذان). [المذكور والمؤنث: 64]
قال عبدُ الملكِ بنُ قُرَيبٍ الأصمعيُّ (ت: 216هـ) : (ثم الأنف

أدنى العدد: أنف، والجميع: أنوف). [كتاب الفَرْق: 60]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (أتت جارية أبا ضمضم فقالت: إن هذا قبلني؛ فقال: يا فتى، أذعن لها بحقها، قبليه عافاك الله كما قبلك، فإن الله يقول: {والجروح قصاص} ). [عيون الأخبار: 4/55]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وقال بعض أهل اللغة: تصدق حرف من الأضداد؛ يقال: قد تصدق الرجل إذا أعطى، وهو المعروف المشهور عند أكثر العرب، وقد تصدق إذا سأل؛ وهو القليل في كلامهم). [كتاب الأضداد: 179]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 02:52 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,202
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 02:52 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,202
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 02:52 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,202
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 02:52 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,202
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: إنّا أنزلنا التّوراة الآية، قال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية، نحن اليوم نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان. و «الهدى»:
الإرشاد في المعتقد والشرائع، و «النور»: ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها، والنّبيّون الّذين أسلموا هم من بعث من لدن موسى بن عمران إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، هذان طرفا هذه الجماعة المذكورة في هذه الآية وأسلموا معناه أخلصوا وجوههم ومقاصدهم لله تعالى. وقوله تعالى: للّذين هادوا متعلق ب يحكم أي يحكمون بمقتضى التوراة لبني إسرائيل وعليهم. وقوله تعالى: الرّبّانيّون عطف على «النبيين» أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء، وفي البخاري قال «الرباني» الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل «الرباني» منسوب إلى الرب أي عنده العلم به وبدينه، وزيدت النون في «رباني» مبالغة كما قالوا منظراني ومخبراني وفي عظيم الرقبة رقباني، والأحبار أيضا العلماء واحدهم حبر بكسر الحاء، ويقال بفتحها وكثر استعمال الفتح فيه للفرق بينه وبين الحبر الذي يكتب به. وقال السدي المراد هنا «بالربانيين والأحبار» الذين يحكمون بالتوراة ابنا صوريا كان أحدهم ربانيا والآخر حبرا. وكانوا قد أعطوا النبي صلى الله عليه وسلم عهدا أن لا يسألهما عن شيء من أمر التوراة إلا أخبراه به، فسألهما عن آية الرجم فأخبراه به على وجهه فنزلت الآية مشيرة إليهما.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذا نظر، والرواية الصحيحة أن ابني صوريا وغيرهم جحدوا أمر الرجم وفضحهم فيه عبد الله بن سلام، وإنما اللفظ عام في كل حبر مستقيم فيما مضى من الزمان، وأما في مدة محمد صلى الله عليه وسلم فلو وجد لأسلم فلم يسم حبرا ولا ربانيا. وقوله تعالى: بما استحفظوا أي بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم أمر التوراة وأخذه العهد عليهم في العمل والقول بها وعرفهم ما فيها فصاروا شهداء عليه، وهؤلاء ضيعوا لما استحفظوا حتى تبدلت التوراة، والقرآن بخلاف هذا لقوله تعالى: وإنّا له لحافظون [الحجر: 9] والحمد لله. وقوله تعالى: فلا تخشوا النّاس واخشون حكاية ما قيل لعلماء بني إسرائيل. وقوله: ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلًا نهي عن جميع المكاسب الخبيثة بالعلم والتحيل للدنيا بالدين. وهذا المعنى بعينه يتناول علماء هذه الأمة وحكامها ويحتمل أن يكون قوله فلا تخشوا الناس إلى آخر الآية خطابا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم واختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون فقالت جماعة: المراد اليهود بالكافرين والظالمين والفاسقين، وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البراء بن عازب. وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله. ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان. وقيل لحذيفة بن اليمان أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل؟ فقال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل ان كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة لتسلكن طريقهم قد الشراك. وقال الشعبي: نزلت الكافرون في المسلمين والظّالمون في اليهود والفاسقون في النصارى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ولا أعلم بهذا التخصيص وجها إلا إن صح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه راعى من ذكر مع كل خبر من هذه الثلاثة فلا يترتب له ما ذكر في المسلمين إلا على أنهم خوطبوا بقوله: فلا تخشوا النّاس وقال إبراهيم النخعي: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ثم رضي لهذه الأمة بها). [المحرر الوجيز: 3/174-177]

تفسير قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاصٌ فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون (45)
«الكتب» في هذه الآية هو حقيقة كتب في الألواح، وهو بالمعنى كتب فرض وإلزام، والضمير في عليهم لبني إسرائيل وفي فيها للتوراة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر أنّ النّفس بالنّفس بنصب النفس على اسم أنّ وعطف ما بعد ذلك منصوبا على النّفس. ويرفعون «والجروح قصاص» على أنها جملة مقطوعة. وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصب ذلك كله. وقصاصٌ خبر أنّ. وروى الواقدي عن نافع أنه رفع «والجروح». وقرأ الكسائي «أن النفس بالنفس» نصبا ورفع ما بعد ذلك، فمن نصب «والعين» جعل عطف الواو مشركا في عمل «أن» ولم يقطع الكلام مما قبله. ومن رفع «والعين» فيتمثل ذلك من الأعراب أن يكون قطع مما قبل، وصار عطف الواو عطف جملة كلام لا عطف تشريك في
عامل، ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على المعنى لأن معنى قوله: وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس قلنا لهم النفس بالنفس، ومثله لما كان المعنى في قوله تعالى: يطاف عليهم بكأسٍ من معينٍ
[الصافات: 45] يمنحون كأسا من معين عطف وحورا عينا على ذلك، ويحتمل أن يعطف قوله والعين على الذكر المستتر في الطرق الذي هو الخبر وإن لم يؤكد المعطوف عليه بالضمير المنفصل كما أكد في قوله تعالى: إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم [الأعراف: 27] وقد جاء مثله غير مؤكد في قوله تعالى: ما أشركنا ولا آباؤنا [الأنعام: 148].
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ولسيبويه رحمه الله في هذه الآية أن العطف ساغ دون توكيد بضمير منفصل لأن الكلام طال ب لا في قوله: ولا آباؤنا فكانت لا عوضا من التوكيد كما طال الكلام في قولهم حضر القاضي اليوم امرأة، قال أبو علي: وهذا إنما يستقيم أن يكون عوضا إذا وقع قبل حرف العطف فهناك يكون عوضا من الضمير الواقع قبل حرف العطف، فأما إذا وقع بعد حرف العطف فلا يسد مسد الضمير، ألا ترى أنك قلت حضر امرأة القاضي اليوم لم يغن طول الكلام في غير الموضع الذي ينبغي أن يقع فيه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وكلام سيبويه متجه على النظر النحوي وإن كان الطول قبل حرف العطف أتم فإنه بعد حرف العطف مؤثر لا سيما في هذه الآية، لأن لا ربطت المعنى إذ قد تقدمها نفي ونفت هي أيضا عن الآباء فتمكن العطف، قال أبو علي ومن رفع «والجروح قصاص» فقطعه مما قبله فإن ذلك يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي احتملها رفع والعين، ويجوز أن يستأنف والجروح ليس على أنه مما كتب عليهم في التوراة، لكن على استئناف إيجاب وابتداء شريعة. ويقوي أنه من المكتوب عليهم نصب من نصبه. وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ «أن النفس بالنفس» بتخفيف «أن» ورفع «النفس» ثم رفع ما بعدها إلى آخر الآية. وقرأ أبيّ بن كعب بنصب «النفس» وما بعدها ثم قرأ: «وأن الجروح قصاص» بزيادة «أن» الخفيفة ورفع «الجروح».
ومعنى هذه الآية الخبر بأن الله تعالى كتب فرضا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا فيجب في ذلك أخذ نفسه ثم هذه الأعضاء المذكورة كذلك ثم استمر هذا الحكم في هذه الأمة بما علم من شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه. ومضى عليه إجماع الناس، وذهب قوم من العلماء إلى تعميم قوله:
النّفس بالنّفس فقتلوا الحر بالعبد والمسلم بالذمي، والجمهور على أنه عموم يراد به الخصوص في المتماثلين. وهذا مذهب مالك وفيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل مسلم بكافر» وقال ابن عباس رضي الله عنه: رخص الله لهذه الأمة ووسع عليها بالدية ولم يجعل لبني إسرائيل دية فيما نزل على موسى وكتب عليهم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذه الآية بيان لفساد فعل بني إسرائيل في تعزر بعضهم على بعض وكون بني النضير على الضعف في الدية من بني قريظة أو على أن لا يقاد بينهم بل يقنع بالدية، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية وأعلم أنهم خالفوا كتابهم، وحكى الطبري عن ابن عباس: كان بين حيين من الأنصار قتال فصارت بينهم قتلى وكان لأحدهما طول على الآخر فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الحر بالحر والعبد بالعبد. قال الثوري: وبلغني عن ابن عباس أنه قال ثم نسختها النّفس بالنّفس.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وكذلك قوله تعالى: والجروح قصاصٌ هو عموم يراد به الخصوص في جراح القود، وهي التي لا يخاف منها على النفس، فأما ما خيف منه كالمأمومة وكسر الفخذ ونحو ذلك فلا قصاص فيها. و «القصاص» مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه. فكأن الجاني يقتص أثره ويتبع فيما سنه فيقتل كما قتل، وقوله تعالى: فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له يحتمل ثلاثة معان، أحدها أن تكون «من» للجروح أو ولي القتيل. ويعود الضمير في قوله: له عليه أيضا، ويكون المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ذلك العفو كفارة له عن ذنوبه ويعظم الله أجره بذلك ويكفر عنه، وقال بهذا التأويل عبد الله بن عمر وجابر بن زيد وأبو الدرداء وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله بذلك درجة وحط عنه خطيئة، وذكر مكي حديثا من طريق الشعبي أنه يحط من ذنوبه بقدر ما عفا من الدية والله أعلم. وقال به أيضا قتادة والحسن، والمعنى الثاني أن تكون «من» للجروح أو ولي القتيل، والضمير في له يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه وصح عنه: فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم له ذكر لأن المعنى يقتضيه، قال بهذا التأويل ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وإبراهيم وعامر الشعبي وزيد بن أسلم، والمعنى الثالث أن تكون للجارح أو القاتل والضمير في له يعود عليه أيضا، والمعنى إذا جنى جان فجهل وخفي أمره فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه فذلك الفعل كفارة لذنبه، وذهب القائلون بهذا التأويل إلى الاحتجاج بأن مجاهدا قال إذا أصاب رجل رجلا ولم يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب فهو كفارة للمصيب، وروي أن عروة بن الزبير أصاب عين إنسان عند الركن وهم يستلمون فلم يدر المصاب من أصابه فقال له عروة أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير. فإن كان بعينك بأس فإنها بها.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وانظر أن تصدّق على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدقة ومن الصدق، وذكر مكي بن أبي طالب وغيره أن قوما تأولوا الآية أن المعنى والجروح قصاصٌ فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا تأويل قلق. وقد تقدم القول على قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه الآية. وفي مصحف أبيّ بن كعب «ومن يتصدق به فإنه كفارة له»). [المحرر الوجيز: 3/177-181]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 02:52 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,202
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 02:52 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,202
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ مدح التّوراة الّتي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا} أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدّلونها ولا يحرّفونها {والرّبّانيّون والأحبار} أي: وكذلك الرّبّانيّون منهم وهم العباد العلماء، والأحبار وهم العلماء {بما استحفظوا من كتاب اللّه} أي: بما استودعوا من كتاب اللّه الّذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به {وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا النّاس واخشون} أي: لا تخافوا منهم وخافوني {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} فيه قولان سيأتي بيانهما. سببٌ آخر لنزول هذه الآيات الكريمة.
قال الإمام أحمد: حدّثنا إبراهيم بن العبّاس، حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ قال: إنّ اللّه أنزل: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} و {فأولئك هم الظّالمون} [المائدة:45] {فأولئك هم الفاسقون} [المائدة:47] قال: قال ابن عبّاسٍ: أنزلها اللّه في الطّائفتين من اليهود، كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهليّة، حتّى ارتضوا أو اصطلحوا على أنّ كلّ قتيلٍ قتلته العزيزة من الذّليلة فديته خمسون وسقا، وكلّ قتيلٍ قتلته الذّليلة من العزيزة فديته مائة وسقٍ، فكانوا على ذلك حتّى قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة، فذلّت الطّائفتان كلتاهما، لمقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ويومئذ لم يظهر، ولم يوطّئهما عليه، وهو في الصّلح، فقتلت الذّليلة من العزيزة قتيلًا فأرسلت العزيزة إلى الذّليلة: أن ابعثوا لنا بمائةٍ وسقٍ، فقالت الذّليلة: وهل كان هذا في حيّين قطّ دينهما واحدٌ، ونسبهما واحدٌ، وبلدهما واحدٌ: دية بعضهم نصف دية بعضٍ. إنّما أعطيناكم هذا ضيمًا منكم لنا، وفرقًا منكم، فأمّا إذ قدم محمّدٌ فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثمّ ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بينهم، ثمّ ذكرت العزيزة فقالت: واللّه ما محمّدٌ بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلّا ضيمًا منّا وقهرًا لهم، فدسّوا إلى محمّدٍ: من يخبر لكم رأيه، إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكم حذّرتم فلم تحكّموه. فدسّوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلمّا جاءوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأمرهم كلّه، وما أرادوا، فأنزل اللّه تعالى: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} إلى قوله: {الفاسقون} ففيهم -واللّه-أنزل، وإيّاهم عنى اللّه، عزّ وجلّ.
ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزّناد، عن أبيه، بنحوه.
وقال أبو جعفر بن جريرٍ: حدّثنا هنّاد بن السّريّ وأبو كريب قالا حدّثنا يونس بن بكير، عن محمّد بن إسحاق، حدّثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ؛ أنّ الآيات في "المائدة"، قوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} إلى {المقسطين} إنّما أنزلت في الدّية في بني النّضير وبني قريظة، وذلك أنّ قتلى بني النّضير، كان لهم شرفٌ، تؤدى الدّية كاملةً، وأن قريظة كانوا يودون نصف الدّية فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه ذلك فيهم، فحملهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الحقّ في ذلك، فجعل الدّية في ذلك سواءً-واللّه أعلم أيّ ذلك كان.
ورواه أحمد، وأبو داود، والنّسائيّ من حديث ابن إسحاق.
ثمّ قال ابن جريرٍ: حدّثنا أبو كريبٍ، حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن عليّ بن صالحٍ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: كانت قريظة والنّضير وكانت النّضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجلٌ من قريظة رجلًا من النّضير قتل به، وإذا قتل رجلٌ من النّضير رجلًا من قريظة، ودي مائة وسقٍ تمرٍ. فلمّا بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قتل رجلٌ من النّضير رجلًا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا فقالوا: بيننا وبينكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فنزلت: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط}
ورواه أبو داود والنّسائيّ، وابن حبّان، والحاكم في المستدرك، من حديث عبيد الله بن موسى، بنحوه.
وهكذا قال قتادة، ومقاتل بن حيّان، وابن زيدٍ وغير واحدٍ.
وقد روى العوفيّ، وعليّ بن أبي طلحة الوالبيّ، عن ابن عبّاسٍ: أنّ هذه الآيات نزلت في اليهوديّين اللّذين زنيا، كما تقدّمت الأحاديث بذلك. وقد يكون اجتمع هذان السّببان في وقتٍ واحدٍ، فنزلت هذه الآيات في ذلك كلّه، واللّه أعلم.
ولهذا قال بعد ذلك: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين} إلى آخرها، وهذا يقوّي أنّ سبب النّزول قضيّة القصاص، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال البراء بن عازبٍ، وحذيفة بن اليمان، وابن عبّاسٍ، وأبو مجلزٍ، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة، وعبيد اللّه بن عبد اللّه، والحسن البصريّ، وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب -زاد الحسن البصريّ: وهي علينا واجبةٌ.
وقال عبد الرّزّاق عن سفيان الثّوريّ، عن منصورٍ، عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي اللّه لهذه الأمّة بها. رواه ابن جريرٍ.
وقال ابن جريرٍ أيضًا: حدّثنا يعقوب، حدّثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروقٍ أنّهما سألا ابن مسعودٍ عن الرّشوة فقال: من السّحت: قال: فقالا وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر! ثمّ تلا {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}
وقال السّدّي: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين [به]
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: من جحد ما أنزل اللّه فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم فهو ظالمٌ فاسقٌ. رواه ابن جريرٍ.
ثمّ اختار أنّ الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم اللّه المنزّل في الكتاب.
وقال عبد الرّزّاق، عن الثّوريّ، عن زكريّا، عن الشّعبيّ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه} قال: للمسلمين.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن المثنّى، حدّثنا عبد الصّمد، حدّثنا شعبة، عن ابن أبي السّفر، عن الشّعبيّ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: هذا في المسلمين، {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} قال: هذا في اليهود، {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} قال: هذا في النّصارى.
وكذا رواه هشيم والثّوريّ، عن زكريّا بن أبي زائدة، عن الشّعبيّ.
وقال عبد الرّزّاق أيضًا: أخبرنا معمر، عن ابن طاوسٍ عن أبيه قال: سئل ابن عبّاسٍ عن قوله: {ومن لم يحكم [بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون]} قال: هي به كفرٌ -قال ابن طاوسٍ: وليس كمن كفر باللّه وملائكته وكتبه ورسله.
وقال الثّوريّ، عن ابن جريج عن عطاءٍ أنّه قال: كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ. رواه ابن جريرٍ.
وقال وكيع عن سفيان، عن سعيدٍ المكّيّ، عن طاوسٍ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: ليس بكفرٍ ينقل عن الملّة.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوسٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: ليس بالكفر الّذي يذهبون إليه.
ورواه الحاكم في مستدركه، عن حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه. ). [تفسير القرآن العظيم: 3/117-120]

تفسير قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاصٌ فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون (45)}
وهذا أيضًا ممّا وبّخت به اليهود وقرّعوا عليه، فإنّ عندهم في نصّ التّوراة: أنّ النّفس بالنّفس. وهم يخالفون ذلك عمدًا وعنادًا، ويقيدون النّضريّ من القرظيّ، ولا يقيدون القرظيّ من النّضريّ، بل يعدلون إلى الدّية، كما خالفوا حكم التّوراة المنصوص عندهم في رجم الزّاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتّحميم والإشهار؛ ولهذا قال هناك: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} لأنّهم جحدوا حكم اللّه قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال هاهنا: {فأولئك هم الظّالمون} لأنّهم لم ينصفوا المظلوم من الظّالم في الأمر الّذي أمر اللّه بالعدل والتّسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا، وتعدّى بعضهم على بعضٍ.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن أبي علي بن يزيد -أخي يونس بن يزيد-عن الزّهريّ، عن أنس بن مالكٍ؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأها: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين} نصب النّفس ورفع العين.
وكذا رواه أبو داود، والتّرمذيّ والحاكم في مستدركه، من حديث عبد اللّه بن المبارك وقال التّرمذيّ: حسنٌ غريبٌ.
وقال البخاريّ: تفرّد ابن المبارك بهذا الحديث.
وقد استدلّ كثيرٌ ممّن ذهب من الأصوليّين والفقهاء إلى أنّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إذا حكي مقرّرًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشّيخ أبو إسحاق الاسفرايينيّ عن نصّ الشّافعيّ وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمّة.
وقال الحسن البصريّ: هي عليهم وعلى النّاس عامّةٌ. رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقد حكى الشّيخ أبو زكريّا النّوويّ في هذه المسألة ثلاثة أوجهٍ ثالثها: أنّ شرع إبراهيم حجّةٌ دون غيره، وصحّح منها عدم الحجّيّة، ونقلها الشّيخ أبو إسحاق الاسفرايينيّ أقوالًا عن الشّافعيّ ورجّح أنّه حجّةٌ عند الجمهور من أصحابنا، فاللّه أعلم.
وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصّبّاغ، رحمه اللّه، في كتابه "الشّامل" إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلّت عليه، وقد احتجّ الأئمّة كلّهم على أنّ الرّجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الّذي رواه النّسائيّ وغيره: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتب في كتاب عمرو بن حزمٍ: "أنّ الرّجل يقتل بالمرأة" وفي الحديث الآخر: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وهذا قول جمهور العلماء.
وعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ أنّ الرّجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، إلّا أن يدفع وليّها إلى أوليائه نصف الدّية؛ لأنّ ديتها على النّصف من دية الرّجل، وإليه ذهب أحمد في روايته [عنه] وحكي [هذا] عن الحسن [البصريّ] وعطاءٍ، وعثمان البتّيّ، وروايةً عن أحمد [به] أنّ الرّجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، بل تجب ديتها.
وهكذا احتجّ أبو حنيفة، رحمه اللّه تعالى، بعموم هذه الآية على أنّه يقتل المسلم بالكافر الذّمّيّ، وعلى قتل الحرّ بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصّحيحين عن أمير المؤمنين عليٍّ، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ" وأمّا العبد فعن السّلف في آثار متعدّدةٍ: أنّهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحرّ، ولا يقتلون حرًّا بعبدٍ، وجاء في ذلك أحاديث لا تصحّ، وحكى الشّافعيّ الإجماع على خلاف قول الحنفيّة في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلّا بدليلٍ مخصّصٍ للآية الكريمة.
ويؤيّد ما قاله ابن الصّبّاغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثّابت في ذلك، كما قال الإمام أحمد:
حدّثنا محمّد بن أبي عديّ، حدّثنا حميد، عن أنس بن مالكٍ: أنّ الرّبيع عمّة أنسٍ كسرت ثنيّة جاريةٍ، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "القصاص". فقال أخوها أنس بن النّضر: يا رسول اللّه تكسر ثنيّة فلانة؟! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "يا أنس، كتاب اللّه القصاص". قال: فقال: لا والّذي بعثك بالحقّ، لا تكسر ثنيّة فلانة. قال: فرضي القوم، فعفوا وتركوا القصاص، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبّره".
أخرجاه في الصّحيحين وقد رواه محمّد بن عبد اللّه بن المثنّى الأنصاريّ، في الجزء المشهور من حديثه، عن حميدٍ، عن أنس بن مالكٍ؛ أنّ الرّبيع بنت النّضر عمّته لطمت جاريةً فكسرت ثنيّتها فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا فطلبوا الأرش والعفو فأبوا، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النّضر فقال: يا رسول اللّه أتكسر ثنيّة الرّبيع؟ والّذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيّتها. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "يا أنس كتاب اللّه القصاص". فعفا القوم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبرّه". رواه البخاريّ عن الأنصاريّ. فأمّا الحديث الّذي رواه أبو داود:
حدّثنا أحمد بن حنبلٍ، حدّثنا معاذ بن هشامٍ، حدّثنا أبي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصينٍ، أنّ غلامًا لأناسٍ فقراء قطع أذن غلامٍ لأناسٍ أغنياء، فأتى أهله النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا أناسٌ فقراء، فلم يجعل عليه شيئًا. وكذا رواه النّسائيّ عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشامٍ الدّستوائيّ، عن أبيه عن قتادة، به وهذا إسنادٌ قويٌّ رجاله كلّهم ثقاتٌ فإنّه حديثٌ مشكلٌ، اللّهمّ إلّا أن يقال: إن الجاني كان قبل البلوغ، فلا قصاص عليه، ولعلّه تحمّل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء، أو استعفاهم عنه.
وقوله تعالى: {والجروح قصاصٌ} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قال: تقتل النّفس بالنّفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السّنّ بالسّنّ، وتقتصّ الجراح بالجراح.
فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين [به] فيما بينهم، رجالهم ونساؤهم، إذا كان عمدًا في النّفس وما دون النّفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدًا، في النّفس وما دون النّفس، رواه ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ.
قاعدةٌ مهمّةٌ:
الجراح تارةً تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع، كقطع اليد والرّجل والكفّ والقدم ونحو ذلك. وأمّا إذا لم تكن الجراح في مفصلٍ بل في عظمٍ، فقال مالكٌ، رحمه اللّه: فيه القصاص إلّا في الفخذ وشبهها؛ لأنّه مخوّفٌ خطرٌ. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيءٍ من العظام إلّا في السّنّ. وقال الشّافعيّ: لا يجب القصاص في شيءٍ من العظام مطلقًا، وهو مرويٌّ عن عمر بن الخطّاب، وابن عبّاسٍ. وبه يقول عطاءٌ، والشّعبيّ، والحسن البصريّ، والزّهريّ، وإبراهيم النّخعي، وعمر بن عبد العزيز. وإليه ذهب سفيان الثّوريّ، واللّيث بن سعدٍ. وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
وقد احتجّ أبو حنيفة، رحمه اللّه، بحديث الرّبيع بنت النّضر على مذهبه أنّه لا قصاص في عظمٍ إلّا في السّنّ. وحديث الرّبيع لا حجّة فيه؛ لأنّه ورد بلفظ: "كسرت ثنيّة جاريةٍ" وجائزٌ أن تكون سقطت من غير كسرٍ، فيجب القصاص -والحالة هذه-بالإجماع. وتمّموا الدّلالة. بما رواه ابن ماجه، من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن دهثم بن قرّان، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفرٍ الحنفيّ؛ أنّ رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسّيف من غير المفصل، فقطعها، فاستعدى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمر له بالدّية، فقال: يا رسول اللّه، أريد القصاص. فقال: "خذ الدّية، بارك اللّه لك فيها". ولم يقض له بالقصاص.
وقال الشّيخ أبو عمر بن عبد البرّ: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قرّان العكلي ضعيفٌ أعرابيٌّ، ليس حديثه ممّا يحتجّ به، ونمران بن جارية ضعيفٌ أعرابيٌّ أيضًا، وأبوه جارية بن ظفر مذكورٌ في الصّحابة.
ثمّ قالوا: لا يجوز أن يقتصّ من الجراحة حتّى تندمل جراحه المجنيّ عليه، فإن اقتصّ منه قبل الاندمال ثمّ زاد جرحه، فلا شيء له، والدّليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن محمّد بن إسحاق، فذكر حديثًا، قال ابن إسحاق: وذكر عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدّه؛ أنّ رجلًا طعن رجلًا بقرنٍ في ركبته، فجاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: أقدني. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا تعجل حتّى يبرأ جرحك". قال: فأبى الرّجل إلّا أن يستقيد، فأقاده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منه، قال: فعرج المستقيد وبرأ المستقاد منه، فأتى المستقيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول اللّه، عرجت وبرأ صاحبي. فقال: "قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك اللّه وبطل عرجك". ثمّ نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقتصّ من جرحٍ حتّى يبرأ صاحبه. تفرّد به أحمد.
مسألةٌ:
فلو اقتصّ المجنيّ عليه من الجاني، فمات من القصاص، فلا شيء عليه عند مالكٍ، والشّافعيّ، وأحمد بن حنبلٍ، وهو قول الجمهور من الصّحابة والتّابعين وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تجب الدّية في مال المقتصّ. وقال عامرٌ الشّعبيّ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، وعمرو بن دينارٍ، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وحمّاد بن أبي سليمان، والزّهريّ، والثّوريّ: تجب الدّية على عاقلة المقتصّ له. وقال ابن مسعودٍ، وإبراهيم النّخعي، والحكم بن عتيبة وعثمان البتّيّ: يسقط عن المقتصّ له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله.
وقوله: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} يقول: فمن عفا عنه، وتصدّق عليه فهو كفّارةٌ للمطلوب، وأجرٌ للطّالب.
وقال سفيان الثّوريّ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: كفّارةٌ للجارح، وأجرٌ المجروح على اللّه، عزّ وجلّ. رواه ابن أبي حاتمٍ، ثمّ قال: وروي عن خيثمة بن عبد الرّحمن، ومجاهدٍ، وإبراهيم -في أحد قوليه-وعامرٍ الشّعبيّ، وجابر بن زيدٍ-نحو ذلك الوجه الثّاني، ثمّ قال ابن أبي حاتمٍ:
حدّثنا حمّاد بن زاذان، حدّثنا حرميٌّ -يعني ابن عمارة-حدّثنا شعبة، عن عمارة -يعني ابن أبي حفصة-عن رجلٍ، عن جابر بن عبد اللّه، في قول اللّه، عزّ وجلّ {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: للمجروح. وروى عن الحسن البصريّ، وإبراهيم النّخعيّ -في أحد قوليه-وأبي إسحاق الهمدانيّ، نحو ذلك.
وروى ابن جريرٍ، عن عامرٍ الشّعبيّ وقتادة، مثله.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا يونس بن حبيبٍ، حدّثنا أبو داود الطّيالسيّ، حدّثنا شعبة، عن قيسٍ -يعني بن مسلمٍ-قال: سمعت طارق بن شهابٍ يحدّث، عن الهيثم أبي العريان النّخعيّ قال: رأيت عبد اللّه بن عمرٍو عند معاوية أحمر شبيهًا بالموالي، فسألته عن قول اللّه [عزّ وجلّ] {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به.
وهكذا رواه سفيان الثّوريّ عن قيس بن مسلمٍ. وكذا رواه ابن جريرٍ من طريق سفيان وشعبة.
وقال ابن مردويه: حدّثني محمّد بن عليٍّ، حدّثنا عبد الرّحيم بن محمّدٍ المجاشعي، حدّثنا محمّد بن أحمد بن الحجّاج المهريّ، حدّثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدّثنا معلّى -يعني ابن هلالٍ -أنّه سمع أبان بن تغلب، عن أبي العريان الهيثم بن الأسود، عن عبد اللّه بن عمرٍو -وعن أبان بن تغلب، عن الشّعبيّ، عن رجلٍ من الأنصار عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: {فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له} قال: هو الّذي تكسر سنّه، أو تقطع يده، أو يقطع الشّيء منه، أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك، وقال فيحطّ عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدّية فربع خطاياه، وإن كان الثّلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدّية حطّت عنه خطاياه كذلك.
ثمّ قال ابن جريرٍ: حدّثنا زكريّا بن يحيى بن أبي زائدة، حدّثنا ابن فضيلٍ، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السّفر قال: دفع رجلٌ من قريشٍ رجلًا من الأنصار، فاندقّت ثنيّته، فرفعه الأنصاريّ إلى معاوية، فلمّا ألحّ عليه الرّجل قال: شأنك وصاحبك. قال: وأبو الدّرداء عند معاوية، فقال أبو الدّرداء: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "ما من مسلمٍ يصاب بشيءٍ من جسده، فيهبه، إلّا رفعه اللّه به درجةً، وحطّ عنه به خطيئةً". فقال الأنصاريّ: أنت سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فخلّى سبيل القرشيّ، فقال معاوية: مروا له بمالٍ.
هكذا رواه ابن جريرٍ ورواه الإمام أحمد فقال: حدّثنا وكيع، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السّفر قال: كسر رجلٌ من قريشٍ سنّ رجلٍ من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال القرشيّ: إنّ هذا دقّ سنّي؟ قال معاوية: إنّا سنرضيه. فألحّ الأنصاريّ، فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدّرداء جالسٌ، فقال أبو الدّرداء سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "ما من مسلمٍ يصاب بشيءٍ في جسده، فيتصدّق به، إلّا رفعه اللّه به درجةً أو حطّ عنه بها خطيئةً". فقال الأنصاريّ: فإنّي، يعني: قد عفوت.
وهكذا رواه التّرمذيّ من حديث ابن المبارك، وابن ماجه من حديث وكيع، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق، به ثمّ قال التّرمذيّ: غريبٌ لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السّفر سماعًا من أبي الدّرداء.
وقال [أبو بكر] بن مردويه: حدّثنا دعلج بن أحمد، حدّثنا محمّد بن عليّ بن زيدٍ، حدّثنا سعيد بن منصورٍ، حدّثنا سفيان، عن عمران بن ظبيان، عن عديّ بن ثابتٍ؛ أنّ رجلًا هتم فمه رجلٌ، على عهد معاوية، رضي اللّه عنه، فأعطي ديةً، فأبى إلّا أن يقتصّ، فأعطي ديتين، فأبى، فأعطي ثلاثًا، فأبى، فحدّث رجلٌ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "من تصدّق بدمٍ فما دونه، فهو كفّارةٌ له من يوم ولد إلى يوم يموت".
وقال الإمام أحمد: حدّثنا سريج بن النّعمان، حدّثنا هشيم، عن المغيرة، عن الشّعبيّ؛ أنّ عبادة بن الصّامت قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "ما من رجلٍ يجرح من جسده جراحة، فيتصدق بها، إلّا كفّر اللّه عنه مثل ما تصدّق به.
ورواه النّسائيّ، عن عليّ بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، ورواه ابن جريرٍ، عن محمود بن خداش، عن هشيم، كلاهما عن المغيرة، به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان، عن مجالدٍ، عن عامرٍ، عن المحرّر بن أبي هريرة، عن رجلٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "من أصيب بشيءٍ من جسده، فتركه للّه، كان كفّارةً له".
وقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} قد تقدّم عن طاوسٍ وعطاءٍ أنّهما قالا كفر دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلم، وفسق دون فسق). [تفسير القرآن العظيم: 3/120-126]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:23 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة