العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة المائدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 06:35 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير سورة المائدة [ من الآية (20) إلى الآية (26) ]

تفسير سورة المائدة
[ من الآية (20) إلى الآية (26) ]

بسم الله الرحمن الرحيم
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 11:25 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وسمعت مالكا يقول: سمعت عبد ربه بن سعيد يقول: سمعت أن تأويل هذه الآية: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا}، أن يكون للرجل المسكن يأوي إليه، والمرأة يتزوجها، والخادم تخدمه؛ فهو أحد الملوك الذين قال الله). [الجامع في علوم القرآن: 2/137]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (معمر عن قتادة عن الحسن في قوله تعالى وجعلكم ملوكا قال ملكهم الخدم قال معمر وقال قتادة وكانوا أول من ملك الخدم). [تفسير عبد الرزاق: 1/186]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال أخبرني الثوري عن منصور عن الحكم أو غيره عن ابن عباس في قوله تعالي وجعلكم ملوكا قال الزوجة والخادم والبيت). [تفسير عبد الرزاق: 1/187]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن أبي إسحاق عن عبد اللّه بن حنشٍ قال: قال ابن عباس: {وجعلكم ملوكا} قال: البيت والخادم [الآية: 20]). [تفسير الثوري: 100-101]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن منصورٍ، عن الحكم - في قوله عزّ وجلّ: {وجعلكم ملوكًا} -، قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم بيتٌ وخادمٌ فهو ملك.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد اللّه بن وهب قال: أخبرني أبو هانئ الخولاني، أنّه سمع أبا عبد الرّحمن (الحبليّ) يقول: سمعت عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وسأله رجلٌ فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ قال له عبد اللّه: لك امرأةٌ تأوي إليها؟ قال: نعم قال: ألك مسكنٌ تسكنه؟ قال: نعم قال: فأنت من الأغنياء قال: إنّ لي خادمًا قال: فأنت من الملوك). [سنن سعيد بن منصور: 4/1451]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين}
وهذا أيضًا من اللّه تعريفٌ لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قديمٌ تمادي هؤلاء اليهود في الغيّ وبعدهم عن الحقّ وسوء اختيارهم لأنفسهم وشدّة خلافهم لأنبيائهم وبطء إنابتهم إلى الرّشاد، مع كثرة نعم اللّه عندهم وتتابع أياديه وآلائه عليه، مسلّيًا بذلك نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم عمّا يحلّ به من علاجهم وينزل به من مقاساتهم في ذات اللّه. يقول اللّه له صلّى اللّه عليه وسلّم: لا تأس على ما أصابك منهم، فإنّ الذّهاب عن اللّه والبعد من الحقّ وما فيه لهم الحظّ في الدّنيا والآخرة من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم، وتعزّ بما لاقى منهم أخوك موسى صلّى اللّه عليه وسلّم، واذكر إذ قال موسى لهم: {يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم} يقول: اذكروا أيادي اللّه عندكم وآلاءه قبلكم. كما:.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن الزّبير، عن ابن عيينة: {اذكروا نعمة اللّه عليكم} قال: أيادي اللّه عندكم وأيّامه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: اذكروا نعمة اللّه عليكم يقول: عافية اللّه.
وإنّما اخترنا ما قلنا، لأنّ اللّه لم يخصّص من النّعم شيئًا، بل عمّ ذلك بذكر النّعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت العافية أحد معاني النّعم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا} قال: كنّا نحدّث أنّهم أوّل من سخّر لهم الخدم من بني آدم وملكوا.
وقال آخرون: كلّ من ملك بيتًا وخادمًا وامرأةً، فهو ملكٌ كائنًا من كان من النّاس.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا أبو هانئٍ، أنّه سمع أبا عبد الرّحمن الحبليّ، يقول: سمعت عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وسأله، رجلٌ، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد اللّه: ألك امرأةٌ تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكنٌ تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إنّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك.
- حدّثنا الزّبير بن بكّارٍ، قال: حدّثنا أبو ضمرة أنس بن عياضٍ، قال: سمعت زيد بن أسلم، يقول: {وجعلكم ملوكًا} فلا أعلم إلاّ أنّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: من كان له بيتٌ وخادمٌ فهو ملكٌ.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا العلاء بن عبد الجبّار، عن حمّاد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسن، أنّه تلا هذه الآية: {وجعلكم ملوكًا} فقال: وهل الملك إلاّ مركبٌ وخادمٌ ودارٌ.
فقال قائلو هذه المقالة: إنّما قال لهم موسى ذلك، لأنّهم كانوا يملكون الدّور والخدم، ولهم نساءٌ وأزواجٌ.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، وابن حميدٍ قالا: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: أراه عن الحكم: {وجعلكم ملوكًا} قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان للرّجل منهم بيتٌ وامرأةٌ وخادمٌ، عدّ ملكًا.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان. ح، وحدّثنا سفيان، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن الحكم: {وجعلكم ملوكًا} قال: الدّار والمرأة والخادم. قال سفيان: أو اثنتين من الثّلاثة.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجلٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وجعلكم ملوكًا} قال: البيت والخادم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن منصورٍ، عن الحكم أو غيره، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وجعلكم ملوكًا} قال: الزّوجة والخادم والبيت.
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {وجعلكم ملوكًا} قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عليّ بن محمّدٍ الطّنافسيّ، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن حجّاج بن تميمٍ، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاسٍ في قول اللّه: {وجعلكم ملوكًا} قال: كان الرّجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزّوجة والخادم والدّار يسمّى ملكًا.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {وجعلكم ملوكًا} قال: ملّكهم الخدم. قال قتادة: كانوا أوّل من ملك الخدم.
- حدّثني الحرث بن محمّدٍ قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهدٍ: {وجعلكم ملوكًا} قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.
وقال آخرون: إنّما عنى بقوله: {وجعلكم ملوكًا} أنّهم يملكون أنفسهم وأهليهم وأموالهم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وجعلكم ملوكًا} يملك الرّجل منكم نفسه وأهله وماله). [جامع البيان: 8/276-281]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين}
اختلف أهل التأويل في الدين عنوا بهذا الخطاب، فقال بعضهم: عني به أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ، وسعيد بن جبيرٍ: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} قالا: أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقال آخرون: عني به قوم موسى صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هم قوم موسى.
- حدّثني الحارث بن محمّدٍ، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} قال: هم بين ظهرانيه يومئذٍ.
ثمّ اختلفوا في الّذي آتاهم اللّه ما لم يؤت أحدٌ من العالمين، فقال بعضهم: هو المنّ والسّلوى والحجر والغمام.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} قال: المنّ والسّلوى والحجر والغمام.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} يعني أهل ذلك الزّمان، المنّ والسّلوى والحجر والغمام.
وقال آخرون: هو الدّار والخادم والزّوجة.
ذكر من قال ذلك.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا بشر بن السّريّ، عن طلحة بن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} قال: الرّجل يكون له الدّار والخادم والزّوجة.
- حدّثني الحرث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} المنّ والسّلوى والحجر والغمام.
وأولى التّأويلين في ذلك عندي بالصّواب، قول من قال: وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين، خطابٌ لبني إسرائيل، حيث جاء في سياق قوله: {اذكروا نعمة اللّه عليكم} ومعطوفًا عليه. ولا دلالة في الكلام تدلّ على أنّ قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} مصروفٌ عن خطاب الّذين ابتدئ بخطابهم في أوّل الآية. فإذا كان ذلك كذلك، فأن يكون خطابًا لهم أولى من أن يقال: هو مصروفٌ عنهم إلى غيرهم.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} لا يجوز أن يكون خطابًا لبني إسرائيل، إذ كانت أمّة محمّدٍ قد أوتيت من كرامة اللّه نبيّها عليه الصّلاة والسّلام محمّدًا، ما لم يؤت أحدًا غيرهم، وهم من العالمين؛ فقد ظنّ غير الصّواب، وذلك أنّ قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} خطابٌ من موسى صلّى اللّه عليه وسلّم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه لا عالمي كلّ زمانٍ، ولم يكن أوتي في ذلك الزّمان من نعم اللّه وكرامته ما أوتي قومه صلّى اللّه عليه وسلّم أحدٌ من العالمين، فخرج الكلام منه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك لا على جميع كلّ زمانٍ). [جامع البيان: 8/281-284]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله وجعلكم ملوكا قال جعل لهم أزواجا وخدما وبيوتا ومن كان كذلك فهو ملك). [تفسير مجاهد: 191]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين قال يعني المن والسلوى والحجر والغمام). [تفسير مجاهد: 191]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو الحسن عليّ بن محمّدٍ القرشيّ بالكوفة، ثنا الحسن بن عليّ بن عفّان العامريّ، ثنا مصعب بن المقدام، ثنا سفيان بن سعيدٍ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله عزّ وجلّ " {جعل فيكم أنبياء} [المائدة: 20] قال: جعل منكم أنبياء {وجعلكم ملوكًا} [المائدة: 20] قال: المرأة والخادم {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} [المائدة: 20] قال: الّذين هم بين ظهرانيهم يومئذٍ «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/341]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين}.
أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} قال: واسم الله قد جعل نبيا وجعلكم ملوكا على رقاب الناس فاشكروا نعمة الله إن الله يحب الشاكرين.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} قال: كنا نحدث أنهم أول من سخر لهم الخدم من بني آدم وملكوا.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله {وجعلكم ملوكا} قال: ملكهم الخدم وكانوا أول من ملك الخدم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وجعلكم ملوكا} قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكا.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس في قوله {وجعلكم ملوكا} قال: الزوجة والخادم والبيت.
وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله {إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} قال: المرأة الخادم {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا.
وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له بيت وخادم فهو ملك.
وأخرج أبو داود في مراسليه عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له بيت وخادم فهو ملك.
وأخرج أبو داود في مراسليه عن زيد بن أسلم في قوله {وجعلكم ملوكا} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجة ومسكن وخادم
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سأله رجل: ألسنا من فقراء المهاجرين قال: ألك امرأة تأوي إليها قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: أن لي خادما، قال: فأنت كم الملوك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله {وجعلكم ملوكا} قال: جعل لهم أزواجا وخدما وبيوتا {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} المن والسلوى والحجر والغمام
وأخرج ابن جرير عن الحسن {وجعلكم ملوكا} قال: وهل الملك إلا مركب وخادم ودار.
وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} قال: المن والسلوى والحجر والغمام). [الدر المنثور: 5/241-244]

تفسير قوله تعالى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى والأرض المقدسة قال هي الشام). [تفسير عبد الرزاق: 1/186]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): ({الّتي كتب اللّه} [المائدة: 21]: «جعل اللّه»). [صحيح البخاري: 6/50] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله الّتي كتب اللّه أي جعل اللّه قال أبو عبيدة في قوله تعالى يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم أي جعل الله لكم وقضى وعن بن إسحاق كتب لكم أي وهب لكم أخرجه الطّبريّ وأخرج من طريق السّدّيّ أنّ معناه أمر قال الطّبريّ والمراد أنّه قدّرها لسكنى بني إسرائيل في الجملة فلا يرد كون المخاطبين بذلك لم يسكنوها لأنّ المراد جنسهم بل قد سكنها بعض أولئك كيوشع وهو ممّن خوطب بذلك قطعًا). [فتح الباري: 8/269]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (الّتي كتب الله جعل الله
أشار به إلى قوله تعالى: {ادخلوا الأرض المقدسة الّتي كتب الله لكم} (المائدة: 21) وفسره بقوله: جعل الله وعن ابن إسحاق. كتب لكم، أي: وهب لكم أخرجه الطّبريّ وأخرج غيره من طريق السّديّ أن معناه أمر، وقال الزّمخشريّ: معنى كتب الله: قسمها وسماها، أو خطّ في اللّوح المحفوظ أنّها لكم، والأرض المقدسة بيت المقدّس أو أريحا أو فلسطين أو دمشق أو الشّام، وكان إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام، صعد جبل لبنان فقيل له انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس وميراث لذريتك من بعدك). [عمدة القاري: 18/198]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({التي كتب الله}) يريد قوله تعالى: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] أي التي (جعل الله) لكم وثبت هنا قوله حرم واحدها حرام لأبوي الوقت وذر). [إرشاد الساري: 7/100]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}
وهذا خبرٌ من اللّه عزّ ذكره عن قول موسى صلّى اللّه عليه وسلّم لقومه من بني إسرائيل، وأمره إيّاهم عن أمر اللّه إيّاه، يأمرهم بدخول الأرض المقدّسة.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في الأرض الّتي عناها بالأرض المقدّسة، فقال بعضهم: عنى بذلك: الطّور وما حوله.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: الأرض المقدّسة: الطّور وما حوله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثني الحارث بن محمّدٍ، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: {ادخلوا الأرض المقدّسة} قال: الطّور وما حوله.
وقال آخرون: هو الشّام.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {الأرض المقدّسة} قال: هي الشّام.
وقال آخرون: هي أرض أريحاء.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم} قال: أريحاء.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: هي أريحاء.
- حدّثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشّارٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيدٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: هي أريحاء.
وقيل: إنّ الأرض المقدّسة: دمشق وفلسطين وبعض الأردنّ.
وعنى بقوله {المقدّسة} المطهّرة المباركة. كما:.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {الأرض المقدّسة} قال: المباركة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، بمثله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب، أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبيّ اللّه موسى صلّى اللّه عليه وسلّم. لأنّ القول في ذلك بأنّها أرضٌ دون أرضٍ، لا تدرك حقيقة صحّته إلاّ بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشّهادة به، غير أنّها لن تخرج من أن تكون من الأرض الّتي بين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التّأويل والسّير والعلماء بالأخبار على ذلك.
ويعني بقوله: {الّتي كتب اللّه لكم} الّتي أثبت في اللّوح المحفوظ أنّها لكم مساكن، ومنازل دون الجبابرة الّتي فيها.
فإن قال قائلٌ: فكيف قال: {الّتي كتب اللّه لكم} وقد علمت أنّهم لم يدخلوها بقوله: {فإنّها محرّمةٌ عليهم} فكيف يكون مثبتًا في اللّوح المحفوظ أنّها مساكن لهم، ومحرّمًا عليهم سكناها؟
قيل: إنّها كتبت لبني إسرائيل دارًا ومساكن، وقد سكنوها ونزلوها، وصارت لهم كما قال اللّه جلّ وعزّ. وإنّما قال لهم موسى: {ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم} يعني بها: كتبها اللّه لبني إسرائيل، وكان الّذين أمرهم موسى بدخولها من بني إسرائيل، ولم يعن صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ اللّه تعالى ذكره كتبها للّذين أمرهم بدخولها بأعيانهم.
ولو قال قائلٌ: قد كانت مكتوبةً لبعضهم، ولخاصٍّ منهم، فأخرج الكلام على العموم والمراد منه الخاصّ، إذ كان يوشع وكالب قد دخلا، وكانا ممّن خوطب بهذا القول، كان أيضًا وجهًا صحيحًا.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق: {الّتي كتب اللّه لكم} الّتي وهب اللّه لكم
وكان السّدّيّ يقول: معنى كتب في هذا الموضع بمعنى أمر.
- حدّثنا بذلك موسى بن هارون قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم} الّتي أمركم اللّه بها). [جامع البيان: 8/284-287]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}.
وهذا خبرٌ من اللّه عزّ ذكره عن قيل موسى عليه السّلام لقومه من بني إسرائيل، إذ أمرهم عن أمر اللّه عزّ ذكره إيّاه بدخول الأرض المقدّسة، أنّه قال لهم: امضوا أيّها القوم لأمر اللّه الّذي أمركم به من دخول الأرض المقدّسة {ولا ترتدّوا} يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين {على أدباركم} يعني: إلى ورائكم، ولكن امضوا قدمًا لأمر اللّه الّذي أمركم به من الدّخول على القوم الّذين أمركم اللّه بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأنّ اللّه عزّ ذكره قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا.
ويعني بقوله: {فتنقلبوا خاسرين} أي تنصرفوا خائبين هلكا.
وقد بيّنّا معنى الخسارة في غير هذا الموضع بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع
فإن قال قائلٌ: وما كان وجه قيل موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض المقدّسة لا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين؟ أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضًا جعلت له؟
قيل: إنّ اللّه عزّ ذكره كان أمرهم بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض عليهم دخولها، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم. إذا فرض اللّه عليهم من وجهين: أحدهما تضييع فرض الجهاد الّذي كان اللّه فرضه عليهم. والثّاني: خلافهم أمر اللّه في تركهم دخول الأرض، وقولهم لنبيّهم موسى صلّى اللّه عليه وسلّم إذ قال لهم: ادخلوا الأرض المقدّسة: {إنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون}.
كان قتادة يقول في ذلك بما:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم} أمروا بها كما أمروا بالصّلاة والزّكاة والحجّ والعمرة). [جامع البيان: 8/287-288]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ادخلوا الأرض المقدسة يعني الطور وما حوله). [تفسير مجاهد: 191]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}.
أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {ادخلوا الأرض المقدسة} قال: هي المباركة.
وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال: الأرض ما بين العريش إلى الفرات.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة في قوله {الأرض المقدسة} قال: هي الشام.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {التي كتب الله لكم} قال: أمركم الله بها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: أمر القوم كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة). [الدر المنثور: 5/244]

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين قال هم أطول منا أجساما وأشد قوة). [تفسير عبد الرزاق: 1/187-188]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا يا موسى إنّ فيها قومًا جبّارين وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون}
وهذا خبرٌ من اللّه جلّ ثناؤه عن جواب قوم لموسى عليه السّلام، إذ أمرهم بدخول الأرض المقدّسة، أنّهم أبوا عليه إجابةً إلى ما أمرهم به من ذلك، واعتلّوا عليه في ذلك بأن قالوا: إنّ في الأرض المقدّسة الّتي تأمرنا بدخولها قومًا جبّارين لا طاقة لنا بحربهم ولا قوّة لنا بهم. وسمّوهم جبّارين، لأنّهم كانوا بشدّة بطشهم وعظيم خلقهم فيما ذكر لنا قد قهروا سائر الأمم غيرهم.
وأصل الجبّار: المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثمّ استعمل في كلّ من اجترّ نفعًا إلى نفسه بحقٍّ أو باطلٍ طلب الإصلاح لها، حتّى قيل للمتعدّي إلى ما ليس له بغيًا على النّاس وقهرًا لهم وعتوًّا على ربّه: جبّارٌ، وإنّما هو فعّالٌ من قولهم: جبر فلانٌ هذا الكسر إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول الرّاجز:.
قد جبر الدّين الإله فجبر = وعوّر الرّحمن من ولّى العور
يريد: قد أصلح الدّين الإله فصلح، ومن أسماء اللّه تعالى ذكره الجبّار، لأنّه المصلح أمر عباده القاهر لهم بقدرته.
وممّا ذكرته من عظم خلقهم ما:
- حدّثني به، موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في قصّةٍ ذكرها من أمر موسى وبني إسرائيل، قال: ثمّ أمرهم بالسّير إلى أريحاء، وهي أرض بيت المقدس، فساروا حتّى إذا كانوا قريبًا منهم، بعث موسى اثني عشر نقيبًا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبّارين، فلقيهم رجلٌ من الجبّارين، يقال له: عوجٌ، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته، وعلى رأسه حملة حطبٍ، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري لي هؤلاء القوم الّذين يزعمون أنّهم يريدون أن يقاتلونا. فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا، بل خلّ عنهم حتّى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك.
- حدّثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشّارٍ، قال: حدّثنا سفيان، قال: قال أبو سعيدٍ، قال عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: أمر موسى أن يدخل، مدينة الجبّارين، قال: فسار موسى بمن معه حتّى نزل قريبًا من المدينة، وهي أريحاء. فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كلّ سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثّمار من حائطه، فجعل يجتني الثّمار وينظر إلى آثارهم وتتبّعهم، فكلّما أصاب واحدًا منهم أخذه، فجعله في كمّه مع الفاكهة. وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، في قوله: {إنّ فيها قومًا جبّارين} ذكر لنا أنّهم كانت لهم أجسامٌ وخلقٌ ليست لغيرهم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قال: إنّ موسى عليه السّلام قال لقومه: إنّي سأبعث رجالاً يأتونني بخبرهم، وإنّه أخذ من كلّ سبطٍ رجلاً، فكانوا اثني عشر نقيبًا، فقال: سيروا إليهم وحدّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا إنّ اللّه معكم ما أقمتم الصّلاة، وآتيتم الزّكاة، وآمنتم برسله، وعزّرتموهم، وأقرضتم اللّه قرضًا حسنًا. وإنّ القوم ساروا حتّى هجموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسامٌ عجبٌ، عظمًا وقوّةً، وأنّه فيما ذكر أبصرهم أحد الجبّارين، وهم لا يألون أن يخفوا أنفسهم حين رأوا العجب، فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالاً، فأتى رئيسهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم، فقال قائلٌ منهم: إنّ هؤلاء زعموا أنّهم أرادوا غزوكم، وأنّه لولا ما دفع اللّه عنهم لقتلوا. وإنّهم رجعوا إلى موسى عليه السّلام فحدّثوه العجب.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {اثني عشر نقيبًا} من كلّ سبطٍ من بني إسرائيل رجلٌ أرسلهم موسى إلى الجبّارين، فوجدوهم يدخل في كمّ أحدهم اثنان منهم، يلقونهم إلقاءً، ولا يحمل عنقود عنبهم إلاّ خمسة أنفسٍ بينهم في خشبةٍ، ويدخل في شطر الرّمّانة إذا نزع حبّها خمسة نفسٍ أو أربعة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، نحوه.
- حدّثني محمّد بن الوزير بن قيسٍ، عن أبيه، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك: {إنّ فيها قومًا جبّارين} قال: سفلةٌ لا خلاق لهم). [جامع البيان: 8/289-292]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون}
وهذا خبرٌ من اللّه عزّ ذكره عن قول قوم موسى لموسى جوابًا لقوله لهم: {ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم} فقالوا: {إنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها} يعنون: من الأرض المقدّسة الجبّارون الّذين فيها، جبنًا منهم وجزعًا من قتالهم. وقالوا له: إن يخرج منها هؤلاء الجبّارون دخلناها، وإلاّ فإنّا لا نطيق دخولها وهم فيها، لأنّه لا طاقة لنا بهم ولا يدان.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أنّ كالب بن يوفنا أسكت الشّعب عن موسى، صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال لهم: إنّا سنعلو الأرض ونرثها، وإنّ لنا بهم قوّةً. وأمّا الّذين كانوا معه، فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشّعب من أجل أنّهم أجرأ منّا. ثمّ إنّ أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرضٍ وأحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالها جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنّا في أعينهم مثل الجراد. فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشّعب تلك اللّيلة، ووسوسوا على موسى وهارون، فقالوا لهما: يا ليتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه البريّة ولم يدخلنا اللّه هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمةً، ولو كنّا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرّجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر). [جامع البيان: 8/292-293]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}.
أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله {إن فيها قوما جبارين} قال: ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخلق ليست لغيرهم.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة في قوله {يا موسى إن فيها قوما جبارين} قال: هم أطول منا أجساما وأشد قوة.
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن أبي ضمرة قال: استظل سبعون رجلا من قوم موسى خلف رجل من العماليق.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال: بلغني أنه رئيت ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل من العمالقة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك، أنه أخذ عصا فذرع فيها شيئا ثم قاس في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين ثم قال: هكذا أطوال العماليق). [الدر المنثور: 5/245]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة قال {رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} قال في بعض الحروف يخافون الله الله أنعم عليهما). [تفسير عبد الرزاق: 1/186]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون وعلى اللّه فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين}
وهذا خبرٌ من اللّه عزّ ذكره عن الرّجلين الصّالحين من قوم موسى: يوشع بن نونٍ، وكالب بن يوفنا، أنّهما وفيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومه بني إسرائيل الّذين أمرهم بدخول الأرض المقدّسة على الجبابرة من الكنعانيّين، بما رأيا وعاينا من شدّة بطش الجبابرة وعظم خلقهم، ووصفهما اللّه بأنّهما ممّن يخاف اللّه ويراقبه في أمره ونهيه؛ كما:.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان،. ح، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال حدّثنا أبي، عن سفيان،. ح، وحدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: {رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} قال: كلاب بن يوفنا ويوشع بن نونٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: {رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} قال: يوشع بن نونٍ، وكلاب بن يوقنا، وهما من النّقباء.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قصّةٍ ذكرها، قال: فرجع النّقباء كلّهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلاّ يوشع بن نونٍ، وكلاب بن يوفنا يأمران الأسباط بقتال الجبّارين ومجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرّجلان اللّذان أنعم اللّه عليهما.
- حدّثنا ابن حميدٍ، وسفيان بن وكيعٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، مثل حديث ابن بشّارٍ، عن ابن مهديٍّ، إلاّ أنّ ابن حميدٍ قال في حديثه: هما من الاثني عشر نقيبًا.
- حدّثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشّارٍ، قال: حدّثنا سفيان، قال: قال أبو سعيدٍ، قال عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قصّةٍ ذكرها، قال: فرجعوا، يعني النّقباء الاثني عشر، إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدًا من أهل العسكرة فإنّكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فشلوا ولم يدخلوا المدينة. قال: فذهب كلّ رجلٍ منهم، فأخبر قريبه وابن عمّه، إلا هذين الرّجلين يوشع بن نونٍ وكلاب بن يوقنا، فإنّهما كتما ولم يخبرا به أحدًا، وهما اللّذان قال اللّه: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} إلى قوله: {وبين القوم الفاسقين}.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} وهما اللّذان كتماهم: يوشع بن نونٍ فتى موسى، وكالوب بن يوفنة ختن موسى.
- حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا عبيد اللّه، عن فضيل بن مرزوقٍ، عن عطيّة: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} كالب ويوشع بن نونٍ فتى موسى.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} والرّجلان اللّذان أنعم اللّه عليهما من بني إسرائيل: يوشع بن نونٍ: وكالب بن يوفنا.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} ذكر لنا أنّ الرّجلين: يوشع بن نونٍ، وكالبٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: أنّ موسى، قال للنّقباء لمّا رجعوا فحدّثوه العجب: لا تحدّثوا أحدًا بما رأيتم، إنّ اللّه سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم وإنّ القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل، فقام رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما: كان أحدهما فيما سمعنا يوشع بن نونٍ وهو فتى موسى، والآخر يسمى كالبٌ، فقالا: ادخلوا عليهم الباب إن كنتم مؤمنين.
واختلف القرّاء في قراءة قوله: {قال رجلان من الّذين يخافون} قرأ ذلك قرّاء الحجاز والعراق والشّام: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} بفتح الياء من يخافون، على التّأويل الّذي ذكرنا عمّن ذكرنا عنه آنفًا، أنّهما يوشع بن نونٍ وكالب من قوم موسى ممّن يخاف اللّه، وأنعم عليهما بالتّوفيق.
وكان قتادة يقول في بعض القراءة: قال رجلان من الّذين يخافون اللّه أنعم اللّه عليهما.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة،. ح، وحدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} في بعض الحروف: يخافون اللّه أنعم اللّه عليهما.
وهذا أيضًا ممّا يدلّ على صحّة تأويل من تأوّل ذلك على ما ذكرنا عنه أنّه قال: يوشع، وكالبٌ.
وروي عن سعيد بن جبيرٍ أنّه كان يقرأ ذلك: قال رجلان من الّذين يخافون بضمّ الياء {أنعم اللّه عليهما}.
- حدّثني بذلك، أحمد بن يوسف قال: حدّثنا القاسم بن سلاّمٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن القاسم بن أبي أيّوب، ولا نعلمه أنّه سمع منه، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّه كان يقرؤها بضمّ الياء من: يخافون.
وكأنّ سعيدًا ذهب في قراءته هذه إلى أنّ الرّجلين اللّذين أخبر اللّه عنهما أنّهما قالا لبني إسرائيل: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتّبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة، الّذين يخافهم بنو إسرائيل وإن كانا لهم في الدّين مخالفين.
وقد حكي نحو هذا التّأويل عن ابن عبّاسٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} قال: هي مدينة الجبّارين، لمّا نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلاً، وهم النّقباء الّذين ذكر نعتهم ليأتوه بخبرهم. فساروا، فلقيهم رجلٌ من الجبّارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتّى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى، بعثنا إليكم لنأتيه بخبركم، فأعطوهم حبّةً من عنبٍ بوقر الرّجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم: اقدروا قدر فاكهتهم فلمّا أتوهم، قالوا لموسى: {اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} وكانا من أهل المدينة أسلما واتّبعا موسى وهارون، فقالا لموسى: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون وعلى اللّه فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين}.
فعلى هذه القراءة وهذا التّأويل لم يكتم من الاثني عشر نقيبًا أحدًا ما أمرهم موسى بكتمانه بني إسرائيل ممّا رأوا وعاينوا من عظم أجسام الجبابرة وشدّة بطشهم وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كلّه. وإنّما القائل للقوم ولموسى: ادخلوا عليهم الباب، رجلان من أولاد الّذين كان بنو إسرائيل يخافونهم ويرهبون الدّخول عليهم من الجبابرة، كان أسلما وتبعا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وأولى القراءتين بالصّواب عندنا، قراءة من قرأ {من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} لإجماع قرّاء الأمصار عليها، وأنّ ما استفاضت به القراءة عنهم فحجّةٌ لا يجوز خلافها، وما انفرد به الواحد فجائزٌ فيه الخطأ والسّهو. ثمّ في إجماع الحجّة في تأويلها على أنّهما رجلان من أصحاب موسى من بني إسرائيل وأنّهما يوشع وكالبٌ، ما أغنى عن الاستشهاد على صحّة القراءة بفتح الياء في ذلك وفساد غيره، وهو التّأويل الصّحيح عندنا لما ذكرنا من إجماعها عليه
وأمّا قوله: {أنعم اللّه عليهما} فإنّه يعني: أنعم اللّه عليهم بطاعة اللّه في طاعة نبيّه موسى صلّى اللّه عليه وسلّم، وانتهائهم إلى أمره، والانزجار عمّا زجرهما عنه صلّى اللّه عليه وسلّم، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبّارين إلى بني إسرائيل الّذي حذّر عنه أصحابهما الآخرين الّذين كانوا معهما من النّقباء.
وقد قيل: إنّ معنى ذلك: أنعم اللّه عليهما بالخوف.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا خلف بن تميمٍ، قال: حدّثنا إسحاق بن القاسم، عن سهل بن عليٍّ، قوله: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} قال: أنعم اللّه عليهما بالخوف.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك، كان الضّحّاك يقول وجماعةٌ غيره.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثني عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} بالهدى فهداهما، فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبّارين). [جامع البيان: 8/293-300]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون}
وهذا خبرٌ من اللّه عزّ ذكره عن قول الرّجلين اللّذين يخافان اللّه لبني إسرائيل إذ جبنوا وخافوا من الدّخول على الجبّارين لمّا سمعوا خبرهم، وأخبرهم النّقباء الّذين أفشوا ما عاينوا من أمرهم فيهم، وقالوا: إنّ فيها قومًا جبّارين وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها، فقالا لهم: ادخلوا عليهم أيّها القوم باب مدينتهم، فإنّ اللّه معكم وهو ناصركم، وإنّكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم.
كما:.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لمّا همّ بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر حين أخبرهم النّقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة، خرّ موسى وهارون على وجوههما سجودًا قدّام جماعة بني إسرائيل، وخرق يوشع بن نونٍ وكالب بن يوفنا ثيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بني إسرائيل: إنّ الأرض مررنا بها وجسسناها صالحةً رضيها ربّنا لنا فوهبها لنا، وإنّها لم تكن تفيض لبنًا وعسلا، ولكن افعلوا واحدةً، لا تعصوا اللّه، ولا تخشوا الشّعب الّذين بها، فإنّهم خبرنا، مدفوعون في أيدينا، إن حاربناهم ذهبت منهم، وإنّ اللّه معنا فلا تخشوهم. فأراد الجامعة من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّهم بعثوا اثني عشر رجلاً، من كلّ سبطٍ رجلاً، عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبار القوم. فأمّا عشرةٌ فجبّنوا قومهم وكرّهوا إليهم الدّخول عليهم. وأمّا الرّجلان فأمرا قومهما أن يدخلوها، وأن يتّبعوا أمر اللّه، ورغبا في ذلك، وأخبرا قومهما أنّهم غالبون إذا فعلوا ذلك.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {عليهم الباب} قرية الجبّارين). [جامع البيان: 8/300-302]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى اللّه فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين}
وهذا أيضًا خبرٌ من اللّه جلّ وعزّ، عن قول الرّجلين اللّذين يخافان اللّه أنّهما قالا لقوم موسى يشجّعانهم بذلك، ويرغّبانهم في المضيّ لأمر اللّه بالدّخول على الجبّارين في مدينتهم: توكّلوا أيّها القوم على اللّه في دخولكم عليهم ويقولان لهم: ثقوا باللّه فإنّه معكم إن أطعتموه فيما أمركم من جهاد عدوّكم. وعنيا بقولهما {إن كنتم مؤمنين} إن كنتم مصدّقي نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم، فيما أنبأكم عن ربّكم من النّصرة والظّفر عليهم، وفي غير ذلك من إخباره عن ربّه، ومؤمنين بأنّ ربّكم قادرٌ على الوفاء لكم بما وعدكم من تمكينكم في بلاد عدوّه وعدوّكم). [جامع البيان: 8/302]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ادخلوا عليهم الباب قال يعني قرية الجبارين). [تفسير مجاهد: 191-192]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين فسار بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثني عشر نقيبا من كل سبط منهم عين فيأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيبتهم وجسمهم وعظمهم فدخلوا حائطا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجني من حائطه فجعل يحش الثمار فنظر إلى آثارهم فتبعهم فكلما أصاب واحد منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال: اكتموا عنا فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول: اكتم عني فأشيع ذلك في عسكرهم ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوحنا وهم اللذان أنزل الله فيهما {قال رجلان من الذين يخافون}.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ادخلوا الأرض المقدسة} قال: هي مدينة الجبارين لما نزل بها موسى وقومه بعث منهم اثني عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكرهم الله تعالى ليأتوهم بخبرهم فساروا فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كساءته فحملهم حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه: فاجتمعوا إليه فقالوا: من أنتم قالوا: نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل وقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: أقدروا قدر فاكهتهم فلما أتوهم قالوا: يا موسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} المائدة الآية 24 {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى فقالا لموسى {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون}.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {قال رجلان} قال: يوشع بن نون وكالب
وأخرج عبد بن حميد عن عطية العوفي في قوله {قال رجلان} قال: كالب ويوشع بن نون فتى موسى.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله {من الذين يخافون أنعم الله عليهما} قال: في بعض القراءة (يخافون أنعم الله عليهما).
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: كانا من العدو فصارا مع موسى.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس {قال رجلان من الذين يخافون} برفع الياء
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {من الذين يخافون} بنصب الياء في يخافون.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} بالهدى فهداهما فكانا على دين موسى وكانا في مدينة الجبارين.
وأخرج ابن جرير عن سهل بن علي {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} بالخوف.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} قال: هم النقباء، وفي قوله {ادخلوا عليهم الباب} قال: هي قرية الجبارين). [الدر المنثور: 5/245-249]

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة أن المقداد بن الأسود قال يوم الحديبية لما حال المشركون بين النبي وبين البيت قال يا رسول الله والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون). [تفسير عبد الرزاق: 2/227]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون}
- حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا إسرائيل، عن مخارقٍ، عن طارق بن شهابٍ، سمعت ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه، قال: شهدت من المقداد، ح وحدّثني حمدان بن عمر، حدّثنا أبو النّضر، حدّثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن مخارقٍ، عن طارقٍ، عن عبد اللّه، قال: قال المقداد يوم بدرٍ: يا رسول اللّه، إنّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون} ولكن امض ونحن معك، «فكأنّه سرّي عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم» ورواه وكيعٌ، عن سفيان، عن مخارقٍ، عن طارقٍ، أنّ المقداد قال ذلك للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم). [صحيح البخاري: 6/51]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون)
كذا للمستمليّ ولغيره باب فاذهب إلخ وأغرب الدّاوديّ فقال مرادهم بقولهم وربّك أخوه هارون لأنّه كان أكبر منه سنا وتعقبه بن التّين بأنّه خلاف قول أهل التّفسير كلّهم
[4609] قوله وحدّثني حمدان بن عمر هو أبو جعفرٍ البغداديّ واسمه أحمد وحمدان لقبه وليس له في البخاريّ إلّا هذا الموضع وهو من صغار شيوخه وعاش بعد البخاريّ سنتين وقد تقدّم الكلام على الحديث في غزوة بدرٍ قوله ورواه وكيعٌ عن سفيان إلخ يريد بذلك أنّ صورة سياقه أنّه مرسلٌ بخلاف سياق الأشجعيّ لكن استظهر المصنّف لرواية الأشجعيّ الموصولة برواية إسرائيل الّتي ذكرها قبل وطريق وكيعٍ هذه وصلها أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه وكذا أخرجها بن أبي خيثمة من طريقه تنبيهٌ وقع قوله ورواه وكيعٌ إلخ مقدّمًا في الباب على بقيّة ما فيه عند أبي ذرٍّ مؤخّرًا عند الباقين وهو أشبه بالصّواب). [فتح الباري: 8/273]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
- ثنا أبو نعيم ثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب سمعت ابن مسعود رضي اللّه عنه قال شهدت من المقداد ح وحدثني حمدان بن عمران ثنا أبو النّضر ثنا الأشجعيّ عن سفيان عن مخارق عن طارق عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر يا رسول الله إنّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون} 24 المائدة ولكن امض ونحن معك فكأنّه سري عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم
رواه وكيع عن سفيان عن مخارق عن طارق أن المقداد قال ذلك للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم
قال أحمد وإسحاق بن راهويه في مسنديهما ثنا وكيع به أخبرناه عبد الله ابن محمّد بن أحمد بن عبيدالله فيما قرأت عليه قلت له أخبركم عبد الله بن الحسين إجازة إن لم يكن سماعا عن إسماعيل بن أحمد عن الحافظ أبي موسى المدينيّ أن أبا علّي الحداد أخبره أنا أبو نعيم ثنا أبو أحمد ثنا عبد الله بن محمّد ابن شيرويه ثنا إسحاق ابن إبراهيم أنا وكيع ثنا سفيان عن مخارق عن طارق أن المقداد قال للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنّا لا نقول لك الحديث
وكذا رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن سعيد بن داود عن وكيع به). [تغليق التعليق: 4/203-204]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله تعالى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلاً إنّا هاهنا قاعدون} (المائدة: 24)

أي: هذا باب في قوله تعالى: هذا باب في قوله تعالى: {فاذهب} الآية هكذا وقع للمستملي وفي رواية غيره فاذهب إلى آخره وقبله قوله: {قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب} الآية. واصل هذا أن موسى عليه السّلام، أمر قومه أن يجاهدوا ويدخلوا بيت المقدّس الّذي كان بأيديهم في زمن أبيهم يعقوب عليه السّلام، كما أخبر الله عن ذلك قبل هذه الآية. بقوله: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة الّتي كتب الله لكم} (المائدة: 21) الآية، فكان جوابهم (إن فيها قوما جبارين وإنّا لن ندخلها) الآية {فاذهب أنت وربك} الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال حدثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن بان عبّاس. قال: لما نزل موسى عليه السّلام، وقومه الأرض المقدسة وجدوا فيها مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر، بعث اثني عشر رجلا وهم النّقباء الّذين ذكرهم الله ليأتوا بخبرهم، فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كسائه وحملهم حتّى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه ثمّ قالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فأخبروهم بما رأيتم. فقال لهم موسى عليه السّلام: اكتموا هذا فلم يكتم إلاّ رجلان، يوشع وكالب، وهما المذكوران في قوله عز وجل: {قال رجلان من الّذين يخافون} (المائدة: 23) الآية. قيل: اسم هذه المدينة أريحا، وقال البكريّ: يقال لها أيضا: أريح، وفي حديث عكرمة عن ابن عبّاس: دخل منهم رجلان حائطا لرجل من الجبارين فأخذهما فجعلهما في كمه، وفي (تفسير مقاتل) كان في أريحا ألف قرية في كل قرية ألف بستان، فلمّا دخلها النّقباء خرج إليهم عوج بن عنق فاحتملهم ومتاعهم بيده حتّى وضعهم بين يدي ملكهم واسمه: ما نوس بن ششورة، فلمّا نظر إليهم أمر بقتلهم، فقالت امرأته: أنعم على هؤلاء المساكين ودعهم فليرجعوا وليأخذوا طريقا غير الّذي جاؤوا منها. فأرسلهم فأخذوا عنقودا من كرومهم فحملوه على عمود بين رجلين فعجزوا عن حمله، وحملوا رمانتين على بعض دوابهم فعجزت الدّابّة عن حملها، فقدموا على موسى عليه السّلام، وذكروا حالهم، وأن طول كل رجل منهم سبعة أذرع ونصف، وكانوا من بقايا قوم عاذ يقال لهم: العماليق، وعن مجاهد كان لا يقلّ عنقود عنبهم إلاّ خمسة رجال أو أربعة، وفي رواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، فأعطوهم حبّة عنب تكفي الرجل. قلت: المراد بالأرض المقدسة المذكورة دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي الشّام كلها، وقال السّهيلي: الأرض المقدسة هي بيت المقدّس وما حولها، ويقال: لها إيليا، وتفسر بيت الله، وقال سفيان الثّوريّ عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عبّاس، الأرض المقدسة هي الطّور وما حوله. قوله: (فاذهب أنت وربك)، يقال: الظّاهر أنهم أرادوا حقيقة الذّهاب كفرا واستهانة بدليل مقابلة ذهابهم بقعودهم، وقال الزّمخشريّ: يحتمل أن يعبر بالذهاب هنا عن القصد والإرادة، كما تقول: كلمته ذهب يجيبني أي: قصدا اجابتي. وقال الداوردي: المراد بقوله، وربك هارون عليه السّلام، لأنّه كان أكبر سنا من موسى عليه السّلام، ورد عليه ابن التّين بقوله: هذا خلاف قول أهل التّفسير وما أرادوا إلاّ الرب، عز وجل، ولأجل هذا عوقبوا.

- حدّثنا أبو نعيمٍ حدّثنا إسرائيل عن مخارقٍ عن طارقٍ بن شهابٍ سمعت ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال شهدت من المقداد ح وحدّثني حمدان بن عمر حدّثنا أبو النّضر حدّثنا الأشجعيّ عن سفيان عن مخارقٍ عن طارقٍ عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدرٍ يا رسول الله إنّا لا نقول لك كما قالت بنوا إسرائيل لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولاكن امض ونحن معك فكأنّه سرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وأخرجه من طريقين: أحدهما: عن أبي نعيم، بضم النّون الفضل بن ديكن عن إسرائيل بن يونس السبيعي عن مخارق، بضم الميم وتخفيف الخاء المعجمة وكسر الرّاء وبالقاف: ابن عبد الله الأحمسي الكوفي عن طارق بن شهاب الأحمسي البجليّ الكوفي وعن عبد الله بن مسعود، ومر في غزوة بدر في باب قول الله تعالى: {إذا تستغيثون ربكم} (الأنفال: 9) فإنّه أخرجه هناك بعين هذا الإسناد عن أبي نعيم إلى آخره ومر الكلام فيه (الطّريق الآخر) عن حمدان بن عمر أبي جعفر البغداديّ واسمه أحمد وحمدان لقبه وليس له في البخاريّ إلاّ هذا الموضع، وهو من صغار شيوخ البخاريّ وعاش بعد البخاريّ سنتين، يروي عن أبي النّضر، بفتح النّون وسكون الضّاد المعجمة هاشم بن القاسم التّميمي، ويقال: اللّيثيّ الكناني خراساني سكن بغداد توفّي بها سنة سبع ومائتين، يروي عن عبيد الله بن عبد الرّحمن الأشجعيّ الكوفي عن سفيان الثّوريّ إلى آخر.
قوله: (يوم بدر)، وعن قتادة فيما ذكره الطّبريّ أنه كان في الحديبية حين صد. قوله: (فكأنّه سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، أي: أزيل عنه المكروهات كلها.
ورواه وكيعٌ عن سفيان عن مخارقٍ عن طارق أنّ المقداد قال ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم.
أي: روى الحديث المذكور وكيع بن الجراح عن سفيان الثّوريّ إلى آخره، وهذا التّعليق رواه الدّارقطنيّ من حديث سفيان بن وكيع بن الجراح عن أبيه. قوله: (أن المقداد)، أي ابن الأسود الكنديّ المذكور. قوله: (قال ذلك)، إشارة إلى قوله يوم بدر: يا رسول الله! إنّا لا نقول إلى آخر ما مر من الحديث، وجاء أن سعد بن معاذ قاله أيضا، فيجوز أن يكون قالاه). [عمدة القاري: 18/201-203]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون} [المائدة: 24]
(باب قوله) عز وجل، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله للكشميهني والحموي ({فاذهب أنت وربك}) رفع عطفًا على الفاعل المستتر في اذهب وجاز ذلك للتأكيد بالضمير ويحتمل أنهم أرادوا حقيقة الذهاب على الله لأن مذهب اليهود التجسيم، ويؤيده مقابلة الذهاب بالقعود في قولهم ({فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}) [المائدة: 24] وظاهر الكلام إنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما.
وأصل هذا أن موسى عليه السلام أمر أن يدخلوا مدينة الجبارين وهي أريحاء فبعث إليهم اثني عشر عينًا من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم فلما دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمتهم فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه فنظر إلى آثارهم
فتتبعهم فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقطهم كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك: قد رأيتم شأننا فاذهبوا وأخبروا صاحبكم رواه ابن جرير عن عبد الكريم بن الهيثم، حدّثنا إبراهيم بن بشار، حدّثنا سفيان عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس.
قال ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر وقد ذكر كثير من المفسرين أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين وأنه كان فيهم عوج بن عنق بنت آدم عليه الصلاة والسلام، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع تحرير الحساب وهذا شيء يستحيى منه، ثم هو مخالف لما في الصحيح أن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال "إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعًاً ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن" ثم ذكروا أن عوجًا كان كافرًا وأنه امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء فإن الله تعالى ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا} [نوح: 26] وقال تعالى: {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين} [الشعراء: 119] وقال تعالى {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} [هود: 43] وإذا كان ابن نوح غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر هذا لا يسوغ في عقل ولا في شرع ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر، والله أعلم اهـ.
- حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا إسرائيل، عن مخارقٍ، عن طارق بن شهابٍ سمعت ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: شهدت من المقداد ح وحدّثني حمدان بن عمر، حدّثنا أبو النّضر، حدّثنا الأشجعيّ، عن سفيان عن مخارقٍ، عن طارقٍ عن عبد اللّه قال: قال المقداد يوم بدرٍ يا رسول اللّه إنّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون ولكن امض ونحن معك فكأنّه سرّي عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-. ورواه وكيعٌ عن سفيان عن مخارقٍ، عن طارقٍ، أنّ المقداد قال ذلك للنّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس السبيعي (عن مخارق) بضم الميم وتخفيف الخاء المعجمة آخره قاف ابن عبد الله الأحمسي الكوفي (عن طارق بن شهاب) الأحمسي البجلي الكوفي أنه قال: (سمعت ابن مسعود) عبد الله (-رضي الله عنه- قال: شهدت من المقداد) هو ابن الأسود وكان قد تباه فنسب إليه واسم أبيه عمرو (ح) لتحويل السند.
قال المؤلّف بالسند السابق.
(وحدّثني) بالإفراد (حمدان) هو أحمد (بن عمر) بضم العين البغدادي ليس له في البخاري إلا هذا الموضع قال: (حدّثنا أبو النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن القاسم التميمي الخراساني نزيل بغداد قال: (حدّثنا الأشجع) بالشين المعجمة والجيم والعين المهملة عبيد الله بن عبد الرحمن الكوفي (عن سفيان) الثوري (عن مخارق) هو ابن عبد الله (عن طارق) هو ابن شهاب (عن عبد الله) هو ابن مسعود أنه (قال: قال المقداد) هو المعروف بابن الأسود (يوم بدر): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يومئذٍ (يا رسول الله إنّا لا نقول لك) سقط لفظ لك لأبي ذر (كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك). وعند أحمد: ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون (فكأنه سرّي عن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أي أزيل عنه المكروهات كلها.
(ورواه) أي الحديث المذكور (وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي فيما وصله أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه (عن سفيان) هو الثوري (عن مخارق عن طارق أن المقداد قال ذلك) القول وهو يا رسول الله إنا لا نقول لك إلخ (للنبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-). ومراد البخاري أن صورة سياق هذا أنه مرسل بخلاف سياق الأشجع واستظهر لرواية الأشجع الموصلة برواية إسرائيل، وقد وقع قوله ورواه وكيع الخ مقدمًا على قوله حدّثنا أبو نعيم عند أبي ذر مؤخرًا عند غيره. قال في الفتح: وهو أشبه بالصواب، وعند ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدّ المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم "إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت" فقال المقداد: إنا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- تتابعوا على ذلك. قال الحافظ ابن كثير: وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذٍ كما قالها يوم بدر وسقط قوله ذلك لأبي ذر). [إرشاد الساري: 7/102-103]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}
قوله: (فقاتلا إنا ههنا الخ) ظاهره أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله، وأصل هذا أن موسى عليه السلام أمر أن يدخل مدينة الجبارين، وهي أريحا، فبعث اثني عشر عيناً، فلما دخلوها رأوا أمراً هائلاً من عظمتهم، فدخلوا حائطاً فجاء صاحبه ليجتني الثمار فكلما ما أصاب واحداً منهم جعله في كمه مع الفاكهة إلى آخرهم وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا، فاذهبوا وأخبروا صاحبكم اهـ قسطلاني). [حاشية السندي على البخاري: 3/49]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا}
- أخبرنا أبو بكر بن أبي النّضر، قال: حدّثني أبو النّضر، حدّثنا عبيد الله الأشجعيّ، عن سفيان، عن مخارقٍ، عن ابن شهابٍ، عن عبد الله، قال: جاء المقداد يوم بدرٍ وهو على فرسٍ له فقال: يا رسول الله، إنّا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] ولكنّه: امضه ونحن معك، فكأنّه سرّي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
- أخبرنا محمّد بن المثنّى، عن خالدٍ، حدّثنا حميدٌ، عن أنس بن مالكٍ: " أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سار إلى بدرٍ فاستشار المسلمين، فأشار عليه أبو بكرٍ، ثمّ استشار رجلًا فأشار عليه عمر، ثمّ استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار، إيّاكم يريد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: إذًا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] والّذي بعثك بالحقّ، لو ضربت كبدنا إلى برك الغماد لاتّبعناك
- أخبرنا عليّ بن خشرمٍ، حدّثنا عيسى، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروقٍ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفلٌ من دمها، لأنّه أوّل من سنّ القتل»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/80-81]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون}.
وهذا خبرٌ من اللّه جلّ ذكره عن قول الملإ من قوم موسى لموسى، إذ رغبوا في جهاد عدوّهم، ووعدوا نصر اللّه إيّاهم، إن هم ناهضوهم، ودخلوا عليهم باب مدينتهم أنّهم قالوا له: {إنّا لن ندخلها أبدًا} يعنون: إنّا لن ندخل مدينتهم أبدًا. والهاء والألف في قوله: {إنّا لن ندخلها} من ذكر المدينة. ويعنون بقولهم: {أبدًا} أيّام حياتنا ما داموا فيها، يعني: ما كان الجبّارون مقيمين في تلك المدينة الّتي كتبها اللّه لهم وأمروا بدخولها. {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون} لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربّك فتقاتلانهم.
وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت وليذهب معك ربّك فقاتلا، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى، وليعنك ربّك، وذلك أنّ اللّه لا يجوز عليه الذّهاب.
وهذا إنّما كان يحتاج إلى طلب المخرج له لو كان الخبر عن قومٍ مؤمنين، فأمّا قومٌ أهل خلافٍ على اللّه عزّ ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في اللّه عزّ وجلّ وافتروا عليه إلاّ بما يشبه كفرهم وضلالتهم.
وقد ذكر عن المقداد أنّه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خلاف ما قال قوم موسى لموسى.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، وحدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن مخارقٍ، عن طارقٍ: أنّ المقداد بن الأسود، قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: {اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} ولكن نقول: اذهب أنت وربّك فقاتلا، إنّا معكم مقاتلون.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صدّ المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم: إنّي ذاهبٌ بالهدي فناحره عند البيت فقال له المقداد بن الأسود: أما واللّه لا نكون كالملإ من بني إسرائيل، إذ قالوا لنبيّهم: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون، ولكن نقول اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون فلمّا سمعها أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تتابعوا على ذلك.
وكان ابن عبّاسٍ والضّحّاك بن مزاحمٍ وجماعةٌ غيرهما يقولون: إنّما قالوا هذا القول لموسى عليه السّلام حين تبيّن لهم أمر الجبّارين وشدّة بطشهم.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ الفضل بن خالدٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول: أمر اللّه جلّ وعزّ بني إسرائيل أن يسيروا، إلى الأرض المقدّسة مع نبيّهم موسى صلّى اللّه عليه وسلّم، فلمّا كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: ادخلوها فأبوا وجبنوا، وبعثوا اثني عشر نقيبًا لينظروا إليهم. فانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبّة فاكهةٍ من فاكهتهم بوقر الرّجل، فقالوا: قدّروا قوّة قومٍ وبأسهم هذه فاكهتهم فعند ذلك قالوا لموسى: {اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، نحوه). [جامع البيان: 8/302-304]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {اذهب أنت وربّك فقاتلا} [المائدة: 24]
- عن عتبة بن عبدٍ السّلميّ «أنّ النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال لأصحابه: " قوموا فقاتلوا "، قالوا: نعم يا رسول اللّه، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون} [المائدة: 24] ولكن انطلق أنت وربّك يا محمّد إنّا معكم نقاتل».
رواه أحمد والطّبرانيّ، وزاد في أوّله: «أمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أصحابه بالقتال، فرمى رجلٌ من أصحابه بسهمٍ، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " أوجب هذا " وقالوا حين أمرهم بالقتال»، فذكر نحوه، وإسنادهما حسنٌ). [مجمع الزوائد: 7/14]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}.
أخرج أحمد والنسائي، وابن حبان عن انس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك.
وأخرج أحمد، وابن مردويه عن عتبة بن عبد السلمي قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه ألا تقاتلون قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.
وأخرج أحمد عن طارق بن شهاب أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يا رسول الله إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.
وأخرج البخاري والحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين قال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك.
وأخرج ابن جرير عن قتادة ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت، فقال المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون). [الدر المنثور: 5/249-251]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) )
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {قال ربّ إنّي لا أملك إلّا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، سمع عبيد بن عمير (يقرأ: {فافرق} - بكسر الراء -). [سنن سعيد بن منصور: 4/1452]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}
وهذا خبرٌ من اللّه جلّ وعزّ عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا من قولهم: {إنّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} أنّه قال عند ذلك، وغضب من قيلهم لهم داعيًا: يا ربّ {إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي} يعني بذلك: لا أقدر على أحدٍ أن أحمله على ما أحبّ وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك، إلاّ على نفسي وعلى أخي. من قول القائل: ما أملك من الأمر شيئًا إلاّ كذا وكذا، بمعنى: لا أقدر على شيءٍ غيره.
ويعني بقوله: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} افصل بيننا وبينهم بقضاءٍ منك تقضيه فينا وفيهم فتبعّدهم منّا، من قول القائل: فرقت بين هذين الشّيئين، بمعنى: فصلت بينهما؛ من قول الرّاجز:.
يا ربّ فافرق بينه وبيني = أشدّ ما فرقت بين اثنين
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} يقول: اقض بيني وبينهم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} يقول: اقض بيننا وبينهم.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: غضب موسى صلّى اللّه عليه وسلّم حين قال له القوم: {اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون}، فدعا عليهم فقال: {ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} وكانت عجلةً من موسى عجلها.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، كلّ هذا من قول الرّجل: اقض بيننا، فقضى اللّه جلّ ثناؤه بينه وبينهم أن سمّاهم فاسقين.
وعنى بقوله: {الفاسقين} الخارجين عن الإيمان باللّه وبه، إلى الكفر باللّه وبه.
وقد دلّلنا على أنّ معنى الفسق: الخروج من شيءٍ إلى شيءٍ، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته). [جامع البيان: 8/305-306]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}.
أخرج ابن جرير عن السدي قال: غضب موسى عليه السلام حين قال له القوم: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} فدعا عليهم فقال: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} وكان عجلة من موسى عجلها فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى فلما ندم أوحى الله إليه {فلا تأس على القوم الفاسقين} المائدة الآية 26 لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} يقول: افصل بيننا وبينهم). [الدر المنثور: 5/251-252]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يعني الشام على بني إسرائيل يتيهون في الأرض لا يأوون إلى قرية فعند ذلك أظلمهم الله بالغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وفي تيههم ذلك ضرب موسى بعصاه الحجر فكان يتفجر منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط منهم عين قال وكان يحملونه فإذا ضربه بعصاه تفجرت.
عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن بني إسرائيل كانت تشب معهم ثيابهم إذا كانوا صغارا في تيههم لا تبلى). [تفسير عبد الرزاق: 1/198]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين}.
اختلف أهل التّأويل في النّاصب للأربعين، فقال بعضهم: النّاصب له قوله: {محرّمةٌ} وإنّما حرّم اللّه جلّ وعزّ على القوم الّذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حرب الجبّارين، دخول مدينتهم أربعين سنةً، ثمّ فتحها عليهم، وأسكنهموها، وأهلك الجبّارين بعد حربٍ منهم لهم، بعد أن انقضيت الأربعون سنةً، وخرجوا من التّيه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قال: لمّا قال لهم القوم ما قالوا ودعا موسى عليهم، أوحى اللّه إلى موسى: {إنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} وهم يومئذٍ فيما ذكر ستّمائة ألف مقاتلٍ فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنةً في فراسخ ستّةٍ، أو دون ذلك، يسيرون كلّ يومٍ جادّين لكي يخرجوا منها، حتّى سموا ونزلوا، فإذا هم في الدّار الّتي منها ارتحلوا. وإنّهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فأنزل عليهم المنّ والسّلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمةٌ لهم، ينشأ النّاشئ فتكون معه على هيئته. وسأل موسى ربّه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطّور، وهو حجرٌ أبيضٌ، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا لكلّ سبطٍ منهم عينٌ، قد علم كلّ أناسٍ مشرب‍هم. حتّى إذا خلت أربعون سنةً، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا، أوحي إلى موسى أن يامرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدّسة، فإنّ اللّه قد كفاهم عدوّهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد أن يأتوا الباب ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا حطّةٌ. وإنّما قولهم حطّةٌ، أن يحطّ عنهم خطاياهم. فأبى عامّة القوم، وعصوا، وسجدوا على خدّهم، وقالوا حنطةٌ، فقال اللّه جلّ ثناؤه: {فبدّل الّذين ظلموا قولاً غير الّذي قيل لهم} إلى: {بما كانوا يفسقون}.
وقال آخرون: بل النّاصب للأربعين: {يتيهون في الأرض} قالوا: ومعنى الكلام: قال: فإنّها محرّمةٌ عليهم أبدًا يتيهون في الأرض أربعين سنةً. قالوا: ولم يدخل مدينة الجبّارين أحدٌ ممّن قال: {إنّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون}، وذلك أنّ اللّه عزّ ذكره حرّمها عليهم. قالوا: وإنّما دخلها من أولئك القوم: يوشع وكلاب اللّذان قالا لهم: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون} وأولاد الّذين حرّم اللّه عليهم دخولها، فتيّههم اللّه فلم يدخلها منهم أحدٌ.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا سليمان بن حربٍ، قال: حدّثنا أبو هلالٍ، عن قتادة، في قول اللّه: {إنّها محرّمةٌ عليهم} قال: أبدًا.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا سليمان بن حربٍ، قال: حدّثنا أبو هلالٍ، عن قتادة، في قول اللّه: {يتيهون في الأرض} قال: أربعين سنةً.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا هارون النّحويّ، قال: حدّثني الزّبير بن الخرّيت، عن عكرمة، في قوله: {فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض} قال: التّحريم التيه.
- حدّثنا موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: غضب موسى على قومه، فدعا عليهم، فقال: {ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي} الآية، فقال اللّه جلّ وعزّ: {فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض} فلمّا ضرب عليهم التّيه، ندم موسى، وأتاه قومه الّذين كانوا يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فمكثوا في التّيه؛ فلمّا خرجوا من التّيه، رفع المنّ والسّلوى، وأكلوا من البقول. والتقى موسى وعوجا، فنزا موسى في السّماء عشرة أذرعٍ، وكانت عصاه عشرة أذرعٍ، وكان طوله عشرة أذرعٍ، فأصاب كعب عوجٍا فقتله. ولم يبق أحدٌ ممّن أبى أن يدخل قرية الجبّارين مع موسى إلاّ مات، ولم يشهد الفتح. ثمّ إنّ اللّه لمّا انقضت الأربعون سنةً بعث يوشع بن نونٍ نبيًّا، فأخبرهم أنّه نبيّ، وأنّ اللّه قد أمره أن يقاتل الجبّارين، فبايعوه وصدّقوه، فهزم الجبّارين، واقتحموا عليهم يقاتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرّجل يضربونها لا يقطعونها.
- حدّثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشّارٍ، قال: حدّثنا سفيان، قال: قال أبو سعيدٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا دعا موسى، قال اللّه: {فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض}
قال: فدخلوا التّيه، فكلّ من دخل التّيه ممّن جاوز العشرين سنةً مات في التّيه. قال: فمات موسى في التّيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنةً، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبّارين، فافتتح يوشع المدينة.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال اللّه: {فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً} حرّمت عليهم القرى، وكانوا لا يهبطون قريةً، ولا يقدرون على ذلك، إنّما يتبعون الأطواء أربعين سنةً. وذكر لنا أنّ موسى صلّى اللّه عليه وسلّم مات في الأربعين سنةً، وأنّه لم يدخل بيت المقدس منهم إلاّ أبناؤهم والرّجلان اللّذان قالا ما قالا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حدّثني بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لمّا فعلت بنو إسرائيل ما فعلت، من معصيتهم نبيّهم، وهمّهم بكالبٍ ويوشع، إذ أمراهم بدخول مدينة الجبّارين، وقالا لهم ما قالا، ظهرت عظمة اللّه بالغمام على بابٍ فيه الزّمز على كلّ بني إسرائيل، فقال جلّ ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشّعب وإلى متى لا يصدّقون بالآيات كلّها الّتي وضعت بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، وأجعل لك شعبًا أشدّ منهم. فقال موسى يسمع أهل المصر الّذين أخرجت هذا الشّعب بقوّتك من بينهم، ويقول ساكن هذه البلاد الّذين قد سمعوا أنّك أنت اللّه في هذا الشّعب، فلو أنّك قتلت هذا الشّعب كلّهم كرجلٍ واحدٍ، لقالت الأمم الّذين سمعوا باسمك: إنّما قتل هذا الشّعب من أجل لا يستطيع أن يدخلهم الأرض الّتي خلق لهم، فقتلهم في البريّة، ولكن لترتفع أياديك، ويعظم جزاؤك يا ربّ كما كنت تكلّمت وقلت لهم، فإنّه طويلٌ صبرك، كثيرةٌ نعمك، وأنت تغفر الذّنوب فلا توبق، وإنّك تحفظ ذنب الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقابٍ وأربعةٍ، فاغفر أي ربّ آثام هذا الشّعب، بكثرة نعمك، كما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال اللّه جلّ ثناؤه لموسى صلّى اللّه عليه وسلّم: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن حى أنا، وقد ملأت الأرض محمدتي كلّها، ألا يرى القوم الّذين قد رأوا محمدتي وآياتي الّتي فعلت في أرض مصر وفي القفار، وابتلونى عشر مرّاتٍ ولم يطيعوني، لا يرون الأرض الّتي خلقت لآبائهم، ولا يراها من أغضبني؛ فأمّا عبدي كالبٌ الّذي كان روحه معي واتّبع هواي، فإنّي مدخله الأرض الّتي دخلها، ويراها خلفه.
وكان العماليق والكنعانيّون جلوسًا في الجبال، ثمّ غدوا فارتحلوا في القفار في طريقٍ بحر سوف، وكلّم اللّه عزّ وجلّ موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس عليّ هذه الجماعة جماعة السّوء؟ قد سمعت وسوسة بني إسرائيل. وقال: لأفعلنّ بكم كما قلت لكم، ولتلقينّ جيفكم في هذه القفار، وكحسابكم من بني عشرين سنةً فما فوق ذلك من أجل أنّكم وسوستم عليّ، فلا تدخلوا الأرض الّتي رفعت إليها، ولا ينزل فيها أحدٌ منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نونٍ، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة. وأمّا بنوكم اليوم الّذين لم يعلموا ما بين الخير والشّرّ، فإنّهم يدخلون الأرض، وإنّي بهم عارفٌ لهم الأرض الّتي أرد لهم وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيّام الّتي حسستم الأرض أربعين يومًا مكان كلّ يومٍ سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنةً، وتعلمون أنّكم وسوستم: قدامى أنى أنا اللّه فاعلٌ بهذه الجماعة، جماعة بني إسرائيل، الّذين وعدوا قدامى بأن يتيهوا في القفار، فيها يموتون.
فأمّا الرّهط الّذين كان موسى بعثهم ليتجسّسون الأرض، ثمّ حرّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبر الشّرّ، فماتوا كلّهم بغتةً، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرّهط الّذين انطلقوا يتحسّسون الأرض.
فلمّا قال موسى عليه السّلام هذا الكلام كلّه لبني إسرائيل، حزن الشّعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتقوا الى رأس الجبل، وقالوا: نرتقي الأرض الّتي قال جلّ ثناؤه من أجل أنّا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لم تعتدون في كلام اللّه من أجل ذلك، لا يصلح لكم عملٌ، ولا تصعدوا من أجل أنّ اللّه ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم من أجل العمالقة والكنعانيّين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنّكم انقلبتم على اللّه فلم يكن اللّه معكم فأخذوا يرقون في الجبل، ولم يبرح التّابوت الّذي فيه مواثيق اللّه جلّ ذكره وموسى من المحلّة؛ يعني من الخيمة، حتّى هبط العماليق والكنعانيّون في ذلك الحائط، فحرّقوهم وطردوهم وقتلوهم. فتيّهّم اللّه عزّ ذكره في التّيه أربعين سنةً بالمعصية، حتّى هلك من كان استوجب المعصية من اللّه في ذلك. قال: فلمّا شبّ النّواشئ من ذراريّهم، وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنةً الّتي تتيّهوا فيها وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نونٍ وكالب بن يوفنا، وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا؛ قدم يوشع بن نونٍ إلى أريحاء في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل الجبابرة الّذين كانوا فيها، ثمّ دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء اللّه أن يقيم، ثمّ قبضه اللّه إليه لا يعلم قبره أحدٌ من الخلائق.
وأولى القولين في ذلك عندي بالصّواب، قول من قال: إنّ الأربعين منصوبةٌ بالتّحريم، وإنّ قوله: {محرّمةً عليهم أربعين سنةً} معنيٌّ به جميع قوم موسى لا بعضٌ دون بعضٍ منهم؛ لأنّ اللّه عزّ ذكره عمّ بذلك القوم، ولم يخصّص منهم بعضًا دون بعضٍ وقد وفى اللّه بما وعدهم به من العقوبة، فتيّههم أربعين سنةً، وحرّم على جميعهم في الأربعين سنةً الّتي مكثوا فيها تائهين دخول الأرض المقدّسة، فلم يدخلها منهم أحدٌ، لا صغيرٌ ولا كبيرٌ ولا صالحٌ ولا طالحٌ، حتّى انقضت السّنون الّتي حرّم اللّه عزّ وجلّ عليهم فيها دخولها. ثمّ أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخولها مع نبيّ اللّه موسى، والرّجلين اللّذين أنعم اللّه عليهما. وافتتح قرية الجبّارين إن شاء اللّه نبيّ اللّه موسى صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوّلين أنّ عوج بن عوقٍ قتله موسى صلّى اللّه عليه وسلّم، فلو كان قتله إيّاه قبل مصيره في التّيه وهو من أعظم الجبّارين خلقًا لم تكن بنو إسرائيل تجزع من الجبّارين الجزع الّذي ظهر منها، ولكنّ ذلك كان إن شاء اللّه بعد فناء الأمّة الّتي جزعت وعصت ربّها وأبت الدّخول على الجبّارين مدينتهم.
وبعد: فإنّ أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أنّ بلعم بن باعوراء كان ممّن أعان الجبّارين بالدّعاء على موسى؛ ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأنّ المعونة إنّما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأمّا ولا طالب فلا وجه للحاجة إليها.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوفٍ، قال: كان سرير عوجٍ ثمانمائة ذراعٍ، وكان طول موسى عشرة أذرعٍ وعصاه عشرة أذرعٍ ووثب في السّماء عشرة أذرعٍ، فضرب عوجًا فأصاب كعبه، فسقط ميّتًا، فكان جسرًا للنّاس يمرّون عليه.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن عطيّة، قال: حدّثنا قيسٌ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرعٍ ووثبته عشرة أذرعٍ وطوله عشرة أذرعٍ، فوثب فأصاب كعب عوجٍ فقتله، فكان جسرًا لأهل النّيل سنةً.
ومعنى: {يتيهون في الأرض} يحارون فيها ويضلّون، ومن ذلك قيل للرّجل الضّالّ عن سبيل الحقّ: تائهٌ. وكان تيههم ذلك أنّهم كانوا يصبحون أربعين سنةً كلّ سنةٍ يومٌ جادّين في قدر ستّة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الّذي ابتدءوا السّير منه.
- حدّثني بذلك المثنّى قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنةً، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم). [جامع البيان: 8/307-315]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله: {فلا تأس على القوم الفاسقين}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {فلا تأس} فلا تحزن، يقال منه: أسي فلانٌ على كذا يأسى أسًى، وقد أسيت من كذا: أي حزنت، ومنه قول امرئ القيس:.
وقوفًا بها صحبي عليّ مطيّهم = يقولون لا تهلك أسًى وتجمّل
يعني: لا تهلك حزنًا.
وبالّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ: {فلا تأس} يقول: فلا تحزن.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فلا تأس على القوم الفاسقين} قال: لمّا ضرب عليهم التّيه، ندم موسى صلّى اللّه عليه وسلّم. فلمّا ندم أوحى اللّه إليه: {فلا تأس على القوم الفاسقين} لا تحزن على القوم الّذين سمّيتهم فاسقين فلم يحزن). [جامع البيان: 8/316]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أحمد بن منيعٍ: ثنا يزيد، ثنا فضيل بن مرزوقٍ، عن عطيّة العوفيّ قال: "تاهوا في اثني عشر فرسخًا أربعين عامًا، وجعل لهم حجراً مثل رأس التنور يحمل على ثورٍ. فإذا نزلوا منزلًا وضعوه، فضربه موسى- عليه السلام- فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فإذا ساروا حملوه على ثورٍ واستمسك الماء".
- قال: وثنا يزيد، ثنا حمّاد بن زيدٍ، عن الزّبير بن الخرّيت، عن عكرمة "في قوله: (فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض) قال: محرّمةٌ عليهم أن يدخلوا أبدًا، يتيهون في الأرض أربعين سنةً".
- قال: وثنا يزيد، ثنا ورقاء بن عمر اليشكريّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: "أمر موسى- عليه السّلام- أن يدخل من كلّ سبطٍ رجلان من المدينة، فدخلوا عليهم، فخرج كلّ رجلٍ منهم سبطه أن يدخل عليهم إلّا يوشع بن نونٍ، وكالب بن (يوقنه) فإنّهما أمرا سبطهما أن يدخلوا عليهم".
هذا إسنادٌ رواته ثقاتٌ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/203-204]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال ابن أبي عمر: حدثنا يزيد بن هارون، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: اختار موسى عليه (الصلاة) والسلام من كلّ سبطٍ رجلين، فدخلوا مدينة الجبّارين، فخرج كلّ قومٍ ينهون سبطهم أن يدخلوا، إلّا يوشع بن نون وكالب بن يوقنّه.
- [1] قال: حدثنا يزيد، عن الفضل بن عطيّة، قال: تاهوا في اثني عشر فرسخًا أربعين عامًا، وجعل بين ظهرانيهم حجرٌ له مثل رأس الثّور، فإذا نزلوا انفجر منه اثنتا عشرة عينًا، فإذا رحلوا حملوه على ثورٍ فاستمسك.
[2] وقال أحمد بن منيعٍ: حدثنا يزيد، ثنا (ورقاء) بهذا إلى قوله أن يدخلوا عليهم.
[المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/603]
- [3] حدثنا يزيد، ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، قال: تاهوا في اثني عشر فرسخًا، أربعين عامًا، وجعل لهم حجرا مثل رأس الثّور، (يحمل على ثور)، فإذا نزلوا منزلا وضعوه، فضربه موسى عليه الصلاة والسلام، فانفجر (ت) منه (اثنتا) عشرة عينًا، فإذا ساروا حملوه على ثورٍ (واستمسك) الماء). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/602-604]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (حدثنا يزيد، ثنا حمّاد بن زيدٍ، عن الزبير بن الخرّيت عن عكرمة، في قوله تعالى: {قال فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض} قال: محرّمةٌ عليهم أن يدخلوا أبدًا، ويتيهون في الأرض أربعين سنةً). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/605]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين}.
أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {فإنها محرمة عليهم} قال: أبدا، وفي قوله {يتيهون في الأرض} قال: أربعين سنة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم بعثوا اثني عشر رجلا من كل سبط رجلا عيونا ليأتوهم بأمر القوم فأما عشرة فجبنوا قومهم وكرهوا إليهم الدخول وأما يوشع بن نون وصاحبه فأمرا بالدخول واستقاما على أمر الله ورغبا قومهم في ذلك وأخبراهم في ذلك أنهم غالبون حتى بلغ {ها هنا قاعدون}، قال: لما جبن القوم عن عدوهم وتركوا أمر ربهم قال الله {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} إنما يشربون ماء الأطوار لا يهبطون قرية ولا مصرا ولا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة قال: حرمت عليهم القرى فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك إنما يتبعون الاطواء أربعين سنة والاطواء الركايا وذكر لنا أن موسى توفي في الأربعين سنة وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تاهوا أربعين سنة فهلك موسى وهرون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون وهو الذي قام بالأمر بعد موسى وهو الذي قيل له اليوم يوم الجمعة فهموا بافتتاحها فدنت الشمس للغروب فخشي أن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا فنادى الشمس: إني مأمور وانك مأمورة، فوقفت حتى افتتحها فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط فقربوه إلى النار فلم تأت فقال: فيكم غلول فدعا رؤوس الاسباط وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: الغلول عندك فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعا مع القربان فأتت النار فأكلتها.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيهم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: أن بني إسرائيل لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض شكوا إلى موسى فقالوا: ما نأكل فقال: أن الله سيأتكم بما تأكلون، قالوا: من أين قال: أن الله سينزل عليكم خبزا مخبوزا، فكان ينزل عليهم المن وهو خبز الرقاق ومثل الذرة، قالوا: وما نأتدم وهل بدلنا من لحم قال: فإن الله يأتيكم به، قالوا: من أين فكانت الريح تأتيهم بالسلوى وهو طير سمين مثل الحمام، فقالوا: فما نلبس قال: لا يخلق لأحدكم ثوب أربعين سنة، قالوا: فما نحتذي قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة، قالوا: فإنه يولد فينا أولاد صغار فما نكسوهم
قال: الثوب الصغير يشب معه، قالوا: فمن أين لنا الماء قال: يأتيكم به الله، فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر قالوا: فما نبصر تغشانا الظامة فضرب له عمودا من نور في وسط عسكره أضاء عسكره كله، قالوا: فبم نستظل الشمس علينا شديدة قال: يظلكم الله تعالى بالغمام.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: ظلل عليهم الغمام في التيه قدر خمسة فراسخ أو ستة كلما أصبحوا ساروا غادين فإذا أمسوا إذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه فكانوا كذلك أربعين سنة وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى ولا تبلى ثيابهم ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تذوب.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن طاووس قال: كانت بنو إسرائيل إذا كانوا في تيهم تشب معهم ثيابهم إذا شبوا.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لما استسقى موسى لقومه أوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فقال لهم موسى: ردوا معشر الحمير، فأوحى الله إليه: قلت لعبادي معشر الحمير واني قد حرمت عليكم الأرض المقدسة، قال: يا رب فاجعل قبري منها قذفة حجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رأيتم قبر موسى لرأيتموه من الأرض المقدسة قذفة بحجر.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما استسقى لقومه فسقوا قال: اشربوا يا حمير، فنهاه عن ذلك وقال: لا تدع عبادي يا حمير.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {فلا تأس} قال: لا تحزن.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {فلا تأس} قال: لا تحزن، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت امرؤ القيس وهو يقول:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحاكم وصححه عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أن نبيا من الأنبياء قاتل أهل مدينة حتى إذا كاد أن يفتحها خشي أن تغرب الشمس فقال: أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور بحرمتي عليك إلا وقفت ساعة من النهار، قال: فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة وكانوا إذا أصابوا الغنائم قربوها في القربان فجاءت النار فأكلتها فلما أصابوا وضعوا القربان فلم تجيء النار تأكله، فقالوا: يا نبي الله ما لنا لا يقبل قرباننا قال: فيكم غلول، قالوا: وكيف لنا أن نعلم من عنده الغلول قال: وهم اثنا عشر سبطا قال: يبايعني رأس كل سبط منكم فبايعه رأس كل سبط فلزقت كفه بكف رجل منهم فقالوا له: عندك الغلول، فقال: كيف لي أن أعلم قال تدعو سبطك فتبايعهم رجلا رجلا ففعل فلزقت كفه بكف رجل منهم قال: عندك الغلول، قال: نعم عندي الغلول، قال: وما هو قال: رأس ثور من ذهب أعجبني فغللته فجاء به فوضعه في الغنائم فجاءت النار فأكلته فقال كعب: صدق الله ورسوله هكذا والله في كتاب الله يعني في التوراة ثم قال: يا أبا هريرة أحدثكم النّبيّ صلى الله عليه وسلم أي نبي كان قال: هو يوشع بن نون، قال: فحدثكم أي قرية قال: هي مدينة أريحاء وفي رواية عبد الرزاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تحل الغنيمة لأحد قبلنا وذلك أن الله رأى ضعفنا فطيبها لنا وزعموا أن الشمس لم تحبس لأحد قبله ولا بعده). [الدر المنثور: 5/252-257]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 11:26 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) )

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {إذ جعل فيكم أنبياء...}
يعني السبعين الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الجبل، سمّاهم أنبياء لهذا.
{وجعلكم مّلوكاً} يقول: أحدكم في بيته ملك، لا يدخل عليه إلا بإذن.
{وآتاكم مّا لم يؤت أحداً مّن العالمين} ظلّلكم بالغمام الأبيض، وأنزل عليكم المنّ والسّلوى). [معاني القرآن: 1/303]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجلّ: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20)
(وجعلكم ملوكا).
مثل جعلكم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب.
وقال بعضهم: جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم فيها إلّا بإذن.
والمعنى راجع إلى ملك الأمر.
وقوله: (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين).
وهو أن اللّه - جلّ وعزّ - أنزل عليهم المنّ والسّلوى، وظلّل عليهم الغمام). [معاني القرآن: 2/162]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} روي عن ابن عباس أنه قال: يعني الخادم والمنزل.
قال قتادة: لم يملك أحد قبلهم خادما.
وقال الحكم بن عتيبة ومجاهد وعكرمة: وجعلكم ملوكا المنزل والخادم والزوجة.
وكذلك قال زيد بن أسلم إلا أنه قال: فيما يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان له بيت -أو قال:- منزل يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك))). [معاني القرآن: 2/286-287]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} قال مجاهد يعني المن والسلوى وانفراق البحر وانفجار الحجر والتظليل بالغمام). [معاني القرآن: 2/287]

تفسير قوله تعالى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ادخلوا الأرض المقدّسة...}
ذكر أن الأرض المقدّسة دمشق وفلسطون وبعض الأردنّ (مشدّدة النون) ). [معاني القرآن: 1/304]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (المقدّسة) (22) المطهّرة، يقال: لا قدّسه الله (الّتي كتب الله لكم) (22) أي جعل الله لكم وقضاها). [مجاز القرآن: 1/160]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({الأرض المقدّسة} دمشق وفلسطين وبعض الأردنّ.
{الّتي كتب اللّه لكم} أي جعلها لكم وأمركم أن تدخلوها). [تفسير غريب القرآن: 142]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وتكون كتب بمعنى أمر، كقوله: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، أي: أمركم أن تدخلوها.
ويقال: كتب هاهنا أيضا: جعل. يريد ادخلوا الأرض التي كتبها الله لولد إبراهيم، عليه السلام، أي: جعلها لهم). [تأويل مشكل القرآن: 463]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21)
المقدسة: المطهّرة، وقيل في التفسير إنها دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن وبيت المقدس، وإنما سمّي بالمقدس لأن المقدس: المكان الذي يتطهر فيه. فتأويله البيت الذي يطهر الإنسان من العيوب، ومن هذا قيل: القدس، أي الذي يتطهر منه، كما قيل: مطهرة لما يتوضأ منه، إنما هي مفعلة من الطهر). [معاني القرآن: 2/162-163]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم}
قال قتادة: يعني الشام والمقدسة في اللغة المطهرة ومنه سمي بيت المقدس أي الموضع الذي يتطهر فيه من الذنوب). [معاني القرآن: 2/287-288]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : (و(المقدسة) المطهرة). [ياقوتة الصراط: 209]

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) )
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({قالوا يا موسى إنّ فيها قوماً جبّارين وإنّا لن نّدخلها حتّى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون}
[و] قال: {إنّ فيها قوماً جبّارين} فأعمل {إنّ} في "القوم" وجعل "جبارين" من صفتهم لأنّ {فيها} ليس باسم). [معاني القرآن: 1/221]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({قوما جبارين}: عظماء أقوياء ومنه النخل الجبار العظيم).[غريب القرآن وتفسيره: 129]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجلّ: (قالوا يا موسى إنّ فيها قوما جبّارين وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون (22)
تأويل الجبار من الآدميين: العاتي الذي يجبر النّاس على ما يريد، واللّه - عزّ وجلّ - الجبار العزيز، وهو الممتنع من أن يزلّ، واللّه عزّ وجلّ يأمر بما أراد، لا رادّ لأمره، ولا معقب لحكمه.
وإنّما وصفوهم بالقدرة والتكبّر، والمنعة.
و(قوما) منصوب بـ أن، و (جبارين) من صفتهم، والخبر قوله: (فيها) ). [معاني القرآن: 2/163]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين} الجبار عند أهل اللغة المتعظم الذي يمتنع من الذل والقهر). [معاني القرآن: 2/288]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({جَبَّارِينَ}: عظماء). [العمدة في غريب القرآن: 121]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله (قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون وعلى اللّه فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين (23)
أي أنعم اللّه عليهما بالإيمان.
(ادخلوا عليهم الباب).
فكأنّهما علما أن ذلك الباب إذا دخل منه وقع الغلب). [معاني القرآن: 2/163]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما}
روي عن مجاهد أنه قال: الرجلان من الاثني عشر نقيبا الذين بعثوا وهما يوشع بن نون وكلاب بن قاينا، ويقال: يوقنا.
وقال الضحاك: هما رجلان مؤمنان كانا في مدينة الجبارين والدليل على هذا أنهما قالا {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} وقد علمنا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغلب
وقرأ سعيد بن جبير: (من الذين يخافون) بضم الياء يذهب إلى أنهما كانا من الجبارين وأنعم الله عليهما بالإسلام). [معاني القرآن: 2/288-289]

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا...}
فقال (أنت) ولو ألقيت (أنت) فقيل: اذهب وربك فقاتلا كان صوابا؛ لأنه في إحدى القراءتين (إنه يراكم وقبيله) بغير (هو) وهي بهو و(اذهب أنت وربك) أكثر في كلام العرب. وذلك أنّ المردود على الاسم المرفوع إذا أضمر يكره؛ لأن المرفوع خفيّ في الفعل، وليس كالمنصوب؛ لأنّ المنصوب يظهر؛ فتقول ضربته وضربتك، وتقول في المرفوع: قام وقاما، فلا ترى اسما منفصلا في الأصل من الفعل، فلذلك أوثر إظهاره، وقد قال الله تبارك وتعالى: {أئذا كنّا تراباً وآباؤنا} ولم يقل(نحن) وكلّ صواب.
وإذا فرقت بين الاسم المعطوف بشيء قد وقع عليه الفعل حسن بعض الحسن. من ذلك قولك: ضربت زيدا وأنت. ولو لم يكن زيد لقلت: قمت أنا وأنت، وقمت وأنت قليل. ولو كانت (إنا ها هنا قاعدين) كان صوابا). [معاني القرآن: 1/304]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (فاذهب أنت وربّك فقاتلا) (26) مجازها: اذهب أنت وربك فقاتل، وليقاتل ربك أي ليعنك؛ ولا يذهب الله.
(فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) (25) أي باعد وافصل وميّز، وأصله: فعلت خفيفة من فعّلت ثقيلة، كقوله:
يا ربّ فافرق بينه وبيني=أشدّ ما فرّقت بين اثنين
الفاسقين ها هنا: الكافرين.
(يتيهون في الأرض) (26) أي يحورن ويحارون ويضلون.
(فلا تأس على القوم الفاسقين) (26) لا تحزن، يقال: أسيت عليه، قال العجّاج:
=وانحلبت عيناه من فرط الأسى). [مجاز القرآن: 1/160-161]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون (24)
أي لسنا نقبل مشورة في دخولها، ولا أمرا، وفيها هؤلاء الجبارون، فأعلم اللّه جلّ ثناؤه أن أهل الكتاب هؤلاء غير قابلين من الأنبياء قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن الخلاف شأنهم.
وفي هذا الإعلام دليل على تصحيح نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أعلمهم ما لا يعلم إلا من قراءة كتاب أو إخبار، أو وحي، والنبي - صلى الله عليه وسلم - منشؤه معروف بالخلوّ من ذكر أقاصيص بني إسرائيل، وبحيث لا يقرأ كتبهم، فلم يبق في علم ذلك إلا الوحي.
وقوله: (فاذهب أنت وربّك فقاتلا).
كلام العرب: اذهب أنت وزيد، والنحويون يستقبحون اذهب وزيد.
لأنه لا يعطف بالاسم الظاهر على المضمر، والمضمر في النية لا علامة له، فكان الاسم يصير معطوفا على ما هو متصل بالفعل غير مفارق له.
فأمّا قوله: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) فمن رفع فإنما يجوز ذلك لأن المفعول يقوي الكلام، وكذلك ضربت زيدا وعمرو. كما يقوي الكلام دخول لا، قال الله جل ثناؤه: (لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا) ). [معاني القرآن: 2/163-164]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها} أي ليس نقبل مشورة فأعلم الله النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب لم يزالوا يعصون الأنبياء وأن له في ذلك أسوة
قال أبو عبيدة: معنى {فاذهب أنت وربك فقاتلا} أي اذهب فقاتل وليعنك ربك). [معاني القرآن: 2/289-290]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (قال ربّ إنّي لا أملك إلّا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25)
(أخي) في موضع رفع، وجائز أن يكون في موضع نصب.
المعنى: قال ربي إني لا أملك إلا نفسي، وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه، ورفعه من جهتين إحداهما: أن يكون نسقا على موضع إني.
المعنى أنا لا أملك إلا نفسي وأخي كذلك.
ومثله قوله: (أنّ اللّه بريء من المشركين ورسوله) وجائز أن يكون عطفا على " ما " في قوله أملك فالمعنى أنا لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا، وجائز أن يكون أخي في موضع نصب من جهتين إحداهما: أن يكون نسقا على الياء في إني.
المعنى إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا، وإني لا أملك إلا نفسي.
وأن أخي لا يملك إلا نفسه، وجائز أن يكون معطوفا على نفسي، فيكون المعنى لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، لأن أخاه إذا كان مطيعا له فهو ملك طاعته.
وقوله: (إذ جعل فيكم أنبياء).
لا يصرف (أنبياء) لأنه مبني على ألف التأنيث، وهو غير مصروف في المعرفة والنكرة لأن فيه علامة التأنيث، وهي مع أنّها علامة التأنيث مبنية مع الاسم على غير خروج التأنيث عن التذكير نحو قائم، وقائمة). [معاني القرآن: 2/164-165]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} ويجوز أن يكون المعنى وأخي لا يملك إلا نفسه ويجوز أن يكون المعنى وأملك أخي لأنه إذا كان يطيعه فهو مالك في الطاعة). [معاني القرآن: 2/290]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} قال الضحاك المعنى فاقض بيننا وبين القوم الفاسقين). [معاني القرآن: 2/290]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {أربعين سنةً...}
منصوبة بالتحريم. ولو قطعت الكلام فنصبتها بقوله (يتيهون) كان صوابا.
ومثله في الكلام أن تقول: لأعطينّك ثوبا ترضى، تنصب الثوب بالإعطاء، ولو نصبته بالرضا تقطعه من الكلام من (لأعطينك) كان صوبا). [معاني القرآن: 1/305]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({قال فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين}
[و] قال: {فلا تأس على القوم الفاسقين} فهي من "أسي" "يأسى" "أسى شديداً" وهو الحزن. و"يئس" من "اليأس" وهو انقطاع الرجاء من "يئسوا" وقوله: {ولا تيأسوا من رّوح اللّه}: من انقطاع الرجاء وهو من: يئست وهو مثل "إيٍس" في تصريفه. وإن شئت مثل "خشيت" في تصريفه. وأما "أسوت" "تأسوا" "أسواً" فهو الدواء للجراحة. و"أست" "أؤوس" أوساً" في معنى: أعطيت. و"أست" قياسها "قلت" و"أسوت" [قياسها] "غزوت"). [معاني القرآن: 1/221-222]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({فلا تأس}: تحزن). [غريب القرآن وتفسيره: 130]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({فلا تأس} أي لا تحزن. يقال: أسيت على كذا: أي حزنت، فأنا آسي أسي). [تفسير غريب القرآن: 142]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (قال فإنّها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26)
يعني أن الأرض المقدسة محرّم عليهم دخولها أيهم ممنوعون من ذلك.
قال بعض النحويين: أربعين سنة يجوز أن تكون منصوبة بقوله (محرّمة).
ويجوز أن يكون منصوبا بقوله (يتيهون)، أما نصبه ب (محرّمة) فخطأ؛ لأن التفسير جاء بأنها محرمة عليهم أبدا.
فنصب أربعين سنة بقولهم (يتيهون).
وقيل: عذبهم اللّه بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة لا يقرهم قرار إلى أن مات البالغون الذين عصوا اللّه ونشأ الصغار وولد من لم يدخل في جملتهم في المعصية.
وقيل: إن موسى وهارون كانا معهم في التيه.
قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون في التيه لأن التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون.
وجائز أن يكون كانا في التيه وأن الله جل اسمه سهّل عليهما ذلك كما سهّل على إبراهيم النار فجعلها عليه بردا وسلاما وشأنها الإحراق.
وقوله: (فلا تأس على القوم الفاسقين).
جائز أن يكون هذا خطابا لموسى، وجائز أن يكون خطابا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل). [معاني القرآن: 2/165-166]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {قال فإنها محرمة عليهم} أي هم ممنوعون من دخولها.
ويروى أنه حرم عليهم دخولها أبدا
فالتمام على هذا عند قوله: {عليهم} ثم قال تعالى: {أربعين سنة يتيهون في الأرض}.
وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن المعنى {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} ثم ابتدأ فقال {يتيهون في الأرض}). [معاني القرآن: 2/290-291]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {فلا تأس على القوم الفاسقين} يجوز أن يكون هذا خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم أي فلا تأس على قوم هذه صفتهم ويجوز أن يكون الخطاب لموسى صلى الله عليه وسلم
يقال: أسي يأسى أسى إذا حزن.
ويقال: أسى الشيء يأسو أسوا إذا أصلحته والمعنى أنه أزال ما يقع الغم من أجله ولك في فلان أسوة وأسوة أي إذا رأيته مثلك نفض عنك الغم). [معاني القرآن: 2/291-292]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( (فلا تأس): فلا تحزن). [ياقوتة الصراط: 209]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({فَلاَ تَأْسَ} لا تحزن). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 69]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({فَلاَ تَأْسَ}: لا تحزن). [العمدة في غريب القرآن: 121]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 2 جمادى الأولى 1434هـ/13-03-2013م, 03:38 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) }

تفسير قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) }

تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) }

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) }

تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وتقول فيما يكون معطوفاً على الاسم المضمر في النّية وما يكون صفة له في النّية كما تقول في المظهر.
أمّا المعطوف فكقولك رويدكم أنتم وعبد الله. كأنّك قلت افعلوا أنتم وعبد الله لأنّ المضمر في النيّة مرفوع فهو يجرى مجرى المضمر الذي يبيّن
[علامته في الفعل. فإن قلت رويدكم وعبد الله فهو أيضاً رفعٌ وفيه قبحٌ لأنّك لو قلت اذهب وعبد الله كان فيه قبحٌ فإذا قلت اذهب أنت وعبد الله حسن. ومثل ذلك في القرآن {فاذهب أنت وربّك فقٌاتلا} و: {اسكن أنت وزوجك الجنة} ). [الكتاب: 1/246-247]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما قولك: رويدك زيدا فإن الكاف زائدة، وإنما زيدت للمخاطبة، وليست باسم، وإنما هي بمنزلة قولك: النجاءك يا فتى، وأريتك زيدا ما فعل?، وكقولك: أبصرك زيدا. إنما الكاف زائدة للمخاطبة، ولولا ذلك كان النجاءك محالاً؛ لأنك لا تضيف الاسم وفيه الألف واللام، وقوله عز وجل: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} قد أوضح لك أن الكاف زائدة. ولو كانت في رويدك علامةً للفاعلين لكان خطأ إذا قلت: رويدكم؛ لأن علامة الفاعلين الواو؛ كقولك: أرودوا.
واعلم أن هذه الأسماء ما كان منها مصدراً، أو موضوعاً موضع المصدر فإن فيه الفاعل مضمراً؛ لأنه كالفعل المأمور به. تقول: رويدك أنت وعبد الله زيدا، وعليك أنت وعبد الله أخاك. فإن حذفت التوكيد قبح، وإعرابه الرفع على كل حال؛ ألا ترى أنك لو قلت: قم وعبد الله كان جائزاً على قبح حتى تقول: قم أنت وعبد الله، و{فاذهب أنت وربك فقاتلا} و{اسكن أنت وزوجك الجنة}. فإن طال الكلام حسن حذف التوكيد؛ كما قال الله عز وجل: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} وقد مضى هذا مفسراً في موضعه. وكذلك ما نعته بالنفس في المرفوع. إنما يجري على توكيد فإن لم تؤكد جاز على قبح. وهو قولك: قم أنت نفسك. فإن قلت: قم نفسك جاز. وذلك قولك: رويدك أنت نفسك زيدا، وعليك أنت نفسك زيدا، والحذف جائز قبيح إذا قلت: رويدك نفسك زيدا.
واعلم أنك إذا قلت: عليك زيدا ففي عليك اسمان: أحدهما: المرفوع الفاعل. والآخر: هذه الكاف المخفوضة. تقول: عليكم أنفسكم أجمعون زيدا، فتجعل قولك أجمعون للفاعل: وتجعل قولك: أنفسكم للكاف. وإن شئت أجريتهما جميعاً على الكاف فخفضته، وإن شئت أكدت، ورفعتهما لما ذكرت لك من قبح مجرى النفس في المرفوع إلا بتوكيد، وإن شئت رفعت بغير توكيد على قبح. وإن قلت: رويد نفسك، أو رويدك. جعلت النفس مفعولة بمنزلة زيد؛ كما قال الله عز وجل: {عليكم أنفسكم}). [المقتضب: 3/209-211] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله:
فإني وقيارًا بها لغريب
أراد: فإني لغريب بها وقيارًا، ولو رفع لكان جيداٌ، تقول: إن زيداٌ منطلقٌ وعمراٌ وعمرو، فمن قال: "عمراٌ" فإنما رده على زيد، ومن قال: "عمرو" فله وجهان من الإعراب: أحدهما جيد، والآخر جائز، فأما الجيد فأن تحمل عمراٌ على الموضع، لأنك إذا قلت: إن زيداٌ منطلق فمعناه زيد منطلق فرددته على الموضع، ومثل هذا لست بقائم ولا قاعدًا، والباء زائدةٌ، لأن المعنى لست قائماٌ ولا قاعداٌ، ويقرأ على وجهين: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} (وَرَسُولَهُ) والوجه الآخر لأن يكون معطوفًا على المضمر في الخبر، فإن قلت إن زيداٌ منطلق هو وعمرو حسن العطف لأن المضمر المرفوع إنما يحسن العطف عليه إذا أكدته، كما قال الله تعالى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} و{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} إنما قبح العطف عليه بغير تأكيد لأنه لا يخلو من أن يكون مستكنا في الفعل بغير علامة، أو في الاسم الذي يجري مجرى الفعل، نحو إن زيدًا ذهب وإن زيداٌ ذاهب فلا علامة له، أو تكون له علامة يتغير لها الفعل عما كان نحو ضربت، سكنت الباء التي هي لام الفعل من أجل الضمير لأن الفعل والفاعل لا ينفك أحدهما عن صاحبه فهما كالشيء الواحد، ولكن المنصوب يجوز العطف عليه، ويحسن بلا تأكيد، لأنه لا يغير الفعل إذ كان الفعل قد يقع ولا مفعول فيه، نحو ضربتك وزيدًا، فأما قول الله عز وجل: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} فإنما يحسن بغير توكيد لأن" لا" صارت عوضًا، والشاعر إذا احتاج أجراه بلا توكيد لاحتمال الشعر ما لا يحسن في الكلام. وقال عمر بن أبي ربيعة:

قلت إذا أقبلت وزهرٌ تهادى = كنعاج الملا تعفسن رملا
وقال جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه = ما لم يكن وأبٌ له لينالا
فهذا كثير. فأما النعت إذا قلت إن زيدًا يقوم العاقل فأنت مخير إن شئت قلت العاقل فجعلته نعتًا لزيد، أو نصبته على المدح وهو بإضمار أعني، وإن شئت رفعت على أن تبدله من المضمر في الفعل، وإن شئت كان على قطع وابتداءٍ، كأنك قلت إن زيدًا قام، فقيل من هو فقلت: العاقل، كما قال الله عز وجل: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ}، أي هو النار والآية تقرأ على وجهين على ما فسرنا: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} و {عَلَّامَ الْغُيُوبِ} ). [الكامل: 1/416-418] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ومن التشبيه المحمود قول الشاعر:

طليق الله لم يمنن عليه = أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماء = تقلب طرفها حذر الصقور
وهذا غاية في صفة الجبان.
ونصب عيني بنت ماء على الذم، وتأويله: إنه إذا قال: جاءني عبد الله الفاسق الخبيث فليس يقوله إلا وقد عرفه بالفسق والخبث فنصبه أعني وما أشبهه من الأفعال، نحو أذكر، وهذا أبلغ في الذم، أن يقيم الصفة مقام الاسم، وكذلك المدح. وقول الله تبارك وتعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} بعد قوله: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ}. إنما هو على هذا. ومن زعم أنه أراد: "ومن المقيمين الصلاة" فمخطئ في قول البصريين، لأنهم لا يعطفون الظاهر على المضمر المخفوض، ومن أجازه من غيرهم فعلى قبح، كالضرورة. والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب. وقرأ حمزة: (الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ)، وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطر إليه شاعر، كما قال:

فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا = فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقرأ عيسى بن عمر: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}. أراد: وامرأته في جيدها حبل من مسد، فنصب حمالة على الذم. ومن قال إن امرأته مرتفعة بقوله: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}: فهو يجوز. وليس بالوجه أن يعطف المظهر المرفوع على المضمر حتى يؤكد، نحو: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} [المائدة: 24] و: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}، فأما قوله: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا}. فإنه لما طال الكلام وزيدت فيه لا احتمل الحذف وهذا على قبحه جائز في الكلام، أعني: ذهبت وزيد، وأذهب وعمرو، قال جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه = ما لم يكن وأب له لينالا
وقال ابن أبي ربيعة:
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى = كنعاج الملا تعسفن رملا
ومما ينصب على الذم قول النابغة الذبياني:

لعمري وما عمري علي بهين = لقد نطقت بطلا علي الأقارع
أقارع عوف لا أحاول غيرها = وجوه قرود تبتغي من تجادع
وقال عروة بن الورد العبسي:

سقوني الخمر ثم تكنفوني = عداة الله من كذب وزور
والعرب تنشد قول حاتم الطائي رفعًا ونصبًا:

إن كنت كارهة معيشتنا = هاتا فحلي في بني بدر
الضربين، لدى أعنتهم = والطاعنين وخيلهم تجري
وإنما خفضوهما على النعت، وربما رفعوهما على القطع والابتداء.
وكذلك قول الخرنق بنت هفان القيسي، من بني قيس بن ثعلب:

لا يبعدن قومي الذين هم = سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك = والطيبين معاقد الأزر
وكل ما كان من هذا فعلى هذا الوجه.
وإن لم يرد مدحًا ولا ذمًا قد استقر له فوجهه النعت. وقرأ بعض القراء: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ).
وأكثر ما تنشد العرب بيت ذي الرمة نصبًا، لأنه لما ذكر ما يحن إليه ويصبو إلى قربه أشاد بذكر ما قد كان يبغي، فقال:
ديار مية إذ مي تساعفنا = ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
وفي هذه القصيدة من التشبيه المصيب قوله:

بيضاء في دعج، صفراء في نعج = كأنها فضة قد مسها ذهب
وفيها من التشبيه المصيب قوله:
تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كما = أن المريض إلى عاده الوصب).

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) }

تفسير قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) }
قال أبو فَيدٍ مُؤَرِّجُ بنُ عمروٍ السَّدُوسِيُّ (ت: 195هـ) : (ويُرْوَى: واتَّسَى واتَّسَتْ به، وهو مِن الأَسَى وهو الْحُزْنُ، يُقالُ: أَسِيَ يَأْسَى أَسًى، ويُرْوَى: واتَّسَتْ واتَّسَى به). [شرح لامية العرب: --] (م)
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (والأسى الحزن مقصور يكتب بالياء). [المقصور والممدود: 75]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (

وذي إبل فجعته بخيارها = فأصبح منها وهو أسوان يائس
...
و(أسوان) من الحزن، وهو (الأسى) ). [شرح أشعار الهذليين: 2/645]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (
فلا تأس إن صدت سواك ولا تكن = جنيبا لخلات كذوب المواعد
(لا تأس) لا تحزن). [شرح أشعار الهذليين: 2/932]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (
وقوفنا بها صحبي علي مطيهم = يقولون لا تهلك أسىً وتجمل
...
أسىً: من أسِيَ يَأسَى أسىً). [شرح ديوان امرئ القيس: 172-173]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (والأسى:
الحزن، يقال: أسي يأسى أسىً). [الأمالي: 2/317-318] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 09:34 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 09:34 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 09:34 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 09:34 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين (20) يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إنّ فيها قوماً جبّارين وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون (22)
المعنى واذكر لهم يا محمد على جهة إعلامهم بغير كتبهم ليتحققوا نبوتك وينتظم في ذلك نعم الله عليهم وتلقيهم تلك النعم بالكفر وقلة الطاعة والإنابة. وقرأ ابن محيصن «يا قوم» بالرفع وكذلك حيث وقع من القرآن. وروي ذلك عن ابن كثير، ونعمت اللّه هنا اسم الجنس، ثم عدد عيون تلك النعم، والأنبياء الذين جعل فيهم أمرهم مشهور من لدن إسرائيل إلى زمان عيسى عليه السلام والأنبياء حاطة ومنقذون من النار وشرف في الدنيا والآخرة. وقوله: وجعلكم ملوكاً يحتمل معاني أحدها أن يعدد عليهم ملك من ملك من بني إسرائيل لأن الملوك شرف في الدنيا وحاطة من نوائبها، والمعنى الآخر: أن يريد استنقذكم من القبط الذين كانوا يستخدمونكم فصرتم أحرارا تملكون ولا تملكون، فهم ملوك بهذا الوجه وبنحو هذا فسر السدي وغيره. وقال قتادة إنما قال: وجعلكم ملوكاً لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدمه أحد من بني آدم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف لأن القبط كانوا يستخدمون بني إسرائيل. وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا، وإنما اختلفت الأمم في معنى التملك فقط. وقال عبد الله ابن عمرو بن العاصي والحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم من كان له مسكن وامرأة وخادم فهو ملك، وقيل من له مسكن لا يدخل عليه فيه إلا بإذن فهو ملك، وقوله تعالى: وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين قال فيه أبو مالك وسعيد بن جبير: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ضعيف، وقال جمهور المفسرين الخطاب هو من موسى عليه السلام لقومه، ثم اختلف المفسرون ماذا الذي أوتوا ولم يؤت أحد مثله؟ فقال مجاهد، المن والسلوى والحجر والغمام، وقال غيره: كثرة الأنبياء.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعلى هذا في كثرة الأنبياء فالعالمون على العموم والإطلاق، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى فالعالمون مقيدون بالزمان الذي كانوا فيه، لأن أمة محمد قد أوتيت من آيات محمد عليه السلام أكثر من ذلك، قد ظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغمامة قبل مبعثه، وكلمته الحجارة والبهائم، وأقبلت إليه الشجرة وحن الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه وشبع كثير من الناس من قليل الطعام ببركته، وانشق له القمر، وعاد العود سيفا، ورجع الحجر المعترض في الخندق رملا مهيلا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى يتعزز ويأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع شأنه). [المحرر الوجيز: 3/136-137]

تفسير قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (والمقدّسة معناه المطهرة، وقال مجاهد: المباركة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والبركة تطهير من القحوط والجوع ونحوه. واختلف الناس في تعيينها، فقال ابن عباس ومجاهد هي الطور وما حوله، وقال قتادة: هي الشام، وقال ابن زيد: هي أريحا وقاله السدي وابن عباس أيضا، وقال قوم: هي الغوطة وفلسطين وبعض الأردن، قال الطبري: ولا يختلف أنها بين الفرات وعريش مصر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وتظاهرت الروايات أن دمشق هي قاعدة الجبارين، وقوله: «التي كتاب الله لكم» معناه التي «كتب الله» في قضائه وقدره أنها لكم ترثونها وتسكنونها مالكين لها، ولكن فتنتكم في دخولها بفرض قتال من فيها عليكم تمحيصا وتجربة، ثم حذرهم موسى عليه السلام الارتداد على الأدبار، وذلك الرجوع القهقهرى، ويحتمل أن يكون تولية الدبر والرجوع في الطريق الذي جيء منه، والخاسر: الذي قد نقص حظه). [المحرر الوجيز: 3/137-138]

تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم ذكر عز وجل عن بني إسرائيل أنهم تعنتوا ونكصوا فقالوا إنّ فيها قوماً جبّارين. والجبار فعال من الجبر كأنه لقوته وغشمه وبطشه يجبر الناس على إرادته، والنخلة الجبارة العالية التي لا تنال بيد، وكان من خبر الجبارين أنهم كانوا أهل قوة فلما بعث «موسى» الاثني عشر نقيبا مطلعين على أمر الجبارين وأحوالهم رأوا لهم قوة وبطشا وتخيلوا أن لا طاقة لهم بهم فجاؤوا بني إسرائيل ونقضوا العهد في أن أخبروهم بحال ال جبّارين حسبما قدمناه في ذكر بعث النقباء، ولم يف منهم إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، ثم إن بني إسرائيل كعوا وجبنوا وقالوا: كوننا عبيدا للقبط أسهل من قتال هؤلاء، وهم كثير منهم أن يقدموا رجلا على أنفسهم ويصير بهتم إلى أرض مصر مرتدين على الأعقاب، ونسوا أن الله تعالى إذا أيد الضعيف غلب القوي وأخبروا «موسى» أنهم لن يدخلوا الأرض ما دام الجبارون فيها، وطلبوا منه أن يخرج الله الجبارين بجند من عنده وحينئذ يدخل بنو إسرائيل). [المحرر الوجيز: 3/138]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون وعلى اللّه فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون (24) قال ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) قال فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26)
قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «يخافون» بضم الياء. وقرأ الجمهور «يخافون» بفتح الياء، وقال أكثر المفسرين: الرجلان يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفنا، ويقال فيه كلاب، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا، وهو صهر «موسى» على أخته، قال الطبري: اسم زوجته مريم بنت عمران، ومعنى يخافون أي الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق، وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن أنعم اللّه عليهما بالإيمان والثبوت مع خوفهما، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود: «قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم عليهما». وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان، أحدها ما روي من أن الرجلين كانا من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه، فكانا من القوم الذين يخافون لكن أنعم اللّه عليهما بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم بقومنا، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم. فهم «يخافون» بهذا الوجه.
والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين يخافون بأوامر الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحا لهم على نحو المدح في قوله تعالى: أولئك الّذين امتحن اللّه قلوبهم للتّقوى [الحجرات: 3] وقوله تعالى: أنعم اللّه عليهما صفة للرجلين، والباب هو باب مدينة الجبارين فيما ذكر المفسرون والمعنى اجتهدوا وكافحوا حتى تدخلوا الباب، وقوله: فإنّكم غالبون ظن منهما ورجاء وقياس أي إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم فتغلبونهم، وفي قراءة ابن مسعود «عليهما ويلكم ادخلوا». وقولهما: وعلى اللّه فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر). [المحرر الوجيز: 3/138-139]

تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم إن بني إسرائيل لجوا في عصيانهم وسمعوا من العشرة النقباء الجواسيس الذين خوفوهم أمر الجبارين ووصفوا لهم قوة الجبارين وعظم خلقهم فصمموا على خلاف أمر الله تعالى: وقالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون وهذه عبارة تقتضي كفرا، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى اذهب أنت وربك يعينك وأن الكلام معصية لا كفر.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقولهم فقاتلا يقطع بهذا التأويل، وذكر النقاش عن بعض المفسرين أن المراد بالرب هنا هارون لأنه كان اسنّ من «موسى» وكان معظما في بني إسرائيل محببا لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا اذهب أنت وكبيرك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيرا لموسى وتابعا له في معنى الرسالة، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر، وذكر الطبري عن قتادة أنه قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عزم على قتال قريش في عام الحديبية، جمع العسكر وكلم الناس في ذلك فقال له المقداد بن الأسود: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون».
لكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون. وذكر النقاش أن الأنصار قالت هذه المقالة للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وجميع هذا وهم، غلط قتادة رحمه الله في وقت النازلة، وغلط النقاش في قائل المقالة، والكلام إنما وقع في غزوة بدر حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذفران فكلم الناس
وقال لهم: أشيروا عليّ أيها الناس، فقال له المقداد هذه المقالة في كلام طويل، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، ثم تكلم من الأنصار سعد بن معاذ بنحو هذا المعنى ولكن سبقه المقداد إلى التمثيل بالآية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وتمثل المقداد بها وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك يقتضي أن الرب إنما أريد به الله تعالى، ويونس أيضا في إيمان بني إسرائيل، لأن المقداد قد قال: اذهب أنت وربك فقاتلا، وليس لكلامه معنى إلا أن الله تعالى يعينك ويقاتل معك ملائكته ونصره فعسى أن بني إسرائيل أرادت ذلك، أي اذهب أنت ويخرجهم الله بنصره وقدرته من المدينة وحينئذ ندخلها، لكن قبحت عبارتهم لاقتران النكول بها، وحسنت عبارة المقداد لاقتران الطاعة والإقدام بها). [المحرر الوجيز: 3/139-140]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ولما سمع موسى عليه السلام قولهم ورأى عصيانهم تبرأ إلى الله تعالى منهم، وقال داعيا عليهم: ربّ إنّي لا أملك إلّا نفسي وأخي يعني هارون، وقوله: وأخي يحتمل أن يكون إعرابه رفعا إما على الابتداء والتقدير وأخي لا يملك إلا نفسه، وإما على العطف على الضمير الذي في أملك تقديره لا أملك أنا، ويحتمل أن يكون إعرابه نصبا على العطف على نفسي، وذلك لأن هارون كان يطيع «موسى» فلذلك أخبر أنه يملكه، وقرأ الحسن «إلا نفسي وأخي» بفتح الياء فيهما، وقوله: فافرق بيننا دعاء حرج، قال السدي، هي عجلة عجلها موسى عليه السلام، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى افصل بيننا وبينهم بحكم وافتح، فالمعنى احكم بحكم يفرق هذا الاختلاف ويلم الشعث.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعلى هذا التأويل فليس في الدعاء عجلة، وقال قوم: المعنى «فافرق بيننا وبينهم» في الآخرة حتى تكون منزلة المطيع مفارقة لمنزلة العاصي الفاسق، ويحتمل الدعاء أن يكون معناه: «فرق بيننا وبينهم» بمعنى أن يقول فقدنا وجوههم «وفرق بيننا وبينهم» حتى لا نشقى بفسقهم، وبهذا الوجه تجيء العجلة في الدعاء، وقرأ عبيد بن عمير «فافرق» بكسر الراء). [المحرر الوجيز: 3/140-141]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قال فإنّها محرّمةٌ المعنى قال الله، وأضمر الفاعل في هذه الأفعال كلها إيجازا لدلالة معنى الكلام على المراد، وحرم الله تعالى على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنةً وتركهم خلالها يتيهون في الأرض أي في أرض تلك النازلة، وهو فحص التيه وهو على ما يحكى طول ثمانين ميلا في عرض ستة فراسخ، وهو ما بين مصر والشام، ويروى أنه اتفق أنه مات كل من كان قال إنّا لن ندخلها أبدا، ولم يدخل المدينة أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالوث، ويروى أن هارون عليه السلام مات في فحص التيه في خلال هذه المدة ولم يختلف فيها، وروي أن «موسى» عليه السلام مات فيه بعد هارون بثمانية أعوام، وقيل بستة أشهر ونصف، وأن يوشع نبئ بعد كمال «الأربعين سنة». وخرج ببني إسرائيل وقاتل الجبارين وفتح المدينة، وفي تلك الحرب وقفت له الشمس ساعة حتى استمر هزم الجبارين، وروي أن «موسى» عليه السلام عاش حتى كملت الأربعون وخرج بالناس وحارب الجبارين ويوشع وكالب على مقدمته، وأنه فتح المدينة وقتل بيده عوج بن عناق، يقال كان في طول «موسى» عشرة أذرع وفي طول عصاه عشرة أذرع، ونزل من الأرض في السماء عشرة أذرع. وحينئذ لحق كعب عوج فضربه بعصاه في كعبه فخر صريعا، ويروى أن عوجا اقتلع صخرة ليطرحها على عسكر بني إسرائيل فبعث الله هدهدا بحجر الماس فأداره على الصخرة فتقورت ودخلت في عنق عوج، وضربه «موسى» فمات، وحكى الطبري أن طول عوج ثمانمائة ذراع، وحكي عن ابن عباس أنه قال لما خر كان جسرا على النيل سنة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والنيل ليس في تلك الأقطار وهذا كله ضعيف والله أعلم، وحكى الزجاج عن قوم أن «موسى» وهارون لم يكونا في التيه، والعامل في أربعين يحتمل أن يكون محرّمةٌ، أي حرمت عليهم أربعين سنةً ويتيهون في الأرض هذه المدة ثم تفتح عليهم، أدرك ذلك من أدركه ومات قبله من مات. وخطأ أبو إسحاق أن يكون العامل محرّمةٌ، وذلك منه تحامل، ويحتمل أن يكون العامل يتيهون مضمرا يدل عليه يتيهون المتأخر، ويكون قوله إنها محرمة إخبار مستمر تلقوا منه أن المخاطبين لا يدخلونها أبدا، وأنهم مع ذلك «يتيهون في الأرض أربعين سنة» يموت فيها من مات.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والخطاب على هذا التأويل أصعب موقفا وأحضر يأسا. وروي أن من كان قد جاوز عشرين سنة لم يعش إلى الخروج من التيه، وأن من كان دون العشرين عاشوا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كأنه لم يعش المكلفون أشار إلى ذلك الزجاج، والتيه الذهاب في الأرض إلى غير مقصد معلوم، ويروى أن بني إسرائيل كانوا يرحلون بالليل ويسيرون ليلهم أجمع في تحليق ونحوه من التردد وقلة استقامة السير، حتى إذا أصبحوا وجدوا جملتهم في الموضع الذي كانوا فيه أول الليل، قال مجاهد وغيره كانوا يسيرون النهار أحيانا والليل أحيانا فيمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وذلك في مقدار ستة فراسخ.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحتمل أن يكون تيههم بافتراق الكلمة وقلة اجتماع الرأي، وإن الله تعالى رماهم بالاختلاف وعلموا أنها قد حرمت عليهم «أربعين سنة». فتفرقت منازلهم في ذلك الفحص وأقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع على غير نظام واجتماع، حتى كملت هذه المدة وأذن الله بخروجهم وهذا تيه ممكن محتمل على عرف البشر. والآخر الذي ذكر مجاهد إنما هو خرق عادة وعجب من قدرة الله تعالى، وفي ذلك التيه ظلل عليهم الغمام ورزقوا المن والسلوى إلى غير ذلك مما روي من ملابسهم، وقد مضى ذلك في سورة البقرة، وقوله تعالى: فلا تأس على القوم الفاسقين معناه فلا تحزن يقال أسي: الرجل يأسى أسى إذا حزن ومنه قول امرئ القيس:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيهم = يقولون لا تهلك أسىّ وتجمل
ومنه قول متمم بن نويرة:
فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى = دعوني فهذا كله قبر مالك
والخطاب بهذه الآية لموسى عليه السلام، قال ابن عباس ندم «موسى» على دعائه على قومه وحزن عليهم، فقال له الله: فلا تأس على القوم الفاسقين. وقال قوم من المفسرين الخطاب بهذه الألفاظ لمحمد صلى الله عليه وسلم ويراد ب الفاسقين معاصروه، أي هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك وردهم عليك، فإنها سجية خبيثة موروثة عندهم). [المحرر الوجيز: 3/141-144]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 09:34 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 09:34 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,212
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين (20) يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إنّ فيها قومًا جبّارين وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون (22) قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون وعلى اللّه فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون (24) قال ربّ إنّي لا أملك إلّا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) قال فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26) }
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السّلام، فيما ذكّر به قومه نعم اللّه عليهم وآلاءه لديهم، في جمعه لهم خير الدّنيا والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة، فقال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء} أي: كلّما هلك نبيٌّ قام فيكم نبيٌّ، من لدن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده. وكذلك كانوا، لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى اللّه ويحذّرون نقمته، حتّى ختموا بعيسى، عليه السّلام، ثمّ أوحى اللّه [تعالى] إلى خاتم الرّسل والأنبياء على الإطلاق محمّد بن عبد اللّه، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم، عليه السّلام، وهو أشرف من كلّ من تقدّمه منهم صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقوله: {وجعلكم ملوكًا} قال عبد الرّزّاق، عن الثّوريّ، عن منصورٍ، عن الحكم أو غيره، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وجعلكم ملوكًا} قال: الخادم والمرأة والبيت.
وروى الحاكم في مستدركه، من حديث الثّوريّ أيضًا، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: المرأة والخادم {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} قال: الّذين هم بين ظهرانيهم يومئذٍ، ثمّ قال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه.
وقال ميمون بن مهران، عن ابن عبّاسٍ قال: كان الرّجل من بني إسرائيل إذا كان له الزّوجة والخادم والدّار سمّي ملكًا.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو هانئٍ؛ أنّه سمع أبا عبد الرّحمن الحبلي يقول: سمعت عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وسأله رجلٌ فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد اللّه: ألك امرأةٌ تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكنٌ تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إنّ لي خادمًا. قال فأنت من الملوك.
وقال الحسن البصريّ: هل الملك إلّا مركبٌ وخادمٌ ودارٌ؟
رواه ابن جريرٍ. ثمّ روي عن منصورٍ والحكم، ومجاهدٍ، وسفيان الثّوريّ نحوًا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتمٍ عن ميمون بن مهران.
وقال ابن شوذب: كان الرّجل من بني إسرائيل إذا كان له منزلٌ وخادمٌ، واستؤذن عليه، فهو ملكٌ.
وقال قتادة: كانوا أوّل من ملك الخدم.
وقال السّدّي في قوله: {وجعلكم ملوكًا} قال: يملك الرّجل منكم نفسه وأهله وماله. رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: ذكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادمٌ ودابّةٌ وامرأةٌ، كتب ملكًا".
وهذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا الزّبير بن بكّارٍ، حدّثنا أبو ضمرة أنس بن عياضٍ، [قال] سمعت زيد بن أسلمٍ يقول: {وجعلكم ملوكًا} فلا أعلم إلّا أنّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من كان له بيتٌ وخادمٌ فهو ملكٌ".
وهذا مرسلٌ غريبٌ. وقال مالك: بيت وخادم وزوجة.
وقد ورد في الحديث: "من أصبح منكم معافى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها".
وقوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} يعني عالمي زمانكم، فكأنّهم كانوا أشرف النّاس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنّبوّة ورزقناهم من الطّيّبات وفضّلناهم على العالمين} [الجاثية: 16] وقال تعالى إخبارًا عن موسى لمّا قالوا: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهةٌ قال إنّكم قومٌ تجهلون. إنّ هؤلاء متبّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون. قال أغير اللّه أبغيكم إلهًا وهو فضّلكم على العالمين} [الأعراف: 138-140]
والمقصود: أنّهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلّا فهذه الأمّة أشرف منهم، وأفضل عند اللّه، وأكمل شريعةً، وأقوم منهاجًا، وأكرم نبيًّا، وأعظم ملكًا، وأغزر أرزاقًا، وأكثر أموالًا وأولادًا، وأوسع مملكةً، وأدوم عزًّا، قال اللّه [عزّ وجلّ] {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} [آل عمران: 110] وقال {وكذلك جعلناكم أمّةً وسطًا لتكونوا شهداء على النّاس} [البقرة: 143] وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمّة وشرفها وكرمها، عند اللّه، عند قوله عزّ وجلّ: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} من سورة آل عمران.
وروى ابن جريرٍ عن ابن عبّاسٍ، وأبي مالكٍ وسعيد بن جبيرٍ أنّهم قالوا في قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} يعني: أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وكأنّهم أرادوا أنّ هذا الخطاب في قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} مع هذه الأمّة. والجمهور على أنّه خطابٌ منّ موسى لقومه وهو محمولٌ على عالمي زمانهم كما قدّمنا.
وقيل: المراد: {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين} يعني بذلك: ما كان تعالى نزّله عليهم من المنّ والسّلوى، وتظلّلهم من الغمام وغير ذلك، ممّا كان تعالى يخصّهم به من خوارق العادات، فاللّه أعلم). [تفسير القرآن العظيم: 3/72-74]

تفسير قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى مخبرًا عن تحريض، موسى، عليه السّلام، لبني إسرائيل على الجهاد والدّخول إلى بيت المقدس، الّذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لمّا ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيّام يوسف عليه السّلام، ثمّ لم يزالوا بها حتّى خرجوا مع موسى [عليه السّلام] فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبّارين، قد استحوذوا عليها وتملّكوها، فأمرهم رسول اللّه موسى، عليه السلام، بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشّرهم بالنّصرة والظّفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذّهاب في التّيه والتّمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجّهون فيه إلى مقصدٍ، مدّة أربعين سنةً، عقوبةٌ لهم على تفريطهم في أمر اللّه [تعالى] فقال تعالى مخبرًا عن موسى أنّه قال: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة} أي: المطهّرة.
قال سفيان الثّوريّ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ادخلوا الأرض المقدّسة} قال: هي الطّور وما حوله. وكذا قال مجاهدٌ وغير واحدٍ.
وقال سفيان الثّوريّ، عن أبي سعيدٍ البقّال، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: هي أريحا. وكذا ذكر غير واحدٍ من المفسّرين.
وفي هذا نظرٌ؛ لأنّ أريحا ليست هي المقصود بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر، حين أهلك اللّه عدوّهم فرعون، [اللّهمّ] إلّا أن يكون المراد بأريحا أرض بيت المقدس، كما قاله -السّدّيّ فيما رواه ابن جريرٍ عنه-لا أنّ المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغور شرقيّ بيت المقدس.
وقوله تعالى: {الّتي كتب اللّه لكم} أي: الّتي وعدكموها اللّه على لسان أبيكم إسرائيل: أنّه وراثة من آمن منكم. {ولا ترتدّوا على أدباركم} أي: ولا تنكلوا عن الجهاد {فتنقلبوا خاسرين} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/74-75]

تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {قالوا يا موسى إنّ فيها قومًا جبّارين وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون} أي: اعتذروا بأنّ في هذه البلدة -الّتي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها-قومًا جبّارين، أي: ذوي خلقٍ هائلةٍ، وقوًى شديدةٍ، وإنّا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدّخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها وإلّا فلا طاقة لنا بهم.
وقد قال ابن جريرٍ: حدّثني عبد الكريم بن الهيثم، حدّثنا إبراهيم بن بشّار، حدّثنا سفيان قال: قال أبو سعيدٍ قال عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتّى نزل قريبًا من المدينة -وهي أريحا-فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كلّ سبطٍ منهم عينٌ، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثّمار من حائطه، فجعل يجتني الثّمار. وينظر إلى آثارهم، فتتبّعهم فكلّما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمّه مع الفاكهة، حتى التقت الاثني عشر كلّهم، فجعلهم في كمّه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال لهم الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وفي هذا الإسناد نظرٌ.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلًا -وهم النّقباء الّذين ذكر اللّه، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجلٌ من الجبّارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتّى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم. فأعطوهم حبّةً من عنبٍ تكفي الرّجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قدر فاكهتهم فلمّا أتوهم قالوا: يا موسى، {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون}
رواه ابن أبي حاتمٍ، ثمّ قال: حدّثنا أبي، حدّثنا ابن أبي مريم، حدّثنا يحيى بن أيّوب عن يزيد بن الهاد، حدّثني يحيى بن عبد الرّحمن قال: رأيت أنس بن مالكٍ أخذ عصًا، فذرع فيها بشيءٍ، لا أدري كم ذرع، ثمّ قاس بها في الأرض خمسين أو خمسًا وخمسين، ثمّ قال: هكذا طول العماليق.
وقد ذكر كثيرٌ من المفسّرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبّارين، وأنّه كان فيهم عوج بن عنقٍ، بنت آدم، عليه السّلام، وأنّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراعٍ وثلاثمائةٍ وثلاثةٌ وثلاثون ذراعًا وثلث ذراعٍ، تحرير الحساب! وهذا شيءٌ يستحى من ذكره. ثمّ هو مخالفٌ لما ثبت في الصّحيح أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ اللّه [تعالى] خلق آدم وطوله ستّون ذراعًا، ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتّى الآن".
ثمّ قد ذكروا أنّ هذا الرّجل كان كافرًا، وأنّه كان ولد زنية، وأنّه امتنع من ركوب السّفينة، وأنّ الطّوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذبٌ وافتراءٌ، فإنّ اللّه ذكر أنّ نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال {ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارًا} [نوحٍ: 26] وقال تعالى: {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثمّ أغرقنا بعد الباقين} [الشّعراء: 119-120] وقال تعالى: [قال] {لا عاصم اليوم من أمر اللّه إلا من رحم} [هودٍ: 43] وإذا كان ابن نوحٍ الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنقٍ، وهو كافرٌ وولد زنيةٍ؟! هذا لا يسوّغ في عقلٍ ولا شرعٍ. ثمّ في وجود رجلٍ يقال له: "عوج بن عنقٍ" نظرٌ، واللّه أعلم). [تفسير القرآن العظيم: 3/75-76]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {قال رجلان من الّذين يخافون أنعم اللّه عليهما} أي: فلمّا نكل بنو إسرائيل عن طاعة اللّه ومتابعة رسول اللّه موسى، عليه السّلام، حرّضهم رجلان للّه عليهما نعمةٌ عظيمةٌ، وهما ممّن يخاف أمر اللّه ويخشى عقابه.
وقرأ بعضهم: {قال رجلان من الّذين يخافون} أي: ممّن لهم مهابةٌ وموضعٌ من النّاس. ويقال: إنّهما "يوشع بن نونٍ" و "كالب بن يوفنا"، قاله ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ، وعكرمة، وعطيّة، والسّدّي، والرّبيع بن أنسٍ، وغير واحدٍ من السّلف، والخلف، رحمهم اللّه، فقالا {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون وعلى اللّه فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين} أي: متى توكّلتم على اللّه واتّبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم اللّه على أعدائكم وأيّدكم وظفّركم بهم، ودخلتم البلدة الّتي كتبها اللّه لكم. فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا). [تفسير القرآن العظيم: 3/76-77]

تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} وهذا نكولٌ منهم عن الجهاد، ومخالفةٌ لرسولهم وتخلّفٌ عن مقاتلة الأعداء.
ويقال: إنّهم لمّا نكلوا على الجهاد وعزموا على الانصراف والرّجوع إلى بلادهم، سجد موسى وهارون، عليهما السّلام، قدام ملأٍ من بني إسرائيل، إعظامًا لما همّوا به، وشق "يوشع بن نونٍ" و "كالب بن يوفنا" ثيابهما ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنّهم رجموهما. وجرى أمرٌ عظيمٌ وخطرٌ جليلٌ.
وما أحسن ما أجاب به الصّحابة، رضي اللّه عنهم يوم بدرٍ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين استشارهم في قتال النّفير، الّذين جاءوا لمنع العير الّذي كان مع أبي سفيان، فلمّا فات اقتناص العير، واقترب منهم النّفير، وهمّ في جمعٍ ما بين التّسعمائة إلى الألف، في العدة والبيض واليلب، فتكلّم أبو بكرٍ، رضي اللّه عنه، فأحسن، ثمّ تكلّم من تكلّم من الصّحابة من المهاجرين ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "أشيروا عليّ أيّها المسلمون". وما يقول ذلك إلّا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنّهم كانوا جمهور النّاس يومئذٍ. فقال سعد بن معاذٍ [رضي اللّه عنه] كأنّك تعرض بنا يا رسول اللّه، فوالّذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلّف منّا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنّا لصبر في الحرب، صدقٌ في اللّقاء، لعلّ اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة اللّه فسرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقول سعدٍ، ونشّطه ذلك.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا عليّ بن الحسين، حدّثنا أبو حاتمٍ الرّازيّ، حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الأنصاريّ، حدّثنا حميدٌ عن أنسٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما سار إلى بدرٍ استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثمّ استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إيّاكم يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قالوا: إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} والّذي بعثك بالحقّ لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتّبعناك.
ورواه الإمام أحمد، عن عبيدة بن حميدٍ، الطّويل، عن أنسٍ، به. ورواه النّسائيّ، عن محمّد بن المثنّى، عن خالد بن الحارث، عن حميدٍ به، ورواه ابن حبّان عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى بن حمّادٍ، عن معمر بن سليمان، عن حميدٍ، به.
وقال ابن مردويه: أخبرنا عبد اللّه بن جعفرٍ، أخبرنا إسماعيل بن عبد اللّه، حدّثنا عبد الرّحمن بن إبراهيم، حدّثنا محمّد بن شعيبٍ، عن الحسن بن أيّوب، عن عبد اللّه بن ناسخٍ، عن عتبة بن عبدٍ السّلميّ قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه: "ألا تقاتلون؟ " قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون.
وكان ممّن أجاب يومئذٍ المقداد بن عمرٍو الكنديّ، رضي اللّه عنه، كما قال الإمام أحمد:
حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا سفيان، عن مخارق بن عبد اللّه الأحمسي، عن طارقٍ -هو ابن شهابٍ-: أنّ المقداد قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدرٍ: يا رسول اللّه، إنّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون.
هكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريقٍ أخرى فقال: حدّثنا أسود بن عامرٍ، حدّثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهابٍ قال: قال عبد اللّه -هو ابن مسعودٍ-رضي اللّه عنه: لقد شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون أنا صاحبه أحبّ إليّ ممّا عدل به: أتى رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم] وهو يدعو على المشركين، فقال: واللّه يا رسول اللّه لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيت وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشرق لذلك، وسرّه بذلك.
وهكذا رواه البخاريّ "في المغازي" وفي "التّفسير" من طرقٍ عن مخارقٍ، به. ولفظه في "كتاب التّفسير" عن عبد اللّه قال: قال المقداد يوم بدرٍ: يا رسول اللّه، إنّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} ولكن [نقول] امض ونحن معك فكأنّه سرّى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ثمّ قال البخاريّ: ورواه وكيع، عن سفيان، عن مخارقٍ، عن طارقٍ؛ أنّ المقداد قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا بشرٌ، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صدّ المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت". فقال له المقداد بن الأسود: أما واللّه لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيّهم: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون. فلمّا سمعها أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تتابعوا على ذلك.
وهذا. إن كان محفوظًا يوم الحديبية، فيحتمل أنّه كرّر هذه المقالة يومئذٍ كما قاله يوم بدر). [تفسير القرآن العظيم: 3/77-79]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {قال ربّ إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} يعني: لمّا نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السّلام، وقال داعيًا عليهم: {ربّ إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي} أي: ليس أحدٌ يطيعني منهم فيمتثل أمر اللّه، ويجيب إلى ما دعوت إليه إلّا أنا وأخي هارون، {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} قال العوفي، عن ابن عبّاسٍ: يعني اقض بيني وبينهم. وكذا قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ.
وكذا قال الضّحّاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، وقال غيره: افرق: افصل بيننا وبينهم، كما قال الشّاعر:
يا ربّ فافرق بينه وبيني = أشدّ ما فرقت بين اثنين). [تفسير القرآن العظيم: 3/79]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى: {[قال] فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض [فلا تأس على القوم الفاسقين]} لمّا دعا عليهم موسى، عليه السّلام، حين نكلوا عن الجهاد حكم اللّه عليهم بتحريم دخولها قدرًا مدّة أربعين سنةً، فوقعوا في التّيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمورٌ عجيبةٌ، وخوارق كثيرةٌ، من تظليلهم بالغمام وإنزال المنّ والسّلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرةٍ صمّاء تحمل معهم على دابّةٍ، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينًا تجري لكلّ شعبٍ عينٌ، وغير ذلك من المعجزات الّتي أيّد اللّه بها موسى بن عمران. وهناك أنزلت التّوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبّة العهد، ويقال لها: قبّة الزّمان.
قال يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيدٍ عن القاسم بن أبي أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ: سألت ابن عبّاسٍ عن قوله: {فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض} الآية. قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنةً، يصبحون كلّ يومٍ يسيرون ليس لهم قرارٌ، ثمّ ظلّل عليهم الغمام في التّيه، وأنزل عليهم المنّ والسّلوى وهذا قطعةٌ من حديث "الفتون"، ثمّ كانت وفاة هارون، عليه السّلام، ثمّ بعده بمدّة ثلاثة سنين مات موسى الكليم، عليه السّلام، وأقام اللّه فيهم "يوشع بن نونٍ" عليه السّلام، نبيًّا خليفةً عن موسى بن عمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدّة، ويقال: إنّه لم يبق منهم أحدٌ سوى "يوشع" و "كالب"، ومن هاهنا قال بعض المفسّرين في قوله: {قال فإنّها محرّمةٌ عليهم} هذا وقفٌ تامٌّ، وقوله: {أربعين سنةً} منصوبٌ بقوله: {يتيهون في الأرض} فلما انقضت المدّة خرج بهم "يوشع بن نونٍ" عليه السّلام، أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثّاني، فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلمّا تضيّفت الشّمس للغروب، وخشي دخول السّبت عليهم قال "إنّك مأمورةٌ وأنا مأمورٌ، اللّهمّ احبسها عليّ"، فحبسها اللّه تعالى حتّى فتحها، وأمر اللّه "يوشع بن نونٍ" أن يأمر بني إسرائيل، حين يدخلون بيت المقدس، أن يدخلوا بابها سجّدا، وهم يقولون: حطّةٌ، أي: حطّ عنّا ذنوبنا، فبدّلوا ما أمروا به، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حبّة في شعرة، وقد تقدّم هذا كلّه في سورة البقرة.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن أبي عمر العدنيّ، حدّثنا سفيان، عن أبي سعيدٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض} قال: فتاهوا أربعين سنةً، فهلك موسى وهارون في التّيه وكلّ من جاوز الأربعين سنةً، فلمّا مضت الأربعون سنةً ناهضهم "يوشع بن نونٍ"، وهو الّذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الّذي افتتحها، وهو الّذي قيل له: "اليوم يوم الجمعة" فهمّوا بافتتاحها، ودنت الشّمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السّبت أن يسبتوا، فنادى الشّمس: "إنّي مأمورٌ وإنّك مأمورةٌ" فوقفت حتّى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قطّ، فقرّبوه إلى النّار فلم تأت فقال: فيكم الغلول، فدعا رءوس الأسباط، وهم اثنا عشر رجلًا فبايعهم، والتصقت يد رجلٍ منهم بيده، فقال: الغلول عندك، فأخرجه فأخرج رأس بقرةٍ من ذهبٍ، لها عينان من ياقوتٍ، وأسنانٌ من لؤلؤٍ، فوضعه مع القربان، فأتت النّار فأكلتها.
وهذا السّياق له شاهدٌ في الصّحيح. وقد اختار ابن جريرٍ أنّ قوله: {فإنّها محرّمةٌ عليهم} هو العامل في "أربعين سنةً"، وأنّهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنةً، وهم تائهون في البرّيّة لا يهتدون لمقصدٍ. قال: ثمّ خرجوا مع موسى، عليه السّلام، ففتح بهم بيت المقدس. ثمّ احتجّ على ذلك قال: بإجماع علماء أخبار الأوّلين أنّ عوج بن عنقٍ" قتله موسى، عليه السّلام، قال: فلو كان قتله إيّاه قبل التّيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق، فدلّ على أنّه كان بعد التّيه. قال: وأجمعوا على أنّ "بلعام بن باعورا" أعان الجبّارين بالدّعاء على موسى، قال: وما ذاك إلّا بعد التّيه؛ لأنّهم كانوا قبل التّيه لا يخافون من موسى وقومه هذا استدلاله، ثمّ قال:
حدّثنا أبو كريب، حدّثنا ابن عطيّة، حدّثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: كانت عصا موسى عشرة أذرعٍ، ووثبته عشرة أذرعٍ، وطوله عشرة أذرعٍ، فوثب فأصاب كعب "عوجٍ" فقتله، فكان جسرًا لأهل النّيل سنةً.
وروي أيضًا عن محمّد بن بشّار، حدّثنا مؤمّل، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف البكالي قال: كان سرير "عوجٍ" ثمانمائة ذراعٍ، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السّماء عشرة أذرعٍ، فضرب "عوجًا" فأصاب كعبه، فسقط ميّتًا، وكان جسرًا للنّاس يمرّون عليه.
وقوله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين} تسليةً لموسى، عليه السّلام، عنهم، أي: لا تتأسّف ولا تحزن عليهم فمهما حكمت عليهم، به فإنّهم يستحقّون ذلك.
وهذه القصّة تضمّنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم للّه ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما، فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم، ومقاتلتهم، مع أنّ بين أظهرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكليمه وصفيّه من خلقه في ذلك الزّمان، وهو يعدهم بالنّصر والظّفر بأعدائهم، هذا وقد شاهدوا ما أحلّ اللّه بعدوّهم فرعون من العذاب والنّكال والغرق له ولجنوده في اليمّ، وهم ينظرون لتقرّ به أعينهم وما بالعهد من قدمٍ، ثمّ ينكلون عن مقاتلة أهل بلدٍ هي بالنّسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعددهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاصّ والعامّ، وافتضحوا فضيحةً لا يغطّيها اللّيل، ولا يسترها الذّيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون، وفي غيّهم يتردّدون، وهم البغضاء إلى اللّه وأعداؤه، ويقولون مع ذلك: {نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه} [المائدة: 18] فقبّح اللّه وجوههم الّتي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنةً تصحبهم إلى النّار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود). [تفسير القرآن العظيم: 3/79-81]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:35 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة