العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الكهف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 جمادى الآخرة 1434هـ/26-04-2013م, 02:04 PM
الصورة الرمزية منى بكري
منى بكري منى بكري غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 1,049
افتراضي تفسير سورة الكهف [ من الآية (71) إلى الآية (77) ]

تفسير سورة الكهف
[ من الآية (71) إلى الآية (77) ]

{فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16 جمادى الآخرة 1434هـ/26-04-2013م, 10:27 PM
الصورة الرمزية منى بكري
منى بكري منى بكري غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 1,049
افتراضي

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عباس قال لما اقتص موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد وقد سجى عليه ثوبه فسلم عليه موسى فكشف الرجل عن وجهه فرد عليه السلام ثم قال له من أنت قال أنا موسى قال صاحب بني إسرائيل قال نعم قال أو ما كان لك في بني إسرائيل شغل قال بلى ولكن أمرت أن آتيك وأصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} كما قص الله حتى بلغ {إذا ركبا في السفينة خرقها} قال موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} يقول نكرا {قال لا تأخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} {فانطلقا حتى إذا لقيا غلما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} قال معمر قال الحسن تائبة قال أبو إسحاق في حديثه لقد جئت شيئا نكرا حتى بلغ {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}). [تفسير عبد الرزاق: 1/406] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن ليث عن طاوس أن رجلا ابتاع خمرا وحمله إلى أرض الهند فلما دنا منهم صب عليه ماء مثله ثم باعه وجعل ثمنه في كيس ثم ربطه في دقل السفينة ثم ساروا وكان معهم قرد في السفينة فصعد القرد حتى استوى على رأس الدقل ثم أخذ الكيس ففتحه فجعل يلقي في السفينة درهما وفي البحر درهما حتى أتى على آخره). [تفسير عبد الرزاق: 1/406]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، وعمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إنّا لعند ابن عبّاسٍ في بيته، إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عبّاسٍ، جعلني اللّه فداءك، بالكوفة رجلٌ قاصٌّ يقال له: نوفٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل، أمّا عمرٌو فقال لي: قال: قد كذب عدوّ اللّه، وأمّا يعلى فقال لي: قال ابن عبّاسٍ، حدّثني أبيّ بن كعبٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: " موسى رسول اللّه عليه السّلام، قال: ذكّر النّاس يومًا حتّى إذا فاضت العيون، ورقّت القلوب، ولّى فأدركه رجلٌ فقال: أي رسول اللّه، هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه، قيل: بلى، قال: أي ربّ، فأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي ربّ، اجعل لي علمًا أعلم ذلك به - فقال لي عمرٌو - قال: حيث يفارقك الحوت - وقال لي يعلى - قال: خذ نونًا ميّتًا، حيث ينفخ فيه الرّوح، فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ، فقال لفتاه: لا أكلّفك إلّا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلّفت كثيرًا فذلك قوله جلّ ذكره: {وإذ قال موسى لفتاه} [الكهف: 60] يوشع بن نونٍ - ليست عن سعيدٍ - قال: فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان، إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ، فقال فتاه: لا أوقظه حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر، فأمسك اللّه عنه جرية البحر، حتّى كأنّ أثره في حجرٍ - قال لي عمرٌو: هكذا كأنّ أثره في حجرٍ، وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما - {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} [الكهف: 62] ، قال: قد قطع اللّه عنك النّصب - ليست هذه عن سعيدٍ أخبره - فرجعا فوجدا خضرًا - قال لي عثمان بن أبي سليمان - على طنفسةٍ خضراء، على كبد البحر - قال سعيد بن جبيرٍ - مسجًّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضي من سلامٍ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا، قال: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك يا موسى، إنّ لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر، وقال: واللّه ما علمي وما علمك في جنب علم اللّه إلّا كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر، حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغارًا، تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصّالح - قال: قلنا لسعيدٍ: خضرٌ؟ قال: نعم - لا نحمله بأجرٍ، فخرقها ووتد فيها وتدًا، قال موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إمرًا} [الكهف: 71]- قال مجاهدٌ: منكرًا - (قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا) ، كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا، والثّالثة عمدًا، {قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} [الكهف: 73] ، لقيا غلامًا فقتله - قال يعلى: قال سعيدٌ: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين - {قال: أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ} [الكهف: 74] لم تعمل بالحنث - وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً (زاكيةً) : مسلمةً كقولك غلامًا زكيًّا - فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ، فأقامه - قال سعيدٌ بيده هكذا، ورفع يده فاستقام، قال يعلى: حسبت أنّ سعيدًا قال: فمسحه بيده فاستقام - {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77]- قال سعيدٌ: أجرًا نأكله - {وكان وراءهم} [الكهف: 79] وكان أمامهم - قرأها ابن عبّاسٍ: أمامهم ملكٌ، يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ - {ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا} [الكهف: 79] ، فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها - ومنهم من يقول: سدّوها بقارورةٍ، ومنهم من يقول بالقار - {كان أبواه مؤمنين} وكان كافرًا {فخشينا أن يرهقهما طغيانًا، وكفرًا} [الكهف: 80] أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه، (فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيرًا منه زكاةً) لقوله: {أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] {وأقرب رحمًا} [الكهف: 81] هما به أرحم منهما بالأوّل، الّذي قتل خضرٌ - وزعم غير سعيدٍ: أنّهما أبدلا جاريةً، وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال: عن غير واحدٍ: إنّها جاريةٌ - "). [صحيح البخاري: 6/89-91] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وجدا معابر هو تفسيرٌ لقوله ركبا في السّفينة لا أنّ قوله وجدا جواب إذا لأنّ وجودهما المعابر كان قبل ركوبهما السّفينة ووقع في رواية سفيان فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرّا في سفينةٍ فكلّموهم أن يحملوهم والمعابر بمهملةٍ وموحّدةٍ جمع معبرٍ وهي السّفن الصّغار ولابن أبي حاتمٍ من طريق الرّبيع بن أنسٍ قال مرّت بهم سفينة ذاهبٍ فناداهم خضرٌ قوله عرفوه فقالوا عبد اللّه الصّالح قال قلنا لسعيد بن جبيرٍ خضرٌ قال نعم القائل فيما أظنّ يعلى بن مسلمٍ وفي رواية سفيان عن عمرو بن دينارٍ فكلّموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوا قوله بأجرٍ أي أجرةٍ وفي رواية سفيان فحملوا بغير نولٍ بفتح النّون وسكون الواو وهو الأجرة ولابن أبي حاتمٍ من رواية الرّبيع بن أنسٍ فناداهم خضرٌ وبيّن لهم أن يعطي عن كلّ واحدٍ ضعف ما حملوا به غيرهم فقالوا لصاحبهم إنّا نرى رجالًا في مكانٍ مخوفٍ نخشى أن يكونوا لصوصًا فقال لأحملنّهم فإنّي أرى على وجوههم النّور فحملهم بغير أجرةٍ وذكر النّقّاش في تفسيره أنّ أصحاب السّفينة كانوا سبعةً بكلّ واحدٍ زمانةٌ ليست في الآخر قوله فخرقها ووتّد فيها بفتح الواو وتشديد المثنّاة أي جعل فيها وتدًا وفي رواية سفيان فلمّا ركبوا في السّفينة لم يفجأ إلّا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السّفينة بالقدوم والجمع بين الرّوايتين أنّه قلع اللّوح وجعل مكانه وتدًا وعند عبد بن حميد من رواية بن المبارك عن بن جريجٍ عن يعلى بن مسلمٍ جاء بودٍّ حين خرقها والودّ بفتح الواو وتشديد الدّال لغةٌ في الوتد وفي رواية أبي العالية فخرق السّفينة فلم يره أحدٌ إلّا موسى ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين ذلك قوله لقد جئت شيئا أمرا قال مجاهد منكرا هو من رواية بن جريجٍ عن مجاهدٍ وقيل لم يسمع منه وقد أخرجه عبد بن حميدٍ من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد مثله وروى بن أبي حاتمٍ من طريق خالد بن قيسٍ عن قتادة في قوله إمرًا قال عجبًا ومن طريق أبي صخرٍ في قوله إمرًا قال عظيمًا وفي رواية الرّبيع بن أنسٍ عند بن أبي حاتمٍ أنّ موسى لمّا رأى ذلك امتلأ غضبًا وشدّ ثيابه وقال أردت إهلاكهم ستعلم أنّك أوّل هالكٍ فقال له يوشع ألا تذكر العهد فأقبل عليه الخضر فقال ألم أقل لك فأدرك موسى الحلم فقال لا تؤاخذني وإنّ الخضر لمّا خلصوا قال لصاحب السّفينة إنّما أردت الخير فحمدوا رأيه وأصلحها اللّه على يده قوله كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا والثّالثة عمدًا في رواية سفيان قال وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانت الأولى من موسى نسيانًا ولم يذكر الباقي وروى بن مردويه من طريق عكرمة عن بن عبّاسٍ مرفوعًا قال الأولى نسيانٌ والثّانية عذرٌ والثّالثة فراق وعند بن أبي حاتمٍ من طريق الرّبيع بن أنسٍ قال قال الخضر لموسى إن عجلت عليّ في ثلاثٍ فذلك حين أفارقك وروى الفرّاء من وجهٍ آخر عن أبيّ بن كعبٍ قال لم ينس موسى ولكنّه من معاريض الكلام وإسناده ضعيفٌ والأوّل هو المعتمد ولو كان هذا ثابتًا لاعتذر موسى عن الثّانية وعن الثّالثة بنحو ذلك). [فتح الباري: 8/418-419]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أنّ ابن جريج أخبرهم قال أخبرني يعلى بن مسلمٍ وعمرو بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيدٍ قال إنّا لعند بن عبّاسٍ في بيته إذ قال سلوني قلت أي أبا عباسٍ جعلني الله فداءك بالكوفة رجلٌ قاص يقال له نوفٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل أمّا عمروٌ فقال لي قال قد كذب عدوّ الله وأمّا يعلى فقال لي قال ابن عبّاس حدّثني أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى رسول الله عليه السّلام قال ذكّر النّاس يوماً حتّى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى فأدركه رجلٌ فقال أي رسول الله هل في الأرض أحدٌ أعلم منك قال لا فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله قيل بلى قال أي ربّ فأين قال بمجمع البحرين قال أي ربّ اجعل لي أعلم علماً ذالك به فقال لي عمروٌ قال حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى خذ نوناً ميّتاً حيث ينفخ فيه الرّوح فأخذ حوتاً فجعله في مكتلٍ فقال لفتاه لا أكلّفك إلاّ أن تخبرني حيث يفارقك الحوت قال ما كلّفت كثيراً فذالك قوله جلّ ذكره وإذ قال موسى لفتاه يوشع بن نونٍ ليست عن سعيدٍ قال فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه لا أوقظه حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبرة وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتّى كأنّ أثره في حجر قال لي عمروٌ هاكذا كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما لقد لقينا من سفرنا هاذا نصباً قال قد قطع الله عنك النّصب ليست هاذه عن سعيدٍ أخبره فرجعا فوًّجدا خضراً قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر قال سعيد بن جبيرٍ مسجّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال هل بأرضي من سلامٍ من أنت قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشداً قال أما يكفيك أن التّوراة بيديك وأنّ الوحي يأتيك يا موسى إنّ علماً لا ينبغي لك أن تعلمه وإنّ لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر وقال والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلاّ كما أخذ هاذا الطّائر بمنقاره من البحر حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل هاذا السّاحل إلى أهل هاذا السّاحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله الصّالح قال قلنا لسعيدٍ خضرٌ قال نعم لا نحمله بأجرٍ فخرقها ووتد فيها وتداً قال موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال مجاهدٌ منكراً قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً كانت الأولى نسياناً والوسطى شرطاً والثّانية عمداً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً لقيا غلاماً فقتله قال يعلى قال سعيدٌ وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين قال أقتلت نفساً زكيّةً بغير نفسٍ لم تعمل بالحنث وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً زاكيةً مسلمةً كقولك غلاماً زاكياً فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه قال سعيدٌ بيده هاكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى حسبت أنّ سعيداً قال فمسحه بيده فاستقام لو شئت لاتّخذت عليه أجراً قال سعيدٌ أجراً نأكله وكان وراءهم وكان أمامهم قرأها ابن عبّاسٍ أمامهم ملكٌ يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصباً فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدّوها بقارورةٍ ومنهم من يقول بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافراً فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً لقوله أقتلت نفساً زكيّةً وأقرب رحماً هما به أرحم منهما بالأوّل الّذي قتل خضرٌ وزعم غير سعيدٍ أنّهما أبدلا جاريةً وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال عن غير واحدٍ إنّها جاريةٌ..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة لأنّه في توضيحها، وهو طريق آخر برواية آخرين وبزيادة ونقصان في المتن أخرجه عن إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الفراء الرّازيّ المعروف بالصغير، عن هشام بن يوسف الصّنعانيّ قضينها عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن يعلى، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللّام وبالقصر: ابن مسلم بلفظ إسم الفاعل من الإسلام ابن هرمز إلى آخره.
قوله: (يزيد أحدهما على صاحبه) أي: أحد المذكورين وهما: يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار فقط، وهو أحد شيخي ابن جريج فيه، وهنا ابن جريج يروي عن يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار. قوله: (وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد) ، هذا من كلام ابن جريج، أي: غير يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار قد سمعته يحدث هذا الحديث عن سعيد بن جبير، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله: (وغيرهما) وهو: عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم القرشي المكّيّ رضي الله عنه، فإن قلت: كيف إعراب هذا؟ قلت: (غيرهما) مبتدأ، وقوله: (قد سمعته) جملة وقعت خبرا، والضّمير المنصوب فيه يرجع إلى لفظ: غير، وقوله: (يحدثه) جملة وقعت حالا، ووقع في رواية الكشميهني: يحدث، بحذف الضّمير المنصوب. قوله: (عن سعيد) ، أي: سعيد بن جبير رضي الله عنه. قوله: (لعند ابن عبّاس) ، اللّام فيه مفتوحة للتّأكيد أي: قال سعيد بن جبير: أنا كنت عند عبد الله بن عبّاس حال كونه في بيته. قوله: (أي أبا عبّاس) ، أي: يا أبا عبّاس! وأبو عبّاس كنية عبد الله بن عبّاس. قوله: (بالكوفة رجل قاص) ، هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: إن بالكوفة رجلا قاصا، والقاص بتشديد الصّاد الّذي يقص النّاس الأخبار من المواعظ وغيرها. قوله: (أما عمرو فقال لي: كذب عدو الله) أراد أن ابن جريج قال: أما عمرو بن دينار فإنّه قال لي في روايته، قال ابن عبّاس: كذب عدو الله، وأشار بهذا إلى أن هذه الكلمة لم تقع في رواية يعلى ابن مسلم، ولهذا قال: وأما يعلى، أي ابن مسلم الرّاوي، فإنّه قال لي: قال ابن عبّاس إلى آخره. قوله: (ذكر النّاس) ، بتشديد الكاف من التّذكير. قوله: (ولى) ، أي: رجع إلى حاله. قوله: (فقال: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: يا رسول الله، قاله لموسى عليه الصّلاة والسّلام. قوله: (قيل: بلى) ، أي: بلى في الأرض أحد أعلم منك، وفي رواية مسلم: (إن في الأرض رجلا هو أعلم منك) ، ووقع في رواية سفيان: فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، وعلم من هاتين الروايتن أن القائل في قوله: بلى، هو الله تعالى فأوحى الله إليه بذلك. قوله: (أي رب، فأين؟) يعني: يا رب أين هو؟ في أي مكان؟ وفي رواية سفيان: يا رب، فكيف لي به؟ وفي رواية النّسائيّ: فأدلني على هذا الرجل حتّى أتعلم منه. قوله: (علما) ، بفتح العين واللّام، أي: علامة. قوله: (أعلم ذلك به) ، أي: أعلم المكان الّذي أطلبه بالعلم. قوله: (فقال لي عمرو) ، القائل هو ابن جريج الرّاوي، أي: قال لي عمرو بن دينار. قوله: (حيث يفارقك الحوت) ، أي: العلم على ذلك المكان الّذي يفارقك فيه الحوت، ووقع ذلك مفسرًا في رواية سفيان عن عمرو، وقال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمّ. قوله: (قال لي) ، يعني: القائل هو ابن جريج، أي: قال لي يعلى بن مسلم في روايته: خذ نوناً أي حوتاً، ولفظ: نوناً، وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: حوتاً، وفي رواية مسلم: تزود حوتاً مالحاً فإنّه حيث تفقد الحوت. قوله: (حيث ينفخ فيه) ، أي: في النّون (الرّوح) يعني حيث تفقده في المكان الّذي يحيى الحوت. قوله: (فأخذ نوناً) أي: فأخذ موسى حوتاً، ووقع في رواية ابن أبي حاتم أن موسى ويوشع فتاه اصطاداه. قوله: (فقال لفتاه) ، وهو يوشع بن نون. قوله: (ما كلفت كثيرا) بالثاء المثلّثة، وفي رواية الكشميهني بالباء الموحدة. قوله: (ليست عن سعيد، القائل به هو ابن جريج، أراد بذلك أن تسمية الفتى ليست عن رواية سعيد ابن جبير. قوله: (ثريان) ، بفتح الثّاء المثلّثة وسكون الرّاء وتخفيف الياء آخر الحروف على وزن فعلان من الثرى، وهو التّراب الّذي فيه نداوة. قوله: (تضرب) أي: اضطرب، وفي رواية سفيان: واضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر وفي رواية مسلم فاضطرب الحوت في الماء. قوله: (وموسى نائم) جملة حالية. قوله: (حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبره) ، فيه حذف تقديره: حتّى إذا استيقظ سار فنسي. قوله: (في حجر) ، بفتح الحاء المهملة والجيم ويروى بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهو أوضح، قوله: (قال لي عمرو) ، القائل هو ابن جريج، أي: قال لي عمرو بن دينار. قوله: (واللتين تليانهما) ، يعني: السبابتين، وهكذا وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: وحلق بين إبهاميه فقط. قوله: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) ، وقع هنا مختصرا، وفي رواية سفيان: فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما حتّى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من فرنا هذا نصبا. قوله: قال: قد قطع الله عنك النصب، هذا من قول ابن جريج وليست هذه اللّفظة عن سعيد بن جبير. قوله: (أخبره) ، بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الباء الموحدة والرّاء وهاء الضّمير، هكذا في رواية من الإخبار، قال بعضهم: أي: أخبر الفتى موسى بالقصة قلت: ما أظن أن هذا المعنى صحيح، والّذي يظهر لي أن المعنى نفي الإخبار عن سعيد بهذه اللّفظة لمن روى عنه، وفي رواية لأبي ذر آخره بهمزة ومعجمة وراء وهاء، وفي أخرى بمد الهمزة وكسر الخاء وفتح الرّاء بعدها هاء الضّمير أي: إلى آخر الكلام. وفي أخرى بفتحات وتاء تأنيث منونة منصوبة، قال لي عثمان بن أبي سليمان: القائل ابن جريج، يقول: قال لي عثمان، وقد مرت ترجمته عن قريب. قوله: (على طنفسة) ، وهي فرش صغير، وقيل: بساط له خمل، وفيها لغات كسر الطّاء والفاء بينهما نون ساكنة، وضم الطّاء والفاء وكسر الطّاء وفتح الفاء. قوله: (على كبد البحر) ، أي: على وسطه، وهذه الرّواية القائلة بأنّه كان في وسط البحر، غريبة. قوله: (هل بأرضي من سلام) ، وفي رواية الكشميهني: (هل بأرض) . قوله: (ما شأنك؟) أي: ما الّذي تطلب ولما جئت؟ قوله: (رشدا) ، قرأ أبو عمرو بفتحتين والباقون كلهم بضم أوله وسكون ثانيه، والجمهور على أنّهما بمعنى. قوله: (معابر) ، جمع معبرة وهي السفن الصغار. قوله: (خضرًا) ، أي: هو خضر. قوله: (قالوا: هذا لسعيد بن جبير، قال: نعم، قيل: القائل بذلك يعلى بن مسلم، والله أعلم. قوله: (ووتدها) بفتح الواو وتشديد التّاء المثنّاة من فوق أي: جعل فيها وتداً، وفي رواية سفيان: قلع لوحاً بالقدوم، والجمع بين الرّوايتين أنه: قلع اللّوح وجعل مكانه وتداً، وروى عبد بن حميد من رواية ابن المبارك عن ابن جريج عن يعلى بن مسلم: جاء بودحين خرقها، والود بفتح الواو وتشديد الدّال لغة في: الوتد قلت: الوتد إنّما كان للإصلاح ودفع نفوذ الماء، وفي رواية أبي العالية: فحرق السّفينة فلم يره أحد إلاّ موسى. ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين ذلك. قوله: (قال مجاهد منكرا) ، وصل ابن المنذر: هذا التّعليق عن عليّ بن المبارك عن زيد بن ثور عن ابن جريج عن مجاهد. قوله: (نسيانا) ، حيث قال: لا تؤاخذوني بما نسيت، وشرطاً حيث قال: إن سألتك عن شيء بعدها، وعمدا حيث قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قوله: (لقيا غلاما) في رواية سفيان: فبينما هما يمشيان على ساحل البحر إذا أبصر الخضر غلاما. قوله: (قال يعلى) ، هو يعلى بن مسلم الرّاوي وسعيد هو ابن جبير. قوله: (ثمّ ذبحه بالسكين) ، فإن قلت: قال أولا: فقتله، ثمّ قال: فذبحه، وفي رواية سفيان: فاقتلعه بيده. قلت: لا منافاة بينهما لأنّه لعلّه قطع بعضه بالسكين ثمّ قلع الباقي والقتل يشملهما. قوله: (لم يعمل بالحنث) ، بكسر الحاء المهملة وسكون النّون وبالثاء المثلّثة وهو الإثم والمعصية. قوله: (قرأها) كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: وكان ابن عبّاس يقرؤها: زكية، وهي قراءة الجمهور، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: زاكية. قوله: (مسلمة) ، بضم الميم وسكون السّين وكسر اللّام عند الأكثرين، ولبعضهم بفتح السّين وتشديد اللّام المفتوحة. قوله: (فانطلقا) ، أي: موسى وخضر عليهما السّلام. قوله: (يزعمون عن غير سعيد) ، القائل بهذا هو ابن جريج، ومراده أن إسم الملك الّذي كان يأخذ السفن لم يقع في رواية سعيد بن جبير، وعزاه ابن خالويه في كتاب: (ليس) لمجاهد. قوله: (هدد) بضم الهاء وحكى ابن الأثير فتحها والدّال مفتوحة بلا خلاف. قوله: (بدد) ، بفتح الباء الموحدة، وقال الكرماني بضم الباء والدّال مفتوحة، وزعم ابن دريد أن هدد اسم ملك من ملوك حمير زوجه سليمان بن داود عليهما السّلام، بلقيس. قيل: إن ثبت هذا حمل على التّعدّد والاشتراك في الإسم لبعد ما بين مدّة سليمان وموسى عليهما السّلام، وجاء في تفسير مقاتل: أن اسمه منولة بن الجلندي بن سعيد الأزديّ، وقيل: هو الجلندي، وكان بجزيرة الأندلس. قوله: (والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور) ، القائل بذلك هو ابن جريج، وجيسور، بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وضم السّين المهملة، كذا هو في رواية عن أبي ذر، وفي رواية أخرى له عن الكشميهني بفتح الهاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وكذا في رواية ابن السكن، وفي رواية القابسيّ بنون بدل الياء آخر الحروف، وعند عبدوس بنون بدل الرّاء، وعن السّهيلي أنه رآه في نسخة بفتح المهملة والموحّدة ونونين الأولى مضمومة بينهما الواو الساكنة، وفي تفسير الضّحّاك: اسمه حشرد، وفي تفسير الكلبيّ: اسم الغلام شمعون. قوله: (يأخذ كل سفينة غصبا) ، وفي رواية النّسائيّ: كل سفينة صالحة، وفي رواية إبراهيم بن بشار عن سفيان، وكان ابن مسعود يقرأ: كل سفينة صحيحة غصبا. قوله: (فأردت إذا هي مرت به أن يدعها) ، أي: أن يتركها لأجل عيبها، وفي رواية النّسائيّ: فأردت أن أعيبها حتّى لا يأخذها. قوله: (فإذا جاوزوا) أي: عدوا عن الملك أصلحوها، وفي رواية النّسائيّ: فإذا جاوزوه رقعوها. قوله: (بقارورة) ، بالقاف وهي: الزّجاج، وقال الكرماني: كيفيّة السد بالقارورة غير معلومة، ثمّ وجهه بوجهين: أحدهما: أن تكون قارورة بقدر الموضع المخروق فتوضع فيه، والآخر: يسحق الزّجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به، وقال بعضهم، بعد أن ذكر الوجه الثّاني: فيه بعد. قلت: لا بعد فيه، لأنّه غير متعذر ولا متعسر، والبعد في الّذي قاله هو أن القارورة فاعولة من القار. قوله: (بالقار) ، بالقاف والرّاء وهو الزفت، وهذا أقرب من القول الأول. قوله: (كان أبواه) أي: أبوا الغلام. قوله: (أن يرهقهما) أي: يلحقهما. وقوله: (فخشينا) إلى قوله: (من دينه) من تفسير ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير. انتهى. قوله: (أن يحملهما) ، يجوز أن يكون بدلا من قوله: (أن يرهقهما) ويجوز أن يكون التّقدير: بأن يحملهما. وقوله: (حبه) بالرّفع فاعله. قوله: (خيرا منه) أي: من الغلام المقتول. قوله: (زكاة) نصب على التميز، وإنّما ذكرها للمناسبة بينها وبين قوله: (نفسا زكية) أشار إلى ذلك بقوله: {أقتلت نفسا زكية} (الكهف: 74) ولما وصف موسى نفس الغلام بالزكية وذكر الله تعالى بقوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} (الكهف: 81) وفي التّفسير قوله: (زكاة) أي صلاحاً وإسلاماً ونماء. قوله: (وأقرب رحما) قال الثّعلبيّ: من الرّحم والقرابة، وقيل: هو من الرّحمة، وعن ابن عبّاس: أوصل للرحم وأبر بوالديه، وعن الفراء: أقرب أن يرحماه، وقيل: من الرّحم، بكسر الحاء أشد مبالغة من الرّحمة الّتي هي رقة القلب والتعطف لاستلزام القرابة، الرقة غالبا من غير عكس، وقال الكرماني: وظن بعضهم أنه مشتقّ من الرّحم الّذي هو الرّحمة، وغرضه أنه يعني القرابة لا الرقة، وعند البعض بالعكس. قوله: (هما به أرحم منهما بالأول) ، أي: الأبوان المذكوران به أي: بالّذي يبدل من المقتول أرحم منهما بالأول، وهو المقتول. قوله: (وزعم غير سعيد من قول ابن جريج) ، أي: زعم غير سعيد بن جبير أنّهما أي الأبوين أبدلا جارية بدل المقتول، وروي عن سعيد أيضا: أنّها جارية، على ما جاء وفي رواية النّسائيّ من طريق ابن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: أبدلهما جارية فولدت نبيا من الأنبياء، وفي رواية الطّبرانيّ: ببنين، وعن السّديّ: ولدت جارية، فولدت نبيا، وهو الّذي كان بعد موسى، فقالوا له: إبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، واسم هذا النّبي شمعون، واسم أمه حنة. فإن قلت: روى ابن مردويه من حديث أبي بن كعب أنّها ولدت غلاما. قلت: إسناده ضعيف، وفي تفسير ابن الكلبيّ: ولدت جارية ولدت عدّة أنبياء فهدى الله بهم أمماً، وقيل: عدّة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيا. قوله: (وأما داود بن أبي عاصم) إلى آخره من قول ابن جريج أيضا، وداود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثّقفيّ ثقة من صغار التّابعين، وله أخ يسمى: يعقوب، هو أيضا ثقة من التّابعين). [عمدة القاري: 19/43-47] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ، أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، وعمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيدٍ قال: إنّا لعند ابن عبّاسٍ في بيته إذ قال: سلوني؟ قلت: أي أبا عبّاسٍ -جعلنى اللّه فداك- بالكوفة رجلٌ قاصٌّ يقال له نوقٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل أمّا عمرٌو فقال لي قال: قد كذب عدوّ اللّه وأمّا يعلى فقال لي قال ابن عبّاسٍ: حدّثني أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- «موسى رسول اللّه - عليه السّلام - قال: ذكّر النّاس يومًا حتّى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى فأدركه رجلٌ فقال: أي رسول اللّه هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه قيل: بلى، قال: أي ربّ فأين؟ قال بمجمع البحرين، قال: أي ربّ اجعل لي علمًا أعلم ذلك به -فقال لي عمرٌو:- فقال لي عمروٌ: حيث يفارقك الحوت -وقال لي يعلى: قال: «خذ نونًا ميّتًا حيث ينفخ فيه الرّوح فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ فقال: لفتاه لا أكلّفك إلاّ أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال: ما كلّفت كثيرًا؟ فذلك قوله جلّ ذكره {وإذ قال موسى} لفتاه يوشع بن نونٍ" ليست عن سعيدٍ قال: "فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه: لا أوقظه حتّى إذا استيقظ فنسى أن يخبره وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك اللّه عنه جرية البحر حتّى كأنّ أثره في حجرٍ- قال لي عمرٌو هكذا كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما "لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، قال: قد قطع اللّه عنك النّصب" -ليست هذه عن سعيدٍ أخبره- "فرجعا فوجدا خضرًا" قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر -قال سعيد بن جبيرٍ- "مسجًّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلامٍ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا قال: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك وأنّ الوحي يأتيك يا موسى إنّ لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر وقال: واللّه ما علمي وما علمك في جنب علم اللّه إلاّ كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصّالح قال: قلنا لسعيدٍ خضرٌ قال: نعم لا نحمله بأجرٍ فخرقها ووتد فيها وتدًا قال موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا} "قال مجاهدٌ: منكرًا، " {قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا} كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا والثّالثة عمدًا، " {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} {لقيا غلامًا فقتله} قال يعلى قال سعيدٌ: "وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين قال: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ} [الكهف: 74] لم تعمل بالحنث؟ وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً. زاكيةً - مسلمةً " {فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه} " [الكهف: 77] قال سعيدٌ بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى: حسبت أنّ سعيدًا قال "فمسحه بيده فاستقام {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77] قال سعيدٌ أجرًا نأكله {وكان وراءهم} وكان أمامهم قرأها ابن عبّاسٍ أمامهم ملكٌ يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بددٍ والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ {ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا فأردت} [الكهف: 79] إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول: سدّوها بقارورةٍ ومنهم من يقول: بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافرًا فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا لقوله: {أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] وأقرب رحمًا هما به أرحم منهما بالأوّل الّذي قتل خضرٌ وزعم غير سعيدٍ أنّهما أبدلا جاريةً وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال عن غير واحدٍ إنّها جاريةٌ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الصغير الرازي قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) اليماني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى بن مسلم) بن هرمز المكي البصري الأصل (وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه) قال الحافظ ابن حجر: فتستفاد زيادة أحدهما على الآخر من الإسناد الذي قبله فإن الأوّل من رواية سفيان عن عمرو بن دينار فقط وهو أحد شيخي ابن جريج فيه (وغيرهما) هو من كلام ابن جريج أي وغير يعلى وعمرو (قد سمعته) حال كونه (يحدثه) أي يحدث الحديث المذكور (عن سعيد) وكان الأصل أن يقول يحدث به لكنه عداه بغير الباء، ولأبي ذر عن الكشميهني يحدث بحذف الضمير المنصوب، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله وغيرهما كعثمان بن أبي سليمان، وروى شيئًا من هذه القصة عن سعيد بن جبير من مشايخ ابن جريج عبد الله بن عثمان بن خثيم وعبد الله بن هرمز وعبد الله بن عبيد بن عمير، وممن روى هذا الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السبيعي وروايته عند مسلم وأبي داود وغيرهما والحكم بن عتيبة وروايته في السيرة الكبرى لابن إسحاق كما نبه على ذلك في الفتح وفي رواية أبي ذر عن سعيد بن جبير أنه (قال: إنا لعند ابن عباس) حال كونه (في بيته) واللام في لعند للتأكيد (إذ قال: سلوني) قال سعيد بن جبير (قلت أي أبا عباس) يعني يا أبا عباس وهي كنية عبد الله بن عباس (جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص) بتشديد الصاد المهملة يقص على الناس الأخبار من المواعظ وغيرها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن بالكوفة رجلًا قاصًّا (يقال له نوف) بفتح النون وسكون الواو آخره فاء منونًا منصرفًا في الفصحى بطن من العرب وعلى تقدير أن يكون أعجميًّا فمنصرف نوح لسكون وسطه واسمه فضالة وهو ابن امرأة كعب الأحبار (يزعم أنه) أي موسى صاحب الخضر (ليس بموسى بن إسرائيل) المرسل إليهم والباء زائدة للتوكيد وأضيف إلى بني إسرائيل مع العلمية لأنه نكر بأن أول بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه قال ابن جريج (أما عمرو) يعني ابن دينار (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال) أي ابن عباس (قد كذب عدوّ الله) يعني نوفًا وسقط لأبي ذر قال قد (وأما يعلى) بن مسلم (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال ابن عباس حدثني) بالإفراد (أبي بن كعب قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-): هو (موسى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) وفي الفرع أصله عليه السلام (قال ذكر الناس يومًا) بتشديد الكاف من التذكير أي وعظهم (حتى إذا فاضت العيون) بالدموع (ورقت القلوب) لتأثير وعظه في قلوبهم (ولى) تخفيفًا لئلا يملوا وهذا ليس في رواية سفيان فظهر أنه من رواية يعلى بن مسلم عن عمرو وقال العوفي عن ابن عباس فيما ذكره ابن كثير لما ظهر موسى وقومه على مصر أمره الله أن يذكرهم بأيام الله فخطبهم فذكرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوّهم وقال كلم الله موسى نبيكم تكليمًا واصطفاه لنفسه وأنزل عليه محبة منه وآتاكم من كل ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض (فأدركه رجل) لم يسم (فقال) موسى (أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا).
فإن قلت: هل بين هذا وبين قوله في رواية سفيان السابقة هنا فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فرق؟ أجيب بأن بينهما فرقًا لأن رواية سفيان تقتضي الجزم بالأعلمية له وهذه تنفي الأعلمية عن غيره عليه فيبقى احتمال المساواة قاله في الفتح.
(فعتب) بفتح العين (عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله) في الرواية السابقة وغيرها فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه على التقديم والتأخير (قيل بلى) زاد في رواية الحر بن قيس عبدنا خضر ولمسلم من رواية أبي إسحاق أن في الأرض رجلًا هو أعلم منك (قال) موسى (أي رب فأين) أي فأين أجده أو فأين هو وللنسائي فادللني على هذا الرجل حتى أتعلم منه ولأبي ذر وأين (قال بمجمع البحرين) بحري فارس والروم أو بحري الشرق والمغرب المحيطين بالأرض أو العذب والملح (قال) موسى (أي رب اجعل لي علمًا أعلم ذلك) المطلوب (منه) وفي نسخة به قال ابن جريج (فقال) ولأبي ذر قال (لي عمرو) هو ابن دينار (قال): العلم على ذلك المكان (حيث يفارقك الحوت) فإنك تلقاه (وقال لي يعلى) بن مسلم (قال: خذ نونًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي خذ حوتًا (ميتًا) ولمسلم في رواية أبي إسحاق فقيل له تزود حوتًا مالحًا فإنه حيث يفقد الحوت (حيث ينفخ فيه) أي في الحوت (الروح) بيان لقوله حيث يفارقك الحوت (فأخذ) موسى (حوتًا) ميتًا مملوحًا وقيل شق حوت مملح ولابن أبي حاتم أن موسى وفتاه اصطاداه (فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال) فتاه (ما كلفت) أي ما كلفتني (كثيرًا) بالمثلثة ولأبي ذر عن الكشميهني كبيرًا بالموحدة (فذلك قوله جل ذكره {وإذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون) بالصرف قال ابن جريج (ليست) تسمية الفتى (عن سعيد) هو ابن جبير (قال فبينما) بالميم (هو) أي موسى وفتاه تبع له (في ظل صخرة) حال كونه (في مكان ثريان) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة فتحتية مفتوحة وبعد الألف نون صفة لمكان مجرور بالفتحة لا ينصرف لأنه من باب فعلان فعلى أو منصوب حالًا من الضمير المستتر في الجار والمجرور ويجوز ثريانًا بالنصب حالًا كما مر وبالتنوين منصرفًا على لغة بني أسد لأنهم يصرفون كل صفة على فعلان ويؤنثونه بالتاء ويستغنون فيه بفعلاته عن فعلى فيقولون سكرانة وغضبانة فلم تكن الزيادة عندهم في فعلان شبيهة بألفي حمراء فلم تمنع من الصرف وفي بعض الأصول ثريان بالجر صفة لمكان وبالتنوين ما مر وهو من الثرى قال: في النهاية يقال مكان ثريان وأرض ثريى إذا كان في ترابهما بلل وندى (إذ تضرب الحوت) بضاد معجمة وراء مشددة تفعل أي اضطرب وتحرك إذ حيي في المكتل (و) الحال إن (موسى نائم) عند الصخرة (فقال فتاه) يوشع (لا أوقظه حتى إذا استيقظ) سار (فنسي) بالفاء ولغير أبي ذر نسي بحذفها (أن يخبره) بحياة الحوت (وتضرب الحوت) أي اضطرب سائرًا من المكتل (حتى دخل البحر) وفي نسخة في البحر (فأمسك الله عنه) عن الحوت (جرية البحر حتى كأن أثره) نصب بكأن (في حجر) بفتح الحاء والجيم خبرها.
قال ابن جريج: (قال لي عمرو) هو ابن دينار (هكذا كأن أثره في حجر) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء المفتوحة على كشط في الفرع مصححًا عليها وفي اليونينية وغيرها بتقديم المهملة وفتحهما وفي نسخة بالفرع وأصله حجر بجيم مضمومة فمهملة ساكنة قال ابن حجر وهي أوضح (وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما) يعني الوسطى والتي بعدها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي والتي ولأبي ذر أيضًا أخرة تليانهما بفتح الهمزة والخاء المعجمة والراء يعني الوسطي (لقد لقينا) فيه حذف اختصره وقع مبينًا في رواية سفيان فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا (من سفرنا هذا نصبًا) تعبًا ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به (قال) فتى موسى له: (فد قطع الله عنك النصب).
قال ابن جريج: (ليست هذه عن سعيد) هو ابن جبير (أخبره) بسكون المعجمة وموحدة مفتوحة من الإخبار أي أخبر يوشع موسى بقصة تضرب الحوت وفقده الذي هو علامة على وجود الخضر (فرجعا) في الطريق الذي جاءا فيه يقصان آثارهما قصصًا حتى انتهيا إلى الصخرة التي حيي الحوت عندها (فوجدا خضرًا) نائمًا في جزيرة من جزائر البحر.
قال ابن جريج: (قال لي عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم وهو ممن أخذ هذا الحديث عن سعيد بن جبير (على طنفسة خضراء) بكسر الطاء المهملة والفاء بينهما نون ساكنة ولأبي ذر طنفسة بفتح الفاء ويجوز ضم الطاء والفاء وكلها لغات أي فرش صغير أو بساط له خمل (على كبد البحر) أي وسطه وعند عبد بن حميد من طريق ابن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان قال: رأى موسى الخضر على طنفسة خضراء على وجه الماء وعند ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس أنه وجده في جزيرة في البحر (قال) ولأبي ذر فقال: (سعيد بن جبير) بالإسناد السابق (مسجى) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منونة أي مغطى كله (بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه) الآخر (تحت رأسه) وعند ابن أبي حاتم عن السدي فرأى الخضر وعليه جبة من صوف وكساء من صوف ومعه عصا قد ألقى عليها طعامه (فسلم عليه موسى فكشف) الثوب (عن وجهه) زاد مسلم في رواية أبي إسحاق وقال وعليكم السلام (وقال: هل بأرضي من سلام) لأنهم كانوا كفارًا أو كانت تحيتهم غير السلام ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني هل بأرض بالتنوين ثم قال الخضر لموسى (من أنت؟ قال: أنا موسى قال) له: (أموسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك)؟ أي ما الذي تطلب (قال: جئت) إليك (لتعلمني مما علمت رشدًا) أي علمًا ذا رشد (قال) الخضر يا موسى (أما يكفيك أن التوراة بيديك) بالتثنية (وأن الوحي يأتيك) من الله على لسان جبريل وهذه الزيادة ليست في رواية سفيان فالظاهر أنها من رواية يعلى بن مسلم (يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه) أي كله (وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه) أي كله وتقدير هذا ونحوه متعين كما قال في الفتح لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى للمكلف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي. وقال البرماوي كالكرماني: وإنما قال لا ينبغي لي أن أعلمه لأنه إن كان نبيًا فلا يجب عليه تعلم شريعة نبي آخر وإن كان وليًا فلعله مأمور بمتابعة نبي غيره وقوله يا موسى ثابت لأبي ذر عن الحموي ساقط لغيره (فأخذ طائر) عصفور (بمنقاره من البحر) ماء (وقال) بالواو ولأبي ذر فقال أي الخضر: (والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر).
وفي الرواية السابقة ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ولفظ النقص ليس على ظاهره، وإنما معناه أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما أخذه العصفور بمنقاره إلى ماء البحر وهذا على التقريب إلى الإفهام وإلاّ فنسبة علمهما إلى علم الله أقل.
وروى النسائي من وجه آخر عن ابن عباس أن الخضر قال لموسى أتدري ما يقول هذا الطائر؟ قال: لا. قال: يقول ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا مثل ما نقص منقاري من جميع هذا البحر وظاهر هذه الرواية كما في الفتح أن الطائر نقر في البحر عقب قول الخضر لموسى يا موسى إن لي علمًا. وفي رواية سفيان أن ذلك وقع بعد ما خرق السفينة فيجمع بأن قوله فأخذ طائر بمنقاره معقب بمحذوف وهو ركوبهما السفينة لتصريح سفيان بذكر السفينة.
(حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فراء غير منصرف أي سفنًا (صغارًا) قال في الفتح وجدا معابر تفسير لقوله ركبا في السفينة لا جواب إذا لأن وجودهما المعابر كان قبل ركوبهما السفينة وقال ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس فيما ذكره ابن كثير في تفسيره فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها (تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه) أي أهل السفينة عرفوا الخضر (فقالوا) هو (عبد الله الصالح قال): يحتمل أن يكون القائل يعلى بن مسلم (قلنا لسعيد) هو ابن جبير (خضر) أي هو خضر (قال: نعم) هو خضر (لا نحمله بأجر) أي بأجرة (فخرقها) بأن قلع لوحًا من ألواحها بالقدوم (ووتد فيها وتدًا) بتخفيف الفوقية الأولى مفتوحة وكسر الثانية مخففة ولأبي ذر وتد فيها بإسقاط الواو الأولى أي جعل فيها وتدًا مكان اللوح الذي قلعه (قال موسى) له: (أخرقتها لتغرق أهلها) اللام للعاقبة (لقد جئت شيئًا إمرًا).
(قال مجاهد) فيما رواه ابن جريج عنه في قوله إمرًا (منكرًا) ووصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه مثله قيل ولم يسمع ابن جريج من مجاهد (قال) الخضر: ({ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا}) أي لما ترى مني من الأفعال المخالفة لشريعتك لأني على علم من علم الله ما علمكه الله وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه قاله ابن كثير (كانت الأولى) في رواية سفيان قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وكانت بإثبات الواو (نسيانا) أي من موسى حيث قال لا تؤاخذني بما نسيت (والوسطى) حيث قال إن سألتك عن شيء بعدها (شرطًا، والثالثة) حيث قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا (عمدًا قال) موسى (لا تؤاخذني بما نسيت) أي تركت من وصيتك (ولا ترهقني من أمري عسرًا) أي لا تشدد علي ({لقيا غلامًا) في رواية سفيان السابقة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا ({فقتله}) الفاء للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال فالقتل تعقب اللقاء.
(قال يعلى) بن مسلم بالإسناد السابق (قال سعيد) هو ابن جبير (وجد) أي الخضر (غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا) منهم (كافرًا ظريفًا) بالظاء المعجمة (فأضجعه ثم ذبحه بالسكين) بكسر المهملة (قال) موسى منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بحذف الألف والتشديد وهي قراءة ابن عامر والكوفيين (بغير نفس لم تعمل بالحنث) بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة لأنها لم تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله زكية أي أقتلت نفسًا زكية لم تعمل الحنث بغير نفس ولأبي ذر لم تعمل الخبث بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين.
(وكان ابن عباس) ولأبي ذر وابن عباس (قرأها زكية) بالتشديد (زاكية) بالتخفيف والمشددة أبلغ لأن فعيلًا المحوّل من فاعل يدل على المبالغة كما مر (زاكية) أي (مسلمة) بضم الميم وكسر اللام (كقولك غلامًا زكيًّا) بالتشديد وهذا تفسير من الراوي وأطلق ذلك موسى على حسب ظاهر حال الغلام لكن قال البرماوي وفي بعضها مسلمة بفتح المهملة واللام المشددة قال السفاقسي وهو أشبه لأنه كان كافرًا (فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض) أن يسقط والإرادة هنا على سبيل المجاز (فأقامه) الخضر (قال سعيد) من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عنه (بيده) بالإفراد أي أقامه الخضر بيده (هكذا ورفع يده فاستقام. قال يعلى) بن مسلم (حسبت أن سعيدًا) يعني ابن جبير (قال فمسحه بيده) بالإفراد أيضًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بيديه بالتثنية (فاستقام)، وقيل دعمه بدعامة تمنعه من السقوط أو هدمه وبل طينًا وأخذ في بنائه إلى أن كمل وعاد كما كان وكلها حكايات حال لا تثبت إلا بنقل صحيح والذي دل عليه القرآن الإقامة لا الكيفية وأحسن هذه الأقوال أنه مسحه أو دفعه بيده فاعتدل لأن ذلك أليق بحال الأنبياء وكرامات الأولياء إلا أن يصح عن الشارع أنه هدمه وبناه فيصار إليه (لو شئت) أي قال موسى للخضر: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا كما في رواية سفيان لو شئت (لاتخذت) بتشديد التاء بعد وصل الهمزة (عليه) أي على تسوية الجدار (أجرًا قال سعيد أجرًا نأكله) أي جعلا نأكل به وإنما قال موسى: ذلك لأنه كان حصل له جهد كبير من فقد الطعام وخشى أن يختلط قوام البنية البشرية (وكان وراءهم) أي (وكان) ولأبي ذر وكان وراءهم ملك وكان (أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم ملك) وهي قراءة شاذة مخالفة للمصحف لكنها مفسرة كقوله من ورائه جهنم وقول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي = لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
قال أبو عليّ: إنما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة وكانت كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة والآية دالة على أن معنى وراء أمام لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم قال ابن جريج: (يزعمون عن غير سعيد) يعني ابن جبير (أنه) أي الملك الذي كان يأخذ السفن غصبًا اسمه (هدد بن بدد) بضم الهاء وفتح الدال الأولى وبدد بضم الموحدة وفتح الدال الأولى أيضًا مصروف ولأبي ذر بدد غير مصروف. وحكى ابن الأثير فتح هاء هدد وباء بدد قال الحافظ ابن كثير: وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة (الغلام) بغير واو وفي اليونينية والغلام (المقتول اسمه يزعمون جيسور) بجيم مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد الواو الساكنة راء، ولأبي ذر عن الكشميهني حيسور بالحاء بدل الجيم وعند القابسي حنسور بنون بدل التحتية وعند عبدوس حيسون بنون بدل الراء ({ملك يأخذ كل سفينة غصبًا}) وفي قراءة أبي كل سفينة صالحة غصبًا رواه النسائي وكان ابن مسعود يقرأ كل سفينة صحيحة غصبًا (فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا) أي جاوزوا الملك (أصلحوها فانتفعوا بها) وبقيت لهم (ومنهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار) وهو الزفت واستشكل التعبير بالقارورة إذ هي من الزجاج وكيف يمكن السد به فقيل يحتمل أن توضع قارورة بقدر الموضع المخروق فيه أو يسحق الزجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به وهذا قاله الكرماني. قال في الفتح: ولا يخفى بعده قال: وقد وجهت بأنها فاعولة من القار (كان أبواه) يعني الغلام المقتول (مؤمنين) بالتثنية للتغليب يريد أباه وأمه فغلب المذكر كالقمرين (وكان) هو (كافرًا) طبع على الكفر وهذا موافق لمصحف أبيّ وقوّة الكلام تشعر به لأنه لو لم يكن الولد كافرًا لم يكن لقوله وكان أبواه مؤمنين فائدة إذ لا مدخل لذلك في القصة لولا هذه الفائدة والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في تلك الشريعة واجبًا لأن أخذ الجزية لم يشرع إلا في شريعتنا وكان أبواه قد عطفا عليه.
(فخشينا أن يرهقهما) أي أن يغشاهما وعظم نفسه لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص بها إلا من هو من خواص الحضرة وقال بعضهم لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه وأضاف الرحمة في
قوله أراد ربك إلى الله تعالى وعند القتل عظم نفسه تنبيهًا على أنه من العظماء في علوم الحكمة، ويجوز أن يكون فخشينا حكاية لقول الله تعالى، والمعنى أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره وقال له اقتل الغلام لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يغشى الغلام الوالدين المؤمنين (طغيانًا وكفرًا) قال ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير معناه (أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه) فإن حب الشيء يعمي ويصم، وقال أبو عبيدة في قوله يرهقهما أي يغشاهما.
وقال قتادة فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فليرض المرء بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب وصح في الحديث "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له" (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه) أي أن يرزقهما بدله ولذا خيرًا منه (زكاة) طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة (وأقرب رحمًا) وذكر هذا مناسبة (لقوله: {أقتلت نفسًا زكية}) بالتشديد (وأقرب رحمًا) أي (هما) أي الأبوان (به) أي بالولد الذي سيرزقانه (أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر). وقيل رحمة وعطفًا على والديه، وسقط لأبي ذر وأقرب رحمًا واقتصر على واحدة منهما. قال ابن جريج (وزعم غير سعيد) أي ابن جبير (أنهما أبدلا جارية) مكان المقتول فولدت نبيًّا من الأنبياء رواه النسائي ولابن أبي حاتم من طريق السدي قال: ولدت جارية فولدت نبيًّا وهو الذي كان بعد موسى فقالوا له ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله واسم هذا النبي شمعون واسم أمه حنة. وفي تفسير ابن الكلبي فولدت جارية ولدت عدة أنبياء فهدى الله بهم أممًا وقيل عدة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيًّا وعند ابن مردويه من حديث أبيّ بن كعب أنها ولدت غلامًا لكن إسناده ضعيف كما قاله في الفتح قال ابن جريج.
(وأما داود بن أبي عاصم) أي ابن عروة الثقفي التابعي الصغير (فقال: عن غير واحد أنها جارية) وهذا هو المشهور وروي مثله عن يعقوب أخي داود مما رواه الطبري، وقال ابن جريج لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم ذكره ابن كثير وغيره ويستنبط من الحديث فوائد لا تخفى على متأمل فلا نطيل بها). [إرشاد الساري: 7/221-226] (م)

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ({إمرًا} [الكهف: 71] ). [صحيح البخاري: 6/91]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله لقد جئت شيئا أمرا قال مجاهد منكرا هو من رواية بن جريجٍ عن مجاهدٍ وقيل لم يسمع منه وقد أخرجه عبد بن حميدٍ من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد مثله وروى بن أبي حاتمٍ من طريق خالد بن قيسٍ عن قتادة في قوله إمرًا قال عجبًا ومن طريق أبي صخرٍ في قوله إمرًا قال عظيمًا وفي رواية الرّبيع بن أنسٍ عند بن أبي حاتمٍ أنّ موسى لمّا رأى ذلك امتلأ غضبًا وشدّ ثيابه وقال أردت إهلاكهم ستعلم أنّك أوّل هالكٍ فقال له يوشع ألا تذكر العهد فأقبل عليه الخضر فقال ألم أقل لك فأدرك موسى الحلم فقال لا تؤاخذني وإنّ الخضر لمّا خلصوا قال لصاحب السّفينة إنّما أردت الخير فحمدوا رأيه وأصلحها اللّه على يده قوله كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا والثّالثة عمدًا في رواية سفيان قال وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانت الأولى من موسى نسيانًا ولم يذكر الباقي وروى بن مردويه من طريق عكرمة عن بن عبّاسٍ مرفوعًا قال الأولى نسيانٌ والثّانية عذرٌ والثّالثة فراق وعند بن أبي حاتمٍ من طريق الرّبيع بن أنسٍ قال قال الخضر لموسى إن عجلت عليّ في ثلاثٍ فذلك حين أفارقك وروى الفرّاء من وجهٍ آخر عن أبيّ بن كعبٍ قال لم ينس موسى ولكنّه من معاريض الكلام وإسناده ضعيفٌ والأوّل هو المعتمد ولو كان هذا ثابتًا لاعتذر موسى عن الثّانية وعن الثّالثة بنحو ذلك). [فتح الباري: 8/418-419]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (إمراً ونكراً داهيةً
أشار به إلى قوله تعالى: {لقد جئت شيئا إمراً} (الكهف: 71) وقوله: {لقد جئت شيئا نكراً} (الكهف: 74) وقد مر تفسيرهما، وفسرهما البخاريّ بقوله: (داهية) ). [عمدة القاري: 19/47]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({إمرًا}) في قوله: ({لقد جئت شيئًا إمرًا}) [الكهف: 71] و ({نكرًا}) في قوله: {لقد جئت شيئًا نكرًا} [الكهف: 74] معناهما (داهية) وسقط قوله إمرًا وواو ونكرًا لأبي ذر وقال أبو عيدة إمرًا داهية ونكرًا أي عظيمًا ففرق بينهما). [إرشاد الساري: 7/226]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدّثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى بني إسرائيل ليس بموسى الخضر، فقال: كذب عدوّ اللّه، حدّثنا أبيّ بن كعبٍ، عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: " قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فقيل له: أيّ النّاس أعلم؟ قال: أنا، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، وأوحى إليه: بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال: أي ربّ، كيف السّبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتلٍ، فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه، قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ، ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة، فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه فنام، - قال سفيان: وفي حديث غير عمرٍو، قال: وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلّا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين - قال: فتحرّك وانسلّ من المكتل، فدخل البحر فلمّا استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} [الكهف: 62] الآية، قال: ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به، قال له فتاه يوشع بن نونٍ: {أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت} [الكهف: 63] الآية، قال: فرجعا يقصّان في آثارهما، فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت، فكان لفتاه عجبًا، وللحوت سربًا، قال: فلمّا انتهيا إلى الصّخرة، إذ هما برجلٍ مسجًّى بثوبٍ، فسلّم عليه موسى، قال: وأنّى بأرضك السّلام، فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشدًا؟ قال له الخضر: يا موسى، إنّك على علمٍ من علم اللّه علّمكه اللّه لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم اللّه علّمنيه اللّه لا تعلمه، قال: بل أتّبعك، قال: فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا، فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهم سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ - يقول بغير أجرٍ - فركبا السّفينة، قال: ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم اللّه إلّا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره، قال: فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها {لقد جئت} [الكهف: 71] الآية، فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فقطعه، قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ، لقد جئت شيئًا نكرًا قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} [الكهف: 75] إلى قوله {فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} [الكهف: 77]- فقال بيده: هكذا - فأقامه، فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا، {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا، قال: هذا فراق بيني وبينك، سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} [الكهف: 77] ، فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما " قال: وكان ابن عبّاسٍ يقرأ: «وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا، وأمّا الغلام فكان كافرًا»). [صحيح البخاري: 6/91-93] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في رواية سفيان حتّى إذا أتيا الصّخرة وضعا رءوسهما فناما قوله في مكانٍ ثريان بمثلّثةٍ مفتوحةٍ وراءٍ ساكنةٍ ثمّ تحتانيّةٍ أي مبلولٍ قوله إذ تضرّب الحوت بضادٍ معجمةٍ وتشديدٍ وهو تفعّل من الضّرب في الأرض وهو السّير وفي رواية سفيان واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر وفي رواية أبي إسحاق عند مسلمٍ فاضطرب الحوت في الماء ولا مغايرة بينهما لأنّه اضطرب أوّلًا في المكتل فلمّا سقط في الماء اضطرب أيضًا فاضطرابه الأوّل فيما في مبدأ ما حيي والثّاني في سيره في البحر حيث اتّخذ فيه مسلكًا وفي رواية قتيبة عن سفيان في الباب الّذي يليه من الزّيادة قال سفيان وفي غير حديث عمرٍو وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلّا حيّ فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرّك وانسل من المكتل فدخل البحر وحكى بن الجوزيّ أنّ في روايته في البخاريّ الحيا بغير هاءٍ قال وهو ما يحيى به النّاس وهذه الزّيادة الّتي ذكر سفيان أنّها في حديث غير عمرو قد أخرجها بن مردويه من رواية إبراهيم بن يسارٍ عن سفيان مدرجةً في حديث عمرٍو ولفظه حتّى انتهيا إلى الصّخرة فقال موسى عندها أي نام قال وكان عند الصّخرة عين ماءٍ يقال لها عين الحياة لا يصيب من ذلك الماء ميّتٌ إلّا عاش فقطرت من ذلك الماء على الحوت قطرةٌ فعاش وخرج من المكتل فسقط في البحر وأظن أن بن عيينة أخذ ذلك عن قتادة فقد أخرج بن أبي حاتم من طريقه قال فأنّي على عينٍ في البحر يقال لها عين الحياة فلمّا أصاب تلك العين ردّ اللّه روح الحوت إليه وقد أنكر الدّاوديّ فيما حكاه بن التّين هذه الزّيادة فقال لا أرى هذا يثبت فإن كان محفوظًا فهو من خلق اللّه وقدرته قال لكن في دخول الحوت العين دلالة على أنه كان حيّ قبل دخوله فلو كان كما في هذا الخبر لم يحتج إلى العين قال واللّه قادرٌ على أن يحييه بغير العين انتهى قال ولا يخفى ضعف كلامه دعوى واستدلالًا وكأنّه ظنّ أنّ الماء الّذي دخل فيه الحوت هو ماء العين وليس كذلك بل الأخبار صريحةٌ في أنّ العين عند الصّخرة وهي غير البحر وكأنّ الّذي أصاب الحوت من الماء كان شيئًا من رشاشٍ ولعلّ هذا العين إن ثبت النّقل فيها مستند من زعم أنّ الخضر شرب من عين الحياة فخلّد وذلك مذكورٌ عن وهب بن منبّه وغيره ممّن كان ينقل من الإسرائيليّات وقد صنّف أبو جعفر بن المنادي في ذلك كتابًا وقرّر أنّه لا يوثق بالنّقل فيما يوجد من الإسرائيليّات قوله وموسى نائمٌ فقال فتاه لا أوقظه حتّى إذا استيقظ فنسي أن يخبره في الكلام حذفٌ تقديره حتّى إذا استيقظ سار فنسي وأمّا قوله تعالى نسيا حوتهما فقيل نسب النّسيان إليهما تغليبًا والنّاسي هو الفتى نسي أن يخبر موسى كما في هذا الحديث وقيل بل المراد أنّ الفتى نسي أن يخبر موسى بقصّة الحوت ونسي موسى أن يستخبره عن شأن الحوت بعد أن استيقظ لأنّه حينئذٍ لم يكن معه وكان بصدد أن يسأله أين هو فنسي ذلك وقيل بل المراد بقوله نسيا أخّرا مأخوذٌ من النّسي بكسر النّون وهو التّأخير والمعنى أنّهما أخّرا افتقاده لعدم الاحتياج إليه فلمّا احتاجا إليه ذكراه وهو بعيدٌ بل صريح الآية يدلّ على صحّة صريح الخبر وأنّ الفتى اطّلع على ما جرى للحوت ونسي أن يخبر موسى بذلك ووقع عند مسلمٍ في رواية أبي إسحاق أنّ موسى تقدّم فتاه لمّا استيقظ فسار فقال فتاه ألا ألحق نبيّ اللّه فأخبره قال فنسي أن يخبره وذكر بن عطيّة أنّه رأى سمكةً أحد جانبيها شوكٌ وعظمٌ وجلدٌ رقيقٌ على أحشائها ونصفها الثّاني صحيحٌ ويذكر أهل ذلك المكان أنّها من نسل حوت موسى إشارةً إلى أنّه لمّا حيي بعد أن أكل منه استمرّت فيه تلك الصّفة ثمّ في نسله واللّه أعلم
قوله فأمسك اللّه عنه جرية البحر حتّى كان أثره في حجرٍ كذا فيه بفتح الحاء المهملة والجيم وفي روايةٍ جحرٍ بضمّ الجيم وسكون المهملة وهو وضح قوله قال لي عمرو القائل هو بن جريجٍ كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه والّتي في رواية الكشميهنيّ واللّتين تليانهما يعني السّبّابتين وفي رواية سفيان عن عمرٍو فصار عليه مثل الطّاق وهو يفسّر ما أشار إليه من الصّفة وفي رواية أبي إسحاق عند مسلمٍ فاضطرب الحوت في الماء فجعل لا يلتئم عليه صار مثل الكوّة). [فتح الباري: 8/415-416] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ قال حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال قلت لابن عبّاسٍ إنّ نوفاً البكاليّ يزعم أنّ موسى بنى إسرائيل ليس بموسى الخضر فقال كذب عدوّ الله حدّثنا أبيّ بن كعبٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قام موسى خطيباً في بني إسرائيل فقيل له أي النّاس أعلم قال أنا فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه وأوحى إليه بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك قال أي ربّ كيف السّبيل إليه قال تأخذ حوتاً في مكتلٍ فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه قال فخرج موساى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان وفي حديث غير عمرٍ وقال وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلاّ حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال فتحرّك وانسلّ من المكتل فدخل البحر كلّما استيقظ موسى قال لفتاه آتنا غداءنا الآية قال ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به قال له فتاه يوشع بن نونٍ أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت الآية قال فرجعا يقصّان في آثارهما فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت فكان لفتاه عجباً وللحوت سرباً قال فلمّا انتهيا إلى الصّخرة إذ هما برجلٍ مسجّى بثوبٍ فسلّم عليه موسى قال وأنّي بأرضك السّلام فقال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم قال هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشداً قال له الخضر يا موسى إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه وأنا على علمٍ من علم الله علّمنيه الله لا تعلمه قال بل أتّبعك قال فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهما سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ يقول بغير أجرٍ فركبا السّفينة قال ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره البحر فقال الخضر لموسى ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلاّ مقدار ما غمس هاذا العصفور منقاره قال فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فقطعه قال له موسى أقتلت نفساً زكيّة بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبراً إلى قوله فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ فقال بيده هاكذا فأقامه فقال له موسى إنّا دخلنا هاذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا لو شئت لاتّخذت عليه أجراً قال هاذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما قال وكان ابن عبّاسٍ يقرأ وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصباً وأمّا الغلام فكان كافراً..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. قوله: (قال لفتاه آتنا غداءنا) وهو طريق آخر في الحديث المذكور قبله، وهو عن قتيبة عن سفيان إلى آخره، وفيه بعض اختلاف في المتن ببعض زيادة وبعض نقصان، وفيه: حدثني قتيبة حدثني سفيان، ويروى: حدثنا قتيبة حدثنا سفيان، وفيه: عن عمرو بن دينار، وفي رواية الحميدي في الباب المتقدّم: حدثنا عمرو بن دينار.
قوله: (يقال لها الحياة) ، وهي المشهورة بين النّاس: بماء الحياة وعين الحياة. قوله: (فلم يفجأ) ، ويروى: فلم يفج، ووجهه أن الهمزة تخفف فتصير ألفا فتحذف بالجازم نحو: لم يخش. قوله: (وكان ابن عبّاس يقرأ) إلى آخره، ووافقه عليها عثمان أيضا). [عمدة القاري: 19/47-48] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ، حدّثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى نبي الله ليس بموسى الخضر فقال: كذب عدوّ اللّه حدّثنا أبيّ بن كعبٍ عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: «قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فقيل له أيّ النّاس أعلم؟ قال: أنا فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه وأوحى إليه بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: أي ربّ كيف السّبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتلٍ فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام" -قال سفيان وفي حديث غير عمرٍو قال: "وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلاّ حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال- فتحرّك وانسلّ من المكتل فدخل البحر فلمّا استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} [الكهف: 62] الآية قال: ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به قال له فتاه يوشع بن نونٍ: {أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت} [الكهف: 63] الآية قال: فرجعا يقصّان في آثارهما فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت فكان لفتاه عجبًا وللحوت سربًا قال: فلمّا انتهيا إلى الصّخرة إذ هما برجلٍ مسجًّى بثوبٍ فسلّم عليه موسى قال: وأنّى بأرضك السّلام؟ فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشدًا؟ قال له الخضر: يا موسى إنّك على علمٍ من علم اللّه علّمكه اللّه لا أعلمه وأنا على علمٍ من علم اللّه علّمنيه اللّه لا تعلمه قال: بل أتّبعك قال: فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهما سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ" -يقول بغير أجرٍ- "فركبا السّفينة قال: ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره البحر فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم اللّه إلاّ مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره قال: فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فقطعه قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا * قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} [الكهف: 74 و75] إلى قوله: {فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} فقال بيده هكذا {فأقامه} [الكهف: 77] فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} [الكهف: 77، 78] فقال رسول اللّه: «وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما». قال: وكان ابن عبّاسٍ يقرأ وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا وأمّا الغلام فكان كافرًا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر أيضًا حدّثنا (سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام الحافظ الحجة تغير حفظه بأخرة وربما دلس عن الثقات وهو من أثبت الناس في عمرو بن دينار (عن عمرو بن دينار) المكي الجمحي مولاهم (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي أنه (قال: قلت لابن عباس أن نوفًا) كذا في اليونينية وفي الفرع نوف بغير ألف (البكالي) بكسر الموحدة نسبة إلى بني بكال بطن من حمير ونوف بغير صرف وصرفه أشهر كما مر ولأبي ذر البكالي بفتح الموحدة (يزعم أن موسى نبي الله) المرسل إلى بني إسرائيل كذا في الفرع موسى نبي الله والذي في اليونينية يزعم أن موسى نبي بني إسرائيل (ليس بموسى الخضر) بل موسى آخر (فقال) ابن عباس -رضي الله عنهما- (كذب عدوّ الله) يعني نوفًا وعبّر بذلك للزجر والتحذير لا قدحًا فيه (حدّثنا أبي بن كعب عن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أنه (قال): (قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل) يذكرهم بنعم الله عليهم وعليه يذكر ما أكرمه الله به من رسالته وتكريمه وتفضيله (فقيل له: أي الناس أعلم) أي منهم (قال) ولأبي ذر فقال: (أنا) أي أعلم (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) كان يقول الله أعلم (وأوحى إليه) بفتح الهمزة والحاء (بلى عبد من عبادي) كائن (بمجمع البحرين هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص والعالم بالعلم الخاص لا يلزم منه أن يكون أعلم من العالم بالعلم العام (قال: أي رب كيف السبيل إليه) أي إلى لقائه (قال: تأخد حوتًا في مكتل فحيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فاتبعه) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر عن الكشميهني فاتبعه بسكون الفوقية وفتح الموحدة أي اتبع أثر الحوت فإنك ستلقى العبد الأعلم (قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون) مجرور بالإضافة منصرف كنوح على الفصحى (ومعهما الحوت) المأمور به (حتى انتهيا إلى الصخرة) التي عند مجمع البحرين (فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق (وفي حديث غير عمرو) لعل الغير المذكور كما قال في الفتح قتادة لما عند ابن أبي حاتم من طريقه (قال وفي أبي الصخرة عين يقال لها) ولأبي الوقت والأصيلي له (الحياة) بتاء التأنيث آخره (لا يصيب من مائها شيء) من الحيوان (إلا حيي) وعند ابن إسحاق من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي لا تصيب بالفوقية أي العين شيئًا أي من الحيوان إلا حيي (فأصاب الحوت من) رشاش (ماء تلك العين قال فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر) ولعل هذه العين إن ثبت النقل فيها هي التي شرب منها الخضر فخلد كما قال به جماعة كما مر (فلما استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} الآية) أي بعد أن نسي الفتى أن يخبره بأن الحوت حيي وانطلاقهما سائرين بقية يومهما وليلتهما حتى كان من الغد قال له إذ ذاك آتنا غداءنا (قال ولم يجد النصب حتى جاوز ما أمر به) فألقى الله عليه الجوع والنصب (قال له فتاه يوشع بن نون {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي أن أخبرك بخبره (الآية) إلى قوله: {ذلك ما كنا نبغ} [الكهف: 64] (قال فرجعا يقصّان في آثارهما) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا في البحر كالطاق ممر الحوت) مفعول وجدا (فكان لفتاه عجبًا) إذ هو أمر خارق (وللحوت سربًا) مسلكًا وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: رجع موسى فوجد الحوت فجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يصير صخرة (قال: فلما انتهيا إلى الصخرة إذا) والذي في اليونينية إذ (هما برجل مسجى) مغطى (بثوب) وفي رواية الربيع عن أنس عند ابن أبي حاتم قال انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة فدخلها موسى على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (فسلم عليه موسى قال) الخضر بعد أن رد السلام عليه وكشف الثوب عن وجهه (وأنى) بهمزة نون مشددة مفتوحتين أي وكيف (بأرضك السلام) وأهلها كفار أو لم يكن السلام تحيتهم (فقال) موسى بعد أن قال له الخضر من أنت: (أنا موسى قال) الخضر (موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال) له موسى: ({هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا}) أي علمًا ذا رشد أسترشد به (قال) ولأبي ذر فقال (له الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه) فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه (قال) موسى (بل أتبعك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هل والأولى أوضح ({قال}) الخضر: ({فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء}) تنكره ابتداء ({حتى أحدث لك منه ذكرًا}) حتى أبداك ببيانه (فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت بهما سفينة) ولأبي ذر: بهم أي بموسى ويوشع والخضر (فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نول) بفتح النون وسكون الواو (يقول بغير أجر) أي أجرة (فركبا السفينة) ولم يذكر يوشع لأنه تابع غير مقصود بالأصالة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فركبا في السفينة (قال: ووقع عصفور) بضم العين (على حرف السفينة فغمس منقاره البحر) بنصبهما ولأبي ذر في البحر (فقال الخضر لموسى) ولأبي ذر: يا موسى (ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار) بالرفع (ما غمس هذا العصفور منقاره) وفي رواية ما نقص علمي وعلمك من علم الله والعلم يطلق ويراد به المعلوم وعلم الله لا يدخله نقص ونقص العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا فهو كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم = بهن فلول من قراع الكتائب
أي لا عيب فيهم.
(قال: فلم يفجأ موسى) بالهمزة (إذ عمد الخضر) بفتح الميم (إلى قدوم) بفتح القاف وتخفيف الدال أي الآلة المعروفة (فخرق السفينة فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت) بفتح الميم أيضًا (إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية). وسقط لأبي ذر لقد جئت والآية (فانطلقا) بعد أن خرجا من السفينة (إذ هما بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني فأخذ الخضر رأسه بحذف الجار والنصب مفعول أخذ (فقطعه قال) ولأبي الوقت فقال الله موسى: {أقتلت نفسًا زكية} بالتشديد طاهرة ({بغير نفس}) قيل وكان القتل في أبلة بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة مدينة قرب بصرة وعبادان ({لقد جئت شيئًا نكرًا}) منكرًا ({قال}) الخضر: ({ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا}) وأتى بلك مع نكرًا بخلاف أمرًا قيل لأن النكر أبلغ لأن معه القتل الحتم بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه (إلى قوله: {فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض}) أن يسقط (فقال) الخضر (بيده هكذا {فأقامه} فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القربة فلم يضيفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك}) قال في الأنوار: الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو إلى الاعتراض الثالث أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته ({سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا}) لكونه منكرًا من حيث الظاهر وقد كانت أحكام موسى كغيره من الأنبياء مبنيّة على الظواهر ولذا أنكر خرق السفينة وقتل الغلام إذ التصرف في أموال الناس وأرواحهم بغير حق حرام في الشرع الذي شرعه لأنبيائه عليهم السلام إذ لم يكلفنا إلى الكشف عن البواطن لما في ذلك من الحرج وأما وقوع ذلك من الخضر فالظاهر أنه قد شرع له أن يعمل بما كشف له من بواطن الأسرار واطلع عليه من حقائق الأستار فلما علم الخضر علمًا يقينًا أنه إن لم يعب السفينة بالخرق غصبها الملك وجب عليه ذلك دفعًا للضرر عن ملاكها إذ لو تركها ولم يعبها فاتت بالكلية عليهم بأخذ الملك لها وكذا قتل الغلام فإنه علم بالوحي أنه إن لم يقتله تبعه أبواه على الكفر لمزيد محبتهما له فكانت المضرة بقتله أيسر من إبقائه لا سيما والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في شريعتهم واجبًا لأن أخذ الجزية لم يكن سائغًا لهم وقد رزقهما الله خيرًا منه كما مرّ ولو ترك الجدار حتى يسقط ضاع مال أولئك الأيتام فكانت المصلحة التامة في إقامته ولعل ذلك كان واجبًا عليه.
(فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-: وددنا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (إن موسى صبر حتى يقص) بضم أوله وفتح آخره مبنيًّا للمفعول (علينا من أمرهما قال وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة) غير معيبة (غصبًا وأما الغلام فكان كافرًا) وقد سبق أن أمام يستعمل موضع وراء فهي مفسّرة للآية كما مرّ وقوله تعالى: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} [الكهف: 80] فيه إشعار بأن الغلام كان كافرًا كما في هذه القراءة لكنها كقراءة أمامهم وصالحة من الشواذ المخالفة لمصحف عثمان والله الموفق). [إرشاد الساري: 7/227-229] (م)
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب بني إسرائيل ليس بموسى صاحب الخضر، قال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعبٍ، يقول: سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ النّاس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى اللّه إليه أنّ عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: أي ربّ، فكيف لي به؟ فقال له: احمل حوتًا في مكتلٍ فحيث تفقد الحوت فهو ثمّ، فانطلق وانطلق معه فتاه وهو يوشع بن نونٍ فجعل موسى حوتًا في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتّى إذا أتيا الصّخرة، فرقد موسى وفتاه فاضطرب الحوت في المكتل حتّى خرج من المكتل فسقط في البحر، قال: وأمسك اللّه عنه جرية الماء، حتّى كان مثل الطّاق وكان للحوت سربًا.
وكان لموسى ولفتاه عجبًا، فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما ونسّي صاحب موسى أن يخبره، فلمّا أصبح موسى {قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} قال: ولم ينصب حتّى جاوز المكان الّذي أمر به {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنسانيه إلاّ الشّيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجبًا} قال موسى {ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصًا} قال: فكانا يقصّان آثارهما، قال سفيان: يزعم ناسٌ أنّ تلك الصّخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميّتًا إلاّ عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلمّا قطر عليه الماء عاش، قال: فقصّا آثارهما حتّى أتيا الصّخرة، فرأى رجلاً مسجًّى عليه بثوبٍ، فسلّم عليه موسى، فقال: أنّى بأرضك السّلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه اللّه لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علّمنيه لا تعلمه، فقال موسى: {هل أتّبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رشدًا (66) قال إنّك لن تستطيع معي صبرًا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا (68) قال ستجدني إن شاء اللّه صابرًا ولا أعصي لك أمرًا} قال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا} قال: نعم، فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينةٌ فكلّماهم أن يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نولٍ فعمد الخضر إلى لوحٍ من ألواح السّفينة فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا (71) قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} ثمّ خرجا من السّفينة فبينما هما يمشيان على السّاحل وإذا غلامٌ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده، فقتله، قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} قال: وهذه أشدّ من الأولى {قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} يقول: مائلٌ، فقال الخضر بيده هكذا {فأقامه} فقال له موسى: قومٌ أتيناهم فلم يضيّفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: يرحم اللّه موسى لوددنا أنّه كان صبر حتّى يقصّ علينا من أخبارهما. قال: وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: الأولى كانت من موسى نسيانٌ. وقال: وجاء عصفورٌ حتّى وقع على حرف السّفينة ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من البحر قال سعيد بن جبيرٍ: وكان يعني ابن عبّاسٍ، يقرأ: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا وكان يقرأ: وأمّا الغلام فكان كافرًا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورواه الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد رواه أبو إسحاق الهمدانيّ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال أبو مزاحمٍ السّمرقنديّ: سمعت عليّ بن المدينيّ يقول: حججت حجّةً وليس لي همّةٌ إلاّ أن أسمع من سفيان يذكر في هذا الحديث الخبر حتّى سمعته يقول: حدّثنا عمرو بن دينارٍ، وقد كنت سمعت هذا من سفيان من قبل ذلك، ولم يذكر فيه الخبر). [سنن الترمذي: 5/160-163] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فانطلقا حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا}.
يقول تعالى ذكره: فانطلق موسى والعالم يسيران يطلبان سفينةً يركبانها، حتّى إذا أصاباها ركبا في السّفينة، فلمّا ركباها، خرق العالم السّفينة، قال له موسى: أخرقتها بعد ما لججنا في البحر {لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا} يقول: لقد جئت بشيء عظيمً، وفعلت فعلاً منكرًا كما؛
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {لقد جئت شيئًا إمرًا} أي عجبًا، إنّ قومًا لجّجوا سفينتهم في البحر فخرقت كأحوج ما يكونون إليها، ولكن علم من ذلك ما لم يعلم نبيّ اللّه موسى ذلك من علم اللّه الّذي آتاه، وقد قال لنبيّ اللّه موسى عليه السّلام: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا}.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة {لقد جئت شيئًا إمرًا} يقول: نكرًا.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {لقد جئت شيئًا إمرًا} قال: منكرًا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
والإمر: في كلام العرب: الدّاهية، ومنه قول الرّاجز:
قد لقي الأقران منّك نكرا = داهيةً دهياء إدًّا إمرا
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: أصله: كلّ شيءٍ شديدٌ كثيرٌ، ويقول منه: قيل للقوم: قد أمروا: إذا كثروا واشتدّ أمرهم. قال: والمصدر منه: الأمر، والاسم: الإمر.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {لتغرق أهلها} فقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيّين {لتغرق أهلها} بالتّاء في لتغرق، ونصب الأهل، بمعنى: لتغرق أنت أيّها الرّجل أهل هذه السّفينة بالخرق الّذي خرقت فيها.
وقرأه عامّة قرّاء الكوفة: ( ليغرق ) بالياء ( أهلها ) بالرّفع، على أنّ الأهل هم الّذين يغرقون.
والصّواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنّهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، متّفقتا المعنى وإن اختلفت ألفاظهما، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ.
وإنّما قلنا: هما متّفقتا المعنى، لأنّه معلومٌ أنّ إنكار موسى على العالم خرق السّفينة إنّما كان لأنّه كان عنده أنّ ذلك سببٌ لغرق أهلها إذا أحدث فيها فلا خفاء على أحدٍ معنى ذلك قرئ بالتّاء ونصب الأهل، أو بالياء ورفع الأهل). [جامع البيان: 15/335-337]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله لقد جئت شيئا إمرا قال منكرا). [تفسير مجاهد: 379]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) سعيد بن جبير -رحمه الله -: قال: قلت لابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما: إنّ نوفاً البكاليّ يزعم أنّ موسى - صاحب بني إسرائيل - ليس هو صاحب الخضر.
فقال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعبٍ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قام موسى -عليه السلام -خطيباً في بني إسرائيل»، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ عبداً من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى، أي ربّ، كيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتاً في مكتلٍ، فحيث تفقد الحوت، فهو ثمّ، فانطلق وانطلق معه فتاه، وهو يوشع بن نونٍ، فحمل موسى حوتاً في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان، حتى أتيا الصخرة، فرقد موسى وفتاه، فاضطرب الحوت في المكتل، حتى خرج من المكتل، فسقط في البحر، قال: وأمسك الله عنه جرية الماء حتى كان مثل الطّاق فكان للحوت سرباً وكان لموسى وفتاه عجباً، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، ونسي صاحب موسى أن يخبره، فلما أصبح موسى عليه السلام قال لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} [الكهف: 62] قال: ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجباً} قال موسى: {ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصاً} [الكهف: 63، 64] قال: يقصّان آثارهما، حتى أتيا الصخرة، فرأى رجلاً مسجّى عليه بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال له الخضر: أنّى بأرضك السلام ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، قال له موسى: {هل أتّبعك على أن تعلّمني مما علّمت رشداً. قال إنك لن تستطيع معي صبراً. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً. قال ستجدني إن شاء اللّه صابراً ولا أعصي لك أمراً} قال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً} [الكهف: 66 - 70] قال: نعم، فانطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينةٌ، فكلّموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر، فحملوهما بغير نولٍ، فعمد الخضر إلى لوحٍ من ألواح السفينة، فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ، عمدت إلى سفينتهم، فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً. قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً. قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً} [الكهف: 71، 73]، ثمّ خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا غلامٌ يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعه بيده، فقتله، فقال موسى: {أقتلت نفساً زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً} [الكهف: 74، 75] قال: وهذه أشدّ من الأولى {قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لّدنّي عذراً. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ} يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا {فأقامه قال} له موسى: قومٌ أتيناهم، فلم يضيفونا، ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجراً. قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} [الكهف: 76 - 78] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر، حتى كان يقصّ علينا من أخبارهما» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت الأولى من موسى نسياناً» قال: وجاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السّفينة، ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر.
زاد في رواية: «وعلم الخلائق» ثم ذكر نحوه.
قال سعيد بن جبير: وكان يقرأ «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينةٍ غصباً» وكان يقرأ «وأما الغلام فكان كافراً».
وفي رواية قال: «بينما موسى- عليه السلام - في قومه يذكّرهم بأيّام الله، وأيّام الله: نعماؤه وبلاؤه، إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً أو أعلم منّي» قال:... وذكر الحديث.
وفيه «حوتاً مالحاً».
وفيه: «مسجّى ثوباً، مستلقياً على القفا، أو على حلاوة القفا».
وفيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنّه عجّل لرأى العجب، ولكنّه أخذته من صاحبه ذمامةٌ، قال: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذراً} ولو صبر لرأى العجب، قال: وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه، ثم قال: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ} لئامٍ، فطافا في المجلس، فاستطعما أهلها {فأبوا أن يضيّفوهما} إلى قوله: {هذا فراق بيني وبينك} قال: وأخذ بثوبه، ثم تلا إلى قوله: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} إلى آخر الآية [الكهف: 79]، فإذا جاء الذي يسخّرها وجدها منخرقةً، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك {أرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً} ».
وفي رواية قال: «وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرّك، وانسلّ من المكتل». وذكر نحوه.
وفي رواية: «أنه قيل له: خذ حوتاً، حتى تنفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلّفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، فقال: ما كلّفت كبيراً»... وذكر الحديث.
وفيه «فوجدا خضراً على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر، وأن الخضر قال لموسى: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك، يا موسى، إنّ لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه ».
وفيه في صفة قتل الغلام «فأضجعه فذبحه بالسّكين».
وفيه «كان أبواه مؤمنين، وكان كافراً {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً} يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاةً - لقوله: {قتلت نفساً زكية} - وأقرب رحماً} أرحم بهما من الأول الذي قتل الخضر».
وفي رواية «أنهما أبدلا جارية».
وفي رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ ابن عباسٍ تمارى هو والحرّ بن قيس بن حصنٍ الفزاريّ في صاحب موسى عليه السلام، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمرّ بهما أبيّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عباسٍ فقال: يا أبا الطّفيل، هلمّ إلينا فإنّي قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيّه، فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أبيٌّ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا موسى في ملأٍ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجلٌ، فقال له: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى، عبدنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيّه، فجعل الله له الحوت آية... وذكر الحديث إلى قوله: {فارتدّا على آثارهما قصصاً} فوجدا خضراً، فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه». هذه روايات البخاري، ومسلم.
ولمسلم رواية أخرى بطولها، وفيها فانطلقا، حتى إذا لقيا غلماناً يلعبون، قال: فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي، فقتله، قال: فذعر عندها موسى ذعرة منكرة، قال: {أقتلت نفساً زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند هذا المكان: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجّل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامةٌ».
وعند البخاري فيه ألفاظ غير مسندة، منها: «يزعمون أن الملك كان اسمه: هدد بن بدد، وأنّ الغلام المقتول: كان اسمه فيما يزعمون: حيسور».
وفي رواية في قوله قال: {ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً} قال: «كانت الأولى نسياناً، والوسطى: شرطاً، والثالثة عمداً».
وأخرجه الترمذي مثل الرواية الأولى بطولها.
(وفيها قال سفيان: «يزعم ناسٌ أنّ تلك الصخرة عندها عين الحياة، لا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش»... وذكر الحديث إلى آخره).
وفي رواية لمسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {لتخذت عليه أجراً}.
وعنده قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً».
وفي رواية الترمذي أيضاً: قال «الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافراً... لم يزد».
وأخرج أبو داود من الحديث طرفين مختصرين عن أبيّ بن كعبٍ:
الأول، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً».
والثاني: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: {أقتلت نفساً زكيّةً... } الآية».
وحيث اقتصر أبو داود على هذين الطرفين من الحديث بطوله لم أعلم علامته.
[شرح الغريب]
(مكتل) المكتل: شبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعاً.
(سرباً) السرب: المسلك.
(نصباً) النصب، التعب.
(أوينا) أي: يأوي إلى المنزل: إذا انضم إليه ورجع.
(فارتدا) افتعلا من الارتداد: وهو الرجوع.
(قصصاً) القصص: تتبع الأثر شيئاً بعد شيء، والمعنى: رجعا من حيث جاءا، يقصان الأثر.
(مسجى) المسجى: المغطى.
(رشداً) الرّشد والرّشد: الهدى.
(نول) النّول: العطية والجعل. تقول: نلت الرجل أنوله نولاً: إذا أعطيته، ونلت الشيء أناله نيلاً: وصلت إليه.
(إمراً) الإمر: الأمر العظيم المنكر.
(حلاوة القفا) قال الجوهري: حلاوة القفا بالضم: وسطه، وكذلك حلاوى القفا: فإن مددت، فقلت: حلاواء القفا: فتحت.
(ذمامة) الذمامة بالذال المعجمة: الحياء والإشفاق من الذم، وبالدال غير المعجمة: قبح الوجه، والمراد الأول.
(أرهقهما طغياناً) يقال: رهقه - بالكسر، يرهقه رهقاً، أي: غشيه وأرهقه طغياناً وكفراً، أي أغشاه أياه، ويقال: أرهقني فلان إثماً حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له، والطغيان: الزيادة في المعاصي.
(طنفسه) الطنفسة: واحدة الطنافس: وهي البسط التي لها خمل رقيق.
(كبد البحر) كبد كل شيء: وسطه. وكأنه أراد به ها هنا: جانبه.
(تمارى) المماراة: المجادلة والمخاصمة). [جامع الأصول: 2/220-230] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه: أن لي عبدا بمجمع البحرين وهو أعلم منك، قال موسى: يا رب كيف لي به قال: تأخذ معك حوتا تجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر {فاتخذ سبيله في البحر سربا} وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبرهه بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى {ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه، فقال موسى {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} فقال له الخضر {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا} يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبوا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، {لقد جئت شيئا إمرا} فقال: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسيانا قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمني وما علمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله فقال له موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: وهذه أشد من الأولى {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} قال: مائل فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} فقال: {هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما، قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين). [الدر المنثور: 9/577-579] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق آخر عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عباس جعلني الله فداءك بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل، قال: كذب عدو الله حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى، قيل: بلى، قال: أي رب فأين قال: بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علما أعلم به ذلك، قال: خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كثيرا، قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره.
وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر، قال موسى {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: قد قطع الله عنك النصب فرجعا فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى ثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكسف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام، من أنت قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم، قال: فما شأنك قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى إن لي علما لا ينبغي أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر فعرفوه فقالوا: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا، قال موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} كانت الأولى نسيانا والوسطة والثالثة عمدا {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} ووجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين فقال: {أقتلت نفسا زكية} لم تعمل الحنث، قال ابن عباس قرأها: {زكية} زاكية مسلمة كقولك: غلاما زكيا، {فانطلقا} {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} قال: بيده هكذا ورفع يده فاستقام {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} قال: أجر تأكله {وكان وراءهم ملك} قرأها ابن عباس وكان أمامهم ملك يزعمون مدد بن ندد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور {ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدوها بالقار (فكان أبواه مؤمنين) وكان كافرا {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا} أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر، وزعم غير سعيد أنهما أبدلا جارية). [الدر المنثور: 9/580-583] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد ومسلم، وابن مردويه من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده فقال القوم: إن نوفا الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل فكان ابن عباس متكئا فاستوى جالسا فقال: كذب نوف حدثني أبي بن كعب أنه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني لرأى من صاحبه عجبا، قال: وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبيا من الأنبياء بدأ بنفسه فقال: رحمة الله علينا وعلى صالح ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد ثم قال: إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم إذ قال لهم: ما في الأرض أحد أعلم مني، فأوحى الله إليه: أن في الأرض من هو أعلم منك وآية ذلك أن تزود حوتا مالحا فإذا فقدته فهو حيت تفقده، فتزود حوتا مالحا فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب {فاتخذ سبيله في البحر سربا} قال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان فانطلقا فأصابه ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به فقال موسى: {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال فتاه: يا نبي الله {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} أن أحدثك {وما أنسانيه إلا الشيطان} {فاتخذ سبيله في البحر سربا} {قال ذلك ما كنا نبغ} [ نبغي ] فرجعا {على آثارهما قصصا} يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه فرفع رأسه فقال له: من أنت قال: موسى، قال: من موسى قال: موسى بني إسرائيل، قال: فما لك قال: أخبرت أن عندك علما فأردت أن أصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} قال: قد أمرت أن أفعله {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة} فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها فقال له موسى: تخرقها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} فانطلقا حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} قال له موسى مما نزل به من الجهد: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال حدثني {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها.
وأما الغلام فإنه كان طبع يوم طبع كافرا وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه ولو عصياه شيئا لأرهقهما طغيانا وكفرا فأراد ربك أن يبدلهما {خيرا منه زكاة وأقرب رحما} فوقع أبوه على أمه فعلقت خيرا منه زكاة وأقرب رحما). [الدر المنثور: 9/583-586] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس - وعنده نفر من أهل الكتاب - فقال بعضهم: إن نوفا يزعم عن أبي بن كعب أن موسى النّبيّ الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا فقال ابن عباس: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني، قال: نعم في عبادي من هو أعلم منك فنعت له مكانه فأذن له في لقيه فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي {فاتخذ سبيله في البحر سربا} فانطلقا {فلما جاوزا قال} موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال الفتى وذكر {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسى عليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدا، {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} وكان رجلا يعلم علم الغيب قد علم ذلك فقال موسى: بلى، قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} أي أن ما تعرف ظاهرا ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} وإن رأيت ما يخالفني {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها فقال له موسى - ورأى أمرا أفظع به - {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت} أي بما تركت من عهدك {ولا ترهقني من أمري عسرا} ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه فأخذ بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله فرآى موسى عليه السلام أمرا فظيعا لا صبر عليه صبي صغير قتله لا ذنب له، {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} أي صغيرة {لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا} أي قد عذرت في شأني {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر فقال {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا واستضفناهم فلم يضيفوهما ثم قعدت تعمل في غير صنيعة ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عملك، {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} - في قراءة أبي بن كعب كل سفينة صالحة وإنما عيبها لطرده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} أي ما فعلته عن نفسي {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علما). [الدر المنثور: 9/586-590]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الروياني، وابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينما موسى عليه السلام يذكر بني إسرائيل إذ حدث نفسه أنه ليس أحد من الناس أعلم منه فأوحى الله إليه: أني قد علمت ما حدثت به نفسك فإن من عبادي رجلا أعلم منك، يكون على ساحل البحر فأته فتعلم منه واعلم أن الآية الدالة لك على مكانه زادك الذي تزود به فأينما فقدته فهناك مكانه، ثم خرج موسى وفتاه قد حملا حوتا مالحا في مكتل وخرجا يمشيان لا يجدان لغوبا ولا عنتا حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضر فمضى موسى وجلس فتاه فشرب منها فوثب الحوت من المكتل حتى وقع في الطين ثم جرى حتى وقع في البحر، فذلك قوله تعالى: {فاتخذ سبيله في البحر سربا} فانطلق حتى لحق موسى فلما لحقه أدركه العياء فجلس وقال لفتاه {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: ففقد الحوت فقال: {فإني نسيت الحوت} الآية، يعني فتى موسى {واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ} إلى {قصصا} فانتهيا إلى الصخرة فأطاف بها موسى فلم ير شيئا ثم صعد فإذا على ظهرها رجل متلفف بكسائه نائم فسلم عليه موسى فرفع رأسه فقال: أنى السلام بهذا المكان، من أنت قال: موسى بني إسرائيل، قال: فما كان لك في قومك شغل عني قال: أني أمرت بك، فقال الخضر: {إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال ستجدني إن شاء الله صابرا} الآية، {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر فإذا قوم قد ركبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر ركبوا معهم فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضر حديدة كانت معه فخرق بها السفينة {قال أخرقتها لتغرق أهلها} الآية، {قال ألم أقل} الآية، {قال لا تؤاخذني} الآية، {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} فوجدا صبيانا يلعبون يريدون القرية فأخذ الخضر غلاما منهم وهو أحسنهم وألطفهم فقتله قال له موسى: {أقتلت نفسا زكية} الآية، {قال ألم أقل لك} الآية، {قال إن سألتك} الآية، فانطلقا حتى انتهيا إلى قرية لئام وبهما جهد فاستطعموهم فلم يطعموهم فرأى الجدار مائلا فمسحه الخضر بيده فاستوى فقال: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} قال له موسى: قد ترى جهدنا وحاجتنا لو سألتهم عليه أجرا أعطوك فنتعشى به {قال هذا فراق بيني وبينك}، قال: فأخذ موسى بثوبه فقال: أنشدك الصحبة إلا أخبرتني عن تأويل ما رأيت قال: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} الآية، خرقتها لأعيبها فلم تؤخذ فأصلحها أهلها فامتنعوا بها وأما الغلام فإن الله جعله كافرا وكان أبواه مؤمنين فلو عاش لأرهقهما {طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة} الآية). [الدر المنثور: 9/592-595] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ركبا في السفينة} قال: إنما كانت معبرا في ماء الكر فرسخ في فرسخ). [الدر المنثور: 9/609]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ليغرق أهلها بالياء). [الدر المنثور: 9/610]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {لقد جئت شيئا إمرا} يقول: منكرا). [الدر المنثور: 9/610]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {شيئا إمرا} يقول: منكرا). [الدر المنثور: 9/610]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {شيئا إمرا} قال: عجبا). [الدر المنثور: 9/610]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر في قوله: {شيئا إمرا} قال: عظيما). [الدر المنثور: 9/610]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي العالية ومن طريق حماد بن يزيد عن شعيب بن الحجاب قالا: كان الخضر عبدا لا تراه الأعين إلا من أراد الله أن يريه إياه فلم يريه من القوم إلا موسى ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام، قال حماد: وكانوا يرون أن موت الفجأة من ذلك). [الدر المنثور: 9/611]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: قال موسى لفتاه يوشع بن نون {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} فاصطادا حوتا فاتخذاه زادا وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي أرادها فهاجت ريح فاشتبه عليه المكان ونسيا عليه الحوت ثم ذهبا فسارا حتى اشتهيا الطعام فقال لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} يعني جهدا في السير، فقال الفتى لموسى: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره}، قال: فسمعنا عن ابن عباس أنه حدث عن رجال من علماء أهل الكتاب أن موسى دعا ربه على أثره ومعه ماء عذب في سقاء فصب من ذلك الماء في البحر وانصب على أثره فصار حجرا أبيض أجوف فأخذ فيه حتى انتهى إلى الصخرة التي أراد فصعدها وهو متشوف: هل يرى ذلك الرجل حتى كاد يسيء الظن ثم رآه فقال: السلام عليك يا خضر، قال: عليك السلام يا موسى، قال: من حدثك أني أنا موسى، قال: حدثني الذي حدثك أني أنا الخضر، قال: إني أريد أن أصحبك {على أن تعلمن مما علمت رشدا} وأنه تقدم إليه فنصحه فقال: {إنك لن تستطيع معي صبرا (68) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} وذلك بأن أحدهم لو رأى شيئا لم يكن رآه قط ولم يكن شهده ما كان يصبر حتى يسأل ما هذا فلما أبى عليه موسى إلا أن يصحبه {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} إن عجلت علي في ثلاث فذلك حين أفارقك، فهم قيام ينظرون إذ مرت سفينة ذاهبة إلى أبلة فناداهم خضر: يا أصحاب السفينة هلم إلينا فاحملونا في سفينتكم وإن أصحاب السفينة قالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالا في مكان مخوف إنما يكون هؤلاء لصوصا فلا تحملهم، فقال صاحب السفينة: إني أرى رجالا على وجوههم النور لأحملنهم، فقال الخضر: بكم حملت هؤلاء كل رجل حملت في سفينتك فلك لكل رجل منا الضعف، فحملهم فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض - وقد أمر صاحب القرية: إن أبصرتم كل سفينة صالحة ليس فيها عيب فائتوني بها - وإن الخضر أمر أن يجعل فيها عيبا لكي لا يسخروها فخرقها فنبع فيها الماء وإن موسى امتلأ غضبا {قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} وإن موسى عليه السلام شد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر في البحر فقال: أردت هلاكهم فتعلم أنك أول هالك: فجعل موسى كلما ازداد غضبا استقر البحر وكلما سكن كان البحر كالدهر وإن يوشع بن نون قال لموسى عليه السلام: ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك وإن الخضر أقبل عليه {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} وإن موسى أدركه عند ذلك الحلم فقال: {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} فلما انتهوا إلى القرية قال خضر: ما خلصوا إليكم حتى خشوا الغرق وإن الخضر أقبل على صاحب السفينة فقال: إنما أردت الذي هو خير لك فحمدوا رأيه في آخر الحديث وأصلحها الله كما كانت، ثم إنهم خرجوا حتى انتهوا إلى غلام شاب عهد إلى الخضر أن أقتله فقتله {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} إلى قوله: {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} وإن خضرا أقبل عليه فقال: قد وفيت لك بما جعلت على نفسي {هذا فراق بيني وبينك} {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} فكان لا يغضب أحدا إلا دعا عليه وعلى أبويه فطهر الله أبويه أن يدعو عليهما أحد وأيد لهما مكان الغلام آخر خيرا منه وأبر بوالديه {وأقرب رحما}، {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما} فسمعنا أن ذلك الكنز كان علما فورثا ذلك العلم). [الدر المنثور: 9/620-623] (م)

تفسير قوله تعالى: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا}.
يقول عزّ ذكره: {قال} العالم لموسى إذ قال له ما قال {ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا} على ما ترى من أفعالي، لأنّك ترى ما لم تحط به خبرًا). [جامع البيان: 15/338]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: قال موسى لفتاه يوشع بن نون {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} فاصطادا حوتا فاتخذاه زادا وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي أرادها فهاجت ريح فاشتبه عليه المكان ونسيا عليه الحوت ثم ذهبا فسارا حتى اشتهيا الطعام فقال لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} يعني جهدا في السير، فقال الفتى لموسى: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره}، قال: فسمعنا عن ابن عباس أنه حدث عن رجال من علماء أهل الكتاب أن موسى دعا ربه على أثره ومعه ماء عذب في سقاء فصب من ذلك الماء في البحر وانصب على أثره فصار حجرا أبيض أجوف فأخذ فيه حتى انتهى إلى الصخرة التي أراد فصعدها وهو متشوف: هل يرى ذلك الرجل حتى كاد يسيء الظن ثم رآه فقال: السلام عليك يا خضر، قال: عليك السلام يا موسى، قال: من حدثك أني أنا موسى، قال: حدثني الذي حدثك أني أنا الخضر، قال: إني أريد أن أصحبك {على أن تعلمن مما علمت رشدا} وأنه تقدم إليه فنصحه فقال: {إنك لن تستطيع معي صبرا (68) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} وذلك بأن أحدهم لو رأى شيئا لم يكن رآه قط ولم يكن شهده ما كان يصبر حتى يسأل ما هذا فلما أبى عليه موسى إلا أن يصحبه {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} إن عجلت علي في ثلاث فذلك حين أفارقك، فهم قيام ينظرون إذ مرت سفينة ذاهبة إلى أبلة فناداهم خضر: يا أصحاب السفينة هلم إلينا فاحملونا في سفينتكم وإن أصحاب السفينة قالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالا في مكان مخوف إنما يكون هؤلاء لصوصا فلا تحملهم، فقال صاحب السفينة: إني أرى رجالا على وجوههم النور لأحملنهم، فقال الخضر: بكم حملت هؤلاء كل رجل حملت في سفينتك فلك لكل رجل منا الضعف، فحملهم فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض - وقد أمر صاحب القرية: إن أبصرتم كل سفينة صالحة ليس فيها عيب فائتوني بها - وإن الخضر أمر أن يجعل فيها عيبا لكي لا يسخروها فخرقها فنبع فيها الماء وإن موسى امتلأ غضبا {قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} وإن موسى عليه السلام شد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر في البحر فقال: أردت هلاكهم فتعلم أنك أول هالك: فجعل موسى كلما ازداد غضبا استقر البحر وكلما سكن كان البحر كالدهر وإن يوشع بن نون قال لموسى عليه السلام: ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك وإن الخضر أقبل عليه {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} وإن موسى أدركه عند ذلك الحلم فقال: {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} فلما انتهوا إلى القرية قال خضر: ما خلصوا إليكم حتى خشوا الغرق وإن الخضر أقبل على صاحب السفينة فقال: إنما أردت الذي هو خير لك فحمدوا رأيه في آخر الحديث وأصلحها الله كما كانت، ثم إنهم خرجوا حتى انتهوا إلى غلام شاب عهد إلى الخضر أن أقتله فقتله {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} إلى قوله: {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} وإن خضرا أقبل عليه فقال: قد وفيت لك بما جعلت على نفسي {هذا فراق بيني وبينك} {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} فكان لا يغضب أحدا إلا دعا عليه وعلى أبويه فطهر الله أبويه أن يدعو عليهما أحد وأيد لهما مكان الغلام آخر خيرا منه وأبر بوالديه {وأقرب رحما}، {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما} فسمعنا أن ذلك الكنز كان علما فورثا ذلك العلم). [الدر المنثور: 9/620-623] (م)

تفسير قوله تعالى: (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عباس قال لما اقتص موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد وقد سجى عليه ثوبه فسلم عليه موسى فكشف الرجل عن وجهه فرد عليه السلام ثم قال له من أنت قال أنا موسى قال صاحب بني إسرائيل قال نعم قال أو ما كان لك في بني إسرائيل شغل قال بلى ولكن أمرت أن آتيك وأصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} كما قص الله حتى بلغ {إذا ركبا في السفينة خرقها} قال موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} يقول نكرا {قال لا تأخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} {فانطلقا حتى إذا لقيا غلما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} قال معمر قال الحسن تائبة قال أبو إسحاق في حديثه لقد جئت شيئا نكرا حتى بلغ {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}). [تفسير عبد الرزاق: 1/406] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا يزعم أن موسى ليس بصاحب الخضر فقال كذب عدو الله أخبرنا أبي بن كعب عن رسول الله أن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فقيل له أي الناس أعلم فقال أنا فعتب عليه الله إذ لم يرد العلم إلى الله فقال الله بلى عبد لي عند مجمع البحرين قال ربي وكيف به قال تأخذ حوتا فجعله في مكتل حيث يفارقك الحوت فهو ثم قال فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق هو وفتاه يمشيان قال لفتاه حيث يفارقك الحوت فآذني حتى إذا أتيا الصخرة رقد موسى فاضطرب الحوت في المكتل فخرج ووقع في الماء فأمسك الله عنه جرية الماء مثل الطوق ومد إبهامه والتي تليها وفتحها قال فنسي أن يخبره قال فانطلقا حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال ولم يجد النصب حتى جاوز حيث أمره الله {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} حتى بلغ {في البحر عجبا} {قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال يقصان آثارهما حتى أتيا الصخرة فإذا هما برجل مسجى عليه الثوب فسلم موسى فرد عليه وقال وأني بأرضك من سلام قال من أنت قال أنا موسى قال أموسى بني إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال وما يكفيك أن التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك قال أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه {أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} حتى بلغ {ولا أعصي لك أمرا} قال فانطلقا يمشيان على الساحل فعرف الخضر فحمل بغير نول فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر من الماء قال ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر قال فبينا هم في السفينة لم يفجأ موسى إلا وهو يريد أو إذا هو يريد أن يخرقها قال حسبت أنه قال وتد فيها وتدا فقال حملنا بغير نول وتريد أن تخرقها وتغرق أهلها إلى {ولا ترهقني من أمري عسرا} فكانت الأولى نسيانا {لا تؤاخذني بما نسيت} فخرجا حتى لقيا غلاما يلعب مع الغلمان فقال بيده هكذا كأنه احتز رأسه فقطع رأسه فقال له {أقتلت نفسا زكية بغير نفس} إلى قوله {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} وقال بيده هكذا وعدله بيده فقال له موسى لم يضيفونا و{لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك} قال النبي وددنا أن موسى صبر قال عمرو كان ابن عباس يقرأ (أما الغلام فكان كافرا) وكان يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا)). [تفسير عبد الرزاق: 1/408-410] (م)
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، وعمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إنّا لعند ابن عبّاسٍ في بيته، إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عبّاسٍ، جعلني اللّه فداءك، بالكوفة رجلٌ قاصٌّ يقال له: نوفٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل، أمّا عمرٌو فقال لي: قال: قد كذب عدوّ اللّه، وأمّا يعلى فقال لي: قال ابن عبّاسٍ، حدّثني أبيّ بن كعبٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: " موسى رسول اللّه عليه السّلام، قال: ذكّر النّاس يومًا حتّى إذا فاضت العيون، ورقّت القلوب، ولّى فأدركه رجلٌ فقال: أي رسول اللّه، هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه، قيل: بلى، قال: أي ربّ، فأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي ربّ، اجعل لي علمًا أعلم ذلك به - فقال لي عمرٌو - قال: حيث يفارقك الحوت - وقال لي يعلى - قال: خذ نونًا ميّتًا، حيث ينفخ فيه الرّوح، فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ، فقال لفتاه: لا أكلّفك إلّا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلّفت كثيرًا فذلك قوله جلّ ذكره: {وإذ قال موسى لفتاه} [الكهف: 60] يوشع بن نونٍ - ليست عن سعيدٍ - قال: فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان، إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ، فقال فتاه: لا أوقظه حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر، فأمسك اللّه عنه جرية البحر، حتّى كأنّ أثره في حجرٍ - قال لي عمرٌو: هكذا كأنّ أثره في حجرٍ، وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما - {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} [الكهف: 62] ، قال: قد قطع اللّه عنك النّصب - ليست هذه عن سعيدٍ أخبره - فرجعا فوجدا خضرًا - قال لي عثمان بن أبي سليمان - على طنفسةٍ خضراء، على كبد البحر - قال سعيد بن جبيرٍ - مسجًّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضي من سلامٍ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا، قال: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك يا موسى، إنّ لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر، وقال: واللّه ما علمي وما علمك في جنب علم اللّه إلّا كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر، حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغارًا، تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصّالح - قال: قلنا لسعيدٍ: خضرٌ؟ قال: نعم - لا نحمله بأجرٍ، فخرقها ووتد فيها وتدًا، قال موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إمرًا} [الكهف: 71]- قال مجاهدٌ: منكرًا - (قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا) ، كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا، والثّالثة عمدًا، {قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} [الكهف: 73] ، لقيا غلامًا فقتله - قال يعلى: قال سعيدٌ: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين - {قال: أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ} [الكهف: 74] لم تعمل بالحنث - وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً (زاكيةً) : مسلمةً كقولك غلامًا زكيًّا - فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ، فأقامه - قال سعيدٌ بيده هكذا، ورفع يده فاستقام، قال يعلى: حسبت أنّ سعيدًا قال: فمسحه بيده فاستقام - {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77]- قال سعيدٌ: أجرًا نأكله - {وكان وراءهم} [الكهف: 79] وكان أمامهم - قرأها ابن عبّاسٍ: أمامهم ملكٌ، يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ - {ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا} [الكهف: 79] ، فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها - ومنهم من يقول: سدّوها بقارورةٍ، ومنهم من يقول بالقار - {كان أبواه مؤمنين} وكان كافرًا {فخشينا أن يرهقهما طغيانًا، وكفرًا} [الكهف: 80] أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه، (فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيرًا منه زكاةً) لقوله: {أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] {وأقرب رحمًا} [الكهف: 81] هما به أرحم منهما بالأوّل، الّذي قتل خضرٌ - وزعم غير سعيدٍ: أنّهما أبدلا جاريةً، وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال: عن غير واحدٍ: إنّها جاريةٌ - "). [صحيح البخاري: 6/89-91] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله لقد جئت شيئا أمرا قال مجاهد منكرا هو من رواية بن جريجٍ عن مجاهدٍ وقيل لم يسمع منه وقد أخرجه عبد بن حميدٍ من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد مثله وروى بن أبي حاتمٍ من طريق خالد بن قيسٍ عن قتادة في قوله إمرًا قال عجبًا ومن طريق أبي صخرٍ في قوله إمرًا قال عظيمًا وفي رواية الرّبيع بن أنسٍ عند بن أبي حاتمٍ أنّ موسى لمّا رأى ذلك امتلأ غضبًا وشدّ ثيابه وقال أردت إهلاكهم ستعلم أنّك أوّل هالكٍ فقال له يوشع ألا تذكر العهد فأقبل عليه الخضر فقال ألم أقل لك فأدرك موسى الحلم فقال لا تؤاخذني وإنّ الخضر لمّا خلصوا قال لصاحب السّفينة إنّما أردت الخير فحمدوا رأيه وأصلحها اللّه على يده قوله كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا والثّالثة عمدًا في رواية سفيان قال وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانت الأولى من موسى نسيانًا ولم يذكر الباقي وروى بن مردويه من طريق عكرمة عن بن عبّاسٍ مرفوعًا قال الأولى نسيانٌ والثّانية عذرٌ والثّالثة فراق وعند بن أبي حاتمٍ من طريق الرّبيع بن أنسٍ قال قال الخضر لموسى إن عجلت عليّ في ثلاثٍ فذلك حين أفارقك وروى الفرّاء من وجهٍ آخر عن أبيّ بن كعبٍ قال لم ينس موسى ولكنّه من معاريض الكلام وإسناده ضعيفٌ والأوّل هو المعتمد ولو كان هذا ثابتًا لاعتذر موسى عن الثّانية وعن الثّالثة بنحو ذلك). [فتح الباري: 8/418-419] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أنّ ابن جريج أخبرهم قال أخبرني يعلى بن مسلمٍ وعمرو بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيدٍ قال إنّا لعند بن عبّاسٍ في بيته إذ قال سلوني قلت أي أبا عباسٍ جعلني الله فداءك بالكوفة رجلٌ قاص يقال له نوفٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل أمّا عمروٌ فقال لي قال قد كذب عدوّ الله وأمّا يعلى فقال لي قال ابن عبّاس حدّثني أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى رسول الله عليه السّلام قال ذكّر النّاس يوماً حتّى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى فأدركه رجلٌ فقال أي رسول الله هل في الأرض أحدٌ أعلم منك قال لا فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله قيل بلى قال أي ربّ فأين قال بمجمع البحرين قال أي ربّ اجعل لي أعلم علماً ذالك به فقال لي عمروٌ قال حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى خذ نوناً ميّتاً حيث ينفخ فيه الرّوح فأخذ حوتاً فجعله في مكتلٍ فقال لفتاه لا أكلّفك إلاّ أن تخبرني حيث يفارقك الحوت قال ما كلّفت كثيراً فذالك قوله جلّ ذكره وإذ قال موسى لفتاه يوشع بن نونٍ ليست عن سعيدٍ قال فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه لا أوقظه حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبرة وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتّى كأنّ أثره في حجر قال لي عمروٌ هاكذا كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما لقد لقينا من سفرنا هاذا نصباً قال قد قطع الله عنك النّصب ليست هاذه عن سعيدٍ أخبره فرجعا فوًّجدا خضراً قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر قال سعيد بن جبيرٍ مسجّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال هل بأرضي من سلامٍ من أنت قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشداً قال أما يكفيك أن التّوراة بيديك وأنّ الوحي يأتيك يا موسى إنّ علماً لا ينبغي لك أن تعلمه وإنّ لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر وقال والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلاّ كما أخذ هاذا الطّائر بمنقاره من البحر حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل هاذا السّاحل إلى أهل هاذا السّاحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله الصّالح قال قلنا لسعيدٍ خضرٌ قال نعم لا نحمله بأجرٍ فخرقها ووتد فيها وتداً قال موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال مجاهدٌ منكراً قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً كانت الأولى نسياناً والوسطى شرطاً والثّانية عمداً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً لقيا غلاماً فقتله قال يعلى قال سعيدٌ وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين قال أقتلت نفساً زكيّةً بغير نفسٍ لم تعمل بالحنث وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً زاكيةً مسلمةً كقولك غلاماً زاكياً فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه قال سعيدٌ بيده هاكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى حسبت أنّ سعيداً قال فمسحه بيده فاستقام لو شئت لاتّخذت عليه أجراً قال سعيدٌ أجراً نأكله وكان وراءهم وكان أمامهم قرأها ابن عبّاسٍ أمامهم ملكٌ يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصباً فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدّوها بقارورةٍ ومنهم من يقول بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافراً فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً لقوله أقتلت نفساً زكيّةً وأقرب رحماً هما به أرحم منهما بالأوّل الّذي قتل خضرٌ وزعم غير سعيدٍ أنّهما أبدلا جاريةً وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال عن غير واحدٍ إنّها جاريةٌ..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة لأنّه في توضيحها، وهو طريق آخر برواية آخرين وبزيادة ونقصان في المتن أخرجه عن إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الفراء الرّازيّ المعروف بالصغير، عن هشام بن يوسف الصّنعانيّ قضينها عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن يعلى، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللّام وبالقصر: ابن مسلم بلفظ إسم الفاعل من الإسلام ابن هرمز إلى آخره.
قوله: (يزيد أحدهما على صاحبه) أي: أحد المذكورين وهما: يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار فقط، وهو أحد شيخي ابن جريج فيه، وهنا ابن جريج يروي عن يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار. قوله: (وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد) ، هذا من كلام ابن جريج، أي: غير يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار قد سمعته يحدث هذا الحديث عن سعيد بن جبير، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله: (وغيرهما) وهو: عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم القرشي المكّيّ رضي الله عنه، فإن قلت: كيف إعراب هذا؟ قلت: (غيرهما) مبتدأ، وقوله: (قد سمعته) جملة وقعت خبرا، والضّمير المنصوب فيه يرجع إلى لفظ: غير، وقوله: (يحدثه) جملة وقعت حالا، ووقع في رواية الكشميهني: يحدث، بحذف الضّمير المنصوب. قوله: (عن سعيد) ، أي: سعيد بن جبير رضي الله عنه. قوله: (لعند ابن عبّاس) ، اللّام فيه مفتوحة للتّأكيد أي: قال سعيد بن جبير: أنا كنت عند عبد الله بن عبّاس حال كونه في بيته. قوله: (أي أبا عبّاس) ، أي: يا أبا عبّاس! وأبو عبّاس كنية عبد الله بن عبّاس. قوله: (بالكوفة رجل قاص) ، هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: إن بالكوفة رجلا قاصا، والقاص بتشديد الصّاد الّذي يقص النّاس الأخبار من المواعظ وغيرها. قوله: (أما عمرو فقال لي: كذب عدو الله) أراد أن ابن جريج قال: أما عمرو بن دينار فإنّه قال لي في روايته، قال ابن عبّاس: كذب عدو الله، وأشار بهذا إلى أن هذه الكلمة لم تقع في رواية يعلى ابن مسلم، ولهذا قال: وأما يعلى، أي ابن مسلم الرّاوي، فإنّه قال لي: قال ابن عبّاس إلى آخره. قوله: (ذكر النّاس) ، بتشديد الكاف من التّذكير. قوله: (ولى) ، أي: رجع إلى حاله. قوله: (فقال: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: يا رسول الله، قاله لموسى عليه الصّلاة والسّلام. قوله: (قيل: بلى) ، أي: بلى في الأرض أحد أعلم منك، وفي رواية مسلم: (إن في الأرض رجلا هو أعلم منك) ، ووقع في رواية سفيان: فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، وعلم من هاتين الروايتن أن القائل في قوله: بلى، هو الله تعالى فأوحى الله إليه بذلك. قوله: (أي رب، فأين؟) يعني: يا رب أين هو؟ في أي مكان؟ وفي رواية سفيان: يا رب، فكيف لي به؟ وفي رواية النّسائيّ: فأدلني على هذا الرجل حتّى أتعلم منه. قوله: (علما) ، بفتح العين واللّام، أي: علامة. قوله: (أعلم ذلك به) ، أي: أعلم المكان الّذي أطلبه بالعلم. قوله: (فقال لي عمرو) ، القائل هو ابن جريج الرّاوي، أي: قال لي عمرو بن دينار. قوله: (حيث يفارقك الحوت) ، أي: العلم على ذلك المكان الّذي يفارقك فيه الحوت، ووقع ذلك مفسرًا في رواية سفيان عن عمرو، وقال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمّ. قوله: (قال لي) ، يعني: القائل هو ابن جريج، أي: قال لي يعلى بن مسلم في روايته: خذ نوناً أي حوتاً، ولفظ: نوناً، وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: حوتاً، وفي رواية مسلم: تزود حوتاً مالحاً فإنّه حيث تفقد الحوت. قوله: (حيث ينفخ فيه) ، أي: في النّون (الرّوح) يعني حيث تفقده في المكان الّذي يحيى الحوت. قوله: (فأخذ نوناً) أي: فأخذ موسى حوتاً، ووقع في رواية ابن أبي حاتم أن موسى ويوشع فتاه اصطاداه. قوله: (فقال لفتاه) ، وهو يوشع بن نون. قوله: (ما كلفت كثيرا) بالثاء المثلّثة، وفي رواية الكشميهني بالباء الموحدة. قوله: (ليست عن سعيد، القائل به هو ابن جريج، أراد بذلك أن تسمية الفتى ليست عن رواية سعيد ابن جبير. قوله: (ثريان) ، بفتح الثّاء المثلّثة وسكون الرّاء وتخفيف الياء آخر الحروف على وزن فعلان من الثرى، وهو التّراب الّذي فيه نداوة. قوله: (تضرب) أي: اضطرب، وفي رواية سفيان: واضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر وفي رواية مسلم فاضطرب الحوت في الماء. قوله: (وموسى نائم) جملة حالية. قوله: (حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبره) ، فيه حذف تقديره: حتّى إذا استيقظ سار فنسي. قوله: (في حجر) ، بفتح الحاء المهملة والجيم ويروى بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهو أوضح، قوله: (قال لي عمرو) ، القائل هو ابن جريج، أي: قال لي عمرو بن دينار. قوله: (واللتين تليانهما) ، يعني: السبابتين، وهكذا وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: وحلق بين إبهاميه فقط. قوله: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) ، وقع هنا مختصرا، وفي رواية سفيان: فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما حتّى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من فرنا هذا نصبا. قوله: قال: قد قطع الله عنك النصب، هذا من قول ابن جريج وليست هذه اللّفظة عن سعيد بن جبير. قوله: (أخبره) ، بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الباء الموحدة والرّاء وهاء الضّمير، هكذا في رواية من الإخبار، قال بعضهم: أي: أخبر الفتى موسى بالقصة قلت: ما أظن أن هذا المعنى صحيح، والّذي يظهر لي أن المعنى نفي الإخبار عن سعيد بهذه اللّفظة لمن روى عنه، وفي رواية لأبي ذر آخره بهمزة ومعجمة وراء وهاء، وفي أخرى بمد الهمزة وكسر الخاء وفتح الرّاء بعدها هاء الضّمير أي: إلى آخر الكلام. وفي أخرى بفتحات وتاء تأنيث منونة منصوبة، قال لي عثمان بن أبي سليمان: القائل ابن جريج، يقول: قال لي عثمان، وقد مرت ترجمته عن قريب. قوله: (على طنفسة) ، وهي فرش صغير، وقيل: بساط له خمل، وفيها لغات كسر الطّاء والفاء بينهما نون ساكنة، وضم الطّاء والفاء وكسر الطّاء وفتح الفاء. قوله: (على كبد البحر) ، أي: على وسطه، وهذه الرّواية القائلة بأنّه كان في وسط البحر، غريبة. قوله: (هل بأرضي من سلام) ، وفي رواية الكشميهني: (هل بأرض) . قوله: (ما شأنك؟) أي: ما الّذي تطلب ولما جئت؟ قوله: (رشدا) ، قرأ أبو عمرو بفتحتين والباقون كلهم بضم أوله وسكون ثانيه، والجمهور على أنّهما بمعنى. قوله: (معابر) ، جمع معبرة وهي السفن الصغار. قوله: (خضرًا) ، أي: هو خضر. قوله: (قالوا: هذا لسعيد بن جبير، قال: نعم، قيل: القائل بذلك يعلى بن مسلم، والله أعلم. قوله: (ووتدها) بفتح الواو وتشديد التّاء المثنّاة من فوق أي: جعل فيها وتداً، وفي رواية سفيان: قلع لوحاً بالقدوم، والجمع بين الرّوايتين أنه: قلع اللّوح وجعل مكانه وتداً، وروى عبد بن حميد من رواية ابن المبارك عن ابن جريج عن يعلى بن مسلم: جاء بودحين خرقها، والود بفتح الواو وتشديد الدّال لغة في: الوتد قلت: الوتد إنّما كان للإصلاح ودفع نفوذ الماء، وفي رواية أبي العالية: فحرق السّفينة فلم يره أحد إلاّ موسى. ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين ذلك. قوله: (قال مجاهد منكرا) ، وصل ابن المنذر: هذا التّعليق عن عليّ بن المبارك عن زيد بن ثور عن ابن جريج عن مجاهد. قوله: (نسيانا) ، حيث قال: لا تؤاخذوني بما نسيت، وشرطاً حيث قال: إن سألتك عن شيء بعدها، وعمدا حيث قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قوله: (لقيا غلاما) في رواية سفيان: فبينما هما يمشيان على ساحل البحر إذا أبصر الخضر غلاما. قوله: (قال يعلى) ، هو يعلى بن مسلم الرّاوي وسعيد هو ابن جبير. قوله: (ثمّ ذبحه بالسكين) ، فإن قلت: قال أولا: فقتله، ثمّ قال: فذبحه، وفي رواية سفيان: فاقتلعه بيده. قلت: لا منافاة بينهما لأنّه لعلّه قطع بعضه بالسكين ثمّ قلع الباقي والقتل يشملهما. قوله: (لم يعمل بالحنث) ، بكسر الحاء المهملة وسكون النّون وبالثاء المثلّثة وهو الإثم والمعصية. قوله: (قرأها) كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: وكان ابن عبّاس يقرؤها: زكية، وهي قراءة الجمهور، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: زاكية. قوله: (مسلمة) ، بضم الميم وسكون السّين وكسر اللّام عند الأكثرين، ولبعضهم بفتح السّين وتشديد اللّام المفتوحة. قوله: (فانطلقا) ، أي: موسى وخضر عليهما السّلام. قوله: (يزعمون عن غير سعيد) ، القائل بهذا هو ابن جريج، ومراده أن إسم الملك الّذي كان يأخذ السفن لم يقع في رواية سعيد بن جبير، وعزاه ابن خالويه في كتاب: (ليس) لمجاهد. قوله: (هدد) بضم الهاء وحكى ابن الأثير فتحها والدّال مفتوحة بلا خلاف. قوله: (بدد) ، بفتح الباء الموحدة، وقال الكرماني بضم الباء والدّال مفتوحة، وزعم ابن دريد أن هدد اسم ملك من ملوك حمير زوجه سليمان بن داود عليهما السّلام، بلقيس. قيل: إن ثبت هذا حمل على التّعدّد والاشتراك في الإسم لبعد ما بين مدّة سليمان وموسى عليهما السّلام، وجاء في تفسير مقاتل: أن اسمه منولة بن الجلندي بن سعيد الأزديّ، وقيل: هو الجلندي، وكان بجزيرة الأندلس. قوله: (والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور) ، القائل بذلك هو ابن جريج، وجيسور، بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وضم السّين المهملة، كذا هو في رواية عن أبي ذر، وفي رواية أخرى له عن الكشميهني بفتح الهاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وكذا في رواية ابن السكن، وفي رواية القابسيّ بنون بدل الياء آخر الحروف، وعند عبدوس بنون بدل الرّاء، وعن السّهيلي أنه رآه في نسخة بفتح المهملة والموحّدة ونونين الأولى مضمومة بينهما الواو الساكنة، وفي تفسير الضّحّاك: اسمه حشرد، وفي تفسير الكلبيّ: اسم الغلام شمعون. قوله: (يأخذ كل سفينة غصبا) ، وفي رواية النّسائيّ: كل سفينة صالحة، وفي رواية إبراهيم بن بشار عن سفيان، وكان ابن مسعود يقرأ: كل سفينة صحيحة غصبا. قوله: (فأردت إذا هي مرت به أن يدعها) ، أي: أن يتركها لأجل عيبها، وفي رواية النّسائيّ: فأردت أن أعيبها حتّى لا يأخذها. قوله: (فإذا جاوزوا) أي: عدوا عن الملك أصلحوها، وفي رواية النّسائيّ: فإذا جاوزوه رقعوها. قوله: (بقارورة) ، بالقاف وهي: الزّجاج، وقال الكرماني: كيفيّة السد بالقارورة غير معلومة، ثمّ وجهه بوجهين: أحدهما: أن تكون قارورة بقدر الموضع المخروق فتوضع فيه، والآخر: يسحق الزّجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به، وقال بعضهم، بعد أن ذكر الوجه الثّاني: فيه بعد. قلت: لا بعد فيه، لأنّه غير متعذر ولا متعسر، والبعد في الّذي قاله هو أن القارورة فاعولة من القار. قوله: (بالقار) ، بالقاف والرّاء وهو الزفت، وهذا أقرب من القول الأول. قوله: (كان أبواه) أي: أبوا الغلام. قوله: (أن يرهقهما) أي: يلحقهما. وقوله: (فخشينا) إلى قوله: (من دينه) من تفسير ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير. انتهى. قوله: (أن يحملهما) ، يجوز أن يكون بدلا من قوله: (أن يرهقهما) ويجوز أن يكون التّقدير: بأن يحملهما. وقوله: (حبه) بالرّفع فاعله. قوله: (خيرا منه) أي: من الغلام المقتول. قوله: (زكاة) نصب على التميز، وإنّما ذكرها للمناسبة بينها وبين قوله: (نفسا زكية) أشار إلى ذلك بقوله: {أقتلت نفسا زكية} (الكهف: 74) ولما وصف موسى نفس الغلام بالزكية وذكر الله تعالى بقوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} (الكهف: 81) وفي التّفسير قوله: (زكاة) أي صلاحاً وإسلاماً ونماء. قوله: (وأقرب رحما) قال الثّعلبيّ: من الرّحم والقرابة، وقيل: هو من الرّحمة، وعن ابن عبّاس: أوصل للرحم وأبر بوالديه، وعن الفراء: أقرب أن يرحماه، وقيل: من الرّحم، بكسر الحاء أشد مبالغة من الرّحمة الّتي هي رقة القلب والتعطف لاستلزام القرابة، الرقة غالبا من غير عكس، وقال الكرماني: وظن بعضهم أنه مشتقّ من الرّحم الّذي هو الرّحمة، وغرضه أنه يعني القرابة لا الرقة، وعند البعض بالعكس. قوله: (هما به أرحم منهما بالأول) ، أي: الأبوان المذكوران به أي: بالّذي يبدل من المقتول أرحم منهما بالأول، وهو المقتول. قوله: (وزعم غير سعيد من قول ابن جريج) ، أي: زعم غير سعيد بن جبير أنّهما أي الأبوين أبدلا جارية بدل المقتول، وروي عن سعيد أيضا: أنّها جارية، على ما جاء وفي رواية النّسائيّ من طريق ابن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: أبدلهما جارية فولدت نبيا من الأنبياء، وفي رواية الطّبرانيّ: ببنين، وعن السّديّ: ولدت جارية، فولدت نبيا، وهو الّذي كان بعد موسى، فقالوا له: إبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، واسم هذا النّبي شمعون، واسم أمه حنة. فإن قلت: روى ابن مردويه من حديث أبي بن كعب أنّها ولدت غلاما. قلت: إسناده ضعيف، وفي تفسير ابن الكلبيّ: ولدت جارية ولدت عدّة أنبياء فهدى الله بهم أمماً، وقيل: عدّة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيا. قوله: (وأما داود بن أبي عاصم) إلى آخره من قول ابن جريج أيضا، وداود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثّقفيّ ثقة من صغار التّابعين، وله أخ يسمى: يعقوب، هو أيضا ثقة من التّابعين). [عمدة القاري: 19/43-47] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ، أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، وعمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيدٍ قال: إنّا لعند ابن عبّاسٍ في بيته إذ قال: سلوني؟ قلت: أي أبا عبّاسٍ -جعلنى اللّه فداك- بالكوفة رجلٌ قاصٌّ يقال له نوقٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل أمّا عمرٌو فقال لي قال: قد كذب عدوّ اللّه وأمّا يعلى فقال لي قال ابن عبّاسٍ: حدّثني أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- «موسى رسول اللّه - عليه السّلام - قال: ذكّر النّاس يومًا حتّى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى فأدركه رجلٌ فقال: أي رسول اللّه هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه قيل: بلى، قال: أي ربّ فأين؟ قال بمجمع البحرين، قال: أي ربّ اجعل لي علمًا أعلم ذلك به -فقال لي عمرٌو:- فقال لي عمروٌ: حيث يفارقك الحوت -وقال لي يعلى: قال: «خذ نونًا ميّتًا حيث ينفخ فيه الرّوح فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ فقال: لفتاه لا أكلّفك إلاّ أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال: ما كلّفت كثيرًا؟ فذلك قوله جلّ ذكره {وإذ قال موسى} لفتاه يوشع بن نونٍ" ليست عن سعيدٍ قال: "فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه: لا أوقظه حتّى إذا استيقظ فنسى أن يخبره وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك اللّه عنه جرية البحر حتّى كأنّ أثره في حجرٍ- قال لي عمرٌو هكذا كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما "لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، قال: قد قطع اللّه عنك النّصب" -ليست هذه عن سعيدٍ أخبره- "فرجعا فوجدا خضرًا" قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر -قال سعيد بن جبيرٍ- "مسجًّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلامٍ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا قال: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك وأنّ الوحي يأتيك يا موسى إنّ لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر وقال: واللّه ما علمي وما علمك في جنب علم اللّه إلاّ كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصّالح قال: قلنا لسعيدٍ خضرٌ قال: نعم لا نحمله بأجرٍ فخرقها ووتد فيها وتدًا قال موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا} "قال مجاهدٌ: منكرًا، " {قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا} كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا والثّالثة عمدًا، " {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} {لقيا غلامًا فقتله} قال يعلى قال سعيدٌ: "وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين قال: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ} [الكهف: 74] لم تعمل بالحنث؟ وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً. زاكيةً - مسلمةً " {فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه} " [الكهف: 77] قال سعيدٌ بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى: حسبت أنّ سعيدًا قال "فمسحه بيده فاستقام {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77] قال سعيدٌ أجرًا نأكله {وكان وراءهم} وكان أمامهم قرأها ابن عبّاسٍ أمامهم ملكٌ يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بددٍ والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ {ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا فأردت} [الكهف: 79] إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول: سدّوها بقارورةٍ ومنهم من يقول: بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافرًا فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا لقوله: {أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] وأقرب رحمًا هما به أرحم منهما بالأوّل الّذي قتل خضرٌ وزعم غير سعيدٍ أنّهما أبدلا جاريةً وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال عن غير واحدٍ إنّها جاريةٌ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الصغير الرازي قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) اليماني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى بن مسلم) بن هرمز المكي البصري الأصل (وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه) قال الحافظ ابن حجر: فتستفاد زيادة أحدهما على الآخر من الإسناد الذي قبله فإن الأوّل من رواية سفيان عن عمرو بن دينار فقط وهو أحد شيخي ابن جريج فيه (وغيرهما) هو من كلام ابن جريج أي وغير يعلى وعمرو (قد سمعته) حال كونه (يحدثه) أي يحدث الحديث المذكور (عن سعيد) وكان الأصل أن يقول يحدث به لكنه عداه بغير الباء، ولأبي ذر عن الكشميهني يحدث بحذف الضمير المنصوب، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله وغيرهما كعثمان بن أبي سليمان، وروى شيئًا من هذه القصة عن سعيد بن جبير من مشايخ ابن جريج عبد الله بن عثمان بن خثيم وعبد الله بن هرمز وعبد الله بن عبيد بن عمير، وممن روى هذا الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السبيعي وروايته عند مسلم وأبي داود وغيرهما والحكم بن عتيبة وروايته في السيرة الكبرى لابن إسحاق كما نبه على ذلك في الفتح وفي رواية أبي ذر عن سعيد بن جبير أنه (قال: إنا لعند ابن عباس) حال كونه (في بيته) واللام في لعند للتأكيد (إذ قال: سلوني) قال سعيد بن جبير (قلت أي أبا عباس) يعني يا أبا عباس وهي كنية عبد الله بن عباس (جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص) بتشديد الصاد المهملة يقص على الناس الأخبار من المواعظ وغيرها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن بالكوفة رجلًا قاصًّا (يقال له نوف) بفتح النون وسكون الواو آخره فاء منونًا منصرفًا في الفصحى بطن من العرب وعلى تقدير أن يكون أعجميًّا فمنصرف نوح لسكون وسطه واسمه فضالة وهو ابن امرأة كعب الأحبار (يزعم أنه) أي موسى صاحب الخضر (ليس بموسى بن إسرائيل) المرسل إليهم والباء زائدة للتوكيد وأضيف إلى بني إسرائيل مع العلمية لأنه نكر بأن أول بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه قال ابن جريج (أما عمرو) يعني ابن دينار (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال) أي ابن عباس (قد كذب عدوّ الله) يعني نوفًا وسقط لأبي ذر قال قد (وأما يعلى) بن مسلم (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال ابن عباس حدثني) بالإفراد (أبي بن كعب قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-): هو (موسى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) وفي الفرع أصله عليه السلام (قال ذكر الناس يومًا) بتشديد الكاف من التذكير أي وعظهم (حتى إذا فاضت العيون) بالدموع (ورقت القلوب) لتأثير وعظه في قلوبهم (ولى) تخفيفًا لئلا يملوا وهذا ليس في رواية سفيان فظهر أنه من رواية يعلى بن مسلم عن عمرو وقال العوفي عن ابن عباس فيما ذكره ابن كثير لما ظهر موسى وقومه على مصر أمره الله أن يذكرهم بأيام الله فخطبهم فذكرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوّهم وقال كلم الله موسى نبيكم تكليمًا واصطفاه لنفسه وأنزل عليه محبة منه وآتاكم من كل ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض (فأدركه رجل) لم يسم (فقال) موسى (أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا).
فإن قلت: هل بين هذا وبين قوله في رواية سفيان السابقة هنا فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فرق؟ أجيب بأن بينهما فرقًا لأن رواية سفيان تقتضي الجزم بالأعلمية له وهذه تنفي الأعلمية عن غيره عليه فيبقى احتمال المساواة قاله في الفتح.
(فعتب) بفتح العين (عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله) في الرواية السابقة وغيرها فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه على التقديم والتأخير (قيل بلى) زاد في رواية الحر بن قيس عبدنا خضر ولمسلم من رواية أبي إسحاق أن في الأرض رجلًا هو أعلم منك (قال) موسى (أي رب فأين) أي فأين أجده أو فأين هو وللنسائي فادللني على هذا الرجل حتى أتعلم منه ولأبي ذر وأين (قال بمجمع البحرين) بحري فارس والروم أو بحري الشرق والمغرب المحيطين بالأرض أو العذب والملح (قال) موسى (أي رب اجعل لي علمًا أعلم ذلك) المطلوب (منه) وفي نسخة به قال ابن جريج (فقال) ولأبي ذر قال (لي عمرو) هو ابن دينار (قال): العلم على ذلك المكان (حيث يفارقك الحوت) فإنك تلقاه (وقال لي يعلى) بن مسلم (قال: خذ نونًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي خذ حوتًا (ميتًا) ولمسلم في رواية أبي إسحاق فقيل له تزود حوتًا مالحًا فإنه حيث يفقد الحوت (حيث ينفخ فيه) أي في الحوت (الروح) بيان لقوله حيث يفارقك الحوت (فأخذ) موسى (حوتًا) ميتًا مملوحًا وقيل شق حوت مملح ولابن أبي حاتم أن موسى وفتاه اصطاداه (فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال) فتاه (ما كلفت) أي ما كلفتني (كثيرًا) بالمثلثة ولأبي ذر عن الكشميهني كبيرًا بالموحدة (فذلك قوله جل ذكره {وإذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون) بالصرف قال ابن جريج (ليست) تسمية الفتى (عن سعيد) هو ابن جبير (قال فبينما) بالميم (هو) أي موسى وفتاه تبع له (في ظل صخرة) حال كونه (في مكان ثريان) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة فتحتية مفتوحة وبعد الألف نون صفة لمكان مجرور بالفتحة لا ينصرف لأنه من باب فعلان فعلى أو منصوب حالًا من الضمير المستتر في الجار والمجرور ويجوز ثريانًا بالنصب حالًا كما مر وبالتنوين منصرفًا على لغة بني أسد لأنهم يصرفون كل صفة على فعلان ويؤنثونه بالتاء ويستغنون فيه بفعلاته عن فعلى فيقولون سكرانة وغضبانة فلم تكن الزيادة عندهم في فعلان شبيهة بألفي حمراء فلم تمنع من الصرف وفي بعض الأصول ثريان بالجر صفة لمكان وبالتنوين ما مر وهو من الثرى قال: في النهاية يقال مكان ثريان وأرض ثريى إذا كان في ترابهما بلل وندى (إذ تضرب الحوت) بضاد معجمة وراء مشددة تفعل أي اضطرب وتحرك إذ حيي في المكتل (و) الحال إن (موسى نائم) عند الصخرة (فقال فتاه) يوشع (لا أوقظه حتى إذا استيقظ) سار (فنسي) بالفاء ولغير أبي ذر نسي بحذفها (أن يخبره) بحياة الحوت (وتضرب الحوت) أي اضطرب سائرًا من المكتل (حتى دخل البحر) وفي نسخة في البحر (فأمسك الله عنه) عن الحوت (جرية البحر حتى كأن أثره) نصب بكأن (في حجر) بفتح الحاء والجيم خبرها.
قال ابن جريج: (قال لي عمرو) هو ابن دينار (هكذا كأن أثره في حجر) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء المفتوحة على كشط في الفرع مصححًا عليها وفي اليونينية وغيرها بتقديم المهملة وفتحهما وفي نسخة بالفرع وأصله حجر بجيم مضمومة فمهملة ساكنة قال ابن حجر وهي أوضح (وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما) يعني الوسطى والتي بعدها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي والتي ولأبي ذر أيضًا أخرة تليانهما بفتح الهمزة والخاء المعجمة والراء يعني الوسطي (لقد لقينا) فيه حذف اختصره وقع مبينًا في رواية سفيان فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا (من سفرنا هذا نصبًا) تعبًا ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به (قال) فتى موسى له: (فد قطع الله عنك النصب).
قال ابن جريج: (ليست هذه عن سعيد) هو ابن جبير (أخبره) بسكون المعجمة وموحدة مفتوحة من الإخبار أي أخبر يوشع موسى بقصة تضرب الحوت وفقده الذي هو علامة على وجود الخضر (فرجعا) في الطريق الذي جاءا فيه يقصان آثارهما قصصًا حتى انتهيا إلى الصخرة التي حيي الحوت عندها (فوجدا خضرًا) نائمًا في جزيرة من جزائر البحر.
قال ابن جريج: (قال لي عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم وهو ممن أخذ هذا الحديث عن سعيد بن جبير (على طنفسة خضراء) بكسر الطاء المهملة والفاء بينهما نون ساكنة ولأبي ذر طنفسة بفتح الفاء ويجوز ضم الطاء والفاء وكلها لغات أي فرش صغير أو بساط له خمل (على كبد البحر) أي وسطه وعند عبد بن حميد من طريق ابن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان قال: رأى موسى الخضر على طنفسة خضراء على وجه الماء وعند ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس أنه وجده في جزيرة في البحر (قال) ولأبي ذر فقال: (سعيد بن جبير) بالإسناد السابق (مسجى) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منونة أي مغطى كله (بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه) الآخر (تحت رأسه) وعند ابن أبي حاتم عن السدي فرأى الخضر وعليه جبة من صوف وكساء من صوف ومعه عصا قد ألقى عليها طعامه (فسلم عليه موسى فكشف) الثوب (عن وجهه) زاد مسلم في رواية أبي إسحاق وقال وعليكم السلام (وقال: هل بأرضي من سلام) لأنهم كانوا كفارًا أو كانت تحيتهم غير السلام ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني هل بأرض بالتنوين ثم قال الخضر لموسى (من أنت؟ قال: أنا موسى قال) له: (أموسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك)؟ أي ما الذي تطلب (قال: جئت) إليك (لتعلمني مما علمت رشدًا) أي علمًا ذا رشد (قال) الخضر يا موسى (أما يكفيك أن التوراة بيديك) بالتثنية (وأن الوحي يأتيك) من الله على لسان جبريل وهذه الزيادة ليست في رواية سفيان فالظاهر أنها من رواية يعلى بن مسلم (يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه) أي كله (وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه) أي كله وتقدير هذا ونحوه متعين كما قال في الفتح لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى للمكلف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي. وقال البرماوي كالكرماني: وإنما قال لا ينبغي لي أن أعلمه لأنه إن كان نبيًا فلا يجب عليه تعلم شريعة نبي آخر وإن كان وليًا فلعله مأمور بمتابعة نبي غيره وقوله يا موسى ثابت لأبي ذر عن الحموي ساقط لغيره (فأخذ طائر) عصفور (بمنقاره من البحر) ماء (وقال) بالواو ولأبي ذر فقال أي الخضر: (والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر).
وفي الرواية السابقة ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ولفظ النقص ليس على ظاهره، وإنما معناه أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما أخذه العصفور بمنقاره إلى ماء البحر وهذا على التقريب إلى الإفهام وإلاّ فنسبة علمهما إلى علم الله أقل.
وروى النسائي من وجه آخر عن ابن عباس أن الخضر قال لموسى أتدري ما يقول هذا الطائر؟ قال: لا. قال: يقول ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا مثل ما نقص منقاري من جميع هذا البحر وظاهر هذه الرواية كما في الفتح أن الطائر نقر في البحر عقب قول الخضر لموسى يا موسى إن لي علمًا. وفي رواية سفيان أن ذلك وقع بعد ما خرق السفينة فيجمع بأن قوله فأخذ طائر بمنقاره معقب بمحذوف وهو ركوبهما السفينة لتصريح سفيان بذكر السفينة.
(حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فراء غير منصرف أي سفنًا (صغارًا) قال في الفتح وجدا معابر تفسير لقوله ركبا في السفينة لا جواب إذا لأن وجودهما المعابر كان قبل ركوبهما السفينة وقال ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس فيما ذكره ابن كثير في تفسيره فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها (تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه) أي أهل السفينة عرفوا الخضر (فقالوا) هو (عبد الله الصالح قال): يحتمل أن يكون القائل يعلى بن مسلم (قلنا لسعيد) هو ابن جبير (خضر) أي هو خضر (قال: نعم) هو خضر (لا نحمله بأجر) أي بأجرة (فخرقها) بأن قلع لوحًا من ألواحها بالقدوم (ووتد فيها وتدًا) بتخفيف الفوقية الأولى مفتوحة وكسر الثانية مخففة ولأبي ذر وتد فيها بإسقاط الواو الأولى أي جعل فيها وتدًا مكان اللوح الذي قلعه (قال موسى) له: (أخرقتها لتغرق أهلها) اللام للعاقبة (لقد جئت شيئًا إمرًا).
(قال مجاهد) فيما رواه ابن جريج عنه في قوله إمرًا (منكرًا) ووصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه مثله قيل ولم يسمع ابن جريج من مجاهد (قال) الخضر: ({ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا}) أي لما ترى مني من الأفعال المخالفة لشريعتك لأني على علم من علم الله ما علمكه الله وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه قاله ابن كثير (كانت الأولى) في رواية سفيان قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وكانت بإثبات الواو (نسيانا) أي من موسى حيث قال لا تؤاخذني بما نسيت (والوسطى) حيث قال إن سألتك عن شيء بعدها (شرطًا، والثالثة) حيث قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا (عمدًا قال) موسى (لا تؤاخذني بما نسيت) أي تركت من وصيتك (ولا ترهقني من أمري عسرًا) أي لا تشدد علي ({لقيا غلامًا) في رواية سفيان السابقة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا ({فقتله}) الفاء للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال فالقتل تعقب اللقاء.
(قال يعلى) بن مسلم بالإسناد السابق (قال سعيد) هو ابن جبير (وجد) أي الخضر (غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا) منهم (كافرًا ظريفًا) بالظاء المعجمة (فأضجعه ثم ذبحه بالسكين) بكسر المهملة (قال) موسى منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بحذف الألف والتشديد وهي قراءة ابن عامر والكوفيين (بغير نفس لم تعمل بالحنث) بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة لأنها لم تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله زكية أي أقتلت نفسًا زكية لم تعمل الحنث بغير نفس ولأبي ذر لم تعمل الخبث بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين.
(وكان ابن عباس) ولأبي ذر وابن عباس (قرأها زكية) بالتشديد (زاكية) بالتخفيف والمشددة أبلغ لأن فعيلًا المحوّل من فاعل يدل على المبالغة كما مر (زاكية) أي (مسلمة) بضم الميم وكسر اللام (كقولك غلامًا زكيًّا) بالتشديد وهذا تفسير من الراوي وأطلق ذلك موسى على حسب ظاهر حال الغلام لكن قال البرماوي وفي بعضها مسلمة بفتح المهملة واللام المشددة قال السفاقسي وهو أشبه لأنه كان كافرًا (فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض) أن يسقط والإرادة هنا على سبيل المجاز (فأقامه) الخضر (قال سعيد) من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عنه (بيده) بالإفراد أي أقامه الخضر بيده (هكذا ورفع يده فاستقام. قال يعلى) بن مسلم (حسبت أن سعيدًا) يعني ابن جبير (قال فمسحه بيده) بالإفراد أيضًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بيديه بالتثنية (فاستقام)، وقيل دعمه بدعامة تمنعه من السقوط أو هدمه وبل طينًا وأخذ في بنائه إلى أن كمل وعاد كما كان وكلها حكايات حال لا تثبت إلا بنقل صحيح والذي دل عليه القرآن الإقامة لا الكيفية وأحسن هذه الأقوال أنه مسحه أو دفعه بيده فاعتدل لأن ذلك أليق بحال الأنبياء وكرامات الأولياء إلا أن يصح عن الشارع أنه هدمه وبناه فيصار إليه (لو شئت) أي قال موسى للخضر: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا كما في رواية سفيان لو شئت (لاتخذت) بتشديد التاء بعد وصل الهمزة (عليه) أي على تسوية الجدار (أجرًا قال سعيد أجرًا نأكله) أي جعلا نأكل به وإنما قال موسى: ذلك لأنه كان حصل له جهد كبير من فقد الطعام وخشى أن يختلط قوام البنية البشرية (وكان وراءهم) أي (وكان) ولأبي ذر وكان وراءهم ملك وكان (أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم ملك) وهي قراءة شاذة مخالفة للمصحف لكنها مفسرة كقوله من ورائه جهنم وقول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي = لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
قال أبو عليّ: إنما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة وكانت كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة والآية دالة على أن معنى وراء أمام لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم قال ابن جريج: (يزعمون عن غير سعيد) يعني ابن جبير (أنه) أي الملك الذي كان يأخذ السفن غصبًا اسمه (هدد بن بدد) بضم الهاء وفتح الدال الأولى وبدد بضم الموحدة وفتح الدال الأولى أيضًا مصروف ولأبي ذر بدد غير مصروف. وحكى ابن الأثير فتح هاء هدد وباء بدد قال الحافظ ابن كثير: وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة (الغلام) بغير واو وفي اليونينية والغلام (المقتول اسمه يزعمون جيسور) بجيم مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد الواو الساكنة راء، ولأبي ذر عن الكشميهني حيسور بالحاء بدل الجيم وعند القابسي حنسور بنون بدل التحتية وعند عبدوس حيسون بنون بدل الراء ({ملك يأخذ كل سفينة غصبًا}) وفي قراءة أبي كل سفينة صالحة غصبًا رواه النسائي وكان ابن مسعود يقرأ كل سفينة صحيحة غصبًا (فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا) أي جاوزوا الملك (أصلحوها فانتفعوا بها) وبقيت لهم (ومنهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار) وهو الزفت واستشكل التعبير بالقارورة إذ هي من الزجاج وكيف يمكن السد به فقيل يحتمل أن توضع قارورة بقدر الموضع المخروق فيه أو يسحق الزجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به وهذا قاله الكرماني. قال في الفتح: ولا يخفى بعده قال: وقد وجهت بأنها فاعولة من القار (كان أبواه) يعني الغلام المقتول (مؤمنين) بالتثنية للتغليب يريد أباه وأمه فغلب المذكر كالقمرين (وكان) هو (كافرًا) طبع على الكفر وهذا موافق لمصحف أبيّ وقوّة الكلام تشعر به لأنه لو لم يكن الولد كافرًا لم يكن لقوله وكان أبواه مؤمنين فائدة إذ لا مدخل لذلك في القصة لولا هذه الفائدة والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في تلك الشريعة واجبًا لأن أخذ الجزية لم يشرع إلا في شريعتنا وكان أبواه قد عطفا عليه.
(فخشينا أن يرهقهما) أي أن يغشاهما وعظم نفسه لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص بها إلا من هو من خواص الحضرة وقال بعضهم لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه وأضاف الرحمة في
قوله أراد ربك إلى الله تعالى وعند القتل عظم نفسه تنبيهًا على أنه من العظماء في علوم الحكمة، ويجوز أن يكون فخشينا حكاية لقول الله تعالى، والمعنى أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره وقال له اقتل الغلام لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يغشى الغلام الوالدين المؤمنين (طغيانًا وكفرًا) قال ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير معناه (أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه) فإن حب الشيء يعمي ويصم، وقال أبو عبيدة في قوله يرهقهما أي يغشاهما.
وقال قتادة فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فليرض المرء بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب وصح في الحديث "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له" (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه) أي أن يرزقهما بدله ولذا خيرًا منه (زكاة) طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة (وأقرب رحمًا) وذكر هذا مناسبة (لقوله: {أقتلت نفسًا زكية}) بالتشديد (وأقرب رحمًا) أي (هما) أي الأبوان (به) أي بالولد الذي سيرزقانه (أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر). وقيل رحمة وعطفًا على والديه، وسقط لأبي ذر وأقرب رحمًا واقتصر على واحدة منهما. قال ابن جريج (وزعم غير سعيد) أي ابن جبير (أنهما أبدلا جارية) مكان المقتول فولدت نبيًّا من الأنبياء رواه النسائي ولابن أبي حاتم من طريق السدي قال: ولدت جارية فولدت نبيًّا وهو الذي كان بعد موسى فقالوا له ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله واسم هذا النبي شمعون واسم أمه حنة. وفي تفسير ابن الكلبي فولدت جارية ولدت عدة أنبياء فهدى الله بهم أممًا وقيل عدة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيًّا وعند ابن مردويه من حديث أبيّ بن كعب أنها ولدت غلامًا لكن إسناده ضعيف كما قاله في الفتح قال ابن جريج.
(وأما داود بن أبي عاصم) أي ابن عروة الثقفي التابعي الصغير (فقال: عن غير واحد أنها جارية) وهذا هو المشهور وروي مثله عن يعقوب أخي داود مما رواه الطبري، وقال ابن جريج لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم ذكره ابن كثير وغيره ويستنبط من الحديث فوائد لا تخفى على متأمل فلا نطيل بها). [إرشاد الساري: 7/221-226] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (قال له موسى: {لا تؤاخذني بما نسيت}.
فاختلف أهل التّأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: كان هذا الكلام من موسى عليه السّلام للعالم معارضةً لا أنّه كان نسي عهده، وما كان تقدّم فيه إليه حين استصحبه بقوله: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا}
ذكر من قال ذلك.
- حدّثت عن يحيى بن زيادٍ، قال: حدّثني يحيى بن المهلّب، عن رجلٍ، عن المنهال، عن سعيد بن جبيرٍ، عن أبيّ بن كعبٍ الأنصاريّ، في قوله: {لا تؤاخذني بما نسيت} قال: لم ينس، ولكنّها من معاريض الكلام.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تؤاخذني بتركي عهدك، ووجّه معنى النّسيان: إلى التّرك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، {قال لا تؤاخذني بما نسيت} أي بما تركت من عهدك.
والصّواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذه بما نسي فيه عهده من سؤاله إيّاه عن وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه، وهو لعهده ذاكرٌ للصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، بأنّ ذلك معناه من الخبر، وذلك ما؛
- حدّثنا به أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم {لا تؤاخذني بما نسيت} قال: " كانت الأولى من موسى نسيانًا ".
وقوله: {ولا ترهقني من أمري عسرًا} يقول: لا تغشني من أمري عسرًا، يقول: لا يضيّق عليّك أمري معك، وصحبتي إيّاك). [جامع البيان: 15/338-339]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه: أن لي عبدا بمجمع البحرين وهو أعلم منك، قال موسى: يا رب كيف لي به قال: تأخذ معك حوتا تجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر {فاتخذ سبيله في البحر سربا} وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبرهه بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى {ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه، فقال موسى {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} فقال له الخضر {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا} يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبوا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، {لقد جئت شيئا إمرا} فقال: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسيانا قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمني وما علمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله فقال له موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: وهذه أشد من الأولى {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} قال: مائل فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} فقال: {هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما، قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين). [الدر المنثور: 9/577-579] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق آخر عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عباس جعلني الله فداءك بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل، قال: كذب عدو الله حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى، قيل: بلى، قال: أي رب فأين قال: بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علما أعلم به ذلك، قال: خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كثيرا، قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره.
وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر، قال موسى {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: قد قطع الله عنك النصب فرجعا فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى ثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكسف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام، من أنت قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم، قال: فما شأنك قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى إن لي علما لا ينبغي أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر فعرفوه فقالوا: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا، قال موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} كانت الأولى نسيانا والوسطة والثالثة عمدا {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} ووجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين فقال: {أقتلت نفسا زكية} لم تعمل الحنث، قال ابن عباس قرأها: {زكية} زاكية مسلمة كقولك: غلاما زكيا، {فانطلقا} {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} قال: بيده هكذا ورفع يده فاستقام {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} قال: أجر تأكله {وكان وراءهم ملك} قرأها ابن عباس وكان أمامهم ملك يزعمون مدد بن ندد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور {ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدوها بالقار (فكان أبواه مؤمنين) وكان كافرا {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا} أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر، وزعم غير سعيد أنهما أبدلا جارية). [الدر المنثور: 9/580-583] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس - وعنده نفر من أهل الكتاب - فقال بعضهم: إن نوفا يزعم عن أبي بن كعب أن موسى النّبيّ الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا فقال ابن عباس: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني، قال: نعم في عبادي من هو أعلم منك فنعت له مكانه فأذن له في لقيه فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي {فاتخذ سبيله في البحر سربا} فانطلقا {فلما جاوزا قال} موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال الفتى وذكر {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسى عليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدا، {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} وكان رجلا يعلم علم الغيب قد علم ذلك فقال موسى: بلى، قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} أي أن ما تعرف ظاهرا ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} وإن رأيت ما يخالفني {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها فقال له موسى - ورأى أمرا أفظع به - {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت} أي بما تركت من عهدك {ولا ترهقني من أمري عسرا} ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه فأخذ بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله فرآى موسى عليه السلام أمرا فظيعا لا صبر عليه صبي صغير قتله لا ذنب له، {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} أي صغيرة {لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا} أي قد عذرت في شأني {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر فقال {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا واستضفناهم فلم يضيفوهما ثم قعدت تعمل في غير صنيعة ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عملك، {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} - في قراءة أبي بن كعب كل سفينة صالحة وإنما عيبها لطرده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} أي ما فعلته عن نفسي {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علما). [الدر المنثور: 9/586-590] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب في قوله: {لا تؤاخذني بما نسيت} قال: لم ينس ولكنها من معاريض الكلام). [الدر المنثور: 9/610]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: (لا تؤاخذني بما نسيت) . قال: هذا من معاريض الكلام). [الدر المنثور: 9/611]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: قال موسى لفتاه يوشع بن نون {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} فاصطادا حوتا فاتخذاه زادا وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي أرادها فهاجت ريح فاشتبه عليه المكان ونسيا عليه الحوت ثم ذهبا فسارا حتى اشتهيا الطعام فقال لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} يعني جهدا في السير، فقال الفتى لموسى: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره}، قال: فسمعنا عن ابن عباس أنه حدث عن رجال من علماء أهل الكتاب أن موسى دعا ربه على أثره ومعه ماء عذب في سقاء فصب من ذلك الماء في البحر وانصب على أثره فصار حجرا أبيض أجوف فأخذ فيه حتى انتهى إلى الصخرة التي أراد فصعدها وهو متشوف: هل يرى ذلك الرجل حتى كاد يسيء الظن ثم رآه فقال: السلام عليك يا خضر، قال: عليك السلام يا موسى، قال: من حدثك أني أنا موسى، قال: حدثني الذي حدثك أني أنا الخضر، قال: إني أريد أن أصحبك {على أن تعلمن مما علمت رشدا} وأنه تقدم إليه فنصحه فقال: {إنك لن تستطيع معي صبرا (68) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} وذلك بأن أحدهم لو رأى شيئا لم يكن رآه قط ولم يكن شهده ما كان يصبر حتى يسأل ما هذا فلما أبى عليه موسى إلا أن يصحبه {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} إن عجلت علي في ثلاث فذلك حين أفارقك، فهم قيام ينظرون إذ مرت سفينة ذاهبة إلى أبلة فناداهم خضر: يا أصحاب السفينة هلم إلينا فاحملونا في سفينتكم وإن أصحاب السفينة قالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالا في مكان مخوف إنما يكون هؤلاء لصوصا فلا تحملهم، فقال صاحب السفينة: إني أرى رجالا على وجوههم النور لأحملنهم، فقال الخضر: بكم حملت هؤلاء كل رجل حملت في سفينتك فلك لكل رجل منا الضعف، فحملهم فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض - وقد أمر صاحب القرية: إن أبصرتم كل سفينة صالحة ليس فيها عيب فائتوني بها - وإن الخضر أمر أن يجعل فيها عيبا لكي لا يسخروها فخرقها فنبع فيها الماء وإن موسى امتلأ غضبا {قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} وإن موسى عليه السلام شد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر في البحر فقال: أردت هلاكهم فتعلم أنك أول هالك: فجعل موسى كلما ازداد غضبا استقر البحر وكلما سكن كان البحر كالدهر وإن يوشع بن نون قال لموسى عليه السلام: ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك وإن الخضر أقبل عليه {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} وإن موسى أدركه عند ذلك الحلم فقال: {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} فلما انتهوا إلى القرية قال خضر: ما خلصوا إليكم حتى خشوا الغرق وإن الخضر أقبل على صاحب السفينة فقال: إنما أردت الذي هو خير لك فحمدوا رأيه في آخر الحديث وأصلحها الله كما كانت، ثم إنهم خرجوا حتى انتهوا إلى غلام شاب عهد إلى الخضر أن أقتله فقتله {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} إلى قوله: {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} وإن خضرا أقبل عليه فقال: قد وفيت لك بما جعلت على نفسي {هذا فراق بيني وبينك} {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} فكان لا يغضب أحدا إلا دعا عليه وعلى أبويه فطهر الله أبويه أن يدعو عليهما أحد وأيد لهما مكان الغلام آخر خيرا منه وأبر بوالديه {وأقرب رحما}، {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما} فسمعنا أن ذلك الكنز كان علما فورثا ذلك العلم). [الدر المنثور: 9/620-623] (م)

تفسير قوله تعالى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عباس قال لما اقتص موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد وقد سجى عليه ثوبه فسلم عليه موسى فكشف الرجل عن وجهه فرد عليه السلام ثم قال له من أنت قال أنا موسى قال صاحب بني إسرائيل قال نعم قال أو ما كان لك في بني إسرائيل شغل قال بلى ولكن أمرت أن آتيك وأصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} كما قص الله حتى بلغ {إذا ركبا في السفينة خرقها} قال موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} يقول نكرا {قال لا تأخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} {فانطلقا حتى إذا لقيا غلما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} قال معمر قال الحسن تائبة قال أبو إسحاق في حديثه لقد جئت شيئا نكرا حتى بلغ {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}). [تفسير عبد الرزاق: 1/406] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا يزعم أن موسى ليس بصاحب الخضر فقال كذب عدو الله أخبرنا أبي بن كعب عن رسول الله أن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فقيل له أي الناس أعلم فقال أنا فعتب عليه الله إذ لم يرد العلم إلى الله فقال الله بلى عبد لي عند مجمع البحرين قال ربي وكيف به قال تأخذ حوتا فجعله في مكتل حيث يفارقك الحوت فهو ثم قال فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق هو وفتاه يمشيان قال لفتاه حيث يفارقك الحوت فآذني حتى إذا أتيا الصخرة رقد موسى فاضطرب الحوت في المكتل فخرج ووقع في الماء فأمسك الله عنه جرية الماء مثل الطوق ومد إبهامه والتي تليها وفتحها قال فنسي أن يخبره قال فانطلقا حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال ولم يجد النصب حتى جاوز حيث أمره الله {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} حتى بلغ {في البحر عجبا} {قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال يقصان آثارهما حتى أتيا الصخرة فإذا هما برجل مسجى عليه الثوب فسلم موسى فرد عليه وقال وأني بأرضك من سلام قال من أنت قال أنا موسى قال أموسى بني إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال وما يكفيك أن التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك قال أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه {أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} حتى بلغ {ولا أعصي لك أمرا} قال فانطلقا يمشيان على الساحل فعرف الخضر فحمل بغير نول فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر من الماء قال ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر قال فبينا هم في السفينة لم يفجأ موسى إلا وهو يريد أو إذا هو يريد أن يخرقها قال حسبت أنه قال وتد فيها وتدا فقال حملنا بغير نول وتريد أن تخرقها وتغرق أهلها إلى {ولا ترهقني من أمري عسرا} فكانت الأولى نسيانا {لا تؤاخذني بما نسيت} فخرجا حتى لقيا غلاما يلعب مع الغلمان فقال بيده هكذا كأنه احتز رأسه فقطع رأسه فقال له {أقتلت نفسا زكية بغير نفس} إلى قوله {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} وقال بيده هكذا وعدله بيده فقال له موسى لم يضيفونا و{لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك} قال النبي وددنا أن موسى صبر قال عمرو كان ابن عباس يقرأ (أما الغلام فكان كافرا) وكان يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا)). [تفسير عبد الرزاق: 1/408-410] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (فتناول رأس الغلام بثلاث أصابع الإبهام واللتان تليانها). [تفسير عبد الرزاق: 1/410]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا الثوري عن أبي إسحاق عن ابن عباس قال في قوله تعالى لقيا غلاما فقتله قال طبع الغلام كافرا). [تفسير عبد الرزاق: 1/411]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، وعمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إنّا لعند ابن عبّاسٍ في بيته، إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عبّاسٍ، جعلني اللّه فداءك، بالكوفة رجلٌ قاصٌّ يقال له: نوفٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل، أمّا عمرٌو فقال لي: قال: قد كذب عدوّ اللّه، وأمّا يعلى فقال لي: قال ابن عبّاسٍ، حدّثني أبيّ بن كعبٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: " موسى رسول اللّه عليه السّلام، قال: ذكّر النّاس يومًا حتّى إذا فاضت العيون، ورقّت القلوب، ولّى فأدركه رجلٌ فقال: أي رسول اللّه، هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه، قيل: بلى، قال: أي ربّ، فأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي ربّ، اجعل لي علمًا أعلم ذلك به - فقال لي عمرٌو - قال: حيث يفارقك الحوت - وقال لي يعلى - قال: خذ نونًا ميّتًا، حيث ينفخ فيه الرّوح، فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ، فقال لفتاه: لا أكلّفك إلّا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلّفت كثيرًا فذلك قوله جلّ ذكره: {وإذ قال موسى لفتاه} [الكهف: 60] يوشع بن نونٍ - ليست عن سعيدٍ - قال: فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان، إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ، فقال فتاه: لا أوقظه حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر، فأمسك اللّه عنه جرية البحر، حتّى كأنّ أثره في حجرٍ - قال لي عمرٌو: هكذا كأنّ أثره في حجرٍ، وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما - {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} [الكهف: 62] ، قال: قد قطع اللّه عنك النّصب - ليست هذه عن سعيدٍ أخبره - فرجعا فوجدا خضرًا - قال لي عثمان بن أبي سليمان - على طنفسةٍ خضراء، على كبد البحر - قال سعيد بن جبيرٍ - مسجًّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضي من سلامٍ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا، قال: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك يا موسى، إنّ لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر، وقال: واللّه ما علمي وما علمك في جنب علم اللّه إلّا كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر، حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغارًا، تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصّالح - قال: قلنا لسعيدٍ: خضرٌ؟ قال: نعم - لا نحمله بأجرٍ، فخرقها ووتد فيها وتدًا، قال موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إمرًا} [الكهف: 71]- قال مجاهدٌ: منكرًا - (قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا) ، كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا، والثّالثة عمدًا، {قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} [الكهف: 73] ، لقيا غلامًا فقتله - قال يعلى: قال سعيدٌ: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين - {قال: أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ} [الكهف: 74] لم تعمل بالحنث - وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً (زاكيةً) : مسلمةً كقولك غلامًا زكيًّا - فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ، فأقامه - قال سعيدٌ بيده هكذا، ورفع يده فاستقام، قال يعلى: حسبت أنّ سعيدًا قال: فمسحه بيده فاستقام - {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77]- قال سعيدٌ: أجرًا نأكله - {وكان وراءهم} [الكهف: 79] وكان أمامهم - قرأها ابن عبّاسٍ: أمامهم ملكٌ، يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ - {ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا} [الكهف: 79] ، فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها - ومنهم من يقول: سدّوها بقارورةٍ، ومنهم من يقول بالقار - {كان أبواه مؤمنين} وكان كافرًا {فخشينا أن يرهقهما طغيانًا، وكفرًا} [الكهف: 80] أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه، (فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيرًا منه زكاةً) لقوله: {أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] {وأقرب رحمًا} [الكهف: 81] هما به أرحم منهما بالأوّل، الّذي قتل خضرٌ - وزعم غير سعيدٍ: أنّهما أبدلا جاريةً، وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال: عن غير واحدٍ: إنّها جاريةٌ - "). [صحيح البخاري: 6/89-91] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله لقيا غلامًا في رواية سفيان فبينما هما يمشيان على الساحلي إذ أبصر الخضر غلامًا قوله فقتله الفاء عاطفةٌ على لقيا وجزاء الشّرط قال أقتلت والقتل من جملة الشّرط إشارةً إلى أنّ قتل الغلام يعقب لقاءه من غير مهلةٍ وهو بخلاف قوله حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها فإنّ الخرق وقع جواب الشّرط لأنّه تراخى عن الرّكوب قوله قال يعلى هو بن مسلمٍ وهو بالإسناد المذكور قال سعيدٌ هو بن جبيرٍ وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفا في رواية أخرى عن بن جريجٍ عند عبد بن حميدٍ غلامًا وضيء الوجه فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين وفي رواية سفيان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله وفي روايته في الباب الّذي يليه فقطعه ويجمع بينهما بأنّه ذبحه ثمّ اقتلع رأسه وفي روايةٍ أخرى عند الطّبريّ فأخذ صخرةً فثلغ رأسه وهي بمثلثة ثمّ معجمةٍ والأوّل أصحّ ويمكن أن يكون ضرب رأسه بالصّخرة ثمّ ذبحه وقطع رأسه قوله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لم تعمل الحنث بكسر المهملة وسكون النّون وآخره مثلّثةٌ ولأبي ذرٍّ بفتح المعجمة والموحّدة وقوله لم تعمل تفسيرٌ لقوله زكيّةً والتّقدير أقتلت نفسًا زكيّةً لم تعمل الحنث بغير نفس قوله وابن عبّاسٍ قرأها كذا لأبي ذرٍّ ولغيره وكان بن عبّاس يقرؤها زكية وهي قراءة الأكثر وقرأ نافع وبن كثيرٍ وأبو عمرٍو زاكيةً والأولى أبلغ لأنّ فعيلةً من صيغ المبالغة قوله زاكيةً مسلمةً كقولك غلامًا زاكيًا هو تفسيرٌ من الرّاوي ويشير إلى القراءتين أي أن قراءة بن عبّاسٍ بصيغة المبالغة والقراءة الأخرى باسم الفاعل بمعنى مسلمة وإنّما أطلق ذلك موسى على حسب ظاهر حال الغلام لكن اختلف في ضبط مسلمةً فالأكثر بسكون السّين وكسر اللّام ولبعضهم بفتح السّين وتشديد اللّام المفتوحة وزاد سفيان في روايته هنا ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرا قال وهذه أشدّ من الأولى زاد مسلمٌ من رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جبيرٍ في هذه القصّة فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة اللّه علينا وعلى موسى لولا أنّه عجل لرأى العجب ولكنّه أخذته ذمامةٌ من صاحبه فقال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني ولابن مردويه من طريق عبد اللّه بن عبيد بن عميرٍ عن سعيد بن جبيرٍ فاستحيا عند ذلك موسى وقال إن سألتك عن شيءٍ بعدها وهذه الزّيادة وقع مثلها في رواية عمرو بن دينارٍ من رواية سفيان في آخر الحديث قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ اللّه علينا من أمرهما زاد الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة عن سفيان أكثر ممّا قصّ). [فتح الباري: 8/419-420]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أنّ ابن جريج أخبرهم قال أخبرني يعلى بن مسلمٍ وعمرو بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيدٍ قال إنّا لعند بن عبّاسٍ في بيته إذ قال سلوني قلت أي أبا عباسٍ جعلني الله فداءك بالكوفة رجلٌ قاص يقال له نوفٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل أمّا عمروٌ فقال لي قال قد كذب عدوّ الله وأمّا يعلى فقال لي قال ابن عبّاس حدّثني أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى رسول الله عليه السّلام قال ذكّر النّاس يوماً حتّى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى فأدركه رجلٌ فقال أي رسول الله هل في الأرض أحدٌ أعلم منك قال لا فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله قيل بلى قال أي ربّ فأين قال بمجمع البحرين قال أي ربّ اجعل لي أعلم علماً ذالك به فقال لي عمروٌ قال حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى خذ نوناً ميّتاً حيث ينفخ فيه الرّوح فأخذ حوتاً فجعله في مكتلٍ فقال لفتاه لا أكلّفك إلاّ أن تخبرني حيث يفارقك الحوت قال ما كلّفت كثيراً فذالك قوله جلّ ذكره وإذ قال موسى لفتاه يوشع بن نونٍ ليست عن سعيدٍ قال فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه لا أوقظه حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبرة وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتّى كأنّ أثره في حجر قال لي عمروٌ هاكذا كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما لقد لقينا من سفرنا هاذا نصباً قال قد قطع الله عنك النّصب ليست هاذه عن سعيدٍ أخبره فرجعا فوًّجدا خضراً قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر قال سعيد بن جبيرٍ مسجّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال هل بأرضي من سلامٍ من أنت قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشداً قال أما يكفيك أن التّوراة بيديك وأنّ الوحي يأتيك يا موسى إنّ علماً لا ينبغي لك أن تعلمه وإنّ لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر وقال والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلاّ كما أخذ هاذا الطّائر بمنقاره من البحر حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل هاذا السّاحل إلى أهل هاذا السّاحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله الصّالح قال قلنا لسعيدٍ خضرٌ قال نعم لا نحمله بأجرٍ فخرقها ووتد فيها وتداً قال موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال مجاهدٌ منكراً قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً كانت الأولى نسياناً والوسطى شرطاً والثّانية عمداً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً لقيا غلاماً فقتله قال يعلى قال سعيدٌ وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين قال أقتلت نفساً زكيّةً بغير نفسٍ لم تعمل بالحنث وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً زاكيةً مسلمةً كقولك غلاماً زاكياً فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه قال سعيدٌ بيده هاكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى حسبت أنّ سعيداً قال فمسحه بيده فاستقام لو شئت لاتّخذت عليه أجراً قال سعيدٌ أجراً نأكله وكان وراءهم وكان أمامهم قرأها ابن عبّاسٍ أمامهم ملكٌ يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصباً فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدّوها بقارورةٍ ومنهم من يقول بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافراً فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً لقوله أقتلت نفساً زكيّةً وأقرب رحماً هما به أرحم منهما بالأوّل الّذي قتل خضرٌ وزعم غير سعيدٍ أنّهما أبدلا جاريةً وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال عن غير واحدٍ إنّها جاريةٌ..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة لأنّه في توضيحها، وهو طريق آخر برواية آخرين وبزيادة ونقصان في المتن أخرجه عن إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الفراء الرّازيّ المعروف بالصغير، عن هشام بن يوسف الصّنعانيّ قضينها عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن يعلى، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللّام وبالقصر: ابن مسلم بلفظ إسم الفاعل من الإسلام ابن هرمز إلى آخره.
قوله: (يزيد أحدهما على صاحبه) أي: أحد المذكورين وهما: يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار فقط، وهو أحد شيخي ابن جريج فيه، وهنا ابن جريج يروي عن يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار. قوله: (وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد) ، هذا من كلام ابن جريج، أي: غير يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار قد سمعته يحدث هذا الحديث عن سعيد بن جبير، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله: (وغيرهما) وهو: عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم القرشي المكّيّ رضي الله عنه، فإن قلت: كيف إعراب هذا؟ قلت: (غيرهما) مبتدأ، وقوله: (قد سمعته) جملة وقعت خبرا، والضّمير المنصوب فيه يرجع إلى لفظ: غير، وقوله: (يحدثه) جملة وقعت حالا، ووقع في رواية الكشميهني: يحدث، بحذف الضّمير المنصوب. قوله: (عن سعيد) ، أي: سعيد بن جبير رضي الله عنه. قوله: (لعند ابن عبّاس) ، اللّام فيه مفتوحة للتّأكيد أي: قال سعيد بن جبير: أنا كنت عند عبد الله بن عبّاس حال كونه في بيته. قوله: (أي أبا عبّاس) ، أي: يا أبا عبّاس! وأبو عبّاس كنية عبد الله بن عبّاس. قوله: (بالكوفة رجل قاص) ، هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: إن بالكوفة رجلا قاصا، والقاص بتشديد الصّاد الّذي يقص النّاس الأخبار من المواعظ وغيرها. قوله: (أما عمرو فقال لي: كذب عدو الله) أراد أن ابن جريج قال: أما عمرو بن دينار فإنّه قال لي في روايته، قال ابن عبّاس: كذب عدو الله، وأشار بهذا إلى أن هذه الكلمة لم تقع في رواية يعلى ابن مسلم، ولهذا قال: وأما يعلى، أي ابن مسلم الرّاوي، فإنّه قال لي: قال ابن عبّاس إلى آخره. قوله: (ذكر النّاس) ، بتشديد الكاف من التّذكير. قوله: (ولى) ، أي: رجع إلى حاله. قوله: (فقال: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: يا رسول الله، قاله لموسى عليه الصّلاة والسّلام. قوله: (قيل: بلى) ، أي: بلى في الأرض أحد أعلم منك، وفي رواية مسلم: (إن في الأرض رجلا هو أعلم منك) ، ووقع في رواية سفيان: فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، وعلم من هاتين الروايتن أن القائل في قوله: بلى، هو الله تعالى فأوحى الله إليه بذلك. قوله: (أي رب، فأين؟) يعني: يا رب أين هو؟ في أي مكان؟ وفي رواية سفيان: يا رب، فكيف لي به؟ وفي رواية النّسائيّ: فأدلني على هذا الرجل حتّى أتعلم منه. قوله: (علما) ، بفتح العين واللّام، أي: علامة. قوله: (أعلم ذلك به) ، أي: أعلم المكان الّذي أطلبه بالعلم. قوله: (فقال لي عمرو) ، القائل هو ابن جريج الرّاوي، أي: قال لي عمرو بن دينار. قوله: (حيث يفارقك الحوت) ، أي: العلم على ذلك المكان الّذي يفارقك فيه الحوت، ووقع ذلك مفسرًا في رواية سفيان عن عمرو، وقال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمّ. قوله: (قال لي) ، يعني: القائل هو ابن جريج، أي: قال لي يعلى بن مسلم في روايته: خذ نوناً أي حوتاً، ولفظ: نوناً، وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: حوتاً، وفي رواية مسلم: تزود حوتاً مالحاً فإنّه حيث تفقد الحوت. قوله: (حيث ينفخ فيه) ، أي: في النّون (الرّوح) يعني حيث تفقده في المكان الّذي يحيى الحوت. قوله: (فأخذ نوناً) أي: فأخذ موسى حوتاً، ووقع في رواية ابن أبي حاتم أن موسى ويوشع فتاه اصطاداه. قوله: (فقال لفتاه) ، وهو يوشع بن نون. قوله: (ما كلفت كثيرا) بالثاء المثلّثة، وفي رواية الكشميهني بالباء الموحدة. قوله: (ليست عن سعيد، القائل به هو ابن جريج، أراد بذلك أن تسمية الفتى ليست عن رواية سعيد ابن جبير. قوله: (ثريان) ، بفتح الثّاء المثلّثة وسكون الرّاء وتخفيف الياء آخر الحروف على وزن فعلان من الثرى، وهو التّراب الّذي فيه نداوة. قوله: (تضرب) أي: اضطرب، وفي رواية سفيان: واضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر وفي رواية مسلم فاضطرب الحوت في الماء. قوله: (وموسى نائم) جملة حالية. قوله: (حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبره) ، فيه حذف تقديره: حتّى إذا استيقظ سار فنسي. قوله: (في حجر) ، بفتح الحاء المهملة والجيم ويروى بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهو أوضح، قوله: (قال لي عمرو) ، القائل هو ابن جريج، أي: قال لي عمرو بن دينار. قوله: (واللتين تليانهما) ، يعني: السبابتين، وهكذا وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: وحلق بين إبهاميه فقط. قوله: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) ، وقع هنا مختصرا، وفي رواية سفيان: فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما حتّى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من فرنا هذا نصبا. قوله: قال: قد قطع الله عنك النصب، هذا من قول ابن جريج وليست هذه اللّفظة عن سعيد بن جبير. قوله: (أخبره) ، بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الباء الموحدة والرّاء وهاء الضّمير، هكذا في رواية من الإخبار، قال بعضهم: أي: أخبر الفتى موسى بالقصة قلت: ما أظن أن هذا المعنى صحيح، والّذي يظهر لي أن المعنى نفي الإخبار عن سعيد بهذه اللّفظة لمن روى عنه، وفي رواية لأبي ذر آخره بهمزة ومعجمة وراء وهاء، وفي أخرى بمد الهمزة وكسر الخاء وفتح الرّاء بعدها هاء الضّمير أي: إلى آخر الكلام. وفي أخرى بفتحات وتاء تأنيث منونة منصوبة، قال لي عثمان بن أبي سليمان: القائل ابن جريج، يقول: قال لي عثمان، وقد مرت ترجمته عن قريب. قوله: (على طنفسة) ، وهي فرش صغير، وقيل: بساط له خمل، وفيها لغات كسر الطّاء والفاء بينهما نون ساكنة، وضم الطّاء والفاء وكسر الطّاء وفتح الفاء. قوله: (على كبد البحر) ، أي: على وسطه، وهذه الرّواية القائلة بأنّه كان في وسط البحر، غريبة. قوله: (هل بأرضي من سلام) ، وفي رواية الكشميهني: (هل بأرض) . قوله: (ما شأنك؟) أي: ما الّذي تطلب ولما جئت؟ قوله: (رشدا) ، قرأ أبو عمرو بفتحتين والباقون كلهم بضم أوله وسكون ثانيه، والجمهور على أنّهما بمعنى. قوله: (معابر) ، جمع معبرة وهي السفن الصغار. قوله: (خضرًا) ، أي: هو خضر. قوله: (قالوا: هذا لسعيد بن جبير، قال: نعم، قيل: القائل بذلك يعلى بن مسلم، والله أعلم. قوله: (ووتدها) بفتح الواو وتشديد التّاء المثنّاة من فوق أي: جعل فيها وتداً، وفي رواية سفيان: قلع لوحاً بالقدوم، والجمع بين الرّوايتين أنه: قلع اللّوح وجعل مكانه وتداً، وروى عبد بن حميد من رواية ابن المبارك عن ابن جريج عن يعلى بن مسلم: جاء بودحين خرقها، والود بفتح الواو وتشديد الدّال لغة في: الوتد قلت: الوتد إنّما كان للإصلاح ودفع نفوذ الماء، وفي رواية أبي العالية: فحرق السّفينة فلم يره أحد إلاّ موسى. ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين ذلك. قوله: (قال مجاهد منكرا) ، وصل ابن المنذر: هذا التّعليق عن عليّ بن المبارك عن زيد بن ثور عن ابن جريج عن مجاهد. قوله: (نسيانا) ، حيث قال: لا تؤاخذوني بما نسيت، وشرطاً حيث قال: إن سألتك عن شيء بعدها، وعمدا حيث قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قوله: (لقيا غلاما) في رواية سفيان: فبينما هما يمشيان على ساحل البحر إذا أبصر الخضر غلاما. قوله: (قال يعلى) ، هو يعلى بن مسلم الرّاوي وسعيد هو ابن جبير. قوله: (ثمّ ذبحه بالسكين) ، فإن قلت: قال أولا: فقتله، ثمّ قال: فذبحه، وفي رواية سفيان: فاقتلعه بيده. قلت: لا منافاة بينهما لأنّه لعلّه قطع بعضه بالسكين ثمّ قلع الباقي والقتل يشملهما. قوله: (لم يعمل بالحنث) ، بكسر الحاء المهملة وسكون النّون وبالثاء المثلّثة وهو الإثم والمعصية. قوله: (قرأها) كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: وكان ابن عبّاس يقرؤها: زكية، وهي قراءة الجمهور، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: زاكية. قوله: (مسلمة) ، بضم الميم وسكون السّين وكسر اللّام عند الأكثرين، ولبعضهم بفتح السّين وتشديد اللّام المفتوحة. قوله: (فانطلقا) ، أي: موسى وخضر عليهما السّلام. قوله: (يزعمون عن غير سعيد) ، القائل بهذا هو ابن جريج، ومراده أن إسم الملك الّذي كان يأخذ السفن لم يقع في رواية سعيد بن جبير، وعزاه ابن خالويه في كتاب: (ليس) لمجاهد. قوله: (هدد) بضم الهاء وحكى ابن الأثير فتحها والدّال مفتوحة بلا خلاف. قوله: (بدد) ، بفتح الباء الموحدة، وقال الكرماني بضم الباء والدّال مفتوحة، وزعم ابن دريد أن هدد اسم ملك من ملوك حمير زوجه سليمان بن داود عليهما السّلام، بلقيس. قيل: إن ثبت هذا حمل على التّعدّد والاشتراك في الإسم لبعد ما بين مدّة سليمان وموسى عليهما السّلام، وجاء في تفسير مقاتل: أن اسمه منولة بن الجلندي بن سعيد الأزديّ، وقيل: هو الجلندي، وكان بجزيرة الأندلس. قوله: (والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور) ، القائل بذلك هو ابن جريج، وجيسور، بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وضم السّين المهملة، كذا هو في رواية عن أبي ذر، وفي رواية أخرى له عن الكشميهني بفتح الهاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وكذا في رواية ابن السكن، وفي رواية القابسيّ بنون بدل الياء آخر الحروف، وعند عبدوس بنون بدل الرّاء، وعن السّهيلي أنه رآه في نسخة بفتح المهملة والموحّدة ونونين الأولى مضمومة بينهما الواو الساكنة، وفي تفسير الضّحّاك: اسمه حشرد، وفي تفسير الكلبيّ: اسم الغلام شمعون. قوله: (يأخذ كل سفينة غصبا) ، وفي رواية النّسائيّ: كل سفينة صالحة، وفي رواية إبراهيم بن بشار عن سفيان، وكان ابن مسعود يقرأ: كل سفينة صحيحة غصبا. قوله: (فأردت إذا هي مرت به أن يدعها) ، أي: أن يتركها لأجل عيبها، وفي رواية النّسائيّ: فأردت أن أعيبها حتّى لا يأخذها. قوله: (فإذا جاوزوا) أي: عدوا عن الملك أصلحوها، وفي رواية النّسائيّ: فإذا جاوزوه رقعوها. قوله: (بقارورة) ، بالقاف وهي: الزّجاج، وقال الكرماني: كيفيّة السد بالقارورة غير معلومة، ثمّ وجهه بوجهين: أحدهما: أن تكون قارورة بقدر الموضع المخروق فتوضع فيه، والآخر: يسحق الزّجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به، وقال بعضهم، بعد أن ذكر الوجه الثّاني: فيه بعد. قلت: لا بعد فيه، لأنّه غير متعذر ولا متعسر، والبعد في الّذي قاله هو أن القارورة فاعولة من القار. قوله: (بالقار) ، بالقاف والرّاء وهو الزفت، وهذا أقرب من القول الأول. قوله: (كان أبواه) أي: أبوا الغلام. قوله: (أن يرهقهما) أي: يلحقهما. وقوله: (فخشينا) إلى قوله: (من دينه) من تفسير ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير. انتهى. قوله: (أن يحملهما) ، يجوز أن يكون بدلا من قوله: (أن يرهقهما) ويجوز أن يكون التّقدير: بأن يحملهما. وقوله: (حبه) بالرّفع فاعله. قوله: (خيرا منه) أي: من الغلام المقتول. قوله: (زكاة) نصب على التميز، وإنّما ذكرها للمناسبة بينها وبين قوله: (نفسا زكية) أشار إلى ذلك بقوله: {أقتلت نفسا زكية} (الكهف: 74) ولما وصف موسى نفس الغلام بالزكية وذكر الله تعالى بقوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} (الكهف: 81) وفي التّفسير قوله: (زكاة) أي صلاحاً وإسلاماً ونماء. قوله: (وأقرب رحما) قال الثّعلبيّ: من الرّحم والقرابة، وقيل: هو من الرّحمة، وعن ابن عبّاس: أوصل للرحم وأبر بوالديه، وعن الفراء: أقرب أن يرحماه، وقيل: من الرّحم، بكسر الحاء أشد مبالغة من الرّحمة الّتي هي رقة القلب والتعطف لاستلزام القرابة، الرقة غالبا من غير عكس، وقال الكرماني: وظن بعضهم أنه مشتقّ من الرّحم الّذي هو الرّحمة، وغرضه أنه يعني القرابة لا الرقة، وعند البعض بالعكس. قوله: (هما به أرحم منهما بالأول) ، أي: الأبوان المذكوران به أي: بالّذي يبدل من المقتول أرحم منهما بالأول، وهو المقتول. قوله: (وزعم غير سعيد من قول ابن جريج) ، أي: زعم غير سعيد بن جبير أنّهما أي الأبوين أبدلا جارية بدل المقتول، وروي عن سعيد أيضا: أنّها جارية، على ما جاء وفي رواية النّسائيّ من طريق ابن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: أبدلهما جارية فولدت نبيا من الأنبياء، وفي رواية الطّبرانيّ: ببنين، وعن السّديّ: ولدت جارية، فولدت نبيا، وهو الّذي كان بعد موسى، فقالوا له: إبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، واسم هذا النّبي شمعون، واسم أمه حنة. فإن قلت: روى ابن مردويه من حديث أبي بن كعب أنّها ولدت غلاما. قلت: إسناده ضعيف، وفي تفسير ابن الكلبيّ: ولدت جارية ولدت عدّة أنبياء فهدى الله بهم أمماً، وقيل: عدّة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيا. قوله: (وأما داود بن أبي عاصم) إلى آخره من قول ابن جريج أيضا، وداود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثّقفيّ ثقة من صغار التّابعين، وله أخ يسمى: يعقوب، هو أيضا ثقة من التّابعين). [عمدة القاري: 19/43-47] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ، أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، وعمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيدٍ قال: إنّا لعند ابن عبّاسٍ في بيته إذ قال: سلوني؟ قلت: أي أبا عبّاسٍ -جعلنى اللّه فداك- بالكوفة رجلٌ قاصٌّ يقال له نوقٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل أمّا عمرٌو فقال لي قال: قد كذب عدوّ اللّه وأمّا يعلى فقال لي قال ابن عبّاسٍ: حدّثني أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- «موسى رسول اللّه - عليه السّلام - قال: ذكّر النّاس يومًا حتّى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى فأدركه رجلٌ فقال: أي رسول اللّه هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه قيل: بلى، قال: أي ربّ فأين؟ قال بمجمع البحرين، قال: أي ربّ اجعل لي علمًا أعلم ذلك به -فقال لي عمرٌو:- فقال لي عمروٌ: حيث يفارقك الحوت -وقال لي يعلى: قال: «خذ نونًا ميّتًا حيث ينفخ فيه الرّوح فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ فقال: لفتاه لا أكلّفك إلاّ أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال: ما كلّفت كثيرًا؟ فذلك قوله جلّ ذكره {وإذ قال موسى} لفتاه يوشع بن نونٍ" ليست عن سعيدٍ قال: "فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه: لا أوقظه حتّى إذا استيقظ فنسى أن يخبره وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك اللّه عنه جرية البحر حتّى كأنّ أثره في حجرٍ- قال لي عمرٌو هكذا كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما "لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، قال: قد قطع اللّه عنك النّصب" -ليست هذه عن سعيدٍ أخبره- "فرجعا فوجدا خضرًا" قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر -قال سعيد بن جبيرٍ- "مسجًّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلامٍ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا قال: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك وأنّ الوحي يأتيك يا موسى إنّ لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر وقال: واللّه ما علمي وما علمك في جنب علم اللّه إلاّ كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصّالح قال: قلنا لسعيدٍ خضرٌ قال: نعم لا نحمله بأجرٍ فخرقها ووتد فيها وتدًا قال موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا} "قال مجاهدٌ: منكرًا، " {قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا} كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا والثّالثة عمدًا، " {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} {لقيا غلامًا فقتله} قال يعلى قال سعيدٌ: "وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين قال: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ} [الكهف: 74] لم تعمل بالحنث؟ وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً. زاكيةً - مسلمةً " {فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه} " [الكهف: 77] قال سعيدٌ بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى: حسبت أنّ سعيدًا قال "فمسحه بيده فاستقام {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77] قال سعيدٌ أجرًا نأكله {وكان وراءهم} وكان أمامهم قرأها ابن عبّاسٍ أمامهم ملكٌ يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بددٍ والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ {ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا فأردت} [الكهف: 79] إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول: سدّوها بقارورةٍ ومنهم من يقول: بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافرًا فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا لقوله: {أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] وأقرب رحمًا هما به أرحم منهما بالأوّل الّذي قتل خضرٌ وزعم غير سعيدٍ أنّهما أبدلا جاريةً وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال عن غير واحدٍ إنّها جاريةٌ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الصغير الرازي قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) اليماني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى بن مسلم) بن هرمز المكي البصري الأصل (وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه) قال الحافظ ابن حجر: فتستفاد زيادة أحدهما على الآخر من الإسناد الذي قبله فإن الأوّل من رواية سفيان عن عمرو بن دينار فقط وهو أحد شيخي ابن جريج فيه (وغيرهما) هو من كلام ابن جريج أي وغير يعلى وعمرو (قد سمعته) حال كونه (يحدثه) أي يحدث الحديث المذكور (عن سعيد) وكان الأصل أن يقول يحدث به لكنه عداه بغير الباء، ولأبي ذر عن الكشميهني يحدث بحذف الضمير المنصوب، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله وغيرهما كعثمان بن أبي سليمان، وروى شيئًا من هذه القصة عن سعيد بن جبير من مشايخ ابن جريج عبد الله بن عثمان بن خثيم وعبد الله بن هرمز وعبد الله بن عبيد بن عمير، وممن روى هذا الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السبيعي وروايته عند مسلم وأبي داود وغيرهما والحكم بن عتيبة وروايته في السيرة الكبرى لابن إسحاق كما نبه على ذلك في الفتح وفي رواية أبي ذر عن سعيد بن جبير أنه (قال: إنا لعند ابن عباس) حال كونه (في بيته) واللام في لعند للتأكيد (إذ قال: سلوني) قال سعيد بن جبير (قلت أي أبا عباس) يعني يا أبا عباس وهي كنية عبد الله بن عباس (جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص) بتشديد الصاد المهملة يقص على الناس الأخبار من المواعظ وغيرها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن بالكوفة رجلًا قاصًّا (يقال له نوف) بفتح النون وسكون الواو آخره فاء منونًا منصرفًا في الفصحى بطن من العرب وعلى تقدير أن يكون أعجميًّا فمنصرف نوح لسكون وسطه واسمه فضالة وهو ابن امرأة كعب الأحبار (يزعم أنه) أي موسى صاحب الخضر (ليس بموسى بن إسرائيل) المرسل إليهم والباء زائدة للتوكيد وأضيف إلى بني إسرائيل مع العلمية لأنه نكر بأن أول بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه قال ابن جريج (أما عمرو) يعني ابن دينار (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال) أي ابن عباس (قد كذب عدوّ الله) يعني نوفًا وسقط لأبي ذر قال قد (وأما يعلى) بن مسلم (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال ابن عباس حدثني) بالإفراد (أبي بن كعب قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-): هو (موسى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) وفي الفرع أصله عليه السلام (قال ذكر الناس يومًا) بتشديد الكاف من التذكير أي وعظهم (حتى إذا فاضت العيون) بالدموع (ورقت القلوب) لتأثير وعظه في قلوبهم (ولى) تخفيفًا لئلا يملوا وهذا ليس في رواية سفيان فظهر أنه من رواية يعلى بن مسلم عن عمرو وقال العوفي عن ابن عباس فيما ذكره ابن كثير لما ظهر موسى وقومه على مصر أمره الله أن يذكرهم بأيام الله فخطبهم فذكرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوّهم وقال كلم الله موسى نبيكم تكليمًا واصطفاه لنفسه وأنزل عليه محبة منه وآتاكم من كل ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض (فأدركه رجل) لم يسم (فقال) موسى (أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا).
فإن قلت: هل بين هذا وبين قوله في رواية سفيان السابقة هنا فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فرق؟ أجيب بأن بينهما فرقًا لأن رواية سفيان تقتضي الجزم بالأعلمية له وهذه تنفي الأعلمية عن غيره عليه فيبقى احتمال المساواة قاله في الفتح.
(فعتب) بفتح العين (عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله) في الرواية السابقة وغيرها فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه على التقديم والتأخير (قيل بلى) زاد في رواية الحر بن قيس عبدنا خضر ولمسلم من رواية أبي إسحاق أن في الأرض رجلًا هو أعلم منك (قال) موسى (أي رب فأين) أي فأين أجده أو فأين هو وللنسائي فادللني على هذا الرجل حتى أتعلم منه ولأبي ذر وأين (قال بمجمع البحرين) بحري فارس والروم أو بحري الشرق والمغرب المحيطين بالأرض أو العذب والملح (قال) موسى (أي رب اجعل لي علمًا أعلم ذلك) المطلوب (منه) وفي نسخة به قال ابن جريج (فقال) ولأبي ذر قال (لي عمرو) هو ابن دينار (قال): العلم على ذلك المكان (حيث يفارقك الحوت) فإنك تلقاه (وقال لي يعلى) بن مسلم (قال: خذ نونًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي خذ حوتًا (ميتًا) ولمسلم في رواية أبي إسحاق فقيل له تزود حوتًا مالحًا فإنه حيث يفقد الحوت (حيث ينفخ فيه) أي في الحوت (الروح) بيان لقوله حيث يفارقك الحوت (فأخذ) موسى (حوتًا) ميتًا مملوحًا وقيل شق حوت مملح ولابن أبي حاتم أن موسى وفتاه اصطاداه (فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال) فتاه (ما كلفت) أي ما كلفتني (كثيرًا) بالمثلثة ولأبي ذر عن الكشميهني كبيرًا بالموحدة (فذلك قوله جل ذكره {وإذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون) بالصرف قال ابن جريج (ليست) تسمية الفتى (عن سعيد) هو ابن جبير (قال فبينما) بالميم (هو) أي موسى وفتاه تبع له (في ظل صخرة) حال كونه (في مكان ثريان) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة فتحتية مفتوحة وبعد الألف نون صفة لمكان مجرور بالفتحة لا ينصرف لأنه من باب فعلان فعلى أو منصوب حالًا من الضمير المستتر في الجار والمجرور ويجوز ثريانًا بالنصب حالًا كما مر وبالتنوين منصرفًا على لغة بني أسد لأنهم يصرفون كل صفة على فعلان ويؤنثونه بالتاء ويستغنون فيه بفعلاته عن فعلى فيقولون سكرانة وغضبانة فلم تكن الزيادة عندهم في فعلان شبيهة بألفي حمراء فلم تمنع من الصرف وفي بعض الأصول ثريان بالجر صفة لمكان وبالتنوين ما مر وهو من الثرى قال: في النهاية يقال مكان ثريان وأرض ثريى إذا كان في ترابهما بلل وندى (إذ تضرب الحوت) بضاد معجمة وراء مشددة تفعل أي اضطرب وتحرك إذ حيي في المكتل (و) الحال إن (موسى نائم) عند الصخرة (فقال فتاه) يوشع (لا أوقظه حتى إذا استيقظ) سار (فنسي) بالفاء ولغير أبي ذر نسي بحذفها (أن يخبره) بحياة الحوت (وتضرب الحوت) أي اضطرب سائرًا من المكتل (حتى دخل البحر) وفي نسخة في البحر (فأمسك الله عنه) عن الحوت (جرية البحر حتى كأن أثره) نصب بكأن (في حجر) بفتح الحاء والجيم خبرها.
قال ابن جريج: (قال لي عمرو) هو ابن دينار (هكذا كأن أثره في حجر) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء المفتوحة على كشط في الفرع مصححًا عليها وفي اليونينية وغيرها بتقديم المهملة وفتحهما وفي نسخة بالفرع وأصله حجر بجيم مضمومة فمهملة ساكنة قال ابن حجر وهي أوضح (وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما) يعني الوسطى والتي بعدها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي والتي ولأبي ذر أيضًا أخرة تليانهما بفتح الهمزة والخاء المعجمة والراء يعني الوسطي (لقد لقينا) فيه حذف اختصره وقع مبينًا في رواية سفيان فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا (من سفرنا هذا نصبًا) تعبًا ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به (قال) فتى موسى له: (فد قطع الله عنك النصب).
قال ابن جريج: (ليست هذه عن سعيد) هو ابن جبير (أخبره) بسكون المعجمة وموحدة مفتوحة من الإخبار أي أخبر يوشع موسى بقصة تضرب الحوت وفقده الذي هو علامة على وجود الخضر (فرجعا) في الطريق الذي جاءا فيه يقصان آثارهما قصصًا حتى انتهيا إلى الصخرة التي حيي الحوت عندها (فوجدا خضرًا) نائمًا في جزيرة من جزائر البحر.
قال ابن جريج: (قال لي عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم وهو ممن أخذ هذا الحديث عن سعيد بن جبير (على طنفسة خضراء) بكسر الطاء المهملة والفاء بينهما نون ساكنة ولأبي ذر طنفسة بفتح الفاء ويجوز ضم الطاء والفاء وكلها لغات أي فرش صغير أو بساط له خمل (على كبد البحر) أي وسطه وعند عبد بن حميد من طريق ابن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان قال: رأى موسى الخضر على طنفسة خضراء على وجه الماء وعند ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس أنه وجده في جزيرة في البحر (قال) ولأبي ذر فقال: (سعيد بن جبير) بالإسناد السابق (مسجى) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منونة أي مغطى كله (بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه) الآخر (تحت رأسه) وعند ابن أبي حاتم عن السدي فرأى الخضر وعليه جبة من صوف وكساء من صوف ومعه عصا قد ألقى عليها طعامه (فسلم عليه موسى فكشف) الثوب (عن وجهه) زاد مسلم في رواية أبي إسحاق وقال وعليكم السلام (وقال: هل بأرضي من سلام) لأنهم كانوا كفارًا أو كانت تحيتهم غير السلام ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني هل بأرض بالتنوين ثم قال الخضر لموسى (من أنت؟ قال: أنا موسى قال) له: (أموسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك)؟ أي ما الذي تطلب (قال: جئت) إليك (لتعلمني مما علمت رشدًا) أي علمًا ذا رشد (قال) الخضر يا موسى (أما يكفيك أن التوراة بيديك) بالتثنية (وأن الوحي يأتيك) من الله على لسان جبريل وهذه الزيادة ليست في رواية سفيان فالظاهر أنها من رواية يعلى بن مسلم (يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه) أي كله (وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه) أي كله وتقدير هذا ونحوه متعين كما قال في الفتح لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى للمكلف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي. وقال البرماوي كالكرماني: وإنما قال لا ينبغي لي أن أعلمه لأنه إن كان نبيًا فلا يجب عليه تعلم شريعة نبي آخر وإن كان وليًا فلعله مأمور بمتابعة نبي غيره وقوله يا موسى ثابت لأبي ذر عن الحموي ساقط لغيره (فأخذ طائر) عصفور (بمنقاره من البحر) ماء (وقال) بالواو ولأبي ذر فقال أي الخضر: (والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر).
وفي الرواية السابقة ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ولفظ النقص ليس على ظاهره، وإنما معناه أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما أخذه العصفور بمنقاره إلى ماء البحر وهذا على التقريب إلى الإفهام وإلاّ فنسبة علمهما إلى علم الله أقل.
وروى النسائي من وجه آخر عن ابن عباس أن الخضر قال لموسى أتدري ما يقول هذا الطائر؟ قال: لا. قال: يقول ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا مثل ما نقص منقاري من جميع هذا البحر وظاهر هذه الرواية كما في الفتح أن الطائر نقر في البحر عقب قول الخضر لموسى يا موسى إن لي علمًا. وفي رواية سفيان أن ذلك وقع بعد ما خرق السفينة فيجمع بأن قوله فأخذ طائر بمنقاره معقب بمحذوف وهو ركوبهما السفينة لتصريح سفيان بذكر السفينة.
(حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فراء غير منصرف أي سفنًا (صغارًا) قال في الفتح وجدا معابر تفسير لقوله ركبا في السفينة لا جواب إذا لأن وجودهما المعابر كان قبل ركوبهما السفينة وقال ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس فيما ذكره ابن كثير في تفسيره فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها (تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه) أي أهل السفينة عرفوا الخضر (فقالوا) هو (عبد الله الصالح قال): يحتمل أن يكون القائل يعلى بن مسلم (قلنا لسعيد) هو ابن جبير (خضر) أي هو خضر (قال: نعم) هو خضر (لا نحمله بأجر) أي بأجرة (فخرقها) بأن قلع لوحًا من ألواحها بالقدوم (ووتد فيها وتدًا) بتخفيف الفوقية الأولى مفتوحة وكسر الثانية مخففة ولأبي ذر وتد فيها بإسقاط الواو الأولى أي جعل فيها وتدًا مكان اللوح الذي قلعه (قال موسى) له: (أخرقتها لتغرق أهلها) اللام للعاقبة (لقد جئت شيئًا إمرًا).
(قال مجاهد) فيما رواه ابن جريج عنه في قوله إمرًا (منكرًا) ووصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه مثله قيل ولم يسمع ابن جريج من مجاهد (قال) الخضر: ({ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا}) أي لما ترى مني من الأفعال المخالفة لشريعتك لأني على علم من علم الله ما علمكه الله وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه قاله ابن كثير (كانت الأولى) في رواية سفيان قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وكانت بإثبات الواو (نسيانا) أي من موسى حيث قال لا تؤاخذني بما نسيت (والوسطى) حيث قال إن سألتك عن شيء بعدها (شرطًا، والثالثة) حيث قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا (عمدًا قال) موسى (لا تؤاخذني بما نسيت) أي تركت من وصيتك (ولا ترهقني من أمري عسرًا) أي لا تشدد علي ({لقيا غلامًا) في رواية سفيان السابقة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا ({فقتله}) الفاء للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال فالقتل تعقب اللقاء.
(قال يعلى) بن مسلم بالإسناد السابق (قال سعيد) هو ابن جبير (وجد) أي الخضر (غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا) منهم (كافرًا ظريفًا) بالظاء المعجمة (فأضجعه ثم ذبحه بالسكين) بكسر المهملة (قال) موسى منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بحذف الألف والتشديد وهي قراءة ابن عامر والكوفيين (بغير نفس لم تعمل بالحنث) بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة لأنها لم تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله زكية أي أقتلت نفسًا زكية لم تعمل الحنث بغير نفس ولأبي ذر لم تعمل الخبث بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين.
(وكان ابن عباس) ولأبي ذر وابن عباس (قرأها زكية) بالتشديد (زاكية) بالتخفيف والمشددة أبلغ لأن فعيلًا المحوّل من فاعل يدل على المبالغة كما مر (زاكية) أي (مسلمة) بضم الميم وكسر اللام (كقولك غلامًا زكيًّا) بالتشديد وهذا تفسير من الراوي وأطلق ذلك موسى على حسب ظاهر حال الغلام لكن قال البرماوي وفي بعضها مسلمة بفتح المهملة واللام المشددة قال السفاقسي وهو أشبه لأنه كان كافرًا (فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض) أن يسقط والإرادة هنا على سبيل المجاز (فأقامه) الخضر (قال سعيد) من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عنه (بيده) بالإفراد أي أقامه الخضر بيده (هكذا ورفع يده فاستقام. قال يعلى) بن مسلم (حسبت أن سعيدًا) يعني ابن جبير (قال فمسحه بيده) بالإفراد أيضًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بيديه بالتثنية (فاستقام)، وقيل دعمه بدعامة تمنعه من السقوط أو هدمه وبل طينًا وأخذ في بنائه إلى أن كمل وعاد كما كان وكلها حكايات حال لا تثبت إلا بنقل صحيح والذي دل عليه القرآن الإقامة لا الكيفية وأحسن هذه الأقوال أنه مسحه أو دفعه بيده فاعتدل لأن ذلك أليق بحال الأنبياء وكرامات الأولياء إلا أن يصح عن الشارع أنه هدمه وبناه فيصار إليه (لو شئت) أي قال موسى للخضر: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا كما في رواية سفيان لو شئت (لاتخذت) بتشديد التاء بعد وصل الهمزة (عليه) أي على تسوية الجدار (أجرًا قال سعيد أجرًا نأكله) أي جعلا نأكل به وإنما قال موسى: ذلك لأنه كان حصل له جهد كبير من فقد الطعام وخشى أن يختلط قوام البنية البشرية (وكان وراءهم) أي (وكان) ولأبي ذر وكان وراءهم ملك وكان (أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم ملك) وهي قراءة شاذة مخالفة للمصحف لكنها مفسرة كقوله من ورائه جهنم وقول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي = لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
قال أبو عليّ: إنما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة وكانت كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة والآية دالة على أن معنى وراء أمام لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم قال ابن جريج: (يزعمون عن غير سعيد) يعني ابن جبير (أنه) أي الملك الذي كان يأخذ السفن غصبًا اسمه (هدد بن بدد) بضم الهاء وفتح الدال الأولى وبدد بضم الموحدة وفتح الدال الأولى أيضًا مصروف ولأبي ذر بدد غير مصروف. وحكى ابن الأثير فتح هاء هدد وباء بدد قال الحافظ ابن كثير: وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة (الغلام) بغير واو وفي اليونينية والغلام (المقتول اسمه يزعمون جيسور) بجيم مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد الواو الساكنة راء، ولأبي ذر عن الكشميهني حيسور بالحاء بدل الجيم وعند القابسي حنسور بنون بدل التحتية وعند عبدوس حيسون بنون بدل الراء ({ملك يأخذ كل سفينة غصبًا}) وفي قراءة أبي كل سفينة صالحة غصبًا رواه النسائي وكان ابن مسعود يقرأ كل سفينة صحيحة غصبًا (فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا) أي جاوزوا الملك (أصلحوها فانتفعوا بها) وبقيت لهم (ومنهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار) وهو الزفت واستشكل التعبير بالقارورة إذ هي من الزجاج وكيف يمكن السد به فقيل يحتمل أن توضع قارورة بقدر الموضع المخروق فيه أو يسحق الزجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به وهذا قاله الكرماني. قال في الفتح: ولا يخفى بعده قال: وقد وجهت بأنها فاعولة من القار (كان أبواه) يعني الغلام المقتول (مؤمنين) بالتثنية للتغليب يريد أباه وأمه فغلب المذكر كالقمرين (وكان) هو (كافرًا) طبع على الكفر وهذا موافق لمصحف أبيّ وقوّة الكلام تشعر به لأنه لو لم يكن الولد كافرًا لم يكن لقوله وكان أبواه مؤمنين فائدة إذ لا مدخل لذلك في القصة لولا هذه الفائدة والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في تلك الشريعة واجبًا لأن أخذ الجزية لم يشرع إلا في شريعتنا وكان أبواه قد عطفا عليه.
(فخشينا أن يرهقهما) أي أن يغشاهما وعظم نفسه لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص بها إلا من هو من خواص الحضرة وقال بعضهم لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه وأضاف الرحمة في
قوله أراد ربك إلى الله تعالى وعند القتل عظم نفسه تنبيهًا على أنه من العظماء في علوم الحكمة، ويجوز أن يكون فخشينا حكاية لقول الله تعالى، والمعنى أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره وقال له اقتل الغلام لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يغشى الغلام الوالدين المؤمنين (طغيانًا وكفرًا) قال ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير معناه (أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه) فإن حب الشيء يعمي ويصم، وقال أبو عبيدة في قوله يرهقهما أي يغشاهما.
وقال قتادة فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فليرض المرء بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب وصح في الحديث "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له" (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه) أي أن يرزقهما بدله ولذا خيرًا منه (زكاة) طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة (وأقرب رحمًا) وذكر هذا مناسبة (لقوله: {أقتلت نفسًا زكية}) بالتشديد (وأقرب رحمًا) أي (هما) أي الأبوان (به) أي بالولد الذي سيرزقانه (أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر). وقيل رحمة وعطفًا على والديه، وسقط لأبي ذر وأقرب رحمًا واقتصر على واحدة منهما. قال ابن جريج (وزعم غير سعيد) أي ابن جبير (أنهما أبدلا جارية) مكان المقتول فولدت نبيًّا من الأنبياء رواه النسائي ولابن أبي حاتم من طريق السدي قال: ولدت جارية فولدت نبيًّا وهو الذي كان بعد موسى فقالوا له ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله واسم هذا النبي شمعون واسم أمه حنة. وفي تفسير ابن الكلبي فولدت جارية ولدت عدة أنبياء فهدى الله بهم أممًا وقيل عدة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيًّا وعند ابن مردويه من حديث أبيّ بن كعب أنها ولدت غلامًا لكن إسناده ضعيف كما قاله في الفتح قال ابن جريج.
(وأما داود بن أبي عاصم) أي ابن عروة الثقفي التابعي الصغير (فقال: عن غير واحد أنها جارية) وهذا هو المشهور وروي مثله عن يعقوب أخي داود مما رواه الطبري، وقال ابن جريج لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم ذكره ابن كثير وغيره ويستنبط من الحديث فوائد لا تخفى على متأمل فلا نطيل بها). [إرشاد الساري: 7/221-226] (م)

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (و {نكرًا} [الكهف: 74] : «داهيةً»). [صحيح البخاري: 6/91]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله نكرًا داهيةً كذا فيه والّذي عند أبي عبيدة في قوله لقد جئت شيئا إمرا داهيةً ونكرًا أي عظيمًا واختلف في أيّهما أبلغ فقيل إمرًا أبلغ من نكرًا لأنّه قالها بسبب الخرق الّذي يفضي إلى هلاك عدّة أنفسٍ وتلك بسبب نفسٍ واحدةٍ وقيل نكرًا أبلغ لكون الضّرر فيها ناجزًا بخلاف إمرًا لكون الضّرر فيها متوقّعًا ويؤيّد ذلك أنّه قال في نكرًا ألم أقل لك ولم يقلها في إمرًا قوله لتخذت واتّخذت واحدٌ هو قول أبي عبيدة ووقع في رواية مسلمٍ عن عمرو بن محمّدٍ عن سفيان في هذا الحديث أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأها لتخذت وهي قراءة أبي عمرٍو ورواية غيره لاتّخذت). [فتح الباري: 8/424] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (إمراً ونكراً داهيةً
أشار به إلى قوله تعالى: {لقد جئت شيئا إمراً} (الكهف: 71) وقوله: {لقد جئت شيئا نكراً} (الكهف: 74) وقد مر تفسيرهما، وفسرهما البخاريّ بقوله: (داهية) ). [عمدة القاري: 19/47] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({إمرًا}) في قوله: ({لقد جئت شيئًا إمرًا}) [الكهف: 71] و ({نكرًا}) في قوله: {لقد جئت شيئًا نكرًا} [الكهف: 74] معناهما (داهية) وسقط قوله إمرًا وواو ونكرًا لأبي ذر وقال أبو عيدة إمرًا داهية ونكرًا أي عظيمًا ففرق بينهما). [إرشاد الساري: 7/226] (م)
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب بني إسرائيل ليس بموسى صاحب الخضر، قال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعبٍ، يقول: سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ النّاس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى اللّه إليه أنّ عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: أي ربّ، فكيف لي به؟ فقال له: احمل حوتًا في مكتلٍ فحيث تفقد الحوت فهو ثمّ، فانطلق وانطلق معه فتاه وهو يوشع بن نونٍ فجعل موسى حوتًا في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتّى إذا أتيا الصّخرة، فرقد موسى وفتاه فاضطرب الحوت في المكتل حتّى خرج من المكتل فسقط في البحر، قال: وأمسك اللّه عنه جرية الماء، حتّى كان مثل الطّاق وكان للحوت سربًا.
وكان لموسى ولفتاه عجبًا، فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما ونسّي صاحب موسى أن يخبره، فلمّا أصبح موسى {قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} قال: ولم ينصب حتّى جاوز المكان الّذي أمر به {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنسانيه إلاّ الشّيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجبًا} قال موسى {ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصًا} قال: فكانا يقصّان آثارهما، قال سفيان: يزعم ناسٌ أنّ تلك الصّخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميّتًا إلاّ عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلمّا قطر عليه الماء عاش، قال: فقصّا آثارهما حتّى أتيا الصّخرة، فرأى رجلاً مسجًّى عليه بثوبٍ، فسلّم عليه موسى، فقال: أنّى بأرضك السّلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه اللّه لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علّمنيه لا تعلمه، فقال موسى: {هل أتّبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رشدًا (66) قال إنّك لن تستطيع معي صبرًا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا (68) قال ستجدني إن شاء اللّه صابرًا ولا أعصي لك أمرًا} قال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا} قال: نعم، فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينةٌ فكلّماهم أن يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نولٍ فعمد الخضر إلى لوحٍ من ألواح السّفينة فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا (71) قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} ثمّ خرجا من السّفينة فبينما هما يمشيان على السّاحل وإذا غلامٌ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده، فقتله، قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا (74) قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} قال: وهذه أشدّ من الأولى {قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} يقول: مائلٌ، فقال الخضر بيده هكذا {فأقامه} فقال له موسى: قومٌ أتيناهم فلم يضيّفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: يرحم اللّه موسى لوددنا أنّه كان صبر حتّى يقصّ علينا من أخبارهما. قال: وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: الأولى كانت من موسى نسيانٌ. وقال: وجاء عصفورٌ حتّى وقع على حرف السّفينة ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من البحر قال سعيد بن جبيرٍ: وكان يعني ابن عبّاسٍ، يقرأ: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا وكان يقرأ: وأمّا الغلام فكان كافرًا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورواه الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد رواه أبو إسحاق الهمدانيّ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال أبو مزاحمٍ السّمرقنديّ: سمعت عليّ بن المدينيّ يقول: حججت حجّةً وليس لي همّةٌ إلاّ أن أسمع من سفيان يذكر في هذا الحديث الخبر حتّى سمعته يقول: حدّثنا عمرو بن دينارٍ، وقد كنت سمعت هذا من سفيان من قبل ذلك، ولم يذكر فيه الخبر). [سنن الترمذي: 5/160-163] (م)
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، قال: حدّثنا عبد الجبّار بن العبّاس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: الغلام الّذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ). [سنن الترمذي: 5/163]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فانطلقا حتّى إذا لقيا غلامًا فقتله قال أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا}.
يقول تعالى ذكره: {فانطلقا حتّى إذا لقيا غلامًا فقتله} العالم، فقال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً}.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء الحجاز والبصرة: ( أقتلت نفسًا زاكيةً ) وقالوا معنى ذلك: المطهّرة الّتي لا ذنب لها، ولم تذنب قطّ لصغرها.
وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة: {نفسًا زكيّةً} بمعنى: التّائبة المغفور لها ذنوبها.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {أقتلت نفسًا زكيّةً} والزّكيّة: التّائبة.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {قال أقتلت نفسًا زكيّةً} قال: الزّكيّة: التّائبة.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، " أقتلت نفسًا زاكيةً " قال: قال الحسن: تائبةً.
هكذا قرأ في الحديث بشر والحسن زاكيةً.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: حدّثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله {نفسًا زكيّةً} قال: تائبةً.
ذكر من قال: معناها المسلمة الّتي لا ذنب لها:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، أنّه سمع سعيد بن جبيرٍ، يقول: وجد خضر غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين.
- قال: وأخبرني وهب بن سليمان عن شعيبٍ الجبئيّ، قال: اسم الغلام الّذي قتله الخضر: جيسور ( قال أقتلت نفسًا زاكيةً ) قال: مسلمةً. قال: وقرأها ابن عبّاسٍ: {زكيّةً} كقولك: زكيًّا.
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل الكوفة يقول: معنى الزّكيّة والزّاكية واحدٌ، كالقاسية والقسيّة، ويقول: هي الّتي لم تجن شيئًا.
وذلك هو الصّواب عندي لأنّي لم أجد فرقًا بينهما في شيءٍ من كلام العرب.
فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيبٌ، لأنّهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار بمعنًى واحدٍ.
وقوله: {بغير نفسٍ} يقول: بغير قصاصٍ بنفسٍ قتلت، فلزمها القتل قودًا بها
وقوله: {لقد جئت شيئًا نكرًا} يقول: لقد جئت بشيءٍ منكرٍ، وفعلت فعلاً غير معروفٍ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل:
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {لقد جئت شيئًا نكرًا} والنّكر أشدّ من الإمر). [جامع البيان: 15/339-342]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) سعيد بن جبير -رحمه الله -: قال: قلت لابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما: إنّ نوفاً البكاليّ يزعم أنّ موسى - صاحب بني إسرائيل - ليس هو صاحب الخضر.
فقال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعبٍ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قام موسى -عليه السلام -خطيباً في بني إسرائيل»، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ عبداً من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى، أي ربّ، كيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتاً في مكتلٍ، فحيث تفقد الحوت، فهو ثمّ، فانطلق وانطلق معه فتاه، وهو يوشع بن نونٍ، فحمل موسى حوتاً في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان، حتى أتيا الصخرة، فرقد موسى وفتاه، فاضطرب الحوت في المكتل، حتى خرج من المكتل، فسقط في البحر، قال: وأمسك الله عنه جرية الماء حتى كان مثل الطّاق فكان للحوت سرباً وكان لموسى وفتاه عجباً، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، ونسي صاحب موسى أن يخبره، فلما أصبح موسى عليه السلام قال لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} [الكهف: 62] قال: ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجباً} قال موسى: {ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصاً} [الكهف: 63، 64] قال: يقصّان آثارهما، حتى أتيا الصخرة، فرأى رجلاً مسجّى عليه بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال له الخضر: أنّى بأرضك السلام ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، قال له موسى: {هل أتّبعك على أن تعلّمني مما علّمت رشداً. قال إنك لن تستطيع معي صبراً. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً. قال ستجدني إن شاء اللّه صابراً ولا أعصي لك أمراً} قال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً} [الكهف: 66 - 70] قال: نعم، فانطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينةٌ، فكلّموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر، فحملوهما بغير نولٍ، فعمد الخضر إلى لوحٍ من ألواح السفينة، فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ، عمدت إلى سفينتهم، فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً. قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً. قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً} [الكهف: 71، 73]، ثمّ خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا غلامٌ يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعه بيده، فقتله، فقال موسى: {أقتلت نفساً زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً} [الكهف: 74، 75] قال: وهذه أشدّ من الأولى {قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لّدنّي عذراً. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ} يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا {فأقامه قال} له موسى: قومٌ أتيناهم، فلم يضيفونا، ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجراً. قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} [الكهف: 76 - 78] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر، حتى كان يقصّ علينا من أخبارهما» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت الأولى من موسى نسياناً» قال: وجاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السّفينة، ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر.
زاد في رواية: «وعلم الخلائق» ثم ذكر نحوه.
قال سعيد بن جبير: وكان يقرأ «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينةٍ غصباً» وكان يقرأ «وأما الغلام فكان كافراً».
وفي رواية قال: «بينما موسى- عليه السلام - في قومه يذكّرهم بأيّام الله، وأيّام الله: نعماؤه وبلاؤه، إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً أو أعلم منّي» قال:... وذكر الحديث.
وفيه «حوتاً مالحاً».
وفيه: «مسجّى ثوباً، مستلقياً على القفا، أو على حلاوة القفا».
وفيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنّه عجّل لرأى العجب، ولكنّه أخذته من صاحبه ذمامةٌ، قال: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذراً} ولو صبر لرأى العجب، قال: وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه، ثم قال: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ} لئامٍ، فطافا في المجلس، فاستطعما أهلها {فأبوا أن يضيّفوهما} إلى قوله: {هذا فراق بيني وبينك} قال: وأخذ بثوبه، ثم تلا إلى قوله: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} إلى آخر الآية [الكهف: 79]، فإذا جاء الذي يسخّرها وجدها منخرقةً، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك {أرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً} ».
وفي رواية قال: «وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرّك، وانسلّ من المكتل». وذكر نحوه.
وفي رواية: «أنه قيل له: خذ حوتاً، حتى تنفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلّفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، فقال: ما كلّفت كبيراً»... وذكر الحديث.
وفيه «فوجدا خضراً على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر، وأن الخضر قال لموسى: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك، يا موسى، إنّ لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه ».
وفيه في صفة قتل الغلام «فأضجعه فذبحه بالسّكين».
وفيه «كان أبواه مؤمنين، وكان كافراً {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً} يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاةً - لقوله: {قتلت نفساً زكية} - وأقرب رحماً} أرحم بهما من الأول الذي قتل الخضر».
وفي رواية «أنهما أبدلا جارية».
وفي رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ ابن عباسٍ تمارى هو والحرّ بن قيس بن حصنٍ الفزاريّ في صاحب موسى عليه السلام، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمرّ بهما أبيّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عباسٍ فقال: يا أبا الطّفيل، هلمّ إلينا فإنّي قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيّه، فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أبيٌّ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا موسى في ملأٍ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجلٌ، فقال له: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى، عبدنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيّه، فجعل الله له الحوت آية... وذكر الحديث إلى قوله: {فارتدّا على آثارهما قصصاً} فوجدا خضراً، فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه». هذه روايات البخاري، ومسلم.
ولمسلم رواية أخرى بطولها، وفيها فانطلقا، حتى إذا لقيا غلماناً يلعبون، قال: فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي، فقتله، قال: فذعر عندها موسى ذعرة منكرة، قال: {أقتلت نفساً زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند هذا المكان: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجّل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامةٌ».
وعند البخاري فيه ألفاظ غير مسندة، منها: «يزعمون أن الملك كان اسمه: هدد بن بدد، وأنّ الغلام المقتول: كان اسمه فيما يزعمون: حيسور».
وفي رواية في قوله قال: {ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً} قال: «كانت الأولى نسياناً، والوسطى: شرطاً، والثالثة عمداً».
وأخرجه الترمذي مثل الرواية الأولى بطولها.
(وفيها قال سفيان: «يزعم ناسٌ أنّ تلك الصخرة عندها عين الحياة، لا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش»... وذكر الحديث إلى آخره).
وفي رواية لمسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {لتخذت عليه أجراً}.
وعنده قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً».
وفي رواية الترمذي أيضاً: قال «الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافراً... لم يزد».
وأخرج أبو داود من الحديث طرفين مختصرين عن أبيّ بن كعبٍ:
الأول، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً».
والثاني: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: {أقتلت نفساً زكيّةً... } الآية».
وحيث اقتصر أبو داود على هذين الطرفين من الحديث بطوله لم أعلم علامته.
[شرح الغريب]
(مكتل) المكتل: شبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعاً.
(سرباً) السرب: المسلك.
(نصباً) النصب، التعب.
(أوينا) أي: يأوي إلى المنزل: إذا انضم إليه ورجع.
(فارتدا) افتعلا من الارتداد: وهو الرجوع.
(قصصاً) القصص: تتبع الأثر شيئاً بعد شيء، والمعنى: رجعا من حيث جاءا، يقصان الأثر.
(مسجى) المسجى: المغطى.
(رشداً) الرّشد والرّشد: الهدى.
(نول) النّول: العطية والجعل. تقول: نلت الرجل أنوله نولاً: إذا أعطيته، ونلت الشيء أناله نيلاً: وصلت إليه.
(إمراً) الإمر: الأمر العظيم المنكر.
(حلاوة القفا) قال الجوهري: حلاوة القفا بالضم: وسطه، وكذلك حلاوى القفا: فإن مددت، فقلت: حلاواء القفا: فتحت.
(ذمامة) الذمامة بالذال المعجمة: الحياء والإشفاق من الذم، وبالدال غير المعجمة: قبح الوجه، والمراد الأول.
(أرهقهما طغياناً) يقال: رهقه - بالكسر، يرهقه رهقاً، أي: غشيه وأرهقه طغياناً وكفراً، أي أغشاه أياه، ويقال: أرهقني فلان إثماً حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له، والطغيان: الزيادة في المعاصي.
(طنفسه) الطنفسة: واحدة الطنافس: وهي البسط التي لها خمل رقيق.
(كبد البحر) كبد كل شيء: وسطه. وكأنه أراد به ها هنا: جانبه.
(تمارى) المماراة: المجادلة والمخاصمة). [جامع الأصول: 2/220-230] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه: أن لي عبدا بمجمع البحرين وهو أعلم منك، قال موسى: يا رب كيف لي به قال: تأخذ معك حوتا تجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر {فاتخذ سبيله في البحر سربا} وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبرهه بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى {ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه، فقال موسى {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} فقال له الخضر {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا} يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبوا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، {لقد جئت شيئا إمرا} فقال: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسيانا قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمني وما علمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله فقال له موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: وهذه أشد من الأولى {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} قال: مائل فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} فقال: {هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما، قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين). [الدر المنثور: 9/577-579] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق آخر عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عباس جعلني الله فداءك بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل، قال: كذب عدو الله حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى، قيل: بلى، قال: أي رب فأين قال: بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علما أعلم به ذلك، قال: خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كثيرا، قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره.
وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر، قال موسى {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: قد قطع الله عنك النصب فرجعا فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى ثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكسف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام، من أنت قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم، قال: فما شأنك قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى إن لي علما لا ينبغي أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر فعرفوه فقالوا: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا، قال موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} كانت الأولى نسيانا والوسطة والثالثة عمدا {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} ووجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين فقال: {أقتلت نفسا زكية} لم تعمل الحنث، قال ابن عباس قرأها: {زكية} زاكية مسلمة كقولك: غلاما زكيا، {فانطلقا} {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} قال: بيده هكذا ورفع يده فاستقام {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} قال: أجر تأكله {وكان وراءهم ملك} قرأها ابن عباس وكان أمامهم ملك يزعمون مدد بن ندد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور {ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدوها بالقار (فكان أبواه مؤمنين) وكان كافرا {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا} أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر، وزعم غير سعيد أنهما أبدلا جارية). [الدر المنثور: 9/580-583] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد ومسلم، وابن مردويه من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده فقال القوم: إن نوفا الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل فكان ابن عباس متكئا فاستوى جالسا فقال: كذب نوف حدثني أبي بن كعب أنه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني لرأى من صاحبه عجبا، قال: وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبيا من الأنبياء بدأ بنفسه فقال: رحمة الله علينا وعلى صالح ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد ثم قال: إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم إذ قال لهم: ما في الأرض أحد أعلم مني، فأوحى الله إليه: أن في الأرض من هو أعلم منك وآية ذلك أن تزود حوتا مالحا فإذا فقدته فهو حيت تفقده، فتزود حوتا مالحا فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب {فاتخذ سبيله في البحر سربا} قال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان فانطلقا فأصابه ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به فقال موسى: {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال فتاه: يا نبي الله {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} أن أحدثك {وما أنسانيه إلا الشيطان} {فاتخذ سبيله في البحر سربا} {قال ذلك ما كنا نبغ} [ نبغي ] فرجعا {على آثارهما قصصا} يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه فرفع رأسه فقال له: من أنت قال: موسى، قال: من موسى قال: موسى بني إسرائيل، قال: فما لك قال: أخبرت أن عندك علما فأردت أن أصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} قال: قد أمرت أن أفعله {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة} فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها فقال له موسى: تخرقها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} فانطلقا حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} قال له موسى مما نزل به من الجهد: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال حدثني {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها.
وأما الغلام فإنه كان طبع يوم طبع كافرا وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه ولو عصياه شيئا لأرهقهما طغيانا وكفرا فأراد ربك أن يبدلهما {خيرا منه زكاة وأقرب رحما} فوقع أبوه على أمه فعلقت خيرا منه زكاة وأقرب رحما). [الدر المنثور: 9/583-586] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس - وعنده نفر من أهل الكتاب - فقال بعضهم: إن نوفا يزعم عن أبي بن كعب أن موسى النّبيّ الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا فقال ابن عباس: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني، قال: نعم في عبادي من هو أعلم منك فنعت له مكانه فأذن له في لقيه فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي {فاتخذ سبيله في البحر سربا} فانطلقا {فلما جاوزا قال} موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال الفتى وذكر {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسى عليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدا، {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} وكان رجلا يعلم علم الغيب قد علم ذلك فقال موسى: بلى، قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} أي أن ما تعرف ظاهرا ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} وإن رأيت ما يخالفني {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها فقال له موسى - ورأى أمرا أفظع به - {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت} أي بما تركت من عهدك {ولا ترهقني من أمري عسرا} ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه فأخذ بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله فرآى موسى عليه السلام أمرا فظيعا لا صبر عليه صبي صغير قتله لا ذنب له، {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} أي صغيرة {لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا} أي قد عذرت في شأني {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر فقال {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا واستضفناهم فلم يضيفوهما ثم قعدت تعمل في غير صنيعة ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عملك، {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} - في قراءة أبي بن كعب كل سفينة صالحة وإنما عيبها لطرده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} أي ما فعلته عن نفسي {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علما). [الدر المنثور: 9/586-590] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام موسى خطيبا لنبي إسرائيل فأبلغ في الخطبة وعرض في نفسه أن أحدا لم يؤت من العلم ما أوتي وعلم الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له: يا موسى إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك، قال: فادللني عليه حتى أتعلم منه، قال: يدلك عليه بعض زادك، فقال لفتاه يوشع {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا} قال: فكان فيما تزوداه حوت مملوح وكانا يصيبان منه عند العشاء والغداء فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل على ساحل البحر فأصاب الحوت ندى الماء فتحرك في المكتل فقلب المكتل وأسرب في البحر فلما جاوز أحضر الغداء فقال: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} فذكر الفتى {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} فذكر موسى ما كان عهد إليه إنه يدلك عليه بعض زادك، {قال ذلك ما كنا نبغ} أي هذه حاجتنا {فارتدا على آثارهما قصصا} يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوت ما فعل فأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر العرب {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا} فأقر له بالعلم {قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} يقول: حتى أكون أنا أحدث ذلك لك {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها} إلى قوله: {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما} على ساحل البحر في غلمان يلعبون فعهد إلى أجودهم وأصبحهم {فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا}، قال ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاستحى نبي الله موسى عند ذلك فقال: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها} إلى قوله: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} قال: وهي في قراءة أبي بن كعب يأخذ كل سفينة صالحة غصبا فأردت أن أعيبها حتى لا يأخذها الملك فإذا جاوزوا الملك رقعوها فانتفعوا بها وبقيت لهم {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} إلى قوله: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} قال: فجاء طائر هذه الحمرة فبلغ فجعل بغمس منقاره في البحر فقال له: يا موسى ما يوق هذا الطائر قال: لا أدري، قال: هذا يقول: ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا كما أنقص بمنقاري من جميع ما في هذا البحر). [الدر المنثور: 9/590-592] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الروياني، وابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينما موسى عليه السلام يذكر بني إسرائيل إذ حدث نفسه أنه ليس أحد من الناس أعلم منه فأوحى الله إليه: أني قد علمت ما حدثت به نفسك فإن من عبادي رجلا أعلم منك، يكون على ساحل البحر فأته فتعلم منه واعلم أن الآية الدالة لك على مكانه زادك الذي تزود به فأينما فقدته فهناك مكانه، ثم خرج موسى وفتاه قد حملا حوتا مالحا في مكتل وخرجا يمشيان لا يجدان لغوبا ولا عنتا حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضر فمضى موسى وجلس فتاه فشرب منها فوثب الحوت من المكتل حتى وقع في الطين ثم جرى حتى وقع في البحر، فذلك قوله تعالى: {فاتخذ سبيله في البحر سربا} فانطلق حتى لحق موسى فلما لحقه أدركه العياء فجلس وقال لفتاه {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: ففقد الحوت فقال: {فإني نسيت الحوت} الآية، يعني فتى موسى {واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ} إلى {قصصا} فانتهيا إلى الصخرة فأطاف بها موسى فلم ير شيئا ثم صعد فإذا على ظهرها رجل متلفف بكسائه نائم فسلم عليه موسى فرفع رأسه فقال: أنى السلام بهذا المكان، من أنت قال: موسى بني إسرائيل، قال: فما كان لك في قومك شغل عني قال: أني أمرت بك، فقال الخضر: {إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال ستجدني إن شاء الله صابرا} الآية، {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر فإذا قوم قد ركبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر ركبوا معهم فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضر حديدة كانت معه فخرق بها السفينة {قال أخرقتها لتغرق أهلها} الآية، {قال ألم أقل} الآية، {قال لا تؤاخذني} الآية، {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} فوجدا صبيانا يلعبون يريدون القرية فأخذ الخضر غلاما منهم وهو أحسنهم وألطفهم فقتله قال له موسى: {أقتلت نفسا زكية} الآية، {قال ألم أقل لك} الآية، {قال إن سألتك} الآية، فانطلقا حتى انتهيا إلى قرية لئام وبهما جهد فاستطعموهم فلم يطعموهم فرأى الجدار مائلا فمسحه الخضر بيده فاستوى فقال: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} قال له موسى: قد ترى جهدنا وحاجتنا لو سألتهم عليه أجرا أعطوك فنتعشى به {قال هذا فراق بيني وبينك}، قال: فأخذ موسى بثوبه فقال: أنشدك الصحبة إلا أخبرتني عن تأويل ما رأيت قال: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} الآية، خرقتها لأعيبها فلم تؤخذ فأصلحها أهلها فامتنعوا بها وأما الغلام فإن الله جعله كافرا وكان أبواه مؤمنين فلو عاش لأرهقهما {طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة} الآية). [الدر المنثور: 9/592-595] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله: {لقيا غلاما} قال: كان غلاما ابن عشرين سنة). [الدر المنثور: 9/611]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: لما قتل الخضر الغلام ذعر موسى ذعرة منكرة). [الدر المنثور: 9/611]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {نفسا زكية} قال: تائبة). [الدر المنثور: 9/611]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ [ قتلت نفسا زكية ] قال سعيد: زكية مسلمة). [الدر المنثور: 9/611]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {نفسا زكية} قال: لم تبلغ الخطايا). [الدر المنثور: 9/611]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية أنه كان يقرأ {زكية} يقول: تائبة). [الدر المنثور: 9/611]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن الحسن في قوله: {نفسا زكية} قال: تائبة، يعني صبيا لم يبلغ). [الدر المنثور: 9/612]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {لقد جئت شيئا نكرا} قال: النكر أنكر من العجب). [الدر المنثور: 9/612]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد عن عطاء قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه: إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم). [الدر المنثور: 9/612]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن جرير قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن قتل الولدان ويقول في كتابه: إن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد، قال يزيد: أنا كتبت كتاب ابن عباس بيدي إلى نجدة أنك كتبت تسأل عن قتل الولدان وتقول في كتابك أن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد ولو كنت تعلم من الولدان ما علم ذلك العالم من ذلك الوليد قتلته ولكنك لا تعلم، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم فاعتزلهم). [الدر المنثور: 9/612]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن أبي مليكة قال: سئل ابن عباس عن الولدان في الجنة قال: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر). [الدر المنثور: 9/612-613]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن مردويه عن أبي بن كعب عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا). [الدر المنثور: 9/613]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا). [الدر المنثور: 9/613]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا). [الدر المنثور: 9/613]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: قال موسى لفتاه يوشع بن نون {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} فاصطادا حوتا فاتخذاه زادا وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي أرادها فهاجت ريح فاشتبه عليه المكان ونسيا عليه الحوت ثم ذهبا فسارا حتى اشتهيا الطعام فقال لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} يعني جهدا في السير، فقال الفتى لموسى: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره}، قال: فسمعنا عن ابن عباس أنه حدث عن رجال من علماء أهل الكتاب أن موسى دعا ربه على أثره ومعه ماء عذب في سقاء فصب من ذلك الماء في البحر وانصب على أثره فصار حجرا أبيض أجوف فأخذ فيه حتى انتهى إلى الصخرة التي أراد فصعدها وهو متشوف: هل يرى ذلك الرجل حتى كاد يسيء الظن ثم رآه فقال: السلام عليك يا خضر، قال: عليك السلام يا موسى، قال: من حدثك أني أنا موسى، قال: حدثني الذي حدثك أني أنا الخضر، قال: إني أريد أن أصحبك {على أن تعلمن مما علمت رشدا} وأنه تقدم إليه فنصحه فقال: {إنك لن تستطيع معي صبرا (68) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} وذلك بأن أحدهم لو رأى شيئا لم يكن رآه قط ولم يكن شهده ما كان يصبر حتى يسأل ما هذا فلما أبى عليه موسى إلا أن يصحبه {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} إن عجلت علي في ثلاث فذلك حين أفارقك، فهم قيام ينظرون إذ مرت سفينة ذاهبة إلى أبلة فناداهم خضر: يا أصحاب السفينة هلم إلينا فاحملونا في سفينتكم وإن أصحاب السفينة قالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالا في مكان مخوف إنما يكون هؤلاء لصوصا فلا تحملهم، فقال صاحب السفينة: إني أرى رجالا على وجوههم النور لأحملنهم، فقال الخضر: بكم حملت هؤلاء كل رجل حملت في سفينتك فلك لكل رجل منا الضعف، فحملهم فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض - وقد أمر صاحب القرية: إن أبصرتم كل سفينة صالحة ليس فيها عيب فائتوني بها - وإن الخضر أمر أن يجعل فيها عيبا لكي لا يسخروها فخرقها فنبع فيها الماء وإن موسى امتلأ غضبا {قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} وإن موسى عليه السلام شد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر في البحر فقال: أردت هلاكهم فتعلم أنك أول هالك: فجعل موسى كلما ازداد غضبا استقر البحر وكلما سكن كان البحر كالدهر وإن يوشع بن نون قال لموسى عليه السلام: ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك وإن الخضر أقبل عليه {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} وإن موسى أدركه عند ذلك الحلم فقال: {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} فلما انتهوا إلى القرية قال خضر: ما خلصوا إليكم حتى خشوا الغرق وإن الخضر أقبل على صاحب السفينة فقال: إنما أردت الذي هو خير لك فحمدوا رأيه في آخر الحديث وأصلحها الله كما كانت، ثم إنهم خرجوا حتى انتهوا إلى غلام شاب عهد إلى الخضر أن أقتله فقتله {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} إلى قوله: {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} وإن خضرا أقبل عليه فقال: قد وفيت لك بما جعلت على نفسي {هذا فراق بيني وبينك} {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} فكان لا يغضب أحدا إلا دعا عليه وعلى أبويه فطهر الله أبويه أن يدعو عليهما أحد وأيد لهما مكان الغلام آخر خيرا منه وأبر بوالديه {وأقرب رحما}، {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما} فسمعنا أن ذلك الكنز كان علما فورثا ذلك العلم). [الدر المنثور: 9/620-623] (م)

تفسير قوله تعالى: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدّثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى بني إسرائيل ليس بموسى الخضر، فقال: كذب عدوّ اللّه، حدّثنا أبيّ بن كعبٍ، عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: " قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فقيل له: أيّ النّاس أعلم؟ قال: أنا، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، وأوحى إليه: بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال: أي ربّ، كيف السّبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتلٍ، فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه، قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ، ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة، فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه فنام، - قال سفيان: وفي حديث غير عمرٍو، قال: وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلّا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين - قال: فتحرّك وانسلّ من المكتل، فدخل البحر فلمّا استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} [الكهف: 62] الآية، قال: ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به، قال له فتاه يوشع بن نونٍ: {أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت} [الكهف: 63] الآية، قال: فرجعا يقصّان في آثارهما، فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت، فكان لفتاه عجبًا، وللحوت سربًا، قال: فلمّا انتهيا إلى الصّخرة، إذ هما برجلٍ مسجًّى بثوبٍ، فسلّم عليه موسى، قال: وأنّى بأرضك السّلام، فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشدًا؟ قال له الخضر: يا موسى، إنّك على علمٍ من علم اللّه علّمكه اللّه لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم اللّه علّمنيه اللّه لا تعلمه، قال: بل أتّبعك، قال: فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا، فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهم سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ - يقول بغير أجرٍ - فركبا السّفينة، قال: ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم اللّه إلّا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره، قال: فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها {لقد جئت} [الكهف: 71] الآية، فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فقطعه، قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ، لقد جئت شيئًا نكرًا قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} [الكهف: 75] إلى قوله {فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} [الكهف: 77]- فقال بيده: هكذا - فأقامه، فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا، {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا، قال: هذا فراق بيني وبينك، سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} [الكهف: 77] ، فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما " قال: وكان ابن عبّاسٍ يقرأ: «وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا، وأمّا الغلام فكان كافرًا»). [صحيح البخاري: 6/91-93] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله لقيا غلامًا في رواية سفيان فبينما هما يمشيان على الساحلي إذ أبصر الخضر غلامًا قوله فقتله الفاء عاطفةٌ على لقيا وجزاء الشّرط قال أقتلت والقتل من جملة الشّرط إشارةً إلى أنّ قتل الغلام يعقب لقاءه من غير مهلةٍ وهو بخلاف قوله حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها فإنّ الخرق وقع جواب الشّرط لأنّه تراخى عن الرّكوب قوله قال يعلى هو بن مسلمٍ وهو بالإسناد المذكور قال سعيدٌ هو بن جبيرٍ وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفا في رواية أخرى عن بن جريجٍ عند عبد بن حميدٍ غلامًا وضيء الوجه فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين وفي رواية سفيان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله وفي روايته في الباب الّذي يليه فقطعه ويجمع بينهما بأنّه ذبحه ثمّ اقتلع رأسه وفي روايةٍ أخرى عند الطّبريّ فأخذ صخرةً فثلغ رأسه وهي بمثلثة ثمّ معجمةٍ والأوّل أصحّ ويمكن أن يكون ضرب رأسه بالصّخرة ثمّ ذبحه وقطع رأسه قوله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لم تعمل الحنث بكسر المهملة وسكون النّون وآخره مثلّثةٌ ولأبي ذرٍّ بفتح المعجمة والموحّدة وقوله لم تعمل تفسيرٌ لقوله زكيّةً والتّقدير أقتلت نفسًا زكيّةً لم تعمل الحنث بغير نفس قوله وابن عبّاسٍ قرأها كذا لأبي ذرٍّ ولغيره وكان بن عبّاس يقرؤها زكية وهي قراءة الأكثر وقرأ نافع وبن كثيرٍ وأبو عمرٍو زاكيةً والأولى أبلغ لأنّ فعيلةً من صيغ المبالغة قوله زاكيةً مسلمةً كقولك غلامًا زاكيًا هو تفسيرٌ من الرّاوي ويشير إلى القراءتين أي أن قراءة بن عبّاسٍ بصيغة المبالغة والقراءة الأخرى باسم الفاعل بمعنى مسلمة وإنّما أطلق ذلك موسى على حسب ظاهر حال الغلام لكن اختلف في ضبط مسلمةً فالأكثر بسكون السّين وكسر اللّام ولبعضهم بفتح السّين وتشديد اللّام المفتوحة وزاد سفيان في روايته هنا ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرا قال وهذه أشدّ من الأولى زاد مسلمٌ من رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جبيرٍ في هذه القصّة فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة اللّه علينا وعلى موسى لولا أنّه عجل لرأى العجب ولكنّه أخذته ذمامةٌ من صاحبه فقال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني ولابن مردويه من طريق عبد اللّه بن عبيد بن عميرٍ عن سعيد بن جبيرٍ فاستحيا عند ذلك موسى وقال إن سألتك عن شيءٍ بعدها وهذه الزّيادة وقع مثلها في رواية عمرو بن دينارٍ من رواية سفيان في آخر الحديث قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ اللّه علينا من أمرهما زاد الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة عن سفيان أكثر ممّا قصّ). [فتح الباري: 8/419-420] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ قال حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال قلت لابن عبّاسٍ إنّ نوفاً البكاليّ يزعم أنّ موسى بنى إسرائيل ليس بموسى الخضر فقال كذب عدوّ الله حدّثنا أبيّ بن كعبٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قام موسى خطيباً في بني إسرائيل فقيل له أي النّاس أعلم قال أنا فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه وأوحى إليه بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك قال أي ربّ كيف السّبيل إليه قال تأخذ حوتاً في مكتلٍ فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه قال فخرج موساى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان وفي حديث غير عمرٍ وقال وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلاّ حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال فتحرّك وانسلّ من المكتل فدخل البحر كلّما استيقظ موسى قال لفتاه آتنا غداءنا الآية قال ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به قال له فتاه يوشع بن نونٍ أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت الآية قال فرجعا يقصّان في آثارهما فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت فكان لفتاه عجباً وللحوت سرباً قال فلمّا انتهيا إلى الصّخرة إذ هما برجلٍ مسجّى بثوبٍ فسلّم عليه موسى قال وأنّي بأرضك السّلام فقال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم قال هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشداً قال له الخضر يا موسى إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه وأنا على علمٍ من علم الله علّمنيه الله لا تعلمه قال بل أتّبعك قال فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهما سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ يقول بغير أجرٍ فركبا السّفينة قال ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره البحر فقال الخضر لموسى ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلاّ مقدار ما غمس هاذا العصفور منقاره قال فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فقطعه قال له موسى أقتلت نفساً زكيّة بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبراً إلى قوله فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ فقال بيده هاكذا فأقامه فقال له موسى إنّا دخلنا هاذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا لو شئت لاتّخذت عليه أجراً قال هاذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما قال وكان ابن عبّاسٍ يقرأ وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصباً وأمّا الغلام فكان كافراً..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. قوله: (قال لفتاه آتنا غداءنا) وهو طريق آخر في الحديث المذكور قبله، وهو عن قتيبة عن سفيان إلى آخره، وفيه بعض اختلاف في المتن ببعض زيادة وبعض نقصان، وفيه: حدثني قتيبة حدثني سفيان، ويروى: حدثنا قتيبة حدثنا سفيان، وفيه: عن عمرو بن دينار، وفي رواية الحميدي في الباب المتقدّم: حدثنا عمرو بن دينار.
قوله: (يقال لها الحياة) ، وهي المشهورة بين النّاس: بماء الحياة وعين الحياة. قوله: (فلم يفجأ) ، ويروى: فلم يفج، ووجهه أن الهمزة تخفف فتصير ألفا فتحذف بالجازم نحو: لم يخش. قوله: (وكان ابن عبّاس يقرأ) إلى آخره، ووافقه عليها عثمان أيضا). [عمدة القاري: 19/47-48] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ، حدّثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى نبي الله ليس بموسى الخضر فقال: كذب عدوّ اللّه حدّثنا أبيّ بن كعبٍ عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: «قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فقيل له أيّ النّاس أعلم؟ قال: أنا فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه وأوحى إليه بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: أي ربّ كيف السّبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتلٍ فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام" -قال سفيان وفي حديث غير عمرٍو قال: "وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلاّ حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال- فتحرّك وانسلّ من المكتل فدخل البحر فلمّا استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} [الكهف: 62] الآية قال: ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به قال له فتاه يوشع بن نونٍ: {أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت} [الكهف: 63] الآية قال: فرجعا يقصّان في آثارهما فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت فكان لفتاه عجبًا وللحوت سربًا قال: فلمّا انتهيا إلى الصّخرة إذ هما برجلٍ مسجًّى بثوبٍ فسلّم عليه موسى قال: وأنّى بأرضك السّلام؟ فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشدًا؟ قال له الخضر: يا موسى إنّك على علمٍ من علم اللّه علّمكه اللّه لا أعلمه وأنا على علمٍ من علم اللّه علّمنيه اللّه لا تعلمه قال: بل أتّبعك قال: فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهما سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ" -يقول بغير أجرٍ- "فركبا السّفينة قال: ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره البحر فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم اللّه إلاّ مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره قال: فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فقطعه قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا * قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} [الكهف: 74 و75] إلى قوله: {فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} فقال بيده هكذا {فأقامه} [الكهف: 77] فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} [الكهف: 77، 78] فقال رسول اللّه: «وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما». قال: وكان ابن عبّاسٍ يقرأ وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا وأمّا الغلام فكان كافرًا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر أيضًا حدّثنا (سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام الحافظ الحجة تغير حفظه بأخرة وربما دلس عن الثقات وهو من أثبت الناس في عمرو بن دينار (عن عمرو بن دينار) المكي الجمحي مولاهم (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي أنه (قال: قلت لابن عباس أن نوفًا) كذا في اليونينية وفي الفرع نوف بغير ألف (البكالي) بكسر الموحدة نسبة إلى بني بكال بطن من حمير ونوف بغير صرف وصرفه أشهر كما مر ولأبي ذر البكالي بفتح الموحدة (يزعم أن موسى نبي الله) المرسل إلى بني إسرائيل كذا في الفرع موسى نبي الله والذي في اليونينية يزعم أن موسى نبي بني إسرائيل (ليس بموسى الخضر) بل موسى آخر (فقال) ابن عباس -رضي الله عنهما- (كذب عدوّ الله) يعني نوفًا وعبّر بذلك للزجر والتحذير لا قدحًا فيه (حدّثنا أبي بن كعب عن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أنه (قال): (قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل) يذكرهم بنعم الله عليهم وعليه يذكر ما أكرمه الله به من رسالته وتكريمه وتفضيله (فقيل له: أي الناس أعلم) أي منهم (قال) ولأبي ذر فقال: (أنا) أي أعلم (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) كان يقول الله أعلم (وأوحى إليه) بفتح الهمزة والحاء (بلى عبد من عبادي) كائن (بمجمع البحرين هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص والعالم بالعلم الخاص لا يلزم منه أن يكون أعلم من العالم بالعلم العام (قال: أي رب كيف السبيل إليه) أي إلى لقائه (قال: تأخد حوتًا في مكتل فحيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فاتبعه) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر عن الكشميهني فاتبعه بسكون الفوقية وفتح الموحدة أي اتبع أثر الحوت فإنك ستلقى العبد الأعلم (قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون) مجرور بالإضافة منصرف كنوح على الفصحى (ومعهما الحوت) المأمور به (حتى انتهيا إلى الصخرة) التي عند مجمع البحرين (فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق (وفي حديث غير عمرو) لعل الغير المذكور كما قال في الفتح قتادة لما عند ابن أبي حاتم من طريقه (قال وفي أبي الصخرة عين يقال لها) ولأبي الوقت والأصيلي له (الحياة) بتاء التأنيث آخره (لا يصيب من مائها شيء) من الحيوان (إلا حيي) وعند ابن إسحاق من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي لا تصيب بالفوقية أي العين شيئًا أي من الحيوان إلا حيي (فأصاب الحوت من) رشاش (ماء تلك العين قال فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر) ولعل هذه العين إن ثبت النقل فيها هي التي شرب منها الخضر فخلد كما قال به جماعة كما مر (فلما استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} الآية) أي بعد أن نسي الفتى أن يخبره بأن الحوت حيي وانطلاقهما سائرين بقية يومهما وليلتهما حتى كان من الغد قال له إذ ذاك آتنا غداءنا (قال ولم يجد النصب حتى جاوز ما أمر به) فألقى الله عليه الجوع والنصب (قال له فتاه يوشع بن نون {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي أن أخبرك بخبره (الآية) إلى قوله: {ذلك ما كنا نبغ} [الكهف: 64] (قال فرجعا يقصّان في آثارهما) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا في البحر كالطاق ممر الحوت) مفعول وجدا (فكان لفتاه عجبًا) إذ هو أمر خارق (وللحوت سربًا) مسلكًا وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: رجع موسى فوجد الحوت فجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يصير صخرة (قال: فلما انتهيا إلى الصخرة إذا) والذي في اليونينية إذ (هما برجل مسجى) مغطى (بثوب) وفي رواية الربيع عن أنس عند ابن أبي حاتم قال انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة فدخلها موسى على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (فسلم عليه موسى قال) الخضر بعد أن رد السلام عليه وكشف الثوب عن وجهه (وأنى) بهمزة نون مشددة مفتوحتين أي وكيف (بأرضك السلام) وأهلها كفار أو لم يكن السلام تحيتهم (فقال) موسى بعد أن قال له الخضر من أنت: (أنا موسى قال) الخضر (موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال) له موسى: ({هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا}) أي علمًا ذا رشد أسترشد به (قال) ولأبي ذر فقال (له الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه) فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه (قال) موسى (بل أتبعك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هل والأولى أوضح ({قال}) الخضر: ({فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء}) تنكره ابتداء ({حتى أحدث لك منه ذكرًا}) حتى أبداك ببيانه (فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت بهما سفينة) ولأبي ذر: بهم أي بموسى ويوشع والخضر (فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نول) بفتح النون وسكون الواو (يقول بغير أجر) أي أجرة (فركبا السفينة) ولم يذكر يوشع لأنه تابع غير مقصود بالأصالة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فركبا في السفينة (قال: ووقع عصفور) بضم العين (على حرف السفينة فغمس منقاره البحر) بنصبهما ولأبي ذر في البحر (فقال الخضر لموسى) ولأبي ذر: يا موسى (ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار) بالرفع (ما غمس هذا العصفور منقاره) وفي رواية ما نقص علمي وعلمك من علم الله والعلم يطلق ويراد به المعلوم وعلم الله لا يدخله نقص ونقص العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا فهو كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم = بهن فلول من قراع الكتائب
أي لا عيب فيهم.
(قال: فلم يفجأ موسى) بالهمزة (إذ عمد الخضر) بفتح الميم (إلى قدوم) بفتح القاف وتخفيف الدال أي الآلة المعروفة (فخرق السفينة فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت) بفتح الميم أيضًا (إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية). وسقط لأبي ذر لقد جئت والآية (فانطلقا) بعد أن خرجا من السفينة (إذ هما بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني فأخذ الخضر رأسه بحذف الجار والنصب مفعول أخذ (فقطعه قال) ولأبي الوقت فقال الله موسى: {أقتلت نفسًا زكية} بالتشديد طاهرة ({بغير نفس}) قيل وكان القتل في أبلة بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة مدينة قرب بصرة وعبادان ({لقد جئت شيئًا نكرًا}) منكرًا ({قال}) الخضر: ({ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا}) وأتى بلك مع نكرًا بخلاف أمرًا قيل لأن النكر أبلغ لأن معه القتل الحتم بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه (إلى قوله: {فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض}) أن يسقط (فقال) الخضر (بيده هكذا {فأقامه} فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القربة فلم يضيفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك}) قال في الأنوار: الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو إلى الاعتراض الثالث أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته ({سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا}) لكونه منكرًا من حيث الظاهر وقد كانت أحكام موسى كغيره من الأنبياء مبنيّة على الظواهر ولذا أنكر خرق السفينة وقتل الغلام إذ التصرف في أموال الناس وأرواحهم بغير حق حرام في الشرع الذي شرعه لأنبيائه عليهم السلام إذ لم يكلفنا إلى الكشف عن البواطن لما في ذلك من الحرج وأما وقوع ذلك من الخضر فالظاهر أنه قد شرع له أن يعمل بما كشف له من بواطن الأسرار واطلع عليه من حقائق الأستار فلما علم الخضر علمًا يقينًا أنه إن لم يعب السفينة بالخرق غصبها الملك وجب عليه ذلك دفعًا للضرر عن ملاكها إذ لو تركها ولم يعبها فاتت بالكلية عليهم بأخذ الملك لها وكذا قتل الغلام فإنه علم بالوحي أنه إن لم يقتله تبعه أبواه على الكفر لمزيد محبتهما له فكانت المضرة بقتله أيسر من إبقائه لا سيما والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في شريعتهم واجبًا لأن أخذ الجزية لم يكن سائغًا لهم وقد رزقهما الله خيرًا منه كما مرّ ولو ترك الجدار حتى يسقط ضاع مال أولئك الأيتام فكانت المصلحة التامة في إقامته ولعل ذلك كان واجبًا عليه.
(فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-: وددنا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (إن موسى صبر حتى يقص) بضم أوله وفتح آخره مبنيًّا للمفعول (علينا من أمرهما قال وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة) غير معيبة (غصبًا وأما الغلام فكان كافرًا) وقد سبق أن أمام يستعمل موضع وراء فهي مفسّرة للآية كما مرّ وقوله تعالى: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} [الكهف: 80] فيه إشعار بأن الغلام كان كافرًا كما في هذه القراءة لكنها كقراءة أمامهم وصالحة من الشواذ المخالفة لمصحف عثمان والله الموفق). [إرشاد الساري: 7/227-229] (م)
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب بني إسرائيل ليس بموسى صاحب الخضر، قال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعبٍ، يقول: سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ النّاس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى اللّه إليه أنّ عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: أي ربّ، فكيف لي به؟ فقال له: احمل حوتًا في مكتلٍ فحيث تفقد الحوت فهو ثمّ، فانطلق وانطلق معه فتاه وهو يوشع بن نونٍ فجعل موسى حوتًا في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتّى إذا أتيا الصّخرة، فرقد موسى وفتاه فاضطرب الحوت في المكتل حتّى خرج من المكتل فسقط في البحر، قال: وأمسك اللّه عنه جرية الماء، حتّى كان مثل الطّاق وكان للحوت سربًا.
وكان لموسى ولفتاه عجبًا، فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما ونسّي صاحب موسى أن يخبره، فلمّا أصبح موسى {قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} قال: ولم ينصب حتّى جاوز المكان الّذي أمر به {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنسانيه إلاّ الشّيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجبًا} قال موسى {ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصًا} قال: فكانا يقصّان آثارهما، قال سفيان: يزعم ناسٌ أنّ تلك الصّخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميّتًا إلاّ عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلمّا قطر عليه الماء عاش، قال: فقصّا آثارهما حتّى أتيا الصّخرة، فرأى رجلاً مسجًّى عليه بثوبٍ، فسلّم عليه موسى، فقال: أنّى بأرضك السّلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه اللّه لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علّمنيه لا تعلمه، فقال موسى: {هل أتّبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رشدًا (66) قال إنّك لن تستطيع معي صبرًا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا (68) قال ستجدني إن شاء اللّه صابرًا ولا أعصي لك أمرًا} قال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا} قال: نعم، فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينةٌ فكلّماهم أن يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نولٍ فعمد الخضر إلى لوحٍ من ألواح السّفينة فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا (71) قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} ثمّ خرجا من السّفينة فبينما هما يمشيان على السّاحل وإذا غلامٌ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده، فقتله، قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا (74) قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} قال: وهذه أشدّ من الأولى {قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا (76) فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} يقول: مائلٌ، فقال الخضر بيده هكذا {فأقامه} فقال له موسى: قومٌ أتيناهم فلم يضيّفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: يرحم اللّه موسى لوددنا أنّه كان صبر حتّى يقصّ علينا من أخبارهما. قال: وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: الأولى كانت من موسى نسيانٌ. وقال: وجاء عصفورٌ حتّى وقع على حرف السّفينة ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من البحر قال سعيد بن جبيرٍ: وكان يعني ابن عبّاسٍ، يقرأ: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا وكان يقرأ: وأمّا الغلام فكان كافرًا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورواه الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد رواه أبو إسحاق الهمدانيّ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال أبو مزاحمٍ السّمرقنديّ: سمعت عليّ بن المدينيّ يقول: حججت حجّةً وليس لي همّةٌ إلاّ أن أسمع من سفيان يذكر في هذا الحديث الخبر حتّى سمعته يقول: حدّثنا عمرو بن دينارٍ، وقد كنت سمعت هذا من سفيان من قبل ذلك، ولم يذكر فيه الخبر). [سنن الترمذي: 5/160-163] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا (75) قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا}.
يقول تعالى ذكره: قال العالم لموسى ألم أقل لك إنّك لن تطيق صبرًا معي على ما ترى من أفعالي الّتي لم تحط بها خبرًا). [جامع البيان: 15/342-343]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه: أن لي عبدا بمجمع البحرين وهو أعلم منك، قال موسى: يا رب كيف لي به قال: تأخذ معك حوتا تجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر {فاتخذ سبيله في البحر سربا} وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبرهه بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى {ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه، فقال موسى {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} فقال له الخضر {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا} يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبوا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، {لقد جئت شيئا إمرا} فقال: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسيانا قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمني وما علمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله فقال له موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: وهذه أشد من الأولى {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} قال: مائل فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} فقال: {هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما، قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين). [الدر المنثور: 9/577-579] (م)

تفسير قوله تعالى: (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) )
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى {إن سألتك عن شيءٍ بعدها}
- أخبرنا أحمد بن الخليل، عن حجّاج بن محمّدٍ، عن حمزة الزّيّات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يومٍ: " رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب العاجب، ولكنّه قال: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي} [الكهف: 76] عذرًا). [السنن الكبرى للنسائي: 10/165]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (قال موسى له: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها} يقول: بعد هذه المرّة {فلا تصاحبني} يقول: ففارقني، فلا تكن لي مصاحبًا {قد بلغت من لدنّي عذرًا} يقول: قد بلغت العذر في شأني.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة: {" من لدني عذرًا "} بفتح اللاّم وضمّ الدّال وتخفيف النّون.
وقرأه عامّة قرّاء الكوفة والبصرة بفتح اللاّم وضمّ الدّال وتشديد النّون.
وقرأه بعض قرّاء الكوفة بإشمام الدّال الضّم وتسكينها وتخفيف النّون.
وكأنّ الّذين شدّدوا النّون طلبوا للنّون الّتي في لدن السّلامة من الحركة، إذ كانت في الأصل ساكنةً، ولو لم تشدّد لتحرّكت، فشدّدوها كراهةً منهم تحريكها، كما فعلوا ذلك في " من، وعن " إذ أضافوهما إلى مكنيّ المخبر عن نفسه، فشدّدوها، فقالوا منّي وعنّي. وأمّا الّذين خفّفوها، فإنّهم وجدوا مكنيّ المخبر عن نفسه في حال الخفض ياءً وحدها لا نون معها، فأجروا ذلك مع لدن على حسب ما جرى به كلامهم في ذلك مع سائر الأشياء غيرها.
والصّواب من القول في ذلك عندي أنّهما لغتان فصيحتان، قد قرأ بكلّ واحدةٍ منهما علماءٌ من القرّاء بالقرآن، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ، غير أنّ أعجب القراءتين إليّ في ذلك قراءة من فتح اللاّم وضمّ الدّال وشدّد النّون. لعلّتين: إحداهما أنّها أشهر اللّغتين، والأخرى أنّ محمّد بن نافعٍ البصريّ:
- حدّثنا قال: حدّثنا أميّة بن خالدٍ، قال: حدّثنا أبو الجارية العبديّ، عن شعبه، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ {قد بلغت من لدنّي عذرًا} مثقّلةً.
- حدّثني عبد اللّه بن أبي زيادٍ، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّدٍ، عن حمزة الزّيّات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مثله.
وذكر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلا هذه الآية فقال: " استحيا نبى اللّه موسى ".
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا بدل بن المحبّر، قال: حدّثنا عبّاد بن راشدٍ، قال: حدّثنا داود، في قول اللّه عزّ وجلّ {إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا} قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " استحيا نبى اللّه موسى عندها ".
- حدّثني عبد اللّه بن أبي زيادٍ، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّدٍ، عن حمزة الزّيّات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، قال: كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يومٍ: " رحمة اللّه علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب ولكنّه قال: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا} " مثقّلةً). [جامع البيان: 15/343-345]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) سعيد بن جبير -رحمه الله -: قال: قلت لابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما: إنّ نوفاً البكاليّ يزعم أنّ موسى - صاحب بني إسرائيل - ليس هو صاحب الخضر.
فقال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعبٍ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قام موسى -عليه السلام -خطيباً في بني إسرائيل»، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ عبداً من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى، أي ربّ، كيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتاً في مكتلٍ، فحيث تفقد الحوت، فهو ثمّ، فانطلق وانطلق معه فتاه، وهو يوشع بن نونٍ، فحمل موسى حوتاً في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان، حتى أتيا الصخرة، فرقد موسى وفتاه، فاضطرب الحوت في المكتل، حتى خرج من المكتل، فسقط في البحر، قال: وأمسك الله عنه جرية الماء حتى كان مثل الطّاق فكان للحوت سرباً وكان لموسى وفتاه عجباً، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، ونسي صاحب موسى أن يخبره، فلما أصبح موسى عليه السلام قال لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} [الكهف: 62] قال: ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجباً} قال موسى: {ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصاً} [الكهف: 63، 64] قال: يقصّان آثارهما، حتى أتيا الصخرة، فرأى رجلاً مسجّى عليه بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال له الخضر: أنّى بأرضك السلام ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، قال له موسى: {هل أتّبعك على أن تعلّمني مما علّمت رشداً. قال إنك لن تستطيع معي صبراً. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً. قال ستجدني إن شاء اللّه صابراً ولا أعصي لك أمراً} قال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً} [الكهف: 66 - 70] قال: نعم، فانطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينةٌ، فكلّموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر، فحملوهما بغير نولٍ، فعمد الخضر إلى لوحٍ من ألواح السفينة، فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ، عمدت إلى سفينتهم، فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً. قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً. قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً} [الكهف: 71، 73]، ثمّ خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا غلامٌ يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعه بيده، فقتله، فقال موسى: {أقتلت نفساً زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً} [الكهف: 74، 75] قال: وهذه أشدّ من الأولى {قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لّدنّي عذراً. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ} يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا {فأقامه قال} له موسى: قومٌ أتيناهم، فلم يضيفونا، ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجراً. قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} [الكهف: 76 - 78] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر، حتى كان يقصّ علينا من أخبارهما» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت الأولى من موسى نسياناً» قال: وجاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السّفينة، ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر.
زاد في رواية: «وعلم الخلائق» ثم ذكر نحوه.
قال سعيد بن جبير: وكان يقرأ «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينةٍ غصباً» وكان يقرأ «وأما الغلام فكان كافراً».
وفي رواية قال: «بينما موسى- عليه السلام - في قومه يذكّرهم بأيّام الله، وأيّام الله: نعماؤه وبلاؤه، إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً أو أعلم منّي» قال:... وذكر الحديث.
وفيه «حوتاً مالحاً».
وفيه: «مسجّى ثوباً، مستلقياً على القفا، أو على حلاوة القفا».
وفيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنّه عجّل لرأى العجب، ولكنّه أخذته من صاحبه ذمامةٌ، قال: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذراً} ولو صبر لرأى العجب، قال: وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه، ثم قال: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ} لئامٍ، فطافا في المجلس، فاستطعما أهلها {فأبوا أن يضيّفوهما} إلى قوله: {هذا فراق بيني وبينك} قال: وأخذ بثوبه، ثم تلا إلى قوله: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} إلى آخر الآية [الكهف: 79]، فإذا جاء الذي يسخّرها وجدها منخرقةً، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك {أرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً} ».
وفي رواية قال: «وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرّك، وانسلّ من المكتل». وذكر نحوه.
وفي رواية: «أنه قيل له: خذ حوتاً، حتى تنفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلّفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، فقال: ما كلّفت كبيراً»... وذكر الحديث.
وفيه «فوجدا خضراً على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر، وأن الخضر قال لموسى: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك، يا موسى، إنّ لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه ».
وفيه في صفة قتل الغلام «فأضجعه فذبحه بالسّكين».
وفيه «كان أبواه مؤمنين، وكان كافراً {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً} يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاةً - لقوله: {قتلت نفساً زكية} - وأقرب رحماً} أرحم بهما من الأول الذي قتل الخضر».
وفي رواية «أنهما أبدلا جارية».
وفي رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ ابن عباسٍ تمارى هو والحرّ بن قيس بن حصنٍ الفزاريّ في صاحب موسى عليه السلام، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمرّ بهما أبيّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عباسٍ فقال: يا أبا الطّفيل، هلمّ إلينا فإنّي قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيّه، فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أبيٌّ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا موسى في ملأٍ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجلٌ، فقال له: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى، عبدنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيّه، فجعل الله له الحوت آية... وذكر الحديث إلى قوله: {فارتدّا على آثارهما قصصاً} فوجدا خضراً، فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه». هذه روايات البخاري، ومسلم.
ولمسلم رواية أخرى بطولها، وفيها فانطلقا، حتى إذا لقيا غلماناً يلعبون، قال: فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي، فقتله، قال: فذعر عندها موسى ذعرة منكرة، قال: {أقتلت نفساً زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند هذا المكان: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجّل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامةٌ».
وعند البخاري فيه ألفاظ غير مسندة، منها: «يزعمون أن الملك كان اسمه: هدد بن بدد، وأنّ الغلام المقتول: كان اسمه فيما يزعمون: حيسور».
وفي رواية في قوله قال: {ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً} قال: «كانت الأولى نسياناً، والوسطى: شرطاً، والثالثة عمداً».
وأخرجه الترمذي مثل الرواية الأولى بطولها.
(وفيها قال سفيان: «يزعم ناسٌ أنّ تلك الصخرة عندها عين الحياة، لا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش»... وذكر الحديث إلى آخره).
وفي رواية لمسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {لتخذت عليه أجراً}.
وعنده قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً».
وفي رواية الترمذي أيضاً: قال «الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافراً... لم يزد».
وأخرج أبو داود من الحديث طرفين مختصرين عن أبيّ بن كعبٍ:
الأول، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً».
والثاني: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: {أقتلت نفساً زكيّةً... } الآية».
وحيث اقتصر أبو داود على هذين الطرفين من الحديث بطوله لم أعلم علامته.
[شرح الغريب]
(مكتل) المكتل: شبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعاً.
(سرباً) السرب: المسلك.
(نصباً) النصب، التعب.
(أوينا) أي: يأوي إلى المنزل: إذا انضم إليه ورجع.
(فارتدا) افتعلا من الارتداد: وهو الرجوع.
(قصصاً) القصص: تتبع الأثر شيئاً بعد شيء، والمعنى: رجعا من حيث جاءا، يقصان الأثر.
(مسجى) المسجى: المغطى.
(رشداً) الرّشد والرّشد: الهدى.
(نول) النّول: العطية والجعل. تقول: نلت الرجل أنوله نولاً: إذا أعطيته، ونلت الشيء أناله نيلاً: وصلت إليه.
(إمراً) الإمر: الأمر العظيم المنكر.
(حلاوة القفا) قال الجوهري: حلاوة القفا بالضم: وسطه، وكذلك حلاوى القفا: فإن مددت، فقلت: حلاواء القفا: فتحت.
(ذمامة) الذمامة بالذال المعجمة: الحياء والإشفاق من الذم، وبالدال غير المعجمة: قبح الوجه، والمراد الأول.
(أرهقهما طغياناً) يقال: رهقه - بالكسر، يرهقه رهقاً، أي: غشيه وأرهقه طغياناً وكفراً، أي أغشاه أياه، ويقال: أرهقني فلان إثماً حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له، والطغيان: الزيادة في المعاصي.
(طنفسه) الطنفسة: واحدة الطنافس: وهي البسط التي لها خمل رقيق.
(كبد البحر) كبد كل شيء: وسطه. وكأنه أراد به ها هنا: جانبه.
(تمارى) المماراة: المجادلة والمخاصمة). [جامع الأصول: 2/220-230] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد ومسلم، وابن مردويه من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده فقال القوم: إن نوفا الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل فكان ابن عباس متكئا فاستوى جالسا فقال: كذب نوف حدثني أبي بن كعب أنه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني لرأى من صاحبه عجبا، قال: وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبيا من الأنبياء بدأ بنفسه فقال: رحمة الله علينا وعلى صالح ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد ثم قال: إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم إذ قال لهم: ما في الأرض أحد أعلم مني، فأوحى الله إليه: أن في الأرض من هو أعلم منك وآية ذلك أن تزود حوتا مالحا فإذا فقدته فهو حيت تفقده، فتزود حوتا مالحا فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب {فاتخذ سبيله في البحر سربا} قال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان فانطلقا فأصابه ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به فقال موسى: {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال فتاه: يا نبي الله {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} أن أحدثك {وما أنسانيه إلا الشيطان} {فاتخذ سبيله في البحر سربا} {قال ذلك ما كنا نبغ} [ نبغي ] فرجعا {على آثارهما قصصا} يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه فرفع رأسه فقال له: من أنت قال: موسى، قال: من موسى قال: موسى بني إسرائيل، قال: فما لك قال: أخبرت أن عندك علما فأردت أن أصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} قال: قد أمرت أن أفعله {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة} فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها فقال له موسى: تخرقها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} فانطلقا حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} قال له موسى مما نزل به من الجهد: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال حدثني {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها.
وأما الغلام فإنه كان طبع يوم طبع كافرا وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه ولو عصياه شيئا لأرهقهما طغيانا وكفرا فأراد ربك أن يبدلهما {خيرا منه زكاة وأقرب رحما} فوقع أبوه على أمه فعلقت خيرا منه زكاة وأقرب رحما). [الدر المنثور: 9/583-586] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس - وعنده نفر من أهل الكتاب - فقال بعضهم: إن نوفا يزعم عن أبي بن كعب أن موسى النّبيّ الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا فقال ابن عباس: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني، قال: نعم في عبادي من هو أعلم منك فنعت له مكانه فأذن له في لقيه فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي {فاتخذ سبيله في البحر سربا} فانطلقا {فلما جاوزا قال} موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال الفتى وذكر {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسى عليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدا، {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} وكان رجلا يعلم علم الغيب قد علم ذلك فقال موسى: بلى، قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} أي أن ما تعرف ظاهرا ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} وإن رأيت ما يخالفني {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها فقال له موسى - ورأى أمرا أفظع به - {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت} أي بما تركت من عهدك {ولا ترهقني من أمري عسرا} ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه فأخذ بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله فرآى موسى عليه السلام أمرا فظيعا لا صبر عليه صبي صغير قتله لا ذنب له، {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} أي صغيرة {لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا} أي قد عذرت في شأني {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر فقال {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا واستضفناهم فلم يضيفوهما ثم قعدت تعمل في غير صنيعة ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عملك، {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} - في قراءة أبي بن كعب كل سفينة صالحة وإنما عيبها لطرده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} أي ما فعلته عن نفسي {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علما). [الدر المنثور: 9/586-590] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام موسى خطيبا لنبي إسرائيل فأبلغ في الخطبة وعرض في نفسه أن أحدا لم يؤت من العلم ما أوتي وعلم الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له: يا موسى إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك، قال: فادللني عليه حتى أتعلم منه، قال: يدلك عليه بعض زادك، فقال لفتاه يوشع {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا} قال: فكان فيما تزوداه حوت مملوح وكانا يصيبان منه عند العشاء والغداء فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل على ساحل البحر فأصاب الحوت ندى الماء فتحرك في المكتل فقلب المكتل وأسرب في البحر فلما جاوز أحضر الغداء فقال: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} فذكر الفتى {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} فذكر موسى ما كان عهد إليه إنه يدلك عليه بعض زادك، {قال ذلك ما كنا نبغ} أي هذه حاجتنا {فارتدا على آثارهما قصصا} يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوت ما فعل فأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر العرب {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا} فأقر له بالعلم {قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} يقول: حتى أكون أنا أحدث ذلك لك {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها} إلى قوله: {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما} على ساحل البحر في غلمان يلعبون فعهد إلى أجودهم وأصبحهم {فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا}، قال ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاستحى نبي الله موسى عند ذلك فقال: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها} إلى قوله: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} قال: وهي في قراءة أبي بن كعب يأخذ كل سفينة صالحة غصبا فأردت أن أعيبها حتى لا يأخذها الملك فإذا جاوزوا الملك رقعوها فانتفعوا بها وبقيت لهم {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} إلى قوله: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} قال: فجاء طائر هذه الحمرة فبلغ فجعل بغمس منقاره في البحر فقال له: يا موسى ما يوق هذا الطائر قال: لا أدري، قال: هذا يقول: ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا كما أنقص بمنقاري من جميع ما في هذا البحر). [الدر المنثور: 9/590-592] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {إن سألتك عن شيء بعدها} مهموزتين). [الدر المنثور: 9/613]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو داود والترمذي وعبد الله بن أحمد والبزار، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه عن أبي أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {من لدني عذرا} مثقلة). [الدر المنثور: 9/613]

تفسير قوله تعالى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا يزعم أن موسى ليس بصاحب الخضر فقال كذب عدو الله أخبرنا أبي بن كعب عن رسول الله أن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فقيل له أي الناس أعلم فقال أنا فعتب عليه الله إذ لم يرد العلم إلى الله فقال الله بلى عبد لي عند مجمع البحرين قال ربي وكيف به قال تأخذ حوتا فجعله في مكتل حيث يفارقك الحوت فهو ثم قال فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق هو وفتاه يمشيان قال لفتاه حيث يفارقك الحوت فآذني حتى إذا أتيا الصخرة رقد موسى فاضطرب الحوت في المكتل فخرج ووقع في الماء فأمسك الله عنه جرية الماء مثل الطوق ومد إبهامه والتي تليها وفتحها قال فنسي أن يخبره قال فانطلقا حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال ولم يجد النصب حتى جاوز حيث أمره الله {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} حتى بلغ {في البحر عجبا} {قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال يقصان آثارهما حتى أتيا الصخرة فإذا هما برجل مسجى عليه الثوب فسلم موسى فرد عليه وقال وأني بأرضك من سلام قال من أنت قال أنا موسى قال أموسى بني إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال وما يكفيك أن التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك قال أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه {أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} حتى بلغ {ولا أعصي لك أمرا} قال فانطلقا يمشيان على الساحل فعرف الخضر فحمل بغير نول فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر من الماء قال ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر قال فبينا هم في السفينة لم يفجأ موسى إلا وهو يريد أو إذا هو يريد أن يخرقها قال حسبت أنه قال وتد فيها وتدا فقال حملنا بغير نول وتريد أن تخرقها وتغرق أهلها إلى {ولا ترهقني من أمري عسرا} فكانت الأولى نسيانا {لا تؤاخذني بما نسيت} فخرجا حتى لقيا غلاما يلعب مع الغلمان فقال بيده هكذا كأنه احتز رأسه فقطع رأسه فقال له {أقتلت نفسا زكية بغير نفس} إلى قوله {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} وقال بيده هكذا وعدله بيده فقال له موسى لم يضيفونا و{لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك} قال النبي وددنا أن موسى صبر). [تفسير عبد الرزاق: 1/408-410] (م)
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو بن دينارٍ، قال: أخبرني سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب الخضر، ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، فقال ابن عبّاسٍ: كذب عدوّ اللّه، حدّثني أبيّ بن كعبٍ: أنّه سمع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: " إنّ موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ النّاس أعلم، فقال: أنا، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى اللّه إليه إنّ لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا ربّ فكيف لي به، قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتلٍ، فحيثما فقدت الحوت فهو، ثمّ فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ، ثمّ انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نونٍ، حتّى إذا أتيا الصّخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر، {فاتّخذ سبيله في البحر سربًا} [الكهف: 61] ، وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطّاق، فلمّا استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما حتّى إذا كان من الغد، قال موسى {لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} [الكهف: 62] ، قال: ولم يجد موسى النّصب حتّى جاوزا المكان الّذي أمر اللّه به، فقال له فتاه: (أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنسانيه إلّا الشّيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجبًا) ، قال: فكان للحوت سربًا، ولموسى ولفتاه عجبًا، فقال موسى: (ذلك ما كنّا نبغي فارتدّا على آثارهما قصصًا) ، قال: رجعا يقصّان آثارهما حتّى انتهيا إلى الصّخرة، فإذا رجلٌ مسجًّى ثوبًا فسلّم عليه موسى، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السّلام، قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا، قال: (إنّك لن تستطيع معي صبرًا) ، يا موسى إنّي على علمٍ من علم اللّه علّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ من علم اللّه علّمكه اللّه لا أعلمه، فقال موسى: {ستجدني إن شاء اللّه صابرًا، ولا أعصي لك أمرًا} [الكهف: 69] ، فقال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا} [الكهف: 70] ، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرّت سفينةٌ فكلّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نولٍ، فلمّا ركبا في السّفينة لم يفجأ إلّا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السّفينة بالقدوم، فقال له موسى: قومٌ قد حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها (لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا) "، قال: وقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: " وكانت الأولى من موسى نسيانًا، قال: وجاء عصفورٌ فوقع على حرف السّفينة فنقر في البحر نقرةً، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم اللّه إلّا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثمّ خرجا من السّفينة فبينا هما يمشيان على السّاحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: (أقتلت نفسًا زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا) . (قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا) قال: وهذه أشدّ من الأولى، قال: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدنّي عذرًا، فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} [الكهف: 77]- قال: مائلٌ - فقام الخضر فأقامه بيده، فقال موسى: قومٌ أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا، {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77] ، قال: {هذا فراق بيني وبينك} [الكهف: 78] إلى قوله: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا} [الكهف: 82] فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: وددنا أنّ موسى كان صبر حتّى يقصّ اللّه علينا من خبرهما " قال سعيد بن جبيرٍ: فكان ابن عبّاسٍ يقرأ (وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا) وكان يقرأ: (وأمّا الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) ). [صحيح البخاري: 6/88-89] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله لقيا غلامًا في رواية سفيان فبينما هما يمشيان على الساحلي إذ أبصر الخضر غلامًا قوله فقتله الفاء عاطفةٌ على لقيا وجزاء الشّرط قال أقتلت والقتل من جملة الشّرط إشارةً إلى أنّ قتل الغلام يعقب لقاءه من غير مهلةٍ وهو بخلاف قوله حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها فإنّ الخرق وقع جواب الشّرط لأنّه تراخى عن الرّكوب قوله قال يعلى هو بن مسلمٍ وهو بالإسناد المذكور قال سعيدٌ هو بن جبيرٍ وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفا في رواية أخرى عن بن جريجٍ عند عبد بن حميدٍ غلامًا وضيء الوجه فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين وفي رواية سفيان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله وفي روايته في الباب الّذي يليه فقطعه ويجمع بينهما بأنّه ذبحه ثمّ اقتلع رأسه وفي روايةٍ أخرى عند الطّبريّ فأخذ صخرةً فثلغ رأسه وهي بمثلثة ثمّ معجمةٍ والأوّل أصحّ ويمكن أن يكون ضرب رأسه بالصّخرة ثمّ ذبحه وقطع رأسه قوله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لم تعمل الحنث بكسر المهملة وسكون النّون وآخره مثلّثةٌ ولأبي ذرٍّ بفتح المعجمة والموحّدة وقوله لم تعمل تفسيرٌ لقوله زكيّةً والتّقدير أقتلت نفسًا زكيّةً لم تعمل الحنث بغير نفس قوله وابن عبّاسٍ قرأها كذا لأبي ذرٍّ ولغيره وكان بن عبّاس يقرؤها زكية وهي قراءة الأكثر وقرأ نافع وبن كثيرٍ وأبو عمرٍو زاكيةً والأولى أبلغ لأنّ فعيلةً من صيغ المبالغة قوله زاكيةً مسلمةً كقولك غلامًا زاكيًا هو تفسيرٌ من الرّاوي ويشير إلى القراءتين أي أن قراءة بن عبّاسٍ بصيغة المبالغة والقراءة الأخرى باسم الفاعل بمعنى مسلمة وإنّما أطلق ذلك موسى على حسب ظاهر حال الغلام لكن اختلف في ضبط مسلمةً فالأكثر بسكون السّين وكسر اللّام ولبعضهم بفتح السّين وتشديد اللّام المفتوحة وزاد سفيان في روايته هنا ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرا قال وهذه أشدّ من الأولى زاد مسلمٌ من رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جبيرٍ في هذه القصّة فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة اللّه علينا وعلى موسى لولا أنّه عجل لرأى العجب ولكنّه أخذته ذمامةٌ من صاحبه فقال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني ولابن مردويه من طريق عبد اللّه بن عبيد بن عميرٍ عن سعيد بن جبيرٍ فاستحيا عند ذلك موسى وقال إن سألتك عن شيءٍ بعدها وهذه الزّيادة وقع مثلها في رواية عمرو بن دينارٍ من رواية سفيان في آخر الحديث قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ اللّه علينا من أمرهما زاد الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة عن سفيان أكثر ممّا قصّ). [فتح الباري: 8/419-420] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو بن دينارٍ، قال: أخبرني سعيد بن جبيرٍ قال: قلت لابن عبّاسٍ إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال ابن عبّاسٍ: كذب عدوّ اللّه حدّثني أبيّ بن كعبٍ أنّه سمع رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- يقول: «إنّ موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيّ النّاس أعلم؟ فقال: أنا فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه فأوحى اللّه إليه إنّ لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى: يا ربّ فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتلٍ، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ ثمّ انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نونٍ، حتّى إذا أتيا الصّخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتّخذ سبيله في البحر سربًا وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطّاق فلمّا استيقظ نسى صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما حتّى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، قال: ولم يجد موسى النّصب حتّى جاوز المكان الّذي أمر اللّه به، فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنسانيه إلاّ الشّيطان، أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجبًا قال: فكان للحوت سربًا ولموسى ولفتاه عجبًا فقال موسى: ذلك ما كنّا نبغي فارتدّا على آثارهما قصصًا قال: رجعا يقصّان آثارهما حتّى انتهيا إلى الصّخرة فإذا رجلٌ مسجًّى ثوبًا فسلّم عليه موسى، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السّلام قال: أنا موسى قال موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. أتيتك لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا قال: إنّك لن تستطيع معي صبرًا يا موسى إنّي على علمٍ من علم اللّه علّمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علمٍ من علم اللّه علّمك اللّه لا أعلمه فقال موسى: ستجدني إن شاء اللّه صابرًا ولا أعصي لك أمرًا فقال له الخضر: فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرّت سفينةٌ فكلّموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نولٍ فلمّا ركبا في السّفينة لم يفجأ إلاّ والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السّفينة بالقدوم فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا قال: ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال: لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا»، قال: وقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «وكانت الأولى من موسى نسيانًا، قال: وجاء عصفورٌ فوقع على حرف السّفينة فنقر في البحر نقرةً فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم اللّه إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثمّ خرجا من السّفينة فبينا هما يمشيان على السّاحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى أقتلت نفسًا زاكيةً؟ بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا قال: ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال: وهذا أشدّ من الأولى قال: إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ قال: مائلٌ فقام الخضر فأقامه بيده فقال موسى قومٌ أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا قال: هذا فراق بيني وبينك إلى قوله {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا}» [الكهف: 82] فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «وددنا أنّ موسى كان صبر حتّى يقصّ اللّه علينا من خبرهما» قال سعيد بن جبيرٍ: فكان ابن عبّاسٍ يقرأ وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا وكان يقرأ {وأمّا الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين} [الكهف: 85].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفًا البكالي) بفتح النون وسكون الواو وبالفاء المفتوحة والبكالي بكسر الموحدة وتخفيف الكاف وتشدّد وهو الذي في اليونينية وغيرها ابن فضالة بفتح الفاء والمعجمة ابن امرأة كعب ولأبي ذر البكالي بفتح الموحدة (يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل) وإنما هو موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب (فقال ابن عباس: كذب عدوّ الله) نوف خرج منه مخرج الزجر والتحذير لا القدح في نوف لأن ابن عباس قال ذلك في حال غضبه وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع ولا يلزم منه تعمده (حدّثني) بالإفراد (أبي بن كعب) الأنصاري (أنه سمع رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- يقول): (إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل) نص في أن موسى صاحب بني إسرائيل ففيه رد على نوف البكالي (فسئل أي الناس أعلم) أي منهم (فقال أنا) أي أعلم الناس قاله بحسب اعتقاده لأنه نبي ذلك الزمان ولا أحد في زمانه أعلم منه فهو خبر صادق على المذهبين على قول من قال صدق الخبر مطابقته لاعتقاد الخبر ولو أخطأ وهذا في غاية الظهور وعلى قول من قال صدق الخبر مطابقته للواقع فهو إخبار عن ظنه الواقع له إذ معناه أنا أعلم في ظني واعتقادي وهو كان يظن ذلك قطعًا فهو مطابق للواقع وهذا الذي قالوه هنا أبلغ من قوله في باب الخروج في طلب العلم هل تعلم أن أحدًا أعلم منك فقال لا فإنه نفي هناك علمه وهنا على البت (فعتب الله عليه إذ) بسكون الذال للتعليل (لم يردّ العلم إليه) فيقول نحو الله أعلم كما قالت الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا وعتب الله عليه لئلا يقتدي به فيه من لم يبلغ كماله في تزكية نفسه وعلوّ درجته من أمته فيهلك لما تضمنه من مدح الإنسان نفسه ويورثه ذلك من الكبر والعجب والدعوى وإن نزه عن هذه الرذائل الأنبياء فغيرهم بمدرجة سيلها ودرك ليلها إلا من عصمه الله فالتحفظ منها أولى لنفسه وليقتدى به، ولهذا قال نبينا -صلّى اللّه عليه وسلّم- تحفظًا من مثل هذا مما قد علم به أنا سيد ولد آدم ولا فخر ووجه الرد عليه فيما ظنه كما ظن نبينا -صلّى اللّه عليه وسلّم- أنه لم يقع منه نسيان في قصة ذي اليدين (فأوحى الله) عز وجل (إليه) إلى موسى (إن لي عبدًا بمجمع البحرين) هو الخضر عليه السلام ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عند مجمع البحرين (هو أعلم منك) بشيء مخصوص لا يقتضي أفضليته به على موسى كيف وموسى عليه السلام جمع له بين الرسالة والتكليم والتوراة وأنبياء بني إسرائيل داخلون كلهم تحت شريعته وغاية الخضر أن يكون كواحد منهم (قال موسى: يا رب فكيف لي به؟) أي كيف يتهيّأ ويتيسر لي أن أظفر به (قال: تأخذ معك حوتًا) من السمك (فتجعله في مكتل) بكسر الميم وفتح الفوقية الزنبيل الكبير ويجمع على مكاتل (فحيثما فقدت الحوت) بفتح القاف أي تغيب عن عينيك (فهو) أي الخضر (ثم) بفتح المثلثة أي هناك (فأخذ) موسى (حوتًا فجعله في مكتل) كما وقع الأمر به (ثم انطلق وانطلق معه بفتاه) ولأبي ذر عن الكشميهني معه فتاه (يوشع بن نون) بالصرف كنوح (حتى إذا أتيا الصخرة) التي عند مجمع البحرين (وضعا رؤوسهما فناما) بالفاء ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وناما (واضطرب الحوت) أي تحرّك (في المكتل) لأنه أصابه من ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصخرة شيء إذ إصابتها مقتضية للحياة (فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله) أي طريقه (في البحر سربًا) أي مسلكًا (وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق) أي مثل عقد البناء وعند مسلم من رواية أبي إسحاق فاضطرب الحوت في الماء فجعل يلتئم عليه حتى صار مثل الكوّة (فلما استيقظ) موسى (نسي صاحبه) يوشع (أن يخبره بالحوت) أي بما كان من أمره (فانطلقا) سائرين (بقية يومهما وليلتهما) بنصب الفوقية (حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه) يوشع (آتنا غداءنا) بفتح الغين ممدود أي طعامنا الذي نأكله أوّل النهار (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا) أي تعبًا ومراده السير بقية اليوم والذي يليه وفي الإشارة بهذا إشعار بأن هذا المسير كان أتعب لهما مما سبق فإن رجاء المطلوب يقرب البعيد والخيبة تبعد القريب ولذا (قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به) فألقى عليه الجوع والنصب (فقال له فتاه) يوشع (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي فإني نسيت أن أخبرك بخبر الحوت ونسب النسيان لنفسه لأن موسى كان نائمًا إذ ذاك، وكره يوشع أن يوقظه ونسي أن يعلمه بعد لما قدره الله تعالى عليهما من الخطى.
ومن كتبت عليه خطى مشاها.
(وما أنسانيه) أي وما أنساني ذكره (إلا الشيطان أن أذكره) نسبه للشيطان تأدّبًا مع الباري تعالى إذ نسبة النقص للنفس والشيطان أليق بمقام الأدب (واتخذ سبيله في البحر عجبًا) يجوز أن يكون عجبًا مفعولًا ثانيًا لاتّخذ أي واتّخذ سبيله في البحر سبيلًا عجبًا وهو كونه كالسرب والجار والمجرور متعلق باتّخذ وفاعل اتخذ قيل الحوت وقيل موسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا (قال فكان) دخول الحوت في الماء (للحوت سربًا) مسلكًا (ولموسى ولفتاه عجبًا) وهو أن أثره بقي إلى حيث سار أو جمد الماء تحته أو صار صخرًا أو ضرب بذنبه فصار المكان يبسًا وعند ابن أبي حاتم من طريق قتادة قال: عجب موسى أن تسرب حوت مملح في مكتل (فقال موسى) ليوشع (ذلك) الذي ذكرته من حياة الحوت ودخوله في البحر (ما كنا نبغي) أي الذي نطلبه إذ هو آية على المطلوب (فارتدا على آثارهما قصصًا قال رجعا) في الطريق الذي جاءا فيه (يقصان آثارهما) قصصًا أي يتبعان آثار سيرهما اتباعًا. قال صاحب الكشف فيما حكاه الطيبي عنه قصصًا مصدر لفعل مضمر يدل عليه فارتدا على آثارهما إذ معنى فارتدا على آثارهما واقتصا الأثر واحد (حتى انتهيا إلى الصخرة) أي التي فعل فيها الحوت ما فعل كما عند النسائي في روايته فذهبا يلتمسان الخضر (فإذا رجل) نائم (مسجّى ثوبًا) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منوّنة ولأبي ذر عن الكشميهني بثوب أي مغطى كله به، ولمسلم مسجى ثوبًا مستلقيًا على القفا ولعبد بن حميد من طريق أبي العالية فوجده نائمًا في جزيرة من جزائر البحر ملتفًا بكساء (فسلّم عليه موسى فقال الخضر) أي بعد أن كشف وجهه كما في الرواية الآتية هنا إن شاء الله تعالى (وأني) بفتح الهمزة والنون المشدّدة أي وكيف (بأرضك السلام) وفي الرواية الآتية وهل بأرضي من سلام وفيه دلالة على أن أهل تلك الأرض لم يكونوا مسلمين أو كانت تحيتهم غيره (قال أنا موسى) في الآتية قال: من أنت؟ قال: أنا موسى (قال): أي الخضر أنت (موسى بني إسرائيل قال): أي موسى (نعم أتيتك لتعلمني) وفي الرواية الآتية قال: ما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني (مما علمت رشدًا) قال أبو البقاء: رشدًا مفعول لتعلمني ولا يجوز أن يكون مفعول علمت لأنه لا عائد إذن على الموصول أي علمًا ذا رشد (قال): أي الخضر لموسى (إنك لن تستطيع معي صبرًا) نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد وهو علة لمنعه من اتّباعه فإن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال هل أتبعك على أن تعلمني كأنه قال: لا لأنك لن تستطيع معي صبرًا وعبّر بالصيغة الدالة على استمرار النفي لما أطلعه الله عليه من أن موسى لا يصبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع لمكان عصمته. قال الخضر عليه الصلاة والسلام: (يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه) جميعه (أنت وأنت على علم من علم الله علمك الله) ولأبي ذر عن الكشميهني علمكه الله (لا أعلمه) جميعه وهذا التقدير أو نحوه واجب لا بدّ منه، وقد غفل بعضهم عن ذلك فقال في مجموع له لطيف في الخصائص النبوية أن من خصائص نبينا -صلّى اللّه عليه وسلّم- أنه جمعت له الشريعة والحقيقة ولم يكن للأنبياء إلا إحداهما بدليل قصة موسى مع الخضر، وقوله: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه وهذا الذي قاله يلزم منه خلوّ أولي العزم عليهم الصلاة والسلام غير نبينا من علم الحقيقة الذي لا ينبغي خلو بعض آحاد الأولياء عنه وإخلاء الخضر عليه الصلاة والسلام من علم الشريعة الذي لا يجوز لآحاد المكلفين الخلوّ عنه، وهذا لا يخفى ما فيه من الخطر العظيم، واحتج لذلك بقوله: إنه أراد الجمع في الحكم والقضاء تمسكًا بحديث السارق في زمنه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال اقتلوه فقيل: إنما سرق فقال اقطعوه إلى أن أتى على قوائمه الأربع ثم سرق في زمن الصديق بفيه فأمر بقتله. قلت: وهو مروي عند الدارقطني من حديث جابر بلفظ: إن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- أتي بسارق فقطع يده ثم أتي به ثانيًا فقطع رجله ثم أتي به ثالثًا فقطع يده ثم أتي به رابعًا فقطع رجله ثم أتي به خامسًا فقتله، وفيه محمد بن يزيد بن سبأ، وقال الدارقطني فيما حكاه الحافظ ابن حجر في أمالي الرافعي أنه ضعيف قال: ورواه أبو داود والنسائي بلفظ: جيء بسارق إلى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه فقطع ثم جيء به الثانية فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: اقطعوه فذكره كذلك قال: فجيء به الخامسة فقال: اقتلوه. قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النعم فاستلقى على ظهره فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة، وفي إسناده مصعب بن ثابت، وقد قال النسائي ليس بالقوي، وهذا الحديث منكر ولا أعلم فيه حديثًا صحيحًا. ورواه النسائي والحاكم عن الحارث بن حاطب الجمحي وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن زيد الجهني، وقال ابن عبد البر: حديث القتل منكر لا أصل له، وقال الشافعي: منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم اهـ.
وهذا لا دلالة فيه أصلًا على ما ادّعاه من مراده على ما لا يخفى، ولئن سلمنا ذلك كان عليه أن يلحق ذلك في مجموعه المذكور عقب قوله ذلك ليسلم من وصمة الإطلاق إذ المراد لا يدفع الإيراد لكنا لا نسلمه فتأمله.
(فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرًا) على ما أرى منك غير منكر عليك وعلق الوعد بالمشيئة للتيمن أو علمًا منه بشدّة الأمر وصعوبته فإن مشاهدة الفساد شيء لا يطاق. (ولا أعصي لك أمرًا) أي ولا أخالفك في شيء (فقال له الخضر فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء) تنكره مني ولم تعلم وجه صحته (حتى أحدث لك منه ذكرًا) حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني (فانطلقا) لما توافقا واشترط عليه أن لا يسأله عن شيء أنكره عليه حتى يبدأ به (يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم) أي موسى والخضر ويوشع كلموا أصحاب السفينة (أن يحملوهم فعرفوا) أي أصحاب السفينة (الخضر فحملوه) أي الخضر ومن معه ولأبي ذر فحملوهم، وله أيضًا فحملوا أي الثلاثة وهو مبني لما لم يسم فاعله (بغير نول) بفتح النون بغير أجر إكرامًا للخضر (فلما ركبا) موسى والخضر (في السفينة) لم يذكر يوشع لأنه تابع غير مقصود بالإصالة (لم يفجأ) موسى عليه الصلاة والسلام بعد أن صارت السفينة في لجّة البحر (إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم) بفتح القاف وضم الدال المهملة المخففة فانخرقت (فقال له موسى) منكرًا عليه بلسان الشريعة هؤلاء (قوم حملونا) ولأبي ذر: قد حملونا (بغير نول عمدت) بفتح الميم (إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها) قيل اللام في لتغرق للعلة ورجح كونها للعاقبة كقوله:
لدوا للموت وابنوا للخراب
(لقد جئت شيئًا إمرًا) عظيمًا أو منكرًا (قال) الخضر مذكرًا لما مر من الشرط (ألم أقل أنك لن تستطيع معي صبرًا) استفهام إنكاري. (قال) موسى للخضر (لا تؤاخذني بما نسيت) من وصيتك.
وفي هذا النسيان أقوال:
أحدها: أنه على حقيقته لما رأى فعله المؤدي إلى إهلاك الأموال والأنفس فلشدة غضبه لله نسي ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث قريبًا وكانت الأولى من موسى نسيانًا.
الثاني: أنه لم ينس ولكنه من المعاريض وهو مروي عن ابن عباس لأنه إنما رأى العهد في أن يسأل لا في إنكار هذا الفعل فلما عاتبه الخضر بقوله: إنك لن تستطيع قال: لا تؤاخذني بما نسيت أي في الماضي ولم يقل أني نسيت وصيتك.
الثالث: أن النسيان بمعنى الترك وأطلقه عليه لأن النسيان سبب للترك إذ هو من ثمراته أي لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك عليه فإن المرة الواحدة معفوّ عنها ولا سيما إذا كان لها سبب ظاهر.
(ولا ترهقني من أمري عسرًا) لا تضايقني بهذا القدر فتعسر مصاحبتك أو لا تكلفني ما لا أقدر عليه (قال) أبي بن كعب (وقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وكانت الأولى) ولأبي ذر عن الكشميهني وكانت في الأولى (من موسى نسيانًا. قال وجاء عصفور) بضم العين (فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له) أي لموسى (الخضر ما علمي وعلمك من علم الله) أي من معلومه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي في علم الله (إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر) ونقص العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا ولا ريب أن علم الله لا يدخله نقص (ثم خرجا من السفينة) بعد أن اعتذر موسى له وسأله أن لا يرهقه من أمره عسرًا وقبل عذره وأجاب سؤاله وأدامه على الصحبة (فبينا) بغير ميم (ما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر) بفتح الموحدة وضم الصاد المهملة (غلامًا يلعب مع الغلمان) قيل اسمه جيسور وقيل حيسور وقيل حنسور وقيل حيسون وقيل شمعون وقيل غير ذلك مما لم يثبت ولعل المفسرين نقلوه من كتب أهل الكتاب (فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني برأسه فاقتلعه (فقتله فقال له موسى) لما شاهد ذلك منه منكرًا عليه أشد من الأول (أقتلت نفسًا زاكية) بالألف والتخفيف وهي قراءة الحرميين وأبي عمرو واسم فاعل من زكا أي طاهرة من الذنوب ووصفها بهذا الوصف لأنه لم يرها أذنبت أو لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث لكن قوله (بغير نفس) يردّه إذ لو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس ولا بغير نفس وقرأه الباقون بالتشديد من غير ألف أخرجوه إلى فعيلة للمبالغة لأن فعيلًا المحوّل من فاعل يدل على المبالغة. وحكى القرطبي عن صاحب العروس والعرائس أن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال للخضر أقتلت نفسًا زاكية غضب الخضر واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه وإذا في عظم كتفه مكتوب كافر لا يؤمن بالله أبدًا. (لقد جئت شيئًا نكرًا) منكرًا تنكره العقول وتنفر عنه النفوس وهو أبلغ في تقبيح الشيء من الأمر وقيل بالعكس لأن الأمر هو الداهية العظيمة (قال) الخضر (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا) قال في الكشاف: فإن قلت: ما معنى زيادة لك قلت زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية. (قال) أبي سفيان بن عيينة كما في كتاب العلم (وهذا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي هذه (أشد من الأولى) لما فيها من زيادة لك (قال) موسى له (إن سألتك عن شيء بعدها) أي بعد هذه المرة أو بعد هذه القصة فأعاد الضمير عليها وإن كانت لم يتقدم لها ذكر صريح حيث كانت في ضمن القول (فلا تصاحبني) وإن طلبت صحبتك (قد بلغت من لدني عذرًا) أي قد أعذرت إليّ مرة بعد أخرى فلم يبق موضع للاعتذار (فانطلقا) بعد المرتين الأوليين (حتى إذا أتيا أهل قرية) قيل هي أنطاكية أو أذربيجان أو الأبلّة أو بوقة أو ناصرة أو جزيرة الأندلس. قال في الفتح وهذا الاختلاف قريب من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين وشدّة التباين في ذلك تقتضي أن لا يوثق بشيء من ذلك وعند مسلم من رواية أبي إسحاق أهل قرية لئامًا أي بخلاء فطافا المجالس (استطعما أهلها) واستضافوهم (فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا) عرضه خمسون ذراعًا في مائة ذراع بذراعهم قاله الثعلبي وقال غيره سمكه مائتا ذراع وظله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وعرضه خمسون (يريد أن ينقض) إسناده الإرادة إلى الجدار على سبيل الاستعارة فإن الإرادة للجدار لا حقيقة لها وقد كان أهل القرية يمرون تحته خائفين (قال) في معنى ينقض أنه (مائل فقام الخضر فأقامه بيده) أي فردّه إلى حالة الاستقامة وهذا خارق ولأبي ذر فقال الخضر بيده فأقامه (فقال موسى) لما رأى من شدة الحاجة والاضطرار والافتقار إلى المطعم وحرمان أصحاب الجدار لهم (قوم أتيناهم) فاستطعمناهم واستضفناهم (فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وفتح الخاء وهي قراءة غير أبي عمرو وابن كثير (عليه أجرًا) أي جعلًا نستعين به في عشائنا (قال) الخضر له (هذا فراق بيني وبينك) بإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع (إلى قوله ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا) أي هذا التفسير أي المذكور في الآية ما ضقت به ذرعًا ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء (فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-: وددنا) بفتح الواو وكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما) إذ لو صبر لرأى أعجب الأعاجيب. (قال سعيد بن جبير) بالسند السابق (فكان ابن عباس يقرأ: {وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين}) [الكهف: 80] وهذه قراءة شاذة لمخالفتها المصحف العثماني لكنها كالتفسير.
وهذا الحديث سبق في كتاب العلم وأخرجه المؤلّف في أكثر من عشرة مواضع من كتابه الجامع). [إرشاد الساري: 7/216-221] (م)

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، وعمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إنّا لعند ابن عبّاسٍ في بيته، إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عبّاسٍ، جعلني اللّه فداءك، بالكوفة رجلٌ قاصٌّ يقال له: نوفٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل، أمّا عمرٌو فقال لي: قال: قد كذب عدوّ اللّه، وأمّا يعلى فقال لي: قال ابن عبّاسٍ، حدّثني أبيّ بن كعبٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: " موسى رسول اللّه عليه السّلام، قال: ذكّر النّاس يومًا حتّى إذا فاضت العيون، ورقّت القلوب، ولّى فأدركه رجلٌ فقال: أي رسول اللّه، هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه، قيل: بلى، قال: أي ربّ، فأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي ربّ، اجعل لي علمًا أعلم ذلك به - فقال لي عمرٌو - قال: حيث يفارقك الحوت - وقال لي يعلى - قال: خذ نونًا ميّتًا، حيث ينفخ فيه الرّوح، فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ، فقال لفتاه: لا أكلّفك إلّا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلّفت كثيرًا فذلك قوله جلّ ذكره: {وإذ قال موسى لفتاه} [الكهف: 60] يوشع بن نونٍ - ليست عن سعيدٍ - قال: فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان، إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ، فقال فتاه: لا أوقظه حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر، فأمسك اللّه عنه جرية البحر، حتّى كأنّ أثره في حجرٍ - قال لي عمرٌو: هكذا كأنّ أثره في حجرٍ، وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما - {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} [الكهف: 62] ، قال: قد قطع اللّه عنك النّصب - ليست هذه عن سعيدٍ أخبره - فرجعا فوجدا خضرًا - قال لي عثمان بن أبي سليمان - على طنفسةٍ خضراء، على كبد البحر - قال سعيد بن جبيرٍ - مسجًّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضي من سلامٍ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا، قال: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك يا موسى، إنّ لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر، وقال: واللّه ما علمي وما علمك في جنب علم اللّه إلّا كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر، حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغارًا، تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصّالح - قال: قلنا لسعيدٍ: خضرٌ؟ قال: نعم - لا نحمله بأجرٍ، فخرقها ووتد فيها وتدًا، قال موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إمرًا} [الكهف: 71]- قال مجاهدٌ: منكرًا - (قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا) ، كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا، والثّالثة عمدًا، {قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} [الكهف: 73] ، لقيا غلامًا فقتله - قال يعلى: قال سعيدٌ: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين - {قال: أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ} [الكهف: 74] لم تعمل بالحنث - وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً (زاكيةً) : مسلمةً كقولك غلامًا زكيًّا - فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ، فأقامه - قال سعيدٌ بيده هكذا، ورفع يده فاستقام، قال يعلى: حسبت أنّ سعيدًا قال: فمسحه بيده فاستقام - {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77]- قال سعيدٌ: أجرًا نأكله - {وكان وراءهم} [الكهف: 79] وكان أمامهم - قرأها ابن عبّاسٍ: أمامهم ملكٌ، يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ - {ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا} [الكهف: 79] ، فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها - ومنهم من يقول: سدّوها بقارورةٍ، ومنهم من يقول بالقار - {كان أبواه مؤمنين} وكان كافرًا {فخشينا أن يرهقهما طغيانًا، وكفرًا} [الكهف: 80] أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه، (فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيرًا منه زكاةً) لقوله: {أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] {وأقرب رحمًا} [الكهف: 81] هما به أرحم منهما بالأوّل، الّذي قتل خضرٌ - وزعم غير سعيدٍ: أنّهما أبدلا جاريةً، وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال: عن غير واحدٍ: إنّها جاريةٌ - "). [صحيح البخاري: 6/89-91] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله فانطلقا فوجدا جدارًا في رواية سفيان فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قرية وفي رواية أبي إسحاق عند مسلمٍ أهل قريةٍ لئامًا فطافا في المجالس فاستطعما أهلها قيل هي الأبلّة وقيل إنطاكية وقيل أذربيجان وقيل برقة وقيل ناصرة وقيل جزيرة الأندلس وهذا الاختلاف قريبٌ من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين وشدّة المباينة في ذلك تقتضي أن لا يوثق بشيءٍ من ذلك قوله قال سعيدٌ بيده هكذا ورفع يده فاستقام هو من رواية بن جريجٍ عن عمرو بن دينارٍ عن سعيدٍ ولهذا قال بعده قال يعلى هو بن مسلمٍ حسبت أنّ سعيدًا قال فمسحه بيده فاستقام وفي رواية سفيان فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ قال مائلٌ فقال الخضر بيده فأقامه وذكر الثّعلبيّ أنّ عرض ذلك الجدار كان خمسين ذراعًا في مائة ذراعٍ بذراعهم قوله قال لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا قال سعيدٌ أجرًا نأكله زاد سفيان في روايته فقال موسى قومٌ أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا وفي رواية أبي إسحاق قال هذا فراق بيني وبينك فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال حدّثني وذكر الثّعلبيّ أنّ الخضر قال لموسى أتلومني على خرق السّفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ونسيت نفسك حين ألقيت في البحر وحين قتلت القبطيّ وحين سقيت أغنام ابنتي شعيبٍ احتسابًا). [فتح الباري: 8/420]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (وقوله
عن عمرو بن دينار تقدم قبل بباب من رواية الحميديّ عن سفيان حدّثنا عمرو بن دينارٍ وروى التّرمذيّ من طريق عليٍّ بن المدينيّ قال حججت حجّةً وليس لي همّةٌ إلّا أن أسمع من سفيان الخبر في هذا الحديث حتّى سمعته يقول حدّثنا عمرٌو وكان قبل ذلك يقوله بالعنعنة). [فتح الباري: 8/424]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أنّ ابن جريج أخبرهم قال أخبرني يعلى بن مسلمٍ وعمرو بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيدٍ قال إنّا لعند بن عبّاسٍ في بيته إذ قال سلوني قلت أي أبا عباسٍ جعلني الله فداءك بالكوفة رجلٌ قاص يقال له نوفٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل أمّا عمروٌ فقال لي قال قد كذب عدوّ الله وأمّا يعلى فقال لي قال ابن عبّاس حدّثني أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى رسول الله عليه السّلام قال ذكّر النّاس يوماً حتّى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى فأدركه رجلٌ فقال أي رسول الله هل في الأرض أحدٌ أعلم منك قال لا فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله قيل بلى قال أي ربّ فأين قال بمجمع البحرين قال أي ربّ اجعل لي أعلم علماً ذالك به فقال لي عمروٌ قال حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى خذ نوناً ميّتاً حيث ينفخ فيه الرّوح فأخذ حوتاً فجعله في مكتلٍ فقال لفتاه لا أكلّفك إلاّ أن تخبرني حيث يفارقك الحوت قال ما كلّفت كثيراً فذالك قوله جلّ ذكره وإذ قال موسى لفتاه يوشع بن نونٍ ليست عن سعيدٍ قال فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه لا أوقظه حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبرة وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتّى كأنّ أثره في حجر قال لي عمروٌ هاكذا كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما لقد لقينا من سفرنا هاذا نصباً قال قد قطع الله عنك النّصب ليست هاذه عن سعيدٍ أخبره فرجعا فوًّجدا خضراً قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر قال سعيد بن جبيرٍ مسجّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال هل بأرضي من سلامٍ من أنت قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشداً قال أما يكفيك أن التّوراة بيديك وأنّ الوحي يأتيك يا موسى إنّ علماً لا ينبغي لك أن تعلمه وإنّ لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر وقال والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلاّ كما أخذ هاذا الطّائر بمنقاره من البحر حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل هاذا السّاحل إلى أهل هاذا السّاحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله الصّالح قال قلنا لسعيدٍ خضرٌ قال نعم لا نحمله بأجرٍ فخرقها ووتد فيها وتداً قال موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال مجاهدٌ منكراً قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً كانت الأولى نسياناً والوسطى شرطاً والثّانية عمداً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً لقيا غلاماً فقتله قال يعلى قال سعيدٌ وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين قال أقتلت نفساً زكيّةً بغير نفسٍ لم تعمل بالحنث وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً زاكيةً مسلمةً كقولك غلاماً زاكياً فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه قال سعيدٌ بيده هاكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى حسبت أنّ سعيداً قال فمسحه بيده فاستقام لو شئت لاتّخذت عليه أجراً قال سعيدٌ أجراً نأكله وكان وراءهم وكان أمامهم قرأها ابن عبّاسٍ أمامهم ملكٌ يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصباً فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدّوها بقارورةٍ ومنهم من يقول بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافراً فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً لقوله أقتلت نفساً زكيّةً وأقرب رحماً هما به أرحم منهما بالأوّل الّذي قتل خضرٌ وزعم غير سعيدٍ أنّهما أبدلا جاريةً وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال عن غير واحدٍ إنّها جاريةٌ..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة لأنّه في توضيحها، وهو طريق آخر برواية آخرين وبزيادة ونقصان في المتن أخرجه عن إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الفراء الرّازيّ المعروف بالصغير، عن هشام بن يوسف الصّنعانيّ قضينها عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن يعلى، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللّام وبالقصر: ابن مسلم بلفظ إسم الفاعل من الإسلام ابن هرمز إلى آخره.
قوله: (يزيد أحدهما على صاحبه) أي: أحد المذكورين وهما: يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار فقط، وهو أحد شيخي ابن جريج فيه، وهنا ابن جريج يروي عن يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار. قوله: (وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد) ، هذا من كلام ابن جريج، أي: غير يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار قد سمعته يحدث هذا الحديث عن سعيد بن جبير، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله: (وغيرهما) وهو: عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم القرشي المكّيّ رضي الله عنه، فإن قلت: كيف إعراب هذا؟ قلت: (غيرهما) مبتدأ، وقوله: (قد سمعته) جملة وقعت خبرا، والضّمير المنصوب فيه يرجع إلى لفظ: غير، وقوله: (يحدثه) جملة وقعت حالا، ووقع في رواية الكشميهني: يحدث، بحذف الضّمير المنصوب. قوله: (عن سعيد) ، أي: سعيد بن جبير رضي الله عنه. قوله: (لعند ابن عبّاس) ، اللّام فيه مفتوحة للتّأكيد أي: قال سعيد بن جبير: أنا كنت عند عبد الله بن عبّاس حال كونه في بيته. قوله: (أي أبا عبّاس) ، أي: يا أبا عبّاس! وأبو عبّاس كنية عبد الله بن عبّاس. قوله: (بالكوفة رجل قاص) ، هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: إن بالكوفة رجلا قاصا، والقاص بتشديد الصّاد الّذي يقص النّاس الأخبار من المواعظ وغيرها. قوله: (أما عمرو فقال لي: كذب عدو الله) أراد أن ابن جريج قال: أما عمرو بن دينار فإنّه قال لي في روايته، قال ابن عبّاس: كذب عدو الله، وأشار بهذا إلى أن هذه الكلمة لم تقع في رواية يعلى ابن مسلم، ولهذا قال: وأما يعلى، أي ابن مسلم الرّاوي، فإنّه قال لي: قال ابن عبّاس إلى آخره. قوله: (ذكر النّاس) ، بتشديد الكاف من التّذكير. قوله: (ولى) ، أي: رجع إلى حاله. قوله: (فقال: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: يا رسول الله، قاله لموسى عليه الصّلاة والسّلام. قوله: (قيل: بلى) ، أي: بلى في الأرض أحد أعلم منك، وفي رواية مسلم: (إن في الأرض رجلا هو أعلم منك) ، ووقع في رواية سفيان: فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، وعلم من هاتين الروايتن أن القائل في قوله: بلى، هو الله تعالى فأوحى الله إليه بذلك. قوله: (أي رب، فأين؟) يعني: يا رب أين هو؟ في أي مكان؟ وفي رواية سفيان: يا رب، فكيف لي به؟ وفي رواية النّسائيّ: فأدلني على هذا الرجل حتّى أتعلم منه. قوله: (علما) ، بفتح العين واللّام، أي: علامة. قوله: (أعلم ذلك به) ، أي: أعلم المكان الّذي أطلبه بالعلم. قوله: (فقال لي عمرو) ، القائل هو ابن جريج الرّاوي، أي: قال لي عمرو بن دينار. قوله: (حيث يفارقك الحوت) ، أي: العلم على ذلك المكان الّذي يفارقك فيه الحوت، ووقع ذلك مفسرًا في رواية سفيان عن عمرو، وقال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمّ. قوله: (قال لي) ، يعني: القائل هو ابن جريج، أي: قال لي يعلى بن مسلم في روايته: خذ نوناً أي حوتاً، ولفظ: نوناً، وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: حوتاً، وفي رواية مسلم: تزود حوتاً مالحاً فإنّه حيث تفقد الحوت. قوله: (حيث ينفخ فيه) ، أي: في النّون (الرّوح) يعني حيث تفقده في المكان الّذي يحيى الحوت. قوله: (فأخذ نوناً) أي: فأخذ موسى حوتاً، ووقع في رواية ابن أبي حاتم أن موسى ويوشع فتاه اصطاداه. قوله: (فقال لفتاه) ، وهو يوشع بن نون. قوله: (ما كلفت كثيرا) بالثاء المثلّثة، وفي رواية الكشميهني بالباء الموحدة. قوله: (ليست عن سعيد، القائل به هو ابن جريج، أراد بذلك أن تسمية الفتى ليست عن رواية سعيد ابن جبير. قوله: (ثريان) ، بفتح الثّاء المثلّثة وسكون الرّاء وتخفيف الياء آخر الحروف على وزن فعلان من الثرى، وهو التّراب الّذي فيه نداوة. قوله: (تضرب) أي: اضطرب، وفي رواية سفيان: واضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر وفي رواية مسلم فاضطرب الحوت في الماء. قوله: (وموسى نائم) جملة حالية. قوله: (حتّى إذا استيقظ نسي أن يخبره) ، فيه حذف تقديره: حتّى إذا استيقظ سار فنسي. قوله: (في حجر) ، بفتح الحاء المهملة والجيم ويروى بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهو أوضح، قوله: (قال لي عمرو) ، القائل هو ابن جريج، أي: قال لي عمرو بن دينار. قوله: (واللتين تليانهما) ، يعني: السبابتين، وهكذا وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: وحلق بين إبهاميه فقط. قوله: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) ، وقع هنا مختصرا، وفي رواية سفيان: فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما حتّى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من فرنا هذا نصبا. قوله: قال: قد قطع الله عنك النصب، هذا من قول ابن جريج وليست هذه اللّفظة عن سعيد بن جبير. قوله: (أخبره) ، بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الباء الموحدة والرّاء وهاء الضّمير، هكذا في رواية من الإخبار، قال بعضهم: أي: أخبر الفتى موسى بالقصة قلت: ما أظن أن هذا المعنى صحيح، والّذي يظهر لي أن المعنى نفي الإخبار عن سعيد بهذه اللّفظة لمن روى عنه، وفي رواية لأبي ذر آخره بهمزة ومعجمة وراء وهاء، وفي أخرى بمد الهمزة وكسر الخاء وفتح الرّاء بعدها هاء الضّمير أي: إلى آخر الكلام. وفي أخرى بفتحات وتاء تأنيث منونة منصوبة، قال لي عثمان بن أبي سليمان: القائل ابن جريج، يقول: قال لي عثمان، وقد مرت ترجمته عن قريب. قوله: (على طنفسة) ، وهي فرش صغير، وقيل: بساط له خمل، وفيها لغات كسر الطّاء والفاء بينهما نون ساكنة، وضم الطّاء والفاء وكسر الطّاء وفتح الفاء. قوله: (على كبد البحر) ، أي: على وسطه، وهذه الرّواية القائلة بأنّه كان في وسط البحر، غريبة. قوله: (هل بأرضي من سلام) ، وفي رواية الكشميهني: (هل بأرض) . قوله: (ما شأنك؟) أي: ما الّذي تطلب ولما جئت؟ قوله: (رشدا) ، قرأ أبو عمرو بفتحتين والباقون كلهم بضم أوله وسكون ثانيه، والجمهور على أنّهما بمعنى. قوله: (معابر) ، جمع معبرة وهي السفن الصغار. قوله: (خضرًا) ، أي: هو خضر. قوله: (قالوا: هذا لسعيد بن جبير، قال: نعم، قيل: القائل بذلك يعلى بن مسلم، والله أعلم. قوله: (ووتدها) بفتح الواو وتشديد التّاء المثنّاة من فوق أي: جعل فيها وتداً، وفي رواية سفيان: قلع لوحاً بالقدوم، والجمع بين الرّوايتين أنه: قلع اللّوح وجعل مكانه وتداً، وروى عبد بن حميد من رواية ابن المبارك عن ابن جريج عن يعلى بن مسلم: جاء بودحين خرقها، والود بفتح الواو وتشديد الدّال لغة في: الوتد قلت: الوتد إنّما كان للإصلاح ودفع نفوذ الماء، وفي رواية أبي العالية: فحرق السّفينة فلم يره أحد إلاّ موسى. ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين ذلك. قوله: (قال مجاهد منكرا) ، وصل ابن المنذر: هذا التّعليق عن عليّ بن المبارك عن زيد بن ثور عن ابن جريج عن مجاهد. قوله: (نسيانا) ، حيث قال: لا تؤاخذوني بما نسيت، وشرطاً حيث قال: إن سألتك عن شيء بعدها، وعمدا حيث قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قوله: (لقيا غلاما) في رواية سفيان: فبينما هما يمشيان على ساحل البحر إذا أبصر الخضر غلاما. قوله: (قال يعلى) ، هو يعلى بن مسلم الرّاوي وسعيد هو ابن جبير. قوله: (ثمّ ذبحه بالسكين) ، فإن قلت: قال أولا: فقتله، ثمّ قال: فذبحه، وفي رواية سفيان: فاقتلعه بيده. قلت: لا منافاة بينهما لأنّه لعلّه قطع بعضه بالسكين ثمّ قلع الباقي والقتل يشملهما. قوله: (لم يعمل بالحنث) ، بكسر الحاء المهملة وسكون النّون وبالثاء المثلّثة وهو الإثم والمعصية. قوله: (قرأها) كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: وكان ابن عبّاس يقرؤها: زكية، وهي قراءة الجمهور، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: زاكية. قوله: (مسلمة) ، بضم الميم وسكون السّين وكسر اللّام عند الأكثرين، ولبعضهم بفتح السّين وتشديد اللّام المفتوحة. قوله: (فانطلقا) ، أي: موسى وخضر عليهما السّلام. قوله: (يزعمون عن غير سعيد) ، القائل بهذا هو ابن جريج، ومراده أن إسم الملك الّذي كان يأخذ السفن لم يقع في رواية سعيد بن جبير، وعزاه ابن خالويه في كتاب: (ليس) لمجاهد. قوله: (هدد) بضم الهاء وحكى ابن الأثير فتحها والدّال مفتوحة بلا خلاف. قوله: (بدد) ، بفتح الباء الموحدة، وقال الكرماني بضم الباء والدّال مفتوحة، وزعم ابن دريد أن هدد اسم ملك من ملوك حمير زوجه سليمان بن داود عليهما السّلام، بلقيس. قيل: إن ثبت هذا حمل على التّعدّد والاشتراك في الإسم لبعد ما بين مدّة سليمان وموسى عليهما السّلام، وجاء في تفسير مقاتل: أن اسمه منولة بن الجلندي بن سعيد الأزديّ، وقيل: هو الجلندي، وكان بجزيرة الأندلس. قوله: (والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور) ، القائل بذلك هو ابن جريج، وجيسور، بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وضم السّين المهملة، كذا هو في رواية عن أبي ذر، وفي رواية أخرى له عن الكشميهني بفتح الهاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وكذا في رواية ابن السكن، وفي رواية القابسيّ بنون بدل الياء آخر الحروف، وعند عبدوس بنون بدل الرّاء، وعن السّهيلي أنه رآه في نسخة بفتح المهملة والموحّدة ونونين الأولى مضمومة بينهما الواو الساكنة، وفي تفسير الضّحّاك: اسمه حشرد، وفي تفسير الكلبيّ: اسم الغلام شمعون. قوله: (يأخذ كل سفينة غصبا) ، وفي رواية النّسائيّ: كل سفينة صالحة، وفي رواية إبراهيم بن بشار عن سفيان، وكان ابن مسعود يقرأ: كل سفينة صحيحة غصبا. قوله: (فأردت إذا هي مرت به أن يدعها) ، أي: أن يتركها لأجل عيبها، وفي رواية النّسائيّ: فأردت أن أعيبها حتّى لا يأخذها. قوله: (فإذا جاوزوا) أي: عدوا عن الملك أصلحوها، وفي رواية النّسائيّ: فإذا جاوزوه رقعوها. قوله: (بقارورة) ، بالقاف وهي: الزّجاج، وقال الكرماني: كيفيّة السد بالقارورة غير معلومة، ثمّ وجهه بوجهين: أحدهما: أن تكون قارورة بقدر الموضع المخروق فتوضع فيه، والآخر: يسحق الزّجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به، وقال بعضهم، بعد أن ذكر الوجه الثّاني: فيه بعد. قلت: لا بعد فيه، لأنّه غير متعذر ولا متعسر، والبعد في الّذي قاله هو أن القارورة فاعولة من القار. قوله: (بالقار) ، بالقاف والرّاء وهو الزفت، وهذا أقرب من القول الأول. قوله: (كان أبواه) أي: أبوا الغلام. قوله: (أن يرهقهما) أي: يلحقهما. وقوله: (فخشينا) إلى قوله: (من دينه) من تفسير ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير. انتهى. قوله: (أن يحملهما) ، يجوز أن يكون بدلا من قوله: (أن يرهقهما) ويجوز أن يكون التّقدير: بأن يحملهما. وقوله: (حبه) بالرّفع فاعله. قوله: (خيرا منه) أي: من الغلام المقتول. قوله: (زكاة) نصب على التميز، وإنّما ذكرها للمناسبة بينها وبين قوله: (نفسا زكية) أشار إلى ذلك بقوله: {أقتلت نفسا زكية} (الكهف: 74) ولما وصف موسى نفس الغلام بالزكية وذكر الله تعالى بقوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} (الكهف: 81) وفي التّفسير قوله: (زكاة) أي صلاحاً وإسلاماً ونماء. قوله: (وأقرب رحما) قال الثّعلبيّ: من الرّحم والقرابة، وقيل: هو من الرّحمة، وعن ابن عبّاس: أوصل للرحم وأبر بوالديه، وعن الفراء: أقرب أن يرحماه، وقيل: من الرّحم، بكسر الحاء أشد مبالغة من الرّحمة الّتي هي رقة القلب والتعطف لاستلزام القرابة، الرقة غالبا من غير عكس، وقال الكرماني: وظن بعضهم أنه مشتقّ من الرّحم الّذي هو الرّحمة، وغرضه أنه يعني القرابة لا الرقة، وعند البعض بالعكس. قوله: (هما به أرحم منهما بالأول) ، أي: الأبوان المذكوران به أي: بالّذي يبدل من المقتول أرحم منهما بالأول، وهو المقتول. قوله: (وزعم غير سعيد من قول ابن جريج) ، أي: زعم غير سعيد بن جبير أنّهما أي الأبوين أبدلا جارية بدل المقتول، وروي عن سعيد أيضا: أنّها جارية، على ما جاء وفي رواية النّسائيّ من طريق ابن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: أبدلهما جارية فولدت نبيا من الأنبياء، وفي رواية الطّبرانيّ: ببنين، وعن السّديّ: ولدت جارية، فولدت نبيا، وهو الّذي كان بعد موسى، فقالوا له: إبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، واسم هذا النّبي شمعون، واسم أمه حنة. فإن قلت: روى ابن مردويه من حديث أبي بن كعب أنّها ولدت غلاما. قلت: إسناده ضعيف، وفي تفسير ابن الكلبيّ: ولدت جارية ولدت عدّة أنبياء فهدى الله بهم أمماً، وقيل: عدّة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيا. قوله: (وأما داود بن أبي عاصم) إلى آخره من قول ابن جريج أيضا، وداود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثّقفيّ ثقة من صغار التّابعين، وله أخ يسمى: يعقوب، هو أيضا ثقة من التّابعين). [عمدة القاري: 19/43-47] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ، أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، وعمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدّثه عن سعيدٍ قال: إنّا لعند ابن عبّاسٍ في بيته إذ قال: سلوني؟ قلت: أي أبا عبّاسٍ -جعلنى اللّه فداك- بالكوفة رجلٌ قاصٌّ يقال له نوقٌ يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل أمّا عمرٌو فقال لي قال: قد كذب عدوّ اللّه وأمّا يعلى فقال لي قال ابن عبّاسٍ: حدّثني أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- «موسى رسول اللّه - عليه السّلام - قال: ذكّر النّاس يومًا حتّى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى فأدركه رجلٌ فقال: أي رسول اللّه هل في الأرض أحدٌ أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه قيل: بلى، قال: أي ربّ فأين؟ قال بمجمع البحرين، قال: أي ربّ اجعل لي علمًا أعلم ذلك به -فقال لي عمرٌو:- فقال لي عمروٌ: حيث يفارقك الحوت -وقال لي يعلى: قال: «خذ نونًا ميّتًا حيث ينفخ فيه الرّوح فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ فقال: لفتاه لا أكلّفك إلاّ أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال: ما كلّفت كثيرًا؟ فذلك قوله جلّ ذكره {وإذ قال موسى} لفتاه يوشع بن نونٍ" ليست عن سعيدٍ قال: "فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكانٍ ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائمٌ فقال فتاه: لا أوقظه حتّى إذا استيقظ فنسى أن يخبره وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك اللّه عنه جرية البحر حتّى كأنّ أثره في حجرٍ- قال لي عمرٌو هكذا كأنّ أثره في حجرٍ وحلّق بين إبهاميه واللّتين تليانهما "لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، قال: قد قطع اللّه عنك النّصب" -ليست هذه عن سعيدٍ أخبره- "فرجعا فوجدا خضرًا" قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر -قال سعيد بن جبيرٍ- "مسجًّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلامٍ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدًا قال: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك وأنّ الوحي يأتيك يا موسى إنّ لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر وقال: واللّه ما علمي وما علمك في جنب علم اللّه إلاّ كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر حتّى إذا ركبا في السّفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل هذا السّاحل إلى أهل هذا السّاحل الآخر عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصّالح قال: قلنا لسعيدٍ خضرٌ قال: نعم لا نحمله بأجرٍ فخرقها ووتد فيها وتدًا قال موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا} "قال مجاهدٌ: منكرًا، " {قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا} كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا والثّالثة عمدًا، " {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} {لقيا غلامًا فقتله} قال يعلى قال سعيدٌ: "وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثمّ ذبحه بالسّكّين قال: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ} [الكهف: 74] لم تعمل بالحنث؟ وكان ابن عبّاسٍ قرأها زكيّةً. زاكيةً - مسلمةً " {فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه} " [الكهف: 77] قال سعيدٌ بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى: حسبت أنّ سعيدًا قال "فمسحه بيده فاستقام {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77] قال سعيدٌ أجرًا نأكله {وكان وراءهم} وكان أمامهم قرأها ابن عبّاسٍ أمامهم ملكٌ يزعمون عن غير سعيدٍ أنّه هدد بن بددٍ والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسورٌ {ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصبًا فأردت} [الكهف: 79] إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول: سدّوها بقارورةٍ ومنهم من يقول: بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافرًا فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدّلهما ربّهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا لقوله: {أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] وأقرب رحمًا هما به أرحم منهما بالأوّل الّذي قتل خضرٌ وزعم غير سعيدٍ أنّهما أبدلا جاريةً وأمّا داود بن أبي عاصمٍ فقال عن غير واحدٍ إنّها جاريةٌ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الصغير الرازي قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) اليماني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى بن مسلم) بن هرمز المكي البصري الأصل (وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه) قال الحافظ ابن حجر: فتستفاد زيادة أحدهما على الآخر من الإسناد الذي قبله فإن الأوّل من رواية سفيان عن عمرو بن دينار فقط وهو أحد شيخي ابن جريج فيه (وغيرهما) هو من كلام ابن جريج أي وغير يعلى وعمرو (قد سمعته) حال كونه (يحدثه) أي يحدث الحديث المذكور (عن سعيد) وكان الأصل أن يقول يحدث به لكنه عداه بغير الباء، ولأبي ذر عن الكشميهني يحدث بحذف الضمير المنصوب، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله وغيرهما كعثمان بن أبي سليمان، وروى شيئًا من هذه القصة عن سعيد بن جبير من مشايخ ابن جريج عبد الله بن عثمان بن خثيم وعبد الله بن هرمز وعبد الله بن عبيد بن عمير، وممن روى هذا الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السبيعي وروايته عند مسلم وأبي داود وغيرهما والحكم بن عتيبة وروايته في السيرة الكبرى لابن إسحاق كما نبه على ذلك في الفتح وفي رواية أبي ذر عن سعيد بن جبير أنه (قال: إنا لعند ابن عباس) حال كونه (في بيته) واللام في لعند للتأكيد (إذ قال: سلوني) قال سعيد بن جبير (قلت أي أبا عباس) يعني يا أبا عباس وهي كنية عبد الله بن عباس (جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص) بتشديد الصاد المهملة يقص على الناس الأخبار من المواعظ وغيرها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن بالكوفة رجلًا قاصًّا (يقال له نوف) بفتح النون وسكون الواو آخره فاء منونًا منصرفًا في الفصحى بطن من العرب وعلى تقدير أن يكون أعجميًّا فمنصرف نوح لسكون وسطه واسمه فضالة وهو ابن امرأة كعب الأحبار (يزعم أنه) أي موسى صاحب الخضر (ليس بموسى بن إسرائيل) المرسل إليهم والباء زائدة للتوكيد وأضيف إلى بني إسرائيل مع العلمية لأنه نكر بأن أول بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه قال ابن جريج (أما عمرو) يعني ابن دينار (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال) أي ابن عباس (قد كذب عدوّ الله) يعني نوفًا وسقط لأبي ذر قال قد (وأما يعلى) بن مسلم (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال ابن عباس حدثني) بالإفراد (أبي بن كعب قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-): هو (موسى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) وفي الفرع أصله عليه السلام (قال ذكر الناس يومًا) بتشديد الكاف من التذكير أي وعظهم (حتى إذا فاضت العيون) بالدموع (ورقت القلوب) لتأثير وعظه في قلوبهم (ولى) تخفيفًا لئلا يملوا وهذا ليس في رواية سفيان فظهر أنه من رواية يعلى بن مسلم عن عمرو وقال العوفي عن ابن عباس فيما ذكره ابن كثير لما ظهر موسى وقومه على مصر أمره الله أن يذكرهم بأيام الله فخطبهم فذكرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوّهم وقال كلم الله موسى نبيكم تكليمًا واصطفاه لنفسه وأنزل عليه محبة منه وآتاكم من كل ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض (فأدركه رجل) لم يسم (فقال) موسى (أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا).
فإن قلت: هل بين هذا وبين قوله في رواية سفيان السابقة هنا فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فرق؟ أجيب بأن بينهما فرقًا لأن رواية سفيان تقتضي الجزم بالأعلمية له وهذه تنفي الأعلمية عن غيره عليه فيبقى احتمال المساواة قاله في الفتح.
(فعتب) بفتح العين (عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله) في الرواية السابقة وغيرها فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه على التقديم والتأخير (قيل بلى) زاد في رواية الحر بن قيس عبدنا خضر ولمسلم من رواية أبي إسحاق أن في الأرض رجلًا هو أعلم منك (قال) موسى (أي رب فأين) أي فأين أجده أو فأين هو وللنسائي فادللني على هذا الرجل حتى أتعلم منه ولأبي ذر وأين (قال بمجمع البحرين) بحري فارس والروم أو بحري الشرق والمغرب المحيطين بالأرض أو العذب والملح (قال) موسى (أي رب اجعل لي علمًا أعلم ذلك) المطلوب (منه) وفي نسخة به قال ابن جريج (فقال) ولأبي ذر قال (لي عمرو) هو ابن دينار (قال): العلم على ذلك المكان (حيث يفارقك الحوت) فإنك تلقاه (وقال لي يعلى) بن مسلم (قال: خذ نونًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي خذ حوتًا (ميتًا) ولمسلم في رواية أبي إسحاق فقيل له تزود حوتًا مالحًا فإنه حيث يفقد الحوت (حيث ينفخ فيه) أي في الحوت (الروح) بيان لقوله حيث يفارقك الحوت (فأخذ) موسى (حوتًا) ميتًا مملوحًا وقيل شق حوت مملح ولابن أبي حاتم أن موسى وفتاه اصطاداه (فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال) فتاه (ما كلفت) أي ما كلفتني (كثيرًا) بالمثلثة ولأبي ذر عن الكشميهني كبيرًا بالموحدة (فذلك قوله جل ذكره {وإذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون) بالصرف قال ابن جريج (ليست) تسمية الفتى (عن سعيد) هو ابن جبير (قال فبينما) بالميم (هو) أي موسى وفتاه تبع له (في ظل صخرة) حال كونه (في مكان ثريان) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة فتحتية مفتوحة وبعد الألف نون صفة لمكان مجرور بالفتحة لا ينصرف لأنه من باب فعلان فعلى أو منصوب حالًا من الضمير المستتر في الجار والمجرور ويجوز ثريانًا بالنصب حالًا كما مر وبالتنوين منصرفًا على لغة بني أسد لأنهم يصرفون كل صفة على فعلان ويؤنثونه بالتاء ويستغنون فيه بفعلاته عن فعلى فيقولون سكرانة وغضبانة فلم تكن الزيادة عندهم في فعلان شبيهة بألفي حمراء فلم تمنع من الصرف وفي بعض الأصول ثريان بالجر صفة لمكان وبالتنوين ما مر وهو من الثرى قال: في النهاية يقال مكان ثريان وأرض ثريى إذا كان في ترابهما بلل وندى (إذ تضرب الحوت) بضاد معجمة وراء مشددة تفعل أي اضطرب وتحرك إذ حيي في المكتل (و) الحال إن (موسى نائم) عند الصخرة (فقال فتاه) يوشع (لا أوقظه حتى إذا استيقظ) سار (فنسي) بالفاء ولغير أبي ذر نسي بحذفها (أن يخبره) بحياة الحوت (وتضرب الحوت) أي اضطرب سائرًا من المكتل (حتى دخل البحر) وفي نسخة في البحر (فأمسك الله عنه) عن الحوت (جرية البحر حتى كأن أثره) نصب بكأن (في حجر) بفتح الحاء والجيم خبرها.
قال ابن جريج: (قال لي عمرو) هو ابن دينار (هكذا كأن أثره في حجر) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء المفتوحة على كشط في الفرع مصححًا عليها وفي اليونينية وغيرها بتقديم المهملة وفتحهما وفي نسخة بالفرع وأصله حجر بجيم مضمومة فمهملة ساكنة قال ابن حجر وهي أوضح (وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما) يعني الوسطى والتي بعدها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي والتي ولأبي ذر أيضًا أخرة تليانهما بفتح الهمزة والخاء المعجمة والراء يعني الوسطي (لقد لقينا) فيه حذف اختصره وقع مبينًا في رواية سفيان فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا (من سفرنا هذا نصبًا) تعبًا ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به (قال) فتى موسى له: (فد قطع الله عنك النصب).
قال ابن جريج: (ليست هذه عن سعيد) هو ابن جبير (أخبره) بسكون المعجمة وموحدة مفتوحة من الإخبار أي أخبر يوشع موسى بقصة تضرب الحوت وفقده الذي هو علامة على وجود الخضر (فرجعا) في الطريق الذي جاءا فيه يقصان آثارهما قصصًا حتى انتهيا إلى الصخرة التي حيي الحوت عندها (فوجدا خضرًا) نائمًا في جزيرة من جزائر البحر.
قال ابن جريج: (قال لي عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم وهو ممن أخذ هذا الحديث عن سعيد بن جبير (على طنفسة خضراء) بكسر الطاء المهملة والفاء بينهما نون ساكنة ولأبي ذر طنفسة بفتح الفاء ويجوز ضم الطاء والفاء وكلها لغات أي فرش صغير أو بساط له خمل (على كبد البحر) أي وسطه وعند عبد بن حميد من طريق ابن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان قال: رأى موسى الخضر على طنفسة خضراء على وجه الماء وعند ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس أنه وجده في جزيرة في البحر (قال) ولأبي ذر فقال: (سعيد بن جبير) بالإسناد السابق (مسجى) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منونة أي مغطى كله (بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه) الآخر (تحت رأسه) وعند ابن أبي حاتم عن السدي فرأى الخضر وعليه جبة من صوف وكساء من صوف ومعه عصا قد ألقى عليها طعامه (فسلم عليه موسى فكشف) الثوب (عن وجهه) زاد مسلم في رواية أبي إسحاق وقال وعليكم السلام (وقال: هل بأرضي من سلام) لأنهم كانوا كفارًا أو كانت تحيتهم غير السلام ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني هل بأرض بالتنوين ثم قال الخضر لموسى (من أنت؟ قال: أنا موسى قال) له: (أموسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك)؟ أي ما الذي تطلب (قال: جئت) إليك (لتعلمني مما علمت رشدًا) أي علمًا ذا رشد (قال) الخضر يا موسى (أما يكفيك أن التوراة بيديك) بالتثنية (وأن الوحي يأتيك) من الله على لسان جبريل وهذه الزيادة ليست في رواية سفيان فالظاهر أنها من رواية يعلى بن مسلم (يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه) أي كله (وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه) أي كله وتقدير هذا ونحوه متعين كما قال في الفتح لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى للمكلف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي. وقال البرماوي كالكرماني: وإنما قال لا ينبغي لي أن أعلمه لأنه إن كان نبيًا فلا يجب عليه تعلم شريعة نبي آخر وإن كان وليًا فلعله مأمور بمتابعة نبي غيره وقوله يا موسى ثابت لأبي ذر عن الحموي ساقط لغيره (فأخذ طائر) عصفور (بمنقاره من البحر) ماء (وقال) بالواو ولأبي ذر فقال أي الخضر: (والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر).
وفي الرواية السابقة ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ولفظ النقص ليس على ظاهره، وإنما معناه أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما أخذه العصفور بمنقاره إلى ماء البحر وهذا على التقريب إلى الإفهام وإلاّ فنسبة علمهما إلى علم الله أقل.
وروى النسائي من وجه آخر عن ابن عباس أن الخضر قال لموسى أتدري ما يقول هذا الطائر؟ قال: لا. قال: يقول ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا مثل ما نقص منقاري من جميع هذا البحر وظاهر هذه الرواية كما في الفتح أن الطائر نقر في البحر عقب قول الخضر لموسى يا موسى إن لي علمًا. وفي رواية سفيان أن ذلك وقع بعد ما خرق السفينة فيجمع بأن قوله فأخذ طائر بمنقاره معقب بمحذوف وهو ركوبهما السفينة لتصريح سفيان بذكر السفينة.
(حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فراء غير منصرف أي سفنًا (صغارًا) قال في الفتح وجدا معابر تفسير لقوله ركبا في السفينة لا جواب إذا لأن وجودهما المعابر كان قبل ركوبهما السفينة وقال ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس فيما ذكره ابن كثير في تفسيره فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها (تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه) أي أهل السفينة عرفوا الخضر (فقالوا) هو (عبد الله الصالح قال): يحتمل أن يكون القائل يعلى بن مسلم (قلنا لسعيد) هو ابن جبير (خضر) أي هو خضر (قال: نعم) هو خضر (لا نحمله بأجر) أي بأجرة (فخرقها) بأن قلع لوحًا من ألواحها بالقدوم (ووتد فيها وتدًا) بتخفيف الفوقية الأولى مفتوحة وكسر الثانية مخففة ولأبي ذر وتد فيها بإسقاط الواو الأولى أي جعل فيها وتدًا مكان اللوح الذي قلعه (قال موسى) له: (أخرقتها لتغرق أهلها) اللام للعاقبة (لقد جئت شيئًا إمرًا).
(قال مجاهد) فيما رواه ابن جريج عنه في قوله إمرًا (منكرًا) ووصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه مثله قيل ولم يسمع ابن جريج من مجاهد (قال) الخضر: ({ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا}) أي لما ترى مني من الأفعال المخالفة لشريعتك لأني على علم من علم الله ما علمكه الله وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه قاله ابن كثير (كانت الأولى) في رواية سفيان قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وكانت بإثبات الواو (نسيانا) أي من موسى حيث قال لا تؤاخذني بما نسيت (والوسطى) حيث قال إن سألتك عن شيء بعدها (شرطًا، والثالثة) حيث قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا (عمدًا قال) موسى (لا تؤاخذني بما نسيت) أي تركت من وصيتك (ولا ترهقني من أمري عسرًا) أي لا تشدد علي ({لقيا غلامًا) في رواية سفيان السابقة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا ({فقتله}) الفاء للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال فالقتل تعقب اللقاء.
(قال يعلى) بن مسلم بالإسناد السابق (قال سعيد) هو ابن جبير (وجد) أي الخضر (غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا) منهم (كافرًا ظريفًا) بالظاء المعجمة (فأضجعه ثم ذبحه بالسكين) بكسر المهملة (قال) موسى منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بحذف الألف والتشديد وهي قراءة ابن عامر والكوفيين (بغير نفس لم تعمل بالحنث) بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة لأنها لم تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله زكية أي أقتلت نفسًا زكية لم تعمل الحنث بغير نفس ولأبي ذر لم تعمل الخبث بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين.
(وكان ابن عباس) ولأبي ذر وابن عباس (قرأها زكية) بالتشديد (زاكية) بالتخفيف والمشددة أبلغ لأن فعيلًا المحوّل من فاعل يدل على المبالغة كما مر (زاكية) أي (مسلمة) بضم الميم وكسر اللام (كقولك غلامًا زكيًّا) بالتشديد وهذا تفسير من الراوي وأطلق ذلك موسى على حسب ظاهر حال الغلام لكن قال البرماوي وفي بعضها مسلمة بفتح المهملة واللام المشددة قال السفاقسي وهو أشبه لأنه كان كافرًا (فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض) أن يسقط والإرادة هنا على سبيل المجاز (فأقامه) الخضر (قال سعيد) من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عنه (بيده) بالإفراد أي أقامه الخضر بيده (هكذا ورفع يده فاستقام. قال يعلى) بن مسلم (حسبت أن سعيدًا) يعني ابن جبير (قال فمسحه بيده) بالإفراد أيضًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بيديه بالتثنية (فاستقام)، وقيل دعمه بدعامة تمنعه من السقوط أو هدمه وبل طينًا وأخذ في بنائه إلى أن كمل وعاد كما كان وكلها حكايات حال لا تثبت إلا بنقل صحيح والذي دل عليه القرآن الإقامة لا الكيفية وأحسن هذه الأقوال أنه مسحه أو دفعه بيده فاعتدل لأن ذلك أليق بحال الأنبياء وكرامات الأولياء إلا أن يصح عن الشارع أنه هدمه وبناه فيصار إليه (لو شئت) أي قال موسى للخضر: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا كما في رواية سفيان لو شئت (لاتخذت) بتشديد التاء بعد وصل الهمزة (عليه) أي على تسوية الجدار (أجرًا قال سعيد أجرًا نأكله) أي جعلا نأكل به وإنما قال موسى: ذلك لأنه كان حصل له جهد كبير من فقد الطعام وخشى أن يختلط قوام البنية البشرية (وكان وراءهم) أي (وكان) ولأبي ذر وكان وراءهم ملك وكان (أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم ملك) وهي قراءة شاذة مخالفة للمصحف لكنها مفسرة كقوله من ورائه جهنم وقول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي = لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
قال أبو عليّ: إنما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة وكانت كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة والآية دالة على أن معنى وراء أمام لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم قال ابن جريج: (يزعمون عن غير سعيد) يعني ابن جبير (أنه) أي الملك الذي كان يأخذ السفن غصبًا اسمه (هدد بن بدد) بضم الهاء وفتح الدال الأولى وبدد بضم الموحدة وفتح الدال الأولى أيضًا مصروف ولأبي ذر بدد غير مصروف. وحكى ابن الأثير فتح هاء هدد وباء بدد قال الحافظ ابن كثير: وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة (الغلام) بغير واو وفي اليونينية والغلام (المقتول اسمه يزعمون جيسور) بجيم مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد الواو الساكنة راء، ولأبي ذر عن الكشميهني حيسور بالحاء بدل الجيم وعند القابسي حنسور بنون بدل التحتية وعند عبدوس حيسون بنون بدل الراء ({ملك يأخذ كل سفينة غصبًا}) وفي قراءة أبي كل سفينة صالحة غصبًا رواه النسائي وكان ابن مسعود يقرأ كل سفينة صحيحة غصبًا (فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا) أي جاوزوا الملك (أصلحوها فانتفعوا بها) وبقيت لهم (ومنهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار) وهو الزفت واستشكل التعبير بالقارورة إذ هي من الزجاج وكيف يمكن السد به فقيل يحتمل أن توضع قارورة بقدر الموضع المخروق فيه أو يسحق الزجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به وهذا قاله الكرماني. قال في الفتح: ولا يخفى بعده قال: وقد وجهت بأنها فاعولة من القار (كان أبواه) يعني الغلام المقتول (مؤمنين) بالتثنية للتغليب يريد أباه وأمه فغلب المذكر كالقمرين (وكان) هو (كافرًا) طبع على الكفر وهذا موافق لمصحف أبيّ وقوّة الكلام تشعر به لأنه لو لم يكن الولد كافرًا لم يكن لقوله وكان أبواه مؤمنين فائدة إذ لا مدخل لذلك في القصة لولا هذه الفائدة والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في تلك الشريعة واجبًا لأن أخذ الجزية لم يشرع إلا في شريعتنا وكان أبواه قد عطفا عليه.
(فخشينا أن يرهقهما) أي أن يغشاهما وعظم نفسه لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص بها إلا من هو من خواص الحضرة وقال بعضهم لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه وأضاف الرحمة في
قوله أراد ربك إلى الله تعالى وعند القتل عظم نفسه تنبيهًا على أنه من العظماء في علوم الحكمة، ويجوز أن يكون فخشينا حكاية لقول الله تعالى، والمعنى أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره وقال له اقتل الغلام لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يغشى الغلام الوالدين المؤمنين (طغيانًا وكفرًا) قال ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير معناه (أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه) فإن حب الشيء يعمي ويصم، وقال أبو عبيدة في قوله يرهقهما أي يغشاهما.
وقال قتادة فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فليرض المرء بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب وصح في الحديث "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له" (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه) أي أن يرزقهما بدله ولذا خيرًا منه (زكاة) طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة (وأقرب رحمًا) وذكر هذا مناسبة (لقوله: {أقتلت نفسًا زكية}) بالتشديد (وأقرب رحمًا) أي (هما) أي الأبوان (به) أي بالولد الذي سيرزقانه (أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر). وقيل رحمة وعطفًا على والديه، وسقط لأبي ذر وأقرب رحمًا واقتصر على واحدة منهما. قال ابن جريج (وزعم غير سعيد) أي ابن جبير (أنهما أبدلا جارية) مكان المقتول فولدت نبيًّا من الأنبياء رواه النسائي ولابن أبي حاتم من طريق السدي قال: ولدت جارية فولدت نبيًّا وهو الذي كان بعد موسى فقالوا له ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله واسم هذا النبي شمعون واسم أمه حنة. وفي تفسير ابن الكلبي فولدت جارية ولدت عدة أنبياء فهدى الله بهم أممًا وقيل عدة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيًّا وعند ابن مردويه من حديث أبيّ بن كعب أنها ولدت غلامًا لكن إسناده ضعيف كما قاله في الفتح قال ابن جريج.
(وأما داود بن أبي عاصم) أي ابن عروة الثقفي التابعي الصغير (فقال: عن غير واحد أنها جارية) وهذا هو المشهور وروي مثله عن يعقوب أخي داود مما رواه الطبري، وقال ابن جريج لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم ذكره ابن كثير وغيره ويستنبط من الحديث فوائد لا تخفى على متأمل فلا نطيل بها). [إرشاد الساري: 7/221-226] (م)

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ({ينقضّ} [الكهف: 77] : «ينقاض كما تنقاض السّنّ»). [صحيح البخاري: 6/91]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله ينقضّ ينقاض كما ينقاض السّنّ كذا لأبي ذرٍّ ولغيره الشّيء بمعجمةٍ وتحتانيّةٍ وهو قول أبي عبيدة قال في قوله يريد أن ينقضّ أي يقع يقال انقضّت الدّار إذا انهدمت قال وقرأه قوم ينقاض أي ينقلع من أصله كقولك انقاضت السّنّ إذا انقلعت من أصلها وهذا يؤيّد رواية أبي ذرٍّ وقراءة ينقاض مرويّةٌ عن الزّهريّ واختلف في ضادها فقيل بالتّشديد بوزن يحمارّ وهو أبلغ من ينقضّ وينقضّ بوزن يفعلّ من انقضاض الطّائر إذا سقط إلى الأرض وقيل بالتّخفيف وعليه ينطبق المعنى الّذي ذكره أبو عبيدة وعن عليٍّ أنّه قرأ ينقاص بالمهملة وقال بن خالويه يقولون انقاصت السّنّ إذا انشقّت طولًا وقيل إذا تصدعت كيف كان وقال بن فارسٍ قيل معناه كالّذي بالمعجمة وقيل الشّقّ طولا وقال بن دريدٍ انقاض بالمعجمة انكسر وبالمهملة انصدع وقرأ الأعمش تبعًا لابن مسعودٍ يريد لينقض بكسر اللّام وضمّ التّحتانيّة وفتح القاف وتخفيف الضّاد من النّقض). [فتح الباري: 8/424]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (ينقضّ ينقاض كما تنقاض السّنّ
أشار به إلى قوله تعالى: {فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه} (الكهف: 77) وقد مر تفسيره. قوله: (السن) بكسر السّين المهملة وتشديد النّون، ويروى الشين). [عمدة القاري: 19/47]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({ينقض}) بتشديد الضاد في قوله: {فوجد فيها جدارًا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] (ينقاض كما ينقاض السن) بألف بعد القاف مع تخفيف الضاد المعجمة فيهما حكاه الحافظ شرف الدين اليونيني عن أئمة اللغة قال: ونبهني عليه شيخنا الإمام جمال الدين بن مالك وقت قراءتي بين يديه وهو الذي في المشارق للإمام أبي الفضل ولأبي ذر كما قاله البرماوي والدماميني ينقاض بتشديد المعجمة فيهما. قال أبو البقاء. بوزن يحمار ومقتضى هذا التشبيه أن يكون وزنه يفعال والألف قراءة الزهري. قال الفارسي: هو من قولهم قضته فانقاض أي هدمته فانهدم. قال في الدر: فعلى هذا يكون وزنه ينفعل والأصل انقيض فأبدلت الياء ألفًا أي فصار بعد الإبدال انقاض والسن بالسين المهملة المكسورة والنون، ولأبي ذر عن الكشميهني الشيء بالشين المعجمة والتحتية الساكنة والهمزة بدل السن ومعنى ينقض ينكسر وينقاض ينقلع من أصله وعن علي أنه قرأ ينقاض بالصاد المهملة. قال ابن خالويه أي انشقت طولًا ({لتخذت}) بالتخفيف في قوله: {لتخذت عليه أجرًا} (واتخذت) بالتشديد (واحد) في المعنى). [إرشاد الساري: 7/227]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ( (لتخذت) : «واتّخذت واحدٌ»). [صحيح البخاري: 6/91]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله لتخذت واتّخذت واحدٌ هو قول أبي عبيدة ووقع في رواية مسلمٍ عن عمرو بن محمّدٍ عن سفيان في هذا الحديث أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأها لتخذت وهي قراءة أبي عمرٍو ورواية غيره لاتّخذت). [فتح الباري: 8/424]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدّثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى بني إسرائيل ليس بموسى الخضر، فقال: كذب عدوّ اللّه، حدّثنا أبيّ بن كعبٍ، عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: " قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فقيل له: أيّ النّاس أعلم؟ قال: أنا، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، وأوحى إليه: بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال: أي ربّ، كيف السّبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتلٍ، فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه، قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ، ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة، فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه فنام، - قال سفيان: وفي حديث غير عمرٍو، قال: وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلّا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين - قال: فتحرّك وانسلّ من المكتل، فدخل البحر فلمّا استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} [الكهف: 62] الآية، قال: ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به، قال له فتاه يوشع بن نونٍ: {أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت} [الكهف: 63] الآية، قال: فرجعا يقصّان في آثارهما، فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت، فكان لفتاه عجبًا، وللحوت سربًا، قال: فلمّا انتهيا إلى الصّخرة، إذ هما برجلٍ مسجًّى بثوبٍ، فسلّم عليه موسى، قال: وأنّى بأرضك السّلام، فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشدًا؟ قال له الخضر: يا موسى، إنّك على علمٍ من علم اللّه علّمكه اللّه لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم اللّه علّمنيه اللّه لا تعلمه، قال: بل أتّبعك، قال: فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا، فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهم سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ - يقول بغير أجرٍ - فركبا السّفينة، قال: ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم اللّه إلّا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره، قال: فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها {لقد جئت} [الكهف: 71] الآية، فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فقطعه، قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ، لقد جئت شيئًا نكرًا قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} [الكهف: 75] إلى قوله {فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} [الكهف: 77]- فقال بيده: هكذا - فأقامه، فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا، {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا، قال: هذا فراق بيني وبينك، سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} [الكهف: 78] ، فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما " قال: وكان ابن عبّاسٍ يقرأ: «وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا، وأمّا الغلام فكان كافرًا»). [صحيح البخاري: 6/91-93] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله فانطلقا فوجدا جدارًا في رواية سفيان فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قرية وفي رواية أبي إسحاق عند مسلمٍ أهل قريةٍ لئامًا فطافا في المجالس فاستطعما أهلها قيل هي الأبلّة وقيل إنطاكية وقيل أذربيجان وقيل برقة وقيل ناصرة وقيل جزيرة الأندلس وهذا الاختلاف قريبٌ من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين وشدّة المباينة في ذلك تقتضي أن لا يوثق بشيءٍ من ذلك قوله قال سعيدٌ بيده هكذا ورفع يده فاستقام هو من رواية بن جريجٍ عن عمرو بن دينارٍ عن سعيدٍ ولهذا قال بعده قال يعلى هو بن مسلمٍ حسبت أنّ سعيدًا قال فمسحه بيده فاستقام وفي رواية سفيان فوجدا جدارًا يريد أن ينقضّ قال مائلٌ فقال الخضر بيده فأقامه وذكر الثّعلبيّ أنّ عرض ذلك الجدار كان خمسين ذراعًا في مائة ذراعٍ بذراعهم قوله قال لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا قال سعيدٌ أجرًا نأكله زاد سفيان في روايته فقال موسى قومٌ أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا وفي رواية أبي إسحاق قال هذا فراق بيني وبينك فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال حدّثني وذكر الثّعلبيّ أنّ الخضر قال لموسى أتلومني على خرق السّفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ونسيت نفسك حين ألقيت في البحر وحين قتلت القبطيّ وحين سقيت أغنام ابنتي شعيبٍ احتسابًا). [فتح الباري: 8/420] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ قال حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال قلت لابن عبّاسٍ إنّ نوفاً البكاليّ يزعم أنّ موسى بنى إسرائيل ليس بموسى الخضر فقال كذب عدوّ الله حدّثنا أبيّ بن كعبٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قام موسى خطيباً في بني إسرائيل فقيل له أي النّاس أعلم قال أنا فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه وأوحى إليه بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك قال أي ربّ كيف السّبيل إليه قال تأخذ حوتاً في مكتلٍ فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه قال فخرج موساى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان وفي حديث غير عمرٍ وقال وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلاّ حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال فتحرّك وانسلّ من المكتل فدخل البحر كلّما استيقظ موسى قال لفتاه آتنا غداءنا الآية قال ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به قال له فتاه يوشع بن نونٍ أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت الآية قال فرجعا يقصّان في آثارهما فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت فكان لفتاه عجباً وللحوت سرباً قال فلمّا انتهيا إلى الصّخرة إذ هما برجلٍ مسجّى بثوبٍ فسلّم عليه موسى قال وأنّي بأرضك السّلام فقال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم قال هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشداً قال له الخضر يا موسى إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه وأنا على علمٍ من علم الله علّمنيه الله لا تعلمه قال بل أتّبعك قال فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهما سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ يقول بغير أجرٍ فركبا السّفينة قال ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره البحر فقال الخضر لموسى ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلاّ مقدار ما غمس هاذا العصفور منقاره قال فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فقطعه قال له موسى أقتلت نفساً زكيّة بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبراً إلى قوله فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ فقال بيده هاكذا فأقامه فقال له موسى إنّا دخلنا هاذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا لو شئت لاتّخذت عليه أجراً قال هاذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما قال وكان ابن عبّاسٍ يقرأ وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصباً وأمّا الغلام فكان كافراً..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. قوله: (قال لفتاه آتنا غداءنا) وهو طريق آخر في الحديث المذكور قبله، وهو عن قتيبة عن سفيان إلى آخره، وفيه بعض اختلاف في المتن ببعض زيادة وبعض نقصان، وفيه: حدثني قتيبة حدثني سفيان، ويروى: حدثنا قتيبة حدثنا سفيان، وفيه: عن عمرو بن دينار، وفي رواية الحميدي في الباب المتقدّم: حدثنا عمرو بن دينار.
قوله: (يقال لها الحياة) ، وهي المشهورة بين النّاس: بماء الحياة وعين الحياة. قوله: (فلم يفجأ) ، ويروى: فلم يفج، ووجهه أن الهمزة تخفف فتصير ألفا فتحذف بالجازم نحو: لم يخش. قوله: (وكان ابن عبّاس يقرأ) إلى آخره، ووافقه عليها عثمان أيضا). [عمدة القاري: 19/47-48] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثني قتيبة بن سعيدٍ، حدّثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى نبي الله ليس بموسى الخضر فقال: كذب عدوّ اللّه حدّثنا أبيّ بن كعبٍ عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: «قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فقيل له أيّ النّاس أعلم؟ قال: أنا فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه وأوحى إليه بلى عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: أي ربّ كيف السّبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتلٍ فحيثما فقدت الحوت فاتّبعه قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ ومعهما الحوت حتّى انتهيا إلى الصّخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام" -قال سفيان وفي حديث غير عمرٍو قال: "وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلاّ حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال- فتحرّك وانسلّ من المكتل فدخل البحر فلمّا استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} [الكهف: 62] الآية قال: ولم يجد النّصب حتّى جاوز ما أمر به قال له فتاه يوشع بن نونٍ: {أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت} [الكهف: 63] الآية قال: فرجعا يقصّان في آثارهما فوجدا في البحر كالطّاق ممرّ الحوت فكان لفتاه عجبًا وللحوت سربًا قال: فلمّا انتهيا إلى الصّخرة إذ هما برجلٍ مسجًّى بثوبٍ فسلّم عليه موسى قال: وأنّى بأرضك السّلام؟ فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشدًا؟ قال له الخضر: يا موسى إنّك على علمٍ من علم اللّه علّمكه اللّه لا أعلمه وأنا على علمٍ من علم اللّه علّمنيه اللّه لا تعلمه قال: بل أتّبعك قال: فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا يمشيان على السّاحل فمرّت بهما سفينةٌ فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نولٍ" -يقول بغير أجرٍ- "فركبا السّفينة قال: ووقع عصفورٌ على حرف السّفينة فغمس منقاره البحر فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم اللّه إلاّ مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره قال: فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدومٍ فخرق السّفينة فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية فانطلقا إذا هما بغلامٍ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فقطعه قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا * قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} [الكهف: 74 و75] إلى قوله: {فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} فقال بيده هكذا {فأقامه} [الكهف: 77] فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القرية فلم يضيّفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} [الكهف: 77، 78] فقال رسول اللّه: «وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما». قال: وكان ابن عبّاسٍ يقرأ وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا وأمّا الغلام فكان كافرًا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر أيضًا حدّثنا (سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام الحافظ الحجة تغير حفظه بأخرة وربما دلس عن الثقات وهو من أثبت الناس في عمرو بن دينار (عن عمرو بن دينار) المكي الجمحي مولاهم (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي أنه (قال: قلت لابن عباس أن نوفًا) كذا في اليونينية وفي الفرع نوف بغير ألف (البكالي) بكسر الموحدة نسبة إلى بني بكال بطن من حمير ونوف بغير صرف وصرفه أشهر كما مر ولأبي ذر البكالي بفتح الموحدة (يزعم أن موسى نبي الله) المرسل إلى بني إسرائيل كذا في الفرع موسى نبي الله والذي في اليونينية يزعم أن موسى نبي بني إسرائيل (ليس بموسى الخضر) بل موسى آخر (فقال) ابن عباس -رضي الله عنهما- (كذب عدوّ الله) يعني نوفًا وعبّر بذلك للزجر والتحذير لا قدحًا فيه (حدّثنا أبي بن كعب عن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أنه (قال): (قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل) يذكرهم بنعم الله عليهم وعليه يذكر ما أكرمه الله به من رسالته وتكريمه وتفضيله (فقيل له: أي الناس أعلم) أي منهم (قال) ولأبي ذر فقال: (أنا) أي أعلم (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) كان يقول الله أعلم (وأوحى إليه) بفتح الهمزة والحاء (بلى عبد من عبادي) كائن (بمجمع البحرين هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص والعالم بالعلم الخاص لا يلزم منه أن يكون أعلم من العالم بالعلم العام (قال: أي رب كيف السبيل إليه) أي إلى لقائه (قال: تأخد حوتًا في مكتل فحيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فاتبعه) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر عن الكشميهني فاتبعه بسكون الفوقية وفتح الموحدة أي اتبع أثر الحوت فإنك ستلقى العبد الأعلم (قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون) مجرور بالإضافة منصرف كنوح على الفصحى (ومعهما الحوت) المأمور به (حتى انتهيا إلى الصخرة) التي عند مجمع البحرين (فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق (وفي حديث غير عمرو) لعل الغير المذكور كما قال في الفتح قتادة لما عند ابن أبي حاتم من طريقه (قال وفي أبي الصخرة عين يقال لها) ولأبي الوقت والأصيلي له (الحياة) بتاء التأنيث آخره (لا يصيب من مائها شيء) من الحيوان (إلا حيي) وعند ابن إسحاق من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي لا تصيب بالفوقية أي العين شيئًا أي من الحيوان إلا حيي (فأصاب الحوت من) رشاش (ماء تلك العين قال فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر) ولعل هذه العين إن ثبت النقل فيها هي التي شرب منها الخضر فخلد كما قال به جماعة كما مر (فلما استيقظ موسى قال لفتاه: {آتنا غداءنا} الآية) أي بعد أن نسي الفتى أن يخبره بأن الحوت حيي وانطلاقهما سائرين بقية يومهما وليلتهما حتى كان من الغد قال له إذ ذاك آتنا غداءنا (قال ولم يجد النصب حتى جاوز ما أمر به) فألقى الله عليه الجوع والنصب (قال له فتاه يوشع بن نون {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي أن أخبرك بخبره (الآية) إلى قوله: {ذلك ما كنا نبغ} [الكهف: 64] (قال فرجعا يقصّان في آثارهما) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا في البحر كالطاق ممر الحوت) مفعول وجدا (فكان لفتاه عجبًا) إذ هو أمر خارق (وللحوت سربًا) مسلكًا وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: رجع موسى فوجد الحوت فجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يصير صخرة (قال: فلما انتهيا إلى الصخرة إذا) والذي في اليونينية إذ (هما برجل مسجى) مغطى (بثوب) وفي رواية الربيع عن أنس عند ابن أبي حاتم قال انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة فدخلها موسى على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (فسلم عليه موسى قال) الخضر بعد أن رد السلام عليه وكشف الثوب عن وجهه (وأنى) بهمزة نون مشددة مفتوحتين أي وكيف (بأرضك السلام) وأهلها كفار أو لم يكن السلام تحيتهم (فقال) موسى بعد أن قال له الخضر من أنت: (أنا موسى قال) الخضر (موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال) له موسى: ({هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا}) أي علمًا ذا رشد أسترشد به (قال) ولأبي ذر فقال (له الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه) فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه (قال) موسى (بل أتبعك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هل والأولى أوضح ({قال}) الخضر: ({فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء}) تنكره ابتداء ({حتى أحدث لك منه ذكرًا}) حتى أبداك ببيانه (فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت بهما سفينة) ولأبي ذر: بهم أي بموسى ويوشع والخضر (فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نول) بفتح النون وسكون الواو (يقول بغير أجر) أي أجرة (فركبا السفينة) ولم يذكر يوشع لأنه تابع غير مقصود بالأصالة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فركبا في السفينة (قال: ووقع عصفور) بضم العين (على حرف السفينة فغمس منقاره البحر) بنصبهما ولأبي ذر في البحر (فقال الخضر لموسى) ولأبي ذر: يا موسى (ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار) بالرفع (ما غمس هذا العصفور منقاره) وفي رواية ما نقص علمي وعلمك من علم الله والعلم يطلق ويراد به المعلوم وعلم الله لا يدخله نقص ونقص العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا فهو كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم = بهن فلول من قراع الكتائب
أي لا عيب فيهم.
(قال: فلم يفجأ موسى) بالهمزة (إذ عمد الخضر) بفتح الميم (إلى قدوم) بفتح القاف وتخفيف الدال أي الآلة المعروفة (فخرق السفينة فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت) بفتح الميم أيضًا (إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية). وسقط لأبي ذر لقد جئت والآية (فانطلقا) بعد أن خرجا من السفينة (إذ هما بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني فأخذ الخضر رأسه بحذف الجار والنصب مفعول أخذ (فقطعه قال) ولأبي الوقت فقال الله موسى: {أقتلت نفسًا زكية} بالتشديد طاهرة ({بغير نفس}) قيل وكان القتل في أبلة بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة مدينة قرب بصرة وعبادان ({لقد جئت شيئًا نكرًا}) منكرًا ({قال}) الخضر: ({ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا}) وأتى بلك مع نكرًا بخلاف أمرًا قيل لأن النكر أبلغ لأن معه القتل الحتم بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه (إلى قوله: {فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض}) أن يسقط (فقال) الخضر (بيده هكذا {فأقامه} فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القربة فلم يضيفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك}) قال في الأنوار: الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو إلى الاعتراض الثالث أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته ({سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا}) لكونه منكرًا من حيث الظاهر وقد كانت أحكام موسى كغيره من الأنبياء مبنيّة على الظواهر ولذا أنكر خرق السفينة وقتل الغلام إذ التصرف في أموال الناس وأرواحهم بغير حق حرام في الشرع الذي شرعه لأنبيائه عليهم السلام إذ لم يكلفنا إلى الكشف عن البواطن لما في ذلك من الحرج وأما وقوع ذلك من الخضر فالظاهر أنه قد شرع له أن يعمل بما كشف له من بواطن الأسرار واطلع عليه من حقائق الأستار فلما علم الخضر علمًا يقينًا أنه إن لم يعب السفينة بالخرق غصبها الملك وجب عليه ذلك دفعًا للضرر عن ملاكها إذ لو تركها ولم يعبها فاتت بالكلية عليهم بأخذ الملك لها وكذا قتل الغلام فإنه علم بالوحي أنه إن لم يقتله تبعه أبواه على الكفر لمزيد محبتهما له فكانت المضرة بقتله أيسر من إبقائه لا سيما والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في شريعتهم واجبًا لأن أخذ الجزية لم يكن سائغًا لهم وقد رزقهما الله خيرًا منه كما مرّ ولو ترك الجدار حتى يسقط ضاع مال أولئك الأيتام فكانت المصلحة التامة في إقامته ولعل ذلك كان واجبًا عليه.
(فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-: وددنا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (إن موسى صبر حتى يقص) بضم أوله وفتح آخره مبنيًّا للمفعول (علينا من أمرهما قال وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة) غير معيبة (غصبًا وأما الغلام فكان كافرًا) وقد سبق أن أمام يستعمل موضع وراء فهي مفسّرة للآية كما مرّ وقوله تعالى: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} [الكهف: 80] فيه إشعار بأن الغلام كان كافرًا كما في هذه القراءة لكنها كقراءة أمامهم وصالحة من الشواذ المخالفة لمصحف عثمان والله الموفق). [إرشاد الساري: 7/227-229] (م)
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب بني إسرائيل ليس بموسى صاحب الخضر، قال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعبٍ، يقول: سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ النّاس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى اللّه إليه أنّ عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: أي ربّ، فكيف لي به؟ فقال له: احمل حوتًا في مكتلٍ فحيث تفقد الحوت فهو ثمّ، فانطلق وانطلق معه فتاه وهو يوشع بن نونٍ فجعل موسى حوتًا في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتّى إذا أتيا الصّخرة، فرقد موسى وفتاه فاضطرب الحوت في المكتل حتّى خرج من المكتل فسقط في البحر، قال: وأمسك اللّه عنه جرية الماء، حتّى كان مثل الطّاق وكان للحوت سربًا.
وكان لموسى ولفتاه عجبًا، فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما ونسّي صاحب موسى أن يخبره، فلمّا أصبح موسى {قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} قال: ولم ينصب حتّى جاوز المكان الّذي أمر به {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنسانيه إلاّ الشّيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجبًا} قال موسى {ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصًا} قال: فكانا يقصّان آثارهما، قال سفيان: يزعم ناسٌ أنّ تلك الصّخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميّتًا إلاّ عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلمّا قطر عليه الماء عاش، قال: فقصّا آثارهما حتّى أتيا الصّخرة، فرأى رجلاً مسجًّى عليه بثوبٍ، فسلّم عليه موسى، فقال: أنّى بأرضك السّلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه اللّه لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علّمنيه لا تعلمه، فقال موسى: {هل أتّبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رشدًا (66) قال إنّك لن تستطيع معي صبرًا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا (68) قال ستجدني إن شاء اللّه صابرًا ولا أعصي لك أمرًا} قال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا} قال: نعم، فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينةٌ فكلّماهم أن يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نولٍ فعمد الخضر إلى لوحٍ من ألواح السّفينة فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا (71) قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} ثمّ خرجا من السّفينة فبينما هما يمشيان على السّاحل وإذا غلامٌ يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده، فقتله، قال له موسى: {أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا (74) قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} قال: وهذه أشدّ من الأولى {قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا (76) فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} يقول: مائلٌ، فقال الخضر بيده هكذا {فأقامه} فقال له موسى: قومٌ أتيناهم فلم يضيّفونا ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: يرحم اللّه موسى لوددنا أنّه كان صبر حتّى يقصّ علينا من أخبارهما. قال: وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: الأولى كانت من موسى نسيانٌ. وقال: وجاء عصفورٌ حتّى وقع على حرف السّفينة ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من البحر قال سعيد بن جبيرٍ: وكان يعني ابن عبّاسٍ، يقرأ: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا وكان يقرأ: وأمّا الغلام فكان كافرًا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورواه الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد رواه أبو إسحاق الهمدانيّ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال أبو مزاحمٍ السّمرقنديّ: سمعت عليّ بن المدينيّ يقول: حججت حجّةً وليس لي همّةٌ إلاّ أن أسمع من سفيان يذكر في هذا الحديث الخبر حتّى سمعته يقول: حدّثنا عمرو بن دينارٍ، وقد كنت سمعت هذا من سفيان من قبل ذلك، ولم يذكر فيه الخبر). [سنن الترمذي: 5/160-163] (م)
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فأبوا أن يضيّفوهما}
- أخبرنا محمّد بن عليّ بن ميمونٍ، حدّثنا الفريابيّ، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن عبد الله بن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: {فأبوا أن يضيّفوهما} [الكهف: 77] قال: «كانوا أهل قريةٍ لئامًا»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/165]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه قال لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا}.
يقول تعالى ذكره: فانطلق موسى والعالم {حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها} من الطّعام فلم يطعموهما واستضافاهم {فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} يقول: وجدا في القرية حائطًا يريد أن يسقط ويقع، يقال منه: انقضّت الدّار: إذا انهدمت وسقطت، ومنه انقضاض الكواكب، وذلك سقوطها وزوالها عن أماكانها، ومنه قول ذي الرّمّة:
فانقضّ كالكوكب الدّرّيّ منصلتًا
وقد روي عن يحيى بن يعمر أنّه قرأ ذلك: " يريد أن ينقاضّ ".
وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب إذا قرئ ذلك كذلك في معناه، فقال بعض أهل البصرة: مجاز ينقاصّ: أي ينقلع من أصله، ويتصدّع، بمنزلة قولهم: قد انقاصّت السّنّ: أي انصدّعت، وتصدّعت من أصلها، يقال: فراقٌ كقيض السّنّ: أي لا يجتمع أهله.
وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشّقّ في طول الحائط في طيّ البئر وفي سنّ الرّجل، يقال: قد انقاصّت سنّةٌ: إذا انشقّت طولاً.
وقيل: إنّ القرية الّتي استطعم أهلها موسى وصاحبه، فأبوا أن يضيّفوهما: الآبلة
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني الحسين بن محمّدٍ الذّارع، قال: حدّثنا عمران بن المعتمر، صاحب الكرابيس، قال: حدّثنا حمّادٌ أبو صالحٍ، عن محمّد بن سيرين، قال: انتابوا الأبلة، فإنّه قلّ من يأتيها فيرجع منها خائبًا، وهي الأرض الّتي أبوا أن يضيّفوهما، وهي أبعد أرض اللّه من السّماء.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ} وتلا إلى قوله {لاتّخذت عليه أجرًا} شرّ القرى الّتي لا تضيف الضّيف، ولا تعرف لابن السّبيل حقّه.
واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قول اللّه عزّ وجلّ {يريد أن ينقضّ} فقال بعض أهل البصرة: ليس للحائط إرادةٌ ولا للموات، ولكنّه إذا كان في هذه الحال من ربةٍ فهو إرادته. وهذا كقول العرب في غيره:
يريد الرّمح صدر أبي براءٍ = ويرغب عن دماء بني عقيل
وقال آخر منهم: إنّما كلّم القوم بما يعقلون، قال: وذلك لمّا دنا من الانقضاض، جاز أن يقول: يريد أن ينقضّ، قال: ومثله {تكاد السّموات يتفطّرن} وقولهم: إنّي لأكاد أطير من الفرح، وأنت لم تقرب من ذلك، ولم تهمّ به، ولكن لعظيم الأمر عندك.
وقال بعض الكوفيّين منهم: من كلام العرب أن يقولوا: الجدار يريد أن يسقط، قال: ومثله من قول العرب قول الشّاعر:
إنّ دهرًا يلفّ شملي بجمل = لزمانٌ يهمّ بالإحسان
وقول الآخر:
يشكو إليّ جملي طول السّرى = صبرًا جميلاً فكلانا مبتلى
قال: والجمل لم يشكّ، إنّما تكلّم به على أنّه لو تكلّم لقال ذلك، قال: وكذلك قول عنترة:
وازورّ من وقع القنا بلبانه = وشكا إليّ بعبرةٍ وتحمحم
قال: ومثله قول اللّه عزّ وجلّ: {ولمّا سكت عن موسى الغضب} والغضب لا يسكت، وإنّما يسكت صاحبه. وإنّما معناه: سكن. وقوله: {فإذا عزم الأمر} إنّما يعزم أهله.
وقال آخر منهم: هذا من أفصح كلام العرب، وقال: إنّما إرادة الجدار: ميله، كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم " لا تراءى ناراهما " وإنّما هو أن تكون ناران كلّ واحدةٍ منهما من صاحبتها بالموضعٍ الذي لو قام فيه إنسانٌ رأى الأخرى في القرب، قال: وهو كقول اللّه عزّ وجلّ في الأصنام: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} قال: والعرب تقول: داري تنظر إلى دار فلانٍ، تعني: قرب ما بينهما، واستشهد بقول ذي الرّمّة في وصفه حوضًا أو منزلاً دارسًا:
قد باد أو قد همّ بالبيود
قال: فجعله يهمّ، وإنّما معناه: أنّه قد تغيّر للبلى.
والّذي نقول به في ذلك أنّ اللّه عزّ ذكره بلطفه، جعل الكلام بين خلقه رحمةً منه بهم، ليبيّن بعضهم لبعضٍ عمّا في ضمائرهم. ممّا لا تحسّه أبصارهم، وقد عقلت العرب معنى القائل:
في مهمهٍ قلقت به هاماتها = قلق الفئوس إذا أردن نصولا
وفهمت أنّ الفئوس لا توصف بما يوصف به بنو آدم من ضمائر الصّدور مع وصفها إيّاهما بأنّها تريد. وعلمت ما يريد القائل بقوله:
كمثل هيل النّقا طاف المشاة به = ينهال حينًا وينهاه الثّرى حينا
وأنّه لم يرد أنّ الثّرى نطق، ولكنّه أراد به أنّه تلبّد بالنّدى، فمنعه من الانهيال، فكان منعه إيّاه من ذلك كالنّهي من ذوي المنطق فلا ينهال. وكذلك قوله: {جدارًا يريد أن ينقضّ} قد علقت أنّ معناه: قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنّما خاطب جلّ ثناؤه بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضلّ فيه ذوو الجهالة والغبا.
وقوله: {فأقامه} ذكر عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
- حدّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ.
وقال، آخرون في ذلك ما؛
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، {فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} قال: رفع الجدار بيده فاستقام قال ابن جريجٍ: أن سعيد بن جبيرٍ قال: مسحه بيده فاستقام.
والصّواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ اللّه عزّ ذكره أخبر أنّ صاحب موسى وموسى وجدا جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه صاحب موسى، بمعنى: عدل ميله حتّى عاد مستويًا. وجائزٌ أن يكون كان ذلك بإصلاحٍ بعد هدمٍ. وجائزٌ أن يكون كان برفعٍ منه له بيده، فاستوى بقدرة اللّه، وزال عنه ميله بلطفه، ولا دلالة من كتاب اللّه ولا خبرٍ للعذر قاطعٌ بأيّ ذلك كان من أيٍّ.
وقوله: {قال لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} يقول: قال موسى لصاحبه: لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتّى يعطوك على إقامتك أجرًا.
فقال بعضهم: إنّما عنى موسى بالأجر الّذي قال له {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} القرى: أي حتّى يقرونا، فإنّهم قد أبوا أن يضيّفونا.
وقال آخرون: بل عنى بذلك العوض والجزاء على إقامته الحائط المائل.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والكوفة {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} على التّوجيه منهم له إلى أنّه لافتعلت من الأخذ.
وقرأ ذلك بعض أهل البصرة ( لو شئت لتخذت ) بتخفيف التّاء وكسر الخاء، وأصله: لافتعلت، غير أنّهم جعلوا التّاء كأنّها من أصل الكلمة، وكأنّ الكلام عندهم في فعل ويفعل من ذلك: تخذ فلانٌ كذا يتّخذه تخذًا، وهي لغةٌ فيما ذكر لهذيلٍ. وقال بعض الشّعراء:
وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها = نسيفًا كأفحوص القطاة المطرّق
والصّواب من القول في ذلك عندي: أنّهما لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنًى واحدٍ، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ، غير أنّي أختار قراءته بتشديد التّاء على لافتعلت، لأنّها أفصح اللّغتين وأشهرهما، وأكثرهما على ألسن العرب). [جامع البيان: 15/345-352]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) سعيد بن جبير -رحمه الله -: قال: قلت لابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما: إنّ نوفاً البكاليّ يزعم أنّ موسى - صاحب بني إسرائيل - ليس هو صاحب الخضر.
فقال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعبٍ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قام موسى -عليه السلام -خطيباً في بني إسرائيل»، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ عبداً من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى، أي ربّ، كيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتاً في مكتلٍ، فحيث تفقد الحوت، فهو ثمّ، فانطلق وانطلق معه فتاه، وهو يوشع بن نونٍ، فحمل موسى حوتاً في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان، حتى أتيا الصخرة، فرقد موسى وفتاه، فاضطرب الحوت في المكتل، حتى خرج من المكتل، فسقط في البحر، قال: وأمسك الله عنه جرية الماء حتى كان مثل الطّاق فكان للحوت سرباً وكان لموسى وفتاه عجباً، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، ونسي صاحب موسى أن يخبره، فلما أصبح موسى عليه السلام قال لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} [الكهف: 62] قال: ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجباً} قال موسى: {ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصاً} [الكهف: 63، 64] قال: يقصّان آثارهما، حتى أتيا الصخرة، فرأى رجلاً مسجّى عليه بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال له الخضر: أنّى بأرضك السلام ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: إنّك على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، قال له موسى: {هل أتّبعك على أن تعلّمني مما علّمت رشداً. قال إنك لن تستطيع معي صبراً. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً. قال ستجدني إن شاء اللّه صابراً ولا أعصي لك أمراً} قال له الخضر: {فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً} [الكهف: 66 - 70] قال: نعم، فانطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينةٌ، فكلّموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر، فحملوهما بغير نولٍ، فعمد الخضر إلى لوحٍ من ألواح السفينة، فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ، عمدت إلى سفينتهم، فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً. قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً. قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً} [الكهف: 71، 73]، ثمّ خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا غلامٌ يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعه بيده، فقتله، فقال موسى: {أقتلت نفساً زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً} [الكهف: 74، 75] قال: وهذه أشدّ من الأولى {قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لّدنّي عذراً. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ} يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا {فأقامه قال} له موسى: قومٌ أتيناهم، فلم يضيفونا، ولم يطعمونا {لو شئت لاتّخذت عليه أجراً. قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} [الكهف: 76 - 78] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر، حتى كان يقصّ علينا من أخبارهما» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت الأولى من موسى نسياناً» قال: وجاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السّفينة، ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر.
زاد في رواية: «وعلم الخلائق» ثم ذكر نحوه.
قال سعيد بن جبير: وكان يقرأ «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينةٍ غصباً» وكان يقرأ «وأما الغلام فكان كافراً».
وفي رواية قال: «بينما موسى- عليه السلام - في قومه يذكّرهم بأيّام الله، وأيّام الله: نعماؤه وبلاؤه، إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً أو أعلم منّي» قال:... وذكر الحديث.
وفيه «حوتاً مالحاً».
وفيه: «مسجّى ثوباً، مستلقياً على القفا، أو على حلاوة القفا».
وفيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنّه عجّل لرأى العجب، ولكنّه أخذته من صاحبه ذمامةٌ، قال: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذراً} ولو صبر لرأى العجب، قال: وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه، ثم قال: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ} لئامٍ، فطافا في المجلس، فاستطعما أهلها {فأبوا أن يضيّفوهما} إلى قوله: {هذا فراق بيني وبينك} قال: وأخذ بثوبه، ثم تلا إلى قوله: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} إلى آخر الآية [الكهف: 79]، فإذا جاء الذي يسخّرها وجدها منخرقةً، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك {أرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً} ».
وفي رواية قال: «وفي أصل الصّخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيءٌ إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرّك، وانسلّ من المكتل». وذكر نحوه.
وفي رواية: «أنه قيل له: خذ حوتاً، حتى تنفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلّفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، فقال: ما كلّفت كبيراً»... وذكر الحديث.
وفيه «فوجدا خضراً على طنفسةٍ خضراء على كبد البحر، وأن الخضر قال لموسى: أما يكفيك أنّ التّوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك، يا موسى، إنّ لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه ».
وفيه في صفة قتل الغلام «فأضجعه فذبحه بالسّكين».
وفيه «كان أبواه مؤمنين، وكان كافراً {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً} يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاةً - لقوله: {قتلت نفساً زكية} - وأقرب رحماً} أرحم بهما من الأول الذي قتل الخضر».
وفي رواية «أنهما أبدلا جارية».
وفي رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ ابن عباسٍ تمارى هو والحرّ بن قيس بن حصنٍ الفزاريّ في صاحب موسى عليه السلام، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمرّ بهما أبيّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عباسٍ فقال: يا أبا الطّفيل، هلمّ إلينا فإنّي قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيّه، فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أبيٌّ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا موسى في ملأٍ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجلٌ، فقال له: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى، عبدنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيّه، فجعل الله له الحوت آية... وذكر الحديث إلى قوله: {فارتدّا على آثارهما قصصاً} فوجدا خضراً، فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه». هذه روايات البخاري، ومسلم.
ولمسلم رواية أخرى بطولها، وفيها فانطلقا، حتى إذا لقيا غلماناً يلعبون، قال: فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي، فقتله، قال: فذعر عندها موسى ذعرة منكرة، قال: {أقتلت نفساً زاكيةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند هذا المكان: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجّل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامةٌ».
وعند البخاري فيه ألفاظ غير مسندة، منها: «يزعمون أن الملك كان اسمه: هدد بن بدد، وأنّ الغلام المقتول: كان اسمه فيما يزعمون: حيسور».
وفي رواية في قوله قال: {ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً} قال: «كانت الأولى نسياناً، والوسطى: شرطاً، والثالثة عمداً».
وأخرجه الترمذي مثل الرواية الأولى بطولها.
(وفيها قال سفيان: «يزعم ناسٌ أنّ تلك الصخرة عندها عين الحياة، لا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش»... وذكر الحديث إلى آخره).
وفي رواية لمسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {لتخذت عليه أجراً}.
وعنده قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً».
وفي رواية الترمذي أيضاً: قال «الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافراً... لم يزد».
وأخرج أبو داود من الحديث طرفين مختصرين عن أبيّ بن كعبٍ:
الأول، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً».
والثاني: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: {أقتلت نفساً زكيّةً... } الآية».
وحيث اقتصر أبو داود على هذين الطرفين من الحديث بطوله لم أعلم علامته.
[شرح الغريب]
(مكتل) المكتل: شبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعاً.
(سرباً) السرب: المسلك.
(نصباً) النصب، التعب.
(أوينا) أي: يأوي إلى المنزل: إذا انضم إليه ورجع.
(فارتدا) افتعلا من الارتداد: وهو الرجوع.
(قصصاً) القصص: تتبع الأثر شيئاً بعد شيء، والمعنى: رجعا من حيث جاءا، يقصان الأثر.
(مسجى) المسجى: المغطى.
(رشداً) الرّشد والرّشد: الهدى.
(نول) النّول: العطية والجعل. تقول: نلت الرجل أنوله نولاً: إذا أعطيته، ونلت الشيء أناله نيلاً: وصلت إليه.
(إمراً) الإمر: الأمر العظيم المنكر.
(حلاوة القفا) قال الجوهري: حلاوة القفا بالضم: وسطه، وكذلك حلاوى القفا: فإن مددت، فقلت: حلاواء القفا: فتحت.
(ذمامة) الذمامة بالذال المعجمة: الحياء والإشفاق من الذم، وبالدال غير المعجمة: قبح الوجه، والمراد الأول.
(أرهقهما طغياناً) يقال: رهقه - بالكسر، يرهقه رهقاً، أي: غشيه وأرهقه طغياناً وكفراً، أي أغشاه أياه، ويقال: أرهقني فلان إثماً حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له، والطغيان: الزيادة في المعاصي.
(طنفسه) الطنفسة: واحدة الطنافس: وهي البسط التي لها خمل رقيق.
(كبد البحر) كبد كل شيء: وسطه. وكأنه أراد به ها هنا: جانبه.
(تمارى) المماراة: المجادلة والمخاصمة). [جامع الأصول: 2/220-230] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه: أن لي عبدا بمجمع البحرين وهو أعلم منك، قال موسى: يا رب كيف لي به قال: تأخذ معك حوتا تجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر {فاتخذ سبيله في البحر سربا} وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبرهه بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى {ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه، فقال موسى {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} فقال له الخضر {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا} يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبوا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، {لقد جئت شيئا إمرا} فقال: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسيانا قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمني وما علمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله فقال له موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: وهذه أشد من الأولى {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} قال: مائل فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} فقال: {هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما، قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين). [الدر المنثور: 9/577-579] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق آخر عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عباس جعلني الله فداءك بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل، قال: كذب عدو الله حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى، قيل: بلى، قال: أي رب فأين قال: بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علما أعلم به ذلك، قال: خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كثيرا، قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره.
وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر، قال موسى {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: قد قطع الله عنك النصب فرجعا فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى ثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكسف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام، من أنت قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم، قال: فما شأنك قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى إن لي علما لا ينبغي أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر فعرفوه فقالوا: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا، قال موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} كانت الأولى نسيانا والوسطة والثالثة عمدا {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} ووجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين فقال: {أقتلت نفسا زكية} لم تعمل الحنث، قال ابن عباس قرأها: {زكية} زاكية مسلمة كقولك: غلاما زكيا، {فانطلقا} {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} قال: بيده هكذا ورفع يده فاستقام {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} قال: أجر تأكله {وكان وراءهم ملك} قرأها ابن عباس وكان أمامهم ملك يزعمون مدد بن ندد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور {ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدوها بالقار (فكان أبواه مؤمنين) وكان كافرا {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا} أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر، وزعم غير سعيد أنهما أبدلا جارية). [الدر المنثور: 9/580-583] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد ومسلم، وابن مردويه من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده فقال القوم: إن نوفا الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل فكان ابن عباس متكئا فاستوى جالسا فقال: كذب نوف حدثني أبي بن كعب أنه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني لرأى من صاحبه عجبا، قال: وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبيا من الأنبياء بدأ بنفسه فقال: رحمة الله علينا وعلى صالح ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد ثم قال: إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم إذ قال لهم: ما في الأرض أحد أعلم مني، فأوحى الله إليه: أن في الأرض من هو أعلم منك وآية ذلك أن تزود حوتا مالحا فإذا فقدته فهو حيت تفقده، فتزود حوتا مالحا فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب {فاتخذ سبيله في البحر سربا} قال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان فانطلقا فأصابه ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به فقال موسى: {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال فتاه: يا نبي الله {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} أن أحدثك {وما أنسانيه إلا الشيطان} {فاتخذ سبيله في البحر سربا} {قال ذلك ما كنا نبغ} [ نبغي ] فرجعا {على آثارهما قصصا} يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه فرفع رأسه فقال له: من أنت قال: موسى، قال: من موسى قال: موسى بني إسرائيل، قال: فما لك قال: أخبرت أن عندك علما فأردت أن أصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} قال: قد أمرت أن أفعله {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة} فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها فقال له موسى: تخرقها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} فانطلقا حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قال: فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} قال له موسى مما نزل به من الجهد: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال حدثني {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها.
وأما الغلام فإنه كان طبع يوم طبع كافرا وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه ولو عصياه شيئا لأرهقهما طغيانا وكفرا فأراد ربك أن يبدلهما {خيرا منه زكاة وأقرب رحما} فوقع أبوه على أمه فعلقت خيرا منه زكاة وأقرب رحما). [الدر المنثور: 9/583-586] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس - وعنده نفر من أهل الكتاب - فقال بعضهم: إن نوفا يزعم عن أبي بن كعب أن موسى النّبيّ الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا فقال ابن عباس: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني، قال: نعم في عبادي من هو أعلم منك فنعت له مكانه فأذن له في لقيه فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي {فاتخذ سبيله في البحر سربا} فانطلقا {فلما جاوزا قال} موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال الفتى وذكر {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسى عليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدا، {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} وكان رجلا يعلم علم الغيب قد علم ذلك فقال موسى: بلى، قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} أي أن ما تعرف ظاهرا ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} وإن رأيت ما يخالفني {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها فقال له موسى - ورأى أمرا أفظع به - {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت} أي بما تركت من عهدك {ولا ترهقني من أمري عسرا} ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه فأخذ بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله فرآى موسى عليه السلام أمرا فظيعا لا صبر عليه صبي صغير قتله لا ذنب له، {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} أي صغيرة {لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا} أي قد عذرت في شأني {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر فقال {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا واستضفناهم فلم يضيفوهما ثم قعدت تعمل في غير صنيعة ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عملك، {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبا} - في قراءة أبي بن كعب كل سفينة صالحة وإنما عيبها لطرده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} أي ما فعلته عن نفسي {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علما). [الدر المنثور: 9/586-590] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الروياني، وابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينما موسى عليه السلام يذكر بني إسرائيل إذ حدث نفسه أنه ليس أحد من الناس أعلم منه فأوحى الله إليه: أني قد علمت ما حدثت به نفسك فإن من عبادي رجلا أعلم منك، يكون على ساحل البحر فأته فتعلم منه واعلم أن الآية الدالة لك على مكانه زادك الذي تزود به فأينما فقدته فهناك مكانه، ثم خرج موسى وفتاه قد حملا حوتا مالحا في مكتل وخرجا يمشيان لا يجدان لغوبا ولا عنتا حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضر فمضى موسى وجلس فتاه فشرب منها فوثب الحوت من المكتل حتى وقع في الطين ثم جرى حتى وقع في البحر، فذلك قوله تعالى: {فاتخذ سبيله في البحر سربا} فانطلق حتى لحق موسى فلما لحقه أدركه العياء فجلس وقال لفتاه {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} قال: ففقد الحوت فقال: {فإني نسيت الحوت} الآية، يعني فتى موسى {واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ} إلى {قصصا} فانتهيا إلى الصخرة فأطاف بها موسى فلم ير شيئا ثم صعد فإذا على ظهرها رجل متلفف بكسائه نائم فسلم عليه موسى فرفع رأسه فقال: أنى السلام بهذا المكان، من أنت قال: موسى بني إسرائيل، قال: فما كان لك في قومك شغل عني قال: أني أمرت بك، فقال الخضر: {إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال ستجدني إن شاء الله صابرا} الآية، {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر فإذا قوم قد ركبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر ركبوا معهم فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضر حديدة كانت معه فخرق بها السفينة {قال أخرقتها لتغرق أهلها} الآية، {قال ألم أقل} الآية، {قال لا تؤاخذني} الآية، {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} فوجدا صبيانا يلعبون يريدون القرية فأخذ الخضر غلاما منهم وهو أحسنهم وألطفهم فقتله قال له موسى: {أقتلت نفسا زكية} الآية، {قال ألم أقل لك} الآية، {قال إن سألتك} الآية، فانطلقا حتى انتهيا إلى قرية لئام وبهما جهد فاستطعموهم فلم يطعموهم فرأى الجدار مائلا فمسحه الخضر بيده فاستوى فقال: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} قال له موسى: قد ترى جهدنا وحاجتنا لو سألتهم عليه أجرا أعطوك فنتعشى به {قال هذا فراق بيني وبينك}، قال: فأخذ موسى بثوبه فقال: أنشدك الصحبة إلا أخبرتني عن تأويل ما رأيت قال: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} الآية، خرقتها لأعيبها فلم تؤخذ فأصلحها أهلها فامتنعوا بها وأما الغلام فإن الله جعله كافرا وكان أبواه مؤمنين فلو عاش لأرهقهما {طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة} الآية). [الدر المنثور: 9/592-595] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن السدي في قوله: {أتيا أهل قرية} قال: كانت القرية تسمى باجروان كان أهلها لئاما). [الدر المنثور: 9/614]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: أتيا الإبلة وهي أبعد أرض الله من السماء). [الدر المنثور: 9/614]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن ابن عباس في قوله: {أتيا أهل قرية}: قال: هي أبرة، قال: وحدثني رجل أنها أنطاكية). [الدر المنثور: 9/614]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى قال: بلغني أن المسألة للمحتاج حسنة ألا تسمع أن موسى وصاحبه استطعما أهلها). [الدر المنثور: 9/614]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج النسائي، وابن مردويه عن أبي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {فأبوا أن يضيفوهما} مشددة). [الدر المنثور: 9/614]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الديلمي عن أبي بن كعب رفعه في قوله: {فأبوا أن يضيفوهما} قال: كانوا أهل قرية لئاما). [الدر المنثور: 9/614]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {يريد أن ينقض} قال: يسقط). [الدر المنثور: 9/615]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} فهدمه ثم قعد يبنيه). [الدر المنثور: 9/615]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {فأقامه} قال: رفع الجدار بيده فاستقام). [الدر المنثور: 9/615]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر عن هرون قال: في حروف عبد الله لو شئت لتخذت عليه أجرا). [الدر المنثور: 9/615]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البغوي في معجمه، وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ لو شئت لتخذت عليه أجرا مخففة). [الدر المنثور: 9/615]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22 رجب 1434هـ/31-05-2013م, 05:34 AM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
افتراضي

التفسير اللغوي


تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {قال إنّك لن تستطيع معي صبرًا {67} وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا {68} قال ستجدني إن شاء اللّه صابرًا ولا أعصي لك أمرًا {69} قال فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أحدث لك منه ذكرًا {70} فانطلقا حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها قال} [الكهف: 67-71] موسى.
{أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا} [الكهف: 71] أتيت شيئًا.
{إمرًا} [الكهف: 71] عظيمًا.
وقال مجاهدٌ: منكرًا). [تفسير القرآن العظيم: 1/198]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {ليغرق أهلها...}

قرأها يحيى بن وثّاب والحسن بالرفع والياء وقرأها سائر الناس {لتغرق أهلها} ). [معاني القرآن: 2/155]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {جئت شيئاً إمراً} أي داهيةً نكراً عظيماً، وفي آية أخرى: (شيئاً إدّاً) قال:
قد لقي الأقران مني نكراً= داهيةً دهياء إدّاً إمراً).
[مجاز القرآن: 1/409]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ( {إمرا}: شديدا عظيما). [غريب القرآن وتفسيره: 232]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {شيئاً إمراً} أي عجبا). [تفسير غريب القرآن: 269]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {فانطلقا حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا }أي خرقها الخضر.
{قال أخرقتها لتغرق أهلها}، وليغرق أهلها، وكان خرقها مما يلي الماء، لأن التفسير جاء بأنه خرقها بأن قلع لوحين مما يلي الماء،
فقال: {لقد جئت شيئا إمرا} ومعنى (إمرا) شيئا عظيما من المنكر). [معاني القرآن: 3/302]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها}
انطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر حتى مرت بهما سفينة فعرفوا الخضر فحملوهما بدون أجر فلما ركبا في السفينة عمد الخضر إلى فأس فقلع لوحا من ألواح السفينة بعد أن أصبحت في لجة البحر فذلك قوله تعالى: {حتى إذا ركبا في السفينة خرقها} أي خرقها الخضر). [معاني القرآن: 4/269]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} أي قال له موسى منكرا عليه أخرقت السفينة لتغرق ركابها لقد فعلت شيئا عظيما هائلا ومعنى {إمرا} أي شيئا عظيما من المنكر
ويروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فجعله مكان الخرق ثم قال للخضر قوم حملونا بغير أجر عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد فعلت أمرا هائلا عظيما
قال {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} أي: قال له: الخضر ألم أخبرك من أول الأمر إنك لا تستطيع أن تصبر على ما ترى من صنيعي. ذكره بلطف في مخالفته للشرط). [معاني القرآن: 4/270-269]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت: 345هـ): ( {لقد جئت شيئا إمرا} أي: عجبا). [ياقوتة الصراط: 328]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {شيئا إمرا} أي عجبا). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 145]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {شيئاً إِمْرا}: عظيما). [العمدة في غريب القرآن: 192]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ({قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا}
وكان موسى ينكر الظّلم).
[تفسير القرآن العظيم: 1/198]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) :
( {قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرا }

فلما رأى موسى أن الخرق لم يدخل منة الماء، وأنّه لم يضر من في السفينة). [معاني القرآن: 3/302]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قال له موسى:{لا تؤاخذني بما نسيت} يعني: ذهب منّي ذكره.
تفسير السّدّيّ). [تفسير القرآن العظيم: 1/198]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {لا تؤاخذني بما نسيت...}

- ... حدثني يحيى بن المهلّب - وكان من أفاضل أهل الكوفة - عن رجل عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب الأنصاريّ قال: لم ينس ولكنها من معاريض الكلام.
وقوله: {ولا ترهقني} يقول: لا تعجلني). [معاني القرآن: 2/155]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ولا ترهقني} أي لا تغشني وقال زهيرٌ:
ومرهّق النّيران يحمد في ال= لأواء غير ملعّن القدر).
[مجاز القرآن: 1/410]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {لا ترهقني}: لا تغشني). [غريب القرآن وتفسيره: 232]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {ولا ترهقني} أي لا تغشني {عسراً} ). [تفسير غريب القرآن: 270]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وروى المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه، حكاية عن موسى صلّى الله عليه وسلم:
{لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} لم ينس ولكنها من معاريض الكلام.
أراد ابن عباس أنه لم يقل: إني نسيت فيكون كاذبا، ولكنه قال: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}، فأوهمه النسيان، ولم ينس ولم يكذب.
ولهذا قيل: إن في المعاريض عن الكذب لمندوحة). [تأويل مشكل القرآن: 267]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (النسيان: ضد الحفظ، كقوله: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ}، وقال: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} ) [تأويل مشكل القرآن: 500] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا }
ومعنى ترهقني تغشّيني، أي عاملني باليسر لا بالعسر). [معاني القرآن: 3/302]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا}
معنى {ترهقني}: تغشيني أي عاملني باليسر لا بالعسر
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كانت الأولى من موسى نسيانا وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر). [معاني القرآن: 4/270]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {تُرْهِقْني}: تغشيني). [العمدة في غريب القرآن: 192]

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {ولا ترهقني من أمري عسرًا {73} فانطلقا حتّى إذا لقيا غلامًا فقتله}
- سفيان، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن رجلٍ من بني تميمٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: طبع الغلام كافرًا.

قال يحيى: قوله: طبع كافرًا لعلّه لو بلغ كان يكون كافرًا، مثل قوله: {ولا يلدوا إلا فاجرًا كفّارًا} [نوح: 27] أي: من بلغ منهم ثمّ كفر وفجر.
{قال أقتلت نفسًا زكيّةً} [الكهف: 74] أي: لم تذنب.
وقال قتادة: الزّكيّة التّائبة.
{بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا} [الكهف: 74]
[تفسير القرآن العظيم: 1/198]
ابن مجاهدٍ، عن أبيه، قال: النّكر: المنكر). [تفسير القرآن العظيم: 1/199]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {أقتلت نفساً (زكيّةً)...}

مرّ بغلام لم تجن جناية رآها موسى فقتله. وقوله (زكيّة) قرأها عاصم ويحيى بن وثاب والحسن (زكيّة) وقرأها أهل الحجاز وأبو الرحمن السّلمي (زاكية) بألف.
وهي مثل قوله: {وجعلنا قلوبهم قاسيةً} (وقسيّة) ). [معاني القرآن: 2/155]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {زكيّةٍ بغير نفسٍ} أي مطهّرة.
{شيئاً نكراً} أي داهية: أمراً عظيماً). [مجاز القرآن: 1/410]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {فانطلقا حتّى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكيّةً بغير نفسٍ لّقد جئت شيئاً نّكراً}
وقال: {حتّى إذا لقيا غلاماً فقتله} قال: {فقتله} لأن اللّقاء كان علة للقتل). [معاني القرآن: 2/79]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( و{شيئاً نكراً} أي منكرا). [تفسير غريب القرآن: 270]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {فانطلقا حتّى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكيّة بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا}
معناه فقتله الخضر، {قال أقتلت نفسا زكيّة بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا}.
قالوا في زكية بريئة، أي لم ير ما يوجب قتلها، و (نكرا) أقل من قوله (إمرا)، لأن تغريق من في السفينة كان عنده أنكر من قتل نفس واحدة وقد قيل إنّ (نكرا) ههنا معناه لقد جئت شيئا أنكر من الأمر الأول.
و(نكرا) منصوب على ضربين: أحدهما معناه أتيت شيئا نكرا، ويجوز أن - يكون معناه: جئت بشيء نكر، فلما حذف الباء أفضى الفعل فنصب). [معاني القرآن: 3/303-302]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله}
أي فقبل عذره وانطلقا بعد نزولهما من السفينة يمشيان فمرا بغلمان يلعبون وفيهم غلام وضيء الوجه جميل الصورة فأمسكه الخضر واقتلع رأسه بيده ثم رماه في الأرض قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا أي قال له موسى أقتلت نفسا طاهرة بريئة لم تذنب قط ولم تقتل نفسا حتى تقتل به لقد فعلت شيئا منكرا عظيما لا يمكن السكوت عنه قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا أي قال له الخضر ألم أخبرك أنك لن تستطيع الصبر على ما ترى مني وقره في الأول ثم واجهة بكاف الخطاب بقوله لك لعدم العذر هنا
ومعنى زكية أي بريئة لم ير ما يوجب قتلها
وقال هنا نكرا أي منكرا فظيعا أنكر من الأمر الأول وهو أبلغ من قوله: {إمرا} في الآية السابقة وهو منصوب على ضربين
أحدهما معناه أتيت شيئا نكرا
والثاني معناه جئت بشيء نكر فلما حذف الباء أفضى إلى الفعل فنصبه). [معاني القرآن: 4/272-271]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( (زكيه) و(زاَكِيَّةً) بمعنى واحد، بمعنى: مؤمنة). [ياقوتة الصراط: 328]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( {نكرا} أي: منكرا). [ياقوتة الصراط: 328]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ):{نكرا} منكرا). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 145]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)}

تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا {75} قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي} [الكهف: 75-76] من عندي.
{عذرًا} [الكهف: 76] قد أعذرت فيما بيني وبينك). [تفسير القرآن العظيم: 1/199]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {فلا تصاحبني...}

و{فلا تصحبني} نفسك ولا تصحبني أنت كل ذلك صواب والله محمود). [معاني القرآن: 2/155]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ( (لدن): بمعنى عند، قال تعالى: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} أي بلغت من عندي.
وقال: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} أي من عندنا.
وقد تحذف منها النون، كما تحذف من (لم يكن) قال الشاعر:
مِن لَدُ لَحْيَيْهِ إِلَى مَنْحُورِهِ
أي من عند لحييه.
وفيها لغة أخرى أيضا: لدى، قال الله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} أي عند الباب). [تأويل مشكل القرآن: 563] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرا }
أي بعد هذه المسألة: {فلا تصاحبني}.
ويقرأ فلا تصحبني، وقراءة شاذة فلا تصحبني..
فمن قرأ فلا تصحبني فإن معناه فلا تكوننّ صاحبي، ومن قرأ فلا تصاحبني فمعناه إن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك.
ومن قرأ تصحبني، ففيها بأربعة أوجه، فأجودها فلا تتابعني على ذلك، يقال قد أصحب المهر إذا انقاد، فيكون معناه فلا تتابعني في شيء ألتمسه منك.
ويجوز أن يكون معناه: فلا تصحبني أحدا ولا أعرف لهذا معنى لأن موسى لم يكن سأل الخضر أن يصحبه أحدا.
وقوله: {قد بلغت من لدنّي عذرا}.
ويقرأ من لدني بتخفيف النّون، لأن أصل لّدن الإسكان، فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نونا ليعلم سكون النون الأولى، تقول من لدن زيد، فتسكن النون ثم تضيف إلى نفسك،
فتقول من لدنى كما تقول عن زيد وعني. ومن قال من لدني لم يجز أن يقول عني ومني بحذف النون، لأن لدن اسم غير متمكن، ومن وعن حرفان جاءا لمعنى.
ولدن مع ذلك أثقل من " من " و " في ".
والدليل على أن الأسماء يجوز فيها حذف النون قولهم: قدني في معنى حسبي، ويقولون قد زيد فيدخلون النون لما ذكرناه إذا أضيفت.
ويجوز قدي بحذف النون لأن قد اسم غير متمكن.
قال الشاعر (فجاء باللغتين):
قدني من نصر الخبيبين قدي
فأمّا إسكانهم دال لدن فأسكنوها كما يقولون في عضد: عضد.
فيحذفون الصفة). [معاني القرآن: 3/304-303]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا}
أي إن أنكرت عليك بعد هذه المرة واعترضت على ما يصدر منك فلا تصحبني معك فقد أعذرت إلى ونبهتني على مخالفتي الشرط فأنت معذور عندي). [معاني القرآن: 4/272]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( {عذرا} أي: أعذاراً). [ياقوتة الصراط: 328]

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه} [الكهف: 77] دفعه بيده.
قال له موسى.
{لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} [الكهف: 77] أي: ما يكفينا اليوم). [تفسير القرآن العظيم: 1/199]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {فأبوا أن يضيّفوهما...}

سألوهم القرى: الإضافة فلم يفعلوا. فلو قرئت) (أن يضيفوهما) كان صواباً. ويقال القرية أنطاكية [وقوله] {يريد أن ينقضّ} يقال: كيف يريد الجدار أن ينقضّ؟
وذلك من كلام العرب أن يقولوا: الجدار يريد أن يسقط. ومثله قول الله {ولمّا سكت عن موسى الغضب} والغضب لا يسكت (إنما يسكت صاحبه) وإنما معناه: سكن،
وقوله: {فإذا عزم الأمر} [و] إنما يعزم الأمر أهله وقد قال الشاعر:
إن دهرا يلفّ شملي بجملٍ = لزمان يهمّ بالإحسان

وقال الآخر:
شكا إلى جملي طول السّرى = صبراً جميلاً فكلانا مبتلى

والجمل لم يشك، إنما تكلّم به على أنه لو نطق لقال ذلك. وكذلك قول عنترة.
فازورّ من وقع القنا بلبانه = وشكا إليّ بعبرة وتحمحم

وقد ذكرت (ينقاض) للجدار والانقياض: الشقّ في طول الجدار وفي طيّ البئر وفي سنّ الرّجل يقال: انقاضت سنّه إذا انشقّت طولاً.
فقال موسى لو شئت [لم تقمه حتّى يقرونا فهو الأجر. وقرأ مجاهد] {لو شئت لتخذت عليه أجراً} وأنشدني القناني:
* تخذها سرّيّةً تقعّده *
وأصلها اتّخذ: افتعل). [معاني القرآن: 2/155-156]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت: 210هـ): ( {فأبوا أن يضيّفوهما} أي أن ينزلوهما منزل الأضياف، ويقال: ضفت أنا، وأضافني الذي أنزلني.
{يريد أن ينقضّ} وليس للحائط إرادة ولا للموات ولكنه إذا كان في هذه الحال من ربه فهو إرداته، وهذا قول العرب في غيره
قال الحارثيّ:
يريد الرمح صدر بني براءٍ= ويرغب عن دماء بني عقيل
ومجاز (أن ينقضّ) مجاز يقع، يقال: انقضت الدار إذا انهدمت وسقطت وقرأ قوم أن ينقاضّ ومجازه: أن ينقلع من أصله ويتصدع بمنزلة قولهم: قد انقاضت السن،
أي انصدعت وتقلعت من أصلها، يقال: فراق كقيض السّن أي لا يجتمع أهله، وقال:
فراقٌ كقيض السّنّ فالصّبر إنه= لكل أناسٍ عثرةٌ وجبور

(لو شئت لتخذت عليه أجراً) الخاء مكسورة، ومعناها معنى أخذت فكان مخرجها مخرج فعلت تفعل، قال الممزّق العبديّ:
وقد تخذت رجلي إلى جنب غررها= نسيفاً كأفحوص القطة المطّرق

النسيف موضع العقب الأثر الذي يكون في خلال الرجل؛ وأفحوص القطاة: الموضع الذي تبيض فيه. والمطرق التي تريد أن تبيض، يقال: قد طرّقت المرأة لولدها إذا استقام ليخرج). [مجاز القرآن: 1/410-412]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ( {لاتخذت عليه أجرا}: المعنى اتخذت). [غريب القرآن وتفسيره: 233]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ( {يريد أن ينقضّ} أي ينكسر ويسقط). [تفسير غريب القرآن: 270]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ولو قلنا للمنكر لقوله: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} كيف كنت أنت قائلا في جدارٍ رأيته على شفا انهيار: رأيت جدارا ماذا؟ لم يجد بدّا من أن يقول: جدارا يهمّ أن ينقضّ، أو يكاد أن ينقضّ، أو يقارب أن ينقضّ. وأيّا ما قال فقد جعله فاعلا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم، إلا بمثل هذه الألفاظ.
وأنشدني السّجستاني عن أبي عبيدة في مثل قول الله: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}:
يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبي بَرَاءٍ = وَيَرْغَبُ عَن دِمَاءِ بَني عَقِيل).

[تأويل مشكل القرآن: 133]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها} أي مشيا حتى وصلا إلى قرية، فطلبا طعاما فلم يعطوهما واستضافاهم فلم يضيفوهما
قال ابن عباس هي انطاكية وقال ابن سيرين هي الأيلة). [معاني القرآن: 4/272]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال تعالى: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه}
والمعنى وجدا في القرية حائطا مائلا يوشك أن يسقط ويقع فمسحه الخضر بيده فاستقام وقيل إنه هدمه ثم بناه
وروى أن موسى قال للخضر قوم استطعمناهم فلم يطعمونا وضفناهم فلم يضيفونا ثم قعدت تبني لهم الجدار لو شئت لاتخذت عليه أجرا
وقوله تعالى: {يريد أن ينقض} أي يوشك أن يسقط وهذا مجاز وتوسع وهو في كلام العرب وأشعارها كثير فمن ذلك قول عنترة:
وازور من وقع القنا بلبانه = وشكا إلى بعبرة وتحمحم
وقول الآخر:
يريد الرمح صدر أبي براء = ويرغب عن دماء بني عقيل).
[معاني القرآن: 4/273-272]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 22 رجب 1434هـ/31-05-2013م, 05:38 AM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) }
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (والأمر من الأمور والأمر مصدر أمرت أمرا والإمر: الشيء العجيب قال الله جل ثناؤه: {لقد جئت شيئا إمرا} ). [إصلاح المنطق: 12]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) }

تفسير قوله تعالى: {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) }
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (أنشد الفرزدق سليمان بن عبد الملك:

ثلاثٌ واثنتان فهن خمسٌ = وسادسةٌ تميل إلى شمام
فبتن بجانبي مصرعاتٍ = وبت أفض أغلاق الختام
كأن مفالق الرمان فيه = وجمر غضًا قعدن عليه حامي
فقال له سليمان: ويحك يا فرزدق، أحللت بنفسك العقوبة، أقررت عندي بالزنا وأنا إمامٌ ولا بد لي من أحدك. فقال الفرزدق: بأي شيء أوجبت على ذلك؟ قال: بكتاب اللّه. قال: فإن كتاب الله هو الذي يدرأ عني الحد. قال: وأين؟ قال: في قوله: {والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون} فأنا قلت يا أمير المؤمنين ما لم أفعل.
لبعض الشعراء في ذلك المعنى وقول الشاعر:

وإنما الشاعر مجنونٌ كلب = أكثر ما يأتي على فيه الكذب
وقال الشاعر:

حسب الكذوب من البلـ = ـية بعض ما يحكى عليه
مهما سمعت بكذبةٍ = من غيره نسبت إليه
وقال بشار:
ورضيت من طول العناء بيأسه = واليأس أيسر من عدات الكاذب
من أقوال العرب في الكذب والعرب تقول: أكذب من سالئةٍ وهي تكذب مخافة العين على سمنها. وأكذب من مجرب لأنه يخاف أن يطلب من هنائه.
وأكذب من يلمعٍ وهو السراب.
لابن سيرين منصور ابن سلمة الخزاعي قال: حدّثنا شبيب بن شيبة أبو معمر الخطيب قال: سمعت ابن سيرين يقول: الكلام أوسع من أن يكذب ظريفٌ.
وقال في قول اللّه عز وجل: {لا تؤاخذني بما نسيت} لم ينس ولكنهما من معاريض الكلام.
وقال القيني: أصدق في صغار ما يضرني لأصدق في كبار ما ينفعني.
وكان يقول: أنا رجل لا أبالي ما استقبلت به الأحرار). [عيون الأخبار: 4/27-28] (م)

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) }
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (والنِّكر أن يكون الرجل منكرا فطنا ويقال ما أشد نكره والنُّكْر المنكر قال الله جل وعز: {لقد جئت شيئا نُكْرا} ). [إصلاح المنطق: 131]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) )
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (
وفيك إذا لاقيتنا عجرفية = مرارا وما نستيع من يتعجرف
...
ويقال: هو يستطيع ويسطيع ويستتيع ويستيع بمعنى واحد). [رواية أبي سعيد السكري لديوان جران العود: 17]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) }

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (وقول أخت قيلة: لا تخبرها فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها.
قال بعضهم يقول: بين طولها وعرضها، وهذا معنى يخرج.
ولكن الكلام لا يوافقه، ولا أدري ما الطول والعرض من السمع والبصر، ولكن وجهه عندي -والله أعلم- أنها أرادت: أن الرجل يخلو
بها ليس معهما أحد يسمع كلامهما ولا يبصرهما إلا الأرض القفر.
فصارت الأرض خاصة كأنها هي التي تسمعها وتبصرها دون الأشياء والناس، وإنما هذا مثل ليس على أن الأرض تسمع وتبصر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقبل من سفر فلما رأى «أُحدا» قال: ((هذا جبل يحبنا ونحبه))، والجبل ليست له محبة ومنه قول الله عز وجل: {جدارا يريد أن ينقض فأقامه} والجدار ليست له إرادة.
والعرب تكلم بكثير من هذا النحو كان الكسائي يحكي عنهم أنهم يقولون: منزلي ينظر إلى منزل فلان، ودورنا تناظر.
ويقولون: إذا أخذت في طريق كذا وكذا فنظر إليك الجبل فخذ يمينا عنه.
وإنما يراد بهذا كله قرب ذلك الشيء منه.
ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تراءى ناراهما)) ومثل هذا في الكلام كثير). [غريب الحديث: 2/383-385]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (الانقياص: انشقاق الركية طولا؛ يقال: قد انقاصت البئر إذا لحقها ذلك، وقد انقاصت سن الرجل، إذا انشقت طولا.

حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثنا أبو بشر المعصوب،
قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة، أنه قرأ: (جدارا يريد أن يَنْقَاصَ)، وروى ابن عباس عن أبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (جدارا يريد أن يُنْقَضَ)، قال الشاعر:

فراقا كقيض السن فالصبر إنه = لكل أناس عثرة وجبور
ومعنى (يريد)، يكاد؛ ويقال: هو فعل مستعار للجدار، كما قال الشاعر:
يريد الرمح صدر أبي براء = ويرغب عن دماء بني عقيل).
[كتاب الأضداد: 171-172]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16 ذو القعدة 1439هـ/28-07-2018م, 10:47 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16 ذو القعدة 1439هـ/28-07-2018م, 10:51 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16 ذو القعدة 1439هـ/28-07-2018م, 11:20 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: "فانطلقا"، روي عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنهما انطلقا ماشيين على سيف البحر حتى مرت بهما سفينة، فعرف الخضر فحملا بغير نول إلى مقصد أمة الخضر. وعرفت السفينة بالألف واللام تعريف الجنس لا لعهد عينها. فلما ركبا عمد الخضر إلى وتد فجعل يضرب في جنب السفينة حتى بلغ به -فيما روي- لوحين من ألواحها، فذلك هو معنى "خرقها"، فلما رأى ذلك موسى عليه السلام غلبه ظاهر الأمر على الكلام حين رأى فعلا يؤدي إلى غرف جميع من في السفينة، فوقفه بقوله: "أخرقتها"؟ وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: "لتغرق أهلها" بالتاء، وقرأ أبو رجاء: "لتغرق أهلها" بشد الراء وفتح الغين، وقرأ حمزة، والكسائي: "ليغرق أهلها" برفع الأهل وإسناد الفعل إليهم.
و "الإمر": الشنيع من الأمور كالداهية والإد ونحوه. ومنه "أمر أمر ابن أبي كبشة"، ومنه: "أمر القوم" إذا كثروا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
و"الإمر أخص من المنكر"). [المحرر الوجيز: 5/636]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (فقال الخضر مجاوبا لموسى: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا). [المحرر الوجيز: 5/636]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (فتنبه موسى لما أتى معه فاعتذر بالنسيان، وذلك أنه نسي العهد الذي كان بينهما، هذا قول الجمهور، وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت الأولى من
[المحرر الوجيز: 5/636]
موسى نسيانا"، وفيه عن مجاهد أنه قال: "كانت الأولى نسيانا، والثانية شرطا، والثالثة عمدا".
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ومعنى هذا القول صحيح، والطبري لم يبينه، ووجهه عندي أن موسى عليه السلام إنما رأى العهد في أن يسأل، ولم ير إنكار هذا الفعل الشنيع سؤالا، بل رآه واجبا، فلما رأى الخضر قد أخذ العهد على أعم وجوهه فضمنه السؤال والمعارضة والإنكار وكل اعتراض -إذ السؤال أخف من هذه كلها- أخذ معه في باب المعاريض التي هي مندوحة عن الكذب، فقال له: لا تؤاخذني بما نسيت، ولم يقل له: "إني نسيت العهد"، بل قال لفظا يعطي للمتأول أنه نسي العهد، ويستقيم أيضا تأويله وطلبه، مع أنه لم ينس العهد؛ لأن قوله تعالى: {لا تؤاخذني بما نسيت} كلام جيد طلبه، وليس فيه للعهد ذكر، هل نسيه أم لا، وفيه تعريض أنه نسي العهد، فجمع في هذا اللفظ بين العذر والصدق وما يخل بهذا القول إلا أن الذي قاله وهو أبي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كانت الأولى نسيا".
و"ترهقني" معناه تكلفني وتضيق علي.
ومما قص من أمرهما، أنهما لما ركبا السفينة وجرت نزل عصفور على جنب السفينة، فنقر في الماء نقرة، فقال الخضر لموسى: ماذا ترى هذا العصفور نقص من ماء البحر؟ قال موسى: قليلا، فقال: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور من ماء البحر.
[المحرر الوجيز: 5/637]
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فقيل: معنى هذا الكلام وضع العلم موضع المعلومات، وإلا فعلم الله تبارك تعالى لا يشبه بمتناه، إذ لا يتناهى، والبحر لو فرضت له عصافير على عدد نقطه لانتهى، وعندي أن الاعتراض يحتمل أن يريد: من علم الله الذي أعطاه العلماء قبلهما وبعدهما إلى يوم القيامة، فتجيء نسبة علمه إلى علم البشر نسبة تلك النقطة إلى البحر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهذا قول حسن لولا أن في بعض طرق الحديث: "ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كنقرة هذا العصفور"، فلم يبق مع هذا إلا أن يكون التشبيه بتجوز، إذ لا يوجد في المحسوسات أقوى في القلة من نقطة بالإضافة إلى البحر، فكأنها لا شيء؛ إذ لا يوجد لها إلى البحر نسبة معلومة). [المحرر الوجيز: 5/638]

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}
"انطلقا" في موضع نزولهما من السفينة، فمرا بغلمان يلعبون، فعمد الخضر إلى غلام حسن الهيئة وضيء فاقتلع رأسه، ويقال: رضها بحجر، ويقال: ذبحه، وقال بعض الناس: كان الغلام لم يبلغ الحلم، ولذلك قال موسى: "زكية"، أي: لم تذنب، وقالت فرقة: بل كان غلاما شابا، والعرب تبقي على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية:
غلام إذا هز القناة سقاها
[المحرر الوجيز: 5/638]
وهذا في صفة الحجاج. وفي الخبر أن هذا الغلام كان يفسد في الأرض ويقسم لأبويه ما فعل فيقسمان على قسمه ويحميانه ممن يطلبه، وقرأ ابن عباس، والأعرج، وأبو جعفر، ونافع، والجمهور: "زاكية" وقرأ الحسن، وعاصم، والجحدري: "زكية"، والمعنى واحد، وقد ذهب قوم إلى الفرق، وليس ببين وقوله: {بغير نفس} يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كبر الغلام؛ وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس ولا بغير نفس، وقرأ الجمهور: "نكرا"، وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، وشيبة: "نكرا" بضم الكاف، واختلف عن نافع، ومعناه: شيئا ينكر.
واختلف الناس أيهما أبلغ؟ قوله: "إمرا" أو قوله: "نكرا" -فقالت فرقة: هذا قتل بين وهنالك مترقب، و"نكرا" أبلغ، وقالت فرقة: هذا قتل واحد وذلك قتل جماعة، فـ "إمرا" أبلغ.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وعندي أنهما لمعنيين: قوله: "إمرا" أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، و"نكرا" أبين في الفساد لأن مكروهه قد وقع.
"ونصف القرآن بعد الحرف "ن" أو ينتهي إلى النون من قوله: "نكرا"). [المحرر الوجيز: 5/639]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله: {قال ألم أقل لك} فيه زجر وإغلاظ ليس في قوله أولا: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا}). [المحرر الوجيز: 5/639]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله: "بعدها" يريد: بعد هذه القصة، فأعاد الضمير عليها وإن كانت لم يتقدم لها ذكر صريح من حيث كانت في ضمن القول.
[المحرر الوجيز: 5/639]
وقرأ الجمهور: "فلا تصاحبني"، ورواها أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ عيسى، ويعقوب: "فلا تصحبني"، وقرأ عيسى أيضا: "فلا تصحبني" بضم التاء وكسر الحاء، ورواها سهل عن أبي عمرو، والمعنى: فلا تصحبني علمك، وقرأ الأعرج: "فلا تصحبني" بفتح التاء والباء وشد النون. وقوله: "قد بلغت من لدني عذرا"، أي: قد أعذرت إلي وبلغت إلى العذر من قبلي.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ويشبه أن تكون هذه القصة أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة أيام، وأيام التلوم ثلاثة، فتأمله. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: "من لدني" بفتح اللام وضم الدال وشد النون، وهي "لدن" اتصلت بها نون الكناية التي في "ضربني" ونحوه، فوقع الإدغام، وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع، وعاصم: "من لدني" كالأولى إلا أن النون مخففة، فهي "لدن" اتصلت بها ياء المتكلم التي في "غلامي" وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه، وقرأ أبو بكر عن عاصم: "من لدني" بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون، وهي تخفيف "لدني" التي ذكرناها قبل هذه، وروي عن عاصم: "من لدني" بضم اللام وسكون الدال، قال مجاهد: وهي غلط، قال أبو علي: هذا التغليط يشبه أن يكون من جهة الرواية، فأما على قياس العربية فهي صحيحة. وقرأ الحسن: "من لدني" بفتح اللام وسكون الدال.
وقرأ الجمهور: "عذرا"، وقرأ أبو عمرو، وعيسى: "عذرا" بضم الدال، وحكى الداني أن أبيا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم "عذري" بكسر الراء وياء بعدها، وأسند الطبري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه، فقال يوما: "رحمة الله علينا، وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب، ولكنه قال: فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ".
[المحرر الوجيز: 5/640]
وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله موسى، لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما". وروي في تفسير هذه الآية أن الله تعالى جعل هذه الأمثلة التي وقعت لموسى مع الخضر حجة على موسى وعجبا له، وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟ فلما أنكر أمر الغلام قيل له: أين إنكارك هذا من وكرك للقبطي وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر؟). [المحرر الوجيز: 5/641]

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله: "فانطلقا"، يريد: انطلق الخضر وموسى يمشيان لارتياد الخضر أمرا ينفذ فيه ما عنده من علم الله تعالى، فمرا بقرية فطلبا من أهلها أن يطعموهما فأبوا. وفي الحديث أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهذه عبارة مصرحة بهوان الدنيا على الله عز وجل.
واختلف الناس في القرية، فقال محمد بن سيرين: هي الأبلة، وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء، وقالت فرقة: هي أنطاكية. وقالت فرقة: هي برقة، وقالت فرقة: هي بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة وغيره، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء. وقالت فرقة: هي أبو حوران، وهي بناحية أذربيجان.
[المحرر الوجيز: 5/641]
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى عليه السلام، والله أعلم بحقيقة ذلك.
وقرأ الجمهور: "يضيفوهما" بفتح الضاد وشد الياء، وقرأ أبو رجاء "يضيفوهما" بكسر الضاد وسكون الياء، وهي قراءة ابن محيصن، والزبير، وأبي رزين. و"الضيف" مأخوذ من: ضاف إلى المكان إذا مال إليه، ومنه الإضافة وهي إمالة شيء إلى شيء وقرأ الأعمش: "فأبوا أن يطعموهما".
وقوله تعالى في الجدار: {يريد أن ينقض} استعارة، وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي: لو كان مكان الجماد إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل، فمن ذلك قول الأعشى:
هل تنتهون؟ ولا ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
فأسند النهي إلى الطعن، ومن ذلك قول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
[المحرر الوجيز: 5/642]
ومنه قول عنترة:
وشكا إلي بعبرة وتحمحم
وفسر هذا المعنى بقوله:
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... البيت.
ومنه قول الناس: "داري تنظر إلى دار فلان"، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تراءى نارهما" وهذا كثير جدا.
وقرأ الجمهور: "ينقض"، أي: يسقط. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم -فيما روي عنه- "أن ينقض" بضم الميم وتخفيف الضاد، وهي قراءة أبي، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعكرمة: "أن ينقاص" بالصاد غير منقوطة، بمعنى: ينشق طولا، يقال: انقاص الجدار وطي البئر، وانقاصت السن إذا انشقت طولا، وقيل: إذا تصدعت كيف
[المحرر الوجيز: 5/643]
كان، ومنه قول أبي ذؤيب:
فراق كقيص السن فالصبر إنه ... لكل أناس عثرة وجبور
ويروى: عبرة وحبور؛ بالباء والحاء. وقرأ ابن مسعود، والأعمش: "يريد لينقض".
واختلف المفسرون في قوله: "فأقامه" -فقالت فرقة: هدمه وقعد يبنيه، ووقع هذا في مصحف ابن مسعود، ويؤيد هذا التأويل قول موسى عليه السلام: لو شئت لاتخذت عليه أجرا؛ لأنه فعل يستحق أجرا. وقال سعيد بن جبير: بل مسحه بيده وأقامه فقام.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وروي في هذا حديث، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم السلام.
فقال موسى للخضر: لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي: طعاما نأكله. وقرأ الجمهور: "لاتخذت"، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "لتخذت"، وهي قراءة ابن مسعود، والحسن، وقتادة، وأدغم بعض القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم، ومن قولهم: "تخذ" قول الشاعر:
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرق
[المحرر الوجيز: 5/644]
وفي حرف أبي: "لو شئت لأوتيت عليه أجرا"). [المحرر الوجيز: 5/645]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 2 محرم 1440هـ/12-09-2018م, 07:01 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 2 محرم 1440هـ/12-09-2018م, 07:04 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فانطلقا حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا (71) قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا (73)}
يقول تعالى مخبرًا عن موسى وصاحبه، وهو الخضر، أنّهما انطلقا لمّا توافقا واصطحبا، واشترط عليه ألّا يسأله عن شيءٍ أنكره حتّى يكون هو الّذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السّفينة. وقد تقدّم في الحديث كيف ركبا في السّفينة، وأنّهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نولٍ -يعني بغير أجرةٍ-تكرمةً للخضر. فلمّا استقلّت بهم السّفينة في البحر، ولجّجت أي: دخلت اللّجّة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحًا من ألواحها ثمّ رقعها. فلم يملك موسى، عليه السّلام، نفسه أن قال منكرًا عليه: {أخرقتها لتغرق أهلها}. وهذه اللّام لام العاقبة لا لام التّعليل، كما قال الشّاعر لدوا للموت وابنوا للخراب
{لقد جئت شيئًا إمرًا} قال مجاهدٌ: منكرًا. وقال قتادة: عجبًا.
فعندها قال له الخضر مذكّرًا بما تقدّم من الشّرط: {ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرًا} يعني وهذا الصّنيع فعلته قصدًا، وهو من الأمور الّتي اشترطت معك ألّا تنكر عليّ فيها، لأنّك لم تحط بها خبرًا، ولها داخلٌ هو مصلحةٌ ولم تعلمه أنت). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 182-183]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({قال} أي موسى: {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} أي: لا تضيّق عليّ وتشدد عليّ؛ ولهذا تقدّم في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "كانت الأولى من موسى نسيانًا"). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 183]

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فانطلقا حتّى إذا لقيا غلامًا فقتله قال أقتلت نفسًا زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئًا نكرًا (74) قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا (75) قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا (76)}
يقول تعالى: {فانطلقا} أي: بعد ذلك، {حتّى إذا لقيا غلامًا فقتله} وقد تقدّم أنّه كان يلعب مع الغلمان في قريةٍ من القرى، وأنّه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأوضأهم فقتله، فروي أنّه احتزّ رأسه، وقيل: رضخه بحجرٍ. وفي روايةٍ: اقتطفه بيده. واللّه أعلم.
فلمّا شاهد موسى، عليه السّلام، هذا أنكره أشدّ من الأوّل، وبادر فقال: {أقتلت نفسًا زكيّةً} أي صغيرةً لم تعمل الحنث، ولا حملت إثمًا بعد، فقتلته؟! {بغير نفسٍ} أي: بغير مستندٍ لقتله {لقد جئت شيئًا نكرًا} أي: ظاهر النّكارة). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 183]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرًا} فأكّد أيضًا في التّذكار بالشّرط الأوّل؛ فلهذا قال له موسى: {إن سألتك عن شيءٍ بعدها} أي: إن اعترضت عليك بشيءٍ بعد هذه المرّة {فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا} أي: قد أعذرت إليّ مرّةً بعد مرّةٍ.
قال ابن جريرٍ: حدّثنا عبد اللّه بن زيادٍ، حدّثنا حجّاج بن محمّدٍ، عن حمزة الزّيّات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن أبيّ بن كعبٍ قال: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا ذكر أحدًا فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذات يومٍ: "رحمة اللّه علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب ولكنّه قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرًا" [مثقّلةً]). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 183]

تفسير قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه قال لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا (78)}.
يقول تعالى مخبرًا عنهما: إنّهما انطلقا بعد المرّتين الأوليين {حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ} روى ابن جريرٍ عن ابن سيرين أنّها الأيلة وفي الحديث: "حتّى إذا أتيا أهل قريةٍ لئامًا" أي: بخلاء {فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ} إسناد الإرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإنّ الإرادة في المحدثات بمعنى الميل. والانقضاض هو: السّقوط.
وقوله: {فأقامه} أي: فردّه إلى حالة الاستقامة وقد تقدّم في الحديث أنّه ردّه بيديه، ودعمه حتّى ردّ ميله. وهذا خارقٌ فعند ذلك قال موسى له {لو شئت لاتّخذت عليه أجرًا} أي: لأجل أنّهم لم يضيّفونا كان ينبغي ألّا تعمل لهم مجّانًا).[تفسير القرآن العظيم: 5/ 183-184]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة