العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الفتح

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12 جمادى الأولى 1434هـ/23-03-2013م, 05:53 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي تفسير سورة الفتح [ من الآية (27) إلى الآية (29) ]

لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)


- أسباب النزول
- الوقف والابتداء


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11 جمادى الآخرة 1434هـ/21-04-2013م, 04:58 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق قال أري في المنام أنهم يدخلون المسجد وهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين). [تفسير عبد الرزاق: 2/227]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي قال يوم الحديبية اللهم اغفر للمحلقين فقال رجل وللمقصرين فقال النبي اللهم اغفر للمحلقين حتى قالها ثلاثا أو أربعا ثم قال وللمقصرين). [تفسير عبد الرزاق: 2/227-228]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر قال قتادة قال بعد الثالثة قال وللمقصرين). [تفسير عبد الرزاق: 2/228]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين محلّقين رءوسكم ومقصّرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا}.
يقول تعالى ذكره: لقد صدق اللّه رسوله محمّدًا رؤياه الّتي أراها إيّاه أنّه يدخل هو وأصحابه بيت اللّه الحرام آمنينٍ، لا يخافون أهل الشّرك، مقصّرًا بعضهم رأسه، ومحلّقًا بعضهم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين} قال: هو دخول محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم البيت والمؤمنون، محلّقين رءوسهم ومقصّرين.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {الرّؤيا بالحقّ} قال: أري بالحديبية أنّه يدخل مكّة وأصحابه محلّقين، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ} قال: رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه يطوف بالبيت وأصحابه، فصدق اللّه رؤياه، فقال: {لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين} حتّى بلغ {لا تخافون}.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، في قوله: {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ} قال: أري في المنام أنّهم يدخلون المسجد الحرام، وأنّهم آمنون محلّقين رءوسهم ومقصّرين.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ} إلى آخر الآية قال: قال لهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّي قد رأيت أنّكم ستدخلون المسجد الحرام محلّقين رءوسكم ومقصّرين فلمّا نزل بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، فقالوا: أين رؤياه؟ فقال اللّه {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ} فقرأ حتّى بلغ {ومقصّرين لا تخافون} إنّي لم أره يدخلها هذا العام، وليكوننّ ذلك.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ} إلى قوله: {إن شاء اللّه آمنين} [يوسف: ] لرؤيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي أريها أنّه سيدخل مكّة آمنًا لا يخاف، يقول: محلّقين ومقصّرين لا تخافون.
وقوله: {فعلم ما لم تعلموا} يقول تعالى ذكره: فعلم اللّه جلّ ثناؤه ما لم تعلموا، وذلك علمه تعالى ذكره بما بمكّة من الرّجال والنّساء المؤمنين، الّذين لم يعلمهم المؤمنون، ولو دخلوها في ذلك العام لوطئوهم بالخيل والرّجل، فأصابتهم منهم معرّةٌ بغير علمٍ، فردّهم اللّه عن مكّة من أجل ذلك.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {فعلم ما لم تعلموا} قال: ردّه لمكانٍ من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات، وأخّره ليدخل اللّه في رحمته من يشاء من يريد أن يهديه.
وقوله: {فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا} اختلف أهل التّأويل في الفتح القريب، الّذي جعله اللّه للمؤمنين دون دخولهم المسجد الحرام محلّقين رءوسهم ومقصّرين، فقال بعضهم: هو الصّلح الّذي جرى بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين مشركي قريشٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {من دون ذلك فتحًا قريبًا} قال: النّحر بالحديبية، ورجعوا فافتتحوا خيبر، ثمّ اعتمر بعد ذلك، فكان تصديق رؤياه في السّنة القابلة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزّهريّ، قوله: {فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا} يعني: صلح الحديبية، وما فتح في الإسلام فتحٌ كان أعظم منه، إنّما كان القتال حيث التقى النّاس؛ فلمّا كانت الهدنة وضعت الحرب، وأمن النّاس كلّهم بعضهم بعضًا، فالتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئًا إلاّ دخل فيه، فلقد دخل في تينك السّنتين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، {فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا} قال: صلح الحديبية.
وقال آخرون: عنى بالفتح القريب في هذا الموضع: فتح خيبر.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا} قال: خيبر حين رجعوا من الحديبية، فتحها اللّه عليهم، فقسمها على أهل الحديبية كلّهم إلاّ رجلاً واحدًا من الأنصار، يقال له: أبو دجانة سماك بن خرشة، كان قد شهد الحديبية وغاب عن خيبر.
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: إنّ اللّه أخبر أنّه جعل لرسوله والّذين كانوا معه من أهل بيعة الرّضوان فتحًا قريبًا من دون دخولهم المسجد الحرام، ودون تصديقه رؤيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان صلح الحديبية وفتح خيبر دون ذلك، ولم يخصص اللّه تعالى ذكره خبره ذلك عن فتحٍ من ذلك دون فتحٍ، بل عمّ ذلك، وذلك كلّه فتحٌ جعله اللّه من دون ذلك.
والصّواب أن يعمّه كما عمّه، فيقال: جعل اللّه من دونى تصديقه رؤيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدخوله وأصحابه المسجد الحرام محلّقين رءوسهم ومقصّرين، لا يخافون المشركين صلح الحديبية وفتح خيبر). [جامع البيان: 21/315-319]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه دخل مكة وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين فقال له أصحابه حين نحر بالحديبية أين رؤياك يا رسول الله فأنزل الله عز وجل لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق إلى قوله فجعل من دون ذلك فتحا قريبا يعني النحر بالحديبية ثم رجعوا ففتحوا خيبر ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة). [تفسير مجاهد: 2/603]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 27 - 28
أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله فأنزل الله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} إلى قوله {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} فرجعوا ففتحوا خيبر ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة). [الدر المنثور: 13/510]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: كان تأويل رؤياه في عمرة القضاء). [الدر المنثور: 13/511]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: هو دخول محمد صلى الله عليه وسلم البيت والمؤمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين). [الدر المنثور: 13/511]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطوف بالبيت وأصحابه فصدق الله رؤياه بالحق). [الدر المنثور: 13/511]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين). [الدر المنثور: 13/511]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} إلى آخر الآية، قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لهم: إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين فلما نزلت بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك فقال الله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} إلى قوله {لا تخافون} أي لم أره أنه يدخله هذا العام وليكونن ذلك {فعلم ما لم تعلموا} قال: رده لمكان من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات وأخره ليدخل الله في رحمته من يشاء ممن يريد الله أن يهديه {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} قال: خيبر حين رجعوا من الحديبية فتحها الله عليهم فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلا واحدا من الأنصار يقال له أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية وغاب عن خيبر). [الدر المنثور: 13/511-512]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم معتمرا في ذي القعدة معه المهاجرون والأنصار حتى أتى الحديبية فخرجت إليه قريش فردوه عن البيت حتى كان بينهم كلام وتنازع حتى كاد يكون بينهم قتال فبايع النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه وعدتهم ألف وخمسمائة تحت الشجرة وذلك يوم بيعة الرضوان فقاضاهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام ففعل فخرجوا إلى عكاظ فأقاموا فيها ثلاثة أيام واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف ولا يخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معه فنحر الهدي مكانه وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل من تلك الأيام دخل مكة وجاء بالبدن معه وجاء الناس معه فدخل المسجد الحرام فأنزل الله عليه {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} وأنزل عليه (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص) (البقرة الآية 194) الآية). [الدر المنثور: 13/512-513]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {محلقين رؤوسكم ومقصرين}
أخرج مالك والطيالسي، وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وابن ماجة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله قال: والمقصرين). [الدر المنثور: 13/513]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثا قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين). [الدر المنثور: 13/513]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمقصرين). [الدر المنثور: 13/514]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي مريم أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثا قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين وكنت يومئذ محلوق الرأس فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم). [الدر المنثور: 13/514]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن يحيى بن أبي الحصين عن جدته أنها سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة في حجة الوداع). [الدر المنثور: 13/514]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد عن مالك بن ربيعة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثا قال رجل: والمقصرين فقال في الثالثة أو الرابعة وللمقصرين). [الدر المنثور: 13/515]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قيل له لم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة فقال: إنهم لم يشكوا). [الدر المنثور: 13/515]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للمحلقين قالها ثلاثا فقالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم قال: إنهم لم يشكوا). [الدر المنثور: 13/515]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون للرجل أول ما يحج أن يحلق وأول ما يعتمر أن يحلق). [الدر المنثور: 13/515]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يقول للحلاق إذا حلق في الحج والعمرة أبلغ للعظمين). [الدر المنثور: 13/515]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: السنة أن يبلغ بالحلق إلى العظمين). [الدر المنثور: 13/516]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أنه رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا وأشار بيده إلى الجانب الأيمن). [الدر المنثور: 13/516]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو داود والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير). [الدر المنثور: 13/516]

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {هو الّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه وكفى باللّه شهيدًا (28) محمّدٌ رّسول اللّه والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلاً من اللّه ورضوانًا سيماهم في وجوههم مّن أثر السّجود ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار وعد اللّه الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات منهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا}.
يعني تعالى ذكره بقوله: {هو الّذي أرسل رسوله بالهدى} الله الّذي أرسل رسوله محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم بالبيان الواضح، {ودين الحقّ}، وهو الإسلام؛ الّذي أرسله داعيًا خلقه إليه {ليظهره على الدّين كلّه} يقول: ليبطل به الملل كلّها، حتّى لا يكون دينٌ سواه، وذلك كان كذلك حتّى ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الدّجّال، فحينئذٍ تبطل الأديان كلّها، غير دين اللّه الّذي بعث به محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، ويظهر الإسلام على الأديان كلّها.
وقوله: {وكفى باللّه شهيدًا} يقول جلّ ثناؤه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أشهدك يا محمّد ربّك على نفسه، أنّه سيظهر الدّين الّذي بعثك به {وكفى باللّه شهيدًا} يقول: وحسبك به شاهدًا.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ قال: حدّثنا أبو بكرٍ الهذليّ، عن الحسن، {هو الّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه وكفى باللّه شهيدًا} يقول: أشهد لك على نفسه أنّه سيظهر دينك على الدّين كلّه.
وهذا إعلامٌ من اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والّذين كرهوا الصّلح يوم الحديبية من أصحابه، أنّ اللّه فاتحٌ عليهم مكّة وغيرها من البلدان، مسلّيهم بذلك عمّا نالهم من الكآبة والحزن، بانصرافهم عن مكّة قبل دخولهموها، وقبل طوافهم بالبيت). [جامع البيان: 21/319-320]

تفسير قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني مالك هذه الآية: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود}، قال: يقال ذلك مما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود). [الجامع في علوم القرآن: 2/135]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى يبتغون فضلا من ربهم ورضونا قال هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضوانه بما يصلح لهم في دنياهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/182]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن منصور عن مجاهد في قوله سيماهم في وجوههم من أثر السجود قال التخشع). [تفسير عبد الرزاق: 2/228]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن حميد الأعرج عن مجاهد قال التخشع والتواضع). [تفسير عبد الرزاق: 2/228]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى سيماهم في وجوههم من أثر السجود قال علامتهم الصلاة فذلك مثلهم في التوراة وذكر مثلا آخر في الإنجيل فقال كزرع أخرج شطأه). [تفسير عبد الرزاق: 2/228]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وقال قتادة والزهري أخرج نباته فآزره يقولون فتلاحق قال يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار يقولان ليغيظ الله بالنبي وأصحابه الكفار). [تفسير عبد الرزاق: 2/228]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن حميدٍ الأعرج عن مجاهدٍ في قوله: {سيماهم في وجوههم} قال: الخشوع والتواضع [الآية: 29].
سفيان [الثوري] عن منصورٍ عن مجاهدٍ قال: هو الخشوع). [تفسير الثوري: 278]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ({سيماهم في وجوههم} [الفتح: 29] : «السّحنة» وقال منصورٌ: عن مجاهدٍ، " التّواضع {شطأه} [الفتح: 29] : فراخه، {فاستغلظ} [الفتح: 29] : غلظ، {سوقه} [الفتح: 29] : السّاق حاملة الشّجرة "). [صحيح البخاري: 6/134]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ({شطأه} [الفتح: 29] شطء السّنبل، تنبت الحبّة عشرًا، أو ثمانيًا، وسبعًا، فيقوى بعضه ببعضٍ، فذاك قوله تعالى {فآزره} [الفتح: 29] قوّاه، ولو كانت واحدةً لم تقم على ساقٍ، وهو مثلٌ ضربه اللّه للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذ خرج وحده، ثمّ قوّاه بأصحابه، كما قوّى الحبّة بما ينبت منها "). [صحيح البخاري: 6/135]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله سيماهم في وجوههم السّحنة وفي رواية المستمليّ والكشميهنيّ والقابسيّ السّجدة والأول أولى فقد وصله بن أبي حاتمٍ من طريق الحاكم عن مجاهدٍ كذلك والسّحنة بالسّين وسكون الحاء المهملتين وقيّده بن السّكن والأصيليّ بفتحهما قال عياضٌ وهو الصّواب عند أهل اللّغة وهو لين البشرة والنّعمة وقيل الهيئة وقيل الحال انتهى وجزم بن قتيبة بفتح الحاء أيضًا وأنكر السّكون وقد أثبته الكسائيّ والفرّاء وقال العكبريّ السّحنة بفتح أوّله وسكون ثانيه لون الوجه ولرواية المستمليّ ومن وافقه توجيهٌ لأنّه يريد بالسّجدة أثرها في الوجه يقال لأثر السّجود في الوجه سجدةٌ وسجّادةٌ ووقع في رواية النّسفيّ المسحة قوله وقال منصورٌ عن مجاهدٍ التّواضع وصله عليّ بن المدينيّ عن جريرٍ عن منصورٍ ورويناه في الزّهد لابن المبارك وفي تفسير عبد بن حميد وبن أبي حاتمٍ عن سفيان وزائدة كلاهما عن منصورٍ عن مجاهدٍ قال هو الخشوع زاد في رواية زائدة قلت ما كنت أراه إلّا هذا الأثر الّذي في الوجه فقال ربّما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون قوله شطأه فراخه فاستغلظ غلظ سوقه السّاق حاملة الشّجرة قال أبو عبيدة في قوله كزرع أخرج شطأه أخرج فراخه يقال قد أشطأه الزّرع فآزره ساواه صار مثل الأمّ فاستغلظ غلظ فاستوى على سوقه السّاق حاملة الشّجر وأخرج عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله كزرعٍ أخرج شطأه قال ما يخرج بجنب الحقلة فيتمّ وينمى وبه في قوله على سوقه قال على أصوله قوله شطأه شطء السّنبل تنبت الحبّة عشرًا أو ثمانيًا وسبعًا فيقوى بعضه ببعضٍ فذاك قوله تعالى فآزره قوّاه ولو كانت واحدة لم تقم على ساق وهو مثل ضربه اللّه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذ خرج وحده ثمّ قوّاه بأصحابه كما قوي الحبّة بما ينبت منها). [فتح الباري: 8/581-582]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
وقال مجاهد سيماهم في وجوههم السحنة وقال منصور عن مجاهد التّواضع شطأه فراخه فاستغلظ غلظ سوقه السّاق حاملة الشّجر
قال ابن أبي حاتم ثنا أبو سعيد القطّان ثنا وهب بن جرير ثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد في قوله 29 الفتح {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال السحنة
أخبرنا غير واحد من شيوخنا مشافهة عن أبي الفتح الميدوميّ أن أبا الفرج ابن الصيقل أخبره أنا إسماعيل بن وكاس أنا أبو غالب بن البناء أنا أبو الحسين ابن النّرسي ثنا أبو القاسم السراج ثنا محمّد بن محمّد بن سليمان ثنا علّي بن المدينيّ ثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد في قوله 29 الفتح {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال هو الخشوع قلت هو أثر السّجود قال يكون الرجل بين عينيه مثل ركبة البعير وهو كما شاء الله
وبه إلى علّي ثنا سفيان ثنا حميد هو ابن قيس عن مجاهد سيماهم في وجوههم من أثر السّجود قال الخشوع والتواضع
وكذا رواه الفريابيّ عن سفيان عن منصور وعن حميد جميعًا بمعناه
وأخبرنا به عاليا عبد الله بن محمّد بن أحمد بن عبيدالله أنا أحمد بن أبي طالب إذنا عن محمّد بن عبد الواحدأن أبا الوقت كتب إليهم أنا يعلى بن هبة الله الفضيلي أنا ابن أبي شريح ثنا محمّد بن عقيل
ثنا موسى بن إسحاق ثنا وكيع ثنا سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد سيماهم في وجوههم من أثر السّجود قال الخشوع والتواضع
وبه إلى سفيان عن منصور عن مجاهد قال ليس الأثر الّذي في الوجه ولكن الخشوع
وأخبرنا به من وجه آخر أبو المعالي بن عمر عن أحمد بن منصور أن أحمد ابن شيبان أخبره أنا عمر بن محمّد أنا أحمد بن الحسن أنا الحسن بن علّي أنا محمّد بن إسماعيل ثنا يحيى بن صاعد ثنا الحسين بن الحسن ثنا ابن المبارك عن سفيان وزائدة عن منصور عن مجاهد في قول الله تعالى سيماهم في وجوههم من أثر السّجود قال هو الخشوع
وقال عبد بن حميد أخبرني شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله 29 الفتح {كزرع أخرج شطأه} قال ما يخرج بجنب الحقلة فيتم ويتم
أنا عبد الله بن بكر ثنا حميد عن أنس في زرع أخرج شطأه قال نباته فروخه
وبه إلى مجاهد قال في قوله 29 الفتح {على سوقه} قال على أصوله وقال ......). [تغليق التعليق: 4/313-314]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال مجاهدٌ: {سيماهم في وجوههم} السّحنة
فسر مجاهد سيماهم بالسحنة وقال ابن الأثير: السحنة بشرة الوجه وهيأته وحاله، وهي مفتوحة السّين وقد تكسر، ويقال: السحناء أيضا بالمدّ، وقيده الأصيليّ وابن السكن بفتحها، وقال عياض: هو الصّواب عند أهل اللّغة، وهذا التّعليق رواه الإسماعيليّ القاضي عن نصر بن عليّ عن بشر بن عمر عن شعبة عن الحكم عن مجاهد، وفي رواية المستملي والكشميهني والقابسي: سيماهم في وجوههم: السّجدة، وفي رواية النّسفيّ: المسحة.
وقال منصورٌ عن مجاهدٍ التّواضع
أي: قال منصور بن المعتمر عن مجاهد في تفسير: سيماهم التّواضع، وروى ابن أبي حاتم: نا المنذر بن شاذان، نا يعلى حدثنا سفيان نا حميد بن قيس عن مجاهد في قوله: (سيماهم في وجوههم) قال: الخشوع والتواضع، وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا أبي نا عليّ بن محمّد الطنافسي نا حسين الجعفيّ عن منصور عن مجاهد في هذه الآية. قال: هو الخشوع، وقال عبد بن حميد: حدثنا عمرو بن سعد وعبد الملك بن عمرو وقبيصة عن سفيان عن منصور عن مجاهد {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: الخشوع وحدثني معاوية بن عمرو عن زائدة عن منصور عن مجاهد: هو الخشوع. قلت: ينظر النّاظر في الّذي علقه البخاريّ.

شطأه: فراخه
أشار به إلى قوله تعالى: {كزرع أخرج شطأه} وفسره بقوله: (فراخه) وهكذا فسره الأخفش، يقال: اشطأ الزّرع إذا أفرخ، وعن أنس: شطأه نباته وعن السّديّ، هو أن يخرج معه الطّاقة الأخرى، وعن الكسائي: طرفه.

فاستغلظ غلظ
غلظ، بضم اللّام ويروى تغلظ أي: قوي وتلاحق نباته.

سوقه السّاق حاملة الشّجرة
أشار بقوله: (سوقه) إلى قوله تعالى: {فاستوى على سوقه} أي قام على أصوله، والسوق بالضّمّ جمع ساق وفسره بقوله: (السّاق حامله الشّجرة) وهي جذعه، وهكذا فسره الجوهري.
شطأه شطء السّنبل تنبت الحبّة عشرا وثمانيا وسبعا فيقوى بعضه ببعضٍ فذاك قوله تعالى فآزره قوّاه ولو كانت واحدةً لم تقم على ساقٍ وهو مثلٌ ضربه الله للنبيّ صلى الله عليه وسلم إذ خرج وحده ثمّ قوّاه بأصحابه كما قوّى الحبّة بما ينبت منها.
قوله: (شطأه شطء السنبل) ، إلى آخره، ليس بمذكور في بعض النّسخ ولا الشّرّاح تعرضوا لشرحه. قوله: {تنبت} ، من الإنبات. قوله: (وثمانيا وسبعا) ويروى: أو ثمانيا أو سبعا وكلمة: أو للتنويع أي: تنبت الحبّة الواحدة عشرة سنابل، وتارة ثمان سنابل، وتارة سبع سنابل. قال الله تعالى: {كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل} (البقرة: 261) قوله: (وهو مثل ضربه الله) إلى آخره وفي التّفسير وهو مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم يعني: أنهم يكونون قليلا ثمّ يزدادون ويكثرون ويقوون، وعن قتادة: مثل أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزّرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. قوله: (إذ خرج) أي: حين خرج وحده يحتمل أن يكون المراد حين خرج على كفار مكّة وحده يدعوهم إلى الإيمان باللّه. ثمّ قواه الله تعالى بإسلام من أسلم منهم في مكّة، ويحتمل أن يكون حين خرج من بيته وحده حين اجتمع الكفّار على أذاه ثمّ رافقه أبو بكر ثمّ لما دخل المدينة قواه الأنصار). [عمدة القاري: 19/174-175]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (وقال مجاهد) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ({سيماهم في وجوههم}) [الفتح: 29] هي (السحنة) بفتح السين المهملة في اليونينية وهي في الفرع كذلك مصلحة وتحت السين كشط وبذلك ضبطه ابن السكن والأصيلي. وقال القاضي عياض: إنه الصواب عند أهل اللغة وفي كثير من الأصول بكسرها والحاء المهملة ساكنة وجزم ابن قتيبة بفتحها وأنكر السكون وقد أثبته الكسائي والفراء وهي لين البشرة والنعمة، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: السجدة وكذا في رواية القابسي أي أثر السجدة في الوجه: لكن في التئام هذا مع قوله: {من أثر السجود} [الفتح: 29] قلق لا يخفى.
وعن ابن عباس في رواية عطية العوفي عنه نور وبياض في وجوههم يوم القيامة وعن عطاء بن أبي رباح استنارة وجوههم من كثرة صلاتهم أي ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين نهارًا إذا قاموا بالليل متهجدين فمن توجه إلى الله بكليته لا بدّ أن يظهر في وجهه نور تبهر منه الأنوار. وعن شهر بن حوشب تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر وعن الضحاك صفرة الوجه. وروى السلمي عن عبد العزيز المكي ليس هو الصفرة ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك للمؤمنين ولو كان ذلك في رنجي أو حبشي. قال ابن عطاء: ترى عليهم خلع الأنوار لائحة وقال الحسن إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى.
(وقال منصور) هو ابن المعتمر فيما وصله علي بن المديني عن جرير عنه (عن مجاهد) هو (التواضع) وزاد في رواية زائدة عن منصور عند عبد بن حميد قلت ما كنت أراه إلا هذا الأثر الذي في الوجه فقال ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون وقال بعضهم أن للحسنة نورًا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس فما كمن في النفس ظهر على صفحات الوجه وفي حديث جندب بن سفيان البجلي عند الطبراني مرفوعًا ما أسرّ أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ.
({شطأه}) في قوله: {كزرع أخرج شطأه} [الفتح: 29] أي (فراخه) يقال: أشطأ الزرع إذا فرّخ وهل يختص ذلك بالحنطة فقط أو بها وبالشعير فقط أو لا يختص خلاف مشهور قال:
أخرج الشطء على وجه الثرى = ومن الأشجار أفنان الثمر
({فاستغلظ}) أي (غلظ) بضم اللام ذلك الزرع بعد الدقة ولأبي ذر تغلظ أي قوي.
({سوقه}) من قوله تعالى: {فاستوى على سوقه} [الفتح: 29] (الساق حاملة الشجرة) والجار متعلق باستوى ويجوز أن يكون حالًا أي كائنًا على سوقه أي قائمًا عليها). [إرشاد الساري: 7/344]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (قوله: (السحنة): بفتح المهملة، وكسرها، وفتح الثانية، وسكونها، وهي لين البشرة والنعومة في المنظر، وهو المراد بقول بعضهم: هي الهيئة.
وقال منصور عن مجاهد فيما نقله بعد هي التواضع، وهذا الضبط في "الصحاح"، و"القاموس"، وبعضه في "نهاية ابن الأثير"، وبه سقط قول من قال: إن الصواب فتح المهملتين عند أهل اللغة، وفي نسخة بدل السحنة السجدة، أي: أثر السجدة في الوجه. سورة الفتح
قوله: (حاملة الشجرة) بالإضافة البيانية كشجر أراك.
قوله: (إذ خرج وحده) أي: على كفار مكة يدعوهم إلى الله). [حاشية السندي على البخاري: 3/69-70]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا يوسف بن عديٍّ، قال: ثنا رشدين بن سعدٍ، عن يونس بن يزيد، عن عطاءٍ الخراساني في قوله عزّ وجلّ: {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: شطأه: ورقه). [جزء تفسير عطاء الخراساني: 120]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا يوسف بن عديٍّ، قال: ثنا رشدين بن سعدٍ، عن يونس بن يزيد، عن عطاءٍ الخراساني في قوله عز وجل: {فآزره} قال: ثبت في أصل الورقة). [جزء تفسير عطاء الخراساني: 121]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (باب: {محمّدٌ رسول الله}
- أخبرنا حميد بن مسعدة، حدّثنا بشر يعني ابن المفضّل، عن شعبة، عن قتادة، عن أنسٍ، قال: " أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكتب إلى الرّوم، فقالوا: إنّهم لا يقرءون كتابًا إلّا مختومًا، فاتّخذ خاتمًا من فضّةٍ، كأنّي أنظر إلى بياضه في يده، ونقش فيه: {محمّدٌ رسول الله} [الفتح: 29] "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/266]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {محمّدٌ رسول اللّه والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم} يقول تعالى ذكره: محمّدٌ رسول اللّه وأتباعه من أصحابه الّذين هم معه على دينه، أشدّاء على الكفّار، غليظةٌ عليهم قلوبهم، قليلةٌ بهم رحمتهم {رحماء بينهم} يقول: رقيقةٌ قلوب بعضهم لبعضٍ، لينةٌ أنفسهم لهم، هيّنةٌ عليهم لهم.
- كما: حدّثنا بشرٌ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {رحماء بينهم} ألقى اللّه في قلوبهم الرّحمة، بعضهم لبعضٍ.
{تراهم ركّعًا سجّدًا} يقول: تراهم ركّعًا أحيانًا للّه في صلاتهم سجّدًا أحيانًا {يبتغون فضلاً من اللّه} يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدّتهم على الكفّار ورحمة بعضهم بعضًا، فضلاً من اللّه، وذلك رحمته إيّاهم، بأن يتفضّل عليهم، فيدخلهم جنّته {ورضوانًا} يقول: وأن يرضى عنهم ربّهم.
وقوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} يقول: علامتهم في وجوههم من أثر السّجود في صلاتهم.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في السّيما الّذي عناه اللّه في هذا الموضع، فقال بعضهم: ذلك علامةٌ يجعلها اللّه في وجوه المؤمنين يوم القيامة، يعرفون بها لما كان من سجودهم له في الدّنيا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: ثني أبي قال: ثني عمّي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ قال: حدّثنا عبيد اللّه العتكيّ، عن خالدٍ الحنفيّ، قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: يعرف ذلك يوم القيامة في وجوههم من أثر سجودهم في الدّنيا، وهو كقوله: {تعرف في وجوههم نضرة النّعيم}.
- حدّثني عبيد بن أسباط بن محمّدٍ قال: حدّثنا أبي، عن فضيل بن مرزوقٍ، عن عطيّة، في قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: مواضع السّجود من وجوههم يوم القيامة أشدّ وجوههم بياضًا.
- حدّثنا محمّد بن عمارة قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى قال: أخبرنا ابن فضيلٍ، عن فضيلٍ، عن عطيّة، بنحوه.
- حدّثني أبو السّائب قال: حدّثنا ابن فضيلٍ، عن فضيلٍ، عن عطيّة، بنحوه حدّثنا مجاهد بن موسى قال: حدّثنا يزيد قال: أخبرنا فضيلٌ، عن عطيّة، مثله.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا المعتمر قال: سمعت شبيبًا، يقول عن مقاتل بن حيّان قال: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: النّور يوم القيامة.
- حدّثنا ابن سنانٍ القزّاز قال: حدّثنا هارون بن إسماعيل قال: قال عليّ بن المبارك: سمعت غير واحدٍ، عن الحسن، في قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: بياضًا في وجوههم يوم القيامة.
وقال آخرون: بل ذلك سيما الإسلام وسمته وخشوعه، وعنى بذلك أنّه يرى من ذلك عليهم في الدّنيا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا عليٌّ قال: حدّثنا أبو صالحٍ قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {سيماهم في وجوههم} قال: السّمت الحسن.
- حدّثنا مجاهدٌ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا الحسن بن معاوية، عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: أما إنّه ليس بالّذي ترون، ولكنّه سيما الإسلام وسحنته وسمته وخشوعه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا أبو عامرٍ قال: حدّثنا سفيان، عن حميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ، سيماهم في وجوههم من أثر السّجود قال: الخشوع والتّواضع.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا مؤمّلٌ قال: حدّثنا سفيان، عن حميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ، مثله.
- قال: حدّثنا أبو عامرٍ قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد سيماهم في وجوههم من أثر السّجود قال: الخشوع.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهدٍ، في هذه الآية سيماهم في وجوههم من أثر السّجود قال: السّحنة.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: سيماهم في وجوههم من أثر السّجود قال: هو الخشوع، فقلت: هو أثر السّجود، فقال: إنّه يكون بين عينيه مثل ركبة العنز، وهو كما شاء اللّه.
وقال آخرون: ذلك أثرٌ يكون في وجوه المصلّين، مثل أثر السّهر، الّذي يظهر في الوجه مثل الكلف والتّهيّج والصّفرة، وما أشبه ذلك ممّا يظهره السّهر والتّعب في الوجه، ووجّهوا التّأويل في ذلك إلى أنّه سيما في الدّنيا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن، {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: الصّفرة.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا المعتمر، عن أبيه قال: زعم الشّيخ الّذي كان يقصّ في عسرٍ، وقرأ {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} فزعم أنّه السّهر يرى في وجوههم.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يعقوب القمّيّ، عن حفصٍ، عن شمر بن عطيّة، في قوله: {سيماهم في وجوههم} قال: تهيّجٌ في الوجه من سهر اللّيل.
وقال آخرون: ذلك آثارٌ ترى في الوجه من ثرى الأرض، أو ندى الطّهور.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا حوثرة بن محمّدٍ المنقريّ قال: حدّثنا حمّاد بن مسعدة، وحدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا جريرٌ، جميعًا عن ثعلبة بن سهيلٍ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: ثرى الأرض، وندى الطّهور.
- حدّثنا ابن سنانٍ القزّاز قال: حدّثنا هارون بن إسماعيل قال: حدّثنا عليّ بن المبارك قال: حدّثنا مالك بن دينارٍ قال: سمعت عكرمة، يقول: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: هو أثر التّراب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: إنّ اللّه تعالى ذكره أخبرنا أنّ سيّما هؤلاء القوم الّذين وصف صفتهم في وجوههم من أثر السّجود، ولم يخصّ ذلك على وقت دون وقتٍ وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كلّ الأوقات، فكان سيماهم الّذي كانوا يعرفون به في الدّنيا آثار الإسلام، وذلك خشوعه وهديه وسمته، وآثار عناء فرائضه وتطوّعه، وفي الآخرة ما أخبر أنّهم يعرفون به، وذلك الغرّة في الوجه والتّحجيل في الأيدي والأرجل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثر السّجود.
وبنحو الّذي قلنا في معنى السّيما قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} يقول: علامتهم أو أعلمتهم الصّلاة.
وقوله: {ذلك مثلهم في التّوراة} يقول: هذه الصّفة الّتي وصفت لكم من صفة أتباع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم الّذين معه صفتهم في التّوراة.
وقوله: {ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه} يقول: وصفتهم في إنجيل عيسى صفة زرعٍ أخرج شطأه، وهو فراخه، يقال منه: قد أشطأ الزّرع: إذا فرّخ فهو يشطئ إشطاءً، وإنّما مثّلهم بالزّرع المشطئ، لأنّهم ابتدأوا في الدّخول في الإسلام، وهم عددٌ قليلون، ثمّ جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه الجماعة بعدهم، ثمّ الجماعة بعد الجماعة، حتّى كثر عددهم، كما يحدث في أصل الزّرع الفرخ منه، ثمّ الفرخ بعده حتّى يكثر وينمي.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عليٌّ قال: حدّثنا أبو صالحٍ قال: حدّثنا معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {محمّدٌ رسول اللّه والّذين معه} أصحابه مثلهم يعني نعتهم مكتوبٌ في التّوراة والإنجيل قبل أن يخلق السّماوات والأرض.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ قال: حدّثنا عبيدٌ، عن الضّحّاك، {محمّدٌ رسول اللّه والّذين معه أشدّاء على الكفّار} إلى قوله: {ذلك مثلهم في التّوراة} ثمّ قال: {ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه} الآية.
- حدّثنا بشرٌ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة {ذلك مثلهم في التّوراة} أي هذا المثل في التّوراة {ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه} فهذا مثل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الإنجيل.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، في قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال {ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه}.
- حدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود ذلك مثلهم في التّوراة} يعني السّيما في الوجوه مثلهم في التّوراة، وليس بمثلهم في الإنجيل، ثمّ قال عزّ وجلّ: {ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه} الآية، هذا مثلهم في الإنجيل.
- حدّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه}.
- حدّثني عمرو بن عبد الحميد قال: حدّثنا مروان بن معاوية، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، في قول اللّه: {محمّدٌ رسول اللّه والّذين معه} الآية قال: هذا مثلهم في التّوراة، ومثل آخر في الإنجيل {كزرعٍ أخرج شطأه فآزره} الآية.
وقال آخرون: هذان المثلان في التّوراة والإنجيل مثلهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {ذلك مثلهم في التّوراة} والإنجيل واحدٌ.
وأولى القولين في ذلك بالصّواب قول من قال: مثلهم في التّوراة، غير مثلهم في الإنجيل، وإنّ الخبر عن مثلهم في التّوراة متناهٍ عند قوله: {ذلك مثلهم في التّوراة} وذلك أنّ القول لو كان كما قال مجاهدٌ من أنّ مثلهم في التّوراة والإنجيل واحدٌ، لكان التّنزيل: ومثلهم في الإنجيل، وكزرعٍ أخرج شطأه، فكان تمثيلهم بالزّرع معطوفًا على قوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} حتّى يكون ذلك خبرًا عن أنّ ذلك مثلهم في التّوراة والإنجيل، وفي مجيء الكلام بغير واو في قوله: {كزرعٍ} دليلٌ بيّنٌ على صحّة ما قلنا، وأنّ قولهم {ومثلهم في الإنجيل} خبر مبتدأٍ عن صفتهم الّتي هي في الإنجيل دون ما في التّوراة منها.
وبنحو الّذي قلنا في قوله {أخرج شطأه} قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن خيثمة قال: بينا عبد اللّه يقرئ رجلاً عند غروب الشّمس، إذ مرّ بهذه الآية {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: أنتم الزّرع، وقد دنا حصادكم.
- قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا ابن عليّة، عن حميدٍ الطّويل قال: قرأ أنس بن مالكٍ: {كزرعٍ أخرج شطأه فآزره} قال: تدرون ما شطأه؟ قال: نباته.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: ثني أبي قال: ثني عمّي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه} قال: سنبله حين يتسلّع نباته عن حبّاته.
- حدّثنا بشرٌ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه} قال: هذا مثل أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم في الإنجيل، قيل لهم: إنّه سيخرج قومٌ ينبتون نبات الزّرع، منهم قومٌ يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، والزّهريّ، {كزرعٍ أخرج شطأه} قالا: أخرج نباته.
- حدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه} يعني: أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، يكونون قليلاً، ثمّ يزدادون ويكثرون ويستغلظون.
- حدّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {كزرعٍ أخرج شطأه} أولاده، ثمّ كثرت أولاده.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: ما يخرج بجنب الحقلة فيتمّ وينمي
وقوله: {فآزره} يقول: فقوّاه: أي قوّى الزّرع شطأه وأعانه، وهو من المؤازرة الّتي بمعنى المعاونة {فاستغلظ} يقول: فغلظ الزّرع {فاستوى على سوقه} والسّوق: جمع ساقٍ، وساق الزّرع والشّجر: حاملته.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: ثني أبي قال: ثني عمّي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، {فآزره} يقول: نباته مع التفافه حين يسنبل {ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل} فهو مثلٌ ضربه لأهل الكتاب إذا خرج قومٌ ينبتون كما ينبت الزّرع فيبلغ فيهم رجالٌ يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ثمّ يغلظون، فهم أولئك الّذين كانوا معهم وهو مثلٌ ضربه اللّه لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: بعث اللّه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وحده، ثمّ اجتمع إليه ناسٌ قليلٌ يؤمنون به، ثمّ يكون القليل كثيرًا، ويستغلظون، ويغيظ اللّه بهم الكفّار.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله {فآزره} قال: فشدّه وأعانه
وقوله: {على سوقه} قال: أصوله.
- حدّثني ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، والزّهريّ، {فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه} يقول: فتلاحق.
- حدّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {فآزره} اجتمع ذلك فالتفّ؛ قال: وكذلك المؤمنون خرجوا وهم قليلٌ ضعفاء، فلم يزل اللّه يزيد فيهم، ويؤيّدهم بالإسلام، كما أيّد هذا الزّرع بأولاده، فآزره، فكان مثلاً للمؤمنين.
- حدّثني عمرو بن عبد الحميد قال: حدّثنا مروان بن معاوية، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، {كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه} يقول: حبّ برٍّ نثر متفرّقًا، فتنبت كلّ حبّةٍ واحدةً، ثمّ أنبتت كلّ واحدةٍ منها، حتّى استغلظ فاستوى على سوقه؛ قال: يقول: كان أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قليلاً، ثمّ كثروا، ثمّ استغلظوا {ليغيظ} اللّه {بهم الكفّار}.
وقوله: {يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار} يقول تعالى ذكره: يعجب هذا الزّرع الّذي استغلظ فاستوى على سوقه في تمامه وحسن نباته، وبلوغه وانتهائه الّذين زرعوه {ليغيظ بهم الكفّار} يقول: فكذلك مثل محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، واجتماع عددهم حتّى كثروا ونموا، وغلظ أمرهم كهذا الزّرع الّذي وصف جلّ ثناؤه صفته، ثمّ قال: {ليغيظ بهم الكفّار} فدلّ ذلك على متروكٍ من الكلام، وهو أنّ اللّه تعالى فعل ذلك بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ليغيظ بهم الكفّار.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: ثني أبي قال: ثني عمّي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {ليغيظ بهم الكفّار} يقول اللّه: مثلهم كمثل زرعٍ أخرج شطأه فآزره، فاستغلظ، فاستوى على سوقه، حتّى بلغ أحسن النّبات، يعجب الزّرّاع من كثرته، وحسن نباته.
- حدّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {يعجب الزّرّاع} قال: يعجب الزّرّاع حسنه {ليغيظ بهم الكفّار} بالمؤمنين، لكثرتهم، فهذا مثلهم في الإنجيل.
وقوله: {وعد اللّه الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات منهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا} يقول تعالى ذكره: وعد اللّه الّذين صدّقوا اللّه ورسوله {وعملوا الصّالحات} يقول: وعملوا بما أمرهم اللّه به من فرائضه الّتي أوجبها عليهم0.
وقوله: {منهم} يعني: من الشّطء الّذي أخرجه الزّرع، وهم الدّاخلون في الإسلام بعد الزّرع الّذي وصف ربّنا تبارك وتعالى صفته.
والهاء والميم في قوله {منهم} عائدةٌ على معنى الشّطء لا على لفظه، ولذلك جمع فقيل: منهم، ولم يقل منه وإنّما جمع الشّطء لأنّه أريد به من يدخل في دين محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يوم القيامة بعد الجماعة الّذين وصف اللّه صفتهم بقوله: {والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعًا سجّدًا}.
وقوله {مغفرةً} يعني: عفوًا عمّا مضى من ذنوبهم، وسيّئ أعمالهم بحسنها.
وقوله: {وأجرًا عظيمًا} يعني: وثوابًا جزيلاً، وذلك الجنّة). [جامع البيان: 21/321-334]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل قال يقول مثلهم كزرع أخرج شطأه يعني ما يخرج بجنب الحقل فيتم الأول ويتم الآخر فآزره يعني فشده وأعانه فاستغلظ فاستوى على سوقه يقول فلحق بأصحابه). [تفسير مجاهد: 2/604]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جريرٌ، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: قرأ رجلٌ على عبد اللّه رضي اللّه عنه سورة الفتح، فلمّا بلغ {كزرعٍ أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار} [الفتح: 29] قال: «ليغيظ اللّه بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبأصحابه الكفّار» قال: ثمّ قال عبد اللّه: «أنتم الزّرع وقد دنا حصاده» حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه "). [المستدرك: 2/501]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ موسى بن إسحاق القاضي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، ووكيعٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه عنها، {ليغيظ بهم الكفّار} [الفتح: 29] قالت: أصحاب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، «أمروا بالاستغفار لهم فسبّوهم» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه "). [المستدرك: 2/501]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} [الفتح: 29].
- عن أبيّ بن كعبٍ قال: «قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في قول اللّه - عزّ وجلّ - {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} [الفتح: 29] قال: " النّور يوم القيامة» ".
رواه الطّبرانيّ في الصّغير والأوسط، وفيه روّاد بن الجرّاح وثّقه ابن حبّان وغيره وضعّفه الدّارقطنيّ وغيره.
- وعن الجعيد بن عبد الرّحمن قال: كنت عند السّائب بن يزيد إذ جاء الزّبير بن سهيل بن عبد الرّحمن بن عوفٍ وفي وجهه أثر السّجود، فلمّا رآه قال: من هذا؟ قيل الزّبير، قال: لقد أفسد هذا وجهه، أما واللّه ما هي السّيماء الّتي سمّاها اللّه، ولقد صلّيت على وجهي منذ ثمانين سنةً ما أثّر السّجود بين عينيّ.
رواه الطّبرانيّ، ورجاله ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/107]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 29.
أخرج الخطيب في رواة مالك بسند ضعيف عن أبي هريرة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: {والذين معه} {مثلهم في التوراة} إلى قوله {كزرع أخرج شطأه} قال مالك: نزل في الإنجيل نعت النّبيّ وأصحابه). [الدر المنثور: 13/516]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد في الطبقات، وابن أبي شيبة عن عائشة قالت: لما مات سعد بن معاذ حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي وكانوا كما قال الله {رحماء بينهم} قيل فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع فقالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته). [الدر المنثور: 13/516-517]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يرحم الله من لا يرحم الناس). [الدر المنثور: 13/517]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود عن عبد الله بن عمرو يرويه قال: من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا). [الدر المنثور: 13/517]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تنزع الرحمة إلا من شقي). [الدر المنثور: 13/517]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يرحم الله من عباده الرحماء). [الدر المنثور: 13/518]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {سيماهم في وجوههم} قال: أما إنه ليس بالذين ترون ولكنه سيما الإسلام وسحنته وسمته وخشوعه). [الدر المنثور: 13/518]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس في قوله: {سيماهم في وجوههم} قال السمت الحسن). [الدر المنثور: 13/518]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير، وابن مردويه بسند حسن عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال: النور يوم القيامة). [الدر المنثور: 13/518]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري في تاريخه، وابن نصر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال: بياض يغشى وجوههم يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن نصر، وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه مثله). [الدر المنثور: 13/518]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن نصر، وابن جرير عن عطية العوفي رضي الله عنه قال: موضع السجود أشد وجوههم بياضا يوم القيامة). [الدر المنثور: 13/519]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الأنبياء عليهم السلام يتباهون أيهم أكثر أصحابا من أمته فأرجو أن أكون يومئذ أكثرهم كلهم واردة وإن كل رجل منهم يومئذ قائم على حوض ملآن معه عصا يدعو من عرف من أمته ولكل أمة سيما يعرفهم بها نبيهم). [الدر المنثور: 13/519]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني والبيهقي في "سننه" عن حميد بن عبد الرحمن قال: كنت عند السائب بن يزيد إذ جاء رجل في وجهه أثر السجود فقال: لقد أفسد هذا وجهه أما والله ما هي السيما التي سمى الله ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثر السجود بين عيني). [الدر المنثور: 13/519]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن نصر، وابن جرير عن مجاهد {سيماهم في وجوههم} قال: ليس الأثر في الوجه ولكن الخشوع). [الدر المنثور: 13/519]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن نصر عن مجاهد {سيماهم في وجوههم} قال: ليس الأثر في الوجه ولكن الخشوع). [الدر المنثور: 13/520]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن نصر عن مجاهد {سيماهم في وجوههم} قال: الخشوع والتواضع). [الدر المنثور: 13/520]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن نصر عن سعيد بن جبير في الآية قال: ندى الطهور وثرى الأرض). [الدر المنثور: 13/520]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن نصر، وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: هو السهر إذا سهر الرجل من الليل أصبح مصفرا). [الدر المنثور: 13/520]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن نصر عن عكرمة رضي الله عنه {سيماهم في وجوههم} قال: السهر). [الدر المنثور: 13/520]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله {سيماهم في وجوههم} قال: إن جبريل قال: إذا نظرت إلى الرجل من أمتك عرفت أنه من أهل الصلاة بأثر الوضوء وإذا أصبحت عرفت أنه قد صلى من الليل وهو يا محمد العفاف في الدين والحياء وحسن السمت.
وأخرج ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه المصدق لما جاء به موسى ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة وإنكم تجدون ذلك في كتابكم {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} إلى آخر السورة). [الدر المنثور: 13/520-521]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {ذلك مثلهم في التوراة} يعني مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق السموات والأرض). [الدر المنثور: 13/521]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو عبيد وأبو نعيم في الحلية، وابن المنذر عن عمار مولى بني هاشم قال: سألت أبا هريرة رضي الله عنه عن القدر قال: اكتف منه بآخر سورة الفتح {محمد رسول الله والذين معه} إلى آخر السورة يعني أن الله نعتهم قبل أن يخلقهم). [الدر المنثور: 13/521]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {رحماء بينهم} قال: جعل الله في قلوبهم الرحمة بعضهم لبعض {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال: علامتهم الصلاة {ذلك مثلهم في التوراة} قال: هذا المثل في التوراة {ومثلهم في الإنجيل} قال: هذا مثل آخر {كزرع أخرج شطأه} قال: هذا نعت أصحاب محمد في الإنجيل، قيل له: أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يخرج منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر). [الدر المنثور: 13/521]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة {ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه} قال: سنبله حين يبلغ نباته عن حباته {فآزره} يقول: نباته مع التفافه حين يسنبل فهذا مثل ضربه الله لأهل الكتاب إذا خرج قوم ينبتون كما ينبت الزرع فيهم رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم يغلظ فيهم الذين كانوا معهم وهو مثل ضربه لمحمد يقول: يبعث الله النّبيّ وحده ثم يجتمع إليه ناس قليل يؤمنون به ثم يكون القليل كثيرا وسيغلظون ويغيظ الله بهم الكفار يعجب الزراع من كثرته وحسن نباته). [الدر المنثور: 13/522]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه {كزرع أخرج شطأه} قال: يقول حب بر متفرقا فأنبتت كل حبة واحدة ثم أنبتت من حولها مثلها حتى استغلظ واستوى على سوقه يقول: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قليلا ثم كثروا واستغلظوا). [الدر المنثور: 13/523]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه والخطيب، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {كزرع} قال: أصل الزرع عبد المطلب أخرج شطأه محمد صلى الله عليه وسلم فآزره بأبي بكر فاستغلظ بعمر فاستوى بعثمان على سوقه بعلي ليغيظ بهم الكفار). [الدر المنثور: 13/523]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه والقلظي وأحمد بن محمد الزهري في فضائل الخلفاء الأربعة والشيرازي في الألقاب عن ابن عباس رضي الله عنهما {محمد رسول الله والذين معه} أبو بكر {أشداء على الكفار} عمر {رحماء بينهم} عثمان {تراهم ركعا سجدا} علي {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} طلحة والزبير {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح {ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره} بأبي بكر {فاستغلظ} بعمر {فاستوى على سوقه} بعثمان {يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} بعلي {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم). [الدر المنثور: 13/523-524]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {كزرع أخرج شطأه} قال: نباته). [الدر المنثور: 13/524]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه {كزرع أخرج شطأه} قال: نباته فروخه). [الدر المنثور: 13/524]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {كزرع أخرج شطأه} قال: حين تخرج منه الطاقة {فآزره} قواه {فاستغلظ فاستوى على سوقه} قال: على مثل المسلمين). [الدر المنثور: 13/524]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله {كزرع أخرج شطأه} قال: ما يخرج بجنب كتابه الجعلة فيتم وينمو، {فآزره} قال: فشده وأعانه {على سوقه} قال: على أصوله). [الدر المنثور: 13/524]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن خيثمة قال: قرأ رجل على عبد الله سورة الفتح فلما بلغ {كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} قال: ليغيظ الله بالنبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الكفار ثم قال: أنتم الزرع وقد دنا حصاده). [الدر المنثور: 13/524-525]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة في قوله {ليغيظ بهم الكفار} قالت: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم). [الدر المنثور: 13/525]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11 جمادى الآخرة 1434هـ/21-04-2013م, 05:01 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ...}.
وفي قراءة عبد الله: لا تخافون مكان آمنين، "{محلّقين رءوسكم ومقصّرين}"، ولو قيل: محلقون ومقصرون أي بعضكم محلقون وبعضكم مقصرون لكان صوابا [كما] قال الشاعر:
* وغودر البقل ملوي ومحصود *). [معاني القرآن: 3/68]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: ({لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)}
رأى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في منامه كأنّه وأصحابه - رحمهم اللّه - يدخلون مكة محلّقين ومقصّرين، فصدق اللّه رسوله الرؤيا فدخلوا على ما رأى.
وكانوا قد استبطأوا الدخول.
ومعنى {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} يخرج على وجهين:
أحدهما إن أمركم الله به.
ويجوز وهو حسن أن يكون " {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} " - جرى على ما أمر الله به في كل ما يفعل متوقعا، فقال: ({ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غدا (23) إلّا أن يشاء اللّه}) ). [معاني القرآن: 5/28]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} [آية: 27]
قال مجاهد رأى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قد دخل مكة هو وأصحابهمحلقين
وقال قتادة هي رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية كأنهم دخلوا مكة محلقين رؤوسهم ومقصرين فاستبطأوا الرؤيا ثم دخلوا بعد ذلك
فأما قوله تعالى: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ } ففيه أقوال:
أ-منها إن المعنى إن شئت دخلتم آمنين
ب- وقيل هو حكاية لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم
ج- وقيل خوطب العباد على ما يجب أن يقولوه كما قال تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }
د- وقيل الاستثناء لمن مات منهم أو قتل

وقوله جل وعز: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [آية: 27]
قال مجاهد رجعوا من الحديبية ثم فتح الله عليهم خيبر). [معاني القرآن: 6/511-513]

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ...}.
يقال: لا تذهب الدنيا حتى يغلب الإسلام على أهل كل دين، أو يؤدوا إليهم الجزية، فذلك قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} ). [معاني القرآن: 3/68]

تفسير قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا...}. في الصلاة.
وقوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ...}. وهي الصفرة من السهر بالليل.
وقوله: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ...}.
وفي الإنجيل: أيضاً كمثلهم في القرآن، ويقال: ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كزرع أخرج شطأه، وشطؤه: السنبل تنبت الحبة عشراً وثمانياً وسبعاً، فيقوى بعضه ببعض، فذلك قوله: {فَآَزَرَهُ} فأعانه وقواه؛ فاستغلظ {ذَلِكَ }فاستوى، ولو كانت واحدة لم تقم على ساق، وهو مثل ضربه الله عز وجل للنبي صلى الله عليه إذ خرج وحده ثم قوّاه بأصحابه، كما قوّى الحبة بما نبت منها.
آزرت، أؤازره، مؤازرة: قوّيته، وعاونته، وهي المؤازرة). [معاني القرآن: 3/69]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( " {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} " والعرب قد تبدأ بالشيء ثم تجيء ما يكون قبله بعده قال لبيد:
فوضعت رحلي والقراب ونمرقى... ومكانهن الكور والنّسعان
" {أَخْرَجَ شَطْأَهُ }" أخرج فراخه يقال: قد أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا فرخ.
" {فَآَزَرَهُ }" ساواه، صار مثل الأم. " فاستغلظ " غلظ.
" {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} " الساق حاملة الشجرة). [مجاز القرآن: 2/218]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }
وقال: {أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ} يريد "أفعله" من "الإزارة"). [معاني القرآن: 4/18]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({سيماهم}: علامتهم.
[غريب القرآن وتفسيره: 341]
29- {في وجوههم}: الخشوع والتواضع.
29- {أخرج شطأه}: ما في جوانبه من فراخه، يقال قد أشطأ الزرع فهو مشطئ أي مفرخ.
29- {فآزره}: ساواه على سوقه. واحدها ساق وهي حاملة الشجرة). [غريب القرآن وتفسيره: 342]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) :
( {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} أي صفتهم.
ثم استأنف، فقال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ}.
قال أبو عبيدة: «شطء الزرع: فراخه وصغاره، يقال: قد أشطأ الزرع فهو مشطئ، إذا أفرخ».
قال الفراء: «شطئه: السّنبل تنبت الحبة عشرا وسبعا وثمانيا».
{فَآَزَرَهُ} أي أعانه وقواه، {فَاسْتَغْلَظَ} أي غلظ، { فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ}: جمع «ساق». [مثل دور ودار]. ومنه يقال: «قام كذا على سوقه وعلى السوق»، لا يراد به السوق: التي يباع فيها ويشتري. إنما يراد: انه قد تناهي وبلغ الغاية، كما أن الزرع إذا قام على السوق. فقد استحكم.
وهذا مثل ضربه اللّه للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم -:(( إذ خرج وحده، فأيده بأصحابه، كما قوّى الطاقة من الزرع بما نبت منها، حتى كثرت وغلظت واستحكمت)). [تفسير غريب القرآن:413-414]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20] فإنما يريد بالكفار هاهنا: الزّرّاع، واحدهم كافر.
وإنما سمّي كافرا لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كَفَره، أي غطّاه، وكل شيء، غطّيته فقد كَفَرته، ومنه قيل: (تَكَفَّرَ فلان في السّلاح): إذا تغطّى.
ومنه قيل للّيل كافر، لأنه يستر بظلمته كل شيء.
ومنه قول الشاعر:
يعلو طريقة متنها متواترا = في ليلة كفر النّجوم غمامها
أي غطاها. وهذا مثل قوله تعالى: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]). [تأويل مشكل القرآن: 75-76] (م)
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ} [الفتح: 29] أي ذلك وصفهم، لأنه لم يضرب لهم مثلا في أوّل الكلام، فيقول: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ} وإنما وصفهم وحلّاهم، ثم قال: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ} أي وصفهم). [تأويل مشكل القرآن: 83] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) :
(وقوله عزّ وجلّ: ({مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)}
وصفهم الله بأن بعضهم متحنّن على بعض، وأن عليهم السكينة والوقار، وبعضهم يخلص المودة لبعض، وهم أشداء على الكفار.
أشداء جمع شديد، والأصل أشدداء، نحو نصيب وأنصباء، ولكن الدالين تحركتا فأدغمت الأولى في الثانية، ومثل هذا قوله: ({من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين}).
وقوله: ({سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}).
أي في وجوههم علامة السجود، وهي علامة الخاشعين للّه المصلّين.
وقيل يبعثون يوم القيامة غرّا محجّلين من أثر الطهور، وهذا يجعله اللّه لهم يوم القيامة علامة وهي السيماء يبين بها فضلهم على غيرهم.
وقوله: ({ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ}).
أي ذلك صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في التوراة، ثم أعلم أنّ صفتهم في الإنجيل أيضا.
({كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ}).
معنى {أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أخرج نباته.
{فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ}، أي فآزر الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض {عَلَى سُوقِهِ} جمع ساق.
وقوله: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} .
{الزُّرَّاعَ} محمد عليه السلام والدّعاة إلى الإسلام وهم أصحابه.
وقوله: ({وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}).
{مِنْهُمْ} فيه قولان:
أن تكون " منهم " ههنا تخليصا للجنس من غيره كما تقول: أنفق نفقتك من الدراهم لا من الدنانير.
المعنى اجعل نفقتك من هذا الجنس، وكما قال: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ }، لا يريد أن بعضها - رجس وبعضها غير رجس.
ولكن المعنى اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان.
فالمعنى وعد اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين أجرا عظيما وفضّلهم الله على غيرهم لسابقتهم وعظّم أجرهم.
والوجه الثاني أن يكون المعنى وعد الله الذين أقاموا منهم على الإيمان والعمل الصالح مغفرة وأجرا عظيما). [معاني القرآن: 5/28-30]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [آية: 29]
قال سعيد بن جبير ذلك اثر الطهور وثرى الأرض
وقال عكرمة هو أثر التراب [معاني القرآن: 6/513]
قال ابن وهب أخبرني مالك في قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ } قال هو ما يتعلق بالجهة من تراب الأرض فهذا قول
وقال مجاهد إنما هو الخشوع والتواضع وليس للمنافق هذا
وقال الحسن بياض يكون في الوجه يوم القيامة
وقال عطية موضع الجبهة يوم القيامة أشد بياضا من سائر الوجه
وقال الضحاك هذا يوم القيامة تبدو صلاتهم على [معاني القرآن: 6/514]
وجوههم وقال شمر بن عطية هو تهيج الوجه وصفرته من سهر الليل
وقال قتادة نعتوا بالصلاة أي يعرفون بالصلاة
ثم قال جل وعز: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} [آية: 29]
روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثلهم يعني نعتهم في التوراة والإنجيل أي مكتوب فيهما
وقال قتادة فيما تقدم مثلهم في التوراة ولهم مثل آخر في الإنجيل وهو كزرع أخرج شطأه
قال الضحاك هما مثلان فالأول في التوراة والثاني في الإنجيل
وقال مجاهد هما مثل واحد والتمام على قول مجاهد {فِي الْإِنْجِيلِ} [معاني القرآن: 6/515]
ثم قال جل وعز: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [آية: 29]
كزرع أي هم كزرع أخرج شطأه روى حميد عن أنس قال نباته فروخه
قال أبو عبيدة يقال أشطأ الزرع إذا خرجت فراخه
قال الفراء الحبة تخرج العشر والسبع والثماني من السنبل [معاني القرآن: 6/516]
ثم قال تعالى: {فَآَزَرَهُ}
قال مجاهد أي شدده وأعانه
وقال الضحاك هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قليلا فكثروا وضعفاء فقووا
ثم قال جل وعز: {فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [آية: 29]
جمع ساق يعجب الزراع تمثيل ليغيظ بهم الكفار قال قتادة أي ليغيظ محمد وأصحابه الكفار [معاني القرآن: 6/517]
ثم قال جل وعز: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [آية: 29]
يجوز أن تكون من ههنا لبيان الجنس كما قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}
ويجوز أن تكون للتبعيض أي وعد الله الذين ثبتوا على الإيمان منهم مغفرة وأجرا عظيما). [معاني القرآن: 6/518]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (آخر السورة والحمد لله وحده
وصلى الله على سيدنا محمد رسوله وعلى آله وصحبه وسلم). [معاني القرآن: 6/518]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( ({تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا}) أي: في حالين ليس في حال واحدة، أي: ركعا وسجدا. (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) وتم الكلام، ثم استأنف، وقال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ} فوصفهم. {شَطْأَهُ} أي: فرخه، وجمعه: أشطأء.
{فَآَزَرَهُ} أي: فساواه في طوله. {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} أي: تم في طوله، و{سُوقِهِ} هاهنا: أصوله.
{يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} أي: الزارعين). [ياقوتة الصراط:472-474]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {شَطْأَهُ}: فراخه وصغاره ، وقيل شطأه زيادته لأن الحبة تنبت عشر سنابل
{فَآَزَرَهُ}: أي أعانه
{سُوقِهِ}: جمع ساق أي تناهى واستتم وهو مثل ضربه الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم إذ خرج وحده فأيده الله بأصحابه حتى تقوى أمره كما قويت الطاقة من الزرع بما نبت منها حتى كثرت وغلظت). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 234]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {سِيمَاهُمْ}: علامتهم
{شَطْأَهُ}: ما نبت في أصوله
{فَآَزَرَهُ}: قواه
{سُوقِهِ}: جمع ساق). [العمدة في غريب القرآن: 277]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11 جمادى الآخرة 1434هـ/21-04-2013م, 05:02 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ألا ترى أن دخلت إنما هو عمل فعلته، وأوصلته إلى الدار، لا يمتنع منه ما كان مثل الدار. تقول: دخلت المسجد، ودخلت البيت. قال الله عز وجل: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله}. فهو في التعدي كقولك: عمرت الدار، وهدمت الدار، وأصلحت الدار لأنه فعل وصل منك إليها، مثل ضربت زيداً. فعلى هذا تجري هذه الأفعال في المخصوص والمبهم). [المقتضب: 4/339]
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ}. قال: اللام الأولى يمينٌ، والثانية جوابها). [مجالس ثعلب: 590]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) }

تفسير قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (وسمت بالسلعة أسوم بها ويقال فلان غالي السيمة إذا كان يغلي السوم والسيمى مقصور في الوجوه ويقال أيضًا السيمياء ممدودة مؤنثة وقال [الله عز وجل]: {سيماهم في وجوههم}، قال الشاعر:
غلام رماه الله بالخير مقبلاً = له سيمياء لا تشق على البصر
أي يفرح به من ينظر إليه). [الغريب المصنف: 3/956-957]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (قال بعض الشعراء:

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا = ندمت على التفريط في زمن البذر

يريد: إذا أنت لم تعمل خيرا، وأبصرت الثواب للعاملين، ندمت على تفريطك في العمل.
فإن خالف الزرع هذه الصفة: فإنهم رجال يجتمعون في حرب، وإن حصد قتلوا.
وقال الله عز وجل: {مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره} ). [تعبير الرؤيا: 144]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (قال أبو العباس: قوله: "سيما الخسف"، قال: هكذا حدثوناه، وأظنه"سيم الخسف" يا هذا، من قول الله عز وجل: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ومعنى قوله: سيما الخسف تأويله علامة، هذا أصل ذا، قال الله عز وجل: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}، وقال عز وجل: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}
وقال أبو عبيدة في قوله عز وجل: {مُسَوِّمِينَ} " قال: معلمين واشتقاقه من السيما التي ذكرنا. ومن قال: (مُسَوَّمِينَ)، فإنما أراد مرسلين: من الإبل السائمة: أي المرسلة في مراعيها، وإنما أخذ هذا من التفسير. قال المفسرون في قوله تعالى: " {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ}، القولين جميعًا، مع العلامة والإرسال، وأما في قوله عز وجل: {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} فلم يقولوا فيه إلا قولاً واحدًا، قالوا: "معلمة"، وكان عليها أمثال الخواتيم، ومن قال: "سيما" قصر. ويقال في هذا المعنى: سيمياء، ممدود، قال الشاعر:
غلام رماه الله بالحسن يافعًا... له سيمياء لا تشق على البصر). [الكامل: 1/31-33] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (ومن حرف من الأضداد، تكون لبعض الشيء، وتكون لكله، فكونها للتبعيض لا يحتاج فيه إلى شاهد، وكونها بمعنى (كل)، شاهده قول الله عز وجل: {ولهم فيها من كل الثمرات}، معناه كل الثمرات، وقوله عز وجل: {يغفر لكم من ذنوبكم}، معناه يغفر لكم ذنوبكم. وقوله عز وجل: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما}، معناه: وعدهم الله كلهم مغفرة؛ لأنه قدم وصف قوم يجتمعون في استحقاق هذا الوعد. وقول الله عز وجل في غير هذا الموضع: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}، معناه: ولتكونوا كلكم أمة تدعو إلى الخير، قال الشاعر:
أخو رغائب يعطاها ويسألها = يأبى الظلامة منه النوفل الزفر
أراد: يأبى الظلامة لأنه نوفل زفر. ومستحيل أن تكون
(مِنْ) هاهنا تبعيضا إذ دخلت على ما لا يتبعض، والعرب تقول: قطعت من الثوب قميصا، وهم لا ينوون أن القميص قطع من بعض الثوب دون بعض؛ إنما يدلون بـ(من) على التجنيس، كقوله عز وجل: {فاجتبوا الرجس من الأوثان} معناه: فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس، واجتنبوا الرجس من جنس الأوثان؛ إذ كان يكون من هذا الجنس ومن غيره من الأجناس.
وقال الله عز وجل: {وننزل من القرآن ما هو شفاء}، فـ (مِنْ)، ليست هاهنا تبعيضا؛ لأنه لا يكون بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء، فـ(مِنْ) تحتمل تأويلين: أحدهما التجنيس، أي ننزل الشفاء من جهة القرآن، والتأويل الآخر أن تكون (من) مزيدة للتوكيد، كقوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}، وهو يريد يغضوا أبصارهم، وكقول ذي الرمة:

إذا ما امرؤ حاولن يقتتلنه = بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل
تبسمن عن نور الأقاحي في الثرى = وفترن من أبصار مضروجة نجل

أراد: وفترن أبصار مضروجة.
وكان بعض أصحابنا يقول: من ليست مزيدة للتوكيد في قوله: {من كل الثمرات}، وفي قوله: {من أبصارهم} وفي قوله: {يغفر لكم من ذنوبكم}. وقال: أما قوله: {من كل الثمرات}، فإن (من) تبعيض، لأن العموم في جميع الثمرات لا يجتمع لهم في وقت واحد؛ إذ كان قد تقدم منها ما قد أكل، وزال وبقي منها ما يستقبل ولا ينفد أبدا، فوقع التبعيض لهذا المعنى.
قال: وقوله: {يغضوا من أبصارهم} معناه: يغضوا بعض أبصارهم. وقال: لم يحظر علينا كل النظر، إنما حظر علينا بعضه، فوجب التبعيض من أجل هذا التأويل.
قال: وقوله: {يغفر لكم من ذنوبكم} من هاهنا مجنسة، وتأويل الآية: يغفر لكم من إذنابكم، وعلى إذنابكم، أي يغفر لكم من أجل وقوع الذنوب منكم، كما يقول الرجل: اشتكيت من دواء شربته، أي من أجل الدواء.
وقال بعض المفسرين: من في قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة} مبعضة، لأنه ذكر أصحاب نبيه صلى الله عليه، وكان قد ذكر
قبلهم الذين كفروا فقال: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية}. وقال بعد: {منهم}؛ أي من هذين الفريقين، ومن هذين الجنسين). [كتاب الأضداد: 252-255] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 24 صفر 1440هـ/3-11-2018م, 08:29 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 24 صفر 1440هـ/3-11-2018م, 08:29 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري
...

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 25 صفر 1440هـ/4-11-2018م, 03:49 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا * محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما}
روي في تفسير هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون، وقال مجاهد: أرى ذلك بالحديبية، فأخبر الناس بهذه الرؤيا، ووثق الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سبق في علم الله تعالى أن ذلك يكون، لكن ليس في تلك الجهة، وروي أن رؤياه صلى الله عليه وسلم إنما كانت أن ملكا جاءه فقال له: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين، وأنه بهذا أعلم الناس، فلما قضى الله تعالى بالصلح في الحديبية، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدر، وقال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق}، و"صدق" هذه تتعدى إلى مفعولين، تقول: صدقت زيدا الحديث، واللام في "لتدخلن" لام القسم الذي تقتضيه "صدق"; لأنها من قبيل: تبين وتحقق، ونحو هذا مما يعطي القسم.
واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية، فقال بعض المتأولين: هو استثناء من الملك المخبر للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت، وقال آخرون: هو أخذ من الله تعالى عباده بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بد، أو كان مما قد يكون وقد لا يكون، وقال بعض العلماء: إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب، وكل واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة إذ فيهم ولا بد من يموت، وقال آخرون: استثنى لأجل قوله تعالى: "آمنين" لا لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخر عن موضعه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ولا فرق بين الاستثناء من أجل الأمن أو من أجل الدخول; لأن الله تبارك وتعالى قد أخبر بهما ووقعت الثقة بالأمرين، فالاستثناء من أيهما كان فهو استثناء من واجب.
وقال قوم: "إن" بمعنى "إذ" فكأنه تعالى قال: "إذ شاء الله، وهذا حسن في معناه لكن كون "إن" بمعنى "إذ" غير موجود في لسان العرب، وللناس بعد في هذا الاستثناء أقوال مخلطة غير هذه لا طائل فيها اختصرتها، وقرأ ابن مسعود: "إن شاء الله لا تخافون" بدل "آمنين".
ولما نزلت هذه الآية علم المسلمون أن تلك الرؤيا فيما يستأنفونه من الزمان، واطمأنت قلوبهم بذلك وسكنت، فخرجت في العام المقبل، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه. وقوله تعالى: {فعلم ما لم تعلموا} يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه، وما كان أيضا بمكة من المؤمنين دفع الله تعالى بهم، وقوله تعالى: {من دون ذلك} أي: من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم.
واختلف الناس في الفتح القريب، فقال كثير من الصحابة رضي الله عنهم: هو بيعة الرضوان، وروي عن مجاهد وابن إسحاق أنه الصلح بالحديبية، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم، وقال ابن زيد: الفتح القريب هو فتح مكة، وهذا ضعيف لأن فتح مكة لم يكن من دون دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، بل كان بعد ذلك بعام، لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة، ويحسن أن يكون "الفتح" هنا اسم جنس يعم كل ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم فيه ظهور وفتح عليه، وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولا خطأ جعل فيه الفتح سنة عشر، وجعل حج أبي بكر رضي الله عنه قبل الفتح، وذلك كله تخليط وخوض فيما لم يتقنه معرفة). [المحرر الوجيز: 7/ 686-688]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله} الآية، تعظيم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلام بأنه يظهره على جميع الأديان، ورأى بعض الناس "أن" لفظة "ليظهره" تقتضي محو غيره به فلذلك قالوا: إن هذا الخبر يظهر للوجود عند نزول عيسى بن مريم عليهما السلام، فإنه لا يبقى في وقته دين إلا الإسلام، وهو قول الطبري والثعلبي، ورأى قوم أن الإظهار هو الإعلاء وإن بقي من الدين الآخر أجزاء، وهذا موجود الآن في دين الإسلام، فإنه قد كان عم أكثر الأرض وظهر على كل دين، وقوله تعالى: {وكفى بالله شهيدا} معناه: شاهدا، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما: شاهدا عندكم بهذا الخبر ومعلما به، والثاني: شاهدا على هؤلاء الكفار المنكرين أمر محمد صلى الله عليه وسلم الرادين في صدره، ومعاقبا لهم بحكم الشهادة، فالآية - على هذا - وعيد للكفار الذين شاحوا في أن يكتب "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فرد الله تبارك وتعالى عليهم بهذه الآية كلها). [المحرر الوجيز: 7/ 688]

تفسير قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {محمد رسول الله}، قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر استوفي فيه تعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {والذين معه} ابتداء وخبره "أشداء"، و"رحماء" خبر ثان، وقال قوم من المتأولين: "محمد" ابتداء، و" رسول الله " صفة له، و"الذين" عطف عليه، و"أشداء" خبر عن الجميع، و"رحماء" خبر بعد خبر، ففي القول الأول اختص النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه وهؤلاء بوصفهم، وفي القول الثاني اشترك الجميع في الشدة والرحمة، والأول عندي أرجح، لأنه خبر مضاد لقول الكفار: لا نكتب "محمد رسول الله"، وقوله تعالى: {والذين معه} إشارة إلى جميع الصحابة رضوان الله عنهم عند الجمهور، وحكى الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الإشارة إلى من شهد الحديبية ب"الذين معه"، و"أشداء" جمع شديد، أصله أشدداء، أدغم لاجتماع المثلين، وقرأ الجمهور: "أشداء" و"رحماء" بالرفع، وروى قرة عن الحسن "أشداء" و"رحماء" بنصبهما، قال أبو حاتم: ذلك على الحال، والخبر "تراهم"، قال أبو الفتح: وإن شئت نصبت "أشداء" على المدح.
وقوله تعالى: {تراهم ركعا سجدا}، أي ترى هاتين الحالتين كثيرا فيهم، و"يبتغون" معناه: يطلبون، وقرأ عمر وابن عبيد: "ورضوانا" بضم الراء، وقوله تعالى: "سيماهم" معناه: علامتهم، واختلف الناس في تعيين هذه السيما، فقال مالك بن أنس: كانت جباههم متربة من كثرة السجود في التراب، كان يبقى على المسح أثره، وقاله عكرمة، وقال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب، وقال ابن عباس رضي الله عنهما، وخالد الحنفي، وعطية: هو وعد بحالهم يوم القيامة من أن الله تبارك وتعالى يجعل لهم نورا من أثر السجود.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
كما يجعل غرة من أثر الوضوء ... الحديث، ويؤيد هذا التأويل اتصال القول بقوله تعالى: {فضلا من الله ورضوانا}، كأنه تعالى قال: علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ويحتمل أن تكون السيما بدلا من قوله: "فضلا"، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: السمت الحسن هو السيما، وهو خشوع يبدو على الوجه، وهذه حالة مكثري الصلاة، لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتقل الضحك، وترد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء، وقال الحسن بن أبي الحسن، وشمر بن عطية: السيما بياض وصفرة وتهيج يعتري الوجوه من السهر، وقال منصور: سألت مجاهدا: هل السيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل؟ فقال: لا، وقد تكون مثل ركبة البعير وهو أقسى قلبا من الحجارة، وقال عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس: السيما حسن يعتري وجوه المصلين، وذلك لأن الله تعالى يجعل لها في عين الرائي حسنا تابعا للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجل الإنسان أمرا حسن عنده منظره، ومن هذا الحديث الذي في الشهاب: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، وهو حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك بن عبد الله يقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ثم نزع شريك لما رأى ثابت الزاهد فقال يعنيه: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، فظن ثابت أن هذا الكلام متركب على السند المذكور فحدث به عن شريك. وقرأ الأعرج: "من إثر" بسكون الثاء وكسر الهمزة، قال أبو حاتم: هما بمعنى، وقرأ قتادة: "من آثار" جمعا.
وقوله تعالى: {ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع} الآية. المثل هنا: الوصف أو الصفة، وقال بعض المتأولين: التقدير: الأمر ذلك، وتم الكلام، ثم قوله تعالى: {مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع}، وقال مجاهد: المعنى: ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل، وتم القول. و"كزرع" ابتداء تمثيل يختص بالقرآن، وقال الطبري، وحكاه الضحاك: المعنى: ذلك المعنى هو وصفهم في التوراة، وتم القول، ثم ابتدأ ومثلهم في الإنجيل كزرع وقال آخرون: المثلان جميعا في التوراة وفي الإنجيل.
وقوله تعالى: "كزرع" هو على كل الأقوال وفي أي كتاب منزل فرض مثل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده، فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، يقال: أشطأت الشجرة إذا خرجت غصونها، وأشطأ الزرع: إذا خرج شطأه، وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان: "شطأه" بفتح الطاء والهمز دون مد، وقرأ الباقون بسكون الطاء، وقرأ عيسى بن عمر: "شطاه" بفتح الطاء دون همز، وقرأ أبو جعفر: "شطه"، رمى بالهمزة وفتح الطاء، ورويت عن نافع، وشيبة، وروي عن عيسى "شطاءه" بالمد والهمزة، وقرأ الجحدري: "شطوه" بالواو، وقال أبو الفتح: هي لغة، أو بدل من الهمزة، ولا يكون الشطؤ إلا في البر والشعير، وهذه كلها لغات، وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: "الزرع" النبي صلى الله عليه وسلم، "فآزره" علي بن أبي طالب رضي الله عنه، "فاستغلظ" بأبي بكر رضي الله عنه، "فاستوى على سوقه" بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقوله تعالى: "فآزره" وزنه: "أفعله"، قاله الحسن، ورجحه أبو علي، وقرأ ابن ذكوان وحده: "فأزره" على وزن "فعله" دون مد، ولذلك كله معنيان: أحدهما ساواه طولا، ومنه قول امرئ القيس:
بمحنية قد آزر الضال نبتها ... بجر جيوش غانمين وخيب
أي: هو موضع لم يرع نبته فكمل حتى ساوى شجر الضال، فالفاعل - على هذا المعنى - الشطء، والمعنى الثاني أن يكون "آزره" أو "أزره" بمعنى أعانه وقواه، مأخوذ ذلك من الأزر وشده، فيحتمل أن يكون الفاعل الشطء، ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع; لأن كل واحد منهما يقوي صاحبه، وقال مجاهد وغيره: "آزره" وزنه فاعله، والأول أصوب، أن وزنه: أفعله، ويدلك على ذلك قول الشاعر:
لا مال إلا العطاف تؤزره ... أم ثلاثين وابنة الجبل
وقرأ ابن كثير: "على سؤقه" بالهمز، وهي لغة ضعيفة، يهمزون الواو التي قبلها ضمة، ومنه قول الشاعر:
لحب المؤقدان إلي مؤسى
و يعجب الزراع جملة في موضع الحال، فإذا أعجب الزراع فهو أحرى أن يعجب غيرهم لأنه لا عيب فيه; إذ قد أعجب العارفين بالعيوب، ولو كان معيبا لم يعجبهم، وهنا تم المثل.
وقوله تعالى: {ليغيظ بهم الكفار} ابتداء كلام قبله محذوف تقديره: جعلهم الله تعالى بهذه الصفة ليغيظ بهم الكفار، و"الكفار" هنا: المشركون، قال الحسن: من غيظ الكفار قول عمر رضي الله عنه بمكة: "لا عبد الله عز وجل سرا بعد اليوم"، وقوله تعالى: "منهم" هي لبيان الجنس وليست للتبعيض; لأنه وعد مرج للجميع.
كمل تفسير سورة الفتح والحمد لله رب العالمين). [المحرر الوجيز: 7/ 688-693]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 26 صفر 1440هـ/5-11-2018م, 03:03 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 26 صفر 1440هـ/5-11-2018م, 03:06 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين محلّقين رءوسكم ومقصّرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا (27) هو الّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه وكفى باللّه شهيدًا (28)}.
كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أرى في المنام أنّه دخل مكّة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلمّا ساروا عام الحديبية لم يشكّ جماعةٌ منهم أنّ هذه الرّؤيا تتفسّر هذا العام، فلمّا وقع ما وقع من قضيّة الصّلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصّحابة من ذلك شيءٌ، حتّى سأل عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه، في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنّك تأتيه عامك هذا" قال: لا قال: "فإنّك آتيه ومطوّفٌ به". وبهذا أجاب الصّدّيق، رضي اللّه عنه، أيضًا حذو القذّة بالقذّة؛ ولهذا قال تعالى: {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللّه}: [و] هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيءٍ، [وقوله]: {آمنين} أي: في حال دخولكم. وقوله: {محلّقين رءوسكم ومقصّرين}، حالٌ مقدّرةٌ؛ لأنّهم في حال حرمهم لم يكونوا محلّقين ومقصّرين، وإنّما كان هذا في ثاني الحال، كان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصّره، وثبت في الصّحيحين أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم قال: "رحم اللّه المحلّقين"، قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه؟ قال: "رحم اللّه المحلّقين". قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه؟ قال: "رحم اللّه المحلّقين". قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه؟ قال: "والمقصّرين" في الثّالثة أو الرّابعة.
وقوله: {لا تخافون}: حالٌ مؤكّدةٌ في المعنى، فأثبت لهم الأمن حال الدّخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحدٍ. وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبعٍ، فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة فأقام بها ذا الحجّة والمحرّم، وخرج في صفر إلى خيبر ففتحها اللّه عليه بعضها عنوةً وبعضها صلحًا، وهي إقليمٌ عظيمٌ كثير النّخل والزّروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشّطر، وقسّمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحدٌ غيرهم إلّا الّذين قدموا من الحبشة، جعفر بن أبي طالبٍ وأصحابه، وأبو موسى الأشعريّ وأصحابه، ولم يغب منهم أحدٌ، قال ابن زيدٍ: إلّا أبا دجانة سماك بن خرشة، كما هو مقرّرٌ في موضعه ثمّ رجع إلى المدينة، فلمّا كان في ذي القعدة [في] سنة سبعٍ خرج إلى مكّة معتمرًا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي، قيل: كان ستّين بدنةً، فلبّى وسار أصحابه يلبّون. فلمّا كان قريبًا من مرّ الظّهران بعث محمّد بن مسلمة بالخيل والسّلاح أمامه، فلمّا رآه المشركون رعبوا رعبًا شديدًا، وظنّوا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يغزوهم، وأنّه قد نكث العهد الذي بينه بينهم من وضع القتال عشر سنين، وذهبوا فأخبروا أهل مكّة، فلمّا جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل بمرّ الظّهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السّلاح من القسيّ والنّبل والرّماح إلى بطن يأجج، وسار إلى مكّة بالسّيف مغمدةً في قربها، كما شارطهم عليه. فلمّا كان في أثناء الطّريق بعثت قريش مكرز بن حفصٍ فقال: يا محمّد، ما عرفناك تنقض العهد. قال: "وما ذاك؟ " قال: دخلت: علينا بالسّلاح والقسيّ والرّماح. فقال: "لم يكن ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج"، فقال: بهذا عرفناك، بالبر والوفاء. وخرجت رؤوس الكفّار من مكّة لئلّا ينظروا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم و [لا] إلى أصحابه غيظًا وحنقًا، وأمّا بقيّة أهل مكّة من الرّجال والنّساء والولدان فجلسوا في الطّرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، فدخلها عليه الصّلاة والسّلام، وبين يديه أصحابه يلبّون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوًى، وهو راكبٌ ناقته القصواء الّتي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد اللّه بن رواحة الأنصاريّ آخذٌ بزمام ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقودها، وهو يقول:
باسم الّذي لا دين إلّا دينه = باسم الّذي محمدٌ رسوله...
خلّوا بني الكفّار عن سبيله = اليوم نضربكم على تأويله...
كما ضربناكم على تنزيله = ضربًا يزيل الهام عن مقيله...
ويذهل الخليل عن خليله = قد أنزل الرّحمن في تنزيله...
في صحف تتلى على رسوله = بأنّ خير القتل في سبيله...
يا ربّ إنّي مؤمنٌ بقيله
فهذا مجموعٌ من رواياتٍ متفرّقةٍ.
قال يونس بن بكيرٍ، عن محمّد بن إسحاق: حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر بن حزمٍ قال: لـمّا دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكّة في عمرة القضاء، دخلها وعبد اللّه بن رواحة آخذٌ بخطام ناقته صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو يقول:
خلّوا بني الكفّار عن سبيله = إنّي شهيدٌ أنّه رسوله...
خلّوا فكلّ الخير في رسوله = يا ربّ إنّي مؤمنٌ بقيله...
نحن قتلناكم على تأويله = كما قتلناكم على تنزيله...
ضربًا يزيل الهام عن مقيله = ويذهل الخليل عن خليله...
وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن أنس بن مالكٍ قال: لمّا دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكّة في عمرة القضاء، مشى عبد اللّه بن رواحة بين يديه، وفي روايةٍ وابن رواحة آخذٌ بغرزه، وهو يقول:
خلّوا بني الكفّار عن سبيله = قد نزّل الرّحمن في تنزيله...
بأنّ خير القتل في سبيله = يا ربّ إنّي مؤمنٌ بقيله...
نحن قتلناكم على تأويله = كما قتلناكم على تنزيله...
ضربا يزيل الهام عن مقيله = ويذهل الخليل عن خليله...
وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن الصّبّاح، حدّثنا إسماعيل -يعني: ابن زكريّا-عن عبد اللّه -يعني: ابن عثمان-عن أبي الطّفيل، عن ابن عبّاسٍ؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا نزل مرّ الظّهران في عمرته، بلغ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ قريشًا [تقول]: ما يتباعثون من العجف. فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا، فأكلنا من لحمه، وحسونا من مرقه، أصبحنا غدًا حين ندخل على القوم وبنا جمامة. قال: "لا تفعلوا، ولكن اجمعوا لي من أزوادكم". فجمعوا له وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتّى تركوا وحثا كلّ واحدٍ منهم في جرابه، ثمّ أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى دخل المسجد، وقعدت قريشٌ نحو الحجر، فاضطبع بردائه، ثمّ قال: "لا يرى القوم فيكم غميرةً" فاستلم الرّكن ثمّ رمل، حتّى إذا تغيّب بالرّكن اليمانيّ مشى إلى الرّكن الأسود، فقالت قريشٌ: ما ترضون بالمشي أما إنّكم لتنقزون نقز الظّباء، ففعل ذلك ثلاثة أشواطٍ، فكانت سنّة. قال أبو الطّفيل: فأخبرني ابن عبّاسٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فعل ذلك في حجّة الوداع.
وقال أحمد أيضًا: حدّثنا يونس؛ حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، حدّثنا أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه مكّة، وقد وهّنتهم حمّى يثرب، ولقوا منها سوءًا، فقال المشركون: إنّه يقدم عليكم قومٌ قد وهّنتهم حمّى يثرب، ولقوا منها شرًّا، وجلس المشركون من النّاحية الّتي تلي الحجر، فأطلع اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما قالوا، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [أصحابه] أن يرملوا الأشواط الثّلاثة؛ ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواطٍ، وأمرهم أن يمشوا بين الرّكنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرملوا الأشواط كلّها إلّا إبقاءً عليهم، فقال المشركون: أهؤلاء الّذين زعمتم أنّ الحمّى قد وهّنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
أخرجاه في الصّحيحين من حديث حمّاد بن زيدٍ، به وفي لفظٍ: قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه صبيحة رابعةٍ، أي من ذي القعدة، فقال المشركون: إنّه يقدم عليكم وفدٌ قد وهّنتهم حمّى يثرب، فأمرهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرملوا الأشواط الثّلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
قال البخاريّ: وزاد ابن سلمة -يعني حمّاد بن سلمة-عن أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: لمّا قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لعامه الّذي استأمن قال: "ارملوا". ليرى المشركون قوّتهم، والمشركون من قبل قعيقعان.
وحدّثنا محمّدٌ، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: إنّما سعى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالبيت وبالصّفا والمروة، ليرى المشركون قوّته.
ورواه في مواضع أخر، ومسلمٌ والنّسائيّ، من طرقٍ، عن سفيان بن عيينة، به.
وقال أيضًا: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، حدّثنا سفيان، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، سمع ابن أبي أوفى يقول: لـمّا اعتمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سترناه من غلمان المشركين ومنهم؛ أن يؤذوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. انفرد به البخاريّ دون مسلمٍ.
وقال البخاريّ أيضًا: حدّثنا محمّد بن رافعٍ، حدّثنا سريج بن النّعمان، حدّثنا فليحٌ، وحدّثني محمّد بن الحسين بن إبراهيم، حدّثنا أبي حدّثنا فليح بن سليمان، عن نافعٍ، عن ابن عمر؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج معتمرًا، فحال كفّار قريشٍ بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلّا سيوفًا، ولا يقيم بها إلّا ما أحبّوا. فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلمّا أن قام بها ثلاثًا، أمروه أن يخرج فخرج.
وهو في صحيح مسلمٍ أيضًا.
وقال البخاريّ أيضًا: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: اعتمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في ذي القعدة، فأبى أهل مكّة أن يدعوه يدخل مكّة حتّى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيّامٍ، فلمّا كتبوا الكتاب كتبوا: "هذا ما قاضانا عليه محمّدٌ رسول اللّه". قالوا: لا نقرّ بهذا، ولو نعلم أنّك رسول اللّه ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمّد بن عبد اللّه. قال: "أنا رسول اللّه، وأنا محمّد بن عبد اللّه". ثمّ قال لعليّ بن أبي طالبٍ: "امح رسول اللّه". قال: لا واللّه لا أمحوك أبدًا. فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: "هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد اللّه: لا يدخل مكّة السّلاح إلّا السّيف في القراب، وألّا يخرج من أهلها بأحدٍ أراد أن يتبعه، وألّا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها" فلمّا دخلها ومضى الأجل، أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنّا فقد مضى الأجل، فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ، يا عمّ. فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمّك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفرٌ، فقال عليٌّ: أنا أخذتها وهي ابنة عمّي، وقال جعفرٌ: ابنة عمّي وخالتها تحتي، وقال زيدٌ: ابنة أخي، فقضى بها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم"، وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك" وقال لجعفر: "أشبهت خلقي وخلقي" وقال لزيدٍ: "أنت أخونا ومولانا" قال عليٌّ: ألا تتزوّج ابنة حمزة؟ قال: "إنّها ابنة أخي من الرّضاعة" انفرد به من هذا الوجه.
وقوله: {فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا} أي: فعلم اللّه تعالى من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكّة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموا أنتم، {فجعل من دون ذلك} أي: قبل دخولكم الّذي وعدتم به في رؤيا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، {فتحًا قريبًا}: وهو الصّلح الّذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين). [تفسير ابن كثير: 7/ 355-360]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :(ثمّ قال تعالى، مبشّرًا للمؤمنين بنصرة الرّسول صلوات اللّه [وسلامه] عليه على عدوّه وعلى سائر أهل الأرض: {هو الّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ} أي: بالعلم النّافع والعمل الصّالح؛ فإنّ الشّريعة تشتمل على شيئين: علمٍ وعملٍ، فالعلم الشّرعيّ صحيحٌ، والعمل الشّرعيّ مقبولٌ، فإخباراتها حقٌّ وإنشاءاتها عدلٌ، {ليظهره على الدّين كلّه} أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عربٍ وعجمٍ وملّيّين ومشركين، {وكفى باللّه شهيدًا} أي: أنه رسوله، وهو ناصره). [تفسير ابن كثير: 7/ 360]

تفسير قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({محمّدٌ رسول اللّه والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلا من اللّه ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السّجود ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار وعد اللّه الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات منهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا (29)}
يخبر تعالى عن محمّدٍ صلوات اللّه عليه، أنّه رسوله حقًّا بلا شكٍّ ولا ريبٍ، فقال: {محمّدٌ رسول اللّه}، وهذا مبتدأٌ وخبرٌ، وهو مشتملٌ على كلّ وصفٍ جميلٍ، ثمّ ثنّى بالثّناء على أصحابه فقال: {والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم}، كما قال تعالى: {فسوف يأتي اللّه بقومٍ يحبّهم ويحبّونه أذلّةٍ على المؤمنين أعزّةٍ على الكافرين} [المائدة: 54] وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفّار، رحيمًا برًّا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا قاتلوا الّذين يلونكم من الكفّار وليجدوا فيكم غلظةً} [التّوبة: 123]، وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسّهر"، وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا" وشبّك بين أصابعه كلا الحديثين في الصّحيح.
وقوله: {تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلا من اللّه ورضوانًا}: وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصّلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها للّه، عزّ وجلّ، والاحتساب عند اللّه جزيل الثّواب، وهو الجنّة المشتملة على فضل اللّه، وهو سعة الرّزق عليهم، ورضاه، تعالى، عنهم وهو أكبر من الأوّل، كما قال: {ورضوانٌ من اللّه أكبر} [التّوبة: 72].
وقوله: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود}: قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {سيماهم في وجوههم} يعني: السّمت الحسن.
وقال مجاهدٌ وغير واحدٍ: يعني: الخشوع والتّواضع.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عليّ بن محمّدٍ الطّنافسي، حدّثنا حسينٌ الجعفي، عن زائدة، عن منصورٍ عن مجاهدٍ: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} قال: الخشوع قلت: ما كنت أراه إلّا هذا الأثر في الوجه، فقال: ربّما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون.
وقال السّدّيّ: الصّلاة تحسّن وجوههم.
وقال بعض السّلف: من كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه بالنّهار.
وقد أسنده ابن ماجه في سننه، عن إسماعيل بن محمّدٍ الطّلحي، عن ثابت بن موسى، عن شريكٍ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه بالنّهار" والصّحيح أنّه موقوفٌ.
وقال بعضهم: إنّ للحسنة نورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وسعةً في الرّزق، ومحبّةً في قلوب النّاس.
وقال أمير المؤمنين عثمان: ما أسرّ أحدٌ سريرةً إلّا أبداها اللّه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
والغرض أنّ الشّيء الكامن في النّفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحةً مع اللّه أصلح اللّه ظاهره للنّاس، كما روي عن عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه، أنّه قال: من أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته.
وقال أبو القاسم الطّبرانيّ: حدّثنا محمود بن محمّدٍ المروزيّ، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدّثنا الفضل بن موسى، عن محمّد بن عبيد اللّه العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان البجلي قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما أسرّ أحدٌ سريرةً إلّا ألبسه اللّه رداءها، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ"، العرزميّ متروكٌ.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا حسن بن موسى، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا درّاجٍ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أنّه قال: "لو أنّ أحدكم يعمل في صخرةٍ صمّاء ليس لها بابٌ ولا كوّةٌ، لخرج عمله للنّاس كائنًا ما كان".
وقال الإمام أحمد [أيضًا]: حدّثنا حسنٌ، حدّثنا زهير، حدّثنا قابوس بن أبي ظبيان: أنّ أباه حدّثه عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: "إنّ الهدي الصّالح، والسّمت الصّالح، والاقتصاد جزءٌ من خمسةٍ وعشرين جزءًا من النّبوّة" ورواه أبو داود عن عبد اللّه بن محمّدٍ النّفيليّ، عن زهيرٍ، به.
فالصّحابة [رضي اللّه عنهم] خلصت نيّاتهم وحسنت أعمالهم، فكلّ من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.
وقال مالكٌ، رحمه اللّه: بلغني أنّ النّصارى كانوا إذا رأوا الصّحابة الّذين فتحوا الشّام يقولون: "واللّه لهؤلاء خيرٌ من الحواريّين فيما بلغنا". وصدقوا في ذلك، فإنّ هذه الأمّة معظّمةٌ في الكتب المتقدّمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نوّه اللّه بذكرهم في الكتب المنزّلة والأخبار المتداولة ؛ ولهذا قال هاهنا: {ذلك مثلهم في التّوراة}، ثمّ قال: {ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه [فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه}: {أخرج شطأه]} أي: فراخه، {فآزره} أي: شدّه {فاستغلظ} أي: شبّ وطال، {فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع} أي: فكذلك أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم آزروه وأيّدوه ونصروه فهم معه كالشّطء مع الزّرع، {ليغيظ بهم الكفّار}.
ومن هذه الآية انتزع الإمام مالكٌ -رحمه اللّه، في روايةٍ عنه-بتكفير الرّوافض الّذين يبغضون الصّحابة، قال: لأنّهم يغيظونهم، ومن غاظ الصّحابة فهو كافرٌ لهذه الآية. ووافقه طائفةٌ من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصّحابة والنّهي عن التّعرّض لهم بمساءةٍ كثيرةٌ، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم.
ثمّ قال: {وعد اللّه الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات منهم} من" هذه لبيان الجنس، {مغفرةً} أي: لذنوبهم. {وأجرًا عظيمًا} أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا، ووعد اللّه حقٌّ وصدقٌ، لا يخلف ولا يبدّل، وكلّ من اقتفى أثر الصّحابة فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسّبق والكمال الّذي لا يلحقهم فيه أحدٌ من هذه الأمّة، رضي اللّه عنهم وأرضاهم، وجعل جنّات الفردوس مأواهم، وقد فعل.
قال مسلمٌ في صحيحه: حدّثنا يحيى بن يحيى، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا تسبّوا أصحابي، فوالّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه"). [تفسير ابن كثير: 7/ 360-363]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:19 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة