العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الفتح

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12 جمادى الأولى 1434هـ/23-03-2013م, 05:49 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي تفسير سورة الفتح [ من الآية (1) إلى الآية (7) ]

{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7)}


- أسباب نزول الآية رقم (1)
- أسباب نزول الآية رقم (2)
- أسباب نزول الآية رقم (5)
- الناسخ والمنسوخ الآية رقم (2،1)
- الوقف والابتداء


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11 جمادى الآخرة 1434هـ/21-04-2013م, 04:48 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني ابن لهيعة عن غير واحدٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوماً: قد أنزلت آيةٌ عظيمةٌ، فقالوا: وكيف، يا رسول الله، فقال: ما كنت بدعا من الرسل وما كنت أدري ما يفعل بي ولا بكم؛ فبكوا وقالوا: لا تدري، فقال: لا، والله؛ فأنزل الله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}، حتى بلغ: {ويهديك صراطا مستقيما}؛ قالوا: قد بين الله لك، يا رسول الله، فكيف بنا، فبكوا بكاء شديدا، فقال: إن لكم ربا رحيما، فأتمها الله رحمةً منه: {وهو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}، حتى بلغ: {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما}، فكبروا الله وحمدوه). [الجامع في علوم القرآن: 3/35]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال في حم الأحقاف: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتّبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ فنسختها الآية التي في سورة الفتح فقال: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيماً}؛
فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزلت عليه هذه الآية فبشرهم بأن الله قد غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر؛ فقال له رجلٌ من القوم: يا رسول الله، قد علمنا ما يفعل الله بك، فما يفعل بنا، يا رسول الله؛ فأنزل الله في سورة الأحزاب: {وبشّر المؤمنين بأنّ لهم من اللّه فضلاً كبيراً}؛ وأنزل {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا ويعذّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات}، {ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات وكان اللّه غفوراً رحيماً}؛ فبين لهم ما يفعل به وبهم). [الجامع في علوم القرآن: 3/80-81] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال قضينا لك قضاء مبينا). [تفسير عبد الرزاق: 2/225]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن ابن التيمي عن مغيرة عن الشعبي في قوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال نزلت بعد الحديبية وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبايعوه مبايعة الرضوان وأطعموا نخل خيبر وظهرت الروم على فارس وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهر أهل الكتاب على المجوس). [تفسير عبد الرزاق: 2/225]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1]
- حدّثنا عبد اللّه بن مسلمة، عن مالكٍ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطّاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر بن الخطّاب عن شيءٍ فلم يجبه رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ سأله فلم يجبه، ثمّ سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطّاب: ثكلت أمّ عمر، نزرت رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم ثلاث مرّاتٍ، كلّ ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحرّكت بعيري ثمّ تقدّمت أمام النّاس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآنٌ، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآنٌ، فجئت رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فسلّمت عليه فقال: " لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورةٌ لهي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس، ثمّ قرأ: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] "
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا غندرٌ، حدّثنا شعبة، سمعت قتادة، عن أنسٍ رضي اللّه عنه، {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] ، قال: «الحديبية»
- حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا شعبة، حدّثنا معاوية بن قرّة، عن عبد اللّه بن مغفّلٍ، قال: «قرأ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكّة، سورة الفتح فرجّع فيها» ، قال معاوية: لو شئت أن أحكي لكم قراءة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لفعلت). [صحيح البخاري: 6/135]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (ثمّ ذكر في الباب خمسة أحاديث الحديث الأوّل
(قوله عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في سفرٍ)
هذا السّياق صورته الإرسال لأنّ أسلم لم يدرك زمان هذه القصّة لكنّه محمولٌ على أنّه سمعه من عمر بدليل قوله في أثنائه قال عمر فحرّكت بعيري إلخ وإلى ذلك أشار القابسيّ وقد جاء من طريقٍ أخرى سمعت عمر أخرجه البزّار من طريق محمّد بن خالد بن عثمة عن مالكٍ ثمّ قال لا نعلم رواه عن مالك هكذا إلّا بن عثمة وبن غزوان انتهى ورواية بن غزوان وهو عبد الرّحمن أبو نوحٍ المعروف بقرادٍ قد أخرجها أحمد عنه واستدركها مغلطاي على البزّار ظانّا أنه غير بن غزوان وأورده الدّارقطنيّ في غرائب مالكٍ من طريق هذين ومن طريق يزيد بن أبي حكيمٍ ومحمّد بن حربٍ وإسحاق الحنينيّ أيضًا فهولاء خمسةٌ رووه عن مالكٍ بصريح الاتّصال وقد تقدّم في المغازي أنّ الإسماعيليّ أيضًا أخرج طريق بن عثمة وكذا أخرجها التّرمذيّ وجاء في رواية الطّبرانيّ من طريق عبد الرّحمن بن أبي علقمة عن بن مسعودٍ أنّ السّفر المذكور هو عمرة الحديبية وكذا في رواية معتمرٍ عن أبيه عن قتادة عن أنسٍ قال لمّا رجعنا من الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة فنزلت وسيأتي حديث سهل بن حنيفٍ في ذلك قريبًا واختلف في المكان الّذي نزلت فيه فوقع عند محمّد بن سعدٍ بضجنان وهي بفتح المعجمة وسكون الجيم ونونٍ خفيفةٍ وعند الحاكم في الإكليل بكراع الغميم وعن أبي معشرٍ بالجحفة والأماكن الثّلاثة متقاربةٌ قوله فسأله عمر بن الخطّاب عن شيءٍ فلم يجبه يستفاد منه أنّه ليس لكلّ كلامٍ جوابٌ بل السّكوت قد يكون جوابًا لبعض الكلام وتكرير عمر السّؤال إمّا لكونه خشي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يسمعه أو لأنّ الأمر الّذي كان يسأل عنه كان مهمًّا عنده ولعلّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أجابه بعد ذلك وإنّما ترك إجابته أوّلًا لشغله بما كان فيه من نزول الوحي قوله ثكلت بكسر الكاف أمّ عمر في رواية الكشميهنيّ ثكلتك أمّ عمر والثّكل فقدان المرأة ولدها دعا عمر على نفسه بسبب ما وقع منه من الإلحاح ويحتمل أن يكون لم يرد الدّعاء على نفسه حقيقةً وإنّما هي من الألفاظ الّتي تقال عند الغضب من غير قصد معناها قوله نزرت بزايٍ ثمّ راءٍ بالتّخفيف والتّثقيل والتّخفيف أشهر أي ألححت عليه قاله بن فارسٍ والخطّابيّ وقال الدّاوديّ معنى المثقل أقللت كلامه إذا سألته ما لا يجب أن يجيب عنه وأبعد من فسّر نزرت براجعت قوله فما نشبت بكسر المعجمة بعدها موحّدةٌ ساكنةٌ أي لم أتعلّق بشيءٍ غير ما ذكرت قوله أن سمعت صارخًا يصرخ بي لم أقف على اسمه قوله لهي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس أي لما فيها من البشارة بالمغفرة والفتح قال بن العربيّ أطلق المفاضلة بين المنزلة الّتي أعطيها وبين ما طلعت عليه الشّمس ومن شرط المفاضلة استواء الشّيئين في أصل المعنى ثمّ يزيد أحدهما على الآخر ولا استواء بين تلك المنزلة والدّنيا بأسرها وأجاب بن بطّالٍ بأنّ معناه أنّها أحبّ إليه من كلّ شيءٍ لأنّه لا شيء إلّا الدّنيا والآخرة فأخرج الخبر عن ذكر الشّيء بذكر الدّنيا إذ لا شيء سواها إلّا الآخرة وأجاب بن العربيّ بما حاصله أنّ أفعل قد لا يراد بها المفاضلة كقوله خيرٌ مستقرًّا وأحسن مقيلا ولا مفاضلة بين الجنّة والنّار أو الخطاب وقع على ما استقرّ في أنفس أكثر النّاس فإنّهم يعتقدون أنّ الدّنيا لا شيء مثلها أو أنّها المقصودة فأخبر بأنّها عنده خيرٌ ممّا يظنّون أن لا شيء أفضل منه انتهى ويحتمل أن يراد المفاضلة بين ما دلّت عليه وبين ما دلّ عليه غيرها من الآيات المتعلّقة به فرجّحها وجميع الآيات وإن لم تكن من أمور الدّنيا لكنّها أنزلت لأهل الدّنيا فدخلت كلّها فيما طلعت عليه الشّمس الحديث الثّاني
- قوله سمعت قتادة عن أنسٍ إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا قال الحديبية هكذا أورده مختصرًا وقد أخرجه في المغازي بأتمّ من هذا وبيّن أنّ بعض الحديث عن أنسٍ موصولٍ وبعضه عن عكرمة مرسلٌ وسمّي ما وقع في الحديبية فتحًا لأنّه كان مقدّمة الفتح وأوّل أسبابه وقد تقدّم شرح ذلك مبيّنًا في كتاب المغازي الحديث الثّالث
- قوله عن عبد اللّه بن مغفّلٍ بالمعجمة والفاء وزن محمّدٍ قوله فرجّع فيها أي ردّد صوته بالقراءة وقد أورده في التّوحيد من طريقٍ أخرى بلفظ كيف ترجيعه قال ءا ءا ءا ثلاث مرّاتٍ قال القرطبيّ هو محمولٌ على إشباع المدّ في موضعه وقيل كان ذلك بسبب كونه راكبًا فحصل التّرجيع من تحريك النّاقة وهذا فيه نظرٌ لأنّ في رواية عليّ بن الجعد عن شعبة عند الإسماعيليّ وهو يقرأ قراءةً ليّنةً فقال لولا أن يجتمع النّاس علينا لقرأت ذلك اللّحن وكذا أخرجه أبو عبيدة في فضائل القرآن عن أبي النّضر عن شعبة وسأذكر تحرير هذه المسألة في شرح حديث ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن). [فتح الباري: 8/582-584]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (والفتح: صلح الحديبية، وقيل: فتح مكّة). [عمدة القاري: 19/173]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {إنّا فتحنا لك فتحا مبينا} (الفتح: 1)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {إنّا فتحنا لك فتحا مبينًا} عن أنس، رضي الله تعالى عنه، الفتح فتح مكّة وعن مجاهد والعوفي فتح خيبر، وعن بعضهم: فتح الرّوم، وقيل: فتح الإسلام، وعن جابر: ما كنّا نعد فتح مكّة إلاّ يوم الحديبية، وعن بشر بن البراء قال: لما رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة. فأنزل الله عز وجل: {إنّا فتحنا لك} الآية كلها.
- حدّثنا عبد الله بن مسلمة عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً فسأله عمر ابن الخطّاب عن شيءٍ فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ سأله فلم يجبه ثمّ سأله فلم يجبه ثمّ ساله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب ثكلت أمّ عمر نزرت رسول الله ثلاث مرّاتٍ كلّ ذالك لا يجيبك قال عمر فحرّكت بعيري ثمّ تقدّمت أمام النّاس وخشيت أن ينزل فيّ القرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآنٌ فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّمت عليه فقال لقد أنزلت عليّ اللّيلة صورةٌ لهي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس ثمّ قرأ: {إنّا فتحنا لك فتحا مبينا} .
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وأسلم مولى عمر بن الخطاب كان من سبي اليمن، وقال الواقديّ: أبو زيد الحبشي البجاوي من بجاوة.
وهذا الحديث مضى في المغازي في: باب غزوة الحديبية فإنّه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك، ولنتكلم هنا أيضا لبعد المسافة، فنقول: هذا صورته صورة الإرسال لأن أسلم لم يدرك زمان هذه القصّة، لكنه محمول على أنه سمع من عمر بدليل قوله في أثناء الحديث: (فحركت بعيري) وقال الدّارقطنيّ: رواه عن مالك عن زيد عن أبيه عن عمر متّصلا بمحمد بن خالد بن عثمة وأبو الفرج عبد الرّحمن بن غزوان وإسحاق الحنيني، ويزيد بن أبي حكيم ومحمّد بن حرب المكّيّ، وأما أصحاب (الموطّأ) فرووه عن مالك مرسلا.
قوله: (في بعض أسفاره) قال القرطبيّ: وهذا السّفر كان ليلًا متصرفه صلى الله عليه وسلم من الحديبية لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافًا قوله: (ثكلت أم عمر) في رواية الكشميهني، ثكلتك أم عمر، من الثكل وهو فقدان المرأة ولدها، وامرأة ثاكل وثكلى ورجل ثاكل وثكلان، وكأن عمر، رضي الله تعالى عنه، دعا على نفسه حيث ألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن الأثير كأنّه دعا على نفسه بالموت والموت يعم كل أحد فإذا الدّعاء عليه كلا دعاء، ويجوز أن يكون من الألفاظ الّتي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدّعاء، كقولهم: تربت يداك وقاتلك الله. قوله: (نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم) بالنّون وتخفيف الزاء وبالراء أي: ألححت عليه وبالغت في السّؤال، ويروى بتشديد الزّاي والتّخفيف أشهر، وقال ابن وهب: أكرهته أي: أتيته بما يكره من سؤالي فأراد المبالغة، والنزر القلّة ومنه البئر النزور القليل الماء. قال أبو ذر: سألت من لقيت من العلماء أربعين سنة فما أجابوا إلاّ بالتّخفيف، وكذا ذكره ثعلب وأهل اللّغة، وبالتشديد ضبطها الأصيليّ وكأنّه على المبالغة، وقال الدّاوديّ: نزرت قللت كلامه أو سألته فيما لا يحب أن يجيب فيه.
وفيه: أن الجواب ليس لكل الكلام بل السّكوت جواب لبعض الكلام، وتكرير عمر، رضي الله تعالى عنه، السّؤال إمّا لكونه ظن أنه صلى الله عليه وسلم لم يسمعه وإمّا لأنّه الأمر الّذي كان يسأل عنه كان مهما عنده، ولعلّ النّبي صلى الله عليه وسلم أجابه بعد ذلك، وإنّما ترك إجابته أولا لشغله بما كان فيه من نزول الوحي. قوله: (فما نشبت) ، بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة أي: فما لبثت ولا تعلّقت بشيء غير ما ذكرت قوله: (لهي أحب إليّ) ، اللّام فيه للتّأكيد، وإنّما كانت أحب إليه من الدّنيا وما فيها لما فيها من مغفرة ما تقدم وما تأخّر، والفتح والنصر وإتمام النّعمة وغيرها من رضاء الله عز وجل عن أصحاب الشّجرة ونحوها. وقال ابن العربيّ: أطلق المفاضلة بين المنزلة الّتي أعطيها وبين ما طلعت عليها الشّمس، ومن شرط المفاضلة استواء الشّيئين في أصل المعنى ثمّ يزيد أحدهما على الآخر. وأجاب ابن بطال بأن معناه أنّها أحب إليه من كل شيء لأنّه لا شيء إلاّ الدّنيا والآخرة، فأخرج الخبر عن ذكر الشّيء بذكر الدّنيا إذ لا شيء سواها إلاّ الآخرة وأجاب ابن العربيّ بما ملخصه أن أفعل قد لا يراد فيه المفاضلة كقوله: {خير مستقر أو أحسن مقيلاً} (الفرقان: 42) ولا مفاضلة بين الجنّة والنّار، أو الخطاب وقع على ما استقر في أنفس أكثر النّاس فإنّهم يعتقدون أن الدّنيا لا شيء مثلها وأنّها المقصود فأخبر بأنّها عنده خبر ممّا تظنون أن لا شيء أفضل منه.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ حدّثنا غندرٌ حدّثنا شعبة سمعت قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه: {إنّا فتحنا لك فتحا مبينا} (الفتح: 1) قال الحديبية.
غندر هذا لقب محمّد بن جعفر، وقد تكرر ذكره، وقد مضى الحديث في المغازي بأتم منه، وأطلق على غزوة الحديبية الفتح، باعتبار أنه كان مقدّمة الفتح.
- حدّثنا مسلم بن إبراهيم حدّثنا شعبة حدّثنا معاوية بن قرّة عن عبد الله بن مغفّل قال قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة سورة الفتح فرجع فيها قال معاوية لو شئت أن أحكي لكم قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم لفعلت.
عبد الله بن مغفل، بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة البصريّ، والحديث قد مضى في كتاب المغازي في: باب غزوة الفتح فإنّه أخرجه هناك عن أبي الوليد عن شعيد عن معاوية بن قرّة إلى آخره، ومضى الكلام فيه.
قوله: (فرجع) ، من الترجيع وهو ترديد الصّوت في الحلق كقراءة أصحاب الألحان، وقيل: تقارب ضروب الحركات في الصّوت، وزعم بعضهم أن هذا كان منه لأنّه كان راكبًا فجعلت النّاقة تحركه فحصل به الترجيع وهو محمول على إشباع المدّ في موضعه وكان صلى الله عليه وسلم، حسن الصّوت إذا قرأ مد ووقف على الحروف، ويقال: ما بعث نبي إلاّ حسن الصّوت، وقام الإجماع على تحسين الصّوت بالقراءة وترتيبها قاله القاضي). [عمدة القاري: 19/175-176]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: ({إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] الأكثرون على أنه صلح الحديبية، وقيل فتح مكة والتعبير عنه بالماضي لتحقّقه قال في الكشاف وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى اهـ.
قال الطيبي لأن هذا الأسلوب إنما يرتكب في أمر يعظم مناله ويعز الوصول إليه ولا يقدر على نيله إلا من له قهر وسلطان ولذا ترى أكثر أحوال القيامة واردة على هذا المنهج لأن فتح مكة من أمهات الفتوح وبه دخل الناس في دين الله أفواجًا وأمر رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- بالاستغفار والتأهّب للمسير إلى دار القرار. وقال مجاهد: فتح خيبر وقيل فتح الروم وقيل فتح الإسلام بالحجة والبرهان والسيف والسنان وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
- حدّثنا عبد اللّه بن مسلمة، عن مالكٍ عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطّاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر بن الخطّاب عن شيءٍ فلم يجبه رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، ثمّ سأله فلم يجبه، ثمّ سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطّاب: ثكلت أمّ عمر نزرت رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ثلاث مرّاتٍ كلّ ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحرّكت بعيري ثمّ تقدّمت أمام النّاس وخشيت أن ينزل فيّ القرآن فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآنٌ فجئت رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فسلّمت عليه، فقال: «لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورةٌ لهي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس. ثمّ قرأ: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي المدني مولى عمر (عن أبيه) أسلم المخضرم المتوفى سنة ثمانين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة زاد البزار من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن مالك سمعت عمر (أن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- كان يسير في بعض أسفاره) هو سفر الحديبية كما في حديث ابن مسعود عند الطبراني وظاهر قوله عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- الإرسال لأن أسلم لم يدرك هذه القصة لكن قوله في أثناء هذا الحديث فقال عمر فحركت بعيري الخ يقضي بأنه سمعه من عمر ويؤيده تصريح رواية البزار بذلك كما مر (وعمر بن الخطاب) -رضي الله عنه- (يسير معه ليلًا فسأله عمر بن الخطاب) سقط ابن الخطاب لأبي ذر (عن شيء فلم يجبه رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) لاشتغاله بما كان من نزول الوحي (ثم سأله) عمر (فلم يجبه) عليه الصلاة والسلام (ثم سأله فلم يجبه) تكرير السؤال ثلاثًا يحتمل أنه خشي أن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- لم يكن سمعه (فقال عمر بن الخطاب ثكلت) بفتح المثلثة وكسر الكاف أي فقدت (أم عمر) عمر دعا على نفسه بسبب ما وقع منه من الإلحاح. وقال ابن الأثير: دعا على نفسه بالموت والموت يعمّ كل أحد فإذن الدعاء كلا دعاء ولأبي ذر عن الكشميهني ثكلتك أم عمر (نزرت) بزاي مفتوحة مخففة وتثقل فراء ساكنة (رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) ألححت عليه وبالغت في السؤال ثلاث مرات (كل ذلك لا يجيبك قال) ولأبي ذر فقال (عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل فيّ القرآن) بتشديد ياء فيّ ولأبي ذر قرآن بإسقاط آلة التعريف (فما نشبت) بفتح النون وكسر المعجمة وبعد الموحدة الساكنة فوقية فما لبثت وما تعلقت بشيء (أن سمعت صارخًا) لم يسم (يصرخ بي فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، فجئت رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فسلمت عليه فقال) أي بعد أن ردّ عليّ السلام:
(لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس) لما فيها من البشارة بالمغفرة والفتح وغيرهما واللام في لهي للتأكيد (ثم قرأ) عليه الصلاة والسلام ({إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا}) [الفتح: 1].
وهذا الحديث أخرجه في المغازي.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا غندرٌ، حدّثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنسٍ -رضي الله عنه-: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال الحديبية.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بالمعجمة المشدّدة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) هو لقب محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس -رضي الله عنه-) في قوله تعالى: ({إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال) هو (الحديبية) أي الصلح الواقع فيها وجعله فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه قال الزهري فيما ذكره في اللباب لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر سواد الإسلام.
- حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا شعبة، حدّثنا معاوية بن قرّة عن عبد اللّه بن مغفّلٍ قال: قرأ النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- يوم فتح مكّة سورة الفتح فرجّع فيها، قال معاوية: لو شئت أن أحكي لكم قراءة النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- لفعلت.
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي الأزدي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا معاوية بن قرة) بالقاف المضمومة والراء المشدّدة المزني أبو إياس البصري (عن عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة البصري أنه (قال: قرأ النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-
يوم فتح مكة سورة الفتح فرجع فيها) أي ردّد صوته القراءة زاد في التوحيد من طريق أخرى كيف ترجيعه قال آآآ ثلاث مرات وهو محمول على إشباع المد في موضعه كما قاله الطيبي.
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى عند قوله باب: حسن الصوت بالقراءة.
(قال معاوية) هو ابن قرة بالسند السابق: (لو شئت أن أحكي لكم قراءة النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- لفعلت).
وهذا الحديث قد ذكره في غزوة الفتح). [إرشاد الساري: 7/345-346]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً}
قوله: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) أي: فتح مكة، وغيرها المستقبل بجهادك، وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه كما في أتى أمر الله). [حاشية السندي على البخاري: 3/70]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (أخبرنا عمرو بن عليٍّ، حدّثنا يحيى، حدّثنا شعبة، حدّثنا قتادة، عن أنسٍ، {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1]، قال: «الحديبية»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/260]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}
- أخبرنا محمّد بن عبد الله بن المبارك، حدّثنا قرادٌ وهو عبد الرّحمن بن غزوان أبو نوحٍ، حدّثنا مالكٌ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، قال: كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سفرٍ فسألته عن شيءٍ ثلاث مرّاتٍ، فلم يردّ عليّ، فقلت لنفسي: ثكلتك أمّك يا ابن الخطّاب، فركبت راحلتي، فتقدّمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيءٌ، فإذا أنا بمنادٍ ينادي: يا عمر، فرجعت وأنا أظنّ أنّه نزل فيّ شيءٌ، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " نزل عليّ البارحة سورةٌ أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} [الفتح: 2]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/260]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مّستقيمًا (2) وينصرك اللّه نصرًا عزيزًا}.
يعني بقوله تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} يقول: إنّا حكمنا لك يا محمّد حكمًا يبيّن لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفّار قومك، وقضينا لك عليهم بالنّصر والظّفر، لتشكر ربّك، وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم، وفتحه ما فتح لك، ولتسبّحه وتستغفره، فيغفر لك بفعالك ذلك ربّك، ما تقدّم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخّر بعد فتحه لك ذلك ما شكرته واستغفرته.
وإنّما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول اللّه عزّ وجلّ {إذا جاء نصر اللّه والفتح (1) ورأيت النّاس يدخلون في دين اللّه أفواجًا (2) فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّابًا} على صحّته، إذ أمره تعالى ذكره أن يسبّح بحمد ربّه إذا جاءه نصر اللّه وفتح مكّة، وأن يستغفره، وأعلمه أنّه توّابٌ على من فعل ذلك، ففي ذلك بيانٌ واضحٌ أنّ قوله تعالى ذكره: {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} إنّما هو خبرٌ من اللّه جلّ ثناؤه نبيّه عليه الصّلاة والسّلام عن جزائه له على شكره له، على النّعمة الّتي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح، لأنّ جزاء اللّه تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها.
وبعد ففي صحّة الخبر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه كان يقوم حتّى ترم قدماه، فقيل له: يا رسول اللّه تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا؟)، الدّلالة الواضحة على أنّ الّذي قلنا من ذلك هو الصّحيح من القول، وأنّ اللّه تبارك وتعالى، إنّما وعد نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم غفران ذنوبه المتقدّمة فتح ما فتح عليه، وبعده على شكره له، على نعمه الّتي أنعمها عليه.
وكذلك كان يقول صلّى اللّه عليه وسلّم: (إنّي لأستغفر اللّه وأتوب إليه في كلّ يومٍ مئة مرّةٍ) ولو كان القول في ذلك أنّه من خبر اللّه تعالى نبيّه أنّه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر على الوجه الّذي ذكرنا، لم يكن لأمره إيّاه بالاستغفار بعد هذه الآية، ولا لاستغفار نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ربّه جلّ جلاله من ذنوبه بعدها معنًى يعقل، إذ الاستغفار معناه: طلب العبد من ربّه عزّ وجلّ غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوبٌ تغفر لم يكن لمسألته إيّاه غفرانها معنًى، لأنّه من المحال أن يقال: اللّهمّ اغفر لي ذنبًا لم أعمله.
وقد تأوّل ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدّم من ذنبك قبل الرّسالة، وما تأخّر إلى الوقت الّذي قال: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر}.
وأمّا الفتح الّذي وعد اللّه جلّ ثناؤه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه العدة على شكره إيّاه عليه، فإنّه فيما ذكر الهدنة الّتي جرت بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومشركي قريشٍ بالحديبية.
وذكر أنّ هذه السّورة أنزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منصرفه عن الحديبية بعد الهدنة الّتي جرت بينه وبين قومه.
وبنحو الّذي قلنا في معنى قوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: قضينا لك قضاءً مبينًا.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} والفتح: القضاء.
ذكر الرّواية عمّن قال:
هذه السّورة نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الوقت الّذي ذكرت
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: الحديبية.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: نحره بالحديبية وحلقه.
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن بزيعٍ، قال: حدّثنا أبو بحرٍ، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا جامع بن شدّادٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد اللّه بن مسعودٍ، يقول: لمّا أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلاّ بالشّمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نائمٌ، قال: فقلنا أهضبوا، فاستيقظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: افعلوا كما كنتم تفعلون، فكذلك من نام أو نسي قال: وفقدنا ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فوجدناها قد تعلّق خطامها بشجرةٍ، فأتيته بها، فركب فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه اشتدّ عليه؛ فلمّا سرّي عنه أخبرنا أنّه أنزل عليه: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}.
- حدّثنا أحمد بن المقدام، قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدّث، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ، قال: لمّا رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حيل بيننا وبين نسكنا، قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، ويتمّ نعمته عليك، ويهديك صراطًا مستقيمًا} أو كما شاء اللّه، فقال نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لقد أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ من الدّنيا جميعًا.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ، في قوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرجعه من الحديبية، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فنحر الهدي بالحديبية، وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن، فقال: لقد أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ من الدّنيا جميعًا، فقرأ {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} إلى قوله: {عزيزًا} فقال أصحابه هنيئًا لك يا رسول اللّه قد بيّن اللّه لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل اللّه هذه الآية بعدها {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} إلى قوله: {وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا}.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا همّامٌ، قال: حدّثنا قتادة، عن أنسٍ، قال: أنزلت هذه الآية، فذكر نحوه.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أنسٍ بنحوه، غير أنّه قال في حديثه: فقال رجلٌ من القوم: هنيئًا لك مريئًا يا رسول اللّه، وقال أيضًا: فبيّن اللّه ماذا يفعل بنبيّه عليه الصّلاة والسّلام، وماذا يفعل بهم.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} مرجعه من الحديبية، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لقد نزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ ممّا على الأرض، ثمّ قرأها عليهم، فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبيّ اللّه، قد بيّن اللّه تعالى ذكره لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} إلى قوله: {فوزًا عظيمًا}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، وابن المثنّى، قالا: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، قال: لمّا نزلت هذه الآية {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا} قالوا: هنيئًا مريئًا لك يا رسول اللّه، فماذا لنا؟ فنزلت {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم}.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنسٍ في هذه الآية {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: الحديبية.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا يحيى بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ، قال: ما كنّا نعدّ فتح مكّة إلاّ يوم الحديبية.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يعلى بن عبيدٍ، عن عبد العزيز بن سياهٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن أبي وائلٍ، قال: تكلّم سهل بن حنيفٍ يوم صفّين، فقال: يا أيّها النّاس اتّهموا أنفسكم، لقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصّلح الّذي كان بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين المشركين، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا رسول اللّه، ألسنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟ أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدّنيّة في ديننا، ونرجع ولمّا يحكم اللّه بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطّاب، إنّي رسول اللّه، ولن يضيّعني أبدًا، قال: فرجع وهو متغيّظٌ، فلم يصبر حتّى أتى أبا بكرٍ، فقال: يا أبا بكرٍ ألسنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟ أليس قتلانا في الجنّة، وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدّنيّة في ديننا، ونرجع ولمّا يحكم اللّه بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطّاب إنّه رسول اللّه، لن يضيّعه اللّه أبدًا، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عمر، فأقرأه إيّاها، فقال: يا رسول اللّه، أوفتح هو؟ قال: نعم.
- حدّثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ، قال: ما كنّا نعدّ الفتح إلاّ يوم الحديبية.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكّة، وقد كان فتح مكّة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم الحديبية، كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمس عشرة مئةً، والحديبية: بئرٌ.
- حدّثني موسى بن سهل الرّمليّ، حدّثنا محمّد بن عيسى، قال: حدّثنا مجمّع بن يعقوب الأنصاريّ، قال: سمعت أبي يحدّث، عن عمّه عبد الرّحمن بن يزيد، عن عمّه مجمّع بن جارية الأنصاريّ، وكان أحد القرّاء الّذين قرأوا القرآن، قال: شهدنا الحديبية مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلمّا انصرفنا عنها، إذا النّاس يهزّون الأباعر، فقال بعض النّاس لبعضٍ: ما للنّاس؟ قالوا: أوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه} فقال رجلٌ: وفتحٌ هو يا رسول اللّه؟ قال: نعم، والّذي نفسي بيده إنّه لفتحٌ، قال: فقسمت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحدٌ إلاّ من شهد الحديبية، وكان الجيش ألفًا وخمس مائةٍ، فيهم ثلاث مئة فارسٍ، فقسمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ثمانية عشر سهمًا، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الرّاجل سهمًا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، قال: نزلت {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوةٍ، أصاب أن بويع بيعة الرّضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وظهرت الرّوم على فارس، وبلغ الهدي محلّه، وأطعموا نخل خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وبظهور الرّوم على فارس). [جامع البيان: 21/236-245] (م)
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا يعني نحره بالحديبية وحلقه رأسه). [تفسير مجاهد: 2/601]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا الشّيخ أبو بكر بن إسحاق، أنبأ إسماعيل بن إسحاق القاضي، والعبّاس بن الفضل الأسفاطيّ، قالا: ثنا إسماعيل بن أبي أويسٍ، حدّثني مجمّع بن يعقوب، عن أبيه، قال: سمعت مجمّع بن جارية رضي اللّه عنه، يقول: أقبلنا مع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم من الحديبية حتّى بلغ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم كراع الغميم، فإذا النّاس يرسمون نحو رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فقال بعض النّاس لبعضٍ: ما للنّاس؟ قالوا: أوحي إلى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم. فقال بعض النّاس: فحرّكنا حتّى وجدنا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم عند كراع الغميم واقفًا، فلمّا اجتمع عليه النّاس قرأ عليهم {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] فقال بعض النّاس: أو فتحٌ هو؟ قال: «والّذي نفسي بيده إنّه لفتحٌ» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرّجاه "). [المستدرك: 2/498]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو جعفرٍ محمّد بن محمّدٍ البغداديّ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا عليّ بن المدينيّ، ثنا حرميّ بن عمارة بن أبي حفصة، ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه، في قوله عزّ وجلّ: " {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] " قال: فتح خيبر {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} [الفتح: 2] فقالوا: يا رسول اللّه، هنيئًا لك فما لنا؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ: " {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 5] «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه بهذه السّياقة» ، إنّما أخرج مسلمٌ عن أبي موسى، عن محمّد بن شعبة بإسناده {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] قال: فتح خيبر. هذا فقط وقد ساق الحكم بن عبد الملك هذا الحديث على وجهٍ يذكر حنينًا وخيبر جميعًا). [المستدرك: 2/499]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) أنس بن مالك - رضي الله عنه -: {إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: 1] قال: الحديبية، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئاً مريئاً، فمالنا؟ فأنزل الله عز وجل: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 5] قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدّثت بهذا كلّه عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أمّا {إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً} فعن أنسٍ، وأما «هنيئاً مريئاً» فعن عكرمة. هذه رواية البخاري.
وأخرجه مسلم عن قتادة عن أنس قال: لما نزلت {إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً (1) ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً (2) وينصرك اللّه نصراً عزيزاً (3) هو الذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم وللّه جنود السموات والأرض وكان اللّه عليماً حكيماً (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم وكان ذلك عند اللّه فوزاً عظيماً} [الفتح: 1-5] مرجعه من الحديبية - وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أنزلت عليّ آيةٌ هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعاً».
وأخرجه الترمذي عن قتادة عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} مرجعه من الحديبية، فقال النبي: «لقد أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ ممّا على الأرض»، ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هنيئاً مريئاً، يا رسول الله، لقد بيّن الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار - حتى بلغ - فوزاً عظيماً}.
[شرح الغريب]
(الهدي): ما يهديه الحاج أو المعتمر إلى البيت الحرام من النعم لينحره بالحرم). [جامع الأصول: 2/355-357] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود، وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجمع بن جارية الأنصاري قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فقال رجل: يا رسول الله: أوفتح هو قال: والذي نفس محمد بيده إنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما). [الدر المنثور: 13/455-456]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي، وابن جرير والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي وكان إذا أتاه إشتد عليه فسري عنه وبه من السرور ما شاء الله فأخبرنا أنه أنزل عليه {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}). [الدر المنثور: 13/456-457]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري، وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه في قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال: الحديبية). [الدر المنثور: 13/457]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر والحاكم، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال: فتح خيبر). [الدر المنثور: 13/457]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري، وابن جرير، وابن مردويه عن البراء رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها تركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا). [الدر المنثور: 13/457]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول رجال من أصحابه: إن هذا ليس بفتح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الكلام هذا أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإياب وقد كرهوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين فهذا أعظم الفتح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا قال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا، فأنزل الله سورة الفتح). [الدر المنثور: 13/457-458]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في البعث في قوله {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال: نزلت في الحديبية وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب أن بويع بيعة الرضوان فتح الحديبية وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهور أهل الكتاب على المجوس). [الدر المنثور: 13/458-459]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي عن المسور ومروان في قصة الحديبية قالا: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا فلما كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح من أولها إلى آخرها فلما أمن الناس وتفاوضوا لم يكلم أحدا بالإسلام إلا دخل فيه فلقد دخل في تلك السنين في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك فكان صلح الحديبية فتحا عظيما). [الدر المنثور: 13/459]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال: إنا قضينا لك قضاء بينا نزلت عام الحديبية للنحر الذي بالحديبية وحلقه رأسه). [الدر المنثور: 13/459]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال: قضينا لك قضاء بينا). [الدر المنثور: 13/459-460]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي رضي الله عنه أن رجلا سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: أفتح هذا قال: وأنزلت عليه {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: نعم عظيم قال: وكان فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية قال: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) (الحديد 10) الآية). [الدر المنثور: 13/460]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال: فتح مكة). [الدر المنثور: 13/460]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر من طريق أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ذات يوم بغلس وكان يغلس ويسفر ويقول: ما بين هذين وقت لكيلا يختلف المؤمنون، فصلى بنا ذات يوم بغلس فلما قضى الصلاة التفت إلينا كأن وجهه ورقة مصحف فقال: أفيكم من رأى الليلة شيئا قلنا: لا يارسول الله، قال: لكني رأيت ملكين أتياني الليلة فأخذا بضبعي فانطلقا بي إلى السماء الدنيا فمررت بملك وأمامه آدمي وبيده صخرة فيضرب بهامة الآدمي فيقع دماغه جانبا وتقع الصخرة جانبا، قلت: ما هذا قالا لي: امضه، فمضيت فإذا أنا بملك وأمامه آدمي وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن قلت: ما هذا قالا: امضه، فمضيت فإذا أنا بنهر من دم يمور كمور المرجل على فيه قوم عراة على حافة النهر ملائكة بأيديهم مدرتان كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فيقع في فيه ويسيل إلى أسفل ذلك النهر قلت: ما هذا قالا: امضه، فمضيت فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة توقد من تحتهم النار أمسكت على أنفي من نتن ما أجد من ريحهم قلت: من هؤلاء قالا: امضه، فمضيت فإذا أنا بتل أسود عليه قوم مخبلون تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم قلت: ما هذا قالا: امضه، فمضيت فإذا أنا بنار مطبقة موكل بها ملك لا يخرج منها شيء إلا اتبعه حتى يعيده فيها قلت: ما هذا قالا لي: امضه، فمضيت فإذا أنا بروضة وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه وإذا حوله الولدان وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة، فصعدت ما شاء الله من تلك الشجرة وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها من زمردة جوفاء وزبر جدة خضراء وياقوته حمراء، قلت: ما هذا قالا: امضه، فمضيت فإذا أنا بنهر عليه جسران من ذهب وفضة على حافتي النهر منازل لا منازل أحسن منها من درة جوفاء وياقوته حمراء وفيه قدحان وأباريق تطرد قلت: ما هذا قالا لي: انزل فنزلت فضربت بيدي إلى إناء منها فغرفت ثم شربت فإذا أحلى من عسل وأشد بياضا من اللين وألين من الزبد، فقالا لي: أما صاحب الصخرة التي رأيت يضرب بها هامته فيقع دماغه جانبا وتقع الصخرة جانبا فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة ويصلون الصلاة لغير مواقيتها يضربون بها حتى يصيروا إلى النار.
وأمّا صاحب الكلوب الذي رأيت ملكا موكلا بيده كلوب من حديد يشق شدقه الأيمن حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم فهم يعذبون بها حتى يصيروا إلى النار.
وأمّا ملائكة بأيديهم مدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فتقع في فيه فينفتل إلى أسفل ذلك النهر فأولئك أكلة الربا يعذبون حتى يصيروا إلى النار.
وأمّا البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار أمسكت على أنفك من نتن ما وجدت من ريحهم فأولئك الزناة وذلك نتن فروجهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار.
وأمّا التل الأسود الذي رأيت عليه قوما مخبلين تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط الفاعل والمفعول به فهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار.
وأمّا النار المطبقة التي رأيت ملكا موكلا بها كلما خرج منها شيء اتبعه حتى يعيده فيها فتلك جهنم تفرق بين أهل الجنة وأهل النار.
وأمّا الروضة التي رأيت فتلك جنة المأوى.
وأمّا الشيخ الذي رأيت ومن حوله من الولدان فهو إبراهيم وهم بنوه.
وأمّا الشجرة التي رأيت فطلعت إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء فتلك منازل أهل عليين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وأمّا النهر فهو نهرك الذي أعطاك الله: الكوثر وهذه منازلك وأهل بيتك، قال: فنوديت من فوقي: يا محمد سل تعطه، فارتعدت فرائصي ورجف فؤادي واضطرب كل عضو مني ولم أستطع أن أجيب شيئا، فأخذ أحد الملكين بيده اليمنى فوضعها في يدي وأخذ والآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي فسكن ذلك مني ثم نوديت من فوقي: يا محمد سل تعط، قال: قلت: اللهم إني أسألك أن تثبت شفاعتي وأن تلحق بي أهل بيتي وأن ألقاك ولا ذنب لي، قال: ثم ولي بي، ونزلت عليه هذه الآية {إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكما أعطيت هذه كذلك أعطانيها إن شاء الله تعالى). [الدر المنثور: 13/460-464]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج السلفي في الطيوريات من طريق يزيد بن هارون رضي الله عنه قال: سمعت المسعودي رضي الله عنه يقول: بلغني أن من قرأ أول ليلة من رمضان {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} في التطوع حفظ ذلك العام). [الدر المنثور: 13/464]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن مجمع بن جارية رضي الله عنه قال: لما كنا بضجنان رأيت الناس يركضون وإذا هم يقولون: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فركضت مع الناس حتى توافينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقرأ {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فلما نزل بها جبريل عليه السلام قال: ليهنك يا رسول الله فلما هنأه جبريل عليه السلام هنأه المسلمون). [الدر المنثور: 13/465] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآية اجتهد في العبادة فقيل: يا رسول الله ما هذا الاجتهاد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/465] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما نزلت {إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} صام وصلى حتى انتفخت قدماه وتعبد حتى صار كالشن البالي فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/465-466] (م)

تفسير قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني سعد بن عبد الله المعافري، عن أبي معشر القرظي قال: كنت إذا سمعت شيئا من أصحاب النبي عليه السلام التمسته في القرآن فوجدته؛ قال الله لنبيه: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً (1) ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك}، فعرفت أن الله لم يتم عليه النعمة حتى غفر له؛ قال: ثم قرأت الآية التي في سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}، حتى بلغ: {وليتم نعمته عليكم}، فعرفت أن الله لم يتم النعمة عليهم حتى غفر لهم). [الجامع في علوم القرآن: 1/45-46]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني ابن لهيعة عن غير واحدٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوماً: قد أنزلت آيةٌ عظيمةٌ، فقالوا: وكيف، يا رسول الله، فقال: ما كنت بدعا من الرسل وما كنت أدري ما يفعل بي ولا بكم؛ فبكوا وقالوا: لا تدري، فقال: لا، والله؛ فأنزل الله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}، حتى بلغ: {ويهديك صراطا مستقيما}؛ قالوا: قد بين الله لك، يا رسول الله، فكيف بنا، فبكوا بكاء شديدا، فقال: إن لكم ربا رحيما، فأتمها الله رحمةً منه: {وهو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}، حتى بلغ: {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما}، فكبروا الله وحمدوه). [الجامع في علوم القرآن: 3/35] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال نزلت على النبي لغير ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية فقال النبي لقد نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض ثم قرأها عليهم النبي فقالوا هنيئا مريئا قد بين الله لك ماذا يفعل بك فما يفعل بنا فنزلت عليه ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار حتى فوزا عظيما). [تفسير عبد الرزاق: 2/225]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا} [الفتح: 2]
- حدّثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، حدّثنا زيادٌ هو ابن علاقة، أنّه سمع المغيرة، يقول: قام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى تورّمت قدماه، فقيل له: غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»
- حدّثنا الحسن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد اللّه بن يحيى، أخبرنا حيوة، عن أبي الأسود، سمع عروة، عن عائشة رضي اللّه عنها: أنّ نبيّ اللّه صلّى الله عليه وسلّم كان يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول اللّه، وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أحبّ أن أكون عبدًا شكورًا فلمّا كثر لحمه صلّى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثمّ ركع»). [صحيح البخاري: 6/135]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (الحديث الرّابع حديث المغيرة بن شعبة قام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى تورّمت قدماه)
وقد تقدّم شرحه في صلاة اللّيل من كتاب الصّلاة
- الحديث الخامس حديث عائشة في ذلك قوله أنبأنا حيوة هو بن شريحٍ المصريّ وأبو الأسود هو محمّد بن عبد الرّحمن النّوفليّ المعروف بيتيم عروة ونصف هذا الإسناد مصريّون ونصفه مدنيّون وقد تقدّم شرحه في صلاة اللّيل قوله فلمّا كثر لحمه أنكره الدّاوديّ وقال المحفوظ فلمّا بدّن أي كبر فكأنّ الرّاوي تأوّله على كثرة اللّحم انتهى وتعقّبه أيضًا بن الجوزيّ فقال لم يصفه أحدٌ بالسّمن أصلًا ولقد مات صلّى اللّه عليه وسلّم وما شبع من خبز الشّعير في يومٍ مرّتين وأحسب بعض الرّواة لمّا رأى بدّن ظنّه كثر لحمه وليس كذلك وإنّما هو بدّن تبدينا أي أسنّ قاله أبو عبيدة قلت وهو خلاف الظّاهر وفي استدلاله بأنّه لم يشبع من خبز الشّعير نظرٌ فإنّه يكون من جملة المعجزات كما في كثرة الجماع وطوافه في اللّيلة الواحدة على تسعٍ وإحدى عشرة مع عدم الشّبع وضيق العيش وأيّ فرقٍ بين تكثير المنيّ مع الجوع وبين وجود كثرة اللّحم في البدن مع قلّة الأكل وقد أخرج مسلمٌ من طريق عبد اللّه بن عروة عن عائشة قالت لمّا بدّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وثقل كان أكثر صلاته جالسًا لكن يمكن تأويل قوله ثقل أي ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلًا لدخوله في السّنّ قوله صلّى جالسًا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثمّ ركع في رواية هشام بن عروة عن أبيه قام فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين آيةً ثمّ ركع أخرجاه وقد تقدّم في آخر أبواب تقصير الصّلاة وأخرجا من طريق أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن عائشة بلفظ فإذا بقي من قراءته نحوٌ من ثلاثين أو أربعين آيةً قام فقرأها وهو قائمٌ ثمّ ركع ولمسلمٍ من طريق عمرة عن عائشة فإذا أراد أن يركع قام فقرأ قدر ما يقرأ إنسانٌ أربعين آيةً وقد روى مسلمٍ من طريق عبد اللّه بن شقيقٍ عن عائشة في صفة تطوّعه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه وكان إذا قرأ وهو قائمٌ ركع وسجد وهو قائمٌ وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعدٌ وهذا محمولٌ على حالته الأولى قبل أن يدخل في السّنّ جمعًا بين الحديثين وقد تقدّم بيان ذلك والبحث فيه في صلاة اللّيل وكثيرٌ من فوائده أيضًا في آخر أبواب تقصير الصّلاة). [فتح الباري: 8/584-585]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما} (الفتح: 2)
ليست هذه الآية بمذكورة في أكثر النّسخ. قوله: (ليغفر لك الله) ، اللّام فيه لام القسم، لما حذفت النّون من فعله كسرت اللّام ونصب فعلها تشبيها بلام كي، وعن الحسن بن الفضل: هو مردود إلى قوله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ليغفر لك الله، وقال ابن جرير: هو راجع إلى قوله: {إذا جاء نصر الله} (النّصر: 1) الآية {ليغفر لك الله ما تقدم} (الفتح: 2) الآية من قبل الرسالة إلى وقت نزول هذه السّورة، وعن عطاء الخراساني: ما تقدم من ذنب أبويك آدم وحواء، عليهما السّلام، وما تأخّر من ذنوب أمتك، وقيل: ما وقع وما يقع مغفور على طريق الوعد، وقيل: المغفرة سبب للفتح، أي: لمغفرتنا لك فتحنا لك. قوله: (ويتم نعمته عليك) ، أي: بالنّبوّة والحكمة. قوله: (ويهديك) ، أي: يثبتك. وقيل: يهدي بك.
- حدّثنا الحسن بن عبد العزيز حدّثنا عبد الله بن يحيى أخبرنا حيوة عن أبي الأسود سمع عروة عن عائشة رضي الله عنها أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من اللّيل حتّى تفطّرت قدماه فقالت عائشة لم تصنع هاذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر قال أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا فلمّا كثر لحمه صلّى جالسا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثمّ ركع.
الحسن بن عبد العزيز أبو عليّ الجذامي، مات بالعراق سنة تسع وخمسين ومائتين، وعبد الله بن يحيى المعافري، وحيوة بن شريح المصريّ، وأبو الأسود محمّد بن عبد الرّحمن النّوفلي المعروف بيتيم عروة بن الزبير.
والحديث مضى في كتاب الصّلاة في صلاة اللّيل، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: (تفطرت) ، أي: انشقت، ويروى: تفطر. قوله: (فلمّا كثر لحمه) ، بضم الثّاء المثلّثة من الكثرة، وأنكر الدّاوديّ هذه اللّفظة والحديث، فلمّا بدن أي: كبر، بالباء الموحدة فكأن الرّاوي تأوّله على كثرة اللّحم، وقال ابن الجوزيّ: لم يصفه أحد بالسمن، ولقد مات وما شبع من خبز الخمير في يوم مرّتين، وأحسب بعض الرواة لما رأى بدن ظن كثر لحمه وليس كذلك، وإنّما هو بدن تبدينا. أي: أسن قاله أبو عبيد). [عمدة القاري: 19/176-177]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا}
هذا (باب) بالتنوين (قوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}) [الفتح: 2] أي جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه واللام في ليغفر متعلق بفتحنا وهي لام العلة. وقال الزمخشري فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز كأنه قال يسرّنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوّك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدوّ سببًا للمغفرة والثواب. اهـ.
قال السمين: وهذا الذي قاله مخالف لظاهر الآية فإن اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلل بها فكان ينبغي أن يقول كيف جعل فتح مكة معللًا بالمغفرة ثم يقول لم يجعل معللًا. وقال ابن عطية: أي إن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك فكأنها لام الصيرورة وهو كلام ماشٍ على الظاهر ({ويتم نعمته عليك}) بإعلاء الدين وإخلاء الأرض من معانديك ({ويهديك صراطًا مستقيمًا}) بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم وسقط لأبي ذر قوله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الخ وقال بعد {ليغفر لك الله} الآية.
- حدّثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، حدّثنا زيادٌ أنّه سمع المغيرة يقول: قام النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- حتّى تورّمت قدماه، فقيل له غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان قال: (حدّثنا زياد) زاد أبو ذر هو ابن علاقة بكسر العين المهملة وفتح اللام المخففة وبالقاف (أنه سمع المغيرة) هو ابن شعبة (يقول قام النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) في صلاة الليل (حتى تورمت قدماه) بتشديد الراء من طول القيام (فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال):
(أفلا) الفاء مسبب عن محذوف أي أأترك قيامي وتهجدي لما غفر لي فلا (أكون عبدًا شكورًا) يعني غفران الله إياي سبب لأن أقوم وأتهجد شكرًا له فكيف أتركه.
وهذا الحديث سبق في صلاة الليل.
- حدّثنا الحسن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد اللّه بن يحيى، أخبرنا حيوة عن أبي الأسود سمع عروة عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ نبيّ اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- كان يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول اللّه وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أحبّ أن أكون عبدًا شكورًا». فلمّا كثر لحمه صلّى جالسًا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثمّ ركع.
وبه قال: (حدّثنا الحسن) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد حسن (بن عبد العزيز) ابن الوزير الجذامي قال: (حدّثنا عبد الله بن يحيى) المعافري قال: (أخبرنا حيوة) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة ابن شريح المصري (عن أبي الأسود) محمد بن عبد الرحمن النوفلي يتيم عروة أنه (سمع عروة) بن الزبير (عن عائشة -رضي الله عنها- أن نبي الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- كان يقوم من الليل) أي يتهجد (حتى تتفطر) تتشقق (قدماه) من كثرة القيام (فقالت) له (عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وقد غفر لك بضم الغين مبنيًّا للمفعول (ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال):
(أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا) تخصيص العبد بالذكر فيه إشعار بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى والعبودية ليست إلا بالعبادة والعبادة عين الشكر (فلما أكثر لحمه) بضم المثلثة وأنكر الداودي لفظة لحمه وقال المحفوظ بدن أي كبر فكأن الراوي تأوّله على كثرة اللحم. اهـ.
وقال ابن الجوزي: أحسب بعض الرواة لما رأى بدن ظنه كثر لحمه وإنما هو بدّن تبدينًا أسن. اهـ.
وهو خلاف الظاهر وفي حديث مسلم عنها قالت لما بدن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وثقل، لكن يحتمل أن يكون معنى قوله ثقل أي ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلًا لدخوله في السن (صلى جالسًا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ) زاد في رواية هشام بن عروة عن أبيه وعند المؤلّف في آخر أبواب التقصير نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية (ثم ركع).
فإن قلت: في حديث عائشة من طريق عبد الله بن شقيق عند مسلم كان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد. أجيب: بالحمل على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن جميعًا بين الحديثين). [إرشاد الساري: 7/346-347]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر}
- أخبرنا عليّ بن حجرٍ، حدّثنا إسماعيل، حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن، أنّ أبا يونس، مولى عائشة أخبره، عن عائشة، أنّ رجلًا، جاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستفتيه وهي تسمع من وراء الحجاب، فقال: يا رسول الله، تدركني الصّلاة وأنا جنبٌ فأصوم؟، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وأنا تدركني الصّلاة وأنا جنبٌ فأصوم»، قال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، قال: «والله لأرجو أن أكون أخشاكم للّه، وأعلمكم بما أتّقي»
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا أبو عوانة، عن زياد بن علاقة، عن مغيرة بن شعبة، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلّى حتّى انتفخت قدماه، فقيل: أتتكلّف هذا، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/261]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مّستقيمًا (2) وينصرك اللّه نصرًا عزيزًا}.
يعني بقوله تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} يقول: إنّا حكمنا لك يا محمّد حكمًا يبيّن لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفّار قومك، وقضينا لك عليهم بالنّصر والظّفر، لتشكر ربّك، وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم، وفتحه ما فتح لك، ولتسبّحه وتستغفره، فيغفر لك بفعالك ذلك ربّك، ما تقدّم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخّر بعد فتحه لك ذلك ما شكرته واستغفرته.
وإنّما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول اللّه عزّ وجلّ {إذا جاء نصر اللّه والفتح (1) ورأيت النّاس يدخلون في دين اللّه أفواجًا (2) فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّابًا} على صحّته، إذ أمره تعالى ذكره أن يسبّح بحمد ربّه إذا جاءه نصر اللّه وفتح مكّة، وأن يستغفره، وأعلمه أنّه توّابٌ على من فعل ذلك، ففي ذلك بيانٌ واضحٌ أنّ قوله تعالى ذكره: {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} إنّما هو خبرٌ من اللّه جلّ ثناؤه نبيّه عليه الصّلاة والسّلام عن جزائه له على شكره له، على النّعمة الّتي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح، لأنّ جزاء اللّه تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها.
وبعد ففي صحّة الخبر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه كان يقوم حتّى ترم قدماه، فقيل له: يا رسول اللّه تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا؟)، الدّلالة الواضحة على أنّ الّذي قلنا من ذلك هو الصّحيح من القول، وأنّ اللّه تبارك وتعالى، إنّما وعد نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم غفران ذنوبه المتقدّمة فتح ما فتح عليه، وبعده على شكره له، على نعمه الّتي أنعمها عليه.
وكذلك كان يقول صلّى اللّه عليه وسلّم: (إنّي لأستغفر اللّه وأتوب إليه في كلّ يومٍ مئة مرّةٍ) ولو كان القول في ذلك أنّه من خبر اللّه تعالى نبيّه أنّه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر على الوجه الّذي ذكرنا، لم يكن لأمره إيّاه بالاستغفار بعد هذه الآية، ولا لاستغفار نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ربّه جلّ جلاله من ذنوبه بعدها معنًى يعقل، إذ الاستغفار معناه: طلب العبد من ربّه عزّ وجلّ غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوبٌ تغفر لم يكن لمسألته إيّاه غفرانها معنًى، لأنّه من المحال أن يقال: اللّهمّ اغفر لي ذنبًا لم أعمله.
وقد تأوّل ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدّم من ذنبك قبل الرّسالة، وما تأخّر إلى الوقت الّذي قال: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر}.
وأمّا الفتح الّذي وعد اللّه جلّ ثناؤه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه العدة على شكره إيّاه عليه، فإنّه فيما ذكر الهدنة الّتي جرت بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومشركي قريشٍ بالحديبية.
وذكر أنّ هذه السّورة أنزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منصرفه عن الحديبية بعد الهدنة الّتي جرت بينه وبين قومه.
وبنحو الّذي قلنا في معنى قوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: قضينا لك قضاءً مبينًا.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} والفتح: القضاء.
ذكر الرّواية عمّن قال:
هذه السّورة نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الوقت الّذي ذكرت
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: الحديبية.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: نحره بالحديبية وحلقه.
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن بزيعٍ، قال: حدّثنا أبو بحرٍ، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا جامع بن شدّادٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد اللّه بن مسعودٍ، يقول: لمّا أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلاّ بالشّمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نائمٌ، قال: فقلنا أهضبوا، فاستيقظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: افعلوا كما كنتم تفعلون، فكذلك من نام أو نسي قال: وفقدنا ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فوجدناها قد تعلّق خطامها بشجرةٍ، فأتيته بها، فركب فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه اشتدّ عليه؛ فلمّا سرّي عنه أخبرنا أنّه أنزل عليه: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}.
- حدّثنا أحمد بن المقدام، قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدّث، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ، قال: لمّا رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حيل بيننا وبين نسكنا، قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، ويتمّ نعمته عليك، ويهديك صراطًا مستقيمًا} أو كما شاء اللّه، فقال نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لقد أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ من الدّنيا جميعًا.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ، في قوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرجعه من الحديبية، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فنحر الهدي بالحديبية، وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن، فقال: لقد أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ من الدّنيا جميعًا، فقرأ {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} إلى قوله: {عزيزًا} فقال أصحابه هنيئًا لك يا رسول اللّه قد بيّن اللّه لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل اللّه هذه الآية بعدها {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} إلى قوله: {وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا}.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا همّامٌ، قال: حدّثنا قتادة، عن أنسٍ، قال: أنزلت هذه الآية، فذكر نحوه.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أنسٍ بنحوه، غير أنّه قال في حديثه: فقال رجلٌ من القوم: هنيئًا لك مريئًا يا رسول اللّه، وقال أيضًا: فبيّن اللّه ماذا يفعل بنبيّه عليه الصّلاة والسّلام، وماذا يفعل بهم.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} مرجعه من الحديبية، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لقد نزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ ممّا على الأرض، ثمّ قرأها عليهم، فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبيّ اللّه، قد بيّن اللّه تعالى ذكره لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} إلى قوله: {فوزًا عظيمًا}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، وابن المثنّى، قالا: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، قال: لمّا نزلت هذه الآية {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا} قالوا: هنيئًا مريئًا لك يا رسول اللّه، فماذا لنا؟ فنزلت {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم}.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنسٍ في هذه الآية {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} قال: الحديبية.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا يحيى بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ، قال: ما كنّا نعدّ فتح مكّة إلاّ يوم الحديبية.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يعلى بن عبيدٍ، عن عبد العزيز بن سياهٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن أبي وائلٍ، قال: تكلّم سهل بن حنيفٍ يوم صفّين، فقال: يا أيّها النّاس اتّهموا أنفسكم، لقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصّلح الّذي كان بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين المشركين، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا رسول اللّه، ألسنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟ أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدّنيّة في ديننا، ونرجع ولمّا يحكم اللّه بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطّاب، إنّي رسول اللّه، ولن يضيّعني أبدًا، قال: فرجع وهو متغيّظٌ، فلم يصبر حتّى أتى أبا بكرٍ، فقال: يا أبا بكرٍ ألسنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟ أليس قتلانا في الجنّة، وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدّنيّة في ديننا، ونرجع ولمّا يحكم اللّه بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطّاب إنّه رسول اللّه، لن يضيّعه اللّه أبدًا، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عمر، فأقرأه إيّاها، فقال: يا رسول اللّه، أوفتح هو؟ قال: نعم.
- حدّثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ، قال: ما كنّا نعدّ الفتح إلاّ يوم الحديبية.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكّة، وقد كان فتح مكّة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم الحديبية، كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمس عشرة مئةً، والحديبية: بئرٌ.
- حدّثني موسى بن سهل الرّمليّ، حدّثنا محمّد بن عيسى، قال: حدّثنا مجمّع بن يعقوب الأنصاريّ، قال: سمعت أبي يحدّث، عن عمّه عبد الرّحمن بن يزيد، عن عمّه مجمّع بن جارية الأنصاريّ، وكان أحد القرّاء الّذين قرأوا القرآن، قال: شهدنا الحديبية مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلمّا انصرفنا عنها، إذا النّاس يهزّون الأباعر، فقال بعض النّاس لبعضٍ: ما للنّاس؟ قالوا: أوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه} فقال رجلٌ: وفتحٌ هو يا رسول اللّه؟ قال: نعم، والّذي نفسي بيده إنّه لفتحٌ، قال: فقسمت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحدٌ إلاّ من شهد الحديبية، وكان الجيش ألفًا وخمس مائةٍ، فيهم ثلاث مئة فارسٍ، فقسمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ثمانية عشر سهمًا، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الرّاجل سهمًا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، قال: نزلت {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوةٍ، أصاب أن بويع بيعة الرّضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وظهرت الرّوم على فارس، وبلغ الهدي محلّه، وأطعموا نخل خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وبظهور الرّوم على فارس.
وقوله تعالى: {ويتمّ نعمته عليك} بإظهاره إيّاك على عدوّك، ورفعه ذكرك في الدّنيا، وغفرانه ذنوبك في الآخرة {ويهديك صراطًا مّستقيمًا}.
يقول: ويرشدك طريقًا من الدّين لا اعوجاج فيه يستقيم بك إلى رضا ربّك). [جامع البيان: 21/236-245]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا يحيى بن محمّدٍ العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ يزيد بن أبي حكيمٍ، ثنا الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة، يقول: قال ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما: " إنّ اللّه فضّل محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم على أهل السّماء، وفضّله على أهل الأرض. قالوا: يا ابن عبّاسٍ فبما فضّله اللّه على أهل السّماء، قال: قال اللّه عزّ وجلّ {ومن يقل منهم إنّي إلهٌ من دونه فذلك نجزيه جهنّم كذلك نجزي الظّالمين} [الأنبياء: 29] وقال لمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} [الفتح: 2] الآية. قالوا: فبما فضّله اللّه على أهل الأرض؟ قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: {وما أرسلنا من رسولٍ إلّا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] الآية وقال لمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم {وما أرسلناك إلّا كافّةً للنّاس بشيرًا ونذيرًا} [سبأ: 28] فأرسله إلى الجنّ والإنس «هذا حديثٌ صحيح الإسناد» فإنّ الحكم بن أبان قد احتجّ به جماعةٌ من أئمّة الإسلام ولم يخرّجه الشّيخان "). [المستدرك: 2/381] (م)
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) أنس بن مالك - رضي الله عنه -: {إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: 1] قال: الحديبية، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئاً مريئاً، فمالنا؟ فأنزل الله عز وجل: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 5] قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدّثت بهذا كلّه عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أمّا {إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً} فعن أنسٍ، وأما «هنيئاً مريئاً» فعن عكرمة. هذه رواية البخاري.
وأخرجه مسلم عن قتادة عن أنس قال: لما نزلت {إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً (1) ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً (2) وينصرك اللّه نصراً عزيزاً (3) هو الذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم وللّه جنود السموات والأرض وكان اللّه عليماً حكيماً (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم وكان ذلك عند اللّه فوزاً عظيماً} [الفتح: 1-5] مرجعه من الحديبية - وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أنزلت عليّ آيةٌ هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعاً».
وأخرجه الترمذي عن قتادة عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} مرجعه من الحديبية، فقال النبي: «لقد أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ ممّا على الأرض»، ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هنيئاً مريئاً، يا رسول الله، لقد بيّن الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار - حتى بلغ - فوزاً عظيماً}.
[شرح الغريب]
(الهدي): ما يهديه الحاج أو المعتمر إلى البيت الحرام من النعم لينحره بالحرم). [جامع الأصول: 2/355-357]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (أخبرنا الحسن بن سفيان حدّثنا محمود بن غيلان حدّثنا عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة عن أنس بن مالكٍ قال نزلت على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم {ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} مرجعه من الحديبية قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ ممّا على ظهر الأرض" فقرأها عليهم فقالوا هنيئًا مريئا يا نبيّ اللّه قد بيّن اللّه لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} حتّى {فوزاً عظيماً} ). [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: 1/436]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم} الآية
وأخرج ابن المنذر عن عامر وأبي جعفر رضي الله عنه في قوله {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} قال: في الجاهلية {وما تأخر} قال: في الإسلام). [الدر المنثور: 13/464]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن سفيان رضي الله عنه قال: بلغنا في قوله الله {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قال: ما تقدم ما كان في الجاهلية وما تأخر: ما كان في الإسلام ما لم يفعله بعد). [الدر المنثور: 13/464-465]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن مجمع بن جارية رضي الله عنه قال: لما كنا بضجنان رأيت الناس يركضون وإذا هم يقولون: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فركضت مع الناس حتى توافينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقرأ {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فلما نزل بها جبريل عليه السلام قال: ليهنك يا رسول الله فلما هنأه جبريل عليه السلام هنأه المسلمون). [الدر المنثور: 13/465]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآية إجتهد في العبادة فقيل: يا رسول الله ما هذا الإجتهاد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/465]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما نزلت {إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} صام وصلى حتى انتفخت قدماه وتعبد حتى صار كالشن البالي فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/465-466]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم تأخذه العبادة حتى يخرج على الناس كالشن البالي فقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/466]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تفطر قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/466]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو يعلى، وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قام يصلي حتى تورمت قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/466-467]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي حتى ترم قدماه). [الدر المنثور: 13/467]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/467]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الحسن بن سفيان، وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه قلت يا رسول الله: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبادا شكورا). [الدر المنثور: 13/467]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط الشجعي رضي الله عنه قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل له يا رسول الله: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبادا شكورا). [الدر المنثور: 13/467]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عدي، وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: تعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار كالشن البالي فقالوا: يا رسول الله ما يحملك على هذا الاجتهاد كله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/467-468]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل أربع ركعات ثم يتروح فطال حتى رحمته فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا). [الدر المنثور: 13/468]

تفسير قوله تعالى: (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : ( {وينصرك اللّه نصرًا عزيزًا} يقول: وينصرك على سائر أعدائك، ومن ناوأك نصرًا لا يغلبه غالبٌ، ولا يدفعه دافعٌ، للبأس الّذي يؤيّدك اللّه به، وبالظّفر الّذي يمدّك به). [جامع البيان: 21/245]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {وينصرك الله نصرا عزيزا}
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: {وينصرك الله نصرا عزيزا} قال: يريد بذلك فتح مكة وخيبر والطائف). [الدر المنثور: 13/468]

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني ابن لهيعة عن غير واحدٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوماً: قد أنزلت آيةٌ عظيمةٌ، فقالوا: وكيف، يا رسول الله، فقال: ما كنت بدعا من الرسل وما كنت أدري ما يفعل بي ولا بكم؛ فبكوا وقالوا: لا تدري، فقال: لا، والله؛ فأنزل الله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}، حتى بلغ: {ويهديك صراطا مستقيما}؛ قالوا: قد بين الله لك، يا رسول الله، فكيف بنا، فبكوا بكاء شديدا، فقال: إن لكم ربا رحيما، فأتمها الله رحمةً منه: {وهو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}، حتى بلغ: {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما}، فكبروا الله وحمدوه). [الجامع في علوم القرآن: 3/35] (م)
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين} [الفتح: 4]
- حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي اللّه عنه، قال: بينما رجلٌ من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأ وفرسٌ له مربوطٌ في الدّار، فجعل ينفر، فخرج الرّجل فنظر فلم ير شيئًا، وجعل ينفر، فلمّا أصبح ذكر ذلك للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «السّكينة تنزّلت بالقرآن»). [صحيح البخاري: 6/136]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب هو الّذي أنزل السكينة)
ذكر فيه حديث البراء في نزول السكينة وسيأتي بتمامه في فضائل القرآن مع شرحه إن شاء الله تعالى). [فتح الباري: 8/587]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين} (الفتح: 4)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {هو الّذي أنزل السكينة} أي: الرّحمة والطمأنينة، وعن ابن عبّاس، رضي الله تعالى عنهما، كل سكينة في القرآن فهي الطّمأنينة إلاّ الّتي في البقرة.
- حدّثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال بينما رجلٌ من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ وفرسٌ له مربوطٌ في الدّار فجعل ينفر فخرج الرّجل فنظر فلم ير شيئا وجعل ينفر فلمّا أصبح ذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال تلك السّكينة تنزّلت بالقرآن.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله، وإسرائيل هذا يروي عن جده أبي إسحاق عن البراء بن عازب، رضي الله تعالى عنه.
قوله: (رجل) ، هو أسيد بن حضير كما جاء في رواية أخرى. وكان الّذي يقرأ سورة الكهف وفيه فنزلت الملائكة عليه بأمثال المصابيح وعند البخاريّ معلّقا من حديث أبي سعيد، وهو مسند عند النّسائيّ أن أسيدا بينما هو يقرأ من اللّيل سورة البقرة إذ جالت الفرس فسكنت ثلاث مرّات فرفع رأسه إلى السّماء فإذا مثل الظلمة فيها أمثال المصابيح، فحدث النّبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وما تدري ما ذاك؟ تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر النّاس إليها انتهى وزعم بعض العلماء أنّهما واقعتان أو يحتمل أنه قرأ كلتيهما هذا إذا قلنا بتساوي الرّوايتين، وأما إذا رجحنا المتّصل على المعلق فلا يحتاج إلى جمع أو أن الرّاوي ذكر المهم وهو نزول الملائكة وهي السكينة). [عمدة القاري: 19/178]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين}
قوله: (تلك) أي: التي نفرت منها الفرس، وقوله: السكينة. وقيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، وقيل: ملك يسكن قلب المؤمن، والمختار، كما نقله النووي: أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة). [حاشية السندي على البخاري: 3/70]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين}
- أخبرنا هلال بن العلاء، حدّثنا حسين بن عيّاشٍ، حدّثنا زهيرٌ، حدّثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازبٍ، قال: كان رجلٌ يقرأ في داره سورة الكهف، وإلى جانبه حصانٌ مربوطٌ حتّى تغشّته سحابةٌ، فجعلت تدنو وتدنو حتّى جعل الفرس يفرّ منها، قال الرّجل: فعجبت لذلك، فلمّا أصبح أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فذكر له وقصّ عليه، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تلك السّكينة تنزّلت للقرآن»
- أخبرنا أحمد بن سليمان، حدّثنا يعلى بن عبيدٍ، حدّثنا عبد العزيز بن سياهٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: أتيت أبا وائلٍ أسأله عن هؤلاء القوم الّذين قتلهم عليٌّ بالنّهروان، فيم استجابوا له، وفيم فارقوه، وفيم استحلّ قتلهم، فقال: كنّا بصفّين، فلمّا استحرّ القتل بأهل الشّام، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى عليٍّ المصحف، فادعه إلى كتاب الله، فإنّه لن يأبى عليك، فجاء به رجلٌ، فقال: بيننا وبينكم كتاب الله {ألم تر إلى الّذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثمّ يتولّى فريقٌ منهم وهم معرضون} [آل عمران: 23]، فقال عليٌّ عليه السّلام: أنا أولى بذلك، بيننا كتاب الله، فجاءته الخوارج، ونحن ندعوهم يومئذٍ القرّاء، وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ننتظر بهؤلاء القوم الّذين على التّلّ، ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتّى يحكم الله بيننا وبينهم؟، فتكلّم سهل بن حنيفٍ، فقال: يا أيّها النّاس، اتّهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصّلح الّذي كان بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين المشركين - ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟، أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟، قال: «بلى»، قال: ففيم نعطي الدّنيّة في ديننا، ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟، قال: «يا ابن الخطّاب، إنّي رسول الله، ولن يضيّعني أبدًا»، قال: فرجع وهو متغيّظٌ، فلم يصبر حتّى أتى أبا بكرٍ رحمه الله، فقال: ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟، أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟، قال: بلى، قال: فلم نعطي الدّنيّة ونرجع, ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟، قال: يا ابن الخطّاب، إنّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولن يضيّعه الله أبدًا، فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عمر رضي الله عنه، فأقرأها إيّاه، قال: يا رسول الله، وفتحٌ هو؟, قال: «نعم»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/262-263]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مّع إيمانهم وللّه جنود السّموات والأرض وكان اللّه عليمًا حكيمًا}.
يعني جلّ ذكره بقوله {هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين} اللّه الّذي أنزل السّكون والطّمأنينة في قلوب المؤمنين باللّه ورسوله إلى الإيمان، والحقّ الّذي بعثك اللّه به يا محمّد.
وقد مضى ذكر اختلاف أهل التّأويل في معنى السّكينة قبل، والصّحيح من القول في ذلك بالشّواهد المغنية، عن إعادتها في هذا الموضع.
{ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم} يقول: ليزدادوا بتصديقهم بما جدّد اللّه من الفرائض الّتي ألزمهموها، الّتي لم تكن لهم لازمةٌ {إيمانًا مع إيمانهم} يقول: ليزدادوا إلى إيمانهم بالفرائض الّتي كانت لهم لازمةٌ قبل ذلك.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عليٌّ، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين} قال: السّكينة: الرّحمة {ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم} قال: إنّ اللّه جلّ ثناؤه بعث نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه، فلمّا صدّقوا بها زادهم الصّلاة، فلمّا صدّقوا بها زادهم الصّيام، فلمّا صدّقوا به زادهم الزّكاة، فلمّا صدّقوا بها زادهم الحجّ، ثمّ أكمل لهم دينهم، فقال {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} قال ابن عبّاسٍ: فأوثق إيمان أهل الأرض وأهل السّماوات وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلاّ اللّه.
وقوله: {وللّه جنود السّموات والأرض} يقول تعالى ذكره: وللّه جنود السّماوات والأرض، أنصارٌ ينتقم بهم ممّن يشاء من أعدائه {وكان اللّه عليمًا حكيمًا} يقول تعالى ذكره: ولم يزل اللّه ذا علمٍ بما هو كائنٌ قبل كونه، وما خلقه عاملوه، حكيمًا في تدبيره). [جامع البيان: 21/245-246]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله أنزل السكينة قال السكينة من الله عز وجل كهيئة الريح لها رأس مثل رأس الهرة وجناحان). [تفسير مجاهد: 2/601]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو بكرٍ الشّافعيّ، ثنا إسحاق بن الحسن، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيلٍ، عن أبي الأحوص، عن عليٍّ رضي اللّه عنه: {هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين} [الفتح: 4] قال: «السّكينة لها وجهٌ كوجه الإنسان، ثمّ هي بعد ريحٌ هفّافةٌ» هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرّجاه "). [المستدرك: 2/499]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم} [الفتح: 4]
- عن ابن عبّاسٍ في قوله {ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم} [الفتح: 4] قال: إنّ اللّه بعث نبيّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بشهادة أن لا إله إلّا اللّه، فلمّا صدّقوا زادهم الحجّ، فلمّا صدّقوا زادهم الجهاد، ثمّ أكمل لهم دينهم فقال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} [المائدة: 3] قال ابن عبّاسٍ: فأوثق إيمان أهل السّماوات و [أهل] الأرض [وأصدقه وأكمله] شهادة أن لا إله إلّا اللّه.
رواه الطّبرانيّ، وفيه عبد اللّه بن صالحٍ، قيل فيه: ثقةٌ مأمونٌ وقد ضعّف). [مجمع الزوائد: 7/107]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 4.
أخرج ابن جرير، وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} قال: السكينة هي الرحمة في قوله {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} قال: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة فلما صدقوا بها زادهم الزكاة فلما صدقوا بها زادهم الصيام فلما صدقوا به زادهم الحج فلما صدقوا به زادهم الجهاد ثم أكمل لهم دينهم فقال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة الآية 3) قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله). [الدر المنثور: 13/468-469]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} قال: تصديقا مع تصديقهم). [الدر المنثور: 13/469]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 5 – 7
أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي، وابن جرير، وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه قال: أنزلت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} مرجعه من الحديبية فقال: لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي مما على الأرض ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئا مريئا يا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} حتى بلغ {فوزا عظيما}). [الدر المنثور: 13/469]

تفسير قوله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني ابن لهيعة عن غير واحدٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوماً: قد أنزلت آيةٌ عظيمةٌ، فقالوا: وكيف، يا رسول الله، فقال: ما كنت بدعا من الرسل وما كنت أدري ما يفعل بي ولا بكم؛ فبكوا وقالوا: لا تدري، فقال: لا، والله؛ فأنزل الله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}، حتى بلغ: {ويهديك صراطا مستقيما}؛ قالوا: قد بين الله لك، يا رسول الله، فكيف بنا، فبكوا بكاء شديدا، فقال: إن لكم ربا رحيما، فأتمها الله رحمةً منه: {وهو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}، حتى بلغ: {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما}، فكبروا الله وحمدوه). [الجامع في علوم القرآن: 3/35] (م)
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال في حم الأحقاف: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتّبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ فنسختها الآية التي في سورة الفتح فقال: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيماً}؛
فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزلت عليه هذه الآية فبشرهم بأن الله قد غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر؛ فقال له رجلٌ من القوم: يا رسول الله، قد علمنا ما يفعل الله بك، فما يفعل بنا، يا رسول الله؛ فأنزل الله في سورة الأحزاب: {وبشّر المؤمنين بأنّ لهم من اللّه فضلاً كبيراً}؛ وأنزل {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا ويعذّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات}، {ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات وكان اللّه غفوراً رحيماً}؛ فبين لهم ما يفعل به وبهم). [الجامع في علوم القرآن: 3/80-81] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال نزلت على النبي لغير ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية فقال النبي لقد نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض ثم قرأها عليهم النبي فقالوا هنيئا مريئا قد بين الله لك ماذا يفعل بك فما يفعل بنا فنزلت عليه ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار حتى فوزا عظيما). [تفسير عبد الرزاق: 2/225] (م)
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) :
(حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، عن معمرٍ، عن قتادة، عن أنسٍ قال: أنزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} مرجعه من الحديبية، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لقد نزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ ممّا على الأرض، ثمّ قرأها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم، فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبيّ الله، لقد بيّن اللّه لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار}، حتّى بلغ، {فوزًا عظيمًا}.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وفيه عن مجمّع بن جارية). [سنن الترمذي: 5/239]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار}
- أخبرنا عمرو بن عليٍّ، وأبو الأشعث، عن خالدٍ، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنسٍ، قال: لمّا نزلت هذه الآية على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله} [الفتح: 2] مرجعه من الحديبية وهم مخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: «لقد أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ من الدّنيا جميعًا»، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟، فنزلت {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 5] إلى قوله {فوزًا عظيمًا} [النساء: 73]، اللّفظ لعمرٍو). [السنن الكبرى للنسائي: 10/261]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّآتهم وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا}.
يقول تعالى ذكره: إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا، لتشكر ربك، وتحمده على ذلك، فيغفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، وليحمد ربّهم المؤمنون باللّه، ويشكروه على إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم من الفتح الّذي فتحه، وقضاه بينهم وبين أعدائهم من المشركين، بإظهاره إيّاهم عليهم، فيدخلهم بذلك جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها إلى غير نهايةٍ وليكفّر عنهم سيّئ أعمالهم بالحسنات الّتي يعملونها شكرًا منهم لربّهم على ما قضى لهم، وأنعم عليهم به {وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا} يقول تعالى ذكره: وكان ما وعدهم اللّه به من هذه العدة، وذلك إدخالهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، وتكفيره سيّئاتهم بحسنات أعمالهم الّتي يعملونها عند اللّه لهم {فوزًا عظيمًا} يقول: ظفرًا منهم بما كانوا تأمّلوه ويسعون له، ونجاةً ممّا كانوا يحذرونه من عذاب اللّه عظيمًا.
وقد تقدّم ذكر الرّواية أنّ هذه الآية نزلت لمّا قال المؤمنون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، إذ تلا عليهم قول اللّه عزّ وجلّ {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} هذا لك يا رسول اللّه، فماذا لنا؟ تبيينًا من اللّه لهم ما هو فاعلٌ بهم.
- حدّثنا عليٌّ، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} إلى قوله: {ويكفّر عنهم سيّئاتهم} فأعلم اللّه سبحانه نبيّه عليه الصّلاة والسّلام.
وقوله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات} على اللاّم من قوله: {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك} بتأويل تكرير الكلام {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه} إنّا فتحنا لك ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، ولذلك لم تدخل الواو الّتي تدخل في الكلام للعطف، فلم يقل: وليدخل المؤمنين). [جامع البيان: 21/246-247]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو جعفرٍ محمّد بن محمّدٍ البغداديّ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا عليّ بن المدينيّ، ثنا حرميّ بن عمارة بن أبي حفصة، ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه، في قوله عزّ وجلّ: " {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] " قال: فتح خيبر {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} [الفتح: 2] فقالوا: يا رسول اللّه، هنيئًا لك فما لنا؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ: " {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 5] «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه بهذه السّياقة» ، إنّما أخرج مسلمٌ عن أبي موسى، عن محمّد بن شعبة بإسناده {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] قال: فتح خيبر. هذا فقط وقد ساق الحكم بن عبد الملك هذا الحديث على وجهٍ يذكر حنينًا وخيبر جميعًا). [المستدرك: 2/499] (م)
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثناه عليّ بن حمشاذ العدل، ثنا محمّد بن غالبٍ، وعليّ بن عبد العزيز، قالا: ثنا الحسن بن بشر بن سالمٍ، ثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه، قال: لمّا رجعنا من الحديبية وأصحاب محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم قد خالطوا الحزن والكآبة حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «أنزلت عليّ آيةٌ هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعًا، ثلاثًا» قلنا: ما هي يا رسول اللّه؟ قال: " فقرأ {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا} [الفتح: 2] إلى آخر الآيتين ". قلنا: هنيئًا لك يا رسول اللّه، فما لنا؟ " فقرأ {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا} [الفتح: 5] فلمّا أتينا خيبر فأبصروا خميس رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، يعني جيشه أدبروا هاربين إلى الحصن، فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين»). [المستدرك: 2/499]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (أخبرنا الحسن بن سفيان حدّثنا محمود بن غيلان حدّثنا عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة عن أنس بن مالكٍ قال نزلت على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم {ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} مرجعه من الحديبية قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ ممّا على ظهر الأرض" فقرأها عليهم فقالوا هنيئًا مريئا يا نبيّ اللّه قد بيّن اللّه لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار} حتّى {فوزاً عظيماً} ). [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: 1/436] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 5 – 7
أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي، وابن جرير، وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه قال: أنزلت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} مرجعه من الحديبية فقال: لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي مما على الأرض ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئا مريئا يا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} حتى بلغ {فوزا عظيما}). [الدر المنثور: 13/469] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر والحاكم، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: لما رجعنا من الحديبية وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد خالطوا الحزن والكآبة حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزلت علي ضحى آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا ثلاثا قلنا: ما هي يا رسول الله فقرأ {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآيتين قلنا: هنيئا لك يا رسول الله فما لنا فقرأ {ليدخل المؤمنين والمؤمنات} الآية فلما أتينا خيبر فأبصروا خميس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني جيشه أدبروا هاربين إلى الحصن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين). [الدر المنثور: 13/470]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآية قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئا لك ما أعطاك ربك هذا لك فما لنا فأنزل الله {ليدخل المؤمنين والمؤمنات} إلى آخر الآية). [الدر المنثور: 13/470]

تفسير قوله تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال في حم الأحقاف: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتّبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ فنسختها الآية التي في سورة الفتح فقال: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيماً}؛
فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزلت عليه هذه الآية فبشرهم بأن الله قد غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر؛ فقال له رجلٌ من القوم: يا رسول الله، قد علمنا ما يفعل الله بك، فما يفعل بنا، يا رسول الله؛ فأنزل الله في سورة الأحزاب: {وبشّر المؤمنين بأنّ لهم من اللّه فضلاً كبيراً}؛ وأنزل {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا ويعذّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات}، {ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات وكان اللّه غفوراً رحيماً}؛ فبين لهم ما يفعل به وبهم). [الجامع في علوم القرآن: 3/80-81] (م)
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (ويقال: {دائرة السّوء} [الفتح: 6] كقولك: رجل السّوء، ودائرة السّوء: العذاب). [صحيح البخاري: 6/134]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله دائرة السوء)
كقولك رجل السّوء ودائرة السّوء العذاب هو قول أبي عبيدة قال المعنى تدور عليهم تنبيهٌ قرأ الجمهور السّوء بفتح السّين في الموضعين وضمّها أبو عمرو وبن كثيرٍ). [فتح الباري: 8/582]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (ويقال دائرة السّوء كقولك رجل السّوء ودائرة السّوء العذاب
أشار به إلى قوله تعالى: {عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم} (الفتح: 6) الآية. وفسرها بقوله: {دائرة السوء العذاب} وكذا فسره أبو عبيدة وقيل: دائرة الدمار والهلاك وقراءة الجمهور بفتح السّين، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالضّمّ). [عمدة القاري: 19/175]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (ويقال دائرة السوء كقولك: رجل السوء) أي الفاسد كما يقال رجل صدق أي صالح وهذا قول الخليل والزجّاج واختاره الزمخشري وتحقيقه أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد يقال ساء مزاجه ساء خلقه ساء ظنه كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء بل ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما كثير في الاستعمال في المعاني والآخر في الإجرام قال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر} [الروم: 41] وقال: {ساء ما كانوا يعملون} [التوبة: 9 وغيرها] وسقط لأبي ذر لفظ يقال فقط.
(ودائرة السوء العذاب) يعني حاق بهم العذاب بحيث لا يخرجون منه وضم السين أبو عمرو وابن كثير بمعنى المفتوح الفساد والرداءة والضم الهزيمة والبلاء أو المضموم العذاب والضرر والمفتوح الذم). [إرشاد الساري: 7/344-345]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({يعزروه}) أي (ينصروه) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالغيبة في ليؤمنوا ويعزروه ويوقروه ويسبحوه رجوعًا إلى المؤمنين والمؤمنات والباقون بالخطاب إسنادًا إلى المخاطبين والظاهر أن الضمائر عائدة إلى الله وتفريقها بجعل بعضها للرسول قول للضحاك ({شطأه}) هو (شطؤ السنبل) ولأبي ذر شطأ بالألف بدل الواو صورة الهمزة (تنبت) بضم أوّله وكسر ثالثه من الإنبات (الحبة) الواحدة (عشرًا) من السنابل (أو ثمانيًا) ولأبي ذر وثمانيًا بإسقاط الألف (وسبعًا) قال تعالى: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} [البقرة: 261] (فيقوى بعضه ببعض فذاك قوله تعالى: {فآزره}) أي (قوّاه) وأعانه (ولو كانت واحدة لم تقم على ساق وهو) أي ما ذكر (مثل ضربه الله للنبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- إذ خرج) على كفار مكة (وحده) يدعوهم إلى الله أو لما خرج من بيته وحده حين اجتمع الكفار على أذاه (ثم قواه) عز وجل (بأصحابه) المهاجرين والأنصار (كما قوّى الحبة بما يثبت) بفتح أوله وضم ثالثه وبضم ثم كسر (منها) وقال غيره هو مثل ضربه الله لأصحاب محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم- في الإنجيل أنهم يكونون قليلًا ثم يزدادون ويكثرون. وقال قتادة: مثل أصحاب محمد في الإنجيل مكتوب له سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر). [إرشاد الساري: 7/345]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ويعذّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظّانّين باللّه ظنّ السّوء عليهم دائرة السّوء وغضب اللّه عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيرًا (6) وللّه جنود السّموات والأرض وكان اللّه عزيزًا حكيمًا}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، وليعذّب المنافقين والمنافقات، بفتح اللّه لك يا محمّد، ما فتح لك من نصرك على مشركي قريشٍ، فيكبتوا لذلك ويحزنوا، ويخيب رجاؤهم الّذي كانوا يرجون من رؤيتهم في أهل الإيمان بك من الضّعف والوهن والتّولّي عنك في عاجل الدّنيا، وصليّ النّار والخلود فيها في آجل الآخرة {والمشركين والمشركات} يقول: وليعذّب كذلك أيضًا المشركين والمشركات {الظّانّين باللّه} أنّه لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السّوء من ظنونهم الّتي ذكرها اللّه في هذا الموضع، يقول تعالى ذكره: على المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الّذين ظنّوا هذا الظّنّ دائرة السّوء، يعني دائرة العذاب تدور عليهم به.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء الكوفة {دائرة السّوء} بفتح السّين وقرأ بعض قرّاء البصرة (دائرة السّوء) بضمّ السّين.
وكان الفرّاء يقول: الفتح أفشى في السّين؛ قال: وقلّما تقول العرب دائرة السّوء بضمّ السّين، والفتح في السّين أعجب إليّ من الضّمّ، لأنّ العرب تقول: هو رجلٌ سوءٍ، بفتح السّين؛ ولا تقول: هو رجل سوءٍ.
وقوله: {وغضب اللّه عليهم} يقول: ونالهم اللّه بغضبٍ منه، ولعنهم: يقول: وأبعدهم فأقصاهم من رحمته {وأعدّ لهم جهنّم} يقول: وأعدّ لهم جهنّم يصلونها يوم القيامة {وساءت مصيرًا} يقول: وساءت جهنّم منزلاً يصير إليه هؤلاء المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات). [جامع البيان: 21/248-249]

تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {وللّه جنود السّموات والأرض} يقول جلّ ثناؤه: وللّه جنود السّماوات والأرض أنصارًا على أعدائه، إن أمرهم بإهلاكهم أهلكوهم، وسارعوا إلى ذلك بالطّاعة منهم له {وكان اللّه عزيزًا حكيمًا} يقول تعالى ذكره: ولم يزل اللّه ذا عزّةٍ، لا يغلبه غالبٌ، ولا يمتنع عليه ممّا أراده به ممتنعٌ، لعظم سلطانه وقدرته، حكيمٌ في تدبيره خلقه). [جامع البيان: 21/249]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11 جمادى الآخرة 1434هـ/21-04-2013م, 04:49 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

التفسير اللغوي


تفسير قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ...}.
كان فتح وفيه قتال [قليل] مراماة بالحجارة، فالفتح قد يكون صلحا، ويكون أخذ الشيء عنوة، ويكون القتال إنما أريد به يوم الحديبية). [معاني القرآن: 3/64]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } أي قضينا لك قضاء عظيما. ويقال: للقاضي: الفتاح). [تفسير غريب القرآن: 412]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقال عز وجل: {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [سبأ: 26] أي: يقضي، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]: أي خير القضاة.
وقال أعرابي لآخر ينازعه: بيني وبينكم الفتاح، يعني الحاكم.
[تأويل مشكل القرآن: 492]
وقال ابن عباس في قول الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] كنت أقرؤها ولا أدري ما هي، حتى تزوجت بنت مشرح فقالت: فتح الله بيني وبينك، أي حكم الله بيني وبينك). [تأويل مشكل القرآن: 493] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) :
(قوله - عزّ وجلّ -: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)}
جاء في التفسير أنه فتح الحديبية، وكان هذا الفتح عن غير قتال قيل إنه كان عن تراض بين القوم.
والحديبية بئر فسمي المكان باسم البئر.
والفتح إنما هو الطفر بالمكان والمدينة والقرية، كان بحرب أو بغير حرب، أو كان دخول عنوة أو صلح، فهو فتح لأن الموضع إنما يكون منغلقا فإذا صار في اليد فهو فتح.
ومعنى {فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } - واللّه أعلم - هو الهداية إلى الإسلام.
وجاء في التفسير: قضينا لك قضاء مبينا أي حكمنا لك بإظهار دين الإسلام والنصرة على عدوك.
وأكثر ما جاء في التفسير أنه فتح الحديبية، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة من آيات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أنها بئر فاستقي جميع ما فيها من الماء حتى نزحت ولم يبق فيها ماء، فتمضمض رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ثم مجّه فيها فدرت البئر بالماء حتى شرب جميع من كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وليس يخرج هذا من معنى فتحنا لك فتحا مبينا أنه يعنى به الهداية إلى الإسلام، ودليل ذلك قوله ( {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)}
فالمعنى فتحنا لك فتحا في الدين لتهتدي به أنت والمسلمون). [معاني القرآن: 5/19-20]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( من ذلك قوله جل وعز: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [آية: 1]
روى قتادة عن أنس قال نزلت إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد نزلت علي آية أحب إلي من جميع الدنيا ثم تلاها فقال رجل من المسلمين هنيئا مريئا هذا لك يا رسول الله فماذا لنا فأنزل الله جل وعز: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } إلى آخر الآية
قال مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} قال قضينا لك قضاء بينا
قال سفيان ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك أي ما كان في الجاهلية وما تأخر قال ما كان في الإسلام مما لم تعمله بعد
قال أبو جعفر في قوله جل وعز: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ثلاثة أقوال متقاربة:
أ- منها ما تقدم أنه فتح الحديبية والحديبية بئر سمي المكان باسمها
قال أبو جعفر ولا أعرف أحدا من أهل اللغة يشدد الياء منها وكان في فتحها أعظم الآيات لأن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي ورد على هذه البئر وقد نزف ماؤها فتمضمض وتفل فيها فأقبل الماء حتى شرب كل من كان معه ولم يكن بينهم إلا ترام حتى كان الفتح هذا قول
ب-وقيل المعنى إنا فتحنا لك فتحا مبينا باجتناب الكبائر ليغفر لك الله الصغائر
ج-وقيل إنا فتحنا لك فتحا بالهداية إلى الإسلام فهذه الأقوال متقاربة وقول مجاهد يجمعها لأن فتح الحديبية قضاء من قضاء الله وهداية من هدايته يهدي بها من شاء وكذلك اجتناب الكبائر
وقد روي عن ابن عباس ما يقويه قال ما كنت أدري ما معنى إنا فتحنا حتى قالت لي ابنة مشرح فتح الله بيني وبينك
وقوله تعالى: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} ). [معاني القرآن: 6/491-494]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( { فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا }: أي قضينا لك ومنه قيل للقاضي "الفتاح"). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 233]

تفسير قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (قوله ({لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)}
فالمعنى فتحنا لك فتحا في الدين لتهتدي به أنت والمسلمون). [معاني القرآن: 5/20] (م)
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقد تكلم العلماء في قوله تعالى:{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [آية: 2]
فقال أبو حاتم المعنى ليغفرن لك الله
وقال أبو الحسن بن كيسان لا يجوز أن تكون إلا لام كي قال: قال الله جل وعز: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } فأمر الله أن يستغفره إذا كان الفتح ووعده بالمغفرة فكان قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} متعلقا بذاك
وقيل: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مما كان أي مما كان مقدما ومؤخرا وقد وقع ذلك كله
وقيل ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر كله للمستقبل أي لتقع المغفرة في الاستقبال فيما يكون من الذنوب أولا وآخرا). [معاني القرآن: 6/495-496]

تفسير قوله تعالى: (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (ومعنى ({وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)}
نصرا نصرا ذا عزّ لا يقع معه ذلّ). [معاني القرآن: 5/20]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [آية: 3] أي نصرا ذا عز لا ذل معه). [معاني القرآن: 6/496]

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) )
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} أي السكون والطمأنينة). [تفسير غريب القرآن: 412]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (ثم أعلم عن أسباب فتح الدين على نبيه عليه السلام فقال:
({هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)}
أي أسكن قلوبهم التعظيم لله ولرسوله، والوقار.
وقوله عزّ وجلّ: ( {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}).
تأويله - واللّه أعلم - أن جميع ما خلق الله في السّماوات والأرض جنود له، لأن ذلك كله يدل على أنه واحد وأنه لا يقدر أحد أن يأتي بمثل شيء واحد مما خلق اللّه في السّماوات والأرض.
ومن الدليل أيضا على أن معنى قوله: {إنّا فتحنا لك} أي إنّا أرشدناك إلى الإسلام وفتحنا لك أمر الدين). [معاني القرآن: 5/20]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [آية: 4] {السَّكِينَةَ} أي السكون والطمأنينة
وقوله جل وعز:{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [آية: 4]
أي كل ما فيها يدل على أن له خالقا وأنه واحد). [معاني القرآن: 6/496-497]

تفسير قوله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) )
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [آية: 5]
أي فتح لك بالإسلام والهداية بهذا ويدل عليه أيضا قوله سبحانه: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَوَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ }[آية:6]
لأنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع). [معاني القرآن: 6/497-498] (م)

تفسير قوله تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {دَائِرَةُ السَّوْءِ...}.
مثل قولك: رجل السّوء، ودَائِرَةُ السَّوْءِ: العذاب، والسّوء أفشى في اللغة وأكثر، وقلما تقول العرب: دائرة السّوء). [معاني القرآن: 3/65]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): (قوله جل ثناؤه " {عليهم دَائِرَةُ السَّوْءِ} " تدور عليهم قال حميد:
ودائرات الدهر أن تدورا). [مجاز القرآن: 2/217]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (قوله عزّ وجلّ: ( {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)}
كانوا يظنون أن لن يعود الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبهم، فجعل الله دائرة السّوء عليهم.
ومن قرأ " {ظَنَّ السَّوْءِ}" فهو كما ترى أيضا.
قال أبو إسحاق: ولا أعلم أحدا قرأ بها، وقد قيل أيضا إنه قرئ به.
وزعم الخليل وسيبويه أن معنى السوء ههنا الفساد.
والمعنى: الظانين باللّه ظنّ الفساد، وهو ما ظنّوا أن الرسول عليه السلام ومن معه لا يرجعون.
قال اللّه تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} أي الفساد والهلاك يقع بهم
{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ). [معاني القرآن: 5/20-21]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [آية: 5]
أي فتح لك بالإسلام والهداية بهذا
ويدل عليه أيضا قوله سبحانه: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَوَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ } [آية: 6]
لأنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع عليهم دائرة السوء أي الهلاك
ويقرأ السوء والفرق بينهما أن السوء الشيء بعينه والسوء الفعل). [معاني القرآن: 6/497-498]

تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( ({وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7)}
تفسيره مثل الأول.
{وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} عاليا حكيما فيما دبّره). [معاني القرآن: 5/21]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11 جمادى الآخرة 1434هـ/21-04-2013م, 04:50 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]
تفسير قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (واعلم أن هاهنا حروفاً تنتصب بعدها الأفعال وليست الناصبة، وإنما أن بعدها مضمرةٌ. فالفعل منتصب بأن وهذه الحروف عوضٌ منها، ودالةٌ عليها.
فمن هذه الحروف الفاء، والواو، وأو، وحتى، واللام المكسورة.
فأما اللام فلها موضعان: أحدهما نفي، والآخر إيجاب. وذلك قوله: جئتك لأكرمك وقوله عز وجل: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}. فهذا موضع الإيجاب.
وموضع النفي: ما كان زيد ليقوم. وكذلك قوله تبارك وتعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين} {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} ). [المقتضب: 2/6-7] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 24 صفر 1440هـ/3-11-2018م, 08:19 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 24 صفر 1440هـ/3-11-2018م, 08:19 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري
...

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 25 صفر 1440هـ/4-11-2018م, 03:16 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا * هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما}
قال قوم - فيما حكى الزهراوي -: فتحنا لك يريد به فتح مكة، وحكاه الثعلبي أيضا، ونسبه النقاش إلى الكلبي، وأخبره تعالى به على معنى: قضينا به، و"الفتاح": القاضي بلغة اليمن، وقيل: المراد إنا فتحنا لك بأن هديناك إلى الإسلام ليغفر، وقال جمهور الناس - والصحيح الذي تعضده قصة الحديبية -: إن قوله تعالى: {إنا فتحنا لك} إنما معناه: إن ما يسر الله لك في تلك الخرجة فتح مبين تستقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم، ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت، ومذهبة ما كان في قلوبهم، ومنه حديث عمر رضي الله عنه الشهير، وما قاله للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر رضي الله عنه، واستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة أنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية، حيث وضع فيه سهمه وثاب الماء حتى كفى الجيش، واتفقت بيعة الرضوان، وهي الفتح الأعظم، قاله جابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وبلغ هديه محله، قاله الشعبي، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين خيرا، ولم يفتحها إلا أهل الحديبية، ولم يشركهم فيها أحد، وفيه نظر; لأن أصحاب السفينة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه شاركوهم في القسم، فينبغي أن يقال: لم يشركهم أحد من المتخلفين عن الحديبية، واتفقت في ذلك الوقت ملحمة عظيمة بين الروم وفارس ظهرت فيها الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسر بها هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس وانخضاد الشوكة العظمى من الكفر.
ثم عظم الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وشرفه بأن نبأه أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقوله تعالى: "ليغفر" هي لام "كي"، لكنها تخالفها في المعنى، والمراد هنا أن الله فتح لك لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك، فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي من الدنيا"، وقال الطبري وابن كيسان: المعنى: إنا فتحنا لك فسبح بحمد ربك واستغفره ليغفر لك، وبنيا هذه الآية مع قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} السورة، وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما أن سورة إذا جاء نصر الله إنما نزلت من آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم ناعية له نفسه حسبما قال ابن عباس رضي الله عنهما، عندما سأل عمر رضي الله عنه عن ذلك، والآخر أن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالتشريف كان يذهب، لأن كل أحد من المؤمنين مخاطب بهذا الذي قال الطبري، أي: سبح واستغفر لكي يغفر الله لك، ولا يقتضي هذا أن الغفران قد وقع، وما قدمناه أولا يقتضي وقوع الغفران للنبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك قول الصحابة رضي الله عنهم له صلى الله عليه وسلم حين قام حتى تورمت قدماه: أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا"؟ فهذا نص في أن الغفران قد وقع، وقال منذر بن سعيد: المعنى: مجاهدتك بالله تعالى المقترنة بالفتح هي ليغفر، وحكى الثعلبي عن الحسين بن الفضل أن المعنى: إنا فتحنا لك فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ليغفر لك الله .... الآية، وهذا نحو قول الطبري.
وقوله تعالى: {ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قال سفيان الثوري: ما تقدم يريد به قبل النبوة و"ما تأخر" كل شيء لم يعلمه، وهذا ضعيف، وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب البتة، وأجمع العلماء على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل، [وجوز بعضهم الصغائر التي ليست برذائل]، واختلفوا هل وقع ذلك من محمد صلى الله عليه وسلم أو لم يقع؟ وحكى الثعلبي عن عطاء الخراساني أنه قال: ما تقدم هو ذنب آدم وحواء عليهما السلام، أي ببركتك، و"ما تأخر" هي ذنوب أمتك، بدعائك، قال الثعلبي: الإمامية لا تجوز الصغائر على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على الإمام، والآية ترد عليهم، وقال بعضهم: "وما تقدم" هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم بدر: "اللهم، إن تهلك هذه العصابة لن تعبد"، و"ما تأخر" هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين: "لن نغلب اليوم من قلة". هذا كله معترض.
و"إتمام النعمة عليه" هو إظهاره وتغلبه على عدوه والرضوان في الآخرة، وقوله تعالى: {ويهديك صراطا مستقيما} معناه: إلى صراط مستقيم، فحذف الجار فتعدى الفعل، وقد يتعدى هذا بغير حرف جر.
و"النصر العزيز" هو الذي معه غلبة العدو والظهور عليه، والنصر غير العزيز هو الذي مضمنه الحماية ودفع العدو فقط). [المحرر الوجيز: 7/ 665-667]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (و"إنزال السكينة في قلوب المؤمنين" - وهي فعيلة من السكون - هو تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت، وعلموا أن وعد الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حق، فازدادوا بذلك إيمانا إلى إيمانهم الأول وكثر تصديقهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما آمنوا بالتوحيد زادهم العبادات شيئا شيئا، فكانوا يزيدون إيمانا حتى قال لهم: اليوم أكملت لكم دينكم فمنحهم أكمل إيمان أهل السماوات والأرض، لا إله إلا الله، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما السكينة بالرحمة. وقوله تعالى: {ولله جنود السماوات والأرض} إشارة إلى تسكين النفوس أيضا، وأن تكون مسلمة، لأنه ينصر متى شاء وعلى أي صورة شاء، مما لا يدبره البشر، ومن جنده: السكينة التي أنزلها في قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فثبت بصائرهم، وقوله تعالى: {وكان الله} أي: ويكون: فهي دالة على الوجود بهذه الصفة لا معينة وقتا ماضيا، و"العلم" و"الإحكام" صفتان مقتضيتان عزة النصر لمن أراد الموصوف بهما نصره). [المحرر الوجيز: 7/ 667]

تفسير قوله تعالى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما * ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا * ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما}
قوله تعالى: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} معناه: فازدادوا وتلقوا ذلك، فتمكن - بعد ذلك- قوله تعالى: {ليدخل المؤمنين} أي بتكسبهم القبول لما أنزل الله تعالى عليهم، ويروى في معنى هذه الآية أنه لما نزلت: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} تكلم فيها أهل الكتاب، وقالوا: كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به وبالناس معه، فبين الله في هذه السورة ما يفعل به بقوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}، فلما سمعها المؤمنون قالوا: هنيئا مريئا، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} إلى قوله: {وساءت مصيرا}، فعرفه الله تعالى ما يفعل به وبالمؤمنين والكافرين، وذكر النقاش أن رجلا من عك قال: هذه لك يا رسول الله، فما لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هي لي ولأمتي كهاتين"، وجمع بين أصبعيه.
وقوله تعالى: {ويكفر عنهم سيئاتهم} فيه ترتيب الجمل في السرد لا ترتيب وقوع معانيها; لأن تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة.
وقوله تعالى: {الظانين بالله ظن السوء} قيل معناه: من قولهم: {لن ينقلب الرسول} الآية، فكأنهم ظنوا بالله ظن السوء في جهة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقيل: ظنوا بالله تعالى ظن سوء، إذ هم يعتقدونه بغير صفاته، فهي ظنون سوء من حيث هي كاذبة مؤدية إلى عذابهم في نار جهنم.
وقوله تعالى: {عليهم دائرة السوء} كأنه يقوي التأويل الآخر، أي: أصابهم ما أرادوه بكم. وقرأ جمهور القراء: "عليهم دائرة السوء" كالأول، ورجحها الفراء وقال: قل ما تضم العرب السين، قال أبو علي: هما متقاربان، والفتح أشد مطابقة في اللفظ، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "ظن السوء" بفتح السين، و"عليهم دائرة السوء" بضم السين، وهو اسم، أي: دائرة السوء الذي أرادوه بكم في ظنهم السوء، وقرأ الحسن بضم السين في الموضعين، وروي ذلك عن أبي عمرو ومجاهد، وسمى تعالى المصيبة التي دعا بها عليهم دائرة من حيث يقال في الزمان: إنه يستدير، ألا ترى أن السنة والشهر كأنها مستديرات، تذهب على ترتيب وتجيء من حيث هي تقديرات للحركة العظمى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض"، فيقال الأقدار والحوادث التي هي في طي الزمان: دائرة، لأنها تدور بدوران الزمان، كأنك تقول: إن أمرا كذا يكون في يوم كذا من سنة كذا، فمن حيث يدور ذلك اليوم حتى يبرز إلى الوجود تدور هي أيضا فيه، ومن هذا قول الشاعر:
ودائرات الدهر قد تدورا
ومنه قول الآخر:
ويعلم أن النائبات تدور
وهذا كثير، ويحسن أن تسمى المصيبة دائرة من حيث كمالها أن تحيط بصاحبها كما يحيط شكل الدائرة على السواء من النقطة، وقد أشار النقاش إلى هذا المعنى.
و"غضب الله تعالى" متى قصد به الإرادة فهو صفة ذات، ومتى قصد به ما يظهر من الأفعال على المغضوب عليه فهي صفة فعل. و"لعنهم": أبعدهم،
وقال تعالى في هذه: عزيزا حكيما فذكر صفة العزة من حيث تقدم الانتقام من الكفار، وفي التي قبل قرن بالحكمة والعلم من حيث وعده بمغيبات،
وقرن باللفظتين ذكر جنود الله تعالى التي منها السكينة ومنها نقمة من المنافقين والمشركين، فلكل لفظ وجه من المعنى، وقال ابن المبارك في كتاب النقاش: جنود الله في السماء الملائكة، وفي الأرض الغزاة في سبيل الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهذا بعض من كل). [المحرر الوجيز: 7/ 668-670]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 25 صفر 1440هـ/4-11-2018م, 04:52 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 26 صفر 1440هـ/5-11-2018م, 02:36 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا (1) ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا (2) وينصرك اللّه نصرًا عزيزًا (3) }
نزلت هذه السّورة الكريمة لـمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحديبية في ذي القعدة من سنة ستٍّ من الهجرة، حين صدّه المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ليقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثمّ مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثمّ يأتي من قابلٍ، فأجابهم إلى ذلك على تكرّهٍ من جماعةٍ من الصّحابة، منهم عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه، كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السّورة إن شاء اللّه. فلمّا نحر هديه حيث أحصر، ورجع، أنزل اللّه، عزّ وجلّ، هذه السّورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصّلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعودٍ، رضي اللّه عنه، وغيره أنّه قال: إنّكم تعدّون الفتح فتح مكّة، ونحن نعدّ الفتح صلح الحديبية.
وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ قال: ما كنّا نعدّ الفتح إلّا يوم الحديبية.
وقال البخاريّ: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكّة، وقد كان فتح مكّة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم الحديبية، كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أربع عشرة مائةٍ، والحديبية بئرٌ. فنزحناها فلم نترك فيها قطرةً، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأتاها فجلس على شفيرها، ثمّ دعا بإناءٍ من ماءٍ فتوضّأ، ثمّ تمضمض ودعا، ثمّ صبّه فيها، فتركناها غير بعيدٍ، ثمّ إنّها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو نوحٍ، حدّثنا مالك بن أنسٍ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطّاب قال: كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سفرٍ، قال: فسألته عن شيءٍ -ثلاث مرّاتٍ- فلم يردّ عليّ، قال: فقلت لنفسي: ثكلتك أمّك يا ابن الخطّاب، نزرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثٌ مرّاتٍ فلم يردّ عليك؟ قال: فركبت راحلتي فتقدّمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيءٌ، قال: فإذا أنا بمنادٍ ينادي: يا عمر، أين عمر؟ قال: فرجعت وأنا أظنّ أنّه نزل فيّ شيءٍ، قال: فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "نزلت عليّ اللّيلة سورةٌ هي أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا. ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر}.
ورواه البخاريّ، والتّرمذيّ، والنّسائيّ من طرقٍ، عن مالكٍ، رحمه اللّه، وقال عليّ بن المدينيّ: هذا إسنادٌ مدينيٌّ [جيّدٌ] لم نجده إلّا عندهم.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرّزّاق، أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ، رضي اللّه عنه، قال: نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر} مرجعه من الحديبية، قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "لقد أنزلت عليّ آيةٌ أحبّ إليّ ممّا على الأرض"، ثمّ قرأها عليهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبيّ اللّه، لقد بيّن اللّه، عزّ وجلّ، ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ} حتّى بلغ: {فوزًا عظيمًا} [الفتح: 5]، أخرجاه في الصّحيحين من رواية قتادة به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا إسحاق بن عيسى، حدّثنا مجمّع بن يعقوب، قال: سمعت أبي يحدّث عن عمّه عبد الرّحمن بن أبي يزيد الأنصاريّ عن عمّه مجمّع بن جارية الأنصاريّ -وكان أحد القرّاء الّذين قرءوا القرآن-قال: شهدنا الحديبية فلمّا انصرفنا عنها إذا النّاس ينفّرون الأباعر، فقال النّاس بعضهم لبعضٍ: ما للنّاس؟ قالوا: أوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فخرجنا مع النّاس نوجف، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع النّاس عليه، فقرأ عليهم: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، قال: فقال رجلٌ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: أي رسول اللّه، وفتحٌ هو؟ قال: "إي والّذي نفس محمّدٍ بيده، إنّه لفتحٌ". فقسّمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحدٌ إلّا من شهد الحديبية، فقسمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة فارسٍ، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الرّاجل سهمًا.
رواه أبو داود في الجهاد عن محمّد بن عيسى، عن مجمّع بن يعقوب، به.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن بزيعٍ، حدّثنا أبو بحرٍ، حدّثنا شعبة، حدّثنا جامع بن شدّادٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد اللّه بن مسعودٍ يقول: لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلّا بالشّمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نائمٌ، قال: فقلنا: "امضوا". فاستيقظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: فقال: "افعلوا ما كنتم تفعلون وكذلك [يفعل] من نام أو نسي". قال: وفقدنا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبنها، فوجدناها قد تعلّق خطامها بشجرةٍ، فأتيته بها فركبها، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه [الوحي] اشتدّ عليه، فلمّا سرّي عنه أخبرنا أنّه أنزل عليه: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}.
وقد رواه أحمد وأبو داود، والنّسائيّ من غير وجهٍ، عن جامع بن شدّادٍ به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرّحمن، حدّثنا سفيان عن زياد بن علاقة، قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يصلّي حتّى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".
أخرجاه وبقيّة الجماعة إلّا أبا داود من حديث زيادٍ به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا هارون بن معروفٍ، حدّثنا ابن وهبٍ، حدّثني أبو صخرٍ، عن ابن قسيطٍ، عن عروة بن الزّبير، عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا صلّى قام حتّى تتفطّر رجلاه.
فقالت له عائشة: يا رسول اللّه، أتصنع هذا وقد غفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: "يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ ".
أخرجه مسلمٌ في الصّحيح من رواية عبد اللّه بن وهبٍ، به.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا عليّ بن الحسين، حدّثنا عبد اللّه بن عونٍ الخرّاز -وكان ثقةً بمكّة-حدّثنا محمّد بن بشرٍ حدّثنا مسعرٌ، عن قتادة، عن أنسٍ، قال: قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى تورّمت قدماه -أو قال ساقاه- فقيل له: أليس قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ " غريبٌ من هذا الوجه.
فقوله: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} أي: بيّنًا ظاهرًا، والمراد به صلح الحديبية فإنّه حصل بسببه خيرٌ جزيلٌ، وآمن النّاس واجتمع بعضهم ببعضٍ، وتكلّم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النّافع والإيمان.
وقوله: {ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر}: هذا من خصائصه -صلوات اللّه وسلامه عليه- الّتي لا يشاركه فيها غيره. وليس صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. وهذا فيه تشريفٌ عظيمٌ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو -صلوات اللّه وسلامه عليه-في جميع أموره على الطّاعة والبرّ والاستقامة الّتي لم ينلها بشرٌ سواه، لا من الأوّلين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر على الإطلاق، وسيّدهم في الدّنيا والآخرة. ولمّا كان أطوع خلق اللّه للّه، وأكثرهم تعظيمًا لأوامره ونواهيه. قال حين بركت به النّاقة: "حبسها حابس الفيل" ثمّ قال: "والّذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم شيئًا يعظّمون به حرمات اللّه إلّا أجبتهم إليها" فلمّا أطاع اللّه في ذلك وأجاب إلى الصّلح، قال اللّه له: {إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك} أي: في الدّنيا والآخرة، {ويهديك صراطًا مستقيمًا} أي: بما يشرّعه لك من الشّرع العظيم والدّين القويم.
{وينصرك اللّه نصرًا عزيزًا} أي: بسبب خضوعك لأمر اللّه يرفعك اللّه وينصرك على أعدائك، كما جاء في الحديث الصّحيح: "وما زاد اللّه عبدًا بعفوٍ إلّا عزًّا، وما تواضع أحدٌ للّه إلّا رفعه اللّه". وعن عمر بن الخطّاب [رضي اللّه عنه] أنّه قال: ما عاقبت -أي في الدّنيا والآخرة- أحدًا عصى اللّه تعالى فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه). [تفسير ابن كثير: 7/ 325-328]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم وللّه جنود السّماوات والأرض وكان اللّه عليمًا حكيمًا (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفّر عنهم سيّئاتهم وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا (5) ويعذّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظّانّين باللّه ظنّ السّوء عليهم دائرة السّوء وغضب اللّه عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيرًا (6) وللّه جنود السّماوات والأرض وكان اللّه عزيزًا حكيمًا (7) }
يقول تعالى: {هو الّذي أنزل السّكينة} أي: جعل الطّمأنينة. قاله ابن عبّاسٍ، وعنه: الرّحمة.
وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين. وهم الصّحابة يوم الحديبية، الّذين استجابوا للّه ولرسوله وانقادوا لحكم اللّه ورسوله، فلمّا اطمأنّت قلوبهم لذلك، واستقرّت، زادهم إيمانًا مع إيمانهم.
وقد استدلّ بها البخاريّ وغيره من الأئمّة على تفاضل الإيمان في القلوب.
ثمّ ذكر تعالى أنّه لو شاء لانتصر من الكافرين، فقال: {وللّه جنود السّموات والأرض} أي: ولو أرسل عليهم ملكًا واحدًا لأباد خضراءهم، ولكنّه تعالى شرّع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجّة القاطعة، والبراهين الدّامغة؛ ولهذا قال: {وكان اللّه عليمًا حكيمًا}).[تفسير ابن كثير: 7/ 328-329]

تفسير قوله تعالى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :(ثمّ قال تعالى: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}، قد تقدّم حديث أنسٍ: قالوا: هنيئًا لك يا رسول اللّه، هذا لك فما لنا؟ فأنزل اللّه: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي: ماكثين فيها أبدًا. {ويكفّر عنهم سيّئاتهم} أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويرحم ويشكر، {وكان ذلك عند اللّه فوزًا عظيمًا}، كقوله {فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلا متاع الغرور} [آل عمرن: 185]). [تفسير ابن كثير: 7/ 329]

تفسير قوله تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :(وقوله: {ويعذّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظّانّين باللّه ظنّ السّوء} أي: يتّهمون اللّه في حكمه، ويظنّون بالرّسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلّيّة؛ ولهذا قال: {عليهم دائرة السّوء وغضب اللّه عليهم ولعنهم} أي: أبعدهم من رحمته {وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيرًا}).[تفسير ابن كثير: 7/ 329]

تفسير قوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :(ثمّ قال مؤكّدًا لقدرته على الانتقام من الأعداء -أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين-: {وللّه جنود السّموات والأرض وكان اللّه عزيزًا حكيمًا}). [تفسير ابن كثير: 7/ 329]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:14 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة