العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الحج

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 09:43 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي تفسير سورة الحج [من الآية (77) إلى الآية (78) ]

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}


- الناسخ والمنسوخ الآية رقم (78)
- الوقف والابتداء


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 09:43 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) )

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون}.
يقول تعالى ذكره: يا أيّها الّذين صدقوا اللّه ورسوله {اركعوا} للّه في صلاتكم {واسجدوا} له فيها. يقول: وذلّوا لربّكم، واخضعوا له بالطّاعة، {وافعلوا الخير} الّذي أمركم ربّكم بفعله؛ {لعلّكم تفلحون} يقول: لتفلحوا بذلك، فتدركوا به طلباتكم عند ربّكم). [جامع البيان: 16/638-639]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا}، قال إنما هي أدب وموعظة). [الدر المنثور: 10/529]

تفسير قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب أن ابن عباس كان يقول: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ}، إنّما ذلك سعة الإسلام ما جعل اللّه من التوبة والكفارات). [الجامع في علوم القرآن: 1/15-16]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني سليمان بن بلالٍ عن ثور بن زيدٍ عن عبد اللّه بن عبّاسٍ أنّ عمر بن الخطّاب قال له: أرأيت قول اللّه لأزواج النّبيّ: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}، هل كانت إلا واحدةً، فقال ابن عبّاسٍ: وهل من أولى إلا ولها آخرةٌ؛ فقال: [لله] درك، يا ابن عبّاسٍ، كيف قلت، فقال: يا أمير المؤمنين، وهل كانت [من أولى إلا] ولها آخرةٌ، قال: فأت بتصديق ما تقول من كتاب اللّه، قال: نعم، {[وجاهدوا في اللّه حقّ] جهاده كما جاهدتم أوّل مرةٍ}، قال عمر: فمن أمرنا [بالجهاد، قال: قبيلتان من] قريشٍ: مخزومٌ، وعبد شمسٍ فقال عمر: [صدقت (؟)). [الجامع في علوم القرآن: 2/46] (م)
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدّثني ابن زيد بن أسلم عن أبيه في قول الله: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ}، قال: الحرج الضّيق؛ وإنّ عمر بن الخطّاب سأل رجلا من العرب عن الحرج، فقال: الضّيق، فقال عمر: صدقت). [الجامع في علوم القرآن: 2/95-96]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني عبد العزيز بن أبي حازمٍ قال: سمعت أبي يقول: قرأ عمر بن الخطّاب [ ....... ] عنده رجلٌ من العرب: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ}، ثمّ قال للعربيّ: ما الحرج من [ ........ .. ]، قال: الضّيق، يا أمير المؤمنين، فقال عمر: صدقت). [الجامع في علوم القرآن: 2/96]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): ([أخبرني سفيان] بن عيينة عن عبيد الله ابن أبي يزيد قال: سمعت عبد اللّه بن عبّاسٍ سئل عن: {[وما جعل عليكم] في الدين من حرجٍ}، قال: هل هاهنا من هذيلٍ أحدٌ، فقال رجلٌ: نعم، أنا، فقال: ما [ .......... ] فيكم، فقال: الشّيء الضّيّق، فقال ابن عبّاسٍ: فهو ذلك). [الجامع في علوم القرآن: 2/96]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج قال من ضيق وقال أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي كان يقال للنبي اذهب فليس عليك حرج وقال الله وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان يقال للنبي أنت شهيد على قومك وقال الله وتكونوا شهداء على الناس وكان يقال للنبي سل ما تعطه وقال الله ادعوني أستجب لكم). [تفسير عبد الرزاق: 2/41]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم} أنه قد بلغكم أنتم {وتكونوا} أنتم {شهداء على الناس} أن الرسل قد بلغتهم). [تفسير عبد الرزاق: 2/42]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] في قوله: {هو سماكم المسلمين} قال: اللّه تبارك وتعالى سمّاكم المسلمين [الآية: 78]). [تفسير الثوري: 215]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرّسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على النّاس}.
واختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده} فقال بعضهم: معناه: وجاهدوا المشركين في سبيل اللّه حقّ جهاده الله.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور بن زيدٍ، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ، في قوله: " {وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده} كما جاهدتم أوّل مرّةٍ، فقال عمر: من أمر بالجهاد؟ قال: قبيلتان من قريشٍ: مخزومٌ، وعبد شمسٍ فقال عمر: صدقت ".
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في اللّه لومة لائمٍ. قالوا: وذلك هو حقّ الجهاد.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ في قوله: " {وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده} لا تخافوا في اللّه لومة لائمٍ ".
وقال آخرون: معنى ذلك: اعملوا بالحقّ حقّ عمله. وهذا قولٌ ذكره عن الضّحّاك بعض من في روايته نظرٌ.
والصّواب من القول في ذلك: قول من قال: عنى به الجهاد في سبيل اللّه؛ لأنّ المعروف من الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت في اللّه. وحقّ الجهاد: هو استفراغ الطّاقة فيه.
وقوله: {هو اجتباكم} يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه، والجهاد في سبيله.
وقال ابن زيدٍ في ذلك ما؛
- حدّثني به يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {هو اجتباكم} قال: " هو هداكم ".
وقوله: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} يقول تعالى ذكره: وما جعل عليكم ربّكم في الدّين الّذي تعبّدكم به من ضيقٍ، لا مخرج لكم ممّا ابتليتم به فيه؛ بل وسّع عليكم، فجعل التّوبة من بعضٍ مخرجًا، والكفّارة من بعضٍ، والقصاص من بعضٍ، فلا ذنب يذنب المؤمن إلاّ وله منه في دين الإسلام مخرجٌ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس ابن زيدٍ، عن ابن شهابٍ، قال: " سأل عبد الملك بن مروان عليّ بن عبد اللّه بن عبّاسٍ عن هذه الآية: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} فقال عليّ بن عبد اللّه: الحرج: الضّيق، فجعل اللّه الكفّارات مخرجًا من ذلك، سمعت ابن عبّاسٍ يقول ذلك ".
- قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني سفيان بن عيينة، عن عبيد اللّه بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عبّاسٍ، يسأل عن: {ما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} قال: " ما ها هنا من هذيلٍ أحدٌ؟ فقال رجلٌ: نعم قال: ما تعدّون الحرجة فيكم؟ قال: الشّيء الضّيّق. قال ابن عبّاسٍ: فهو كذلك ".
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، عن ابن عيينة، عن عبيد اللّه بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عبّاسٍ وذكر نحوه، إلاّ أنّه قال: فقال ابن عبّاسٍ: " أها هنا أحدٌ من هذيلٍ؟ فقال رجلٌ: أنا، فقال أيضًا: ما تعدّون الحرج؟ وسائر الحديث مثله.
- حدّثني عمران بن بكّارٍ الكلاعيّ، قال: حدّثنا يحيى بن صالحٍ، قال: حدّثنا يحيى بن حمزة، عن الحكم بن عبد اللّه، قال: سمعت القاسم بن محمّدٍ، يحدّث، عن عائشة، قالت: سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} قال: " هو الضّيق ".
- حدّثنا حميد بن مسعدة قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ قال: حدّثنا أبو خلدة قال: قال لي أبو العالية: " أتدري ما الحرج؟ قلت: لا أدري. قال: الضّيق. وقرأ هذه الآية: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} ".
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا حمّاد بن مسعدة، عن عوفٍ، عن الحسن، في قوله: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} قال: " من ضيقٍ ".
- حدّثنا عمرو بن بندقٍ قال: حدّثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة قال: قال لي أبو العالية: " هل تدري ما الحرج؟ قلت لا، قال: الضّيق، إنّ اللّه لم يضيّق عليكم، لم يجعل عليكم في الدّين من حرجٍ ".
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة، عن ابن عونٍ، عن القاسم أنّه تلا هذه الآية: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} قال: " تدرون ما الحرج؟ قال: الضّيق ".
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: " إذا تعاينتم فى شيءٌ من القرآن، فانظروا في الشّعر، فإنّ الشّعر عربيّ. ثمّ دعا ابن عبّاسٍ أعرابيًّا، فقال: ما الحرج؟ قال: الضّيق. قال: صدقت ".
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {في الدّين من حرجٍ} قال: " من ضيقٍ ".
- حدّثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: ما جعل عليكم في الدّين من ضيقٍ في أوقات فروضكم إذا التبست عليكم، ولكنّه قد وسّع عليكم حتّى تيقّنوا محلّها.
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن عثمان بن يسارٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} قال: " هذا في هلال شهر رمضان إذا شكّ فيه النّاس، وفي الحجّ إذا شكّوا في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليهم، وأشباهه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعل في الإسلام من ضيقٍ، بل وسّعه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ قوله: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} يقول: " ما جعل عليكم في الإسلام من ضيقٍ، هو واسعٌ، وهو مثل قوله في الأنعام: {فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقًا حرجًا} يقول: من أراد أن يضلّه يضيّق عليه صدره، حتّى يجعل عليه الإسلام ضيّقًا، والإسلام واسعٌ ".
- حدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: أخبرنا عبيدٌ قال: سمعت الضّحّاك يقول في قوله: {" وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} يقول: من ضيقٍ، يقول: جعل الدّين واسعًا، ولم يجعله ضيّقًا ".
وقوله: {ملّة أبيكم إبراهيم} نصب ملّة بمعنى: وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ، بل وسّعه، كملّة أبيكم، فلمّا لم يجعل فيها الكاف اتّصلت بالفعل الّذي قبلها فنصبت. وقد يحتمل نصبها، أن تكون على وجه الأمر بها، لأنّ الكلام قبله أمرٌ، فكأنّه قيل: اركعوا واسجدوا والزموا ملّة أبيكم إبراهيم.
وقوله: {هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا}. يقول تعالى ذكره: سمّاكم يا معشر من آمن بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين من قبل.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عليّ، قال: حدّثنا عبد اللّه قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {هو سمّاكم المسلمين} يقول: " اللّه سمّاكم ".
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ قال: أخبرني عطاء بن أبي رباحٍ أنّه سمع ابن عبّاسٍ يقول: " اللّه سمّاكم المسلمين من قبل ".
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، وحدّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق جميعًا عن معمرٍ، عن قتادة: {هو سمّاكم المسلمين} قال: " اللّه سمّاكم المسلمين من قبل ".
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {هو سمّاكم المسلمين} قال: " اللّه سمّاكم ".
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول، في قوله: {هو سمّاكم المسلمين من قبل} يقول: " اللّه سمّاكم المسلمين ".
وقال آخرون: بل معناه: إبراهيم سمّاكم المسلمين؛ وقالوا هو كنايةٌ من ذكر إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ {هو سمّاكم المسلمين} قال: " ألا ترى قول إبراهيم {واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيّتنا أمّةً مسلمةً لك} قال: هذا قول إبراهيم؛ {هو سمّاكم المسلمين} ولم يذكر اللّه بالإسلام والإيمان غير هذه الأمّة، ذكرت بالإيمان والإسلام جميعًا، ولم نسمع بأمّةٍ ذكرت إلاّ بالإيمان ".
ولا وجه لما قال ابن زيدٍ من ذلك؛ لأنّه معلومٌ أنّ إبراهيم لم يسمّ أمّة محمّدٍ مسلمين في القرآن، لأنّ القرآن أنزل من بعده بدهرٍ طويلٍ، وقد قال اللّه تعالى ذكره: {هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا} ولكنّ الّذي سمّانا مسلمين من قبل نزول القرآن، وفي القرآن، اللّه الّذي لم يزل ولا يزال.
وأمّا قوله: {من قبل} فإنّ معناه: من قبل نزول هذا القرآن في الكتب الّتي نزلت قبله. {وفي هذا} يقول: وفي هذا الكتاب.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال. حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: " {هو سمّاكم المسلمين من قبل} وفي هذا القرآن ".
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ قال: قال ابن جريجٍ قال مجاهدٌ: " {من قبل} قال: في الكتب كلّها. والذّكر {وفي هذا} يعني القرآن ".
وقوله: {ليكون الرّسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على النّاس} يقول تعالى ذكره: اجتباكم اللّه وسمّاكم أيّها المؤمنون باللّه وآياته، من أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم مسلمين، ليكون محمّدٌ رسول اللّه شهيدًا عليكم يوم القيامة بأنّه قد بلّغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذٍ على الرّسل أجمعين أنّهم قد بلّغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {هو سمّاكم المسلمين من قبل} قال: " اللّه سمّاكم المسلمين من قبل. {وفي هذا ليكون الرّسول شهيدًا عليكم} أنّه بلّغكم. {وتكونوا شهداء على النّاس} أنّ رسلهم قد بلّغتهم ".
وبه عن قتادة، قال: " أعطيت هذه الأمّة ما لم يعطه إلاّ نبيّ، كان يقال للنّبيّ: اذهب فليس عليك حرجٌ وقال اللّه: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} وكان يقال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أنت شهيدٌ على قومك وقال اللّه {لتكونوا شهداء على النّاس} وكان يقال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: سل تعطه وقال اللّه: {ادعوني أستجب لكم} ".
- حدّثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قال: " أعطيت هذه الأمّة ثلاثًا لم يعطها إلاّ نبيّ، كان يقال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: اذهب فليس عليك حرجٌ فقال اللّه: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} قال: وكان يقال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أنت شهيدٌ على قومك وقال اللّه: {لتكونوا شهداء على النّاس} وكان يقال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: سل تعطه وقال اللّه {ادعوني أستجب لكم} ".

القول في تأويل قوله تعالى: {فأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة واعتصموا باللّه هو مولاكم فنعم المولى ونعم النّصير}.
يعني تعالى ذكره بقوله: {فأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة} يقول: فأدّوا الصّلاة المفروضة للّه عليكم بحدودها، وآتوا الزّكاة الواجبة عليكم في أموالكم. {واعتصموا باللّه} يقول: وثقوا باللّه، وتوكّلوا عليه في أموركم. {فنعم المولى} يقول: فنعم الوليّ اللّه لمن فعل ذلك منكم، فأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة، وجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده، واعتصم به. يقول: ونعم النّاصر هو له على من بغاه بسوءٍاً). [جامع البيان: 16/639-648]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله هو سماكم المسلمين يقول الله سماكم المسلمين من قبل يعني من قبل الكتب كلها ومن قبل الذكر وفي هذا يعني القرآن). [تفسير مجاهد: 428]

قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا عبد اللّه بن سعدٍ الحافظ، ثنا محمّد بن إبراهيم بن سعيدٍ العبديّ، وحسام بن بشر بن العنبر، قالا: ثنا الحكم بن موسى القنطريّ، ثنا يحيى بن حمزة، ثنا الحكم بن عبد اللّه، أنّه سمع القاسم بن محمّدٍ، يحدّث عن عائشة رضي اللّه عنها، أنّها سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن هذه الآية {وما جعل عليكم في الدّين من حرج} [الحج: 78] قال: «الضّيق» هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/424]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير
أخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي عمر ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ {وجاهدوا في الله حق جهاده} في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله قلت: بلى، فمتى هذا يا أمير المؤمنين قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء، وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة، قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف فذكره). [الدر المنثور: 10/529-530]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {وجاهدوا في الله حق جهاده} قال: جاهدوا عدو محمد حتى يدخلوا في الإسلام). [الدر المنثور: 10/530]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه {وجاهدوا في الله حق جهاده} قال: ان الرجل ليجاهد في الله حق جهاده وما ضرب بسيف). [الدر المنثور: 10/530]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه {وجاهدوا في الله حق جهاده} يعني العمل أن يجتهدوا فيه). [الدر المنثور: 10/530]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه {وجاهدوا في الله حق جهاده} قال: يطاع فلا يعصى). [الدر المنثور: 10/530]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج - رضي الله عنه - {وجاهدوا في الله حق جهاده} قال: لا تخافوا في الله لومة لائم {هو اجتباكم} قال: استخلصكم). [الدر المنثور: 10/530]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله). [الدر المنثور: 10/530-531]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سألت النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية {وما جعل عليكم في الدين من حرج} قال: من ضيق). [الدر المنثور: 10/531]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني قال: بلى، قال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} قال: الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم). [الدر المنثور: 10/531]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن شهاب أن ابن عباس كان يقول: في قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} توسعة الإسلام ما جعل الله من التوبة ومن الكفارات). [الدر المنثور: 10/531]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن بشار عن ابن عباس {وما جعل عليكم في الدين من حرج} قال: هذا في هلال رمضان إذا شك فيه الناس وفي الحج إذا شكوا في الهلال وفي الأضحى وفي الفطر وفي أشباهه). [الدر المنثور: 10/531-532]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير أن ابن عباس سئل عن الحرج فقال: ادعوا لي رجلا من هذيل فجاءه فقال: ما الحرج فيكم فقال: الحرجة من الشجر التي ليس لها مخرج، فقال ابن عباس: هذا الحرج الذي ليس له مخرج). [الدر المنثور: 10/532]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر والبيهقي في "سننه" من طريق عبيد الله بن أبي يزيد أن ابن عباس سئل عن الحرج فقال: ههنا احد من هذيل فقال رجل: أنا، فقال: ما تعدون الحرجة فيكم قال: الشيء الضيق، قال: هو ذاك). [الدر المنثور: 10/532]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الحرج الضيق لم يجعله ضيقا ولكنه جعله واسعا أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع {وما ملكت أيمانكم} {حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} ). [الدر المنثور: 10/532]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات، وابن عساكر عن ابن شهاب قال: سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبد الله عن هذه الآية {وما جعل عليكم في الدين من حرج} فقال علي بن عبد الله: الحرج الضيق جعل الله الكفارات مخرجا من ذلك، سمعت ابن عباس يقول ذلك). [الدر المنثور: 10/533]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي في "سننه" عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ثم قال: ادعوا لي رجلا من بني مدلج، قال عمر: ما الحرج فيكم قال: الضيق). [الدر المنثور: 10/533]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان قال: غاب عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج فلما خرج سجد سجدة فظننا أن نفسه قد قبضت فلما رفع رأسه قال: ان ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم فقلت: ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له كذلك فقال: لا أخزيك في أمتك يا محمد وبشرني: إن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب، ثم أرسل الي ادع تجب وسل تعط فقلت لرسوله: أو معطي ربي سؤلي قال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي عز وجل ولا فخر وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وأنا أمشي حياء وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب وأعطاني الكوثر فهو نهر في الجنة يسيل في حوضي وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا وأعطاني: أني أول الأنبياء أدخل الجنة وطيب لي ولأمتي الغنيمة وأحل لنا كثيرا ممن شدد على من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج فلم أجد لي شكرا إلا هذه السجدة). [الدر المنثور: 10/533-534]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} يقول: لم يضيق الدين عليكم ولكن جعله واسعا لمن دخله وذلك أنه ليس مما فرض عليهم فيه إلا ساق إليهم عند الاضطرار رخصة والرخصة في الدنيا فيها وسع عليهم رحمة منه إذا فرض عليهم الصلاة في المقام أربع ركعات وجعلها في السفر ركعتين وعند الخوف من العدو ركعة ثم جعل في وجهة رخصة أن يومئ إيماء إن لم يستطيع السجود في أي نحو كان وجهه لمن تجاوز عن السيئات منه والخطأ وجعل في الوضوء والغسل رخصة إذا لم يجد الماء أن يتيمموا الصعيد وجعل الصيام على المقيم واجبا ورخص فيه للمريض والمسافر عدة من أيام أخر فمن لم يطق فإطعام مسكين مكان كل يوم وجعل في الحج رخصة ان لم يجد زادا أو حملانا أو حبس دونه وجعل في الجهاد رخصة إن لم يجد حملانا أو نفقة وجعل عند الجهد والاضطرار من الجوع: إن رخص في الميتة والدم ولحم الخنزير قدر ما يرد نفسه لا يموت جوعا في أشباه هذا في القرآن وسعة الله على هذه الأمة رخصة منه ساقها إليهم). [الدر المنثور: 10/534-535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ملة أبيكم إبراهيم} قال: دين أبيكم). [الدر المنثور: 10/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله {هو سماكم المسلمين من قبل} قال الله عز وجل {سماكم} ). [الدر المنثور: 10/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {هو سماكم المسلمين} قال الله عز وجل {سماكم المسلمين من قبل} قال الكتب كلها وفي الذكر {وفي هذا} قال: القرآن). [الدر المنثور: 10/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {هو سماكم} قال الله {سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} أي في كتابكم: {ليكون الرسول شهيدا عليكم} أنه قد بلغكم {وتكونوا شهداء على الناس} أن رسلهم قد بلغتهم). [الدر المنثور: 10/535-536]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن سفيان في قوله: {هو سماكم المسلمين} قال الله عز وجل {من قبل} قال: في التوراة والإنجيل {وفي هذا} قال: القرآن {ليكون الرسول شهيدا عليكم} قال: بأعمالكم {وتكونوا شهداء على الناس} قال: على الأمم بأن الرسل قد بلغتهم). [الدر المنثور: 10/536]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: لم يذكر الله بالإسلام والإيمان غير هذه الأمة ذكرت بهما جميعا ولم يسمع بأمة ذكرت بالإسلام والإيمان غيرها). [الدر المنثور: 10/536]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {هو سماكم المسلمين} قال إبراهيم: ألا ترى إلى قوله {ربنا واجعلنا مسلمين لك} الآية: كلها). [الدر المنثور: 10/536]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطيالسي وأحمد، وابن حبان والبخاري في تاريخه والترمذي وصححه والنسائي والموصلي، وابن خزيمة، وابن حبان والباوردي، وابن قانع والطبراني والحاكم، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن الحارث الأشعري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من دعا بدعوى الجاهلية فانه من جثاء جهنم قال رجل: يا رسول الله وان صام وصلى قال: نعم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله). [الدر المنثور: 10/536-537]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: تسموا بأسمائكم التي سماكم الله بها: بالحنيفية والإسلام والإيمان.
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وإسحاق بن راهوية في مسنده عن مكحول: إن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: تسمى الله باسمين سمى بهما أمتي: هو السلام وسمى أمتي المسلمين وهو المؤمن وسمى أمتي المؤمنين والله تعالى أعلم). [الدر المنثور: 10/537]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 09:44 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)}

قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] يعني الصّلاة المكتوبة.
{واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير} [الحج: 77] في وجهتكم.
{لعلّكم تفلحون} [الحج: 77] لكي تفلحوا). [تفسير القرآن العظيم: 1/390]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا...}

كان الناس يسجدون بلا ركوع، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع قبل السجود). [معاني القرآن: 2/231]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون}أي اقصدوا بركوعكم وسجودكم الله وحده.
{وافعلوا الخير}.
والخير كل ما أمر اللّه به.
وقوله: {لعلّكم تفلحون}
هذا ليس بشك، ولكن معناه لترجوا أن تكونوا على فلاح، كما قال لموسى وهارون: {اذهبا إلى فرعون إنّه طغى * فقولا له قولا ليّنا لعلّه يتذكّر أو يخشى}.
أي اذهبا على رجائكما كما كما يرجو النبي ممن يبعث إليه، واللّه عز وجلّ من وراء العلم بما يؤول إليه أمر فرعون إلا أن الحجة لا تقوم إلا بعد الإبانة). [معاني القرآن: 3/439]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {يا أيها الناس اركعوا واسجدوا}
فلا يكون ركوع إلا بسجود ثم قال تعالى: {واعبدوا ربكم} أي أخلصوا عبادتكم لله وحده ثم قال جل وعز: {وافعلوا الخير} أي كل ما أمر الله به
ثم قال جل وعز: {لعلكم تفلحون} أي لتكونوا على رجاء من الفلاح). [معاني القرآن: 4/434-433]

تفسير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده} [الحج: 78] وهي مثل قوله: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} [آل عمران: 102].
وهما منسوختان نسختهما الآية الّتي في التّغابن: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم} [التغابن: 16] قوله: {هو اجتباكم} [الحج: 78] اصطفاكم، ويقال: اختاركم لدينه.
وهو واحدٌ.
{وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} [الحج: 78] من ضيقٍ.
- ابن لهيعة، عن عبد اللّه بن هبيرة، عن أبي تميمٍ الجيشانيّ، عن سعيد بن المسيّب أنّه سمع حذيفة بن اليمان يقول: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «لقد أعطاني ربّي بأنّي أوّل الأنبياء دخولا الجنّة، وطيّب لي ولأمّتي الغنيمة، وأحلّ لنا كثيرًا ممّا شدّد به على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدّين من حرجٍ».
- ابن لهيعة، عن زيد بن أبي حبيبٍ، عن ابن شهابٍ، عن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاسٍ، عن أبيه قال: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} [الحج: 78] يعني من ضيقٍ.
جعل اللّه الكفّارات مخرجًا من ذلك.
- همّامٌ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «خير دينكم أيسره».
قال قتادة: إنّ كتاب اللّه قد جاءكم بذاك وربّ الكعبة: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]
[تفسير القرآن العظيم: 1/390]
- أبو أميّة، عن الحسن قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «والّذي نفس محمّدٍ بيده ما اجتمع أمران في الإسلام إلا كان أحبّهما إلى اللّه أيسرهما».
- بحرٌ السّقّاء، عن الزّهريّ، عن عروة بن الزّبير، عن عائشة قالت: ما عرض لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمران قطّ إلا أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثمًا.
وكان أبعد النّاس من الإثم.
قوله: {ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين} [الحج: 78] اللّه سمّاكم المسلمين.
{من قبل} [الحج: 78] هذا أي من قبل هذا القرآن في الكتب كلّها الأولى، وفي الذّكر.
{وفي هذا} [الحج: 78] القرآن.
قوله: {ليكون الرّسول شهيدًا عليكم} [الحج: 78] بأنّه قد بلّغ.
{ليكون الرّسول شهيدًا عليكم} [الحج: 78] على الأمم بأنّ الرّسل قد بلّغت قومها.
سعيدٌ، عن قتادة أنّ كعبًا قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى أعطى هذه الأمّة ثلاثًا لم يعطهنّ قبلهم إلا نبيًّا مرسلًا: كان يبعث النّبيّ فيقول: أنت شاهدي على أمّتك، وإنّ اللّه جعلكم شهداء على النّاس.
ويبعث النّبيّ فيقول: ادعني استجب لك وقال: {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60].
ويبعث النّبيّ فيقول: ليس عليك في الدّين من حرجٍ وقال: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} [الحج: 78] قوله: {فأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة} [الحج: 78] هما فريضتان واجبتان.
أمّا الصّلاة فالصّلوات الخمس يقيمونها على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها وسجودها.
وأمّا الزّكاة فقد فسّرناها في أحاديث الزّكاة على ما سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها.
قوله: {واعتصموا باللّه} [الحج: 78] بدين اللّه، فهو اعتصامكم باللّه في تفسير الحسن.
وقال الكلبيّ: بتوحيد اللّه.
وهو واحدٌ.
قوله: {هو مولاكم} [الحج: 78] وليّكم.
{فنعم المولى ونعم النّصير} [الحج: 78] وعدهم النّصر على أعدائه المشركين). [تفسير القرآن العظيم: 1/391]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {في الدّين من حرجٍ...}
من ضيق.
وقوله: {مّلّة أبيكم} نصبتها على: وسّع عليكم كملّة أبيكم إبراهيم؛ لأن قوله: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} يقول: وسّعه وسمّحه كملّة إبراهيم، فإذا ألقيت الكاف نصبت، وقد تنصب {ملّة إبراهيم} على الأمر بها؛ لأن أول الكلام أمر كأنّه قال: اركعوا والزموا ملّة إبراهيم.
وقوله: {من قبل وفي هذا} يعني القرآن). [معاني القرآن: 2/231]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {فنعم المولى} أي الرب). [مجاز القرآن: 2/54]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ مّلّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرّسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على النّاس فأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة واعتصموا باللّه هو مولاكم فنعم المولى ونعم النّصير}
وقال: {مّلّة أبيكم إبراهيم} نصب على الأمر). [معاني القرآن: 3/12]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {وما جعل عليكم في الدين من حرج}: من ضيق). [غريب القرآن وتفسيره: 263]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {هو اجتباكم} أي اختاركم.
{وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} أي ضيق.
{هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا} يعني القرآن.
{ليكون الرّسول شهيداً عليكم} أي قد بلغكم.
{وتكونوا شهداء على النّاس} بأن الرسل قد بلغتهم.
{فنعم المولى} أي الولي.
{ونعم النّصير} أي الناصر. مثل قدير وقادر، وسميع وسامع). [تفسير غريب القرآن: 295]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وأما الضيق بعينه فقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي ضيق.
و{يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} وحَرِجًا. ومنه الحرجة وهي: الشجر الملتفّ). [تأويل مشكل القرآن: 484] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجل: {وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدّين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرّسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على النّاس فأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة واعتصموا باللّه هو مولاكم فنعم المولى ونعم النّصير}
قيل إنه بمنزلة قوله: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} وأن نسخها قوله: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم}.
وقوله: {هو اجتباكم} معناه: اختاركم.
وقوله: {وما جعل عليكم في الدّين من حرج} أي من ضيق، جعل الله على من لم يستطع الشيء الذي يثقل في وقت، ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر،
وبقصر الصلاة للمصلّي إذا لم يطق القيام أن يصلّي قاعدا، وإن لم يطق القعود أن يومئ إيماء، وجعل للرجل أن يتزوج أربعا، وجعل له جميع ما ملكته يمينه.
فوسّع اللّه - عزّ وجلّ - على خلقه.
وقوله: {ملّة أبيكم إبراهيم} معناه اتبعوا ملّة أبيكم إبراهيم.
وجائز أن يكون منصوبا بقوله: اعبدوا ربكم وافعلوا الخير فعل أبيكم إبراهيم.
وقوله: {هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا}." هو " راجعة إلى اللّه - عر وجل - المعنى: اللّه سمّاكم المسلمين من قبل أن ينزّل القرآن، وفي هذا القرآن سمّاكم المسلمين.
وجائز أن يكون إبراهيم عليه السلام سمّاكم المسلمين من قبل، وفي هذا، أي حكم إبراهيم أن كل من آمن بمحمد موحّدا للّه فقد سمّاه إبراهيم مسلما.
وقوله: {وتكونوا شهداء على النّاس} يروى أن الله سبحانه أعطى هذه الأمة ثلاثة أشياء لم يعطها إلا الأنبياء.
جعلت شهيدة على سائر الأمم، والشهادة لكل نبيّ على أمّته.
وأن يقال للنبي عليه السلام: اذهب ولا حرج عليك، وقال اللّه لهذه الأمّة: {وما جعل عليكم في الدّين من حرج}، وأنه قال لكل نبيّ سل تعطه،
وقال لهذه الأمّة: {وقال ربّكم ادعوني أستجب لكم} ). [معاني القرآن: 3/440-439]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {وجاهدوا في الله حق جهاده}
قيل هذا منسوخ وهو مثل قوله: {اتقوا الله حق تقاته} نسخه {فاتقوا الله ما استطعتم}
ثم قال جل وعز: {هو اجتباكم أي اختاركم ثم قال وما جعل عليكم في الدين من حرج}
قال أبو هريرة الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم
روى يونس عن الزهري قال سأل عبد الملك بن مروان علي ابن عبد الله ابن عباس عن قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} فقال هو الضيق جعل لكفارات الأيمان مخرجا سمعت ابن عباس يقول ذلك قال أبو جعفر أصل الحرج في اللغة أشد الضيق وقد قيل إن المعنى أنه جعل للمسافر الإفطار وقصر الصلاة ولمن لم يقدر أن يصلي قائما الصلاة قاعدا وإن لم يقدر أومأ فلم يضيق جل وعز
وروى معمر عن قتادة قال أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي
أ-كأن يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك وقيل لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج
ب-والنبي صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته وقيل لهذه الأمة {وتكونوا شهداء على الناس}
ج- ويقال للنبي صلى الله عليه وسلم سل تعطه وقيل لهذه الأمة وقال ربكم ادعوني استجب لكم
وقال كعب الأحبار نحو هذا
وقال عكرمة أحل النساء مثنى وثلاث ورباع
وروى عن ابن عباس جعل التوبة مقبولة
وقوله جل وعز: {ملة أبيكم إبراهيم}
أي وسع عليكم كما وسع عليه صلى الله عليه وسلم وقيل افعلوا الخير فعل أبيكم إبراهيم
ثم قال تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا}
روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال يقول الله جل وعز: {سماكم}
قال مجاهد من قبل أي في الكتب والذكر
قال أبو جعفر وفي هذا يعني القرآن
ثم قال جل وعز: {ليكون الرسول شهيدا عليكم}
قال سفيان أي بأعمالكم وتكونوا شهداء على الناس بأن الرسل قد بلغتهم
وقوله جل وعز: {فنعم المولى} أي الولي {ونعم النصير} أي الناصر كما يقول قدير وقادر ورحيم وراحم). [معاني القرآن: 4/437-434]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {مِنْ حَرَجٍ}: ضيق). [العمدة في غريب القرآن: 214]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 09:45 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي


التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) }

تفسير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 19 ذو القعدة 1439هـ/31-07-2018م, 03:06 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 19 ذو القعدة 1439هـ/31-07-2018م, 03:07 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 19 ذو القعدة 1439هـ/31-07-2018م, 03:11 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (ثم أمر الله -تعالى- بعبادته، وخص الركوع والسجود بالذكر تشريفا للصلاة.
واختلف الناس، هل في هذه الآية سجدة؟ ومذهب مالك -رحمه الله- ألا يسجد هنا. وقوله تعالى: {وافعلوا الخير} ندب فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع، وقوله -تبارك وتعالى: {لعلكم تفلحون} ترج في حق المؤمنين، كقوله سبحانه: {لعله يتذكر أو يخشى}، و"الفلاح" في هذه الآية نيل البغية وبلوغ الأمل).[المحرر الوجيز: 6/275]

تفسير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}
قالت فرقة: هذه آية أمر الله -تعالى- فيها بالجهاد في سبيله، وهو قتال الكفار، وقالت فرقة: هي أعم من ذلك، وهو جهاد النفس، وجهاد الكافرين، وجهاد الظلمة، وغير ذلك، أمر الله عباده بأن يفعلوا ذلك في ذات الله حق فعله.
قال القاضي أبو محمد -رحمه الله-:
والعموم حسن. وبين أن عرف اللفظة يقتضي الجهاد في سبيل الله، وقال هبة الله
[المحرر الوجيز: 6/275]
وغيره: إن قوله تعالى: {حق جهاده} وقوله في الأخرى: {حق تقاته} [آل عمران: 102] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة.
قال القاضي أبو محمد -رحمه الله-:
ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر، فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعا ثابتا فيقال: إنه نسخ بالتخفيف، وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق. و"اجتباكم" معناه: تخيركم.
وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} معناه: من تضييق، يريد: في شرعة الملة، وذلك أنها حنيفية سمحة، ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم، بل فيها التوبة والكفارات والرخص ونحو هذا مما كثر عده.و"الحرجة": الشجر الملتف المتضايق، ورفع الحرج صح لجمهور هذه الأمة ولمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله -تعالى- ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج.
وقوله: "ملة" نصب بفعل مضمر تقديره: بل جعلها، أو نحوه من أفعال الإغراء، وقال الفراء: هو نصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال: "كملة"، وقيل: هو كما ينصب المصدر. وقوله: "هو سماكم"، قال ابن زيد: الضمير لإبراهيم والإشارة إلى قوله: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}. وقال ابن عباس، وقتادة، ومجاهد: الضمير لله -تعالى- و"من قبل" معناه: في الكتب القديمة، "وفي هذا": في القرآن، وهذه اللفظة تضعف قول من قال: الضمير، لإبراهيم، ولا يتوجه إلا على تقدير محذوف من الكلام
[المحرر الوجيز: 6/276]
مستأنف. وقوله تعالى: {ليكون الرسول شهيدا عليكم} أي: بالتبليغ، وقوله: {وتكونوا شهداء على الناس} أي: بتبليغ رسلهم إليهم على ما أخبركم نبيكم.
وأسند الطبري إلى قتادة أنه قال: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي، كان يقال للنبي: أنت شهيد على أمتك، وقيل لهذه الأمة: وتكونوا شهداء على الناس، وكان يقال للنبي: ليس عليك حرج، وقيل لهذه الأمة: وما جعل عليكم في الدين من حرج، وكان يقال للنبي: سل تعط، وقيل لهذه الأمة: ادعوني أستجب لكم.
ثم أمر -تعالى- بالصلاة المفروضة أن تقام ويدام عليها بجميع حدودها، وبالزكاة أن تؤدى، كما أنعم عليكم فافعلوا كذا، ثم أمر بالاعتصام بالله -تعالى- أي: بالتعلق به والخلوص له، وطلب النجاة منه ورفض التوكل على سواه.و"المولى" في هذه الآية معناه: الذي يليكم نصره وحفظه. وباقي الآية بين). [المحرر الوجيز: 6/277]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 محرم 1440هـ/23-09-2018م, 07:41 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 محرم 1440هـ/23-09-2018م, 07:43 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون (77) وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرّسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على النّاس فأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة واعتصموا باللّه هو مولاكم فنعم المولى ونعم النّصير (78)}.
اختلف الأئمّة، رحمهم اللّه، في هذه السّجدة الثّانية من سورة الحجّ: هل هي مشروعٌ السجود فيها أم لا؟ على قولين. وقد قدّمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامرٍ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "فضلت سورة الحجّ بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما"). [تفسير ابن كثير: 5/ 455]

تفسير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده} أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} [آل عمران: 102].
وقوله: {هو اجتباكم} أي: يا هذه الأمّة، اللّه اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضّلكم وشرّفكم وخصّكم بأكرم رسولٍ، وأكمل شرعٍ.
{وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} أي: ما كلّفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيءٍ فشق عليكم إلّا جعل اللّه لكم فرجًا ومخرجًا، فالصّلاة -الّتي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشّهادتين-تجب في الحضر أربعًا وفي السّفر تقصر إلى ثنتين، وفي الخوف يصلّيها بعض الأئمّة ركعةً، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النّافلة في السّفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصلّيها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرّخص والتّخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال، عليه السّلام: "بعثت بالحنيفيّة السّمحة" وقال لمعاذٍ وأبي موسى، حين بعثهما أميرين إلى اليمن: "بشّرا ولا تنفّرا، ويسّرا ولا تعسّرا". والأحاديث في هذا كثيرةٌ؛ ولهذا قال ابن عبّاسٍ في قوله: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} يعني: من ضيقٍ.
وقوله: {ملّة أبيكم إبراهيم}: قال ابن جريرٍ: نصب على تقدير: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} أي: من ضيقٍ، بل وسّعه عليكم كملّة أبيكم إبراهيم. [قال: ويحتمل أنّه منصوبٌ على تقدير: الزموا ملّة أبيكم إبراهيم].
قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: {قل إنّني هداني ربّي إلى صراطٍ مستقيمٍ دينًا قيمًا ملّة إبراهيم حنيفًا} الآية [الأنعام: 161].
وقوله: {هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال الإمام عبد اللّه بن المبارك، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {هو سمّاكم المسلمين من قبل} قال: اللّه عزّ وجلّ. وكذا قال مجاهدٌ، وعطاءٌ، والضّحّاك، والسّدّيّ، وقتادة، ومقاتل بن حيّان.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: {هو سمّاكم المسلمين من قبل} يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: {ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيّتنا أمّةً مسلمةً لك} [البقرة: 128].
قال ابن جريرٍ: وهذا لا وجه له؛ لأنّه من المعلوم أنّ إبراهيم لم يسمّ هذه الأمّة في القرآن مسلمين، وقد قال اللّه تعالى: {هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال مجاهدٌ: اللّه سمّاكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدّمة وفي الذّكر، {وفي هذا} يعني: القرآن. وكذا قال غيره.
قلت: وهذا هو الصّواب؛ لأنّه تعالى قال: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ}، ثمّ حثّهم وأغراهم على ما جاء به الرّسول، صلوات اللّه وسلامه عليه، بأنّه ملّة أبيهم إبراهيم الخليل، ثمّ ذكر منّته تعالى على هذه الأمّة بما نوّه به من ذكرها والثّناء عليها في سالف الدّهر وقديم الزّمان، في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرّهبان، فقال: {هو سمّاكم المسلمين من قبل} أي: من قبل هذا القرآن {وفي هذا}، وقد قال النّسائيّ عند تفسير هذه الآية:
أنبأنا هشام بن عمّارٍ، حدّثنا محمّد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلّامٍ أنّ أخاه زيد بن سلّامٍ أخبره، عن أبي سلّامٍ أنّه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعريّ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "من دعا بدعوى الجاهليّة فإنّه من جثيّ جهنّم". قال رجلٌ: يا رسول اللّه، وإن صام وصلّى؟ قال: "نعم، وإن صام وصلّى، فادعوا بدعوة اللّه الّتي سمّاكم بها المسلمين المؤمنين عباد اللّه".
وقد قدّمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون} من سورة البقرة [الآية: 21]؛ ولهذا قال: {ليكون الرّسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على النّاس} أي: إنّما جعلناكم هكذا أمّةً وسطًا عدولا خيارًا، مشهودًا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة {شهداء على النّاس} لأنّ جميع الأمم معترفةٌ يومئذٍ بسيادتها وفضلها على كلّ أمّةٍ سواها؛ فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أنّ الرّسل بلّغتهم رسالة ربّهم، والرّسول يشهد على هذه الأمّة أنّه بلّغها ذلك. وقد تقدّم الكلام على هذا عند قوله: {وكذلك جعلناكم أمّةً وسطًا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيدًا} [البقرة: 143]، وذكرنا حديث نوحٍ وأمّته بما أغنى عن إعادته.
وقوله: {فأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة} أي: قابلوا هذه النّعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدّوا حقّ اللّه عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرّم. ومن أهمّ ذلك إقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة، وهو الإحسان إلى خلق اللّه، بما أوجب، للفقير على الغنيّ، من إخراج جزءٍ نزر من ماله في السّنة للضّعفاء والمحاويج، كما تقدّم بيانه وتفصيله في آية الزّكاة من سورة "التّوبة".
وقوله: {واعتصموا باللّه} أي: اعتضدوا باللّه، واستعينوا به، وتوكّلوا عليه، وتأيّدوا به، {هو مولاكم} أي: حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم، {فنعم المولى ونعم النّصير} يعني: [نعم] الوليّ ونعم النّاصر من الأعداء.
قال وهيب بن الورد: يقول اللّه تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي، فإنّ نصرتي لك خيرٌ من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتمٍ.
واللّه تعالى أعلم وله الحمد والمنّة، والثّناء الحسن والنّعمة، وأسأله التّوفيق والعصمة، في سائر الأفعال والأقوال). [تفسير ابن كثير: 5/ 455-457]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:27 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة