العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأنعام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 ربيع الثاني 1434هـ/26-02-2013م, 01:31 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير سورة الأنعام [ من الآية (93) إلى الآية (94) ]

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/3-03-2013م, 09:55 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف


تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال نزلت في مسيلمة.
عن معمر، قال أخبرني الزهري: أن النبي قال:« بينما أنا نائم رأيت كأن في يدي سوارين من ذهب فكبر ذلك علي فأوحى الله إلي أن أنفخهما فنفختها فطارا فأولت ذلك كذاب اليمامة وكذاب صنعاء العنسي»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 213-214]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) :(قال ابن عبّاسٍ:
{ثمّ لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] : «معذرتهم» {معروشاتٍ} [الأنعام: 141] : «ما يعرش من الكرم وغير ذلك» ، {حمولةً} [الأنعام: 142] : «ما يحمل عليها»، {وللبسنا} [الأنعام: 9] : «لشبّهنا» ، {لأنذركم به} [الأنعام: 19] : «أهل مكّة» {ينأون}[الأنعام: 26] : «يتباعدون» . {تبسل} [الأنعام: 70] : «تفضح» . {أبسلوا} [الأنعام: 70] : «أفضحوا» ، {باسطو أيديهم} : «البسط الضّرب»).[صحيح البخاري: 6/ 55-56] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: {باسطو أيديهم}، البسط: الضّرب وصله بن أبي حاتمٍ أيضًا من هذا الوجه عن بن عبّاس، في قوله: {والملائكة باسطو أيديهم}، قال: هذا عند الموت والبسط الضّرب). [فتح الباري: 8/ 288]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (وبه في قوله: {والملائكة باسطو أيديهم}، قال: هذا عند الموت والبسط الضّرب). [تغليق التعليق: 4/ 210]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ({باسطو أيديهم}: البسط الضّرب
أشار به إلى قوله تعالى: {والملائكة باسطو أيديهم} وقبله: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم} وجواب: لو. محذوف تقديره لرأيت عجيبا. قوله: {باسطو أيديهم} ، أي: بالضّرب، وقيل: بالعذاب، وقيل: بقبض الأرواح من الأجساد ويكون هذا وقت الموت، وقيل: يوم القيامة، وقيل: في النّار، وقال الزّمخشريّ: باسطو أيديهم يبسطون إليهم أيديهم يقولون أخرجوا أرواحكم إلينا من أجسادكم، وهذا عبارة عن العنف والإلحاح في الإزهاق. قوله: (البسط الضّرب) ، تفسير البسط بالضّرب غير موجه لأن المعنى البسط بالضّرب يعني: الملائكة يبسطون أيديهم بالضّرب، كما ذكرنا).[عمدة القاري: 18/ 220]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وفي قوله تعالى: {والملائكة} ({باسطو أيديهم}) (البسط: الضرب) من قوله تعالى: {لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني} [المائدة: 28] وليس البسط الضرب نفسه).[إرشاد الساري: 7/ 116]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه}.
يعني جلّ ذكره بقوله: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا}: ومن أخطأ قولاً وأجهل فعلاً ممّن افترى على اللّه كذبًا، يعني: ممّن اختلق على اللّه كذبًا، فادّعى عليه أنّه بعثه نبيًّا وأرسله نذيرًا، وهو في دعواه مبطلٌ وفي قيله كاذبٌ.
وهذا تسفيهٌ من اللّه لمشركي العرب، وتجهيلٌ منه لهم في معارضة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرحٍ والحنفيّ مسيلمة لنبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدعوى أحدهما النّبوّة، ودعوى الآخر أنّه قد جاء بمثل ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ونفي منه عن نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم اختلاق الكذب عليه ودعوى الباطل.
وقد اختلف أهل التّأويل في ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الّذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة، قوله: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ} قال: نزلت في مسيلمة أخي بني عديّ بن حنيفة فيما كان يسجّع ويتكهّن به. {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه}: نزلت في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرحٍ، أخي بني عامر بن لؤيٍّ، كان يكتب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان فيما يملي عزيزٌ حكيمٌ، فيكتب غفورٌ رحيمٌ، فيغيّره، ثمّ يقرأ عليه كذا وكذا لما حوّل، فيقول: نعم سواءٌ، فرجع عن الإسلام ولحق بقريشٍ وقال لهم: لقد كان ينزل عليه (عزيزٌ حكيمٌ)، فأحوّله ثمّ أقول لما أكتب، فيقول: نعم سواءٌ، ثمّ رجع إلى الإسلام قبل فتح مكّة، إذ نزل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بمرٍّ.
وقال بعضهم: بل نزل ذلك في عبد اللّه بن سعدٍ خاصّةً.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ} إلى قوله: {تجزون عذاب الهون} قال: نزلت في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرحٍ، أسلم وكان يكتب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فكان إذا أملى عليه سميعًا عليمًا كتب هو: عليمًا حكيمًا، وإذا قال: عليمًا حكيمًا كتب: سميعًا عليمًا، فشكّ وكفر وقال: إن كان محمّدٌ يوحى إليه فقد أوحي إليّ، وإن كان اللّه ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل اللّه، قال محمّدٌ: (سميعًا عليمًا)، فقلت أنا: (عليمًا حكيمًا). فلحق بالمشركين، ووشى بعمّارٍ وجبيرٍ عند ابن الحضرميّ أو لبني عبد الدّار، فأخذوهم فعذّبوا حتّى كفروا، وجدع أذن عمّارٍ يومئذٍ، فانطلق عمّارٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخبره بما لقي والّذي أعطاهم من الكفر، فأبى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتولاّه، فأنزل اللّه في شأن ابن أبي سرحٍ وعمّارٍ وأصحابه: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا}، فالّذي أكره عمّارٌ وأصحابه، والّذي شرح بالكفر صدرًا فهو ابن أبي سرحٍ.
وقال آخرون: بل القائل: {أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ} مسيلمة الكذّاب.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه}، ذكر لنا أنّ هذه الآية نزلت في مسيلمة، ذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: رأيت فيما يرى النّائم، كأنّ في يديّ سوارين من ذهبٍ، فكبرا عليّ وأهمّاني، فأوحي إليّ أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأوّلتهما في منامي الكذّابين اللّذين أنا بينهما: كذّاب اليمامة مسيلمة، وكذّاب صنعاء العنسيّ، وكان يقال له: الأسود.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: {أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ}، قال: نزلت في مسيلمة.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، وزاد فيه: وأخبرني الزّهريّ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «بينا أنا نائمٌ، رأيت في يديّ سوارين من ذهبٍ، فكبر ذلك عليّ، فأوحي إليّ أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأوّلت ذلك كذّاب اليمامة، وكذّاب صنعاء العنسيّ».
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصّواب، أن يقال: إنّ اللّه قال: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ} ولا تمانعٌ بين علماء الأمّة أنّ ابن أبي سرحٍ كان ممّن قال: إنّي قد قلت مثل ما قال محمّدٌ، وأنّه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين. فكان لا شكّ بذلك من قيله مفتريًا كذبًا. وكذلك لا خلاف بين الجميع أنّ مسيلمة والعنسيّ الكذّابين ادّعيا على اللّه كذبًا أنّه بعثهما نبيّين، وقال كلّ واحدٍ منهما: إنّ اللّه أوحى إليه، وهو كاذبٌ في قيله.
فإذ كان ذلك كذلك، فقد دخل في هذه الآية كلّ من كان مختلقًا على اللّه كذبًا، وقائلاً في ذلك الزّمان وفي غيره أوحى اللّه إليه، وهو في قيله كاذبٌ لم يوح اللّه إليه شيئًا. فأمّا التّنزيل فإنّه جائزٌ أن يكون نزل بسبب بعضهم، وجائزٌ أن يكون نزل بسبب جميعهم، وجائزٌ أن يكون عني به جميع المشركين من العرب، إذ كان قائلو ذلك منهم فلم يغيّروه، فعيّرهم اللّه بذلك وتوعّدهم بالعقوبة على تركهم نكير ذلك.
ومع تركهم نكيره، هم بنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم مكذّبون، ولنبوّته جاحدون، ولآيات كتاب اللّه وتنزيله دافعون، فقال لهم جلّ ثناؤه: ومن أظلم ممّن ادّعى على النّبوّة كاذبًا وقال: {أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ}، ومع ذلك يقول: {ما أنزل اللّه على بشرٍ من شيءٍ}، فينقض قوله بقوله، ويكذّب بالّذي تحقّقه، وينفي ما يثبته، وذلك إذا تدبّره العاقل الأريب علم أنّ فاعله من عقله عديمٌ.
وقد روي عن ابن عبّاسٍ، أنّه كان يقول في قوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه}.
- ما حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه}، قال: زعم أنّه لو شاء قال مثله، يعني الشّعر.
فكان ابن عبّاسٍ في تأويله هذا على ما تأوّله يوجّه معنى قول قائلٍ: سأنزل مثل ما أنزل اللّه، إلى: سأنزل مثل ما قال اللّه من الشّعر. وكذلك تأوّله السّدّيّ، وقد ذكرنا الرّواية عنه قبل فيما مضى).[جامع البيان: 9/ 404-408]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: ولو ترى يا محمّد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظّالمين، العادلين بربّهم الآلهة والأنداد، والقائلين: ما أنزل اللّه على بشرٍ من شيءٍ، والمفترين على اللّه كذبًا، الزّاعمين أنّ اللّه أوحى إليه ولم يوح إليه شيءٌ، والقائلين: سأنزل مثل ما أنزل اللّه، فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت، ونزل بهم أمر اللّه، وحان فناء آجالهم، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، كما قال جلّ ثناؤه: {فكيف إذا توفّتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنّهم اتّبعوا ما أسخط اللّه وكرهوا رضوانه} [محمد]، يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم.
والغمرات: جمع غمرةٍ، وغمرة كلّ شيءٍ: كثرته ومعظمه، وأصله: الشّيء الّذي يغمر الأشياء فيغطّيها، ومنه قول الشّاعر:
وهل ينجي من الغمرات إلاّ ....... براكاء القتال أو الفرار
وروي عن ابن عبّاسٍ في ذلك ما:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ، قوله: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت} قال: سكرات الموت.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {في غمرات الموت} يعني: سكرات الموت.
وأمّا بسط الملائكة أيديهم فإنّه مدّها.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في سبب بسطها أيديها عند ذلك، فقال بعضهم بنحو الّذي قلنا في ذلك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم} قال: هذا عند الموت والبسط: الضّرب، يضربون وجوههم وأدبارهم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي: قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم} يقول: الملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم. والظّالمون في غمرات الموت، وملك الموت يتوفّاهم.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {والملائكة باسطو أيديهم}: يضربونهم.
وقال آخرون: بل بسطها أيديها بالعذاب.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك: {والملائكة باسطو أيديهم} قال: بالعذاب.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن الزّبير، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: {والملائكة باسطو أيديهم} بالعذاب.
وكان بعض نحويّي الكوفيّين يتأوّل ذلك بمعنى: باسطو أيديهم بإخراج أنفسهم.
فإن قال قائلٌ: ما وجه قوله: {أخرجوا أنفسكم}، ونفوس بني آدم إنّما يخرجها من أبدان أهلها ربّ العالمين؟ فكيف خوطب هؤلاء الكفّار، وأمروا في حال الموت بإخراج أنفسهم؟ فإن كان ذلك كذلك فقد وجب أن يكون بنو آدم هم يقبضون أنفس أجسامهم؟
قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف الّذي إليه ذهبت، وإنّما ذلك أمرٌ من اللّه على ألسن رسله الّذين يقبضون أرواح هؤلاء القوم من أجسامهم، بأداء ما أسكنها ربّها من الأرواح إليه وتسليمها إلى رسله الّذين يتوفّونها).[جامع البيان: 9/ 408-411]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ وكنتم عن آياته تستكبرون}.
وهذا خبرٌ من اللّه جلّ ثناؤه عمّا تقول رسل اللّه الّتي تقبض أرواح هؤلاء الكفّار لها، يخبر عنها أنّها تقول لأجسامها ولأصحابها: أخرجوا أنفسكم إلى سخط اللّه ولعنته، فإنّكم اليوم تثابون على كفركم باللّه، وقيلكم عليه الباطل، وزعمكم أنّ اللّه أوحى إليكم ولم يوح إليكم شيئًا، وإنكاركم أن يكون اللّه أنزل على بشرٍ شيئًا، واستكباركم عن الخضوع لأمر اللّه وأمر رسوله، والانقياد لطاعته. {عذاب الهون}: وهو عذاب جهنّم الّذي يهينهم فيذلّهم، حتّى يعرفوا صغار أنفسهم وذلّتها.
- كما حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: أمّا {عذاب الهون}: فالّذي يهينهم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {اليوم تجزون عذاب الهون} قال: عذاب الهون في الآخرة بما كنتم تعملون.
والعرب إذا أرادت بالهون معنى الهوان ضمّت الهاء، وإذا أرادت به الرّفق والدّعة وخفّة المؤونة فتحت الهاء، فقالوا: هو قليل هون المؤونة، ومنه قول اللّه: {الّذين يمشون على الأرض هونًا} يعني: بالرّفق والسّكينة والوقار، ومنه قول جندل بن المثنّى الطّهويّ:
ونقض أيّامٍ نقضن أسره ....... هونًا وألقى كلّ شيخٍ فخره
ومنه قول الآخر:
هونكما لا يردّ الدّهر ما فاتا ....... لا تهلكا أسفًا في إثر من ماتا
يريد: رودًا.
وقد حكي فتح الهاء في ذلك بمعنى الهوان، واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جوينٍ:
نهين النّفوس وهون النّفوس ....... عند الكريهة أعلى لها
والمعروف من كلامهم ضمّ الهاء منه إذا كان بمعنى الهوان والذّلّ، كما قال ذو الإصبع العدوانيّ:
اذهب إليك فما أمّي براعيةٍ ....... ترعى المخاض ولا أغضي على الهون
يعني على الهوان. وإذا كان بمعنى الرّفق ففتحها). [جامع البيان: 9/ 411-413]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ وكنتم عن آياته تستكبرون (93)}
قوله: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا}
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا مسعر بن عبد الملك بن سلعٍ عن عيسى بن عمر عن عمرو بن مرّة قال: قال عبد اللّه: ما من هذا القرآن شيءٌ إلا قد عمل به من كان قبلكم وسيعمل به من بعدكم حتّى كنت لأمرّ بهذه الآية: ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ: ولم يعمل هذا أهل هذه القبلة حتّى كان المختار بن أبي عبيدٍ.
- حدّثنا أبي ثنا ابن نفيلٍ الحرّانيّ ثنا مسكين بن بكيرٍ عن معان رفاعة قال: سمعت أبا خلفٍ الأعمى قال: كان ابن أبي سرحٍ يكتب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الوحي، فأتى أهل مكّة فقالوا: يا ابن أبي السّرح، كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن؟
قال: كنت أكتب كيف شئت. فأنزل اللّه تعالى: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا}.
قوله: {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء}
الوجه الأول:
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع ثنا عبد الرّزّاق ثنا معمرٌ عن قتادة في قوله: {أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ}، قال: نزلت في مسيلمة.
ورواه شيبان عن قتادة: نزلت في مسيلمة والأسود العنسيّ.
الوجه الثّاني:
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن المفضّل ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: قوله: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ} قال: نزلت في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرحٍ القرشيّ، أسلم وكان يكتب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فكان إذا أملى عليه سميعًا عليمًا كتب: عليمًا حكيمًا، وإذا قال: عليمًا حكيمًا كتب: سميعًا عليمًا فشكّ وكفر: إن كان محمّدٌ يوحى إليه فقد أوحي إليّ.
قوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله}
الوجه الأول:
- أخبرنا محمّد بن سعد بن عطيّة فيما كتب إليّ حدّثني أبي حدّثني عمّي حدّثني أبي عن أبيه عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه}، قال: زعم أنّه لو شاء قال مثله. يعني الشعر.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا محمّد بن أبي أحمد ثنا إبراهيم بن مختارٍ عن عنبسة عن جابرٍ عن الشّعبيّ قال: الّذي قال: {سأنزل مثل ما أنزل اللّه} عبد اللّه بن أبي سلول.
والوجه الثّالث:
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قال:{ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه} قال: نزلت في عبد اللّه بن سعد ابن أبي السّرح القرشيّ، كان يكتب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: إن كان اللّه ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل اللّه، قال محمّدٌ: سميعًا عليمًا فقلت أنا: عليمًا حكيمًا.
قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظّالمون}
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت} قال: هذا عند الموت.
قوله: {في غمرات الموت}
- حدّثنا أبي ثنا عبد العزيز بن منيبٍ ثنا أبو معاذٍ النّحويّ عن عبيد بن سليمان عن الضّحّاك: قوله: {في غمرات الموت}، يعني: سكرات الموت.
قوله: {والملائكة}
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجابٌ ثنا بشرٌ عن أبي روقٍ عن الضّحّاك عن ابن عباس في قوله: {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: ملك الموت.
- أخبرنا أبو بدرٍ الغبريّ فيما كتب إليّ، ثنا جابر بن إسحاق ثنا أبو معشرٍ عن محمّد بن قيسٍ قال: إنّ لملك الموت أعوانًا من الملائكة، ثمّ تلا هذه الآية: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت}.
- أخبرنا أبو عبد اللّه محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ثنا عبد الصّمد قال: سمعت وهبًا يقول: إنّ الملائكة الّذين يقرنون بالنّاس هم الّذين يتوفّونهم فتوفّي لهم آجالهم فإذا كان يم كذا وكذا توفّته ثمّ نزع: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملآئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} إلى آخر الآية.
فقيل لوهبٍ: أليس قد قال اللّه: قل يتوفّاكم ملك الموت الّذي وكّل بكم قال نعم إنّ الملائكة إذا توفّوا نفسًا دفعوها إلى ملك الموت وهو كالعاقب يعني العشّار الّذي يؤدّي إليه من تحته.
قوله: {باسطوا أيديهم، أخرجوا أنفسكم}
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: هذا عند الموت، والبسط: الضّرب يضربون وجوههم وأدبارهم.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا أبو خالدٍ الأحمر عن جويبرٍ عن الضحاك: {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: بالعذاب أخرجوا أنفسكم قال: أما رأيت قوله: لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني؟
وروى عن أبي صالح: باسطوا أيديهم قال بالعذاب.
قوله: {اليوم تجزون عذاب الهون}
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: قوله: اليوم تجزون عذاب الهون أمّا عذاب الهون قال: الذي يهينهم.
قوله: {بما كنتم تقولون على الله غير الحق ... الآية}
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى، ثنا عتّابٌ عن خصيفٍ عن مقسمٍ عن ابن عبّاسٍ قال: آيتان يبشّر بهما الكافر عند موته: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم} إلى قوله: {بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ وكنتم عن آياته تستكبرون} قال: فهاتان آيتان يبشّر بهما الكافر في الدّنيا). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 1346-1349]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : ( أخرج الحاكم في المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} الآية، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة ثم استأمن له.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى قال: كان ابن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي فأتى أهل مكة فقالوا: يا ابن أبي سرح كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن قال: كنت أكتب كيف شئت فأنزل الله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا}.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه {سميعا عليما} كتب (عليما حكيما) وإذا قال {عليما حكيما} كتب (سميعا عليما) فشك وكفر وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إلي.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال: نزلت في مسيلمة الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه ومن قال: {سأنزل مثل ما أنزل الله}
قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {ومن أظلم} الآية، قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة.
- وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {ومن أظلم} الآية، قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة.
- وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال: نزلت في مسيلمة فيما كان يسجع ويتكهن به ومن {قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان فيما يملى {عزيز حكيم} فيكتب (غفور رحيم) فيغيره ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حول فيقول: نعم سواء فرجع عن الإسلام ولحق بقريش.
- وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: لما نزلت: {والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا} [المرسلات: 1 - 2] قال النضر وهو من بني عبد الدار: والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا، وقولا كثيرا فأنزل الله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} الآية.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: ما من القرآن شيء إلا قد عمل به من كان قبلكم وسيعمل به من بعدكم حتى كنت لأمر بهذه الآية: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} ولم يعمل هذا أهل هذه القبلة حتى كان المختار بن أبي عبيدة.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: آيتان يبشر بهما الكافر عند موته: {ولو ترى إذ الظالمون} إلى قوله: {تستكبرون}
- وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قاعدا وتلا هذه الآية: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} ثم قال: «والذي نفس محمد بيده ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار» ثم قال: «إذا كان عند ذلك صف سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما يرى غيرهم وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم مع كل ملك منهم أكفان وحنوط فإذا كان مؤمنا بشروه بالجنة وقالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنته فقد أعد الله لك من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها فما يزالون يبشرونه ويحفون به فهم ألطف وأرأف من الوالدة بولدها ويسلون روحه من تحت كل ظفر ومفصل ويموت الأول فالأول ويبرد كل عضو الأول فالأول ويهون عليه وإن كنتم ترونه شديدا حتى تبلغ ذقنه فلهو أشد كرامة للخروج حينئذ من الولد حين يخرج من الرحم فيبتدرها كل ملك منهم أيهم يقبضها فيتولى قبضها ملك الموت»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} [السجدة: 11] قال:« فيتلقاها بأكفان بيض ثم يحتضنها إليه فهو أشد لها لزوما من المرأة لولدها ثم يفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك يتباشرون بها ويقولون: مرحبا بالريح الطيبة والروح الطيب اللهم صل عليه روحا وصل عليه جسدا خرجت منه فيصعدون بها ولله خلق في الهواء لا يعلم عدتهم إلا هو فيفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك فيصلون عليها ويتباشرون بها ويفتح لها أبواب السماء ويصلي عليها كل ملك في كل سماء تمر به حتى توقف بين يدي الملك الجبار فيقول الجبار عز وجل: مرحبا بالنفس الطيبة وبجسد خرجت منه وإذا قال الرب عز وجل للشيء: مرحبا، رحب له كل شيء وذهب عنه كل ضيق ثم يقول: اذهبوا بهذه النفس الطيبة فأدخلوها الجنة وأروها مقعدها واعرضوا عليها ما أعد لها من النعيم والكرامة ثم اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فو الذي نفس محمد بيده هي أشد كراهة للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد وتقول: أين تذهبون بي إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه فيقولون: إنا مأمورون بهذا فلا بد لك منه، فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه فيدخلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه فما خلق الله تعالى كلمة تكلم بها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمعها إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة فلو سمع أشد الناس له حبا ومن أعزهم كان عليه يقول: على رسلكم ما يعجلكم وأذن له في الكلام للعنه وإنه يسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم إذا ولوا عنه، ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان يسميان منكرا ونكيرا ومعهما عصا من حديد لو اجتمع عليها الجن والإنس ما أقلوها وهي عليهما يسير فيقولان له: اقعد بإذن الله فإذا هو مستو قاعدا فينظر عند ذلك إلى خلق كريه فظيع ينسيه ما كان رأى عند موته، فيقولان له من ربك فيقول: الله، فيقولان: فما دينك فيقول: الإسلام ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارة شديدة ثم يقولان: فمن نبيك فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم ويعرق عند ذلك عرقا يبتل ما تحته من التراب ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك وينادى عند ذلك من السماء نداء خفيا صدق عبدي فلينفعه صدقه ثم يفسح له في قبره مد بصره ويتبذله فيه الريحان ويستر بالحرير فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نوره وإن لم يكن معه جعل له نور مثل الشمس في قبره ويفتح له أبواب وكوى إلى الجنة فينظر إلى مقعده منها مما كان عاين حين صعد به ثم يقال: نم قرير العين فما نومه ذلك إلى يوم يقوم إلا كنومة ينامها أحدكم شهية لم يرو منها يقوم وهو يمسح عينيه فكذلك نومه فيه إلى يوم القيامة، وإن كان غير ذلك إذا نزل به ملك الموت صف له سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين فيخطف بصره إليهم ما يرى غيرهم وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم ويشدد عليه وإن كنتم ترون أنه يهون عليه فيلعنونه ويقولن: اخرجي أيتها النفس الخبيثة فقد أعد الله لك من النكال والنقمة والعذاب كذا وكذا ساء ما قدمت لنفسك ولا يزالون يسلونها في غضب وتعب وغلظ وشدة من كل ظفر وعضو ويموت الأول فالأول وتنشط نفسه كما يصنع السفود ذو الشعب بالصوف حتى تقع الروح في ذقنه فلهي أشد كراهية للخروج من الولد حين يخرج من الرحم مع ما يبشرونه بأنواع النكال والعذاب حتى تبلغ ذقنه فليس منهم ملك إلا وهو يتحاماه كراهية له فيتولى قبضها ملك الموت الذي وكل بها فيتلقاها أحسبه قال: بقطعة من بجاد أنتن ما خلق الله وأخشنه فيلقى فيها ويفوح لها ريح أنتن ما خلق الله ويسد ملك الموت منخريه ويسدون آنافهم ويقولون: اللهم العنها من روح والعنه جسدا خرجت منه فإذا صعد بها غلقت أبواب السماء دونها فيرسلها ملك الموت في الهواء حتى إذا دنت من الأرض انحدر مسرعا في أثرها فيقبضها بحديدة معه يفعل بها ذلك ثلاث مرات» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] والسحيق البعيد، ثم ينتهي بها فتوقف بين يدي الملك الجبار فيقول: لا مرحبا بالنفس الخبيثة ولا بجسد خرجت منه ثم يقول: انطلقوا بها إلى جهنم فأروها مقعدها منها واعرضوا عليها ما أعددت لها من العذاب والنقمة والنكال، ثم يقول الرب: اهبطو بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فيهبطون بها على قدر فراغهم منها فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه فما خلق الله حميما ولا غير حميم من كلمة يتكلم بها إلا وهو يسمعها إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة فلو سمع أعز الناس عليه وأحبهم إليه يقول: اخرجوا به وعجلوا وأذن له في المراجعه للعنه، وود أنه ترك كما هو لا يبلغ به حفرته إلى يوم القيامة، فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أزرقان فظان غليظان ومعهما مرزبة من حديد وسلاسل وأغلال ومقامع الحديد فيقولان له: اقعد بإذن الله، فإذا هو مستو قاعد سقطت عنه أكفانه ويرى عند ذلك خلقا فظيعا ينسى به ما رأى قبل ذلك فيقولان له: من ربك فيقول: أنت، فيفزعان عند ذلك فزعة ويقبضان ويضربانه ضربة بمطرقة الحديد فلا يبقى منه عضو إلا وقع على حدة فيصيح عند ذلك صيحة فما خلق الله من شيء ملك أو غيره إلا يسمعها إلا الجن والإنس فيلعنونه عند ذلك لعنة واحدة وهو قوله: {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] والذي نفس محمد بيده لو اجتمع على مطرقتهما الجن والإنس ما أقلوها وهي عليهما يسير ثم يقولان عد بإذن الله فإذا هو مستو قاعد فيقولان: من ربك فيقول: لا أدري، فيقولان: فمن نبيك فيقول: سمعت الناس يقولون محمد، فيقولان: فما تقول أنت فيقول: لا أدري، فيقولان: لا دريت، ويعرق عند ذلك عرقا يبتل ما تحته من التراب فلهو أنتن من الجيفة فيكم ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيقولان له: نم نومة المسهر، فلا يزال حيات وعقارب أمثال أنياب البخت من النار ينهشنه ثم يفتح له بابه فيرى مقعده من النار وتهب عليه أرواحها وسمومها وتلفح وجهه النار غدوا وعشيا إلى يوم القيامة
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {غمرات الموت} قال: سكرات الموت.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: هذا عند الموت، والبسط الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم.
- وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس: {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: ملك الموت عليه السلام.
- وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: بالعذاب.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس قال: إن لملك الموت أعوانا من الملائكة ثم تلا هذه الآية: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم}.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن وهب قال: إن الملائكة الذين يقرنون بالناس هم الذين يتفونهم ويكتبون لهم آجالهم فإذا كان يوم كذا وكذا توفته ثم نزع: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم} فقيل لوهب: أليس قد قال الله: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [السجدة:11] قال: نعم إن الملائكة إذا توفوا نفسا دفعوها إلى ملك الموت وهو كالعاقب - يعني العشار - الذي يؤدي إليه من تحته.
- وأخرج الطستي، وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {عذاب الهون} قال: الهوان الدائم الشديد، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول:
إنا وجدنا بلاد الله واسعة ....... تنجي من الذل والمخزات والهون.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {عذاب الهون}، قال: الهوان.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {عذاب الهون} قال: الذي يهينهم). [الدر المنثور: 6/ 130-139]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لقد تقطع بينكم}، قال: ما كان بينكم من الوصل). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 214]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ وتركتم مّا خوّلناكم وراء ظهوركم}.
وهذا خبرٌ من اللّه جلّ ثناؤه عمّا هو قائلٌ يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد، يخبر عباده أنّه يقول لهم عند ورودهم عليه: {لقد جئتمونا فرادى}.
ويعني بقوله: (فرادى): وحدانًا، لا مال معهم، ولا أثاث، ولا رفيق، ولا شيء ممّا كان اللّه خوّلهم في الدّنيا. {كما خلقناكم أوّل مرّةٍ} عراةً غلفًا غرلاً حفاةً كما ولدتهم أمّهاتهم، وكما خلقهم جلّ ثناؤه في بطون أمّهاتهم، لا شيء عليهم ولا معهم ممّا كانوا يتباهون به في الدّنيا.
وفرادى جمعٌ، يقال لواحدها: فردٌ، كما قال نابغة بني ذبيان:
من وحش وجرة موشيٍّ أكارعه ....... طاوي المصير كسيف الصّيقل الفرد
وفردٌ وفريدٌ، كما يقال: وحدٌ ووحدٌ ووحيدٌ في واحد (الأوحاد)، وقد يجمع الفرد الفراد، كما يجمع الوحد الوحاد، ومنه قول الشّاعر:
ترى النّعرات الزّرق فوق لبانه ....... فراد ومثنى أصعقتها صواهله
وكان يونس الجرميّ فيما ذكر عنه يقول: فرادٍ جمع فردٍ، كما قيل: توءمٌ وتؤامٌ للجميع، ومنه الفرادى والرّدافى والغواني. ويقال: رجلٌ فردٌ، وامرأةٌ فردٌ، إذا لم يكن لها أخٌ، وقد فرد الرّجل فهو يفرد فرودًا، يراد به تفرّد، فهو فاردٌ.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: أخبرني عمرٌو، أنّ ابن أبي هلالٍ، حدّثه أنّه، سمع القرطبيّ، يقول: قرأت عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قول اللّه: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ}، فقالت: واسوأتاه، إنّ الرّجال والنّساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعضٍ، فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «لكلّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يغنيه، لا ينظر الرّجال إلى النّساء، ولا النّساء إلى الرّجال، شغل بعضهم عن بعضٍ».
وأمّا قوله: {وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم} فإنّه يقول: خلّفتم أيّها القوم ما مكّنّاكم في الدّنيا ممّا كنتم تتباهون به فيها خلفكم في الدّنيا، فلم تحملوه معكم. وهذا تعيير من اللّه جلّ ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم الّتي كانوا يتباهون بها في الدّنيا بأموالهم.
وكلّ ما ملّكته غيرك وأعطيته فقد خوّلته، يقال منه: خال الرّجل يخال أشدّ الخيال بكسر الخاء، وهو خائلٌ، ومنه قول أبي النّجم:
أعطى فلم يبخل ولم يبخّل ....... كوم الذّرا من خول المخوّل
وقد ذكر أنّ أبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهيرٍ:
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا ....... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وتركتم ما خوّلناكم} من المال والخدم، {وراء ظهوركم} في الدّنيا). [جامع البيان: 9/ 413-416]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء}.
يقول تعالى ذكره لهؤلاء العادلين بربّهم الأنداد يوم القيامة: ما نرى معكم شفعاءكم الّذين كنتم في الدّنيا تزعمون أنّهم يشفعون لكم عند ربّكم يوم القيامة.
وقد ذكر أنّ هذه الآية نزلت في النّضر بن الحارث لقيله: إنّ اللاّت والعزّى يشفعان له عند اللّه يوم القيامة.
وقيل: {إنّ ذلك كان قول كافّة عبدة الأوثان}.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: أمّا قوله: {وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء}، فإنّ المشركين كانوا يزعمون أنّهم كانوا يعبدون الآلهة، لأنّهم شفعاء يشفعون لهم عند اللّه، وأنّ هذه الآلهة شركاء للّه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: قال النّضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللاّت والعزّى، فنزلت هذه الآية: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ} إلى قوله: {شركاء}). [جامع البيان: 9/ 416-417]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون}.
يقول تعالى: مخبرًا عن قيله يوم القيامة لهؤلاء المشركين به الأنداد: {لقد تقطّع بينكم} يعني: تواصلهم الّذي كان بينهم في الدّنيا ذهب ذلك اليوم، فلا تواصل بينهم ولا توادّ ولا تناصر، وقد كانوا في الدّنيا يتواصلون ويتناصرون فاضمحلّ ذلك كلّه في الآخرة، فلا أحد منهم ينصر صاحبه ولا يواصله.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {لقد تقطّع بينكم} البين: تواصلهم.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {لقد تقطّع بينكم} قال: تواصلهم في الدّنيا.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {لقد تقطّع بينكم} قال: وصلكم.
- وحدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {لقد تقطّع بينكم} قال: ما كان بينكم من الوصل.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون} يعني: الأرحام والمنازل.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {لقد تقطّع بينكم} يقول: تقطّع ما بينكم.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: قال أبو بكر بن عيّاشٍ: {لقد تقطّع بينكم} التّواصل في الدّنيا.
واختلفت القرّاء في قوله: {بينكم}، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة نصبًا بمعنى: لقد تقطّع ما بينكم.
وقرأ ذلك عامّة قرّاء مكّة والعراقيّين: (لقد تقطّع بينكم) رفعًا، بمعنى: لقد تقطّع وصلكم.
والصّواب من القول عندي في ذلك أن يقال: إنّهما قراءتان مشهورتان باتّفاق المعنى، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصّواب، وذلك أنّ العرب قد تنصب (بين) في موضع الاسم، ذكر سماعًا منها: إيابي نحوك ودونك وسواءك، نصبًا في موضع الرّفع، وقد ذكر عنها سماعًا الرّفع في (بين) إذا كان الفعل لها وجعلت اسمًا، وينشد بيت مهلهلٍ:
كأنّ رماحهم أشطان بئرٍ ....... بعيدٍ بين جاليها جرور
برفع (بين) إذ كانت اسمًا. غير أنّ الأغلب عليهم في كلامهم النّصب فيها في حال كونها صفةً، وفي حال كونها اسمًا.
وأمّا قوله: {وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون} فإنّه يقول: وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم من آلهتكم تزعمون أنّه شريك ربّكم، وأنّه لكم شفيعٌ عند ربّكم، فلا يشفع لكم اليوم). [جامع البيان: 9/ 417-420]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون (94)}
قوله: {ولقد جئتمونا فرادى}
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهبٍ أخبرني عمرو بن الحارث أنّ ابن أبي هلالٍ حدّثه أنّه سمع القرظيّ يقول: قرأت على عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قول اللّه تبارك وتعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ}، فقالت عائشة: يا رسول الله، وا سوأتاه! إنّ الرّجال والنّساء سيحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعضٍ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لكلّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يغنيه لا ينظر الرّجال إلى النّساء، ولا النّساء إلى الرّجال، شغل بعضهم عن بعضٍ».
قوله تعالى: {كما خلقناكم أوّل مرّةٍ}
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا سعيد بن عبد اللّه الطّلاس ثنا عبّاد بن العوّام ثنا هلال بن خبّابٍ عن سعيد بن جبيرٍ أنّه تلا هذه الآية: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ}، قال: كيوم ولد يردّ عليه كلّ شيءٍ نقص منه من يوم ولد.
قوله: {وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم}
- وذكر عن أبي داود عن أبي حرّة عن الحسن قال يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذبح فيقول له تبارك وتعالى أين ما جمعت؟ فيقول يا ربّ جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول: فأين ما قدّمت لنفسك فلا تراه قدّم شيئًا وتلا هذه الآية:
{ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم}.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: قوله: {وتركتم ما خوّلناكم من المال والخدم}.
قوله: {وراء ظهوركم}
- وبه عن السّدّيّ: قوله: {وراء ظهوركم}، قال: في الدّنيا.
قوله: {وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء}
- ذكره الحسن بن محمّد بن الصّبّاح ثنا حجّاج بن محمّدٍ عن ابن جريجٍ أخبرني الحكم عن عكرمة قال قال النّضر: سوف تشفع لي اللات والعزّى. فنزلت: {ولقد جئتمونا فرادى ... الآية}.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: قوله: وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء قال: فإنّ المشركين يزعمون أنّهم كانوا يعبدون هذه الآلهة لأنّهم شفعاء لهم يشفعون لهم عند اللّه وأنّ هذه الآلهة شركاء للّه، تعالى اللّه عن قولهم.
قوله: {لقد تقطّع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون}
الوجه الأول:
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ: قوله: {لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون}، يعني: الأرحام، والمنزل.
- حدّثنا أبي ثنا أبو حذيفة ثنا شبلٌ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: قوله: {لقد تقطّع بينكم}، والبين: تواصلهم في الدّنيا.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: قوله: {لقد تقطّع بينكم}، يقول: تقطّع ما كان بينكم.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا عبد العزيز بن منيبٍ ثنا أبو معاذٍ عن عبيد بن سليمان عن الضّحّاك: {لقد تقطّع بينكم}، يعني: ما كان بينهم وبين آلهتهم). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 1349-1350]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ):
(ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لقد تقطع بينكم}، يعني تواصلكم في الدنيا). [تفسير مجاهد: 219]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت: {ولقد جئتمونا فرادى ...} الآية كلها.
- وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عائشة، أنها قرأت قول الله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله واسوأتاه، إن الرجال والنساء سيحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لكل امرى ء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} قال: كيوم ولد يرد عليه كل شيء نقص منه من يوم ولد.
- وأخرج ابن أبي حاتم، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا كان يوم القيامة حشر الناس حفاة عراة غرلا».
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: {وتركتم ما خولناكم}، قال: من المال والخدم ،{وراء ظهوركم}، قال: في الدنيا
- وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: «يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول له تبارك وتعالى: أين ما جمعت فيقول له يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول: فأين ما قدمت لنفسك فلا يراه قدم شيئا» وتلا هذه الآية: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم}.
- وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال: «كان عند ابن زياد أبو الأسود الديلمي وجبير بن حية الثقفي فذكروا هذا الحرف (لقد تقطع بينكم) فقال أحدهما: بيني وبينك أول من يدخل علينا فدخل يحيى بن يعمر فسألوه فقال: بينكم بالرفع».
- وأخرج أبو الشيخ عن الأعرج أنه قرأ (لقد تقطع بينكم) بالرفع يعني وصلكم.
- وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ (لقد تقطع بينكم) بالنصب أي ما بينكم من المواصلة التي كانت بينكم في الدنيا.
- وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه (لقد تقطع بينكم) قال: ما كان بينهم من الوصل
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عكرمة قال: لما تزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم رضي الله عنها بنت علي اجتمع عليه أصحابه فباركوا له دعوا له فقال: لقد تزوجتها وما بي حاجة إلى النساء ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:« إن كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب».
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} يعني الأرحام والمنازل.
- وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {لقد تقطع بينكم} قال: تواصلكم في الدنيا).[الدر المنثور: 6/ 139-142]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24 ربيع الثاني 1434هـ/6-03-2013م, 12:13 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)}


تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)}:
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذباً...}
يقال: إنها نزلت في مسيلمة الكذّاب، وذلك أنه ادّعى النبوّة.
{ومن قال سأنزل} ومن في موضع خفض. يريد: ومن أظلم من هذا ومن هذا الذي قال: سأنزل مثل ما أنزل الله. نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وذلك أنه كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {واللّه غفورٌ رحيم} كتب (سميع عليم) أو (عزيز حكيم) فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: سواء؛ حتى أملّ عليه قوله: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طينٍ} إلى قوله: {ثمّ أنشأناه خلقاً آخر} فقال ابن أبي سرح {فتبارك اللّه أحسن الخالقين} تعجّبا من تفصيل خلق الإنسان، قال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت عليّ، فشكّ وارتدّ. وقال: لئن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقا لقد أوحى إليّ (كما أوحى إليه) ولئن كان كاذبا لقد قلت مثل ما قال، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه}.
وقوله: {والملائكة باسطو أيديهم} ويقال: باسطو أيديهم بإخراج أنفس الكفار. وهو مثل قوله: {يضربون وجوههم وأدبارهم} ولو كانت (باسطون) كانت (أيديهم) ولو كانت "باسطو أيديهم أن أخرجوا" كان صوابا. مثله مما تركت فيه أن قوله: {يدعونه إلى الهدى ائتنا} وإذا طرحت من مثل هذا الكلام (أن) ففيه القول مضمرٌ كقوله: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربّهم} يقولون: {ربّنا}). [معاني القرآن: 1/ 344-345]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت: 210هـ): ( {تجزون عذاب الهون} مضموم؛ وهو الهوان، وإذا فتحوا أوله؛ فهو الرفق والدّعة ). [مجاز القرآن: 1/ 200]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذباً أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ وكنتم عن آياته تستكبرون}
وقال: {والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم} فنراه يريد: يقولون {أخرجوا أنفسكم} والله أعلم. وكان في قوله: {باسطو أيديهم} دليل على ذلك لأنه قد أخبر أنهم يريدون منهم شيئاً). [معاني القرآن: 1/ 245]
قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) : (وأما قوله عز وجل {في غمرات الموت} فالواحدة: غمرة؛ وقال {في غمرة ساهون}؛ وقد فسرنا هذا الجمع في سورة البقرة). [معاني القرآن لقطرب: 539]
قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) : (وقوله عز وجل {عذاب الهون} وهو الهوان بعينه؛ وقالوا أيضًا: الهون، لغة من الهوان.
وقال ذو الإصبع:
اذهب إليك فما أمي براعية = ترعى المخاض ولا أغضي على الهون
يريد الهوان.
وقال عامر بن جوين:
أهين النفوس وهو النفوس عند الكريهة أغلى لها.
وقوله عز وجل {يمشون على الأرض هونا}؛ فقال المثنى بن جندل:
[معاني القرآن لقطرب: 546]
ونقض أيام نقضن أسري = هونًا وإلفي كل شيخ قحر
قحر: كبير.
وقال آخر:
هونكما لا يرد الدهر ما فاتا = لا تهلكا أسفًا في إثر من ماتا
يريد: أرودا.
وقوله {على الأرض هونا}؛ أي رويدا). [معاني القرآن لقطرب: 547]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({الهون}: والهوان واحد). [غريب القرآن وتفسيره: 139]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({عذاب الهون}: أي الهوان). [تفسير غريب القرآن: 156]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ وكنتم عن آياته تستكبرون}
جاء في التفسير أنه يعني به مسيلمة، وصاحب صنعاء، لأنهما ادعيا النبوة.
{ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه}
موضع "من" جر.
المعنى: ومن أظلم ممن افترى ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه، وهذا جواب لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا.
وقوله: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت}
جواب "لو" محذوف، المعنى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما، ويقال لكل من كان في شي كثير: قد غمر فلانا ذلك، ويقال قد غمر فلانا الدّين، تأويله: قد كثر فصار فيما يعلم بمنزلة ما يبصر قد غمر وغطى من كثرته.
وقوله عزّ وجلّ: {والملائكة باسطو أيديهم} (أي) عليهم بالعذاب.
ومعنى {أخرجوا أنفسكم} فيه وجهان والله أعلم:
- يقولون {أخرجوا أنفسكم} فجائز أن يكون كما تقول للذي تعذبه لأزهقنّ نفسك، ولأخرجنّ نفسك - فهم يقولون - واللّه أعلم.
{أخرجوا أنفسكم} على هذا المعنى.
- وجائز أن يكون المعنى خلّصوا أنفسكم. أي لستم تقدرون على الخلاص.
{اليوم تجزون عذاب الهون} أي العذاب الذي يقع به العذاب الشديد). [معاني القرآن: 2/ 271-272]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قال قتادة بلغنا أن هذا أنزل في مسيلمة قال أبو إسحاق وهذا جواب لقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا وروي عن ابن عباس الذي افترى على الله كذبا مسيلمة والذي قال {سأنزل مثل ما أنزل الله} عبد الله بن سعد بن أبي سرح
وروى حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن فقال والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا فالخابزات خبزا فاللاقمات لقما). [معاني القرآن: 2/ 458-459]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} أي شدائده {والملائكة باسطو أيديهم} أي باسطو أيديهم بالعذاب). [معاني القرآن: 2/ 459]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): ( {عذاب الهون} أي: عذاب الهوان. وقال: هان يهون هونا، والهون الاسم. ومن الرفق: هان يهون هونا، يتفق فيهما المصدران.
وقوله - جل وعز: {يمشون على الأرض هونا} أي: برفق وسكون ووقار). [ياقوتة الصراط: 222]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الْهُونِ} أي الهوان). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 77]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الْهُونِ}: الهوان). [العمدة في غريب القرآن: 128]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)}:
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ولقد جئتمونا فرادى...}
وهو جمع. والعرب تقول: [قوم] فرادى وفراد يا هذا فلا يجرونها، شبهت بثلاث ورباع. وفرادى واحدها فرد، وفرد، وفريد، وفراد للجمع، ولا يجوز فرد في هذا المعنى. وأنشدني بعضهم:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه ....... فراد ومثنى أصعقتها صواهله).
[معاني القرآن: 1/ 345]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {لقد تّقطّع بينكم...}
قرأ حمزة ومجاهد {بينكم} يريد وصلكم.
وفي قراءة عبد الله {لقد تقطع ما بينكم} وهو وجه الكلام. إذا جعل الفعل لبين ترك نصبا؛ كما قالوا: أتاني دونك من الرجال فترك نصبا وهو في موضع رفع؛ لأنه صفة. وإذا قالوا: هذا دون من الرجال رفعوه في موضع الرفع. وكذلك تقول: بين الرجلين بين بعيد، وبون بعيد؛ إذا أفردته أجريته في العربية وأعطيته الإعراب). [معاني القرآن: 1/ 345-346]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({فردى} أي فرداً فرداً.
{تقطّع بينكم} أي وصلكم مرفوع؛ لأن الفعل عمل فيه، كما قال مهلهل:
كأنّ رماحهم أشطان بئرٍ ....... بعيدٍ بين جاليها جرور).
[مجاز القرآن: 1/ 200-201]
قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) : (أبو عمرو {لقد تقطع بينكم} يصير {تقطع} فعلاً للبين.
وقال أبو ذؤيب على قراءته:
إذا هي قامت تقشعر شواتها = ويشرق بين الليت منها إلى الصقل
فرفع البين.
[معاني القرآن لقطرب: 519]
وقال أبو خراش:
فلاقته ببلقعة براح = فصادف بين عينيه الجبوبا
الحسن وأهل المدينة {لقد تقطع بينكم} بالنصب؛ وهي عربية كأنه لقد تقطع الأمر بينكم، أو الوصل؛ ولا يكون على ما بينكم؛ لأن "ما" بمنزلة الذي، ويكون البين صلة له، فلا تضمر بعض الاسم وتترك بعضه إلا أن تصير "ما" اسمًا على حيالها، وتصير البين كالوصف لها؛ كقولك: مررت بمن خير منك، وهذا بعيد؛ ولكن السهل: لقد تقطع الأمر بينكم أو السبب؛ ولا يكون البين صلة لشيء). [معاني القرآن لقطرب: 520]
قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) : (وقوله {فرادى كما خلقناكم} فقالوا في الواحد: رجل فرد وفرد؛ ووحد ووحد؛ وفريد ووحيد.
وقالوا في الفعل: فرد يفرد فرودا؛ وانفرد بالشيء؛ وقالوا: وحد يحد وحدا ووحدًا؛ أي ترك أصحابه وذهب؛ وقالوا أيضًا: وحد يوحد وحدًا؛ إذا هلك أصحابه وبقي وحده وذهبوا وتركوه.
وقالوا: رجل أفرد، وامرأة فرداء؛ إذا لم يكن له أخ؛ ومثل فرادى بغير نون على فعالى قول العرب: جاءوا ردافى [حمار]، وقرانى.
وقال النابغة:
من وحش وجرة موشي أكارعه = طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
[معاني القرآن لقطرب: 547]
وقال يونس أيضًا: هؤلاء فراد يا هذا، جمع فرد؛ كما قالوا: توؤم وتؤام، وعرق وعراق.
وقوله {وتركتم ما خولناكم} فكل ما أعطيته فقد خولته.
وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير:
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا = وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
وقال أبو النجم:
أعطى فلم يبخل ولم يبخل = كوم الذرى من خول المخول
وقالوا: فلان يخول أهله أشد الخيال، وهو خائل لهم؛ وهو الرعي لهم والسعي عليهم). [معاني القرآن لقطرب: 548]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({تقطع بينكم}: وصلكم).[غريب القرآن وتفسيره: 139]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({فرادى} جمع فرد. وكأنه جمع فردان. كما قيل: كسلان وكسالي، وسكران وسكارى.
{وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم} أي ملّكناكم.
{الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء} أي زعمتم أنهم لي في خلقكم شركاء.
{لقد تقطّع بينكم} أي تقطعت الوصل التي كانت بينكم في الدنيا من القرابة الحلف والمودّة). [تفسير غريب القرآن: 157]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون}
أمّا معنى {فرادى} فكل واحد منفرد من شريكه في الغيّ وشقيقه.
ومعنى: {كما خلقناكم أوّل مرّة}.
جاء في التفسير: عراة غرلا، والغرل هم الغلف. والذي تحتمله اللغة أيضا. كما بدأناكم أول مرة، أي كان بعثكم كخلقكم.
وقوله: {لقد تقطّع بينكم}
الرفع أجود، ومعناه لقد تقطع وصلكم. والنصب جائز.
المعنى: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم). [معاني القرآن: 2/ 273]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {لقد تقطع بينكم} قال مجاهد أي تواصلكم ومن قرأ {بينكم} فالمعنى لقد تقطع الأمر بينكم). [معاني القرآن: 2/ 459]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت: 345هـ): ({لقد تقطع بينكم} أي: تقطع وصلكم، ومن قرأ: {بينكم} أي: انقطع الذي بينكم). [ياقوتة الصراط: 222-223]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({خَوَّلْنَاكُمْ} أي ملكناكم.
{أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء} أي في خلقكم شركاء). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 77]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({بَيْنَكُمْ}: وصلكم). [العمدة في غريب القرآن: 129]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الأولى 1434هـ/12-03-2013م, 10:42 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) }

قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (ومن الأضداد وهي آخره: «إذ» في القرآن لما مضى في معنى «إذا». و«إذ»: لما يستقبل ويجيء أيضا في معناها. وقال الله جل وعز:
{ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} و{لو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم}. المعنى: إذا يفزعون وإذا يوقفون ولم يوقفوا بعد. وقال أيضا: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم}. وكأن القول يكون في القيمة. فهذا لما لم يقع. وقال أبو النجم: [الرجز]
ثم جزاه الله عنا إذ جزى
جنات عدن في العلالي العلى

كأنه قال: إذا جزى لأن هذا لم يقع بعد، وقال الأسود أيضا:
فالآن إذ هازلتهن فإنما ....... يقلن ألا لم يذهب المرء مذهبا
وقال أوس:
والحافظ الناس في الزمان إذا ....... لم يرسلوا تحت عائذ ربعا
وهبت الشمأل البليل وإذ ....... بات كميع الفتاة ملتفعا

فقال: «إذ» و«إذا» في معنى واحد. وقال بعض أهل اليمن:
وندمان يزيد الكأس طيبا ....... سقيت إذا تغورت النجوم
فقال: «إذا». والمعنى: «إذ» لأنه يخبر عما مضى. والله أعلم). [الأضداد: 150-152] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) }
قال عبدُ الملكِ بنُ قُرَيبٍ الأصمعيُّ (ت: 216هـ) : ( *بين* والبين الفراق يقال بان يبين بينا إذا فارق، والبين الوصل، قال الله جل ثناؤه: {لقد تقطع بينكم} قال الفراء: لقد تقطع بينكم يريد وصلكم، وقرأها حمزة مرفوعة على المعنى). [كتاب الأضداد: 52]
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى} واحده فرد، وفريد، وفرد، وفردان. وفرادى، وفراد لا يجرى. وأنشد عن الفراء:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه ....... فراد ومثنى أصعقتها صواهله).
[مجالس ثعلب: 128] قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} بفتح النون أي ما بينكم، وبينكم بضم النون. أي وصلكم). [مجالس ثعلب: 263]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( والبين من الأضداد؛ يكون البين الفراق، ويكون البين الوصال؛ فإذا كان الفراق فهو مصدر بان يبين بينا، إذا ذهب؛ كقول جرير:
بان الخليط ولو طووعت ما بنا ....... وقطعوا من حبال الوصل أقرانا
طووعت: فوعلت، لأنه من (طاوعت)، وقال الله عز وجل:
{لقد تقطع بينكم}، فمعناه وصلكم؛ وقال الشاعر حجة لهذا المذهب:
لقد فرق الواشين بيني وبينها ....... فقرت بذاك الوصل عيني وعينها
أراد: لقد فرق الواشين وصلي ووصلها. وقال الآخر:
لعمرك لولا البين لانقطع الهوى ....... ولولا الهوى ما حن للبين آلف).[كتاب الأضداد: 75-76]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (والبين: الوصل، وقرأ بعضهم: {لقد تقطّع بَينُكُم} وقال أبو عبيدة: البين: الوصل، والبين: الافتراق وهو
من الأضداد). [الأمالي: 2/ 132-133]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (وفرادى: أفراد). [الأمالي: 2/ 241]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20 جمادى الآخرة 1435هـ/20-04-2014م, 12:50 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20 جمادى الآخرة 1435هـ/20-04-2014م, 12:51 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 20 جمادى الآخرة 1435هـ/20-04-2014م, 12:51 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 20 جمادى الآخرة 1435هـ/20-04-2014م, 12:51 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذباً أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ وكنتم عن آياته تستكبرون (93)}
هذه ألفاظ عامة فكل من واقع شيئا مما يدخل تحت هذه الألفاظ فهو داخل في الظلم الذي قد عظمه الله تعالى بقوله: ومن أظلم أي لا أحد أظلم وقال قتادة وغيره: المراد بهذه الآيات مسيلمة والأسود العنسي، وذكروا رؤية النبي عليه السلام للسوارين وقال السدي: المراد بها عبد الله بن سعد بن أبي سرح الغامدي وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة فلما نزلت: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طينٍ ثمّ جعلناه نطفةً في قرارٍ مكينٍ ثمّ خلقنا النّطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثمّ أنشأناه خلقاً آخر} [المؤمنون: 14] فقال عبد الله بن سعد من تلقاء نفسه: {فتبارك اللّه أحسن الخالقين} [المؤمنون: 23] فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتبها فهكذا أنزلت»، فتوهم عبد الله ولحق بمكة مرتدا وقال أنا أنزل مثل ما أنزل الله، وروي عنه أيضا أن النبي عليه السلام ربما أملى عليه «والله غفور رحيم» فبدلها هو «والله سميع عليم» فقال النبي عليه السلام:« ذلك سواء ونحو هذا»، وقال عكرمة: أولها في مسيلمة والآخر في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وذكر الزهراوي والمهدوي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن بقوله: والزارعات زرعا والخابزات خبزا إلى غير ذلك من السخافات.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فخصص المتأولون في هذه الآيات ذكر قوم قد يمكن أن كانوا أسباب نزولها ثم هي إلى يوم القيامة تتناول من تعرض شيئا من معانيها كطليحة الأسدي والمختار بن أبي عبيد وسواهما وقرأ الجمهور «سأنزل مثل ما أنزل» بتخفيف وقرأ أبو حيوة «سأنزّل» بفتح النون وتشديد الزاي.
قوله عز وجل: ولو ترى إذ الظّالمون الآية، جواب لو محذوف تقديره لرأيت عجبا أو هولا ونحو هذا وحذف هذا الجواب أبلغ من نصه لأن السامع إذا لم ينص له الجواب يترك مع غاية تخيله والظّالمون لفظ عام لمن واقع ما تقدم ذكره وغير ذلك من أنواع الظلم الذي هو كفر و «الغمرات» جمع غمرة وهي المصيبة المبهمة المذهلة، وهي مشبهة بغمرة الماء، ومنه قول الشاعر [بشر بن أبي خازم]: [الوافر]
ولا ينجي من الغمرات إلّا ....... براكاء القتال أو الفرار
والملائكة ملائكة قبض الروح، وباسطوا أيديهم كناية عن مدها بالمكروه كما قال تعالى حكاية عن ابني آدم:{ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني} [المائدة: 28].
وهذا المكروه هو لا محالة أوائل عذاب وأماراته، قال ابن عباس: يضربون وجوههم وأدبارهم، وأما البسط لمجرد قبض النفس فإنه يشترك فيه الصالحون والكفرة، وقيل إن المراد بسط الأيدي في جهنم، والغمرات كذلك لكنهم لا يقضى عليهم فيموتوا، وقوله: أخرجوا أنفسكم حكاية لما تقوله الملائكة، والتقدير يقولون أخرجوا أنفسكم، ويحتمل قول الملائكة ذلك أن يريدوا فأخرجوا أنفسكم من هذه المصائب والمحن وخلصوها إن كان ما زعمتموه حقا في الدنيا، وفي ذلك توبيخ وتوقيف على سالف فعلهم القبيح، قال الحسن: هذا التوبيخ على هذا الوجه هو في جهنم، ويحتمل أن يكون ذلك على معنى الزجر والإهانة كما يقول الرجل لمن يقهره بنفسه على أمر ما أفعل كذا، لذلك الأمر الذي هو يتناوله بنفسه منه على جهة الإهانة وإدخال الرعب عليه.
وقوله تعالى: {اليوم تجزون عذاب الهون ... الآية}، هذه حكاية عن قول الملائكة للكفرة عند قبض أرواحهم، والهون الهوان ومنه قول ذي الأصبع: [البسيط]
إليك عني فما ألمى براعية ....... ترعى المخاض ولا أفضى على الهون
وقرأ عبد الله بن مسعود وعكرمة «عذاب الهوان» بالألف.
وقوله تعالى: {تقولون على اللّه غير الحقّ} لفظ جامع لكل نوع من الكفر ولكنه يظهر منه ومن قوله وكنتم عن آياته تستكبرون الإنحاء على من قرب ذكره من هؤلاء الذين ادعوا الوحي وأن ينزلوا مثل ما أنزل الله، فإنها أفعال بين فيها «قول غير الحق على الله» وبين فيها الاستكبار). [المحرر الوجيز: 3/ 419-421]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون (94)}
هذه حكاية عما يقال لهم بعد قبض أرواحهم، فإما عند خروجها من الأجساد وإما يوم القيامة كل ذلك محتمل، وفرادى معناه فردا فردا، والألف في آخره ألف تأنيث ومنه قول الشاعر [ابن مقبل]:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه ....... فرادى ومثنى أصعقتها صواهله
وقرأ أبو حيوة «فرادى» منونا على وزن فعال وهي لغة تميم، وفرادى قيل هو جمع فرد بفتح الراء، وقيل جمع فرد بإسكان الراء والمقصد في الآية توقيف الكفار على انفرادهم وقلة النصير واحتياجهم إلى الله عز وجل بفقد الخول والشفعاء، فيكون قوله: كما خلقناكم أوّل مرّةٍ تشبيها بالانفراد الأول في وقت الخلقة، ويتوجه معنى آخر وهو أن يتضمن قوله: كما خلقناكم زيادة معان على الانفراد كأنه قال ولقد جئتمونا فرادى وبأحوال كذا، والإشارة على هذا بقوله كما هي إلى ما قاله النبي عليه السلام في صفة من يحشر أنهم يحشرون حفاة عراة غرلا، وخوّلناكم معناه أعطيناكم، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير:[الطويل]:
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا ....... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
وراء ظهوركم إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجودا.
وقوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم ... الآية}، توقيف على الخطأ في عبادة الأصنام وتعظيمها، قال الطبري: وروي أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه قال سوف تشفع له اللات والعزى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ومن كان من العرب يعتقد أنها تشفع وتقرب إلى الله زلفى ويرى شركتها بهذا الوجه فمخاطبته بالآية متمكن وهكذا كان الأكثر، ومن كان منهم لا يقر بإله غيرها فليس هو في هذه الآية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وحمزة «بينكم» بالرفع، وقرأ نافع والكساء «بينكم» بالنصب أما الرفع فعلى وجوه، أولاها أنه الظرف استعمل اسما وأسند إليه الفعل كما قد استعملوه، اسما في قوله تعالى: {من بيننا وبينك حجابٌ} [فصّلت: 5] وكقولهم فيما حكى سيبويه أحمر بن بين العينين، ورجح هذا القول أبو علي الفارسي، والوجه الآخر أن بعض المفسرين منهم الزهراوي والمهدوي وأبو الفتح وسواهم حكوا أن «البين» في اللغة يقال على الافتراق وعلى الوصل فكأنه قال لقد تقطع وصلكم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذا عندي اعتراض لأن ذلك لم يرو مسموعا عن العرب وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل في العين «والبين» الوصل.
لقوله عز وجل: {لقد تقطّع بينكم} فعلل سوق اللفظة بالآية، والآية معرضة لغير ذلك، أما إن أبا الفتح قوى أن «البين» الوصل وقال: «وقد أتقن ذلك بعض المحدثين بقوله: قد أنصف البين من البين».
والوجه الثالث من وجوه الرفع أن يكون «البين» على أصله في الفرقة من بان يبين إذا بعد، ويكون في قوله:
تقطّع تجوز على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة تقطعت الفجاج بين كذا وكذا عبارة عن بعد ذلك، ويكون المقصد لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك «بالبين» الذي هو الفرقة، وأما وجه قراءة النصب فأن يكون ظرفا ويكون الفعل مستندا إلى شيء محذوف وتقديره لقد تقطع الاتصال أو الارتباط بينكم أو نحو هذا.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس: مجاهد والسدي وغيرهما، ووجه آخر يراه أبو الحسن الأخفش وهو أن يكون الفعل مسندا إلى الظرف ويبقى الظرف على حال نصبه وهو في النية مرفوع، ومثل هذا عنده قوله: {وأنّا منّا الصّالحون ومنّا دون ذلك} [الجن: 11] وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش «تقطع ما بينكم» بزيادة ما وضلّ معناه تلف وذهب، وما كنتم تزعمون يريد دعواهم أنها تشفع وتشارك الله في الألوهية). [المحرر الوجيز: 3/ 421-424]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 20 جمادى الآخرة 1435هـ/20-04-2014م, 12:51 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 20 جمادى الآخرة 1435هـ/20-04-2014م, 12:52 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ وكنتم عن آياته تستكبرون (93) ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون (94)}
يقول تعالى: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا} أي: لا أحد أظلم ممّن كذب على الله، فجعل له شريكًا أو ولدًا، أو ادّعى أنّ اللّه أرسله إلى النّاس ولم يكن أرسله؛ ولهذا قال تعالى: {أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيءٌ}
قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذّاب [لعنه اللّه]
{ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه} يعني: ومن ادّعى أنّه يعارض ما جاء من عند اللّه من الوحي ممّا يفتريه من القول، كما قال تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا [إن هذا إلا أساطير الأوّلين]} [الأنفال: 31]، قال اللّه: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت} أي: في سكراته وغمراته وكرباته، {والملائكة باسطو أيديهم} أي: بالضّرب كما قال: {لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني [ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك]...} الآية [المائدة: 28]، وقال: {ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسّوء...} الآية [الممتحنة: 2].
وقال الضّحّاك، وأبو صالحٍ: {باسطو أيديهم} أي: بالعذاب. وكما قال [تعالى] {ولو ترى إذ يتوفّى الّذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} [الأنفال: 50]؛ ولهذا قال: {والملائكة باسطو أيديهم} أي: بالضّرب لهم حتّى تخرج أنفسهم من أجسادهم؛ ولهذا يقولون لهم: {أخرجوا أنفسكم} وذلك أنّ الكافر إذا احتضر بشّرته الملائكة بالعذاب والنّكال، والأغلال والسّلاسل، والجحيم والحميم، وغضب الرّحمن الرّحيم، فتتفرّق روحه في جسده، وتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتّى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ [وكنتم عن آياته تستكبرون]} أي: اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على اللّه، وتستكبرون عن اتّباع آياته، والانقياد لرسله.
وقد وردت أحاديث [متواترةٌ] في كيفيّة احتضار المؤمن والكافر، وهي مقرّرةٌ عند قوله تعالى: {يثبّت اللّه الّذين آمنوا بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27].
وقد ذكر ابن مردويه هاهنا حديثًا مطوّلًا جدًّا من طريقٍ غريبةٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ مرفوعًا، فاللّه أعلم). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 301-302]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ} أي: يقال لهم يوم معادهم هذا، كما قال: {وعرضوا على ربّك صفًّا لقد جئتمونا كما خلقناكم أوّل مرّةٍ} [الكهف: 48]، أي: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.
وقوله: {وتركتم ما خوّلناكم} أي: من النّعم والأموال الّتي اقتنيتموها في الدّار الدّنيا {وراء ظهوركم} وثبت في الصّحيح أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهبٌ وتاركه للنّاس».
وقال الحسن البصريّ: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنّه بذج فيقول اللّه، عزّ وجلّ، [له] أين ما جمعت؟ فيقول يا ربّ، جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول: فأين ما قدّمت لنفسك؟ فلا يراه قدّم شيئًا، وتلا هذه الآية: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم} رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقوله: {وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء} تقريعٌ لهم وتوبيخٌ على ما كانوا اتّخذوا في [الدّار] الدّنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانّين أنّ تلك تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثمّ معادٌ، فإذا كان يوم القيامة تقطّعت الأسباب، وانزاح الضّلال، وضلّ عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرّبّ، عزّ وجلّ، على رءوس الخلائق: {أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون} [الأنعام: 22] وقيل لهم: {أين ما كنتم تعبدون من دون اللّه هل ينصرونكم أو ينتصرون} [الشّعراء: 92، 93]؛ ولهذا قال هاهنا: {وما نرى معكم شفعاءكم الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء} أي: في العبادة، لهم فيكم قسطٌ في استحقاق العبادة لهم.
ثمّ قال تعالى: {لقد تقطّع بينكم} قرئ بالرّفع، أي شملكم، وقرئ بالنّصب، أي: لقد انقطع ما بينكم من الوصلات والأسباب والوسائل {وضلّ عنكم} أي: وذهب عنكم {ما كنتم تزعمون} من رجاء الأصنام، كما قال: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب * وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار} [البقرة: 166، 167]، وقال تعالى: {فإذا نفخ في الصّور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]، وقال {إنّما اتّخذتم من دون اللّه أوثانًا مودّة بينكم في الحياة الدّنيا ثمّ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعضٍ ويلعن بعضكم بعضًا ومأواكم النّار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25]، وقال: {وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ...} الآية [القصص: 64]، وقال تعالى: {ويوم نحشرهم جميعًا ثمّ نقول للّذين أشركوا} إلى قوله: {وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 22 -24]، والآيات في هذا كثيرة جدا). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 302-303]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:35 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة