العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم القرآن الكريم > الناسخ والمنسوخ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 21 رمضان 1432هـ/20-08-2011م, 11:02 PM
الصورة الرمزية منى بكري
منى بكري منى بكري غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 1,049
افتراضي سورة المائدة

الناسخ والمنسوخ في سورة المائدة

عناصر الموضوع
عدد الآيات المنسوخة في سورة المائدة
مواضع النسخ في سورة المائدة
...- الموضع الأول: قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ‌ اللَّـهِ وَلَا الشَّهْرَ‌ الْحَرَ‌امَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَ‌امَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّ‌بِّهِمْ وَرِ‌ضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِ‌مَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَ‌امِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ‌ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۖ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)}
...- الموضع الثاني: قوله تعالى:{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَ‌هُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ‌ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ‌ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَ‌ةِ مِنَ الْخَاسِرِ‌ينَ(5)}
...- الموضع الثالث: قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَ‌افِقِ وَامْسَحُوا بِرُ‌ءُوسِكُمْ وَأَرْ‌جُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُ‌وا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْ‌ضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ‌ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِ‌يدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَ‌جٍ وَلَـٰكِن يُرِ‌يدُ لِيُطَهِّرَ‌كُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ(6)}
...- الموضع الرابع: قوله تعالى:{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّ‌فُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُ‌وا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(13)}
...- الموضع الخامس: قوله تعالى:{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِ‌بُونَ اللَّـهَ وَرَ‌سُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْ‌ضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْ‌جُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْ‌ضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَ‌ةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(33)}
...- الموضع السادس: قوله تعالى:{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِ‌ضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِ‌ضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّ‌وكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(42)}
...- الموضع السابع: قوله تعالى:{ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّـهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَ‌تُهُ إِطْعَامُ عَشَرَ‌ةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِ‌يرُ‌ رَ‌قَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَ‌ةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ(89)}
...- الموضع الثامن: قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُ‌مٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَ‌ةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِ‌هِ ۗ عَفَا اللَّـهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّـهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(95)}
...- الموضع التاسع: قوله تعالى:{مَّا عَلَى الرَّ‌سُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ(99)}
...- الموضع العاشر: قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّ‌كُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّـهِ مَرْ‌جِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)}
...- الموضع الحادي عشر: قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ‌ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَ‌انِ مِنْ غَيْرِ‌كُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَ‌بْتُمْ فِي الْأَرْ‌ضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّـهِ إِنِ ارْ‌تَبْتُمْ لَا نَشْتَرِ‌ي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْ‌بَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّـهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ(106)}
...- الموضع الثاني عشر: قوله تعالى :{ فَإِنْ عُثِرَ‌ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَ‌انِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّـهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ(107)}
...- الموضع الثالث عشر: قوله تعالى:{ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَ‌دَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(108)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 08:37 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

عدد الآيات المنسوخة في سورة المائدة

قال الوليد بن محمد الموقّري الأموي (ت:182هـ): حدثني محمد بن مسلم ابن شِهَاب الزهري (ت: 124هـ) قال: (وقال في سورة المائدة: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض}، نسخت بالاستثناء بعدها في قوله تعالى: { إلا الذين تابوامن قبل أن تقدروا عليهم})[الناسخ والمنسوخ للزهري: 36]
قال محمد بن كثيرٍ العَبْدي (ت:223هـ) حدثنا همّام بن يحيى البصري قال:(ومن سورة المائدة
وعن قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} فنسختها براءة فقال الله جل وعز: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقال الله عز وجل: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر إلى قوله وفي النار هم خالدون} فقال عز وجل: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه ونادى علي فيه بالآذان يعني بالآذان أنه قرأ عليهم علي رضي الله عنه سورة براءة
وعن قوله عز وجل: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح} حتى يأتي الله بأمره عز وجل فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم ويصفح ولم يؤمر يومئذ بقتالهم ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله وهم صاغرون} فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية
وعن قوله عز وجل: {سماعون للكذب آكلون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} يعني اليهود فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم إن شاء ثم أنزل الله عز وجل الآية التي بعدها {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله} فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم بما أنزل الله بعد أن كان رخص له إن شاء أن يعرض عنهم ) . [الناسخ والمنسوخ لقتادة: 1/40-42]
قالَ أبو عُبيدٍ القاسمُ بن سلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت:224هـ) : ( حدثنا إسحاق بن يوسف، عن ابن عون قال: سألت الحسن : هل نسخ من المائدة شيء؟ فقال:لا) [فضائل القران]
قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (سورة المائدة: تحتوي على تسع آيات منسوخة.
أولاهن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله}...
الآية الثانية: قوله تعالى: {فاعف عنهم}...
الآية الثالثة: قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله}...
الآية الرابعة: قوله تعالى: {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم..}...
الآية الخامسة: قوله تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ..}...
الآية السادسة: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم..}...
الآية السابعة: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم..}...
الآية الثامنة: قوله تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما}...
الآية التاسعة: قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها})[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (سورة المائدة
اختلف العلماء في هذه السّورة فمنهم من قال لم ينسخ منها شيءٌ ومنهم من احتجّ بأنّها آخر سورةٍ نزلت فلا يجوز أن يكون فيها منسوخٌ
قال أبو جعفرٍ: كما حدّثنا جعفر بن مجاشعٍ، قال: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: حدّثنا عبيد اللّه، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، قال: حدّثنا الثّوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: «لم ينسخ من المائدة شيءٌ
......
كما حدّثنا أحمد بن محمّد بن نافعٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ، قال: " ليس في المائدة منسوخٌ إلّا قوله جلّ وعزّ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه} [المائدة: 2] الآية "
قال أبو جعفرٍ: وهذه الآية الأولى ممّا نذكره منها
باب ذكر الآية الأولى من هذه السّورة
قال جلّ وعزّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمّين البيت الحرام}...
باب ذكر الآية الثّانية
قال اللّه جلّ وعزّ: {اليوم أحلّ لكم الطّيّبات وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم}...
باب ذكر الآية الثّالثة
قال جلّ وعزّ: {يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق}...
باب ذكر الآية الرّابعة
قال اللّه جلّ وعزّ: {فاعف عنهم واصفح}...
بابٌ ذكر الآية الخامسة
قال جلّ وعزّ: {إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض}...
باب ذكر الآية السّادسةقال جلّ وعزّ: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}...
باب ذكر الآية السّابعة
قال اللّه جلّ وعزّ {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم}).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/232-315]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثني محمّد بن صالح بن هانئٍ، ثنا السّريّ بن خزيمة، ثنا سعيد بن سليمان الواسطيّ، ثنا عبّاد بن العوّام، ثنا سفيان بن حسينٍ، عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: " آيتان منسوختان من سورة المائدة {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] فأنزل اللّه عزّ وجلّ {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتّبع أهواءهم} [المائدة: 49] «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/341]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (سورة المائدة
نزلت بالمدينة إلّا آية منها فإنّها نزلت بمكّة أو غيرها تحتوي من المنسوخ على تسع آيات أولاهنّ قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد}...
الآية الثّانية قوله تعالى {فاعف عنهم واصفح}...
الآية الثّالثة قوله تعالى {إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله}...
الآية الرّابعة قوله تعالى {فإنّ جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}...
الآية الخامسة قوله تعالى {ما على الرسول إلّا البلاغ}...
الآية السّادسة قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ}...
الآية السّابعة قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم} إلى قوله {ذوا عدل منكم}...
الآية الثّامنة قوله عز وجل {فإن عثر على أنّهما استحقا إثمًا}...
الآية التّاسعة قوله تعالى {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها}). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبيُّ (ت: 427هـ): (فيها من المنسوخ تسع آيات منها قوله: {لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ} الآية [المائدة: 2] نسختها آية السيف).[الكشف والبيان: 4/5]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(سورة المائدة (مدنية)
قال جماعة من العلماء: لا منسوخ في المائدة لأنها من آخر ما نزل. والأكثر على أن فيها ناسخا ومنسوخا.
فمن ذلك قوله تعالى: {لا تحلّوا شعائر الله}، إلى قوله: {ورضوانًا}...
قوله تعالى: {ولا يجرمنّكم شنئان قومٍ أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا}...
قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم}...
قوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم}...
قوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح}...
قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله}...
قوله تعالى: {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}...
قوله تعالى: {فكفّارته إطعام عشرة مساكين}...
قوله تعالى: {لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ}...
قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم}...
قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم}...
قوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصّلاة} الآيتان إلى قوله: {لشهادتنا أحقّ من شهادتهما}). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (.....
باب ذكر الآيات اللواتيادعي عليهن النسخ، في سورة المائدة
....
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمّين البيت الحرام}...
ذكر الآية الثّانية: قوله تعالى: {وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم}...
ذكر الآية الثّالثة: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم}...
ذكر الآية الرّابعة: قوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح}...
ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا}...
ذكر الآية السّادسة: قوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}...
ذكر الآية السّابعة: قوله تعالى: {ما على الرّسول إلا البلاغ}...
ذكر الآية الثّامنة: قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}...
ذكر الآية التّاسعة: قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم}). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (سورة المائدة
الأولى : {لا تحلّوا شعائر اللّه}...
الثانية: {وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم}...
الثالثة: {فاعف عنهم واصفح}...
الرابعة: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}...
الخامسة: {ما على الرّسول إلّا البلاغ}...
السادسة: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}...
السابعة: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران0 من غيركم}). [المصَفَّى بأكُفِّ أهلِ الرسوخ: 26-30]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (وعن أبي ميسرة: في المائدة إحدى عشرة فريضة، وعنه أيضا: ثماني عشرة فريضة، وليس فيها منسوخ).[جمال القراء : 1/ 61]م2
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (سورة المائدة: هي من آخر ما نزل من القرآن، وهي في الإنزال بعد "براءة" عند أكثر العلماء.
وقال آخرون: "براءة" بعدها.
وذهب جماعة إلى أن "المائدة" ليس فيها منسوخ؛ لأنها متأخرة النزول.
وقال آخرون: فيها من المنسوخ عشرة مواضع:
الأول: قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا}...
الثاني: قوله عز وجل: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا}...
الثالث: قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}...
الرابع: قوله عز وجل: {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}...
الخامس: قوله عز وجل: {فاعف عنهم واصفح}...
السادس: قوله عز وجل: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله}...
السابع: قوله عز وجل: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}...
الثامن: قوله عز وجل: {ما على الرسول إلا البلاغ}...
التاسع: قوله عز وجل: {عليكم أنفسكم}...
العاشر: قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم}).[جمال القراء: 1/295-302]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): (وقال السخاوي: ذهب جماعة إلى أن المائدة ليس فيها منسوخ؛ لأنّها متأخّرة النّزول، وقال آخرون: فيها من المنسوخ عشرة مواضع.
وقال النّحاس: قال بعضهم: فيها آية واحدة منسوخة ذكرها الشّعبيّ، ثمّ ذكر ستّة أخرى لتكملة سبع آيات). [عمدة القاري: 18/263]
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: لم ينسخ من المائدة شيء). [الدر المنثور: 5/158]
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج عَبد بن حُمَيد وأبو داود في ناسخه، وَابن المنذر عن ابن عون قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ فقال: لا). [الدر المنثور: 5/158]
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج عَبد بن حُمَيد وابو داود في ناسخه، وَابن جَرِير، وَابن المنذر والنحاس عن الشعبي قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية {يا أيها الذينآمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} الآية [المائدة: 2]). [الدر المنثور: 5/158-159]
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج أبو داود في ناسخه، وَابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: (نسخ من هذه السورة آيتان آية، القلائد وقوله {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} الآية [المائدة: 42])). [الدر المنثور: 5/159]
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج البغوي في معجمه من طريق عبدة بن أبي لبابة قال: بلغني عن سالم مولي أبي حذيفة، قال: (كانت لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فأتيت المسجد فوجدته قد كبر، فتقدمت قريبا منه، فقرأ بسورة البقرة وسورة النساء وبسورة المائدة وبسورة الأنعام ثم ركع، فسمعته يقول: ((سبحان ربي العظيم)) ثم قام فسجد، فسمعته يقول: ((سبحان ربي الأعلى)) ثلاثا في كل ركعة)). [الدر المنثور: 5/159]
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج الفريابي وأبو عبيد، وعَبد بن حُمَيد، وَابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي ميسرة قال: في المائدة ثمان عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن غيرها، وليس فيها منسوخ: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع ألا ما ذكتيم، وما ذبح على النصب، وان تستقيموا بالأزلام، والجوارح مكلبين، وطعام الذين أوتوا الكتاب، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وتمام الطهور، وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا، والسارق والسارقة، وما جعل الله من بحيرة الآية). [الدر المنثور: 5/158]
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: 1250هـ): (وأخرج أبو داود والنّحاس كلاهما في "النّاسخ" عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: (لم ينسخ من المائدة شيءٌ).
وكذا أخرجه سعيد بن منصورٍ وابن المنذر عنه.
وكذا أخرجه عبد بن حميدٍ وأبو داود في "ناسخه" وابن جريرٍ وابن المنذر عن الشّعبيّ.
وكذا أخرجه عبد بن حميدٍ وأبو داود في "ناسخه" وابن المنذر عن الحسن البصريّ.
وأخرج عبد بن حميدٍ وأبو داود في "ناسخه" وابن جريرٍ وابن المنذر عن الشّعبيّ قال: (لم ينسخ من المائدة إلّا هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} الآية [المائدة: 2]).
وأخرج أبو داود في "ناسخه"، وابن أبي حاتمٍ، والحاكم وصحّحه عن ابن عبّاسٍ قال: (نسخ من هذه السّورة آيتان، آية القلائد، وقوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} الآية [المائدة: 42])). [فتح القدير: 2/6]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 08:37 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ‌ اللَّـهِ وَلَا الشَّهْرَ‌ الْحَرَ‌امَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَ‌امَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّ‌بِّهِمْ وَرِ‌ضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِ‌مَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَ‌امِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ‌ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۖ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)}

قال محمد بن كثيرٍ العَبْدي (ت:223هـ) عن همّام بن يحيى البصري قال:(ومن سورة المائدةوعن قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} فنسختها براءة فقال الله جل وعز: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقال الله عز وجل: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر إلى قوله وفي النار هم خالدون} فقال عز وجل: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه ونادى علي فيه بالآذان يعني بالآذان أنه قرأ عليهم علي رضي الله عنه سورة براءة ) . [الناسخ والمنسوخ لقتادة: 1/40-42]

قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (أولاهن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} إلى قوله: {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} [2 مدنية / المائدة / 5] ثم نسخت بآية السيف.).[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب ذكر الآية الأولى من هذه السّورةقال جلّ وعزّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمّين البيت الحرام} [المائدة: 2]
ذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنّ هذه الأحكام الخمسة منسوخةٌ وذهب بعضهم إلى أنّ فيها منسوخًا وذهب بعضهم إلى أنّها محكمةٌ
فممّن ذهب إلى أنّها منسوخةٌ قتادة وروي ذلك عن ابن عبّاسٍ
قال أبو جعفرٍ: حدّثنا أحمد بن محمّد بن نافعٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله جلّ وعزّ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي} [المائدة: 2] ولا القلائد ولا آمّين البيت الحرام قال: " منسوخٌ كان الرّجل في الجاهليّة إذا خرج يريد الحجّ تقلّد من السّمر فلا يعرض له أحدٌ وإذا تقلّد قلادة شعرٍ لم يعرض له أحدٌ وكان المشرك يومئذٍ لا يصدّ عن البيت فأمر اللّه جلّ وعزّ أن لا يقاتل المشركون في الشّهر الحرام ولا عند البيت ثمّ نسختها قوله جلّ وعزّ: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5]
قال أبو جعفرٍ: حدّثنا بكر بن سهلٍ، قال: حدّثنا أبو صالح عن معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قال: وقوله: جلّ وعزّ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد
ولا آمّين البيت الحرام} [المائدة: 2] " فكان المؤمنون والمشركون يحجّون إلى البيت جميعًا فنهى أن يمنع أحدٌ من الحجّ إلى البيت من مؤمنٍ وكافرٍ ثمّ أنزل اللّه جلّ وعزّ بعد هذا {إنّما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] وقال جلّ ذكره: {إنّما يعمر مساجد اللّه من آمن باللّه واليوم الآخر} [التوبة: 18] وقال تعالى {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه} [التوبة: 17] فنفى المشركين من المسجد الحرام " وبهذا الإسناد {لا تحلّوا شعائر اللّه} [المائدة: 2] " كان المشركون يعظّمون أمر الحجّ ويهدون الهدايا إلى البيت ويعظّمون حرمته فأراد المسلمون أن يغيّروا ذلك فأنزل اللّه جلّ وعزّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه} [المائدة: 2] "
فهذا على تأويل النّسخ في الأحكام الخمسة بإباحة قتال المشركين على كلّ حالٍ ومنعهم من المسجد الحرام
فأمّا مجاهدٌ فقال لم ينسخ منها إلّا القلائد كان الرّجل يتقلّد بشيءٍ من لحا الحرم فلا يقرب فنسخ ذلك
قال أبو جعفرٍ: وعلى مذهب أبي ميسرة أنّها محكمةٌ
وأمّا عطاءٌ فقال: {لا تحلّوا شعائر اللّه} [المائدة: 2] أي لا تتعرّضوا ما يسخطه واتّبعوا طاعته واجتنبوا معاصيه، فهذا لا نسخ فيه وهو قولٌ حسنٌ لأنّ واحد الشّعائر شعيرةٌ من شعرت به أي علمت به فيكون المعنى لا تحلّوا معالم اللّه وهي أمره ونهيه وما أعلمه النّاس فلا تخالفوه
وقد روي عن ابن عبّاسٍ الهدي ما لم يقلّد وقد عزم صاحبه على أن يهديه والقلائد ما قلّد
فأمّا الرّبيع بن أنسٍ فتأوّل معنى ولا القلائد أنّه لا يحلّ لهم أن يأخذوا
من شجر الحرم فيتقلّدوه وهذا قولٌ شاذٌّ بعيدٌ وقول أهل التّأويل إنّهم نهوا أن يحلّوا ما قلّد فيأخذوه ويغصبوه
فمن قال منسوخٌ فحجّته بيّنةٌ أنّ المشرك حلال الدّم وإن تقلّد من شجر الحرم وهذا بيّنٌ جدًّا
وفي هذه الآية ممّا ذكر أنّه منسوخٌ قوله جلّ وعزّ: {ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} [المائدة: 2]
قال عبد الرّحمن بن زيدٍ «هذا كلّه منسوخٌ نسخه الجهاد»
قال أبو جعفرٍ: ذهب ابن زيدٍ إلى أنّه لمّا جاز قتالهم لأنّهم كفّارٌ جاز أن يعتدي عليهم ويبدءوا بالقتال وأمّا غيره من أهل التّأويل فذهب إلى أنّها ليست منسوخةً فممّن قال ذلك مجاهدٌ واحتجّ بقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
لعن اللّه من قتل بذحلٍ في الجاهليّة، وأهل التّأويل أو أكثرهم
متّفقون على أنّ المعنى لا يحملنّكم إبغاض قومٍ لأن صدّوكم عن المسجد الحرام يوم الحديبية على أن تعتدوا لأنّ سورة المائدة نزلت بعد يوم الحديبية والبيّن على هذا أن تقرأ {أن صدّوكم} [المائدة: 2] بفتح الهمزة لأنّه شيءٌ قد تقدّم
واختلف العلماء في الآية الثّانية
).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/232-315]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (أولاهنّ قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} هذا محكم {ولا آمين البيت الحرام} إلى قوله {ورضوانا} منسوخ وباقي الآية محكم نسخ المنسوخ منها بآية السّيف وذلك أن الخطيم واسمه شريح بن ضبيعة بن شرحبيل البكريّ أتى النّبي (صلى الله عليه وسلم) فقال يا محمّد اعرض عليّ أمرك فعرض عليه الدّين فقال أرجع إلى قومي فأعرض عليهم ما قلته فإن أجابوني كنت معهم وأن أبوا عليّ كنت معهم فقال النّبي (صلى الله عليه وسلم) لقد دخل عليّ بوجه كافر وخرج بعقبي غادر فمر بسرح لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاستاقه
وخرج المسلمون في إثره فأعجزهم فلمّا كانت عمرة القضاة وهو العام السّابع سمع المسلمون تلبية المشركين وكانت كل طائفة من العرب تلبي على حدتها فسمعوا بكر بن وائل تلبي ومعهم الخطيم فقالوا يا رسول الله لا يذهب أو تغير عليه فأنزل الله عز وجل {ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم} يعني الفضل في التّجارة {ورضوانا} وهو لا يرضى عنهم فصار ذلك منسوخا بآية السّيف
). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبيُّ (ت: 427هـ): (فيها من المنسوخ تسع آيات منها قوله: {لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ} الآية [المائدة: 2] نسختها آية السيف). [الكشف والبيان: 4/5]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {لا تحلّوا شعائر الله}، إلى قوله: {ورضوانًا}.
قال مجاهد وابن زيد والسّدّي والشعبي: نسخ الله من ذلك نهيه أن يعرض لأحد ممّن يقصد البيت الحرام من المشركين في قوله: {ولا آمّين البيت الحرام} [المائدة: 2]، بقوله: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5]، فأباح قتل من أمّ البيت من المشركين. وهذا إنما يجوز على قول من قال: إن براءة نزلت بعد المائدة.
فأما من قال: إن المائدة نزلت بعد براءة، فإنه يجعل آية براءة مخصّصةً بآية المائدة ومبيّنةً أن المراد بآية براءة قتل كلّ مشرك غير آمّ البيت الحرام وهذا على قول ما قال: ليس في المائدة منسوخ.
قال ابن عباس: كان المشركون والمؤمنون يحجون البيت، فنهى الله المؤمنين في هذه الآية أن يمنعوا المشركين من الحج، ثم نسخ الله ذلك بقوله: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} [التوبة: 17] وبقوله: {إنما المشركون نجسٌ} وبقوله: {إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله} [التوبة: 18].
قال قتادة: كان الرجل إذا خرج إلى الحج تقلّد من السّمر وهو شجر فلا يعرض له أحد ولا يصدّ عن البيت، وإذا رجع تقلّد قلادةً من شعر؛ فلا يعرض له أحد، قال فأمر الله جلّ ذكره أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام، بقوله: {ولا الشّهر الحرام} [المائدة: 2]، ثم نسخ ذلك كلّه بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5].
وعن مجاهد أنه قال: لم ينسخ من المائدة إلا القلائد، كان الرجل يتقلّد بالشيء من لحاء شجر الحرم فلا يؤذي فيكون التقدير على هذه الأقوال: ولا أصحاب القلائد، قال: فنسخ الله سبحانه ذلك بقوله:
{فاقتلوا المشركين} الآية. قال: ومعنى {لا تحلّوا شعائر الله} [المائدة:2] لا تتعرضوا لسخطه وابتغوا طاعته، فهو محكم لا يجوز نسخه على هذا التأويل.
وقال الشعبي: نسخ من هذه السورة خمسة أحكام: قوله: {لا تحلّوا شعائر الله} إلى قوله: {الحرام}، قال: نسخ ذلك كلّه بالأمر بالقتل حيث وجدوا.
وأكثر العلماء على أن قوله: {لا تحلّوا شعائر الله} محكمٌ غير منسوخ، ومعناه: لا تستحلوا حدوده ومعالمه وحرماته، وهذا لا يجوز نسخه.
قال ابن عباس: شعائر الله: مناسك الحج، فمعنى الآية: لا ترتكبوا ما نهيتكم عنه من صدٍّ وغيره. وهذا كلّه لا يجوز نسخه.
وقد قال أبو عبيد: الشعائر: الهدايا، وقيل: الشعائر: العلامات التي بين الحلّ والحرم.
فأما قوله: {ولا الشهر الحرام} [المائدة: 2]، فهو عند أكثر العلماء منسوخٌ لأنه تعالى ذكره نهى أن يقاتل المشركون في الشّهر الحرام، ثم نسخ
ذلك، وقد تقدم ذكره في البقرة. والشهر الحرام: هنا يراد به رجبٌ، وقيل: ذو القعدة.
وقوله: {ولا الهدي ولا القلائد}، وقد تقدم القول فيه أنه منسوخٌ بالأمر بقتل المشركين حيث وجدوا، ومعناه: ولا أصحاب الهدي ولا أصحاب القلائد. فكان النهي عامًّا عن قتل المشركين أصحاب الهدي والقلائد، ثم نسخ ذلك بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} على ما تقدم من الاختلاف.
وقد قيل: إن هذا كلّه محكم غير منسوخ. نهى الله جلّ ذكره المؤمنين أن يمنعوا هدي المؤمن المقلّد وغير المقلّد عن أن يصل إلى محلّه، كما فعل المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزاة الحديبية؛ إذ صدّوهم عن البيت، وصدّوا الهدي أن يبلغ محلّه، فهي في المؤمنين خاصة محكمة، وهي مثل قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] إلى قوله: {ولا آمّين البيت الحرام} [المائدة: 2]، وهذا وحده منسوخ بآية السيف على ما قدّمنا.
وقد قيل: إنه مخصوصٌ في أمر بعينه نزل في الحطم بن هند
وقيل هو الحطيم بن ضبيعة أتى حاجًّا، وقد قلّد هديه فأراد أصحاب النبي الخروج إليه فنهوا عن ذلك بهذه الآية، وبهذا القول قال ابن جريجٍ وغيره.
وأكثر الناس على أن المائدة نزلت بعد براءة، فلا يجوز على هذا أن ينسخ ما في براءة ما في المائدة، لأن الآية لا تنسخ ما لم ينزل بعد. ومن قال هذا، جعل: {ولا آمّين البيت الحرام} منسوخًا بالإجماع على أن المشرك لا يقرب المسجد الحرام، وهذا إنما يجوز على قول من أجاز أن ينسخ الإجماع القرآن وليس هو قول مالكٍ ولا أصحابه، ولكن تكون الآية على قول مالك وأصحابه، ومن لم يجز أن ينسخ الإجماع القرآن مخصوصةً في المؤمنين الذين يقصدون البيت الحرام، فهو محكم، فلا يجوز نسخه؛ لأن المسلم نفسه وماله وعرضه محرّم، وإنما خصّ ذكر الآمّين للبيت الحرام، وغيرهم في التحريم مثلهم؛ لأنهم أعظم حرمةً وآكد في التحريم لقصدهم البيت الحرام وابتغائهم ما عند الله وإلاّ فالتحريم في أن يحلّ أذى المسلم حيث كان واحد، وهذا كما قال: {منها أربعةٌ حرمٌ فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم} أي: لا يظلم بعضكم بعضًا في هذه الأربعة الأشهر الحرم، والظلم ممنوع منه في كل الشهور،
ولكن خصّ ذكر الأشهر الحرم لعظم قدرها، وعظم الذنب فيها، ولهذا نظائر، يخص الشيء بالذكر لتأكيد حاله وجلالة أمره وغيره مثله.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {ولا يجرمنّكم شنئان قومٍ أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} [المائدة: 2]:
نهاهم الله عن الاعتداء لأجل بغضهم لقوم.

قال ابن زيد: هو منسوخ بالأمر بالقتال والجهاد، وقتلهم وجهادهم من أعظم الاعتداء عليهم وهو مأمورٌ به فيهم.
وقال مجاهد وغيره: الآية مخصوصةٌ محكمةٌ غير منسوخة. نزلت الآية في مطالبة المسلمين المشركين بـ "ذحول" الجاهلية لأجل أن صدّوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية.
فالمعنى: لا يحملنّكم بغض من صدّكم عن المسجد الحرام عام الحديبية أن تطالبوهم بما مضى في الجاهلية من قتلٍ أو غيره، فما هم عليه من الكفر أعظم من ذلك، وقد قال النبي عليه السلام: ((لعن الله من قتل بـ "ذحلٍ" كان في الجاهلية)) وهذا القول أولى بالآية وأحسن
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمّين البيت الحرام} الآية.
اختلف المفسّرون في هذه الآية، هل هي محكمةٌ أم منسوخة؟ على قولين:
أحدهما: أنّها محكمةٌ ولا يجوز استحلال الشّعائر ولا الهدي قبل أوان ذبحه.
ثمّ اختلفوا في القلائد فقال بعضهم: يحرم رفع (القلادة) عن الهدي حتّى (ينحر).
وقال آخرون منهم: كانت الجاهليّة تقلّد من شجر الحرم فقيل لهم لا تستحلّوا أخذ القلائد من الحرم ولا تصدّوا القاصدين إلى البيت.
والقول الثّاني: أنّها منسوخةٌ، ثمّ في المنسوخ منها ثلاثة أقوال:
أحدهما: قوله: {ولا آمّين البيت الحرام} فإنّ هذا اقتضى جواز إقرار المشركين على قصدهم البيت، وإظهارهم شعائر الحجّ ثمّ نسخ هذا بقوله: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وبقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وهذا المعنى مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد اللّه، قال: أبنا عمر بن بشران، قال: أبنا إسحاق ابن (أحمد)، قال: أبنا عبد اللّه بن
أحمد، قال: حدّثني أبي، قال. بنا عبد الوهّاب، عن سعيدٍ عن قتادة، قال: نسخ منها: {آمّين البيت الحرام} نسخها قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
وقال: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه شاهدين على أنفسهم بالكفر}.
وقال: {إنّما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}.
والثّاني: أنّ المنسوخ منها تحريم الشّهر الحرام، وتحريم الآمّين للبيت إذا كانوا مشركين، وهدي المشركين، إذا لم يكن لهم من المسلمين أمانٌ، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ.
والثّالث: أنّ جميعها منسوخٌ.
أخبرنا المبارك بن عليٍّ، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريشٍ قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكيّ، قال. أبنا محمّد بن إسماعيل بن العبّاس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح،
قال: بنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما: {لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمّين البيت الحرام} قال: "كان المشركون يحجّون البيت الحرام، ويهدون الهدايا ويحرّمون
(حرمة) المشاعر، وينحرون في حجّهم، فأنزل الله عز وجل {لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام} أي لا تستحلّوا قتالا فيه، {ولا آمّين البيت الحرام} يقول: من توجّه قبل البيت. ثمّ أنزل اللّه، فقال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ".
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد اللّه، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد قال: بنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبلٍ، قال: حدّثني أبي، قال: بنا يزيد، قال: أبنا سفيان بن حسينٍ عن الحكم عن مجاهدٍ، قال: نسخت هذه الآية {لا تحلّوا شعائر اللّه} نسختها {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
قال أحمد: وبنا عبد الرزاق، قال: بنا معمرٌ عن قتادة، {لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} قال: هي منسوخة، كان الرّجل في الجاهليّة إذا خرج من بيته يريد الحجّ تقلّد من (السّمر) فلم يعرض له أحدٌ، فإذا رجع تقلّد قلادة شعرٍ فلم يعرض له
أحدٌ، وكان المشرك يومئذٍ لا يصدّ عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشّهر الحرام، ولا عند البيت الحرام، فنسخها {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
أخبرنا ابن الحصين، قال: أبنا بن غيلان، قال: أبنا أبو بكرٍ الشّافعيّ، قال: أبنا إسحاق بن الحسن، قال: أبنا أبو حذيفة النهدي، قال: بنا سفيان الثّوريّ عن بيّانٍ عن الشّعبيّ، قال: لم ينسخ من المائدة غير آية واحدة {لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام} (نسختها) {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
وفصل الخطاب في هذا أنّه لا يمكن القول بنسخ جميع الآية فإنّ شعائر اللّه أعلام متعبّداته. ولا يجوز القول بنسخ هذا (إلا أن يعني) به: لا تستحلّوا نقض ما شرع فيه المشركون من ذلك، فعلى هذا يكون منسوخًا. وكذلك الهدي والقلائد، وكذلك الآمّون للبيت فإنّه لا يجوز صدّهم إلا أن يكونوا مشركين، وأمّا الشّهر الحرام فمنسوخ الحكم على ما بيّنّا في قوله: {يسألونك عن الشّهر الحرام قتالٍ فيه}.
فأمّا قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} فلا وجه لنسخه.
وأمّا قوله: {ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ} فمنسوخٌ بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وباقي الآية محكمٌ (بلا) شكٍّ.
). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (الأولى : {لا تحلّوا شعائر اللّه} 0 ذهب بعضهم إلى إحكامها وقال لا يجوز استحلال الشّعائر ولا الهدي قبل أوانذبحه. وقال آخرون: كانت الجاهليّة تقلّد من شجر الحرم فقيل لا تستحلّوا أخذ القلائد من الحرم ولا تصدوا القاصدين إلى البيت وذهب آخرون إلى أنها منسوخة ولهم في المنسوخ ثلاثة أقوال أحدها ولا آمين البيت الحرام فنسخ في المشركين بقوله {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} . والثاني الآية تحرم الشهر الحرام والآمين إذا كانوا مشركين وهدي المشركين ولم يكن لهم أمان والثالث أن جميعها منسوخ هكذا أطلقه جماعة وليس بصحيح فإن قوله {وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البرّ والتّقوى} إلى آخرها فلا وجه لنسخه.). [المصَفَّى بأكُفِّ أهلِ الرسوخ: 26-30]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (الأول: قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} الآية [المائدة: 2].

قال الشعبي وغيره: لم ينسخ من المائدة غير هذه الخمسة، نسخها الأمر بقتال المشركين.
وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ بالأمر بقتالهم كافة.
وقال ابن عباس وقتادة: ({ولا آمين البيت الحرام} الآية [المائدة: 2]، يعني: منع المشركين من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل).
والشعائر: جمع شعيرة، وشعيرة بمعنى: مشعرة، أي: معلمة. واختلف فيها فقيل: حدوده التي جعلها أعلاما لطاعته في الحج.
وقال ابن عباس: (هي مناسك الحج، نهاهم أن يحلوا ما منع المحرم من إصابته).
وقال زيد بن أسلم: هي ست: الصفا، والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن.
قال: والحرمات خمس: البلد الحرام، والكعبة البيت الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمحرم حتى يحل.
قال الكلبي: كانت عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يقفون إذا حجوا عليهما، وكانت الخمس لا يعدون عرفات من الشعائر ولا يقفون بها في الحج، فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك.
وقال السدي: وشعائر الله: حرمه.
وقيل: هي العلامات، بين الحل والحرم، فهو أن يجاوزوها غير محرمين.
وقال عطاء: شعائر الله: حرماته، نهاهم عن ارتكاب سخطه وأمرهم باتباع طاعته، وقيل: الشعائر: الهدايا، وقيل: الإشعار: أن تجلل وتقلد وتطعن في سنامها فيعلم بذلك أنها هدي.
والشهر الحرام: قيل: هو القعدة.
وقيل: هو رجب، كانت مضر تحرم فيه القتال، فأمروا بأن يحرموه ولا يقاتلوا فيه عدوهم، وقيل: كانوا يحلونه مرة ويحرمونه أخرى، فنهوا عن إحلاله.
والهدي: ما أهداه المسلمون إلى البيت من بعير أو بقرة أو شاة، حرم الله عز وجل أن يمنع أن يبلغ محله.
والقلائد: قيل: هي الهدايا المتقلدات، نهي عن الهدي غير المقلد وعن المقلد.
وقيل: هي ما كان المشركون يتقلدون فيه، كان أحدهم إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر فلا يعرض له أحد، وإذا انصرف تقلد من الشعر قلادة فلا يعرض له أيضا.
وقيل: إنما نهى الله عز وجل أن ينزع شجر الحرم فيتقلد به على عادة الجاهلية.
وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجا أو معتمرا وليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فأمن بها إلى مكة، وإذا قفل من مكة علق في عنقه لحاء شجر مكة فيأمن بها حتى يصل إلى أهله.
وقوله عز وجل: {ولا آمين البيت الحرام} الآية [المائدة: 2] قيل: نهوا أن يعرضوا لمن أم البيت الحرام من المشركين. واختلف في سبب نزولها:
فقيل: نزلت في الحطم البكري، قال ابن جريج: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني داعية قومي وسيدهم، فأعرض علي أمرك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أدعوك إلى الله، أن تعبده ولا تشرك به شيئا، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت)).
فقال الحطم: في أمرك غلظة، أرجع إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرت، فإن قبلوا قبلت معهم، وإن أدبروا كنت معهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((ارجع)).
فلما خرج قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبى غادر، وما الرجل بمسلم)) فمر على سرح للمسلمين فانطلق به، وطلب فلم يدرك، ثم إنه خرج إلى الحج بتجارة عظيمة، فأراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرضوا له ويأخذوا ما معه، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله..} الآية [المائدة: 2] ولما استاق السرح قال:

قد لفها الليل بسواق حطم

ليس براعي إبل ولا غنـم

ولا بجزار على ظهر وضم

باتوا نياما وابن هند لم ينم

بات يقاسيها غلام كالزلـم

خدلج الساقين خفاق القدم

وهذا القول يبطله قوله عز وجل: {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} الآية [المائدة: 2].
وقال ابن زيد: جاء ناس من المشركين يوم الفتح يقصدون البيت، فقال المسلمون: نغير عليهم، فقال الله عز وجل في ذلك: {ولا آمين البيت الحرام} الآية [المائدة: 2].
قال قتادة: نسخ من المائدة: {ولا آمين البيت الحرام} الآية [المائدة: 2]، نسخها آية القتل في "براءة" وقد تقدم أنها نزلت بعد "براءة" عند أكثر العلماء، وهذا مانع من أن تكون براءة ناسخة لها.
ومن قال: ليس فيها منسوخ، قال: أما الشعائر فحدود الله عز وجل.
فأما الشهر الحرام فذو القعدة ولا يحله المحرم فيتعدى فيه إلى ما أمر باجتنابه.
وأما الهدي فظاهر.
وأما القلائد فالنهي عن نزع شجر الحرم ليتقلد به أو عن الهدي المقلد، والتقدير على حذف مضاف: أي: ولا ذي القلائد .
{ولا آمين البيت الحرام}الآية [المائدة: 2]، قيل: إنها للمسلمين؛ لأن المشركين لا يبتغون رضوان الله فينهى المسلمون عنهم، لأجل ذلك لا يجوز أن يكون {آمين} حالا من المخاطبين، أي: لا تحلوا شعائر الله آمين البيت الحرام، أي: لا تحلوها قاعدين عن الحج ولا آمين البيت الحرام.
وقوله: {يبتغون فضلا}الآية [المائدة: 2]، على الالتفات، كقوله عز وجل: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول}الآية [النساء: 64].). [جمال القراء: 1/295-302]
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج عَبد بن حُمَيد وابو داود في ناسخه، وَابن جَرِير، وَابن المنذر والنحاس عن الشعبي قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية {يا أيها الذينآمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} الآية [المائدة: 2]). [الدر المنثور: 5/158-159]
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: 1250هـ): (وأخرج عبد بن حميدٍ وأبو داود في "ناسخه" وابن جريرٍ وابن المنذر عن الشّعبيّ قال: (لم ينسخ من المائدة إلّا هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا لا تحلّوا شعائر اللّه ولا الشّهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} الآية [المائدة: 2])). [فتح القدير: 2/6]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 08:55 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَ‌هُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ‌ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ‌ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَ‌ةِ مِنَ الْخَاسِرِ‌ينَ(5)}

قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب ذكر الآية الثّانيةقال اللّه جلّ وعزّ: {اليوم أحلّ لكم الطّيّبات وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم} [المائدة: 5]
فقالوا فيها ثلاثة أقوالٍ
فمنهم من قال: أحلّ لنا طعام أهل الكتاب وإن ذكروا عليه غير اسم اللّه فكان هذا ناسخًا لقوله تعالى: {ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه} [الأنعام: 121] {وما أهلّ لغير اللّه به} [المائدة: 3]
وقال قومٌ ليس هذا نسخًا ولكنّه مستثنًى من ذاك
وقال آخرون ليس بنسخٍ ولا استثناءٍ ولكن إذا ذكر أهل الكتاب غير اسم اللّه جلّ وعزّ لم تؤكل ذبيحتهم
فالقول الأوّل عن جماعةٍ من العلماء
كما قال عطاءٌ كل من ذبيحة النّصرانيّ وإن قال باسم المسيح لأنّ اللّه تعالى قد أحلّ ذبائحهم وقد علم ما يقولون
وقال القاسم بن مخيمرة كل من ذبيحته وإن قال باسم جرجس
وهو قول ربيعة، والشّعبيّ ويروى عن صحابيّين أبي الدّرداء، وعبادة بن الصّامت
وأصحاب القول الثّاني يقولون هذا استثناءٌ وحلالٌ أكله
وأصحاب القول الثّالث يقولون إذا سمعت الكتابيّ يسمّي غير اللّه فلا تأكل وقال بهذا من الصّحابة عليّ بن أبي طالبٍ وعائشة، وابن عمر
رضي اللّه عنهم وهو قول طاوسٍ، والحسن وقال مالك بن أنسٍ أكره ذلك ولم يحرّمه
واختلفوا أيضًا في ذبائح نصارى بني تغلبٍ فأكثر العلماء يقول هم بمنزلة النّصارى تؤكل ذبائحهم وتتزوّج المحصنات من نسائهم فممّن قال هذا ابن عبّاسٍ بلا اختلافٍ عنه
وقال آخرون لا تؤكل ذبائحهم ولا يتزوّج فيهم لأنّهم عربٌ وإنّما دخلوا في النّصرانيّة، فممّن روي عنه هذا عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه
كما قرئ على أحمد بن محمّد بن الحجّاج، عن يحيى بن سليمان، قال: حدّثنا حفص بن غياثٍ، قال: حدّثنا أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، قال: «ما علمت أحدًا من أصحاب محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم حرّم ذبائح بني تغلب إلّا عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه»
قال أبو جعفرٍ: وهذا قول الشّافعيّ
وعارضه محمّد بن جريرٍ بأنّ الحديث المرويّ عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه الصّحيح أنّه قال:
لا تأكلوا ذبائح بني تغلب ولا تتزوّجوا فيهم فإنّهم لم يتعلّقوا من النّصرانيّة إلّا بشرب الخمر، قال: فدلّ هذا أنّهم لو كانوا على ملّة النّصارى في كلّ أمورهم لأكلت ذبائحهم وتزوّج فيهم قال وقد قامت الحجّة على أكل ذبائح النّصارى والتّزوّج فيهم وهم من النّصارى وقد احتجّ ابن عبّاسٍ في ذلك فقال:
قال اللّه جلّ وعزّ {ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم} [المائدة: 51] فلو لم تكن بنو تغلب من النّصارى إلّا بتوليتهم إيّاهم لأكلت ذبائحهم
فأمّا المجوس فالعلماء مجمعون إلّا من شذّ منهم على أنّ ذبائحهم لا تؤكل ولا يتزوّج فيهم لأنّهم ليسوا أهل كتابٍ وقد بيّن ذلك رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم في كتابه إلى كسرى فلم يخاطبهم بأنّهم أهل كتابٍ
وخاطب قيصر بغير ذلك فقال:
{يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] الآية، وقد عارض
معارضٌ بالحديث المرويّ عن عبد الرّحمن بن عوفٍ أنّه قال لعمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه في المجوس:
سمعت رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يقول أنزلوهم منزلة أهل الكتاب
قال أبو جعفرٍ: وهذا الحديث لا حجّة فيه من جهاتٍ إحداها أنّه قد غلط في متنه وأنّ إسناده غير متّصلٍ فلا تقوم به حجّةٌ، وهذا الحديث
حدّثناه بكر بن سهلٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن جعفر بن محمّدٍ، عن، أبيه، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه ما أدري كيف أعمل في أمر المجوس فشهد عنده عبد الرّحمن بن عوفٍ أنّه سمع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب))
قال أبو جعفرٍ: فالإسناد منقطعٌ لأنّ محمّد بن عليٍّ لم يولد في وقت عمر
وأمّا المتن فيقال إنّه على غير هذا
كما حدّثنا أحمد بن محمّدٍ الأزديّ، قال: حدّثنا أحمد بن بشرٍ الكوفيّ، قال سمعت سفيان بن عيينة، يقول عمرو بن دينارٍ، سمع بجالة، يقول: «إنّ عمر لم يكن أخذ من المجوس الجزية حتّى شهد عبد الرّحمن بن عوفٍ أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أخذها من مجوس هجر»
فهذا إسناده متّصلٌ صحيحٌ ولو صحّ الحديث الأوّل ما كان فيه دليلٌ على أكل ذبائح المجوس ولا تزوّج نسائهم لأنّ قوله سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب يدلّ على أنّهم ليسوا من أهل الكتاب
وأيضًا فإنّما نقل الحديث على أنّه في الجزية خاصّةً وأيضًا فسنّوا
بهم ليس من الذّبائح في شيءٍ لأنّه لم يقل استنّوا أنتم في أمرهم بشيءٍ
فأمّا الاحتجاج بأنّ حذيفة تزوّج مجوسيّةً فغلطٌ والصّحيح أنّه تزوّج يهوديّةً
وفي هذه الآية {والمحصنات من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] وقد ذكرناه في قوله {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] وقول من قال إنّ هذه الآية ناسخةٌ لتلك
واختلفوا في الآية الثّالثة فقالوا فيها سبعة أقوالٍ
).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/232-315]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(
قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم}:
أباح الله لنا أن نأكل طعامهم ونطعمهم طعامنا.
وقد روي عن أبي الدّرداء وعبادة بن الصامت أنهما قالا: هذا ناسخٌ لقوله: {ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] فأحلّ لنا بهذه الآية أكل ذبائح أهل الكتاب، وإن لم يذكروا اسم الله عليه.
وقد قال جماعةٌ من أهل العلم: آية الأنعام محكمةٌ، وإذا ذبح أهل الكتاب ولم يذكروا اسم الله عليها لم تؤكل ذبيحتهم، وإنما أحلّ الله لنا أن نأكل ذبائحهم إذا ذكروا اسم الله عليها، بدلالة قوله: {ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121].
وقد قيل: إن آية الأنعام مخصوصٌ حكمها فيما ذبح للأصنام من ذبائح غير أهل الكتاب، وآية المائدة في إباحة أكل ذبائح أهل الكتاب. فالآيتان على هذا في حكمين مختلفين محكمين لا نسخ في واحدٍ منهما.
وقد قال عليٌّ وعائشة وابن عمر: إذا علم أن الكتابيّ لم يذكر اسم الله على ذبيحته لم تؤكل.
فآية الأنعام على هذا محكمة غير منسوخة عامّة في كل ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه، كتابيًا كان الذابح أو غير كتابي أو مسلمًا إذا تعمّد ترك التسمية وهو ظاهر التلاوة ومفهوم الخطاب. وكذلك ذبيحة المسلم إذا تعمد ترك التسمية لا تؤكل بظاهر الآية.
وكان مالك يكره أكل ذبيحة الكتابي إذا لم يذكر اسم الله عليها، ولا يحرّمه، وهذا يدل من مذهبه على أن آية الأنعام مخصوصة في غير أهل الكتاب. ولو كانت عنده عامة في أهل الكتاب وغيرهم لحرّم أكل ذبيحة الكتابي إذا علم أنه لم يذكر اسم الله عليها. وكره مالك أيضًا أكل لحوم ما ذبحوا لكنائسهم ولم يحرّمه، وكذلك إذا ذكروا عليه المسيح، وذلك منه لعموم التحليل في قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم}، فأحلّ طعامهم تحليلاً عامًا، وقد علم الله أنهم لا يذكرون اسم الله على الذّبائح.
وقد أجاز ابن عباسٍ أكل ذبائح المجوس ونصارى تغلب؛ لقول النبي عليه السلام: ((سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب)).
ومنع من ذلك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، وتأوّلوا الحديث في الجزية لا غير، وقد أجمع على منع نكاح نسائهم، فقد خرجوا بذلك عن سنّة أهل الكتاب، فدلّ ذلك على إخراجهم أيضًا من سنّة أهل الكتاب في الذبائح، وإن الحديث إنما هو في الجزية خاصة، ولو كان عامًّا في سنّة أهل الكتاب لجاز نكاح نسائهم كأهل الكتاب ومنع ذلك إجماعٌ، وقد تقدم الكلام في حكم تحليل نكاح الكتابيات، وما قيل في ذلك.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية الثّانية: قوله تعالى: {وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم}.
اختلف المفسّرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنّها اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب على الإطلاق، وإن علمنا أنّهم قد أهلّوا عليها بغير اسم اللّه، أو أشركوا معه غيره. وهذا
مرويٌّ عن الشّعبيّ، وربيعة، والقاسم بن مخيمرة في آخرين، وهؤلاء زعموا أنّها ناسخةٌ لقوله تعالى: {ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه}.
قال أبو بكر: وبنا حرميّ بن يونس قال: أبنا أبي، يونس بن محمّدٍ، قال: بنا حمّاد بن سلمة عن حميدٍ عن الحسن، قال: قيل له: إنّهم يذكرون المسيح على ذبائحهم، قال: قد علم اللّه ما هم قائلون، وقد أحلّ ذبائحهم.
قال أبو بكر: وبنا زياد بن أيوب، قال: بنا مروان، قال بنا أيوب ابن يحيى الكنديّ، قال: سألت الشّعبيّ عن نصارى نجران فقلت: منهم من يذكروا اللّه ومنهم من يذكر المسيح. قال: كلٌّ، وأطعمني.
قال أبو بكر: وبنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيبٍ، قال: بنا يحيى عن سفيان عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ قال: كلوا وإن ذبح للشّيطان.
قال أبو بكر: وبنا محمود بن خالد، قال: بنا الوليد، قال: أبنا ابن جابرٍ، قال: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: "لا بأس بأكل ما ذبحت النّصارى لأعياد كنائسها، ولو سمعته يقوله: على اسم جرجيس وبولس".
أخبرنا المبارك بن عليٍّ قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريشٍ، قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكيّ، قال: أبنا محمّد بن إسماعيل بن العبّاس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما {وما أهلّ لغير اللّه به} ما ذبح اليهود والنّصارى أحلّ لكم ذبائحهم على كلّ حالٍ.
قال أبو بكر: وبنا محمد بن بشار، قال: بنا يحيى، قال: بنا عبد الملك، عن عطاءٍ، قال: إذا ذبح النّصرانيّ باسم المسيح فكل.
قال أبو بكر: وبنا عبد اللّه بن سعيدٍ، قال: بنا ابن أبي غنية، قال: بنا أبي، عن الحكم، قال: لو ذبح النّصرانيّ وسمعته يقول: "باسمك اللّهمّ المسيح لأكلت منه، لأنّ اللّه قد أحلّ لنا ذبائحهم، وهو يعلم أنّهم يقولون ذلك".
والقول الثّاني: أنّ ذلك كان مباحًا في أوّل الأمر، ثمّ نسخ بقوله تعالى: {ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه}
والقول الثّالث: أنّه إنّما أبيحت ذبيحة أهل الكتاب، لأنّ
الأصل أنّهم يذكرون اسم اللّه عليها (فمتى علم) أنهم قد ذكروا غير اسمه لم يؤكل. وهذا هو الصّحيح عندي.
وممّن قال: إذا سمعت الكتابيّ يسمّي غير اللّه فلا تأكل: عليّ بن أبي طالبٍ، وعبد اللّه بن عمر، وعائشة، وطاؤسٌ والحسن، وعن عبادة ابن الصّامت، وأبي الدّرداء (كهذا القول). وكالقول الأوّل، فعلى هذا القول الآية محكمةٌ، ولا وجه للنّسخ.
). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (الثانية: {وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم} . فيها ثلاثة أقوال إحداها أنّها اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب على الإطلاق وإن علمنا أنهم أهلوا عليها بغير اسم الله وأشركوا به غيره هذا قول الشعبي وآخرين والثاني أن ذلك كان مباحا في أول الإسلام ثم نسخ بقوله {ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه} 0. والثالث:إنما أبيحت ذبائحهم لأن الأصل أنهم يذكرون اسم الله فمتى علم أنهم قد ذكروا غير اسم الله لم يؤكل فعلى هذا الآية محكمة.). [المصَفَّى بأكُفِّ أهلِ الرسوخ: 26-30]


روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 09:19 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَ‌افِقِ وَامْسَحُوا بِرُ‌ءُوسِكُمْ وَأَرْ‌جُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُ‌وا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْ‌ضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ‌ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِ‌يدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَ‌جٍ وَلَـٰكِن يُرِ‌يدُ لِيُطَهِّرَ‌كُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ(6)}

قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب ذكر الآية الثّالثةقال جلّ وعزّ: {يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] الآية فيها سبعة أقوالٍ:
فمن العلماء من قال: هي ناسخةٌ لقوله جلّ وعزّ {لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43]
ومنهم من قال: هي ناسخةٌ لما كانوا عليه لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أحدث لم يكلّم أحدًا حتّى يتوضّأ وضوءه للصّلاة فنسخ هذا وأمر بالطّهارة عند القيام إلى الصّلاة
ومنهم من قال: هي منسوخةٌ لأنّه لو لم تنسخ لوجب على كلّ قائمٍ إلى الصّلاة الطّهارة وإن كان متطهّرًا والنّاسخ لها فعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وسنذكره بإسناده
ومن العلماء من قال: يجب على كلّ من قام إلى الصّلاة أن يتوضّأ للصّلاة بظاهر الآية وإن كان طاهرًا فهذا قول عكرمة، وابن سيرين، واحتجّ عكرمة، بعليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه
كما حدّثنا أحمد بن محمّدٍ الأزديّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوقٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمر، وعبد الصّمد بن عبد الوارث، قالا: حدّثنا شعبة، عن مسعود بن عليٍّ، قال: كان عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه يتوضّأ لكلّ صلاةٍ ويتلو: {يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] الآية
ومن العلماء من يقول ينبغي لكلّ من قام إلى الصّلاة أن يتوضّأ لها طلبًا للفضل، وحمل الآية على النّدب
ومنهم من قال الآية مخصوصةٌ لمن قام من النّوم
والقول السّابع: أنّ الآية يراد بها من لم يكن على طهارةٍ فهذه سبعة أقوالٍ
فأمّا القول الأوّل إنّها ناسخةٌ لقول اللّه جلّ وعزّ {لا تقربوا الصّلاة
وأنتم سكارى} [النساء: 43] فقد ذكرناه بإسناده في سورة النّساء ولا يبيّن في هذا نسخٌ يكون التّقدير إذا قمتم إلى الصّلاة غير سكارى
والقول الثّاني: يحتجّ من قاله بحديث علقمة بن الفغواء عن أبيه قال:
كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا بال لم يكلّم أحدًا حتّى يتوضّأ للصّلاة حتّى نزلت آية الرّخصة {يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة} [المائدة: 6]
وقرئ على أحمد بن شعيبٍ، عن محمّد بن بشّارٍ، عن ابن معاذٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن، عن حصين بن المنذر أبي ساسان، عن المهاجر بن قنفذٍ، أنّه: «سلّم على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يبول فلم يردّ عليه حتّى توضّأ فلمّا توضّأ ردّ عليه»
قال أبو جعفرٍ: وهذا أيضًا لا يتبيّن فيه نسخٌ لأنّه مباحٌ فعله
ومن قال: الآية منسوخةٌ بفعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاحتجّ بما حدّثناه عبد اللّه بن محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا أحمد بن منصورٍ، قال حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا سفيان، عن علقمة بن مرثدٍ، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «كان يتوضّأ وضوءه لكلّ صلاةٍ فلمّا كان يوم الفتح صلّى الصّلوات بوضوءٍ واحدٍ ومسح على خفّيه» فقال عمر: لقد فعلت شيئًا ما كنت تفعله فقال: «عمدًا فعلته» ومن
منع أن ينسخ القرآن بالسّنّة قال هذا تبيينٌ وليس بنسخٍ
ومن قال على كلّ قائمٍ إلى الصّلاة أن يتوضّأ لها احتجّ بظاهر الآية وبما روي عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه
ومن قال: هي على النّدب احتجّ بفعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبأنّ عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه لم يقل هذا واجبٌ فيتأوّل أنّه يفعل
هذا إرادة الفضل والدّليل على هذا أنّه قد صحّ عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه أنّه توضّأ وضوءًا خفيفًا ثمّ قال:
هذا وضوء من لم يحدث وكذا عن عمر أيضًا ويحتجّ بحديث غطيفٍ عن ابن عمر عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
من توضّأ على طهارةٍ كتبت له عشر حسناتٍ
وأمّا من قال المعنى إذا قمتم من النّوم فيحتجّ بأنّ في القرآن الوضوء على النّائم، وهذا قول أهل المدينة
كما حدّثنا بكر بن سهلٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن يوسف، قال: أخبرنا مالكٌ، عن زيد بن أسلم، أنّ تفسير، هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة} [المائدة: 6] الآية أنّ: «ذلك إذا قام من المضجع يعني النّوم»
والقول السّابع: قول الشّافعيّ قال: " لو وكّلنا إلى الآية لكان على كلّ قائمٍ إلى الصّلاة الطّهارة. فلمّا صلّى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم الصّلوات بطهرٍ واحدٍ بينها ومعنى هذا على هذا القول {يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة} [المائدة: 6] وقد أحدثتم {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}
وقد زعم قومٌ أنّ هذا ناسخٌ للمسح على الخفّين، وسنبيّن ما في ذلك وأنّه ليس بناسخٍ له إن شاء اللّه
وقال قومٌ في قراءة من قرأ: وأرجلكم بالخفض إنّه منسوخٌ بفعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقوله لأنّ الجماعة الّذين تقوم بهم الحجّة رووا أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم غسل قدميه وفي ألفاظه عليه السّلام
إذا غسل قدميه خرجت الخطايا من قدميه
ولم يقل أحدٌ عنه عليه السّلام إنّه قال فإذا مسح قدميه
وصحّ عنه «ويلٌ للعراقيب من النّار» «ويلٌ للأعقاب من النّار»
وأنّه أمر بتخليل الأصابع ولو كان المسح جائزًا ما كان
لهذا معنًى
وقال قومٌ قد صحّ الغسل بنصّ كتاب اللّه جلّ وعزّ في القراءة بالنّصب وبفعل رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وقوله ومن ادّعى أنّ المسح جائزٌ فقد تعلّق بشذوذٍ
وقال قومٌ الغسل والمسح جميعًا واجبان بكتاب اللّه جلّ وعزّ لأنّ القراءة بالنّصب والخفض مستفيضةٌ قد قرأ بها الجماعة
فممّن قال إنّ مسح الرّجلين منسوخٌ الشّعبيّ
كما حدّثنا أحمد بن محمّدٍ الأزديّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزرقٍ، قال: حدّثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عاصمٍ، عن الشّعبيّ، قال: «نزل القرآن بالمسح والسّنّة بالغسل»
ومن قال قد صحّ الغسل بالكتاب والسّنّة احتجّ بالقراءة بالنّصب وبما صحّ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
ومن قال: هما واجبان قال هما بمنزلة آيتين لصحّة كلّ واحدةٍ منهما عن جماعةٍ تقوم بهم الحجّة
كما حدّثنا أحمد بن محمّدٍ الأزديّ، قال: حدّثنا إبراهيم، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا قيسٌ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبد اللّه، أنّه: قرأ «وأرجلكم» بالنّصب
قال وحدّثنا أحمد، قال: حدّثنا محمّد بن خزيمة، قال: حدّثنا سعيد بن
منصورٍ، قال سمعت هشيمًا، يقول أخبرنا خالدٌ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، أنّه: قرأ «وأرجلكم وقال عاد إلى الغسل»
قال أبو جعفرٍ: وهذه قراءة عروة بن الزّبير، ونافعٌ، والكسائيّ، وقرأ أنس بن مالكٍ وأرجلكم بالخفض وهي قراءة أبى جعفرٍ، وأبي عمرٍو
وعاصمٍ، والأعمش، وحمزة
على أنّه يقال تمسّحت بمعنى تطهّرت للصّلاة فيكون على هذا الخفض كالنّصب وسمعت عليّ بن سليمان يقول التّقدير وأرجلكم غسلًا ثمّ حذف هذا لعلم السّامع
وممّن قال إنّ المسح على الخفّين منسوخٌ بسورة المائدة ابن عبّاسٍ وقال:
ما مسح رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم على الخفّين بعد نزول المائدة
وممّن ردّ المسح أيضًا عائشة وأبو هريرة
قال أبو جعفرٍ: من نفى شيئًا وأثبته غيره فلا حجّة للنّافي وهذا موجودٌ في الأحكام والمعقول وقد أثبت المسح على الخفّين من أصحاب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم جماعةٌ كثيرةٌ ومنهم من قال بعد المائدة فممّن أثبت المسح عليّ بن أبي طالبٍ، وسعد بن أبي وقّاصٍ، وبلالٌ، وعمرٌو بن أميّة
الضّمريّ، وصفوان بن عسّالٍ، وحذيفة، وبريدة، وخزيمة بن ثابتٍ، وأبو بكرٍ، وسهل بن سعدٍ، وأسامة بن زيدٍ، وسلمان،
وجريرٌ البجليّ، والمغيرة بن شعبة، وعن عمر بن الخطّاب غير مسندٍ صحيحٍ فمن ذلك ما حدّثنا أحمد بن شعيبٍ، أبوعبد الرّحمن، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا سفيان الثّوريّ، عن عمرو بن قيسٍ الملائيّ، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئٍ، عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه قال: «جعل
رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم للمسافر ثلاثة أيّامٍ ولياليهنّ، ويومًا وليلةً للمقيم يعني في المسح»
قال أبو عبد الرّحمن، وأخبرنا هنّاد بن السّريّ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئٍ، قال: سألت عائشة عن المسح على الخفّين قالت: ائت عليًّا فإنّه أعلم بذلك منّي فأتيت عليًّا فسألته عن المسح فقال: «أمرنا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أن نجعل للمقيم يومًا وليلةً وللمسافر ثلاثًا»
قال أبو عبد الرّحمن، وأخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا حفصٌ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همّامٍ، أنّ، جرير بن عبد اللّه البجليّ: " توضّأ ومسح على خفّيه فقيل له أتمسح؟ فقال: قد رأيت رسول صلّى الله عليه وسلّم يمسح " فكان أصحاب عبد اللّه يعجبهم قول جريرٍ لأنّ إسلامه كان قبل موت رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بيسيرٍ
قال أبو جعفرٍ: وكذا قال أحمد بن حنبلٍ أنا أستحسن حديث جريرٍ في المسح على الخفّين لأنّ إسلامه كان بعد نزول المائدة
وقد عارض قومٌ من الّذين يمنعون المسح على الخفّين بأنّ الواقديّ روى عن عبد الحميد بن جعفرٍ عن أبيه:
أنّ جريرًا البجليّ أسلم في سنة عشرٍ في شهر رمضان وأنّ المائدة نزلت في ذي الحجّة يوم عرفاتٍ قالوا: فإسلام جريرٍ على هذا قبل نزول المائدة
قال أبو جعفرٍ: والّذي احتجّ بهذا جاهلٌ بمعرفة الحديث لأنّ هذا الحديث لا تقوم به حجّةٌ لوهائه وضعف إسناده، وأيضًا فإنّ قوله نزلت المائدة يوم عرفاتٍ في ذي الحجّة جهلٌ أيضًا لأنّ الرّواية أنّه نزل منها في ذلك اليوم آيةٌ واحدةٌ وهي {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] ولو صحّ ما قال إنّ المسح كان قبل نزول المائدة لما كانت له فيه حجّةٌ ولكان المسح ثابتًا ويكون القرآن نزل بالغسل لمن لم يكن عليه خفّان ويقال له أيضًا ما معنى المسح قبل نزول المائدة وهل كان التّوضّؤ للصّلاة واجبًا قبل نزول المائدة فإن كان واجبًا فقد صحّ أنّ المسح على الخفّ بدلٌ من الغسل وإن قال كان غير واجبٍ قيل له فما معنى المسح والغسل غير واجبٍ وكذا المسح وهذا بيّنٌ في تثبيت المسح على الخفّين
وهو قول الفقهاء الّذين تقوم بهم الحجّة
واختلفوا في الآية الرّابعة فمنهم من قال: هي منسوخةٌ ومنهم من قال: هي محكمةٌ
).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/232-315]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم}.
هذه الآية عند جماعة ناسخةٌ لقوله: {لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى} [النساء:43]؛ لأن مفهوم الخطاب جواز قرب الصلاة لغير السّكران جوازًا عامًا بلا شرط غسلٍ ولا وضوء، ثم منع في هذه الآية أن تقرب الصّلاة إلاّ بالغسل المذكور للأعضاء المذكورة، والمسح للرأس.
وقيل: الآية ناسخةٌ لفعل النبي عليه السلام كان إذا أحدث لم يكلّم أحدًا حتى يتوضأ، فنسخ الله ذلك بالأمر بالوضوء عند القيام إلى الصّلاة.
ومعنى {إذا قمتم}: إذا أردتم القيام، كما قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشّيطان الرّجيم} [النحل: 98]، أي: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله.
وقد قيل: إن ظاهر الآية إيجاب الوضوء على كل من قام إلى صلاةٍ، وإن كان على وضوء، لكنه نسخ بتواتر الأخبار أن النبي عليه السلام كان يصلّي صلواتٍ بوضوء واحد، وبالإجماع على جواز ذلك وفعله.
والأحسن أن يقال: خصّص وبيّن بالإجماع على جواز صلواتٍ بوضوء واحد، وبالسّنّة المتواترة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فيكون مخصّصًا ومبيّنًا أولى من أن يكون منسوخًا، هذا على قول من لم يجز النسخ بالإجماع ولا بالسنّة المتواترة؛ إذ لا اختلاف في جواز تخصيص القرآن وتبيينه بالإجماع وبالسّنّة المتواترة.
وروي عن علي أنه جعل الآية للوضوء لكل صلاةٍ على النّدب، ندب كل من قام إلى الصلاة أن يتوضأ لها، وإن كان على وضوء، وكان علي
رضي الله عنه يتوضأ لكل صلاة للفضل لا لأنه واجب.
وقد ذهب قوم إلى وجوبه بظاهر الآية، وهو مروي عن عكرمة وابن سيرين. والجماعة على خلافهما، للإجماع السابق قبلهما. والأخبار المتواترة على غير ذلك.
وقد قال زيد بن أسلم: الآية مخصوصةٌ يراد بها من كان على غير طهارة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وعليه جماعة الفقهاء، وهو الصواب، إن شاء الله. فيدخل تحت الحدث النوم وغيره؛ فالآية محكمة في هذه الأقوال.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: فرض غسل الرّجلين ناسخٌ للمسح على الخفين. وعن عائشة وأبي هريرة أنهما منعا المسح على الخفين وهي رواية ضعيفة.
وأكثر الفقهاء وأهل السنّة وأهل الحديث، وأكثر الرواة عن الصحابة والتابعين على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر. فهو غير منسوخ بل هو توسعة وتخفيف على المسلمين. وهو بدل من الغسل.
فأمّا من قرأ: "وأرجلكم" - بالخفض - فهي قراءة مجمعٌ عليه لا اختلاف في جوازها والقراءة بها. وهي توجب جواز المسح على الأرجل وليس على ذلك عمل. وقد قيل فيه أقوال:
وقيل: هو محكم منسوخ بفعل النبي عليه السلام وغسله لرجليه دون أن يمسح، نقل ذلك نقلاً متواترًا، وقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بتخليل الأصابع، وذلك لا يصح إلا مع الغسل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ويلٌ للأعقاب من النار))، لما رأى قومًا توضؤوا وأعقابهم تلوح لم يصل إليها الماء، وهذا لا يكون إلا بالغسل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أسبغوا الوضوء)) وذلك لا يكون إلا مع الغسل.
وقد قيل: إن القراءة - بالخفض - غير منسوخة لكنّها تدلّ على ما تدلّ عليه، القراءة - بالنصب - من الغسل وذلك أن معنى التمسح: التطهر، يقال: تمسحت للصّلاة، أي، تطهّرت لها: فيكون معنى: وأرجلكم - بالخفض -: أي: طهروها بالماء، فلما كان المسح يجوز أن يقع على الطهارة بيّن النبي بفعله أن المراد بالمسح - في قراءة من خفض الأرجل -: الغسل.
وقد روي عن الشعبي أنه قال: نزل القرآن بالمسح - يعني على الأرجل - قال: وجاءت السّنّة بالغسل، فجعل المسح هو الفرض، والغسل بالسنّة، كأنه جعل السنّة ناسخةً للفرض؛ إذ قد أجمع على أنه لا يجوز مسح الرجلين في الوضوء دون الغسل، وإنما المسح الجائز على الخفين.
وقد قال بعض أهل العربية واللغة: إن معنى القراءة - بالخفض -: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم غسلاً، ودلّ على هذا الغسل المحذوف قوله: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق}، ودلّ على أن المراد الغسل، وأكّده التحديد في قوله: {إلى الكعبين}، كما قال في الأيدي: {إلى المرافق}.
وقد قال الأخفش وأبو عبيدة: إنما خفضت الأرجل - في قراءة من خفضها - على الجوار للرؤوس، لا على العطف عليها. والخفض على الجوار لا يوجب حكم الذي جاوره وحمل على إعرابه للمجاورة، إنما يوجب الحكم الخفض على العطف.
ومن قال: إنه خفضٌ - على العطف - احتجّ بأنّ حمل الكلام على أقرب العاملين أحسن، فلما كان قبل الأرجل عاملان: الغسل والباء، والباء أقرب، حمل الكلام على الباء لقربها منه، وهو الأكثر في كلام العرب، وحسن ذلك لما في الكلام من الدليل على أن المراد به الغسل. وقد روى أبو زيد اللغوي: أن المسح: خفيف الغسل. وقال أبو عبيدة في قوله: {فطفق مسحًا بالسّوق والأعناق} [ص: 33]: أن المسح هنا: الضرب، فكذلك المسح في الأرجل: الغسل الخفيف.
فأما المسح على الخفين:
فإن ابن عباس يقول: "مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين قبل نزول المائدة"، فلما نزلت المائدة بالغسل نسخ ذلك المسح، وقال: "والله ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المائدة".
وقال جرير بن عبد الله: مسح النبي عليه السلام على الخفين بعد نزول المائدة - وكان إسلام جرير بعد نزول المائدة في شهر رمضان سنة عشر - وعلى هذا أكثر الناس لأن من أثبت أولى بالقبول ممّن نفى. هذا أصل مجمع عليه.
وقد اختلف قول مالك في جواز المسح على الخفين للمقيم.
وعلى جوازه أكثر أهل السنّة.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية الثّالثة: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم}.
اختلف العلماء فيها على قولين:
أحدهما: أنّ في (الكلام) إضمارًا تقديره: إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين. وهذا قول سعد بن أبي وقّاصٍ، وأبي موسى، وابن عبّاسٍ، والفقهاء.
والثّاني: أنّه على إطلاقه، وأنّه يوجب على كلّ من أراد الصّلاة أن يتوضّأ سواءً كان محدثًا أو غير محدثٍ. وهذا مرويٌّ عن جماعةٍ منهم: عليٌّ، وعكرمة، وابن سيرين.
ثمّ اختلفوا: هل هذا الحكم باقٍ أم نسخ؟
فذهب أكثرهم إلى أنّه باقٍ.
وقال بعضهم: بل هو منسوخ بالسنة وهو حديث بريدة: "أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى يوم الفتح بوضوءٍ واحدٍ" فقال له عمر: صنعت شيئًا لم تكن تصنعه. فقال: عمدًا فعلته يا عمر".
وهذا
قولٌ بعيدٌ لما سبق بيانه من أنّ أخبار الآحاد لا تجوز أن تنسخ القرآن وإنّما يحمل فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذا على تبيين معنى الآية، وأنّ المراد: إذا قمتم وأنتم محدثون. وإنّما كان يتوضّأ لكلّ صلاةٍ لطلب الفضيلة.
وقد حكى أبو جعفرٍ النّحّاس عن الشّافعيّ أنّه قال: لو وكّلنا إلى الآية لكان على كلّ قائمٍ إلى الصّلاة الطّهارة، فلمّا صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (الصّلوات) بطهورٍ واحدٍ، بيّنها فيكون المعنى: إذا قمتم وقد أحدثتم فاغسلوا.
وقد قال بعضهم: يجوز أن يكون ذلك قد نسخ بوحيٍ لم تستقرّ تلاوته. فإنّه قد روى أبو جعفر ابن جريرٍ الطّبريّ، بإسناده عن عبد اللّه بن حنظلة الغسيل رضي اللّه عنهما "أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بالوضوء عند كلّ صلاةٍ فشقّ ذلك عليه، فرفع عنه الوضوء إلا من حدثٍ".
). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (الثالث: قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}الآية [المائدة: 6]، قال قوم: هي منسوخة؛ لأنها تقتضي إيجاب الوضوء على من قام إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا.
وقال عكرمة وابن سيرين بإيجاب ذلك على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا، وإنما معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، يدل على ذلك قوله عز وجل: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} الآية [المائدة: 6] فالآية محكمة عند العلماء، ومعناها ما ذكرته.
). [جمال القراء: 1/295-302]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (الرابع: قوله عز وجل: {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} الآية [المائدة: 6]، قال قوم: هو منسوخ بوجوب غسل الرجلين.
وقال الشعبي: نزل القرآن بمسح الرجلين، وجاءت السنة بالغسل، والصحيح أنها محكمة.
قال أبو زيد: المسح: خفيف الغسل، وأريد ترك الإسراف؛ لأن غسل الرجلين مظنة ذلك، وقال أبو عبيد في قوله عز وجل: {فطفق مسحا} الآية [ص: 33] المسح هاهنا: الضرب، كذلك المسح هاهنا الغسل، وقيل: المسح: التطهير، يقال: تمسحت للصلاة كما يقال تطهرت لها، وقيل: قراءة الخفض معناها مسح الخفين، وقراءة النصب لغسل الرجلين. والصحيح أنها محكمة.
). [جمال القراء: 1/295-302]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 09:33 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّ‌فُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُ‌وا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(13)}

قال محمد بن كثيرٍ العَبْدي (ت:223هـ) عن همّام بن يحيى البصري قال:(وعن قوله عز وجل: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح} حتى يأتي الله بأمره عز وجل فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم ويصفح ولم يؤمر يومئذ بقتالهم ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله وهم صاغرون} فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ) . [الناسخ والمنسوخ لقتادة: 1/40-42]
قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (الآية الثانية: قوله تعالى: {فاعف عنهم} [159 / آل عمران 13 / المائدة] نزلت في اليهود ثم نسخت بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنونبالله ولا باليوم الآخر} الآية [92 / التوبة / 9].).[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب ذكر الآية الرّابعةقال اللّه جلّ وعزّ: {فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13] من العلماء من قال إنّما كان العفو والصّفح قبل الأمر بالقتال ثمّ نسخ ذلك بالأمر بالقتال
كما حدّثنا أحمد بن محمّد بن نافعٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قول اللّه تعالى {ولا تزال تطّلع على خائنةٍ منهم إلّا قليلًا منهم فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13]، قال: " نسخها {قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] الآية "
وقال غيره: ليست بمنسوخةٍ لأنّها نزلت في يهود غدروا برسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم غدرةً وأرادوا قتله فأمره اللّه جلّ وعزّ بالصّفح عنهم قال أبو جعفرٍ: وهذا لا يمتنع أن يكون أمر بالصّفح عنهم بعد أن لحقتهم الذّلّة والصّغار فصفّح عنهم في شيءٍ بعينه
واختلفوا أيضًا في الآية الخامسة فقال بعضهم هي ناسخةٌ وقال بعضهم هي محكمةٌ غير ناسخةٍ
).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/232-315]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (الآية الثّانية قوله تعالى {فاعف عنهم واصفح}
نزلت في اليهود ثمّ نسخ العفو والصفح بقوله تعالى {قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله {وهم صاغرون}
). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح}:
قال قتادة: هي منسوخةٌ بقوله: {قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] الآية.
وقيل بقوله: {وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانةً} [الأنفال: 58] الآية.
وقال ابن عباس: هي منسوخةٌ بقوله: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5].
وهذا كله يدلّ على أن براءة نزلت بعد المائدة.
فأما من قال: المائدة نزلت بعد براءة فالآية عنده محكمةٌ غير منسوخة، لكنها مخصوصة نزلت في قوم من اليهود أرادوا الغدر بالنبي عليه السلام فنجّاه الله منهم، وأمره بالعفو عنهم ما داموا على الذمة، وهو الصواب إن شاء الله، لأن القصة من أول العشر إلى آخره، وما بعده كله نزلت في أهل الكتاب والإخبار عن حالهم وعهدهم وخيانتهم وغير ذلك.
وقد قيل: هي محكمةٌ مخصوصة في زمان دون زمان، فالمعنى: فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وذمّة.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية الرّابعة: قوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح}.
اختلف العلماء هل هذا منسوخٌ أم محكم؟ على قولين،:
أحدهما: أنّه منسوخٌ، قاله الأكثرون، ولهم في ناسخه ثلاثة أقوال:
أحدهما: آية السّيف.
أخبرنا ابن ناصرٍ قال: أبنا ابن أيّوب، قال: أبنا أبو عليّ بن شاذان، قال: بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمّدٍ، قال: حدّثت عن معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما {فاعف عنهم} {وإن تعفوا وتصفحوا} ونحو هذا من القرآن نسخ (كلّه) بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
والثّاني: {قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللّه}.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد اللّه، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبلٍ، قال: حدّثني أبي، قال بنا عبد الرزاق، قال: بنا معمرٌ عن قتادة {فاعف عنهم واصفح} قال: نسختها قوله تعالى: {قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر}.
والثّالث: {وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانةً}.
والقول الثّاني: أنّه محكمٌ، قال بعض المفسّرين: نزلت في قومٍ كان بينهم وبين النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ، فغدروا وأرادوا قتل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأظهره اللّه عليهم، ثمّ أنزل هذه الآية، ولم تنسخ.
قال ابن جريرٍ: يجوز أن يعفي عنهم في غدرةٍ فعلوها ما لم ينصبوا حربًا، ولم يمتنعوا من أداء الجزية، والإقرار بالصّغار فلا يتوجه النسخ.
). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (الثالثة: {فاعف عنهم واصفح} الأكثرون على نسخها بآية السيف وقال ابن جرير يجوز أن يعفو عنهم في غدرة فعلوها ما لم يصيبوا حربا ولم يمتنعوا من أداء الجزية فلا يتوجه النسخ.). [المصَفَّى بأكُفِّ أهلِ الرسوخ: 26-30]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (الخامس: قوله عز وجل: {فاعف عنهم واصفح}الآية [المائدة: 13] قال قتادة: نسخها قوله عز وجل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}الآية [التوبة: 29]، وقال ابن عباس: (نسخها قوله عز وجل: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} الآية [التوبة: 5])، وقيل: بقوله عز وجل: {وإما تخافن من قوم خيانة}الآية [الأنفال: 58]، والصحيح: أنها محكمة، لا سيما على قول من قال: إن المائدة بعد براءة، وإنما نزلت في قوم من اليهود أرادوا الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم فحماه الله عز وجل وأمره بالعفو والصفح ما داموا في الذمة، والسياق يدل على ذلك.). [جمال القراء: 1/295-302]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 11:06 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِ‌بُونَ اللَّـهَ وَرَ‌سُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْ‌ضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْ‌جُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْ‌ضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَ‌ةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(33)}

قال الوليد بن محمد الموقّري الأموي (ت:182هـ): حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شِهَاب الزهري (ت: 124هـ): (وقال في سورة المائدة: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض}.
[نسخت بالاستثناء بعدها في] قوله تعالى: { إلا الذين تابوامن قبل أن تقدروا عليهم}.
يقول: فلا سبيل لكم عليهم بعد التوبة. أراد بذلك الرجل المسلم الذي يكون منه الفساد ثم يتوب من قبل أن يظفر به رب الأمر. وأما الكفار الذين يفسدون في الأرض وهم في دار الحرب فهؤلاء لا تقبل توبتهم، فإنهم لو كانت توبتهم صادقة للحقوا ببلاد المسلمين. ) [الناسخ والمنسوخ للزهري: 36]
قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (الآية الثالثة: قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [33 / المائدة / 5] نسخت بالاستثناء منها فيما بعدها بقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فصارت ناسخة لها .[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (بابٌ ذكر الآية الخامسةقال جلّ وعزّ: {إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33]
فقال قومٌ: هذه ناسخةٌ لما كان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فعله في أمر العرنيّين من التّمثيل بهم وسمل أعينهم وتركهم حتّى ماتوا فممّن قال هذا محمّد بن سيرين قال:
«لمّا فعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك وعظ ونسخ هذا الحكم»، واستدلّ على ذلك بأحاديث صحاحٍ فمن ذلك
ما حدّثناه أحمد بن شعيبٍ أبو عبد الرّحمن، قال أخبرني عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثيرٍ، عن الوليد، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي قلابة عن أنسٍ،: " أنّ نفرًا من عكلٍ قدموا على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأسلموا فاجتووا المدينة فأمرهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يخرجوا إلى إبل الصّدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فقتلوا راعيها واستاقوها فبعث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في طلبهم قافةً فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ولم يحسمهم وسمل أعينهم وتركهم حتّى ماتوا، فأنزل اللّه جلّ وعزّ: {إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتّلوا أو يصلّبوا} [المائدة: 33] الآية "
قال أبو عبد الرّحمن، وأخبرني الفضل بن سهلٍ، قال حدّثني يحيى بن غيلان، ثقةً مأمونًا قال حدّثني يزيد بن زريعٍ، عن سليمان التّيميّ، عن أنسٍ، قال: «إنّما سمل رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أعين أولئك لأنّهم سملوا أعين الرّعاء»
قال أبو جعفرٍ: وهذا من أحسن حديثٍ يروى في هذا الباب وأغربه وأصحّه وفيه حجّةٌ للشّافعيّ في القصاص
فأمّا الحديث الأوّل فيحتجّ به من جعل الآية ناسخةً وفيه من الغريب قوله: فاجتووا المدينة قال أبو زيدٍ يقال اجتويت البلاد إذا كرهتها
وإن كانت موافقةً لك في بدنك، واستوبلتها إذا لم تكن توافقك في بدنك وإن كنت محبًّا لها
وفيه وسمل أعينهم، قال أبو عبيدٍ: السّمل أن تفقأ العين بحديدةٍ محماةٍ أو بغير ذلك يقال: سملتها أسملها سملًا وقد يكون السّمل بالشّوك كما قال أبو ذؤيبٍ يرثي بنين له ماتوا:



فالعين بعدهم كأنّ حداقهـاسملت بشوكٍ فهي عورٌ تدمع

وبعض من يقول إنّها محكمةٌ غير ناسخةٍ يقول الحكمان قائمان جميعًا ويحتجّ بالحديث أنّ السّمل كان قصاصًا وهو أحسن ما قيل فيه
وقال أبو الزّناد لمّا فعل ذلك صلّى الله عليه وسلّم وعظ ونهى عن المثلة فلم يعد
وقال غيره: إنّما فعل ذلك على الاجتهاد كما فعل في الغنائم حتّى نزلت {لولا كتابٌ من اللّه سبق} [الأنفال: 68] الآية
وقال آخر لا يجوز أن يفعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شيئًا من هذا وما أشبهه إلّا بوحيٍ منزّلٍ أو إلهامٍ من اللّه جلّ وعزّ لقوله جلّ وعزّ: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] ولفرضه طاعته
وقال السّدّيّ: إنّما أراد أن يفعل فنهي عن ذلك وأمر بالحدود
قال أبو جعفرٍ: وقد ذكرنا الحديث بغير ما قال
فأمّا ما في الآية من قوله جلّ وعزّ أو؛ ومن اختلاف العلماء في تخيير الإمام أن يفعل أيّ هذه شاء ومن قول بعضهم بل ذلك على التّرتيب فنذكر
منه ما تكمل به الفائدة في علم الآية إن شاء اللّه واختلف العلماء في من يلزمه اسم محاربة اللّه جلّ وعزّ ورسوله صلّى الله عليه وسلّم على خمسة أقوالٍ:
فمنهم من قال المحارب للّه جلّ وعزّ ورسوله هو المشرك المعاند دين اللّه فأمّا من كان مسلمًا وخرج متلصّصًا فلا يلزمه هذا الاسم وهذا القول مرويٌّ عن ابن عبّاسٍ وهو يروى عن الحسن، وعطاءٍ
ومن العلماء من قال المحارب للّه جلّ وعزّ ورسوله المرتدّ وهذا قول عروة بن الزّبير
كما قرئ على عبد اللّه بن أحمد بن عبد السّلام، عن أبي الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «إذا خرج المسلم فشهر سلاحه ثمّ تلصّص ثمّ جاء تائبًا أقيم عليه الحدّ، ولو ترك لبطلت العقوبات إلّا أن يلحق ببلاد الشّرك ثمّ يأتي تائبًا فيقبل منه»
وقال قومٌ: المحارب للّه ولرسوله من المسلمين من فسق فشهر سلاحه وخرج على المسلمين يحاربهم وردّوا على من قال لا يكون المحارب للّه جلّ وعزّ ورسوله إلّا مشركًا بحديث معاذٍ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
((من عادى وليًّا من أولياء اللّه جلّ وعزّ فقد نادى اللّه جلّ وعزّ بالمحاربة))
قال أبو جعفرٍ حدّثنا أحمد بن محمّدٍ الأزديّ، قال: حدّثنا الحسين بن الحكم الحبريّ، قال: حدّثنا أبو غسّان، مالك بن إسماعيل، عن السّدّيّ، عن صبيحٍ، مولى أمّ سلمة، عن زيد بن أرقم، «أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال لعليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه وفاطمة والحسن، والحسين رضي اللّه عنهم أنا سلمٌ لمن سالمتم، وحربٌ لمن حاربتم» أفلا ترى قول رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم لمن ليس بكافرٍ وتسميته إيّاه محاربًا
وقد ردّ أبو ثورٍ وغيره على من قال إنّ الآية في المشركين بأشياء بيّنةٍ
قال قد أجمع العلماء على أنّ المشرك إذا فعل هذه الأشياء ثمّ أسلم قبل أن يتوب منها أنّه لا يقام عليه شيءٍ من حدودها لقول اللّه جلّ وعزّ {قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] فهذا كلامٌ بيّنٌ حسنٌ
وقال غيره لو كانت الآية في المشركين لوجب في أسرى المشركين أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض، وهذا لا يقوله أحدٌ
وقال بعض العلماء الآية عامّةٌ في المشركين والمسلمين فهذه أربعة أقوالٍ
والقول الخامس: أن تكون الآية عامّةً على ظاهرها إلّا أن يدلّ دليلٌ على خارجٍ منها فيخرج بالدّليل فقد دلّ ما ذكرناه على أنّ أهل الحرب من المشركين خارجون منها فهذا أحسن ما قيل فيها، وهو قول أكثر الفقهاء
ثمّ اختلفوا فيمن لزمه اسم المحاربة أيكون الإمام مخيّرًا فيه أم تكون عقوبته على قدر جنايته
فقال قومٌ: الإمام مخيّرٌ فيه على أنّه يجتهد وينظر للمسلمين
فممّن قال هذا من الفقهاء مالك بن أنسٍ وهو مرويٌّ عن ابن عبّاسٍ وهو قول سعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهدٍ، والضّحّاك وممّن قال العقوبة على قدر الجناية وليس إلى الإمام في ذلك خيارٌ الحسن، وعطاءٌ، وسعيد بن جبيرٍ وأبو مجلزٍ وهو مرويٌّ أيضًا عن ابن عبّاسٍ إلّا أنّه من رواية الحجّاج بن أرطأة عن عطيّة عن ابن عبّاسٍ،
والحجّاج وعطيّة ليسا بذاك عند أهل الحديث
وقال بهذا من الفقهاء الأوزاعيّ والشّافعيّ وهو قول أصحاب الرّأي، سفيان، وأبي حنيفة وأبي يوسف غير أنّهم اختلفوا في التّرتيب في أكثر الآية فما علمت أنّهم اتّفقوا إلّا فيمن خرج فقتل فإنّ أصحاب التّرتيب أجمعوا على قتله وسنذكر اختلافهم
فأمّا أصحاب التّخيير الّذين قالوا ذلك إلى الإمام فحجّتهم ظاهر الآية وأنّ أو في العربيّة كذا معناها إذا قلت خذ دينارًا أو درهمًا ورأيت زيدًا، أو عمرًا
واحتجّوا بقول اللّه جلّ وعزّ {فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبةٍ} [المائدة: 89] وكذا {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} [البقرة: 196] أنّه لا اختلاف أنّ هذا على التّخيير وكذا ما اختلفوا فيه مردودٌ إلى ما أجمعوا عليه وإلى لغة الّذين نزل القرآن بلغتهم
فعارضهم من يقول بالتّرتيب بحديث عثمان وابن مسعودٍ وعائشة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
((لا يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ إلّا بإحدى ثلاثٍ كفرٍ بعد إيمانٍ أو زنًا بعد إحصانٍ أو قتل نفسٍ بغير نفسٍ))
فعارضهم الآخرون بأشياء منها أنّ المحارب مضمومٌ إلى هذه الثّلاثة كما ضممتم إليها أشياء ليست كفرًا وكما قال جلّ وعزّ: {قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرّمًا على طاعمٍ يطعمه} [الأنعام: 145] الآية، فضممتم إليها تحريم كلّ ذي نابٍ من السّباع وكلّ ذي مخلبٍ من الطّير
واحتجّ بعضهم بأنّ لآية المحاربة حكمًا آخر واستدلّ على ذلك بأنّ الأمر للمحارب ليس إلى الوليّ وإنّما هو إلى الإمام واحتجّ بأنّ عائشة رضي اللّه عنها قد روت عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذكر المحارب
كما قرئ على أحمد بن شعيبٍ، عن العبّاس بن محمّدٍ، قال: حدّثنا أبو عامرٍ، عن إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيعٍ، عن عبيد بن عميرٍ، عن عائشة، رضي اللّه عنها أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: " لا يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ إلّا بإحدى ثلاث خصالٍ: زانٍ محصنٌ يرجم، أو رجلٌ قتل متعمّدًا فيقتل، أو رجلٌ خرج من الإسلام فيحارب فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض "
واحتجّوا أيضًا بأنّ أكثر التّابعين على أنّ الإمام مخيّرٌ وكذا ظاهر الآية
كما قرئ على إبراهيم بن موسى الجوزيّ بمدينة السّلام عن يعقوب الدّورقيّ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عاصمٍ الأحول، عن الحسن، وعن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، في قول اللّه تعالى
{إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتّلوا
أو يصلّبوا} [المائدة: 33] الآية قالا: «الإمام مخيّرٌ فيه»
وحدّثنا بكر بن سهلٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قال: وقوله تعالى: {إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] قال: " من شهر السّلاح في فئة الإسلام وأفسد السّبيل فظهر عليه وقدر فإمام المسلمين مخيّرٌ فيه إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله قال: أو ينفوا من الأرض قال: يهربوا ويخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم فاعلموا أن اللّه غفورٌ رحيمٌ "
ثمّ قال بهذا من التّابعين سعيد بن المسيّب، ومجاهدٌ والضّحّاك وهو
قول إبراهيم النّخعيّ، وعمر بن عبد العزيز
فأمّا الرّواية الأخرى عن ابن عبّاسٍ فأنّ ذلك على قدر جناياتهم فقد ذكرنا أنّها من رواية الحجّاج، عن عطيّة، عن ابن عبّاسٍ في قول اللّه تعالى {إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله} [المائدة: 33]، قال:
«إذا خرج وأظهر السّلاح وقتل قتل وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله وإن أخذ المال وقتل قتل ثمّ صلب»
وهذا قول قتادة وعطاءٍ الخراسانيّ وزعم إسماعيل بن إسحاق أنّه لم يصحّ إلّا عنهما يعني من المتقدّمين لأنّ الرّواية عن ابن عبّاسٍ ضعيفةٌ عنده وعند أهل الحديث
وقال الأوزاعيّ إذا خرج وقتل قتل فإن أخذ المال وقتل صلب وقتل مصلوبًا وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله
وقال اللّيث بن سعدٍ إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل بالحربة مصلوبًا
وقال أبو يوسف إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة
وقال أبو حنيفة إذا قتل قتل وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلافٍ وإذا أخذ المال وقتل فالسّلطان مخيّرٌ فيه إن شاء قطع يده ورجله وقتله وإن شاء لم يقطع يده ورجله وقتله وصلبه
قال أبو يوسف: القتل يأتي على كلّ شيءٍ
وقال الشّافعيّ: «إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثمّ قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلّي وإذا قتل قتل وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب وروي عنه أنّه قال يصلب ثلاثة أيّامٍ
قال وإن حضر وكثر وهيب فكان رداءً للعدوّ عزّر وحبس»
قال أبو جعفرٍ: اختلف الّذين قالوا بالتّرتيب واختلف عن بعضهم حتّى وقع
في ذلك اضطرابٌ كثيرٌ فممّن اختلف عنه ابن عبّاسٍ كما ذكرناه والحسن فروي عنه التّخيير والتّرتيب وأنّه قال
إذا خرج وقتل قتل فإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله ونفي وإن أخذ المال وقتل قتل
وقال أحمد بن محمّد بن حنبلٍ: «إن قتل قتل وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله»
وقال قومٌ لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصّلاة والأكل والشّرب
وحكي عن الشّافعيّ أنّه قال أكره أن يقتل مصلوبًا لنهي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن المثلة
وقال أبو ثورٍ: «الإمام مخيّرٌ على ظاهر الآية»
واحتجّ غيره بأنّ الّذين قالوا بالتّخيير معهم ظاهر الآية وأنّ الّذين قالوا بالتّرتيب وإن اختلفوا فإنّك تجد في أقوالهم أنّهم يجمعون عليه حدّين فيقولون يقتل ويصلب ويقول بعضهم يصلب ويقتل، ويقول بعضهم تقطع يده ورجله وينفى، وليس كذا الآية، ولا كذا معنى أو في اللّغة
فأمّا معنى أو ينفوا من الأرض ففيه أقوالٌ منها عن ابن عبّاسٍ ما ذكرناه أنّهم يهربون حتّى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهذا أيضًا محكيٌّ معناه عن الشّافعيّ أنّهم يخرجون من بلدٍ إلى بلدٍ ويحاربون، وكذا قال الزّهريّ محمّد بن مسلمٍ
وقال سعيد بن جبيرٍ «ينفون من بلدٍ إلى بلدٍ وكلّما أقاموا في بلدٍ نفوا منه»
وقال الشّعبيّ «ينفيه السّلطان الّذي أحدث هذا في عمله عن عمله» وقال مالك بن أنسٍ رحمه اللّه «ينفى من البلد الّذي أحدث فيه هذا إلى غيره
ثمّ يحبس فيه» ويحتجّ لمالكٍ بأنّ الزّاني كذا ينفى وقال الكوفيّون لمّا قال اللّه جلّ وعزّ {أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] وقد علم أنّه لا بدّ أن يستقرّوا في الأرض لم يكن شيءٌ أولى بهم من الحبس لأنّه إذا حبس فقد نفي من الأرض إلّا من موضع استقراره
واختلف العلماء أيضًا في الآية السّادسة فمنهم من قال إنّها منسوخةٌ ومنهم من قال: هي محكمةٌ
).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/232-315]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (الآية الثّالثة قوله تعالى {إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله} الآية نسخها الله تعالى بالاستثناء وهو قوله تعالى {إلّا الّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} الآية). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله}.
قال ابن سيرين: هذه الآية نسخت فعل النبي عليه السلام بالعرنيين حين سمل أعينهم ومثّل بهم وتركهم في الحرّة حتى ماتوا، فلم يمثّل النبي عليه السلام بأحد بعد هذه الآية.
وقيل: إن فعله صلى الله عليه وسلم ليس بمنسوخ؛ لأنه إنما فعل بهم مثل ما فعلوا بالرّعاء.
وقيل: الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب نقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فأعلم الله نبيّه الحكم فيهم، وهو مروي عن ابن عباس.
وقال الحسن: نزلت الآية في قوم ارتدّوا واستاقوا المواشي وقتلوا الرّعاء يعني العرنيين، فأخذهم النبي عليه السلام فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرّة حتى ماتوا.
والإمام عند مالك مخيّرٌ فيمن وقع عليه اسم الحرابة أنه إذا قدر عليه يجتهد في عقوبته، ويفعل ما رأى، وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، وروي مثله عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيّب.
وقال الشافعي: لا يخيّر الإمام في ذلك، وعقوبة المحارب على قدر جنايته، وبه قال الحسن والأوزاعيّ وعطاء وابن جبير، وروي مثله عن ابن عباسٍ أيضًا وهو قول أهل العراق.
والنفي عن مالك: حبسه أو إخراجه من ذلك البلد إلى غيره وحبسه فيه. وقال الشافعي: ينفى من ديار الإسلام. وقال الكوفيون: النفي: الحبس.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا}.
هذه الآية محكمةٌ عند الفقهاء. واختلفوا هل هذه العقوبة على التّرتيب أم على التّخيير.
فمذهب أحمد بن حنبلٍ في جماعةٍ أنّها على التّرتيب، وأنّهم إذا قتلوا وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا قتلوا وصلبوا وإن أخذوا المال ولم يقتلوا، قطّعت أيديهم وأرجلهم من خلافٍ وإن لم يأخذوا المال نفوا.
وقال مالكٌ: الإمام مخيّرٌ في إقامة أيّ الحدود شاء سواءٌ قتلوا أم لم يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا.
وقد ذهب بعض مفسّري القرآن ممّن لا فهم له، أنّ هذه الآية منسوخةٌ بالاستثناء بعدها، وقد بيّنّا فساد هذا القول في مواضع.
). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (السادس: قوله عز وجل: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية [المائدة: 33].
قالوا: هو منسوخ بقوله: {إلا الذين تابوا}الآية [المائدة: 34] وهذا ظاهر الفساد، وقد تقدم له نظائر.
). [جمال القراء: 1/295-302]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 11:33 AM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِ‌ضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِ‌ضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّ‌وكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(42)}

قال محمد بن كثيرٍ العَبْدي (ت:223هـ) عن همّام بن يحيى البصري قال:(وعن قوله عز وجل: {سماعون للكذب آكلون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} يعني اليهود فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم إن شاء ثم أنزل الله عز وجل الآية التي بعدها {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله} فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم بما أنزل الله بعد أن كان رخص له إن شاء أن يعرض عنهم ) . [الناسخ والمنسوخ لقتادة: 1/40-42]
قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (الآية الرابعة: قوله تعالى: {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم...} الآية [42 المائدة / 5] نسخت وناسخها قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بماأنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [49 المائدة / 5].).[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب ذكر الآية السّادسة قال جلّ وعزّ: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} من العلماء من قال هذه الآية محكمةٌ والإمام مخيّرٌ إذا تحاكم إليه أهل الكتاب إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردّهم إلى حكّامهم هذا قول الشّعبيّ، وإبراهيم النّخعيّ
كما قرئ على أحمد بن محمّد بن الحجّاج، عن يحيى بن سليمان، قال: حدّثنا وكيعٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، وعامرٍ الشّعبيّ، في قول اللّه تعالى {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: «إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم» وقال بهذا من الفقهاء عطاء بن أبي رباحٍ
ومالك بن أنسٍ
ومن العلماء من قال إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام فعليه أن يحكم بينهم بكتاب اللّه جلّ وعزّ وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ولا يحلّ له أن يردّهم إلى حكّامهم، وقائلوا هذا القول يقولون إنّ الآية منسوخةٌ لأنّها إنّما نزلت أوّل ما قدم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المدينة واليهود فيها يومئذٍ كثيرٌ فكان الأدعى لهم والأصلح أن يردّوا إلى حكّامهم فلمّا قوي الإسلام أنزل اللّه تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} [المائدة: 49] فممّن قال بهذا القول من الصّحابة ابن عبّاسٍ وجماعةٌ من التّابعين والفقهاء
قال أبو جعفرٍ كما حدّثنا عليّ بن الحسين، قال: حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، قال: حدّثنا سعيد بن سليمان، قال: حدّثنا عبّادٌ، عن سفيان، عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: " نسخت من هذه السّورة يعني المائدة آيتان آية القلائد وقوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} فكان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم مخيّرًا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم فردّهم إلى حكّامهم فنزلت {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} [المائدة: 49] فأمر رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بأن يحكم بينهم بما في كتابنا " وهذا إسنادٌ مستقيمٌ وأهل الحديث يدخلونه في
المسند وهو مع هذا قول جماعةٍ من العلماء
كما قرئ على عبد اللّه بن الصّقر، عن زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أصحابنا، منصورٌ، وغيره عن الحكم، عن مجاهدٍ، في قول اللّه تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} [المائدة: 49] قال: " نسخت هذه الآية الّتي قبلها {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} وهذا أيضًا إسنادٌ صحيحٌ
والقول بأنّها منسوخةٌ قول عكرمة، والزّهريّ، وعمر بن عبد العزيز
والسّدّيّ وهو الصّحيح من قول الشّافعيّ قال في كتاب الجزية ولا خيار له إذا تحاكموا إليه لقول اللّه جلّ وعزّ {حتّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة: 29] وهذا من أصحّ الاحتجاجات لأنّه إذا كان معنى {وهم صاغرون} [التوبة: 29] أن تجري عليهم أحكام المسلمين وجب ألّا يردّوا إلى حكّامهم فإذا وجب هذا فالآية منسوخةٌ
وهو أيضًا قول الكوفيّين أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمّدٍ لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام، أنّه ليس له أن يعرض عنهم غير أنّ أبا حنيفة قال إذا جاءت المرأة والزّوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل فإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزّوج لم يحكم وقال الباقون: بل يحكم
فثبت أنّ قول أكثر العلماء أنّ الآية منسوخةٌ مع ما صحّ فيها من توقيف ابن عبّاسٍ، ولو لم يأت الحديث عن ابن عبّاسٍ لكان النّظر يوجب أنّها منسوخةٌ لأنّهم قد أجمعوا جميعًا أنّ أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم وأنّه إذا نظر بينهم مصيبٌ ثمّ اختلفوا في الإعراض عنهم على
ما ذكرنا فالواجب أن ينظر بينهم لأنّه مصيبٌ عند الجماعة وألّا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركًا فرضًا فاعلًا ما لا يحلّ له ولا يسعه
ولمن قال بأنّها منسوخةٌ من الكوفيّين قولٌ آخر منهم من يقول على الإمام إذا علم من أهل الكتاب حدًّا من حدود اللّه جلّ وعزّ أن يقيمه وإن لم يتحاكموا إليه، ويحتجّ بأنّ قول اللّه تعالى {وأن احكم بينهم} [المائدة: 49] يحتمل أمرين: أحدهما وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك، والآخر وأن احكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليك إذا علمت ذلك منهم، قالوا: فوجدنا في كتاب اللّه تعالى وسنّة رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم ما يوجب إقامة الحدّ عليهم وإن لم يتحاكموا إلينا
فأمّا ما في كتاب اللّه جلّ وعزّ فقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه} [النساء: 135]
وأمّا ما في السّنّة فحديث البراء
قال أبو جعفرٍ حدّثنا عليّ بن الحسين، قال: حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، قال: حدّثنا أبو معاوية، قال، حدّثنا الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن البراء،
قال: " مرّ على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بيهوديٍّ قد جلد وحمّم قال: «أهكذا حدّ الزّاني عندكم؟» فقالوا: نعم فدعا رجلًا من علمائهم فقال: «سألتك باللّه أهذا حدّ الزّاني فيكم؟» فقال: لولا أنّك سألتني بهذا ما أخبرتك كان الحدّ عندنا الرّجم فكان الشّريف إذا زنى تركناه وكان الوضيع إذا زنى رجمناه فقلنا تعالوا نجتمع على شيءٍ يكون للشّريف والوضيع فاجتمعنا على الجلد والتّحميم، فأنزل اللّه جلّ وعزّ: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} [المائدة: 41] أي ائتوا محمّدًا فإن أفتاكم بالجلد والتّحميم فاقبلوه وإن لم تؤتوه فاحذروا أي فإن أفتاكم بالرّجم فلا تقبلوا إلى {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، قال في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47]
قال في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} [المائدة: 45] قال في الكفّار خاصّةً فأمر رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم باليهوديّ فرجم، وقال: «أنا أوّل من أحيا أمرك»
فاحتجّوا بأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث فإن قال قائلٌ
ففي حديث مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر،: أنّ اليهود، أتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
قيل له ليس في حديث مالكٍ أيضًا أنّ اللّذين زنيا رضيًّا بالحكم وقد رجمهما النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
فأمّا ما في الحديث من أنّ معنى {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] أنّه في اليهود ففي ذلك اختلافٌ قد ذكرناه وهذا أولى ما قيل فيه لأنّه عن صحابيٍّ مشاهدٍ للتّنزيل يخبر أنّ بذلك السّبب نزلت هذه الآية على أنّ غير الحسن بن محمّدٍ يقول فيه:
عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، في قوله جلّ وعزّ: {ومن لم يحكم
بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال اليهود غير أنّ حكم غيرهم كحكمهم فكلّ من حكم بغير ما أنزل اللّه جلّ وعزّ جاحدًا له كما جحدت اليهود فهو كافرٌ ظالمٌ فاسقٌ
واختلفوا في الآية السّابعة فمنهم من قال: هي منسوخةٌ ومنهم من قال: هي محكمةٌ وهي من أشكل ما في النّاسخ والمنسوخ
).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/232-315]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (الآية الرّابعة قوله تعالى {فإنّ جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} اختلف المفسّرون على وجهين فقال الحسن البصريّ والنّخعيّ وهي محكمة خير بين الحكم والإعراض وقال مجاهد وسعيد تنسخها الآية الّتي بعدها وهي قوله تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله}). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}:
خيّر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم في ظاهر هذه الآية في الحكم بين أهل الكتاب إذا أتوا لذلك، أو تركه.
قال ابن عباس: هذا منسوخ بقوله: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم} [المائدة: 48] الآية، وبقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم} [المائدة: 49]، فليس للإمام ردّهم إلى حكامهم، إذا
جاؤوا ليحكم بينهم إنما كان هذا في أول الإسلام، ليكون ذلك أدعى لهم إلى الدخول في الإسلام، والألفة، وأقرب إلى قلوبهم - وهو قول مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وعكرمة والزهري، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال الكوفيون، وهو أحد قولي الشافعي -.
وقال جماعة من العلماء: الآية محكمةٌ غير منسوخة، والإمام مخيّرٌ في الحكم وتركه إذا جاؤوه ليحكم بينهم - وهو قول عطاء بن أبي رباح والحسن ومالك، وهو أحد قولي الشافعي وهو قول الشعبي والنخعي وأبي ثور -.
ومعنى: {وأن أحكم بينهم بما أنزل الله} على هذا القول: إن شئت؛ لأنه قد تقدم لفظ التخيير له، فآخر الكلام حذف منه التخيير لدلالة الأول عليه، لأنه معطوفٌ عليه، فحكمه في التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان، وليس الآخر بمنقطع مما قبله؛ إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بدّ من أن يكون قوله: {وأن أحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] معطوفًا على ما قبله من قوله: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] ومن قوله: {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42].
ومعنى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله، أي: احكم بينهم بذلك إن حكمت واخترت الحكم، فهو كلّه محكمٌ غير منسوخ، لأن الناسخ لا يكون مرتبطًا بالمنسوخ ومعطوفًا عليه، فالتخيير للنبي عليه السلام في ذلك محكمٌ غير منسوخ.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية السّادسة: قوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}.
اختلفوا في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أنّها منسوخةٌ وذلك أنّ أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان مخيّرًا (إن شاء حكم) بينهم وإن شاء أعرض عنهم ثم نسخ ذلك، بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} فلزمه الحكم (وزال) التّخيير، روى هذا المعنى أبو سليمان الدّمشقيّ بأسانيده عن ابن عبّاسٍ، وعطاءٍ ومجاهدٍ، وعكرمة، والسّدّيّ، وقد روى أيضًا عن الزّهريّ (وعمر بن عبد العزيز).
وقد أخبرنا ابن الحصين، قال: أبنا أبو طالب بن غيلان، قال: أبنا أبو بكرٍ الشّافعيّ، قال: بنا يحيى بن آدم عن الأشجعيّ، عن سفيان عن السّدّيّ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: نسختها {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه}.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال بنا عمر بنا عبيد اللّه البقّال، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله ابن أحمد بن حنبلٍ، قال: حدّثني أبي قال: بنا حجّاجٌ عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ الخراسانيّ عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما في قوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: نسختها {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه}.
قال أحمد: وبنا هشيم قال: بنا أصحابنا منهم: منصورٌ وغيره عن الحكم عن مجاهدٍ في قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} قال: نسخت ما قبلها، قوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}.
قال أحمد: وبنا وكيع، قال: بنا سفيان عن السّدّيّ، عن عكرمة، قال: نسخ قوله: {وأن احكم بينهم} قوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}.
قال أحمد: وبنا حسينٌ عن شيبان عن قتادة {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} قال: أمر اللّه نبيّه أن يحكم بينهم بعدما كان رخّص له أن يعرض عنهم إن شاء، فنسخت
هذه الآية ما كان قبلها.
وحكى أبو جعفرٍ النّحّاس عن أبي حنيفة وأصحابه قالوا: إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام فليس له أن يعرض عنهم، غير أنّ أبا حنيفة قال: إذا جاءت المرأة والزّوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزّوج لم يحكم. وقال أصحابه: بل يحكم. قال: وقال الشّافعيّ: لا خيار للإمام إذا تحاكموا إليه قال النّحّاس: وقد ثبت أنّ قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة.
والقول الثّاني: أنّها محكمةٌ وأنّ الإمام ونوّابه في الحكم مخيّرون وإذا ترافعوا إليهم إن شاؤوا حكموا بينهم وإن شاؤوا أعرضوا عنهم.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد اللّه، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد اللّه بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: بنا هشيمٌ، قال: أبنا مغيرة عن إبراهيم، والشّعبيّ في قوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}، قالا: إذا ارتفع أهل الكتاب إلى حاكم المسلمين فإن شاء أن يحكم بينهم، وإن شاء أن يعرض عنهم، وإن حكم، حكم بما في كتاب اللّه.
قال أحمد: وبنا وكيعٌ عن سفيان عن ابن جريجٍ
عن عطاءٍ، قال: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم.
أخبرنا المبارك بن عليٍّ، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريشٍ، قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكيّ، قال: أبنا محمّد بن إسماعيل بن العبّاس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنى المثنى بن أحمد، قال: بنا عمرو بن خالدٍ، عن ابن لهيعة عن عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} جعله اللّه في ذلك على (الخيرة) إما أن يحكم (و) إما أن يتركهم فلا يحكم بينهم.
قال أبو بكر: وبنا عبد اللّه بن محمّد بن خلاد، قال: بنا يزيد قال: بنا مباركٌ عن الحسن، قال: إذا ارتفع أهل الذّمّة إلى حاكمٍ من حكّام المسلمين، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء رفعهم إلى حكّامهم، فإن حكم بينهم حكم بالعدل، وبما أنزل اللّه. وهذا مرويٌّ عن الزّهريّ. وبه قال: أحمد بن حنبلٍ وهو الصّحيح. لأنّه لا (تنافي) بين الآيتين من جهة أنّ أحدهما خيّرت بين الحكم وتركه، والأخرى ثبتت كيفيّة الحكم إذا كان.
). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (الرابعة: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} 0 اقتضت تخيره بين الحكم وتركه ثم قيل وهل هذا التخيير ثابت أم نسخ فيه قولان أحدهما في الحكم أنه نسخ بقوله {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} وهذا مذهب ابن عباس وعطاء وعكرمة.
والسدى. والثاني أنه ثابت لم ينسخ وأن الإمام ونوابه مخيرون إذا ترافعوا اليهم إن شاءوا حكموا وإن شاءوا أعرضوا فإن حكموا حكموا بالصواب.
). [المصَفَّى بأكُفِّ أهلِ الرسوخ: 26-30]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (السابع: قوله عز وجل: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}الآية [المائدة: 42].
قالوا: نسخ هذا التخيير بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} الآية [المائدة: 49]، فأوجب عليهم الحكم بينهم، ونسخ التخيير.

وقيل: هي محكمة وهو الصحيح.
أما المعنى: إن أردت الحكم فاحكم بينهم بما أنزل الله، وهو معطوف على قوله: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط}الآية [المائدة: 42]، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وعمر بن عبد العزيز وعكرمة والزهري: (ليس للإمام أن يردهم إلى أحكامهم إذا جاءوه)، وهو أحد قولي الشافعي، وقال عطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومالك والشعبي والنخعي وأبو ثور: الإمام مخير، وهو أحد قولي الشافعي.). [جمال القراء: 1/295-302]
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج أبو داود في ناسخه، وَابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: (نسخ من هذه السورة آيتان آية، القلائد وقوله {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} الآية [المائدة: 42])). [الدر المنثور: 5/159]
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: 1250هـ): (وأخرج أبو داود في "ناسخه"، وابن أبي حاتمٍ، والحاكم وصحّحه عن ابن عبّاسٍ قال: (نسخ من هذه السّورة آيتان، آية القلائد، وقوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} الآية [المائدة: 42])). [فتح القدير: 2/6]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 02:05 PM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّـهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَ‌تُهُ إِطْعَامُ عَشَرَ‌ةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِ‌يرُ‌ رَ‌قَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَ‌ةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ(89)}

قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {فكفّارته إطعام عشرة مساكين}:هذا ناسخٌ لقوله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91].
أمر الله تعالى بترك نقض اليمين، ثم خفّف ذلك بالكفارة، ونقض اليمين والحنث في هذه السورة، وهو مثل قوله: {ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم أن تبرّوا} [البقرة: 224] أي: لا تمنعكم اليمين من فعل البرّ، فهو مثل قوله تعالى في أبي بكر إذ منع مسطحًا من النفقة وخلف عليه، فنزل: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة} [النور: 22] الآية فرجع أبو بكر إلى الإنفاق على مسطح، وكفّر عن يمينه.
فهو كله ناسخٌ لقوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها}، فعمّ كل يمين ألاّ تنقض، ثم أجاز نقضها بالكفارة تخفيفًا ورحمةً.
وقيل: إن قوله: {ولا تنقضوا الأيمان} محكم غير منسوخ، يراد به العهود التي كانت بينهم، أمر الله بالوفاء بها، كما قال: أوفوا بالعقود.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 02:21 PM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُ‌مٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَ‌ةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِ‌هِ ۗ عَفَا اللَّـهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّـهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(95)}

قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ}.
عمّ الله بظاهر هذه الآية النهي عن قتل كل صيدٍ من برٍّ وبحر، ثم قال تعالى بعد ذلك: {أحلّ لكم صيد البحر} [المائدة: 96]، فظنّ ظانٌّ أنه ناسخ للأول، وليس كذلك، إنما هو تبيين وتخصيص، بيّن الله بقوله: {أحلّ لكم صيد البحر} أن النهي عن قتل الصيد للمحرم يراد به صيد البرّ، وأن الآية خاصةٌ في ذلك غير عامة في كل صيد.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #11  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 02:37 PM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{مَّا عَلَى الرَّ‌سُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ(99)}

قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (الآية الخامسة: قوله تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ...} الآية [99 / المائدة / 5] نسخها آية السيف.).[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (الآية الخامسة قوله تعالى {ما على الرسول إلّا البلاغ} نسخ ذلك بآية السّيف وباقيها محكم). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية السّابعة: قوله تعالى: {ما على الرّسول إلا البلاغ}.
اختلف المفسّرون فيها على قولين:
أحدهما: أنّها محكمةٌ وأنّها تدلّ على أنّ الواجب على الرّسول التّبليغ وليس عليه الهدي.
والثّاني: أنّها تتضمّن الاقتصار على التّبليغ دون الأمر بالقتال ثمّ نسخت بآية السّيف والأوّل أصّح.
). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (الخامسة: {ما على الرّسول إلّا البلاغ} قيل هي محكمة والمراد ما عليه إلا البلاغ لاالهدى وقيل أنّها تتضمّن الاقتصار على التّبليغ دون الأمر بالقتال ثمّ نسخت بآية السّيف والأوّل أصّح.). [المصَفَّى بأكُفِّ أهلِ الرسوخ: 26-30]

قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (الثامن: قوله عز وجل: {ما على الرسول إلا البلاغ}الآية [المائدة: 99]، قيل: نسخ بالجهاد، وقد سبق القول على مثله.). [جمال القراء: 1/295-302]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #12  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 03:04 PM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّ‌كُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّـهِ مَرْ‌جِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)}

قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ):
(
الآية السادسة: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم...} الآية [105 / المائدة / 5] نسخ آخرها أولها والناسخ منهما قوله تعالى: {إذا اهتديتم} [105 / المائدة] والهدى ههنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس في كتاب الله آية جمعت الناسخ والمنسوخ إلا هذه الآية.).[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (الآية السّادسة قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ} إلى ههنا منسوخ وباقيها محكم
قال أبو عبيد القاسم بن سلام ليس في كتاب الله آية جمعت النّاسخ
والمنسوخ غير هذه الآية قال الشّيخ هبة الله ليس كما قال بل في كتاب الله هذه الآية وغيرها
وقد روي عن النّبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قرأ هذه الآية وقال يا أيها النّاس إنّكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها فو الّذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليعمكم الله بعقابه أو لتدعن فلا يجاب لكم والناسخ منها قوله تعالى {إذا اهتديتم} والهدي ها هنا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر
). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم}. الآية:
قال أبو محمد: كثر الاختلاف في معنى هذه الآية، حتى قيل إنها منسوخةٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المفروضين المحكمين.
وأكثر أقوال الناس أنها محكمةٌ على معانٍ:
قيل: المعنى: عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم، قيل هو قول ابن مسعود.
وقيل: لم يأت زمان هذه الآية بعد.
وقيل المعنى: ليس على الإنسان ضلال غيره من يهودي ونصراني، إذا اهتدى هو. وقد شرحناها في غير هذا الكتاب بأبين من هذا، وقيل: إن الآية رخصت العزيمة في فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية الثّامنة: قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}.
للعلماء فيها قولان:
أحدهما: أنّها منسوخةٌ: قال أرباب هذا القول هي تتضمّن كفّ الأيدي عن قتال (الضّالّين) فنسخت. ولهم في ناسخها قولان:
أحدهما: آية السّيف.
والثّاني: أنّ آخرها نسخ أوّلها. قال أبو عبيدٍ القاسم بن سلامٍ ليس في القرآن آيةٌ جمعت النّاسخ والمنسوخ غير هذه وموضع المنسوخ منها إلى قوله:
{لا يضرّكم من ضلّ} والناسخ قوله: {إذا اهتديتم} والهدى ها هنا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
قلت: وهذا الكلام إذا حقّق لم يثبت.
والقول الثّاني: أنّها محكمةٌ.
قال الزّجّاج: معناها: إنّما ألزمكم اللّه أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب غيركم. قال: وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف. لأنّ المؤمن إذا تركه وهو مستطيعٌ له، فهو ضالٌّ وليس بمهتدٍ.
قلت: وهذا القول هو الصّحيح وأنّها محكمةٌ. ويدلّ على إحكامها أربعة أشياء:
أحدها: أن قوله: {عليكم أنفسكم} يقتضي (إغراء) الإنسان بمصالح نفسه، ويتضمّن الإخبار بأنّه لا يعاقب بضلال غيره وليس مقتضى ذلك أن لا ينكر على غيره وإنّما غاية الأمر أن يكون ذلك مسكوتًا عنه فيقف على الدّليل.
والثّاني: أنّ الآية تدلّ على وجوب الأمر بالمعروف. لأنّ قوله: {عليكم أنفسكم} أمرٌ بإصلاحها وأداء ما عليها، وقد ثبت وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فصار من جملة ما على الإنسان في نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقد دلّ على ما قلنا قوله: {إذا اهتديتم} وإنّما يكون الإنسان مهتديًا إذا امتثل أمر الشّرع، وممّا أمر الشّرع به الأمر بالمعروف.
وقد روي عن ابن مسعودٍ والحسن وأبي العالية: أنّهم قالوا في هذه الآية: قولوا ما قبل منكم فإذا ردّ عليكم فعليكم أنفسكم.
أخبرنا ابن الحصين، قال: أبنا ابن المذهّب، قال: أبنا أحمد بن جعفر، قال: بنا عبد اللّه بن أحمد، قال حدثني أبي، قال: بنا هاشم بن القاسم، قال: بنا زهيرٌ يعني: ابن معاوية، قال: بنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، قال: بنا قيسٌ قال: قام (أبو بكرٍ) رضي اللّه عنه فحمد اللّه وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} إلى آخر الآية وأنّكم تضعونها على غير موضعها، وإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "إنّ النّاس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه أو شك الله عز وجل أن يعمّهم بعقابه".
والثّالث: أنّ الآية قد حملها قومٌ على أهل الكتاب إذا أدّوا الجزية فحينئذٍ لا يلزمون بغيرها. فروى أبو صالحٍ عن ابن عبّاسٍ أنّ النّبيّ
صلّى اللّه عليه وسلم كتب إلى حجرٍ، وعليهم منذر بن (ساويٍّ) يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فليؤدّوا الجزية فلمّا أتاه الكتاب عرضه على من عنده من العرب، واليهود والنّصارى والمجوس فأقرّوا بالجزية وكرهوا الإسلام فكتب إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أمّا العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السّيف، وأمّا أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية)) فلمّا قرؤوا الكتاب أسلمت العرب (وأعطى) أهل الكتاب والمجوس الجزية. فقال المنافقون: عجبًا لمحمّدٍ يزعم أنّ اللّه بعثه ليقاتل النّاس كافّةً حتّى يسلموا، وقد قبل من مجوس هجرٍ، وأهل الكتاب، الجزية، فهلا أكرههم على الإسلام وقد ردّها على إخواننا من العرب. فشقّ ذلك على المسلمين فنزلت هذه الآية.
والرّابع: أنّه (لمّا عابهم) في تقليد آبائهم بالآية المتقدّمة أعلمهم بهذه الآية أنّ المكلّف إنّما يلزمه حكم نفسه وأنّه لا يضره ضلال من (ضلّ) إذا كان مهتديًا حتّى يعلموا أنّه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شيءٌ من
الذّمّ والعقاب وإذا تلمّحت هذه المناسبة بين الآيتين لم يكن الأمر للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ها هنا مدخلٌ وهذا أحسن الوجوه في الآية.
). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (السادسة: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} .فيها قولان أحدهما أنها تضمنت الأمر بكف الأيدي عن قتال الضالين فنسخت بآية السيف والثاني أنها محكمة لأنها لا تمنع من قتال المشركين فهو الصحيح.). [المصَفَّى بأكُفِّ أهلِ الرسوخ: 26-30]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (التاسع: قوله عز وجل: {عليكم أنفسكم}الآية [المائدة: 105]، قيل: هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأكثر على أنها محكمة، والمعنى: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم.

وقال ابن عمر رحمه الله: (هذه الآية لأقوام يأتون بعدنا، إن قالوا فلم بقبل منهم، وأما نحن فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) وكنا نحن الشهود وأنتم الغيب).
وقال جبير بن نفيل: قال لي جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: (عساك أن تدرك ذلك الزمان، فإذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت).
وقال ابن مسعود: (لم يجئ تأويل هذا بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، فمنه، ومنه، ومنه، ومنه، أي: فمنه آيات قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آيات قد وقع تأويلهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه آيات قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، ومنه آيات يقع تأويلهن يوم الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فإذا اختلفت الأقوال والأهواء، ولبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، عند ذلك جاء تأويل هذه الآية). فهي على هذا كله محكمة.). [جمال القراء: 1/295-302]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #13  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 03:18 PM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ‌ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَ‌انِ مِنْ غَيْرِ‌كُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَ‌بْتُمْ فِي الْأَرْ‌ضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّـهِ إِنِ ارْ‌تَبْتُمْ لَا نَشْتَرِ‌ي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْ‌بَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّـهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ(106)}

قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (الآية السابعة: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم...} الآية [106 مدنية / المائدة / 5] أجاز الله تعالى شهادة الذميين على صفة في السفر ثم يسخ ذلك قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [2 مدنية / الطلاق / 65] وبطلت شهادة أهل الذمة في السفر والحضر.).[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب ذكر الآية السّابعةقال اللّه جلّ وعزّ {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم} [المائدة: 106] الآية
للصّحابة والتّابعين والفقهاء في هذه الآية خمسة أقوالٍ
منها أنّ شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزةٌ في السّفر إذا كانت وصيّةً
وقال قومٌ كان هذا هكذا ثمّ نسخ ولا تجوز شهادة كافرٍ بحالٍ
وقال قومٌ الآية كلّها في المسلمين إذا شهدوا فهذه ثلاثة أقوالٍ
والقول الرّابع: أنّ هذا ليس في الشّهادة الّتي تؤدّى وإنّما الشّهادة هاهنا بمعنى الحضور
والقول الخامس: أنّ الشّهادة هاهنا بمعنى اليمين
فالقول الأوّل: عن رجلين من الصّحابة عبد اللّه بن قيسٍ وعبد الله بن عباس:
كما حدّثنا بكر بن سهلٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ، قال: وقوله جلّ وعزّ: {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم} [المائدة: 106] " فهذا لمن مات وعنده المسلمون فأمره اللّه تعالى أن يشهد على وصيّته عدلين من المسلمين، ثمّ قال تعالى: {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] فهذا لمن مات وليس عنده أحدٌ من المسلمين فأمره اللّه تعالى بشهادة رجلين من غير المسلمين فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بعد الصّلاة باللّه تعالى لم نشتر بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطّلع الأولياء على أنّ الكافرين كذّبا حلفًا باللّه جلّ وعزّ أنّ شهادة الكافرين باطلةٌ وأنّا لم نعتدّ فذلك قوله جلّ وعزّ {فإن عثر على أنّهما استحقّا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الّذين استحقّ عليهم الأوليان} [المائدة: 107] يقول إذا اطّلع على أنّهما كذبا قام الأوليان فحلفا أنّهما كذبا يقول اللّه تعالى {ذلك أدنى} [المائدة: 108] أن يأتي الكافران {بالشّهادة على وجهها أو يخافوا أن تردّ أيمانٌ بعد أيمانهم} [المائدة: 108] فتترك شهادة الكافرين ويحكم بشهادة الأولياء
وليس على شهود المسلمين إقسامٌ إنّما الإقسام إذا كانا كافرين "
فهذا قول ابن عبّاسٍ مشروحًا مبيّنًا لا يحتاج إلى زيادةٍ شرحٍ
وقال به من التّابعين جماعةٌ منهم شريحٌ قال تجوز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السّفر إذا كانت وصيّةً
وهو قول سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبيرٍ، وعبيدة ومحمّد بن سيرين، والشّعبيّ، ويحيى بن يعمر، وقتادة، والسّدّيّ، وقال به من الفقهاء
سفيان الثّوريّ ومال إليه أبو عبيدة لكثرة من قال به والقول الثّاني إنّ الآية منسوخةٌ وإنّه لا تجوز شهادة كافرٍ بحالٍ كما لا تجوز شهادة فاسقٍ قول زيد بن أسلم، ومالك بن أنسٍ، والشّافعيّ وقول أبي حنيفة أيضًا أنّها منسوخةٌ ولا تجوز عنده شهادة الكفّار على المسلمين غير أنّه خالف من تقدّم ذكره بأنّه أجاز شهادة الكفّار بعضهم على بعضٍ
والقول الثّالث: إنّ الآية كلّها في المسلمين لا منسوخ فيها قول الحسن، والزّهريّ
كما قرئ على عبد اللّه بن الصّقر، عن زياد بن أيّوب، عن هشيمٍ، قال: أخبرنا منصورٌ، وغيره، عن الحسن، في قول اللّه تعالى {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106]، قال:
«من غير عشيرتكم»
والقول الرّابع إنّ الشّهادة هاهنا بمعنى الحضور يحتجّ قائله بما يعارض به تلك الأقوال مما سنذكره وكذا القول الخامس إنّ الشّهادة بمعنى اليمين كما قال اللّه تعالى {فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ باللّه} [النور: 6]
فأمّا المعارضة في القول الأوّل فنصّ كتاب اللّه تعالى قال جلّ ثناؤه {ممّن ترضون من الشّهداء} [البقرة: 282] وقال تعالى: {وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} [الطلاق: 2] ولا يرضى الكفّار ولا يكونون ذوي عدلٍ
ويعارض بالإجماع لأنّه قد أجمع المسلمون أنّ شهادة الفسّاق لا تجوز والكفّار فسّاقٌ وأجمعوا أيضًا أنّ شهادة الكفّار لا تجوز على المسلمين في غير هذا الموضع الّذي قد اختلف فيه فيرد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه وهذه احتجاجاتٌ بيّنةٌ
واحتجّ من خالفها بكثرة من قال ذلك القول وأنّه قد قاله صحابيّان وليس ذلك في غيره ومخالفة الصّحابة إلى غيرهم ينفر منه أهل العلم قال فيجعل هذا على الضّرورة كما تقصر الصّلاة في السّفر وكما يكون التّيمّم فيه والإفطار في شهر رمضان قيل له هذه الضّرورات إنّما تكون في الحال وليس كذا الشّهادة
وعورض من قال بنسخ الآية أنّه لم يأت هذا عن أحدٍ ممّن شهد التّنزيل وأيضًا فإنّ في القولين جميعًا شيئًا من العربيّة غامضًا وذلك أنّ معنى آخر في العربيّة آخر من جنس الأوّل تقول مررت بكريمٍ وكريمٍ آخر فقولك آخر يدلّ على أنّه من جنس الأوّل ولا يجوز عند أهل العربيّة مررت بكريمٍ وخسيسٍ آخر ولا مررت برجلٍ وحمارٍ آخر فوجب من هذا أن يكون معنى اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران عدلان والكفّار لا يكونون عدولًا فيصحّ على هذا قول من قال من غيركم من غير عشيرتكم من المسلمين
على أنّه قد عورض لأنّ في أوّل الآية {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] فخوطب الجماعة من المؤمنين فيقال لمن عارض بهذا: هذا موجودٌ في اللّغة كثيرٌ يستغني عن الاحتجاج والقول الرّابع: إنّ
الشّهادة بمعنى الحضور معروفٌ في اللّغة، وقد احتجّ قائله بأنّ الشّاهد لا يكون عليه يمينٌ في شيءٍ من الأحكام غير هذا المختلف فيه فيردّ ما اختلف فيه إلى ما اجتمع عليه لأنّه يقال شهدت وصيّة فلانٍ أي حضرت
والقول الخامس: أنّ الشّهادة بمعنى اليمين معروفٌ يكون التّقدير فيه شهادة أحدكم أي يمين أحدكم أن يحلف اثنان وحقيقته في العربيّة: يمين اثنين مثل {واسأل القرية} [يوسف: 82]
قرئ على عليّ بن سعيد بن بشيرٍ الرّازيّ، عن صالح بن عبد اللّه التّرمذيّ، قال حدّثنا يحيى بن أبي زائدة، عن محمّد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبيرٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: " كان تميمٌ الدّاريّ، وعديّ بن بدّاءٍ يختلفان إلى مكّة للتّجارة فخرج معهم رجلٌ من بني سهمٍ فتوفّي بأرضٍ ليس بها مسلمٌ فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جامًا من فضّةٍ مخوّصًا بالذّهب ففقده أولياء السّهميّ من تركته فأتوا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فاستحلفهما رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم ما كتمنا ولا اطّلعنا ثمّ عرف الجام بمكّة فقالوا: اشتريناه من تميمٍ، وعديٍّ فقام رجلان من أولياء السّهميّ فحلفا باللّه تعالى: إنّ هذا لجام السّهميّ ولشهادتنا أحقّ من شهادتهما وما اعتدينا أنّا إذًا لمن الظّالمين فأخذ الجام وفيهم نزلت هذه الآية "
وقرئ على عليّ بن سعيد بن بشيرٍ، عن أبي مسلمٍ الحسن بن أحمد بن أبي شعيبٍ الحرّانيّ، قال: حدّثنا محمّد بن سلمة، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، عن أبي النّضر، عن زاذان، مولى أمّ هانئٍ بنت أبى طالبٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن تميمٍ الدّاريّ، في قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] قال: " برئ النّاس منها غيري وغير عديّ بن بدّاءٍ وكانا نصرانيّين يختلفان إلى الشّام قبل الإسلام فأتيا الشّام لتجارتهما وقدم عليهما مولًى لبني سهمٍ يقال له برير بن أبي مريم لتجارةٍ ومعه جامٌ من فضّةٍ يريد به الملك وهو عظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن
يبلغا ما ترك أهله، قال تميمٌ: فلمّا مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهمٍ ثمّ اقتسمناه أنا وعديّ بن بدّاءٍ فلمّا قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألوا عنه فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره قال: فلمّا أسلمت بعد قدوم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم المدينة تأثّمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأدّيت إليهم خمسمائة درهمٍ وأخبرتهم أنّ عند صاحبيٍّ مثلها فوثبوا إليه فأتوا به رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فسألهم البيّنة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظّم به على أهل دينه فحلف فأنزل اللّه تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة} [المائدة: 106] قرأ إلى قوله تعالى {أن تردّ أيمانٌ بعد أيمانهم} [المائدة: 108] فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة درهمٍ من عديّ بن بدّاءٍ "
قال أبو جعفرٍ: فهذا ما في الآية وما بعدها من القصّة من الآثار واختلاف العلماء والنّظر ثمّ نبيّنهما على ما هو أصحّ من ذلك الّذي ذكرناه قال أبو جعفرٍ: الأبين في هذا أن تكون شهادة بينكم قسمٌ بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة أن يقسم اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم
وللعلماء في أو هنا قولان
فمنهم من قال أو هاهنا للتّعقيب وأنّه إذا وجد اثنين ذوي عدلٍ من المسلمين لم يجز له أن يشهد كافرين وهذا القول يروى عن سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبيرٍ، والشّعبيّ، وإبراهيم، وقتادة ومنهم من قال أو هاهنا للتّخيير لأنّها إنّما هي وصيّةٌ وقد يكون الموصي يرى أو يسند وصيّته إلى كافرين أو أجنبيّين وهذا القول أنّ أو للتّخيير هو القول البيّن الظّاهر
{إن أنتم ضربتم في الأرض} [المائدة: 106] قال ابن زيدٍ: «أي سافرتم وكذا هو
في اللّغة وفي الكلام حذفٌ مستدلٌّ عليه أي إن أنتم سافرتم فأصابتكم مصيبة الموت وقد أسندتم وصيّتكم إلى اثنين ذوي عدلٍ منكم أو آخرين من غيركم فإن ارتبتم أي اتّهمتم الوصيّين والتّقدير أو آخرين من غيركم إن ارتبتم تحبسونهما من بعد الصّلاة»
واختلف العلماء في هذه الصّلاة فقال أكثرهم هي العصر فممّن قال هذا عبد اللّه بن قيسٍ الأشعريّ واستعمله وقضى به وهو قول سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبيرٍ، وإبراهيم، وقتادة
ومنهم من قال: هي صلاةٌ من صلواتهم في دينهم وهذا قول السّدّيّ وهو يروى عن ابن عبّاسٍ
والقول الأوّل أولى لقوله تعالى من بعد الصّلاة فجاءت معرّفةً بالألف واللّام وإذا كان بعد صلاةٍ من صلواتهم كانت نكرةً، وقد صحّ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه لاعن بين العجلانيّين بعد العصر فخصّها
بهذا ويقال إنّ أهل الكتاب أيضًا يعظّمون ذلك الوقت
فيقسمان باللّه وهما الوصيّان ولا نشتري به ثمنًا أي لا نشتري بقسمنا شيئًا نأخذه ممّا أوصى به ولا ندفعه إلى أحدٍ لو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة اللّه أي ولا نكتم شهادة اللّه عندنا إنّا إذًا لمن الآثمين أي إن فعلنا ذلك
{فإن عثر على أنّهما استحقّا إثمًا} [المائدة: 107] أصله من عثرت بالشّيء أي وقعت عليه أي فإن وقع على أنّهما استوجبا إثمًا بكذبهما في أيمانهما وأخذهما ما ليس لهما فآخران يقومان مقامهما أي في الأيمان من الّذين استحقّ عليهم الأوليان تقدير هذا في العربيّة مختلفٌ عند جماعةٍ من العلماء
فمنهم من قال التّقدير من الّذين استحقّ منهم الأوليان وعليهم بمعنى منهم مثل: {إذا اكتالوا على النّاس يستوفون} [المطففين: 2]
ومنهم من قال عليهم بمعنى فيهم أي من الّذين استحقّ فيهم إثم الأوليين ثمّ حذف إثم مثل: {واسأل القرية} [يوسف: 82] وهذا قول محمّد بن جريرٍ
وقال إبراهيم بن السّريّ التّقدير من الّذين استحقّ عليهم الإيصاء والأوليان بدلٌ من قوله جلّ وعزّ: {فآخران} [المائدة: 107]
قال أبو جعفرٍ: وهذا من أحسن ما قيل فيه لأنّه لا يجعل حرفًا بدلًا من حرفٍ وأيضًا فإنّ التّفسير عليه لأنّ المعنى عند أهل التّفسير من الّذين استحقّت عليهم الوصيّة والأوليان قراءة عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه وكثيرٍ من القرّاء وقراءة يحيى بن وثّابٍ، والأعمش، وحمزة الإوّلين وفيها من البعد ما لا خفاء به والأوّلين بدلٌ من الّذين
فيقسمان باللّه لشهادتنا أحقّ من شهادتهما أي لقسمنا، فصحّ أنّ معنى الشّهادة هاهنا القسم وما اعتدينا أي وما تجاوزنا الحقّ في قسمنا إنّا إذًا لمن الظّالمين أي إن كنّا حلفنا على باطلٍ وأخذنا ما ليس لنا
وصحّ من هذا كلّه أنّ الآية غير منسوخةٍ ودلّ الحديث على ذلك لأنّه
إذا أوصى رجلٌ إلى آخر فاتّهم الورثة الموصى إليه حلف الموصى إليه وبرئ فإن اطّلع على أنّ الموصى إليه خان وذلك أن يشهد شاهدٌ أو يوجد شيءٌ يعلم أنّه للميّت فيقول الموصى إليه قد اشتريته منه فيحلف الوارث ويستحقّه فقد بيّن الحديث أنّ المعنى على هذا وإن كان العلماء قد تكلّموا في استحلاف الشّاهدين هاهنا لمن وجب
فمنهم من قال: لأنّهما ادّعيا وصيّةً من الميّت وهو قول يحيى بن يعمر وهذا لا يعرف في حكم الإسلام أن يدّعي رجلٌ وصيّةً فيحلف ويأخذها
ومنهم من قال إنّما يحلفان إذا شهدا أنّ الميّت أوصى بما لا يجوز أو بماله كلّه أو لبعض الورثة وهذا أيضًا لا يعرف في الأحكام أن يحلف الشّاهد إذا شهد أنّ الموصى أوصى بما لا يجوز
ومنهم من قال إنّما يحلفان إذا اتّهما ثمّ تنقل اليمين عنهما إذا اطّلع على الخيانة كما ذكرنا
ثمّ قال تعالى: {ذلك أدنى} [المائدة: 108] أي أقرب {أن يأتوا بالشّهادة على وجهها} [المائدة: 108] وهما الموصى إليهما أو يخافوا {أن تردّ أيمانٌ بعد أيمانهم} [المائدة: 108] وهي أيمان الأوليين أي الأوليين باليمين لمّا ظهرت خيانة الموصى إليهما، وقيل هما الأوليان بالميّت {واتّقوا اللّه واسمعوا واللّه لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] أي اسمعوا ما يقال لكم قابلين له متّبعين أمر اللّه تعالى فيه {واللّه لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] أي الخارجين عن طاعة اللّه جلّ وعزّ
وقال ابن زيدٍ «كلّ فاسقٍ مذكورٌ في القرآن فمعناه الكاذب»).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/232-315]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (الآية السّابعة قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم} إلى قوله {ذوا عدل منكم} هذا محكم
والمنسوخ قوله تعالى {أو آخران من غيركم} كان في أول الإسلام
تقبل شهادة اليهوديّ والنّصرانيّ في السّفر ولا تقبل في الحضر وذلك أن تميما الدّاريّ وعدي بن بداء النصرانيين أرادا أن يركبا البحر فقال لهما قوم من أهل مكّة أن نخرج معكما مولى لنا نعطيه بضاعة وهم آل العاص فأبضعوه بضاعة وأخرجوه معهما فشرها إلى ما معه فأخذاه وقتلاه فلمّا رجعا إليهم قالوا ما فعل مولانا قالا مات قالوا فما كان من ماله قالا ذهب فخاصموهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأنزل الله هذه الآية {أو آخران من غيركم} إلى آخر الآية ثمّ صار ذلك منسوخا بقوله {وأشهدوا ذوي عدل منكم} فصارت شهادة الذميين منسوخة في السّفر والحضر
). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] الآية:
أكثر الناس على أن هذا محكمٌ غير منسوخ.
واختلف القائلون بأنها محكمة غير منسوخة في معنى قوله: {من غيركم}:
فقيل: هم أهل الكتاب: شهادتهم على الوصية خاصة في السفر جائزة عند فقد المسلمين للضرورة - وهو قول أبي موسى الأشعري، والشعبي، وابن سيرين، ومجاهد، وابن جبير، وابن المسيب، وشريح، والنخعي، والأوزاعي، وهو مروي عن ابن عباس وعائشة -.
وقيل: معنى {من غيركم}: من غير قبيلكم يعني من المسلمين وهو قول الحسن، وعكرمة، وأضافه بعض الرواة إلى مالك والشافعي فلا نسخ فيه على هذا. واستدلوا على ذلك بقوله: {تحبسونهما من بعد الصّلاة} فدلّ على أنهما من أهل الصّلاة. ولا يطلق على أهل الكتاب اسم: أهل الصلاة.
واختلف القائلون: إن معناه من أهل الكتاب.
فقال قوم: شهادة أهل الكتاب في السفر للضرورة وفي الوصايا خاصة، إذا لم يوجد غيرهم جائزة، وقد تقدم ذكرهم.
وقال آخرون: الآية منسوخة ومعنى: من غيركم: من غير أهل ملتكم، فأجاز شهادة غير المسلمين هاهنا، ثم نسخه الله بالأمر بشهادة
العدول في قوله: {ممّن ترضون من الشّهداء} [البقرة: 282]، وفي قوله: {وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} [الطلاق: 2]، والكافر ليس بعدل ولا يرضى.
ويدل على أن معنى: {من غيركم}: من غير أهل دينكم: أنه تعالى استفتح الآية بقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم}، ثم قال: أو آخران من غيركم، ولا غير لأهل الإيمان إلاّ أهل الكفر، ولو خاطب قبيله في صدر الآية، لكان معنى {من غيركم}: من غير قبيلتكم.
وهذه الآية وما فيها من الحكم وما فيها من الإعراب والمعاني والقراءات من أشكل آية في القرآن، وهي تحتاج إلى بسط يطول، لكنّا ذكرنا من ذلك ونذكر ما نحتاج إليه في هذا الكتاب. وقد بسطناها في كتاب مفرد يشرحها.
). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (ذكر الآية التّاسعة: قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم}.
الإشارة بهذا إلى الشّاهدين الّذين يشهدان على الموصي في السّفر. والنّاس (في قوله) : {ذوا عدلٍ منكم} قائلان:
أحدهما: من أهل دينكم وملّتكم.
أخبرنا عبد الوهّاب الحافظ، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهرٍ الباقلاويّ، قالا: أبنا ابن شاذان قال: أبنا أحمد بن كاملٍ، قال: حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، عن أبيه عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما {ذوا عدلٍ منكم} أي: من أهل الإسلام. وهذا قوله ابن مسعودٍ وشريحٍ وسعيد بن المسيب، وسعيد ابن جبيرٍ، ومجاهدٍ،
وابن (سيرين) والشّعبيّ، والنخعي، وقتادة، وأبو مخلدٍ ويحيى بن يعمر، والثّوريّ وهو قول أصحابنا.
والثّاني: أنّ معنى قوله {منكم} أي: من عشيرتكم، وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضًا. قاله الحسن، وعكرمة والزّهريّ والسّدّيّ وعن عبيدة كالقولين، فأمّا قوله: {أو آخران من غيركم} فقال ابن عبّاسٍ ليست أو للتّخيّر إنّما المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم وفي قوله: من غيركم قولان:
أحدهما: من غير ملّتكم ودينكم، قاله أرباب القول الأوّل.
والثّاني: من غير عشرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضًا. قاله أرباب القول الثّاني والقائل بأنّ المراد شهادة المسلمين من القبيلة أو من غير القبيلة لا يشكّ في إحكام هذه الآية. فأمّا القائل بأنّ المراد بقوله: {أو آخران من
غيركم} أهل الكتاب إذا (شهدوا على الوصيّة) في السّفر فلهم فيها قولان:
أحدهما: أنّها محكمةٌ والعمل على هذا عندهم باقٍ. وهو قول ابن عبّاسٍ وابن المسيّب وابن جبيرٍ، وابن سيرين، وقتادة والشّعبيّ والثّوريّ وأحمد بن حنبلٍ.
والثّاني: أنّها منسوخةٌ بقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} وهو قول زيد بن أسلم وإليه يميل أبو حنيفة ومالكٌ والشّافعيّ، قالوا: وأهل الكفر ليسوا بعدولٍ.والأوّل أصحّ، لأنّ هذا
موضع ضرورة فجاز كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساءٍ لا رجلٍ معهنّ بالحيض، والنفاس، والاستهلال.). [نواسخ القرآن: 297-322]
قالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (السابعة: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران0 من غيركم} الإشارة بهذا إلى الشاهدين اللذين شهدا على الموصي في السفر وفي قوله {أو آخران من غيركم} قولان: أحدهما: من غير عشيرتكم وهم مسلمون أيضا فعلى
هذا الآية محكمة والثاني من غير ملتكم وهل هذا الحكم باق عندنا إنه باق لم ينسخ وهو قول ابن عبّاسٍ وابن المسيّب وابن جبير وابن سيرين والشعبي والثوري والثاني أنه منسوخ بقوله {وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} وإليه مال أبو حنيفة ومالك والشافعي ونحن نقول هذا موضع ضرورة فجاز فيه ما لا يجوز في غيره لقبول الشهادة من النساء بالنفاس والحيض والاستهلال.). [المصَفَّى بأكُفِّ أهلِ الرسوخ: 26-30]


قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (العاشر: قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} الآية [المائدة: 106]، قال قوم: أجاز في هذه الآية شهادة غير أهل الملة، بقوله عز وجل: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} الآية [الطلاق: 2]، والجمهور على أنها: محكمة.
قال الحسن وعكرمة: من غيركم: أي من غير قبيلتكم، أي من سائر المسلمين، ويروى ذلك عن الشافعي ومالك، ويدل على ذلك قوله عز وجل: {تحبسونهما من بعد الصلاة} وذا لا يقال لغير المسلمين، وعن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما وأبي موسى الأشعري وابن سيرين ومجاهد وابن جبير والشعبي وابن المسيب والنخعي والأوزاعي وشريح: (أنها محكمة).
ومعنى {من غيركم} الآية [المائدة: 106]، أراد: من أهل الكتاب، وشهادتهم جائزة في الوصية، خاصة في السفر عند فقد المسلمين للضرورة). [جمال القراء: 1/295-302]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #14  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 07:31 PM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى :{ فَإِنْ عُثِرَ‌ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَ‌انِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّـهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ(107)}

قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (الآية الثامنة: قوله تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} [107 مدنية / المائدة / 5] نسخت نسخها الآية التي في الطلاق وهي قوله تعالى: {واشهدوا ذوي عدل منكم...} الآية [2 مدنية / الطلاق / 65].).[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (الآية الثّامنة قوله عز وجل {فإن عثر على أنّهما استحقا إثمًا} أي علم واطلع على أنّهما استحقّا إثماً يعني الشّاهدين الأوّلين {فآخران يقومان مقامهما من الّذين استحقّ عليهم الأوليان} وذلك أن عدي بن بداء وتميم بن أوس الداريين عمدا إلى مولى آل العاص فقتلاه وأخذا ماله ثمّ شهد لهم شاهدان إن ما احداسا وظهر لهم بعد ذلك قعب وجد بمكّة يباع في
سوق اللّيل فقبضوا على المنادي فقالوا له من أين لك هذا فقال دفعه إلي تميم الدّاريّ وعدي بن بداء فرفعوا ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنزلت هذه الآية وأمر النّبي (صلى الله عليه وسلم) أن يشهد على الشّاهدين الأولين شاهدان آخران فتبطل به شهادة الأولين فهذا في غير شهادة الإسلام ثمّ نسخ ذلك بالآية الّتي في سورة النّساء الصّغرى من قوله تعالى / واشهدوا ذوي عدل معكم / فبطلت شهادة الذميين في الحضر والسّفر
). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]

قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) :(قوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصّلاة} الآيتان إلى قوله: {لشهادتنا أحقّ من شهادتهما}:أوجب الله جلّ ذكره على الشاهدين على الوصية القابضين لتركة الميت في السفر اليمين إن ارتبنا أنهما غابا على شيء من التركة وخانا، فإذا حلفا بعد الصلاة، ثم اطّلع على خيانة منهما في التركة، حلف وليّان وارثان من أولياء الميت على ما يدّعيان قبل الشاهدين، ويقولان في آخر يمينهما: ليميننا أحق من يمينهما، وهو قوله: {لشهادتنا أحقّ من شهادتهما} ثم يستحقان ما حلفا عليه.
هذا معنى الحكم المتلوّ في الآيتين.
ونبيّن ذلك الاختلاف في معنى قوله: {أو آخران من غيركم}.
فمن قال: معنى {من غيركم}: أي: من أهل الكتاب وهو منسوخ بقوله: {ممّن ترضون من الشّهداء}، وبقوله: {وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} قال: هذه الأحكام كلّها منسوخةٌ بما نسخ به جواز شهادة أهل الكتاب وهو قول زيد بن أسلم ومالك والشافعي وأبي حنيفة.
ومن قال: معنى من غيركم: من أهل الكتاب وهو غير منسوخ، وشهادة أهل الكتاب في السفر في الوصية خاصة جائزة للضرورة قال: القصة كلّها محكمة معمول بها وهو قول ابن عباس وعائشة وأبي موسى
الأشعري وابن جبير وابن المسيب وابن سيرين والشعبي والثوري وغيرهم.
ومن قال: معنى {من غيركم}: من غير قبيلتكم - من المؤمنين - قال: القصة كلها محكمةٌ معمول بها - وهو قول الزهري والحسن وعكرمة وأضافه بعض الناس إلى مالك والشافعي -.
والصلاة في هذه الآية: صلاة العصر، ففي هذه القصة وأحكامها ثلاثة أقوال على ما فسّرنا.
وقد زاد النحاس فيها قول من قال: الشهادة في الآية بمعنى: الحضور. وقول من قال: الشهادة بمعنى: "اليمين"، ولا معنى يتحصل لهذين القولين). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 255-279]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #15  
قديم 6 رجب 1434هـ/15-05-2013م, 07:48 PM
أم صفية آل حسن أم صفية آل حسن غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 2,593
افتراضي

قوله تعالى:{ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَ‌دَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(108)}
قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (الآية التاسعة: قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} أيعلى حقيقتها إلى قوله: {أيمان بعد أيمانهم} وباقي الآية محكمة نسخ ذلك من الآية بشهادة أهل الإسلام.).[الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35-37]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (الآية التّاسعة قوله تعالى {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} أي على حقيقتها {أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم} إلى ها هنا منسوخ والباقي محكم نسخ المنسوخ منها بقوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم}). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 79-84]

روابط ذات صلة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:27 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة