العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة علوم القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #26  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:29 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنّه قيّم

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنّه قيّم
وأما وصفه بأنّه قيّم؛
فقد ورد في قول الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)}

وقوله تعالى: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)}
ولوصفه بالقيّم ثلاثة معان:
أحدها: أنه مستقيم لا عوج فيه، ولا خلل، ولا تناقض، ولا تعارض، بل يصدّق بعضه بعضاً، ويبيّن بعضه بعضاً، يأتلف ولا يختلف، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم.
قال الأمين الشنقيطي: (أي لا اعوجاج فيه ألبتة، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني، أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل، سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه، وأخباره وأحكامه)ا.هـ.
والمعنى الثاني: أنه قيّم على ما قبله من الكتب ومهيمن عليها، وشاهد بصدق ما أنزل الله فيها.
والمعنى الثالث: أنه القيّم الذي به قَوَام أمور العباد وقيام مصالحهم وشرائعهم وأحكام عباداتهم ومعاملاتهم، ويهديهم للتي هي أقوم في جميع شؤونهم). [بيان فضل القرآن:42]

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:32 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنّه بصائر

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنّه بصائر
وأما وصفه بأنّه بصائر،
فقد ورد في قوله تعالى:{هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)}، وقال تعالى: { هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، وقال تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)}

والبصائر جمع بصيرة، وهي معرفة حقيقة الأمر وعاقبته، ويتفرّع على هذه المعرفة تبيّن الصواب والخطأ فيما يقع في ذلك الأمر.
والبصيرة مفتاح الهداية، والنجاة من الغواية، وسبب الثبات على الحقّ، واجتناب الباطل، وأصلها ما ينعقد في القلب من صحّة المعرفة.
قال الخليل بن أحمد: (البصيرةُ اسمٌ لِما اعتُقِدَ في القلب من الدِّين وحَقيق الأمر).
وسمّي القرآن بصائر لأنّه يبصّر بالحقائق في كل ما يُحتاج إليه؛ فيبصّر بالحقّ ويبيّنه، ويبيّن حسن عاقبته وجزاء أهله، وما يعترضهم من الابتلاءات والفتن، ويبيّن لهم طريق النجاة وأسباب الهداية، ويبصّر بقبح الباطل وشؤمه، وسوء عاقبة أهله، وسبب اغترارهم به، وطرق نجاتهم منه قبل فوات الأوان.
ويبصّر المؤمن بكيد عدوّه المتربّص به، ومداخل تسلّطه عليه، وكيف يتّقي شرّه وينجو من كيده،
ويبصّر المؤمنين بأعدائهم من الكفار والمنافقين، وطرقهم في المكر والكيد والتضليل، ويبيّن لهم سبيل السلامة من شرّهم، وما يتحقّق لهم به النصر والتمكين إن تمسّكوا به.
ويبصّر المؤمن بحقيقة هذه الدنيا ومقاصد إيجادنا فيها، وما فيها من سنن الابتلاء.
ويبصّره بأدواء القلوب وعلل النفوس وأسباب شفائها وطهارتها وزكاتها.
ويبصّر بأحكام الدين وشرائعه، وما تصلح به شؤون العباد في دينهم ودنياهم.
ويبصّر السالك بما يتقرّب به إلى ربّه جلّ وعلا، وكيف ينال محبّته ورضوانه، وكيف يبلغ - في كلّ شأن من شؤونه - مرتبة الإحسان التي هي أعلى المراتب، وجزاؤها أحسن الجزاء، إلى غير ذلك من أنواع البصائر المباركة التي عمّت كلّ ما يحتاجه المؤمن من البيّنات والهدى.
وبصائر القرآن كالكنوز الكثيرة في البحر العظيم؛ كلما أقبل عليها مَن يعرف قدرها وتأمّلها وقلّب النظر فيها واكتسب منها ما اكتسب وجدها تكثر وتتسع وتتنوّع حتى يوقن بأنّه لا يحيط بها من كثرة أنواعها وبركاتها، ووجد في كلّ بحث وتأمّل ما يسرّه ويبهجه مما لا ينقضي من العجب.
وأما الكافر والمنافق فإنّه ربّما عرضت له البصيرة من القرآن في الشيء العظيم البيّن وعرفه ثمّ أنكره فحرم من بركات بصائر القرآن، كما حرم الذين من قبل وكانوا مستبصرين؛ فزاغوا بعدما عرفوا الحقّ، وحرموا التوفيق لتكذيبهم وإعراضهم، وصرفوا بما افتتنوا به عن التبصّر بما أنزل الله إليهم، قال الله تعالى: { وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)}
وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)}
وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)}
ولذلك اختلف العلماء في معنى البصيرة؛ فمنهم من فسّرها بالاعتبار وهداية التوفيق، ومنهم من فسّرها بهداية الدلالة والإرشاد.
والصواب أنّ البصيرة جامعة للمعنين فأصلها من هداية الدلالة والإرشاد فمن آمن بها وتبصّر بها ازداد هداية وتوفيقا لمزيد من التبصّر النافع حتى يورثه اليقين والإمامة في الدين.
ومن أعرض عما تقتضيه بصائر القرآن من العمل واتّباع الهدى والإقبال على تعرّف بصائر القرآن والانتفاع بها استحقّ العقاب على تولّيه وإعراضه بأن يحرم فهم القرآن والتبصّر به، ويشغله ما افتتن به من لهو الدنيا وغرور الأمنيات ووساوس الشيطان عن الانتفاع ببصائر القرآن وازدياد العلم بها.
وقد اجتمع المعنيان في قول الله تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)}
فالمبصر هو المنتفع ببصائر القرآن التي تدلّ على الهدى وتعرّفه به، والعمي هو الذي عوقب بالعمى لتعاميه وشدّة نفوره عن التبصّر ببصائر القرآن.
قال ابن القيم رحمه الله: (قال ابن الأعرابي: "البصيرة الثبات في الدين"، وقيل: البصيرة العبرة، كما يقال: أليس لك في كذا بصيرة؟ أي: عبرة، قال الشاعر:
في الذاهبين الأوّلين ... من القرون لنا بصائر
والتحقيق أنّ العبرة ثمرة البصيرة؛ فإذا تبصَّر اعتبر؛ فمن عدم العبرة فكأنَّه لا بصيرة له، وأصل اللفظ من الظهور والبيان؛ فالقرآن بصائر: أي أدلة وهدى وبيان يقود إلى الحق ويهدي إلى الرشد)ا.هـ). [بيان فضل القرآن:43 - 46]

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:34 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنّه هدى

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنّه هدى
وأمّا وصفه بأنّه هدى؛
فقد ورد في مواضع كثيرة من القرآن؛ منها قوله تعالى في أوّل سورة البقرة؛ {ألم . ذلك الكتاب لا ريب فيه . هدى للمتّقين}.

ومجيء هذه الآية في أوّل المصحف بعد الفاتحة التي فيها سؤال الهداية تنبيه على تضمّن القرآن للهداية التي يسألها المؤمنون وترغيب في الاهتداء به.
وقال تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}
وقال: { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)}
وقال: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77)}
وقال: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)}
وقال تعالى: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)}
فهداية القرآن هداية عظيمة في شمولها لجميع شؤون العباد، وفي كونها تهدي للتي هي أقوم في كلّ شأن.
وهداية القرآن على مرتبتين:
المرتبة الأولى: الهداية عامّة لجميع الناس؛ تدلّهم على الحق، وعلى صراط الله المستقيم؛ فيعرفون به ما يجب عليهم وما يحرم، ويتبيّنون به ما تقوم به الحجّة عليهم، وما ينذرون به إذا خالفوا هدى القرآن، وما يبشّرون به إذا اتّبعوا هداه.
كما قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)} وقال فيه: {هدى للناس}.
والمرتبة الثانية: الهداية الخاصّة للمؤمنين التي يوفّقون بها لفهم مراد الله تعالى، ولما يتقرّبون به إليه؛ فيزيدهم هدى إليه.
ومن اتّخذ القرآن دليلاً له إلى الله تعالى أبصر به السبيل الذي يقرّبه إليه ويوجب له محبته ورضوانه وفضله العظيم بما أوجبه الله على نفسه من ذلك.
كما قال الله تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا}.
فمن اهتدى بالقرآن هداه الله، ومن تمسّك به عُصم من الضلالة.
وعن أبي شريح الخزاعي، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟»
قالوا: نعم.
قال: «فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا» رواه ابن أبي شيبة وابن حبان وصححه الألباني.
والسبب هو الحبل، وقد فسّر قول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تفرّقوا} بالاعتصام بالقرآن.
قال عبد الله بن مسعود: (إن الصراط مُحتضَر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله، هلم هذا الطريق! ليصدوا عن سبيل الله؛ فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله هو كتاب الله). رواه ابن جرير.
وقال قتادة: (حبل الله المتين الذي أمر أن يُعتصم به: هذا القرآن) رواه ابن جرير.
وهذا القول أحد الأقوال الخمسة المأثورة عن السلف في المراد بحبل الله، وهي أقوال تتفق ولا تختلف، ويدلّ بعضها على صدق بعض؛ ففسّر بالقرآن وبالتوحيد وبالجماعة وبالسنة وبعهد الله.
وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجّة الوداع: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله).
فمن تمسّك بالقرآن عُصم من الضلالة؛ وهذه من أعظم ثمرات هدى القرآن). [بيان فضل القرآن:46 - 49]

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:38 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنّه نور

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنّه نور
وأمّا وصفه بأنّه نور؛
فقد ورد في مواضع من القرآن منها:

- قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174)}
- وقوله: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
- وقوله: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)}
- وقوله: { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8)}
- وقوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)ْ}
فهو نور يضيء الطريق للسالكين؛ ويذهب عنهم ظلمة الشرك والعصيان وآثارها؛ فمن استضاء بنور القرآن أضاء له سبيله، وأبصر الحقائق، وعرف ما يأتي وما يذر، وكان على بيّنة من ربّه؛ حسن المعرفة بصراطه المستقيم، وبكيد الشيطان الرجيم، وعلل النفس المردية.
ومثل العبد في هذه الحياة الدنيا كمثل السالك في صحراء مظلمة مليئة بالمخاوف والهوامّ والسّباع وفي تلك الصحراء طريق آمن محصّن؛ ولا تُعرف معالم هذا الطريق إلا بنور يضيء لصاحبه حتى يعرفه؛ فمن سار في الظلمة تخبّط في سيره وتعرّض للمخاوف، ولم يصل إلى مأمنه، ومن استضاء بالنور أبصر الطريق المحصّن، وسار فيها آمنا، وكان على حذر من الزيغ عنه إلى مفاوز الظلمات الموحشة.
فالقرآن هو النور المبين الذي يستضاء به ليبين السبيل للسالكين، ويخرجوا من الظلمات إلى النور، ومن سبل الشياطين الموحشة المضلّة إلى صراط الله المستقيم.
وقد وصف الله نور القرآن بأنه نور مبين كما قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174)}
وقد فسّر بمعنيين صحيحين:
أحدهما: أنه مبين بمعنى بَيّن أي ظاهر واضح يعرف أنه هو الحق لنوره الذي يميّزه عن غيره، ولهذا المعنى نظائر كثيرة في القرآن الكريم وفي كلام العرب.
والمعنى الآخر: أنه مُبين بمعنى مُبيِّن؛ لما فيه من بيان الحق والهدى للناس.
والمستنير بنور القرآن يتبيّن به حقائق الأمور، وسنن الابتلاء، وعواقب السالكين، ولا تغرّه مكائد الأعداء، وظواهر الفتن الخدّاعة، وحيل النفس الخفيّة، في حصن حصين من فتن الشبهات والشهوات لما يرى من قبحها وسوء عاقبتها إذ تبدّت له بوجهها الحقيقي المنفّر؛ يبصر فيها لا كبصر غيره، ويسمع فيها لا كسمع غيره؛ {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)}.
وهو بهذا البصر المستنير بنور القرآن في حياة حقيقية؛ قد خرج من أسر الظلمات، ووجد حقيقة الحياة وطعمها وتبيّنت له غايته التي يسعى إليها، وطريقه الذي يوصله إلى غايته. { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)}
وهذا النور ملازم للانفساح وانشراح الصدر؛ لأنه يرى من آفاق السعة ورفع الحرج وكثرة أبواب الفضل والرحمة والمخارج من المضايق ما يدفع عنه الشعور بالضيق الناتج عن ضعف إبصارها لدى من قلّ نصيبه من الاستنارة بنور القرآن.
وهذا يطلعك على تفاوت الناس في الاستنارة بنور القرآن؛ وأعظمهم نصيباً منه أشرحهم صدراً وأزكاهم نفساً وأحسنهم بصيرة؛ قد انصرفت همّته إلى إحسان العمل وتجنّب الإثم؛ فازداد هداية وانشراحاً واستنارة بنور الله.
{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)}). [بيان فضل القرآن:49 - 51]

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:42 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنّه بيان ومبين

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنّه بيان ومبين
وأمّا وصفه بأنّه بيان ومبين؛
فقد ورد في مواضع كثيرة من القرآن الكريم؛ فقال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)} على القول بأن مرجع اسم الإشارة هو القرآن الكريم، وهو قول الحسن البصري وقتادة.

وقال: { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} في ثلاثة مواضع، وقال: {والكتاب المبين} في موضعين.
وبيان القرآن أحسن البيان وأعظمه وأجلّه في ألفاظه ومعانيه وهداياته.
فأما ألفاظه فهي على أفصح لغات العرب وأحسنها، لا تعقيد فيها ولا تكلف ولا اختلال، حسن الجريان على اللسان بلا سآمة ولا تعسّر، له حلاوة عند سماعه، وحلاوة عند تلاوته، يقرؤه الكبير والصغير ويحفظه من يشاء منهم لتيسر ألفاظه وحسنها. وقد تحدّى الله به أساطين فصحاء العرب، وهم متوافرون على أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله فلم يستطيعوا، ولو اجتمع أهل الأرض كلّهم على أن يأتوا بمثله لم يستطيعوا.
وقد اعتنى ببديع بيان ألفاظ القرآن جماعة من العلماء؛ فاستخرجوا من ذلك ما يبهر ويدهش من حسن البيان وإحكامه.
وأما بيان معانيه؛ فهو محكم غاية الإحكام؛ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتعارض، ولا يتناقض، ولا يختلف؛ {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)}.
وأما بيان هداياته ودلالتها على ما يحبّه الله ويرضاه، وعلى بيان الحقّ ونصرته، وعلى كشف الباطل ودحضه؛ وإرشاده إلى صراط الله المستقيم؛ فأمر ظاهر غاية الظهور؛ ولظهور بيانه للهدى أقام الله به الحجّة على الإنس والجن؛ وأمر نبيّه أن يذكّر به، وينذر به ، ويبشّر به؛ فأمره أن يقول: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}
وقال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْي}.
وقال تعالى: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)}
وقال: { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ}.
وقال: { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)}). [بيان فضل القرآن:51 - 53]

رد مع اقتباس
  #31  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:47 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنه ذِكْرٌ وذكرى وتذكرة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنه ذِكْرٌ وذكرى وتذكرة
وأما وصفه بأنه ذِكْرٌ وذكرى وتذكرة؛
ففي آيات كثيرة من كتاب الله تعالى؛ بل جعل الله من أعظم مقاصد إنزال القرآن التذكير به؛ كما قال الله تعالى: { طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)}

وقال: { وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)}
وقال: { كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55)}.
وقال: { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} في ثلاثة مواضع.
وقال: { وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)}.
وقال: { كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)}.
وقال: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)}.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وتذكير القرآن على درجتين:
الدرجة الأولى: تذكير عامّ تقوم به الحجّة؛ كما قال الله تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا}
وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)}
وهذا التذكير من استجاب له هداه الله به إلى صراطه المستقيم؛ ومن أعرض عنه وزهد فيه انتقم الله منه، وعاقبه بالحرمان من فقهه والانتفاع به؛ وتلك أعظم العقوبات في الدنيا؛ كما قال الله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)}
وقال تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)}
وقال تعالى: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)}.
وقال تعالى: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ}.

والمقصود أن هذا التذكير العام تقوم به الحجّة، ولا ينفع إلا من استجاب لله عزّ وجلّ واتّبع هداه.
والدرجة الثانية: التذكير النافع؛ وهو تذكير خاصّ بالمؤمنين؛ كما قال الله تعالى: {وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}، وقال: {وما يذكّر إلا من ينيب} وقال: {سيذكّر من يخشى}
والخشية والإنابة من أعمال الإيمان، وكلما كان العبد أكمل إيمانا كان نصيبه من التذكّر أعظم وأنفع.
ولذلك كان نصيب أهل الخشية والإنابة من ذلك أحسن النصيب.
وتذكير القرآن له أنواع كثيرة:
فمنها: تذكير العبد بربّه جلّ وعلا، وتعريفه بأسمائه وصفاته الموجبة لمحبّته؛ فيحبّه ويعظّمه ويتقرّب إليه.
ومنها: تذكيره بفضله ورحمته وعظيم ثوابه في الدنيا والآخرة؛ فيرجوه ويتقرّب إليه.
ومنها: تذكيره بشدّة عقوبته وبطشه؛ فيخافه ويخشاه، ويتقرّب إليه خوفا من عقابه.
وهذه الأركان الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء عليها مدار عبودية القلب.
ومنها: تذكير العبد بنعم الله وآلائه؛ فيذكره ويشكره ويحبّه.
ومنها: تذكيره بحقيقة الدنيا والنفس وكيد الشيطان وأعداء الدين؛ فيعرف حقائق ذلك، وينجو من فتن عظيمة مضلّة.
ومنها: تذكيره بالموت وسكرته وبالقيامة وأهوالها وبالحساب والجزاء والجنّة والنار؛ فيستعدّ للقاء الله تعالى، ويتيقّن قصر مدّة بقائه في هذه الدنيا مهما عُمّر فيها.
إلى غير ذلك من الأنواع التي عليها مدار تذكير القرآن). [بيان فضل القرآن:53 - 55]

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:51 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنّه موعظة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنّه موعظة
وأما وصفه بأنّه موعظة،
فقد ورد في آيات من القرآن الكريم، منها قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)}

وقوله: { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)}
وقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)}.
والموعظة هي التذكير بما يليّن القلب ليزدجر عن السوء فيسلم من عقوبته ومغبّته، ويحذر فوات الخير ويتبيّن خطر التفريط فيه فيبادر إليه ليغنم.
قال ابن سيده: (الموعظة: تذكرتك الإنسان بما يلين قلبه من ثواب وعقاب).
ومواعظ القرآن أحسن المواعظ وأنفعها، وأعظمها أثراً؛ فهي مواعظ مبناها على العلم التامّ والرحمة والحكمة، وغاياتها إرشاد الناس لما فيه خيرهم وعزّهم ونجاتهم، وقد قال الله تعالى: {إنّ الله نعمّا يعظكم به}؛ ومن تأمّل مواعظ القرآن وجدها دالّة على الخير والرحمة والإصلاح والنهي عن السوء والفساد والمنكرات.
ومهما بلغ حال العبد من السوء وارتكاب الموبقات إذا فعل ما وعظه الله به في كتابه، وصدق في ذلك؛ ظهر أثر مواعظ القرآن على قلبه ولسانه وجوارحه، حتى يهتدي إلى صراط الله المستقيم وينال فضله العظيم ويخرج مما كان فيه من الظلمات والضلالات والموبقات، وقد قال الله تعالى في المنافقين الذين هم شرّ الناس منزلةً لجمعهم بين الكفر والنفاق وارتكابهم كثيراً من أعمال السوء القبيحة { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)}.
وهذا يدلّ على أنّ مواعظ القرآن ما حلّت في قلب إلا أثمرت فيه هداية وصلاحاً وخيراً عظيماً، وأنّ الشأن كلّ الشأن هو في اتّعاظ العبد بمواعظه، وأن الخسران المبين هو في الإعراض عنها). [بيان فضل القرآن:55 - 57]

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:54 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنّه شفاء

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنّه شفاء
وأمّا وصفه بأنّه شفاء؛
فقد ورد في مواضع من القرآن؛ منها قول الله تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)}

وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)}
وقوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)}
فوصفه الله بأنّه شفاء؛ وجعل هذا الشفاء منحة خاصّة للمؤمنين؛ ففيه شفاء لنفوسهم من عللها وأدوائها التي مرجعها إلى أمرين:
- ظلمها بتعدّيها حدود الله؛ فيصيبها من مغبّة مخالفتها لهداه ما تشقى به.
- وجهلها بما ينفعها ويزكّيها ويكمّلها.
والأصل في وصف الإنسان أنّه ظلوم جهول؛ كما قال الله تعالى: { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)}
أي أن هذا من طبعه وعادته؛ فيتعدّى حدود الله اتّباعاً لهواه؛ فيظلم نفسه بما يجرّ عليها من البلاء والعلل والأدواء والعناء والشقاء.
ويجهل فينصرف إلى تناول ما يضرّه ولا ينفعه؛ ويشقيه ولا يشفيه.
وتتنوّع مظاهر الشقاء في النفس البشرية وتتفاوت بحسب بعدها عن هدى الله؛ وينشأ فيها من علل الجهل والظلم، والعُجْبِ والكبْر، والشكّ والحيرة، والشحّ والبخل، والحرص والحسد، والعشق والتعلقّ، وغيرها من العلل تجرّ على من اتّصف بها أو ببعضها ألواناً من الشقاء العظيم والعذاب الوبيل.
وتلك العلل تفسد التصوّر والإرادة؛ فيحصل بفساد التصوّر افتتان بفتن الشبهات؛ فيرى الباطل حقّاً، والحقّ باطلاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً؛ ويزداد بذلك عذاب حيرته وشكّه وظلمة قلبه.
ويحصل بفساد الإرادة افتتان بأنواع من الشهوات، وتعلّق القلب بها حتى يجد من أليم عذابها وعظيم مصابها ما تشقى به حياته، ويظلم به فؤاده.
واللبيب الموفّق إذا أبصر ما أصاب الناس من علل نفوسهم وأدوائها وما أنتجته لهم تلك العلل من عذاب وشقاء أدرك أنّه لا مخرج منها إلا بشفاء يأتي من الله؛ شفاء يصحّ به التصوّر فيعرف الحقّ وحسنه ويبصره بدلائله الظاهرة، ويتبيّن فضله وثمرته وحسن عاقبته، ويعرف الباطل وقبحه ويبصره بدلائله الظاهرة وإن هويته النفس وطمعت فيه للذة هاجمة أو خاطرة عابرة، ويتبيّن خطره وشؤمه وسوء عاقبته.
ويحتاج الإنسان مع هذا العلاج المعرفيّ النافع الذي أصله البصيرة وصحّة المعرفة إلى علاج سلوكي؛ ليتناول ما يصلح به قلبه، وتزكو به نفسه، وينشرح به صدره، وتستنير به بصيرته، ويستقيم به على ما ينفعه في جميع شؤونه، ويسلم به مما يضرّه ويفسد عليه ثمرات صلاحه ويضعفها.
وقد أنزل الله عزّ وجلّ هذا القرآن العظيم شفاءً للمؤمنين الذين آمنوا به واتّبعوا ما أنزل الله فيه من الهدى؛ فتحقّق لهم من الشفاء بقدر ما حقّقوا من الإيمان واتّباع الهدى.
ومن أبصر ما تقدّم أدرك عظيم منّة الله تعالى بهذا الشفاء العظيم؛ الذي حرم منه من حرم؛ فشقي في الدنيا والآخرة، وسعد به من عرف قدره وعظّمه فاغتبط به في الدنيا مع ما يرجو من فضل الله العظيم في الآخرة.
وقد جعل الله مع هذا الشفاء العظيم الذي هو المقصود الأعظم من الشفاء شفاءً من نوع آخر؛ فهو رقية نافعة من العلل والأدواء التي تصيب الروح والجسد، فكم شُفي به من عليل عجز الأطبّاء عن علاجه؛ ليتبيّن الناس آية من آيات الله فيه؛ وأنّ الله إذا شاء أن يشفي عبده فلا يعجزه شيء، ولا يردّ فضله عنه أحد.
وكم أُبطل به من سحرٍ قد أضرّ وأنكى.
وكم تعافى به من معيون ومحسود وممسوس وموسوس.
وكم اجتمع به شمل أسرة بعد تفرّق، وصلح به حال قوم بعد فساد أمرهم وتفرّقه، وكم سكنت به من نفوس، واطمأنّت به من قلوب، وانشرحت به من صدور، وصلحت به من أحوال.
وكلّ ذلك من الدلائل البيّنة على ما جعل الله فيه من الشفاء المبارك). [بيان فضل القرآن:57 - 59]

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:57 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنه رحمة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنه رحمة
وأما وصفه بأنه رحمة؛
فقد ورد في آيات كثيرة؛ منها قول الله تعالى: { هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)}

وقوله: { وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77)}
وقوله: { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}
وقوله: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)}
وقوله: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)}
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فهو رحمة من الله تعالى؛ لما يدلّ به عباده على النجاة من سخطه وعقابه وأليم عذابه، ورحمة لهم لما يفتح لهم به من أبواب الخير الكثير، والفضل العظيم، والفوز المبين؛ برضوانه وثوابه وبركاته.
ورحمة لهم لما يحجزهم به عمّا فيه ضررهم مما تقبل عليه نفوسهم متبعة أهواءها لجهلها وضعفها.
ورحمة لهم لما يعصمهم به من الضلالة، ويخرجهم به من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة.
ورحمة لهم لما يبيّن لهم من الحقائق، ويعلّمهم من الحكمة، ويصرّف لهم فيه من الآيات المبصّرة، والأمثال المذكِّرة.
ورحمة لهم لما يعرّفهم به من أسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فتفضي إليه القلوب بمحبّتها وتعبّدها له جل وعلا بأنواع العبودية؛ التي حاجة القلب إليها أعظم من حاجة البدن إلى الغذاء؛ فإنّ في القلب تعطّشاً لا يرويه إلا التعبّد لله والتقرّب إليه والتزلّف لديه حتى يفيض عليه من فضله ورحمته وبركاته؛ فيطمئنّ بعد قلقه وانزعاجه، ويروى بعد تعطّشه وإنهاكه، ويتّسع بعد ضيقه وتحسّره، ويرشد بعد حيرته وضلاله، ويسعد بعد شقائه وعذابه.
وهذه أجلّ رحمات القرآن وقوله: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)}). [بيان فضل القرآن:60 - 61]

رد مع اقتباس
  #35  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 12:59 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وصفه بأنه بشرى

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وصفه بأنه بشرى
وأمّا وصفه بأنه بشرى،
ففي مواضع من كتاب الله تعالى؛ منها قول الله تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)}

وقوله تعالى: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)}
وقوله تعالى: { طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)}
وقوله تعالى: { وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)}
ووصفه بأنّه بشرى مع التنبيه على أن التبشير من مقاصد إنزاله دليل على عظيم أثر بشاراته، وعظيم حاجة النفس البشرية للتبشير بما تنال به سعادتها وفلاحها.
وتنويع وصف المبشَّرين به دليل على تفاضل بشاراته؛ فهو بشرى للمسلمين، وبشرى للمؤمنين، وبشرى للمحسنين؛ وبين تلك المراتب من التفاضل العظيم في البشارات ما لا يعلمه إلا الله { هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)}
فترتّب البشارات على العمل وعلى بصر الله تعالى به تنبيه على معيار التفاضل، وحضّ على اغتنام أيام المهلة في الازدياد من بشاراته العظيمة.
وكلما قوي أثر التبشير على القلب ازداد إقبالاً على ما بُشّر به؛ وحرصا على تحقيق ما ينال به تلك البشرى، واحترازاً مما يحول بينه وبينها؛ فيثمر له ذلك من أنواع العبودية في القلب ما يثمر:
1. فتزداد محبّة الله في قلبه لشهود منّته بتلك البشارات.
2.
ويزداد الرجاء لعظيم الاشتياق لها وتيسّر سبلها مع الوعد الكريم من الرحمن الرحيم.
3. ويزداد الخوف من فواتها بعد أن تبوّأت مكانتها في القلب، وعرف قدرها وفضلها.
فيجتمع لقلب المؤمن بتلك البشارات من المحبة والخوف والرجاء ما يكون به صلاح عبوديته لله تعالى، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله). [بيان فضل القرآن:61 - 62]

رد مع اقتباس
  #36  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:05 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الباب الثالث: بيان عظمة القرآن

بيان عظمة القرآن

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (بيان عظمة القرآن
من أظهر الدلائل البيّنة على فضل القرآن ما دلّت عليه النصوص الصحيحة الصريحة من معاني عظمته التي من تأمّلها وتفكّر في مظاهرها ولوازمها وآثارها في الدنيا والآخرة ازداد يقيناً بعظمة هذا القرآن العظيم وفضله، وأدرك به عظيم منّة الله تعالى على هذه الأمة بما اختصّهم به من إنزاله، وأكرمهم بتيسيره لهم ليهتدوا به، وأيقن أنّ الشرف كلّ الشرف، والرفعة والعزّة إنما تكون بالإيمان به واتّباع هداه، وأنّ لتلك العظمة مقتضيات من العبودية لله تعالى.

وقد ذكرت فيما مضى شيئاً من تلخيص معاني عظمة القرآن، فيما شرح من معاني صفاته على وجه الإيجاز والتنبيه، ولسعة معاني عظمة القرآن أفردتها هنا بحديث مستقلّ؛ لنتوقّف فيه عند تلك المعاني، ونستجلي تلك الحقائق، ونتفكر في دلائلها وآثارها، ونتذكَّر نعمة الله علينا بهذا الكتاب العظيم). [بيان فضل القرآن:63]


رد مع اقتباس
  #37  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:18 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

عظمة قَدْرِ القرآن في الدنيا

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (عظمة قَدْرِ القرآن في الدنيا
ومعاني عظمة القرآن تتبيّن بمعرفة عظمة قدْره وعظمة صفاته.

فمن عظمة قَدْرِه: أنه كلام الله تعالى؛ الذي لا أعظم من كلامه ولا أصدق ولا أحسن، وشرف الحديث بشرف المتحدّث به، وقد سبق التنبيه إلى آثار أسماء الله تعالى وصفاته في كلامه، وتلك الآثار كما تدلّ على فضل القرآن وعظمته فإنّ لها مقتضيات من أنواع العبودية لله تعالى.
قال ابن القيّم رحمه الله: (القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده بأسمائه وصفاته؛ فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال؛ فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الأصوات ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء.
- وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات؛ فيستنفد حبُّه من قلبِ العبد قوةَ الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله فيصبح فؤاد عبده فارغا إلا من محبته؛ فإذا أراد منه الغير أنْ يعلق تلكَ المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كلَّ الإباء كما قيل:

يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
فتبقى المحبة له طبعا لا تكلفاً.
- وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان؛ انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادي الرجاءِ يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جدَّ في العمل كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغلّ غلَّق أرضه بالبذر، وإذا ضعف رجاؤه قصَّر في البذر.
- وإذا تجلى بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة؛ انقمعت النفس الأمارة وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات، وانقبضت أعنَّة رعوناتها؛ فأحضرت المطية حظَّها من الخوف والخشية والحذر.
- وإذا تجلى بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرسل وإنزال الكتب وشرْع الشرائع؛ انبعثت منها قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره، والتبليغ لها، والتواصي بها، وذكرها وتذكرها، والتصديق بالخبر، والامتثال للطلب، والاجتناب للنهي.
- وإذا تجلى بصفة السمع والبصر والعلم؛ انبعث من العبد قوَّةُ الحياء؛ فيستحيي ربَّه أن يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه؛ فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع، غير مُهْمَلة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى.
- وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم ودفع المصائب عنهم ونصره لأوليائه وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم؛ انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض إليه والرضا به وبما في كل ما يجريه على عبده ويقيمه مما يرضى به هو سبحانه، والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده وثقته به ورضاه بما يفعله به ويختاره له.
- وإذا تجلى بصفات العزّ والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذل لعظمته، والانكسار لعزته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح له؛ فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته، ويذهبُ طَيْشه وقوته وحدَّته)ا.هـ.
ومن عظمة قدره: كثرة أسمائه وأوصافه المتضمنة لمعان جليلة عظيمة تدل على عظمة المسمى بها والمتصف بها، وقد سبق بيان بعضها.
ومن عظمة قدره: إقسام الله تعالى به في آيات كثيرة؛ فإن القسم به دليل على شرفه وعظمته، وما أخبر الله به عنه من الأخبار العظيمة ما يكفي المؤمن دليلاً على بيان عظمته.
ومن عظمة قدره: أن تبليغه هو المقصد الأعظم من إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك}، وقال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، وقال: { قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}.
ومن عظمة قدره: أنه أفضل الكتب المنزلة، وأحبّها إلى الله، قد اختار الله له أفضل رسله، وخير الأمم، وأفضل البقاع، وخير الليالي لنزوله، وفي ذلك من التنبيه عن عظمة قدْرِه ما يكفي اللبيب.
ومن عظمة قدره: أنّه محفوظ بحفظ الله {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}، فهو منزَّه عن الباطل والاختلاف والتناقض والضعف في الألفاظ والمعاني.
ومن عظمة قدره: أنه قول فصل ليس بالهزل، يحكم بين العباد، ويهدي إلى الرشاد، وينهى عن الفساد، معانيه أسمى المعاني، ومقاصده أشرف المقاصد، ومواعظه أحسن المواعظ {إنّ الله نعمّا يعظكم به}.
ومن عظمة قَدْرِه: أنَّ الله جعله فرقاناً بين الهدى والضلال، والحق والباطل؛ مَن قال به صدق، ومن حَكَم به عدل، ومن جاهد به نُصر، ومن حاجَّ به غَلب، ومن غَالبَه غُلِب، ومن اتبعه هدي إلى صراط مستقيم، ومن ابتغى الهدى في غيره ضل عن سواء السبيل.
ومن عظمة قدره: أنه يهدي للتي هي أقوم في كل ما يُحتاج إلى الهداية فيه، فهو شامل لجميع ما يحتاجه الفرد وتحتاجه الأمة من الهداية في كل شأن من الشؤون، فشريعته أحكم الشرائع، وهداه أحسن الهدى، وبيانه أحسن البيان.
ومن عظمة قدره: أن من اعتصم به عُصِمَ من الضلالة، وخرج من الظلمات إلى النور بإذن ربه، وهدي إلى سبل السلام من كل شر يخشى منه، فهو في أمن وإيمان، وسلامة وإسلام، لا يضل ولا يشقى، ولا يخاف ولا يحزن، ثابت الجنان ، سائرٌ على بيّنة من ربه، حظيٌّ بما أولى من فضله، ذو سكينة وطمأنينة، له نوره الذي يمشي به في الناس سوياً على صراط مستقيم، {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}
ومن عظمة قدره: أن خصه الله بأحكام ترعى حرمته وتبين جلالة شأنه؛ فنُدِب إلى التطهر من الحدث عند تلاوته، وحرمت تلاوته في الأماكن النجسة ، وحرمت تلاوته في حال السجود والركوع، ومن حلف به انعقدت يمينه؛ ومن استهزأ به أو بشيء منه ولو بكلمة فقد كفر وخرج من الملة فإن مات ولم يتب حرمت عليه الجنة أبداً، وكان من الخالدين في عذاب النار.
بل جعل للمصحف الذي يكتب فيه القرآن أحكام تخصه؛ فالورق والمداد بعد أن يتضمنَّا كتابة آياته يكون لهما شأن في شريعة الإسلام؛ فحرم على الحائض والجنب مس المصحف، ونهي عن السفر به إلى أرض العدو، ومن تعمد إهانته فقد كفر كفراً عظيماً.
ومن عظمة قدره: أن جعل الله له في قلوب المؤمنين مكانة عظيمة لا يساميها كتاب؛ فهو عزيز عليهم، عظيم القدر عندهم، يجلُّونه إجلالاً عظيماً ويؤمنون به، وينصتون عند تلاوته، ويتدبرون آياته، ويقفون عند مواعظه، بل إنهم من إجلالهم للقرآن يجلُّون قارئ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه.
ومن عظمة قدره: أن تحدَّى الله تعالى المشركين أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطيعوا، ولو اجتمعت فصاحة الخلق كلهم على أفصح رجل منهم ثم طلب منهم أن يجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن العظيم لا يأتون بمثله، وكيف يضاهي كلام المخلوقين الضعفاء كلام خالقهم العظيم؟!!
كما أنه لا يضاهي علمهم علمه، ولا قدرتهم قدرته، ولا عظمتهم عظمته ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيراً.
فكلام الله صفة من صفاته اللائقة بعظمته ومجده، وهذا القرآن العظيم هو من كلامه جل وعلا، وكلام المخلوقين إنما يليق بمقدار علمهم وقدرتهم التي لا نسبة لها إلى علم الله وقدرته وعظمته). [بيان فضل القرآن:63 - 68]

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:20 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

عظمة قَدْرِ القرآنِ في الآخرة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (عظمة قَدْرِ القرآنِ في الآخرة
فهذه إلماحةٌ يسيرة تعرِّفك ببعض أنواع عظمة القرآن في الدنيا، وأما عظمته في الآخرة فأمر يجل عن الوصف، حين تنكشف الحجب وتتبين الحقائق وينتقل الناس من دار الامتحان والعمل إلى دار الجزاء والبقاء، يتبيّن لهم جلالة قَدْرِ هذا الكتاب العظيم، وأن أسعد الناس حظاً أوفرهم نصيباً من اتباعه وصحبته والاهتداء بهداه، ويكفي العبدَ أن يطلع على بعض ما ورد من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن القرآن في الآخرة؛ ليتبيّن هذه الحقيقة، ويقوم بما تقتضيه من تعظيم قدره واتباع ما أنزل الله فيه من البينات والهدى
.
- فمن عظمة قدره أنّه يحاجّ عن صاحبه في قبره ويشفع له، فيجد من أثر شفاعته ومحاجّته عنه ما يتبيّن به عظمة قدره حين تنقطه الأسباب، وتتجلّى الحقائق، وتذهب سَكرة الحياة الدنيا؛ فيتمنّى لو كان قضى عمره كلّه في صحبة هذا الكتاب العظيم.
-ومن عظمة قدره في الآخرة: أنه يظلّ صاحبه في الموقف العظيم حين تدنو الشمس من الخلائق؛ فعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته، يقول: « تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» ثم سكت ساعة، ثم قال: « تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان، وإنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يأتي صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك بالهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذًّا كان أو ترتيلا». رواه أحمد وابن أبي شيبة والدارمي ومحمد بن نصر والطبراني والبغوي كلهم من طريق: بشير بن المهاجر الغنوي، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة.
- ومن عظمة قدره: أنه يشفع لصاحبه، ويحاجّ عنه أحوج ما يكون إلى من يحاجّ عنه؛ ففي صحيح مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه )).
وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما )).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( القرآن شافع مشفَّع ومَاحِلٌ مصدَّق، مَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار )). رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني.
وعن ابن مسعود نحوه موقوفاً وصححه الدارقطني.
والماحل في لسان العرب الذي يسعى بالشخص إلى ذي سلطان ليوبقه ويهلكه، يقال: محل فلان بفلان إذا مكر به وكاده وفعل به ذلك.
قال الخليل بن أحمد: (وفي الحديث:(( القرآن ماحل مصدَّق )) يمحل بصاحبه إذا ضيَّعه).
((مصدَّق)): أي أن ما يقوله فيمن أعرض عنه ولم يعمل به فهو مصدَّق فيه لا يَكْذِب ولا يُكَذَّب.
قال عبد الله بن مسعود: (من مَحَلَ به القرآن يوم القيامة كبَّه الله في النار على وجهه). رواه أحمد.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كتاباً قال فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدِ الله عمرَ إلى عبدِ اللهِ بن قيسِ ومَن معه من حملة القرآن، سلام عليكم، أما بعد:
فإنَّ هذا القرآن كائنٌ لكم أجراً وكائنٌ لكم شرفاً وذخراً، فاتبعوه ولا يتبعنَّكم، فإنه من اتبعه القرآنُ زجَّ في قفاه حتى يقذفه في النار، ومن تَبع القرآنَ ورد به القرآنُ جنات الفردوس، فلْيكونن لكم شافعا إن استطعتم، ولا يكونن بكم ماحلا فإنه من شفع له القرآن دخل الجنة، ومن مَحل به القرآن دخل النار، واعلموا أن هذا القرآن ينابيع الهدى، وزهرة العلم، وهو أحدث الكتب عهدا بالرحمن، به يفتح الله أعينا عمياً، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا).
-
ومن عظمة قدره: أنه كرامة ورفعة عظيمة لصاحبه يوم الجزاء إذ يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها، كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسند والسنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وفي هذا الباب من الأحاديث والآثار ما يستدعي سفراً كبيراً، وشرحاً كثيراً، ولا يبلغ العبد بعد إدراك معاني تلك العظمة والإحاطة بتفاصيلها.

فهذا في شأن عظمة القدر). [بيان فضل القرآن:68 - 71]

رد مع اقتباس
  #39  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:23 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

عظمة صفاته

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (عظمة صفاته
وأما عظمة صفاته؛ فشأن آخر يطلعك على أبواب من العلم عظيمة، من استفتحها وتأمل ماوراءها أفضى إلى مهيع واسع من التفكر والتأمل، ودلَّه به تفكُّره على حدائق ذات بهجة، لا يملّ النظر إليها، ولا التربّع في رياضها، بل يدرك أن أعظم نعيم في هذه الحياة إنما هو في تنعّم الروح بما أنزل الله من روحه الذي يحيي به من يشاء من عباده {وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
فيكون للقلب حياة أخرى غير حياة الأبدان هي حياته الحقيقية التي من حرمها فهو ميت وإن عاش بجسده {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}
فهو حياة القلوب وغذاؤها، ودواؤها من عللها وشفاؤها، وأنسها من وحشتها وبهاؤها، وميزانها الذي تزن به الأمور، وتدرك به حقائق الأمور، وعواقب الأمور.
ومن كان كذلك كان صاحب القرآن بحق، وكان القرآن العظيم ربيع قلبه، ونور صدره، وجلاء حزنه، وذهاب همه وغمه.

ذلك أن الله تعالى وصف القرآن بصفات عظيمة جليلة تنبئ عن عظمته؛ إذ عظمة الصفات تدل على عظمة الموصوف فوصفه الله بأنه عزيز وكريم، وعليٌّ وحكيم، ومبارك ومجيد، وهدى وبشرى، وذِكْرٌ وذكرى، وشفاء وفرقان، ونور وبيان إلى سائر ما وصفه الله تعالى به من صفات جليلة باهرة، تدل على عظمته دلالة ظاهرة.
فاجتماع هذه الصفات الجليلة في موصوف واحد دليل ظاهر على عظمته، ثم اتصافه في كل صفة من تلك الصفات بالعظمة فيها دليل آخر على عظمة تملأ قلب من يتأملها؛ فيدرك أنه لا يحيط بمعرفة أوجه عظمة هذا القرآن العظيم لكنه يوقن أنه عظيم جد عظيم؛ فهو عظيم في عزته، عظيمٌ في علوّه، عظيم في إحكامه وحكمه، عظيم في مجده، عظيم في بركته، عظيم في كرمه، عظيم في بيانه، عظيم في ما تضمنه من الهدى والرحمة والنور والبشرى، والذكر والذكرى، والشفاء الفرقان، والحق والتبيان، وكذلك سائر صفاته الجليلة العظيمة، كل صفة منها قد حاز هذا القرآن العظمةَ فيها.
وهذه العظمة لها لوازم يقتضيها الإيمانُ بها في قلب العبد المؤمن؛ فيعرف له قدره ويعظّمه في قلبه، ويعظمه إذا تحدث عنه، ويعظمه إذا تلاه، ويعظمه إذا تلي عليه {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}). [بيان فضل القرآن:72 - 73]

رد مع اقتباس
  #40  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:26 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الباب الرابع: بيانُ بَرَكَةِ القُرْآن


معنى البركة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (معنى البركة
إن من أوجه بيان فضل القرآن الحديث عن بركته، والتعريف بمعانيها ودلائلها وآثارها؛ فإن ذلك مما يعين على التفكّر في منّة الله تعالى علينا بهذا الكتاب العظيم المبارك الذي اختصّه بأعظم البركات:
- فقال الله تعالى: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ .. (92)}
- وقال تعالى: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)}
- وقال تعالى: { وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)}
- وقال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)}

ووصفه بأنّه مبارك يدلّنا على أنّ الذي باركه هو الله جلّ وعلا، ومعنى باركه أي أودع فيه البركة، وهي الخير الكثير المتزايد.
قال أبو إسحاق الزجاج: (المبارك ما يأتي من قِبَله الخير الكثير).
وقال الخليل بن أحمد: (البركة: الزيادة والنماء).
وقيل: إن لفظ "البركة" دالّ على اللزوم والسعة في أصل استعماله.
وقيل: دالّ على الثبوت والدوام.
ولهذه المعاني شواهد من كلام العرب مبثوثة في معاجم اللغة؛ لا نطيل بذكرها.
وخلاصة القول في معنى البركة أنها خير كثير أصله ثابت، وآثاره تنمو وتتسع بطرق ظاهرة أو خفية.
وهذه المعاني متحققة في بركة القرآن.
ومعرفتنا بأن الذي باركه هو الله تفيدنا فوائد جليلة تُبيّن لنا عظمة هذه البركة وكثرتها وتنوّعها؛ فالله تعالى عليم قدير وواسع حكيم، وقد ظهرت آثار علمه وقدرته وسعته وحكمته في مباركة كلامه جلَّ وعلا؛ فكانت تلك البركة من آثار أسمائه تعالى وصفاته، فهي بركة عظيمة لا يحيط بها علماً إلا هو جلّ شأنه). [بيان فضل القرآن:75 - 76]


رد مع اقتباس
  #41  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:36 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

أنواع بركة القرآن في الدنيا

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أنواع بركة القرآن في الدنيا
وأنواع بركة القرآن كثيرة يتعذّر حصرها واستقصاؤها.

· وأصل بركاته وأعظمها: ما تضمّنه من بيان الهدى والتبصير بالحقائق في كل ما يُحتاج إليه؛ كما قال الله تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)}.
وقال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}.
وقال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}.
وقال تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)}
والبصيرة هي أصل الهداية ؛ فإنّ من تبصّر عرف فاعتبر وادّكر، وحاجة العبد إلى التبصّر دائمة متعددة، ولذلك يزداد العبد بصيرة كلما أحسن تدبر القرآن كما قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} ، والتذكّر ثمرة التبصّر.
وبركة بصائر القرآن لها أصل وأنواع؛ فأصلها إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.
وأما أنواعها وتفصيلاتها فكثيرة متجددة، وكم من حَدَثٍ عارضٍ يحارُ فيه المؤمن ثمّ يجد البصيرة فيه في كتاب الله تعالى.
وكل بصيرة يتبصّر بها العبد بالقرآن فهي من آثار بركة القرآن؛ لأنها تعرّفه بحقيقة الأمر، وتدلّه على الهدى، وتحذّر من مخالفته، وتبيّن له زيف ما تُزيّن به الضلالة من زخرف القول وأباطيل الشُّبه؛ فللبصيرة الواحدة بركات متعددة، وهكذا في كلّ بصيرة يتبصّر بها العبد من القرآن؛ فكم من إنسان سعد بآية قرأها فاعتبر بها؛ أو سمعها فاهتدى بها.
· ومن بركات القرآن: أنّه حياة للمؤمن ورفعة له؛ وقد وصفه الله بأنّه روح لما يحصل به من الحياة الحقيقية، التي هي حياة القلب.
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)}
وقال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا..}
وكلما ازداد نصيب العبد من الإيمان بالقرآن وتلاوته واتّباع هداه ازداد نصيبه من بركته والحياة به حتى يكون القرآنُ ربيعَ قلبه؛ لما يرى من حسنه وبركاته، وكثرة ما ينتفع به من ثمراته؛ فهو كالمقيم في الربيع يعجبه حسنه ويجد من رَوحه وطيبه، وينتفع بأنواع الثمرات التي يجتنيها منه، وكذلك حال صاحب القرآن، جنّته في صدره؛ يأنس به، ويتبصّر به، ويحيا به، ويجد من أنواع بركاته ما تقرّ به عينه، وتطيب به حياته.
· ومن بركته على النفس المؤمنة به: أنه يجلو الحزن، ويذهب الهمّ، وينير البصيرة، ويُصلح السريرة، ويشفي ما في الصدر، فيطمئنّ به القلب، وتزكو به النفس، ويحصل به اليقين، ويزداد به الإيمان، ويندفع به كيد الشيطان.
· ومن بركاته ما جعل الله فيه من الشفاء الحسي والمعنوي؛ فكم تعافت به النفس من علل مُضرّة، وأهواء مردية، وكم شُفي به من سقيم، وكم أُبطِلَ به من سحر وعين، وكم زال به من وسواس، وكم رفع به من بلاء؛ فآياته رقية ناجعة يُرقى بها، وشفاء للمؤمنين، وكلّ ذلك من بركات هذا القرآن العظيم.
· ومن بركاته: أن قارئه يُثاب عليه أنواعاً من الثواب: فيثاب على الإيمان به، ويثاب على تلاوته، ويثاب على الاستماع إليه، ويثاب على تدبّره، ويثاب على تعظيمه، ويثاب على حفظه، ويثاب على التفقّه فيه وطلب تفسيره، ويثاب على اتّباع هداه، حتى إنه ليثاب على النظر في المصحف.
· ومن بركاته أيضاً: كثرة وجوه الخير فيه؛ فهو علم لطالب العلم، وحكمة لطالب الحكمة، وهداية للحيران، وتثبيت للمبتلى، ورحمة للمؤمن، وشفاء للمريض، وبيان لمن يريد كشف الشبهات، ودليل لمن يدعو إلى الله، وحجّة لمن ينتصر لدين الله؛ وهو لكل صاحب حاجة مشروعة غنية وكفاية {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون}.
· ومن بركاته: بركة ألفاظه وأساليبه؛ فألفاظه ميسرة للذكر، معجزة في النظم، حسنة بديعة، لها حلاوة في السمع، وبهجة في النفس، وتأثير في القلب، يدلّ اللفظ الوجيز منه على معانٍ كثيرة مباركة.
· ومن بركاته: بركة معانيه وكثرتها واتّساعها وعظيم دلالتها حتى أدهش البلغاء وأبهرهم؛ وصنف العلماء الكبار في بيان معاني بعض آياته رسائل كثيرة مفردة؛ فصنف الحافظ ابن رجب رسالة طويلة في تفسير قول الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} بيّن فيها من بديع المعاني ما يتعجب منه القارئ، وصنّف الحافظ ابن الجزري رسالة طويلة سماها "كفاية الألمعي في معنى قوله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي}، وصنف الحافظ السيوطي رسالة في تفسير قول الله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور...} الآية، واستخرج منها نحو مائة وعشرين وجها بلاغياً، وسمى رسالته "فتح الرب الجليل للعبد الذليل"، ومصنفات العلماء المفردة في تفسير بعض الآيات كثيرة، وهي من دلائل كثرة معاني القرآن العظيم وبركتها واتّساعها.
· ومن بركاته: أنه لا تنقضي عجائبه ولا يحاط بمعرفته فلو درس المرء تفسيره من فاتحته إلى خاتمته لم يحط بمعانيه، فإذا درسه مرة أخرى ظهرت له معان لم تكن قد ظهرت له من قبل.
· ومن بركاته على صاحبه الذي يقرأه وهو مؤمن به: أنه يرفع شأنه، ويعلي ذكره، ويوجب له حقاً لم يكن ليناله بغير هذا القرآن من الإجلال والتقديم، والرعاية والتكريم، وأجلّ ذلك أن يكون صاحب القرآن من أهل الله وخاصّته، وذلك أشرف ما لأهل القرآن، وهم في هذه الدنيا خير الأمة وأفضلها.
- روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين».
- وروى الإمام أحمد والنسائي في السنن الكبرى من حديث عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من خلقه» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»
· ومن بركاته: عموم فضله على الأمة وعلى الفرد؛ فإذا اتّبعت الأمّة هداه أعزّها الله ونصرها، ورفع عنها الذلة، والطائفة التي تقيم ما أمر الله به فيه لا يضرها من خذلها ولا من خالفها.
· ومن بركاته العظيمة أنه حيثما كان فهو مبارك:
- فهو مبارك في قلب المؤمن ونفسه وحواسّه وجوارحه، يهديه ويثبّته، ويرشده ويبصّره، ويزداد بتلاوته إيمانا ويقينا، وطمأنينة وسكينة.
- وهو مبارك في المجلس الذي يُقرأ فيه؛ وتُتَدارس فيه آياته؛ فتنزل على أهله السكينة، وتحفّهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده، كما في سنن أبي داوود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم: إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).
- وهو مبارك في البيت الذي يتلى فيه، يكثر خيره، ويتّسع بأهله، ويطرد الشياطين ، كما روى ثابت البناني عن أبي هريرة أنه كان يقول في البيت إذا تلي فيه كتاب الله اتّسع بأهله وكثر خيره وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشّياطين، والبيت إذا لم يُتْلَ فيه كتاب الله ضاق بأهله، وقلّ خيره , وحضرته الشّياطين. رواه ابن أبي شيبة.
وقال ابن سيرين: (البيت الّذي يقرأ فيه القرآن تحضره الملائكة، وتخرج منه الشّياطين، ويتّسع بأهله ويكثر خيره، والبيت الّذي لا يقرأ فيه القرآن تحضره الشّياطين، وتخرج منه الملائكة، ويضيق بأهله ويقلّ خيره). رواه ابن أبي شيبة.
ولذلك عدّ بعض السلف البيت الذي لا يُقرأ فيه القرآن صِفْراً من الخير، كما قال عبد الله بن مسعودٍ: (إنّ أصفر البيوت البيت الّذي صَفِرَ من كتاب الله). رواه ابن أبي شيبة.
ورواه عبد الرزاق بلفظ: (إن أصفر البيوت من الخير البيت الذي ليس فيه من كتاب الله تعالى شيء، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء خَرِبٌ كخراب البيت الذي لا عامر له، وإن الشيطان يخرج من البيت يسمع سورة البقرة تقرأ فيه).
- وهو مبارك على الورق الذي يُكتب فيه؛ فالورق الذي يكتب فيه القرآن تكون له حرمة عظيمة، وأحكام كثيرة في الشريعة بسبب تضمّنه لهذا القرآن العظيم المبارك؛ فتشرع الطهارة لمسّه، ويجب تعظيمه، ويحرم الاستخفاف به بل يكفر من يدنّسه أو يطأ عليه امتهاناً له، وما كان ذلك الورق لينال تلك المكانة والحرمة في الشريعة إلا لتضمّنه كتاب الله تعالى؛ فما الظنّ بقلب حفظه ووعاه واتّبع هداه). [بيان فضل القرآن:76 - 82]

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:40 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

بركة القرآن في الآخرة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (بركة القرآن في الآخرة
وأما بركاته على صاحبه يوم القيامة فبركات جليلة القدر عظيمة الأثر: فهو أنيسه في قبره، وظلّه في الموقف العظيم، وقائده في عرصات القيامة، وحجيجه وشفيعه، ولا يزال به حتى يقوده إلى الجنة مكرماً.
- روى الإمام مسلم بإسناده عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة».
ومن أراد أن تحسن صحبة القرآن له في الآخرة فليحسن صحبته في الدنيا.
- وروى الترمذي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلِّه، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق، ويزاد بكل آية حسنة » .
- وروى الدارمي من طريق عاصم، عن مجاهد، عن ابن عمر أنه قال:« يجيء القرآن يشفع لصاحبه، يقول: يا رب لكل عامل عمالة من عمله، وإني كنت أمنعه اللذة والنوم؛ فأكرمْه. فيقال: ابسط يمينك، فيملأ من رضوان الله، ثم يقال: ابسط شمالك، فيملأ من رضوان الله، ويكسى كسوة الكرامة، ويحلى حلية الكرامة، ويلبس تاج الكرامة».

ومما ينبغي أن يُعلم أن بركات القرآن إنما ينالها من آمن به واتّبع هداه؛ كما قال الله تعالى: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)}
وقال تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)}). [بيان فضل القرآن:82 - 83]


رد مع اقتباس
  #43  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:44 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الباب الخامس: فضل تلاوة القرآن

فضل تلاوة القرآن

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (فضل تلاوة القرآن

من دلائل فضل القرآن ما جعل الله لتاليه من الثواب العظيم والفضل الكبير، وما فتح له به من أبواب الخيرات والبركات، والتجارة العظيمة الرابحة.
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)} لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) }
وقال تعالى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)}). [بيان فضل القرآن:85]

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:46 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

معنى تلاوة القرآن

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (معنى تلاوة القرآن

وتلاوة القرآن يُرادُ بها معنيان متلازمان:
المعنى الأول: قراءته.
والمعنى الثاني: اتّباعه.
قال عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه في تفسير قول الله تعالى: {يتلونه حقّ تلاوته}: (والّذي نفسي بيده إنّ حقّ تلاوته أن يحلّ حلاله ويحرّم حرامه، ويقرأه كما أنزله اللّه، ولا يحرّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شيئًا على غير تأويله). رواه ابن جرير.
وقال عبد الله بن عباس: «يتبعونه حق اتباعه». رواه أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو داوود في الزهد وزاد: (ألا ترى إلى قوله: {والقمر إذا تلاها}).
وقال مجاهد: (يعملون به حقّ عمله). رواه سعيد بن منصور وابن جرير.
وقال الحسن البصري: (يعملون بمُحْكَمِه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال قتادة: (يتّبعونه حقّ اتّباعه يحلّون حلاله، ويحرّمون حرامه، ويقرؤونه كما أُنزل). رواه ابن جرير.

فتلاوة القرآن جامعة بين معنيَي قراءته واتّباعه.
قال الله تعالى: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك}
وقال تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة...}
وقال تعالى في مواضع أخرى: {اتّبع ما أوحي إليك من ربك}.
وقال تعالى: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)}
وقال تعالى: { المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)}
وقال تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}
فورد الأمر بالقراءة، وورد الأمر بالاتباع، وورد الأمر بالتلاوة الجامعة بين المعنيين.
والتلاوة المعتبرة هي التلاوة التي يحبّها الله ويقبلها، وهي التلاوة التي تكون بإيمان واتّباع؛ أما القراءة من غير اتّباع فإنها لا تنفع صاحبها، بل هي حجّة عليه). [بيان فضل القرآن:85 - 87]

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 01:51 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

مراتب تلاوة القرآن

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (مراتب تلاوة القرآن
وتلاوة القرآن على مراتب:

- فأعلاها مرتبة أهل الإحسان في تلاوة القرآن، وهم الذين جمعوا بين المهارة في قراءة القرآن، وحسن اتّباع هداه؛ فهؤلاء بأفضل المنازل، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)} لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) }
فوعدهم الله التجارةَ الرابحة التي ضمن لهم أنها لن تبور؛ فهي تجارة يجدون من ثوابها وبركاتها والرفعة بها ما تقرّ به أعينهم، وتطيب به حياتهم، وتحسن به عاقبتهم.
ووعدهم مع توفيتهم أجورهم أن يزيدهم من فضله زيادة كريمة من عنده جلّ وعلا؛ وأضاف الفضل إليه إضافة تشريف وتنبيه على أنّه فضل عظيم.
{إنه غفور شكور} وفي هذا تنبيه على وعد بمغفرة ذنوبهم، وعلى أنّ الله تعالى يحبّ هذه الأعمال، ويشكر من يتقرّب بها إليه؛ فيثيبهم ثواباً وافياً، ويزيدهم عليه زيادة كريمة.
قال قتادة: (كان مطرّف بن عبد الله إذا مرّ بهذه الآية: {إنّ الّذين يتلون كتاب اللّه} يقول: هذه آية القرّاء). رواه ابن جرير.
وذلك لما فيها من الشرف والفضل العظيم لهم.
- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران». رواه مسلم.
الماهر: الحاذق الذي يقرأ بإتقان من غير تردد.
فلما جمعوا مهارة القراءة وبرّ العمل به نالوا إكرام الله تعالى لهم.
قال ابن حجر: (والمراد بالمهارة بالقرآن جودة الحفظ وجودة التلاوة من غير تردد فيه، لكونه يسَّره الله تعالى عليه كما يسَّره على الملائكة؛ فكان مثلها في الحفظ والدرجة).
ويشهد لما قاله ابن حجر رواية البخاري رحمه الله لهذا الحديث في صحيحه بلفظ: «مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران».
وحفظ القرآن هنا يشمل حفظ تلاوته وحفظ رعايته بالعمل به وما يوجبه الإيمان به.
وقوله: (مع السفرة الكرام البررة) إشارة إلى قول الله تعالى: {في صحف مكرّمة . مرفوعة مطهّرة . بأيدي سفرة . كرام بررة}.
وفي المراد بالسفرة أربعة أقوال:
القول الأول: هم الملائكة، واحدهم سافر، والجمع سَفَرة، وهذا القول رُوي عن ابن عباس بإسناد ضعيف، وقال به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والفراء والبخاري في صحيحه، ورجّحه ابن جرير وابن عطية وابن كثير.
قال الفراء: (فَجُعِلَت الملائكة إذا نزلت بوحي الله تبارك وتعالى وتأديبه كالسفير الذي يصلح بين القوم، قال الشاعر:
ومــا أدع السّـفـارة بـيـن قـومـي ... وما أمشي بغشٍّ إن مشيت)ا.ه.
والقول الثاني: هم الكَتَبة؛ وهو قول ابن عبّاس، ورواية معمر عن قتادة، وقال به من علماء اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنّى.
والقول الثالث: هم القرّاء، وهو رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أخرجها ابن جرير الطبري.
والقول الرابع: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول وهب بن منبّه؛ رواه عنه عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور.
وجمع الخليل بن أحمد وابن قتيبة والزجاج بين القولين الأولين؛ فذهبوا إلى أن معنى "السفرة" أي الكَتَبة، وأنّ المراد بهم الملائكة، وهو جمع حسن.
والمقصود أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الماهر بقراءة القرآن (مع السفرة الكرام البررة) تشريف عظيم للماهر بالقرآن، وقد اختلف في كونه معهم على أقوال:
القول الأول: المعيّة في المكانة والمنزلة.
والقول الثاني: هي معيّةُ مصاحَبة في الدنيا؛ فلكثرة تلاوته وتنزّل الملائكة لاستماع الذكر والتلاوة كان مصاحباً لهم.
والقول الثالث: هي معيّة مشاكلة ومشابهة؛ فهو بطاعته وكثرة ذكره قد شابه الملائكة وسلك مسلكهم.
وعلى كلّ هذه الأقوال فوصفه بأنه مع السفرة دون ذكر عين الجزاء دليل على إبهامه لتعظيمه، وأنّه أجر عظيم يكفي في وصفه أن يعدّ صاحبه مع السفرة الكرام البررة، ونظيره ما في الحديث الصحيح: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)؛ فتذهب الآمال كل مذهب في رجاء عِظَمِ هذا الثواب، فيثابون بما لم يخطر على قلوبهم، ولم يبلغه علمهم، ولم تدركه أمانيهم من عظيم الفضل وجزيل الثواب.
ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن مضاعفة الثواب للماهر بالقرآن لا تُحصَر، وأنّ الله تعالى يضاعف له الأجر أضعافاً كثيرة؛ فكما يضاعف الحسنات لبعض عباده إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة؛ فكذلك يكون في خير ما يُتقرَّب به إليه – جلّ وعلا - وهو تلاوة كلامه واتّباع هداه.

والمقصود أنّ ثواب تلاوة القرآن يتفاضل بتفاضل القراء في معنيي التلاوة؛ وهما القراءة والاتباع؛ فمن بلغ فيهما مرتبة الإحسان فهو بأفضل المنازل.
ومن قصّر فيهما حصل له من النقص بحسب تقصيره وتفريطه.
وأما من كان يحسن القراءة ويخالف هدى الله تعالى فإنّ قراءته لا تنفعه عند الله، بل هي حجّة عليه). [بيان فضل القرآن:87 - 90]

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 02:01 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

أنواع ثواب تلاوة القرآن

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أنواع ثواب تلاوة القرآن
ومن أحسن تلاوة القرآن فإنّه يُثاب بأنواع من الثواب العظيم في الدنيا والآخرة فضلاً من الله تعالى، وإكراماً منه لصاحب القرآن:

أ: فمما يثاب به في الدنيا:
1: أن تلاوته للقرآن طمأنينة للقلب وسكينة للنفس ونور للصدر، وجلاء للحزن وذهاب للهَمّ؛ كما قال الله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب} ، وقد فسّر الذكر هنا بالقرآن، ولا شكّ أن القرآن من الذكر، وهو يدخل في معنى هذه الآية دخولاً أوّلياً؛ وتلاوته والاستماع له بقلب منيب يحصل بهما من الطمأنينة والسكينة ما يدفع عن المؤمن انزعاجه من المقلقات والأحداث العارضة والإيذاءات الشيطانية؛ ويثبّته في مواضع الفتن؛ وهذا الثواب النفسي الذي يجده قارئ القرآن بركته على روحه وجسده حتى كأنّ كلَّ عضو من أعضائه تناله بركة تلاوته، من أعظم الثواب المعجّل لقارئ القرآن.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما قال أحد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه، وأبدله مكان حزنه فرحا ".
قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟
فقال: " بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وغيرهم.
2. ومن ثواب تلاوة القرآن: محبة الله تعالى لمن يتلو كتابه مؤمنا به؛ معظّما لهداه؛ فرحاً بفضله ورحمته؛ وهذه المحبة العظيمة لها آثار مباركة على حياة المؤمن، وكلما كان أحسن تلاوة للقرآن كان نصيبه من هذه المحبة وآثارها أعظم.
ومن دلائل محبّة الله تعالى لمن يتلو كتابه مؤمنا به ثناؤه عليهم في مواضع من كتابه الكريم، ثناء يشرّفهم به ويرغّب به عباده في تلاوة كتابه، والتقرّب به إليه.
وتزداد محبّة الله تعالى بازدياد صدق العبد في التقرّب إلى الله تعالى بتلاوة كتابه وتقديمه إيّاه على ما تشتهيه نفسه كما دلّ عليه الحديث الذي رواه منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة:
- يبغض الشيخ الزاني، والفقير المختال، والمكثر البخيل.
- ويحب ثلاثة: رجل كان في كتيبة؛ فكَرَّ يحميهم حتى قُتِل أو فتح الله عليه، ورجل كان في قوم فأدلجوا فنزلوا من آخر الليل، وكان النومُ أحبَّ إليهم مما يُعدل به، فناموا وقام يتلو آياتي ويتملَّقني، ورجل كان في قوم فأتاهم رجل يسألهم بقرابة بينهم وبينه فبخلوا عنه، وخلف بأعقابهم فأعطاه حيث لا يراه إلا الله ومن أعطاه). رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي بإسناد صحيح.
وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جاراً لخباب بن الأرتّ؛ فخرجنا مرة من المسجد، فأخذ بيدي فقال: « يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تَقَرَّب إليه بشيء أحبَّ إليه من كلامه » رواه الحاكم والبيهقي واللالكائي، واحتجّ به الإمام أحمد.
وقد فقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فَضْلَ هذا العمل الجليل فكانوا أحسن الأمّة عناية به.
- قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: « لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي عليَّ يوم لا أنظر في المصحف ». رواه البيهقي في كتاب الاعتقاد.
- وقال عبد الله بن مسعود: « لو أن رجلا بات يحمل على الجياد في سبيل الله، وبات رجل يتلو كتاب الله لكان ذاكرُ الله أفضلَهما» رواه ابن أبي شيبة
- وقال عبد الله بن عمر: « لو بات رجل ينفق دينارا دينارا، ودرهما درهما، ويحمل على الجياد في سبيل الله، وبات رجل يتلو كتاب الله حتى يصبح متقبَّلا منه، وبتُّ أتلو كتاب الله حتى أصبح متقبلا مني، لم أحبَّ أن لي عملَه بعملي » رواه ابن أبي شيبة.
- وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي أنه قال: «لو بات رجل يعطي البِيضَ القِيَان، وبات آخر يتلو كتاب الله عز وجل ويذكر الله تعالى» قال سليمان التيمي: (كأنه يرى أن الذي يذكر الله أفضل). رواه أبو نعيم الأصبهاني.
البيض القيان: الجواري ذوات الحسن في الصوت والصورة، وذكرها لأنّها من أَنفَسِ ما يُهدى؛ لمظنّة الشحّ بها.

3: ومن ثواب تلاوته: أن القارئ يتبصّر به ويعتبر فيهديه إلى معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، ويذكّره بآلائه ونعمائه، ويبصّره بالصراط المستقيم والهدي القويم في جميع شؤونه، ويفقّهه في أحكام دينه وسلوكه وتعامله، ويعلّمه الاعتبار والتفكّر، والتبصّر والتذكر، والحكمة والسداد؛ فيستفيد من القرآن علماً كثيراً مباركاً بما تضمّنه من الآيات البيّنات، والأمثال التي صرّفها الله عزّ وجل عن علم وحكمة وحسن تقدير، وما فيه من القصص الكثيرة المباركة بما حوته من الدروس والمواعظ والعبر، إلى غير ذلك من أنواع البصائر والبيّنات التي تحصل لمن أحسن تلاوة القرآن؛ كما قال الله تعالى: { لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)} ،
- وقال تعالى: { هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)}
- وقال تعالى: { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} .
- وقال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُإِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11)}
- وقال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)}
وفي القرآن من أنواع البصائر والبيّنات ما يفتح للعبد أبواب الإيمان واليقين والحكمة؛ فإنّه يرى الأمور بعين البصيرة، ويَنظر إلى الأحداث كما يحبُّ اللهُ أن يُنظر إليها، ولا تغرّه الظواهر التي تغرّ الجاهلين وتخدعهم، بل ينفذ بصره إلى حقيقة ما أراده الله، ويفقه سنن الابتلاء وعواقبه؛ ويعرف هدى الله فيما يعرض له؛ فيتّبع رضوان الله، ويفوز بمحبّته ومعيّته الخاصة، حتى ينال ما وعده الله من الكفاية وحسن العاقبة، وذلك أنّ عالم الغيب يختلف عن عالَم الشهادة، وأكثر الناس إنما ينظرون إلى ظواهر عالم الشهادة ويتخرّصون في عالم الغيب؛ فيغترون بما يرون في الحياة الدنيا، ويضلون عما تحصل لهم به العاقبة الحسنة في أمورهم، وصاحب القرآن يتّبع هدى الله الذي هو عالِمُ الغيب والشهادة، ومن بيده ملكوت كلّ شيء، وإليه عاقبة الأمور؛ فهو الذي يقدّر الأقدار ، ويدبّر الأمر، ويتولّى الجزاء، فتصديق وعده جلّ وعلا واتّباع ما بيّن من الهدى في كتابه الكريم يفضي بصاحبه إلى العاقبة الحسنة.
ولتفاصيل ذلك أمثلة كثيرة تبيّن تفاوت الناس في انتفاعهم من القرآن، فأوفرهم حظا وأحسنهم نصيباً من يحسن تلاوة القرآن بقلب منيب؛ لأنّ الله تعالى قد وعد أهل الإنابة بالهداية؛ كما قال تعالى: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} وقال تعالى: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}.
ومن هدى الله قلبه، ونوّره بنور وحيه، وأحياه بروح أمره : آتاه فرقانا يميّز به بين الحقّ والباطل، ويثبت به في مواضع الفتن التي تزلّ فيها الأقدام، ويبصّره بالحقائق على ما هي عليه، وينظر إلى العواقب كأنه يراها رأي عين، لا يرتاب فيها، ولا يتردد في اتّباع هدى الله، وهذا علم يقيني خاصّ خالص لأهل الخشية والإنابة الذين ينتفعون بما أنزل الله تعالى في كتابه، ويعتبرون بما فيه من الآيات والعبر، ويعقلون أمثاله، ويصدّقون أخباره، ويؤمنون به ويعظّمونه؛ فلا يستوي هؤلاء الموفّقون المهديّون ومن كانوا في غفلة عن هدى القرآن متبعين لما تهواه أنفسهم، كما قال الله تعالى: { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)}، وقال تعالى: { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)}.
والمقصود أن من أعظم ما يثاب به قارئ القرآن بقلب منيب ما يحصل له من العلم اليقيني الخاصّ المبارك القائم على بصائر القرآن وبيّناته، وهذا العلم الجليل أصلٌ لهدايات عظيمة، وبركات كثيرة.
ولو ذهبنا نشرح كل نوع من أنواع ثواب القرآن لطال بنا المقام، وتشعّب الحديث شُعَباً كثيرة؛ ورأينا في كل شعبة ما يدعونا للوقوف عليها، والتفكّر فيها، وتأمّل آثارها المباركة، وتعرّف خلاصة ما ذكره أهل العلم فيها من الفوائد والتنبيهات؛ ولطائف الاستدلالات؛ فيفضي بنا ذلك إلى التطويل والإكثار من حيث أردنا التلخيص والاختصار، وحسبنا فيما بقي أن نوجز العبارة بما يكفي للدلالة والتنبيه على ما نَقْصُر عن تَقَصِّيه.

4: ومن أنواع ثواب تلاوة القرآن؛ زيادة الإيمان بتلاوته وبالاستماع إليه؛ كما قال الله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا}، وقال تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} ، وأوجه زيادة الإيمان بتلاوة القرآن وبالاستماع إليه متعددة؛ فإنّ الإيمان يزيد بالطاعات؛ وتلاوة القرآن عبادة قولية يثاب عليها العبد ويزداد بها إيمانه، ودعاء العبد لربّه إذا مرّ بآية رحمة أو آية عذاب؛ عبادة قولية قلبية يثاب عليها.
وما يقوم بقلب قارئ القرآن من أنواع العبادات القلبية من التصديق وزيادة اليقين والخشية والإنابة والرغبة والرهبة والصدق والإخلاص والتوكل والاستعانة وتعظيم حرمات الله وشعائره وغير ذلك من العبادات القلبية العظيمة؛ كل ذلك مما يزداد به إيمان العبد إذا أحسن تلاوة القرآن؛ فإنَّ القرآن يخاطبُ القلبَ وينمِّي فيه هذه العبادات العظيمة ؛ التي إذا صحّت في القلب صلح القلب وصلح سائر الجسد.
ثمّ ما يقوم به قارئ القرآن من أنواع العبادات العملية التي أرشد الله إليها في كتابه الكريم كإقامة الصلاة وإحسان الإنفاق في سبيله، والاجتهاد في فعل الخيرات، والكفّ عن المحرمات، مما يزداد به العبد إيمانا وصلاحاً ؛ فإنّ القارئ الصادق إذا وقف على أمر لله تعالى حرص على أن يكون من أهل ذلك الأمر، وإذا وقف على نهي عن أمر من الأمور حرص على اجتنابه، ولا يزال كذلك حتى يحقق التقوى التي مبناها على فعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه.
والخلاصة أن زيادة الإيمان بتلاوة القرآن تكون بقراءته وبما يترتّب عليها من أنواع العبادات القولية والقلبية والعملية، وأنّ زيادة الإيمان من عاجل ثواب قارئ القرآن.
5: ومن أنواع ثواب قراءة القرآن ما جعل الله تعالى لقارئه من الحسنات الكثيرة المضاعفة، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة:
- منها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "الم" حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الترمذي وصححه والبيهقيّ في شعب الإيمان وغيرهما، وقد رُوي عن ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً من طرق يشدّ بعضها بعضاً، وصححه الألباني وجماعة من أهل العلم.
- ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفَات عظام سمان؟» قلنا: نعم، قال: «فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفات عظام سمان» رواه مسلم في صحيحه.
ورواه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، ولفظه: «هل يُحِبُّ أحدكم إذا أتى أهله أن يجد عندهم ثلاث خلفات عظاما سمانا» قلنا: نعم يا رسول الله؛ قال: «فثلاث آيات يقرأ بهن»
الخَلِفة: الناقة التي في بطنها ولدها.
- ومنها حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم، ولا قطع رحم؟»، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيَعْلَمُ أو يقرأُ آيتين من كتاب الله عز وجل، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» رواه مسلم، وأحمد وأبو داوود ، وفي روايتهما (فيتعلم آيتين من كتاب الله..).
- الكوماء: الناقة العظيمة السنام). [بيان فضل القرآن:91 - 99]


رد مع اقتباس
  #47  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 02:03 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

أوجه تفاضل ثواب التلاوة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أوجه تفاضل ثواب التلاوة
ومما ينبغي أن يعلم أن ثواب التلاوة يتفاضل من وجوه:

فمن ذلك: أن التلاوة بحضور قلب وتدبّر وخشوع أعظم أجراً من التلاوة التي يضعف فيها حضور القلب وعقل المعاني وتدبّر الآيات.
فإنّ العبد يثاب على ما يقوم في قلبه من العبادات القلبية عند تلاوته، وما يظهر من آثارها على جوارحه؛ كما قال الله تعالى: { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)}
فهؤلاء بلغوا مرتبة الإحسان في استماع تلاوة القرآن؛ وأثنى الله عليهم بما يدل على محبّة عملهم؛ من معرفة الحقّ وظهور أثره عليهم وقولهم ما أحبّه الله تعالى؛ حتى نوّه بذكرهم في كتابه الكريم، وأعلى شأنهم وأحسن جزاءهم وأغرى بالاتّساء بهم.
- ومن أوجه التفاضل أن الإقبال على تلاوة القرآن في حال الفتن والعوارض والصوارف أعظم أجراً لصاحبها مع سلامته من تلك الفتن المثبّطة.
- ومن أوجه التفاضل في ثواب التلاوة: أن سور القرآن تتفاضل؛ وآياته تتفاضل كذلك، فتلاوة السور والآيات الفاضلة أعظم أجراً من تلاوة غيرها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (حروف القرآن تتفاضل لتفاضل المعاني وغير ذلك؛ فحروف الفاتحة له بكل حرف منها حسنة أعظم من حسنات حروف من {تبت يدا أبي لهب}).
وهذا مبني على أصل تفاضل آيات القرآن وسوره؛ فإنّ تفاضل ثواب التلاوة من آثار تفاضل الآيات نفسها؛ فقراءة الآية الأعظم فضلاً ثوابها أعظم، لعظمة معانيها ودلائلها وما تقتضيه من عبادات تقوم في قلب التالي.

ومن أوجه التفاضل أيضاً: أنَّ التلاوة الحسنة التي يرتّل القارئ فيها ما يقرأ، ويحبّر قراءته ويزيّن صوته بها، أعظم أجراً من التلاوة التي لا تكون كذلك.
وقد اختلف العلماء في المفاضلة بين إكثار التلاوة مع الإسراع وبين ترتيلها وتحبيرها، ولكل أصحاب قول أدلّتهم.
وخلص ابن القيّم رحمه الله من بحث هذه المسألة إلى قوله: (والصواب في المسألة أن يقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددا
- فالأول: كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدا قيمته نفيسة جدا.
- والثاني: كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة)ا.هـ.
وقد يحتاج القارئ إلى التنويع في قراءته؛ فيقرأ أحيانا بتحبير وتجويد، وأحيانا يحدر في قراءته لتحقيق مقاصد أخرى كالتيسير على النفس بالتنويع، ومراجعة الحفظ، والاستكثار من الختمات في الأوقات الفاضلة والأماكن الفاضلة.
وهذه المسألة من مباحث آداب تلاوة القرآن، وإنما المراد هنا التنبيه على أسباب التفاضل في ثواب التلاوة.
وهذه الحسنات العظيمة التي جعلها الله للمؤمن الذي يقرأ القرآن؛ داخلة في جملة الفضل الكبير الذي بشّر الله به المؤمنين في قوله تعالى: {وبشّر المؤمنين بأنّ لهم من الله فضلاً كبيراً}.
فإن الحسنات تذهب السيئات، وترتفع بها الدرجات، وتقود إلى حسنات أخرى؛ فلا يزال المؤمن يستكثر من الحسنات بتلاوته حتى يكون القرآن ربيع قلبه ونور صدره، وجلاء حزنه، وذهاب غمّه، فإنّ الغم والحزن من جملة عقوبات السيئات؛ فإذا كفّرت السيئات بالحسنات؛ ذهب أثرها، واستقبل القلب أثر الحسنات وبركاتها وهو في عافية من آثار السيئات). [بيان فضل القرآن:99 - 101]

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 02:05 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

ثواب تلاوة القرآن في الآخرة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (ثواب تلاوة القرآن في الآخرة
وإذا انتقل صاحب القرآن من هذه الحياة الدنيا إلى الدار الآخرة تبيّن له من ثواب تلاوته للقرآن ما يحمد به عاقبة إقباله على تلاوته في الدنيا وتمسّكه به، واتّباعه لهداه؛ فإنّه يظلّه في الموقف، ويشفع له، ويحاجّ عنه، ويقوده إلى الجنة، ويجد بسببه من الكرامة والرفعة ما لا يخطر له على بال.

وقد رُوي في الثواب الأخروي لتلاوة القرآن أحاديث جليلة القدر عظيمة النفع:
- منها: حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة».
قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة: السحرة،. رواه مسلم في صحيحه.
- ومنها: حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما )). رواه مسلم.
- ومنها: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( القرآن شافع مشفَّع ومَاحِلٌ مصدَّق، مَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار )). رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني.
- ومنها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» رواه أحمد وأبو داوود والترمذي والنسائي في الكبرى، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ولفظه: (يقال لصاحب القرآن حين يدخل الجنة: اقرأ وارقه في الجنة، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك في الدرجات عند آخر ما تقرأ).
- ومنها: حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته، يقول: «تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» ثم سكت ساعة، ثم قال: " تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان، وإنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يأتي صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك بالهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذًّا كان أو ترتيلا)). رواه أحمد وابن أبي شيبة والدارمي ومحمد بن نصر والطبراني والبغوي كلهم من طريق: بشير بن المهاجر الغنوي، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.
وهذا الحديث حسّنه الألباني رحمه الله في الصحيحة). [بيان فضل القرآن:102 - 104]

رد مع اقتباس
  #49  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 02:26 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الباب السادس: فضل أهل القرآن

المراد بأهل القرآن

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المراد بأهل القرآن
مما يتصّل ببيان فضل القرآن بيان فضل أهله؛ فإنّ فضلهم من آثار فضله، وما ورد في فضلهم من نصوص الكتاب والسنّة مما يضاف إلى دلائل فضله؛ لما عُلم من أنّهم لم يكتسبوا هذا الفضل إلا بسببه؛ فبه أحبّهم الله، وبه نفعهم، وبه رفعهم وشرّفهم، واصطفاهم على من سواهم لصحبة كتابه؛ كما قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}.
ومن أشرف ما ورد في فضل أهل القرآن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن لله عز وجل أهلين من الناس »
قالوا : ومن هم يا رسول الله ؟
قال : « أهل القرآن ؛ أهل الله وخاصته ». رواه أحمد والنسائي بإسناد صحيح.
فوصفهم بأهل القرآن لكثرة مصاحبتهم له كما يصاحب المرء أهله وينتمي إليهم ويواليهم.
وأضافهم إلى الله إضافة تشريف؛ تقتضي تخصيصهم بمزيّة شريفة ينفردون بها عن سائر حزب الله؛ فإنّ اسم الأهل أخصّ من الحزب.
والإضافة في قوله "أهل الله" كالإضافة في "أنصار الله" ، و"أولياء الله" ؛ هي إضافة مخلوق إلى خالقه؛ لكنّها تقتضي زيادة تشريف مع بيان وصف مخصوص تمتاز به تلك الإضافة.
فالإضافة في "أنصار الله" تقتضي تشريفهم بنصرتهم لله عزّ وجلّ وتولّيهم إيّاه إذ نصروا دينه وجاهدوا في سبيله بما أمكنهم من أنواع الجهاد.
والإضافة في "أولياء الله" تجمع مع معنى النصرة معنى المحبة الخالصة.
والإضافة في "أهل الله" تجمع مع ما تقدّم تشريفاً زائداً نالوه بكثرة مصاحبتهم لكتابه؛ وكثرة تلاوته وذكره جلّ وعلا بأحبّ الكلام إليه؛ وقد قال الله تعالى: {فاذكروني أذكركم}، وقال في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ هم خير منهم » متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربّه جلّ وعلا.
وأهل القرآن هم خاصّة أصحابه، وأعرفهم بحدوده وحروفه، وأبصرهم بهداه وبيّناته؛ وهُم لكثرة تلاوتهم له وسماع الله تعالى لتلاواتهم، وذكرهم لله عزّ وجلّ وذكر الله لهم، وتبصّرهم بكلام الله وتبصير الله لهم، واتّباعهم لهدى الله وهداية الله لهم، ورضاهم عن الله ورضوان الله عليه؛ سمّاهم أهله تشريفاً لهم؛ إذ كانوا معه بالاستجابة والتعبّد والتقرّب، وهو معهم بالإجابة والإثابة والقرب، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)}
وهم في هذه الحياة الدنيا مع هذا القرآن بقلوبهم وجوارحهم وتطلّعاتهم وأمانيهم، يتلونه حقّ تلاوته، ويتبّعونه حقّ اتّباعه، قد انحازوا للقرآن انحياز المرء إلى أهله، وألفوه كما يألف المرء أهله، وأحبّوه كما يحبّ المرء أهله، فكانوا أهل القرآن بحق.
وشرّفهم الله بأن عوّضهم عمّا تركوه لأجله بأشرف العوَض وأحسنه، وأثابهم على صدقهم في تلاوته واتّباعه أجزل الثواب وأجمله؛ بأن سمّاهم أهله، وفي تلك التسمية الشريفة - مع إبهام عين الجزاء إبهامَ تعظيم وتفخيم - ما يملأ قلوبهم طمأنينة وثقة بعظيم فضله جلّ وعلا، فتذهب آمالهم كلَّ مذهب في كَرَمه جلّ وعلا، ثمّ يعلمون أنّ ما لديه أعظم من أن تبلغه أمنياتهم أو أن يخطر على قلوبهم). [بيان فضل القرآن:105 - 107]


رد مع اقتباس
  #50  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 02:32 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

المراد بصاحب القرآن

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المراد بصاحب القرآن
ومما ينبغي أن يُعلم أن صاحب القرآن هو المؤمن به المتبع لما تضمنه من الهدى الذي يتعاهد تلاوته بالليل والنهار حفظاً أو نظراً من المصحف، حتى يكون له به اختصاص وصف الصحبة.
وهذه الصفات يتفاضل المسلمون فيها تفاضلاً كبيراً، فأكثرهم إيماناً واتباعاً وتلاوة أكثرهم صحبة للقرآن وأعظمهم حظاً بالفضائل المترتبة على ذلك.
ولا يشترط في صاحب القرآن أن يكون حافظاً لجميع ألفاظه عن ظهر قلب، بل يَصْدُق هذا الوصف على من يقرأُه نظراً بالشروط المذكورة آنفاً، والتي دلت عليها النصوص، ودلت على أن من اتصف بأضدادها لم يكن من أهل القرآن.
فالذي لا يؤمن بالقرآن ليس من أصحابه، والذي يهجره هجر عمل أو هجر تلاوة ليس من أصحابه أيضاً.
ومما يدل على عدم اشتراط حفظ القرآن عن ظهر قلب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة) رواه مسلم.
فجعلهم بالقراءة المعتبرة شرعاً أصحاباً للقرآن، والقراءة قد تكون من المحفوظ، وقد تكون من المكتوب، فبقراءة القرآن قراءة صحيحة تحصل الصحبة، فمستقل ومستكثر.
والمراد بالقراءة الصحيحة هنا هي القراءة الصحيحة في حكم الشرع، وليس المراد صحّة الأداء عند أهل الاصطلاح، فالقراءة الصحيحة المعتبرة شرعاً هي ما توفر فيها شرطا الإخلاص والمتابعة على قدر الاستطاعة؛ فيدخل في ذلك من يقرأُه ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ؛ ويدخل فيه من يقرؤه ويخطئ في قراءته عن غير عمد، فإنّه ينال حظه من صحبة القرآن بصدقه وصلاح نيّتِه، وتعاهدِه تلاوةَ القرآن مع الإيمان به واتّباع ما يعرفه من هداه، وليس شيء أضرّ على المسلم من مخالفته لما يعرف من هدى القرآن.
وهذا يدلّك على أنّ أصحاب القرآن يتفاضلون في وصف صحبته تفاضلاً كبيراً، وأنّ الأصل الذي يُبنى عليه وصف الصحبة هو الإيمان بالقرآن.

ولفظ الصحبة يطلق في اللغة على معانٍ كثيرة ترجع إلى معنيين كبيرين:
أحدهما: صحبة الملازمة والاختصاص.
والآخر: صحبة الموالاة والمناصرة.
فأمّا صحبة الملازمة والاختصاص؛ فكما في قوله تعالى: {والصاحب بالجنب}، وقوله: {وما صاحبكم بمجنون}، وقوله: {يا صاحبي السجن..}، وقوله: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن}، ومن هذا المعنى: {أصحاب الجنّة}، و{أصحاب النار} لملازمتهم إياها واختصاصهم بها.
والاختصاص قد يكون اختصاص مُلك كما في قوله تعالى: {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنّة}، وتقول: أنا صاحب هذه الدار، أي: مالكها.
وقد يكون اختصاصاً من غير إرادة معنى الملك؛ كأصحاب السبت؛ لاختصاصهم بفتنة يوم السبت وما كان بسببه من العذاب، وكقوله: {ولا تكن كصاحب الحوت}، وقوله: {ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل}.
وأمّا صحبة الموالاة والمناصرة؛ فمن شواهدها قول الله تعالى: {لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منّا يُصحبون} أي ليس لهم صاحب يناصرهم ويمنعهم منّا، ومن هذا المعنى قولهم: هذا من أصحابنا، وهذا من خصومنا.
وقال لبيد بن ربيعة:

فحمَى مقاتلَه وذادَ برَوقِه ... حَمْيَ المحاربِ عورةَ الصُّحْبَان

والمقصود أن لفظ الصحبة يطلق على المعنيين كليهما إطلاقاً صحيحاً؛ وقد يجتمعان؛ فصاحبك الذي يلازمك، وصاحبك الذي ينصرك ويؤيدك، والثاني خير من الأوّل، ومن جمعهما فهو بخير المنازل، ومن قصّر في صحبة الموالاة لم تجعله كثرة الملازمة أفضل حالاً ممن أحسن الموالاة؛ فإنّ الصحبة لها واجبها، ومن واجبها النصرة والموالاة والنصيحة للمصحوب.
وبهذا النوع من الصحبة امتاز الصحابة رضي الله عنهم على من سواهم، مع أنّ الذين جمعوا القرآن من الصحابة رضي الله عنهم قليل في جنب من لم يجمعه، ومنهم من مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجمعه، ثم جمعه بعد موته وكان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل القرآن الذين يعلّمونه ويُقرِئُونه.
فامتياز الصحابة على من سواهم باتّباعهم للقرآن، وحسن تلاوته، ومعرفتهم بتأويله، وجهادهم به ونصرتهم له أكثر من امتيازهم بحفظه عن ظهر قلب؛ والقرّاء الذين جمعوا القرآن حفظاً من التّابعين ومن بعدهم كانوا أكثر عدداً، والصحابة كانوا أحسن عملاً وأحسن مصاحبةً للقرآن، وتلاوة له، وقياماً به، ورعاية لحقّه، وكان تعلّمهم للقرآن أحسن التعلّم الدالّ على حسن الصحبة للقرآن.
- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (كان الرجل منَّا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن). رواه ابن أبي شيبة وابن جرير.
- وقال جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: « كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا» رواه البخاري في التاريخ الكبير وابن ماجه في سننه.
- وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن؛ فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل». رواه الطحاوي والحاكم والبيهقي.
ومن عرف مقاصد القرآن أدرك أن مَن استوعب ألفاظ القرآن حفظاً عن ظهر قلب مع تفريطه في كثير من فقهه وآدابه ليس بأولى بوصف الصحبة ممن تعلّم القرآن على طريقة الصحابة رضي الله عنهم وإن لم يبلغ استيعابَ حفظه.
ولا شكّ أن من حفظ القرآن عن ظهر قلب مع حسن اتّباعه لهدى القرآن خير ممن لم يحفظه، لكن من الخطأ البيّن تقديم معيار حفظ ألفاظه على معيار اتّباع هداه في وصف الصحبة.

وقد ذهب بعض المتأخرين من شرّاح الأحاديث إلى أنّ المراد بصاحب القرآن هو من يحفظه عن ظهر قلب، ومنهم من استدلّ بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وغيرهم.

وفي هذا الاشتراط غفلة عن مقصد الحديث ولازمه؛ فإنّ قوله "فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها" صريح في تفاضلهم في حفظ القرآن، ولا يكاد يخلو ملازمُ تلاوةِ القرآن مع العمل به من حفظ شيء من آيات القرآن؛ فلو كان حِفْظ القرآن كاملاً من شرط صحبته لكانوا سواء في الدرجة.
ويشهد لهذا التفسير قول الضحّاك بن قيس رضي الله عنه: (يا أيها الناس، علموا أولادكم وأهاليكم القرآن، فإنه من كُتب له من مسلم يدخله الله الجنة أتاه ملكان، فاكتنفاه، فقالا له: اقرأ وارتق في درج الجنة، حتى ينزلا به حيث انتهى علمه من القرآن). رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
ومقصد الحديث ظاهر في الحثّ على أخذ القرآن بقوّة والاجتهاد في التقرّب إلى الله به، لا مجرّد حفظ ألفاظه.
والقول في أصحاب القرآن نظير القول في أصحاب الصلاة، وأصحاب الصيام، وأصحاب الصدقة، وأصحاب الجهاد؛ فإنّ من الناس من تغلب عليه العناية بأنواع من الأعمال الصالحة حتى يكون له اختصاص بها لطول ملازمتها وإحسانها؛ فكذلك صاحب القرآن.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خير؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان).
قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأرجو أن تكون منهم»). [بيان فضل القران:107 - 112]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:22 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة