العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة علوم القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #26  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 10:45 AM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الغرض من جمع أبي بكر

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الغرض من جمع أبي بكر
كان الغرض من جمع أبي بكر أن يجمع القرآن كله في مصحف واحد، مع بقاء قراءات الصحابة كلٌّ يقرأ كما عُلّم.

وكانت الآياتُ والسور قبل جمع أبي بكر متفرقة في العسب واللخاف وصدور الرجال، وكانت العمدة على الرواية المحفوظة في الصدور، وإنما جمع المُصحف للتوثيق.
قال الحارث المحاسبي: (كتابة القرآن ليست محدثة فإنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب).
وقال: (وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القرآن منتشر فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء)ا.هـ). [جمع القرآن:76 - 77]


رد مع اقتباس
  #27  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 10:54 AM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

موقف الصحابة رضي الله عنهم من جمع أبي بكر الصديق للقرآن:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: ( موقف الصحابة رضي الله عنهم من جمع أبي بكر الصديق للقرآن:

لم يقع بين الصحابة رضي الله عنهم خلافٌ في جمع أبي بكر للمصحف، وهم متوافرون في المدينة؛ فكان محلّ إجماع.
- قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي، قال: «رحم الله أبا بكر، كان أول من جمع القرآن».
- وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن عبد خير قال: سمعت علياً يقول: «أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع بين اللوحين» رواه ابن أبي داوود في كتاب "المصاحف" والقطيعي في زياداته على فضائل الصحابة للإمام أحمد). [جمع القرآن:77]


رد مع اقتباس
  #28  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 10:58 AM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

مصير مصحف أبي بكر:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: ( مصير مصحف أبي بكر:

- قال ابن وهبٍ: أخبرني مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن سالمٍ وخارجة (أنّ أبا بكرٍ الصّدّيق كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابتٍ النّظر في ذلك، فأبى حتّى استعان عليه بعمر ففعل، وكانت تلك الكتب عند أبي بكرٍ حتّى توفّي، ثمّ عند عمر حتّى توفّي، ثمّ كانت عند حفصة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فأرسل إليها عثمان؛ فأبت أن تدفعها إليه حتّى عاهدها ليردّنّها إليها، فبعثت بها إليه؛ فنسخها عثمان في هذه المصاحف، ثمّ ردّها إليها ؛فلم تزل عندها حتّى أرسل مروان فأخذها فحرّقها) رواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف.
- وقال ابن شهاب الزهري: حدثني أنس رضي الله عنه قال: (لما كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها عن المصاحف ليمزّقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه بعضا، فمنعتها إياه).
قال الزهري: فحدثني سالم قال: (لما توفيت حفصة أرسل مروان إلى ابن عمر رضي الله عنهما بعزيمة ليرسلن بها، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمر رضي الله عنهما، فشققها ومزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف لما نسخ عثمان رضي الله عنه). رواه ابن شبة في تاريخ المدينة، وأبو عبيد في فضائل القرآن، وابن حبان في صحيحه.

قال أبو عبيد: (لم يسمع في شيء من الحديث أن مروان هو الذي مَزَّقَ الصحف إلا في هذا الحديث).
- ورواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف من طريق أبي اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله: أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها، أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت، فقال مروان: «إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول إنه قد كان شيء منها لم يكتب».
ورواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة من طريق حفص بن عمر الدوري قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «لما ماتت حفصة أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعزيمة، فأعطاه إياها، فغسلها غسلا»). [جمع القرآن:78 - 79]


رد مع اقتباس
  #29  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 11:02 AM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

تنبيه:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (تنبيه:
- قال ابن وهبٍ: أخبرني عمر بن طلحة اللّيثيّ، عن محمّد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطبٍ قال: أراد عمر بن الخطّاب أن يجمع القرآن، فقام في النّاس فقال: (من كان تلقّى من رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم شيئًا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصّحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا حتّى يشهد شهيدان)
فقُتِل وهو يجمع ذلك إليه فقام عثمان بن عفّان فقال: (من كان عنده من كتاب اللّه شيءٌ فليأتنا به وكان لا يقبل من ذلك شيئًا حتّى يشهد عليه شهيدان)
فجاء خزيمة بن ثابتٍ فقال: إنّي قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما.
قالوا: وما هما؟
قال: تلقّيت من رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ} إلى آخر السّورة.
قال عثمان: (فأنا أشهد أنّهما من عند اللّه فأين ترى أن نجعلهما؟).
قال: اختم بها آخر ما نزل من القرآن؛ فختُمت بها براءة ). رواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف.

وهذا الخبر ضعيف الإسناد منكر المتن؛ فيه محمد بن عمرو بن علقمة الليثي ليس بالقوي، ويحيى بن عبد الرحمن لم يدرك عمر، ومتنه منكر لمخالفته ما ثبت من أن الجمع كان في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وأن المصحف قد تمّ جمع في حياة أبي بكر رضي الله عنه، وبقي عنده حتى مات.
وكذلك خبر آخر آيتين من سورة التوبة كان في زمن أبي بكر، وكانتا قد وجدتا عند أبي خزيمة وليس خزيمة بن ثابت، ولعله التبس عليه خبر جمع القرآن بعزيمة عمر على جمع السنة ثم عدوله عن ذلك). [جمع القرآن:79 - 80]


رد مع اقتباس
  #30  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 11:11 AM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

تسمية المصحف

معنى المصحف:


قال عبد العزيز بن داخل المطيري: ( معنى المصحف:
الأصل في لفظ "المُصحف" ضَمُّ الميمِ لأنه مصدرٌ من أُصْحِفَ؛ فهو مُصحَفٌ، أي جُعل في صحائف مضمومة إلى بعضها، مجموعة بين دفَّتين.

قال الخليل بن أحمد: (وسُمِّيَ المُصْحَفُ مُصْحَفاً لأنَّه أُصْحِفَ، أي جُعِلَ جامعاً للصُحُف المكتوبة بين الدَّفَّتَيْن).
وقال أبو منصور الأزهري وجماعة من اللغويين بنحو هذا القول؛ فهو شبه اتّفاق على مأخذ التسمية.
ثمَّ حُكي فيه كسر الميم وهي لغة تميم، وحكي فيه فتح الميم وهي لغة غير مشتهرة، ذكرها أبو جعفر النحاس.
قال الفراء: (يُقَال: مُصحفٌ ومِصْحَف، كَمَا يُقَال: مُطرَفٌ ومِطرَفٌ، وَقَوله: "مُصحفٌ" مِن أُصْحِفَ، أَي جُمِعت فِيهِ الصُّحُف، وأُطرِف: جُعل فِي طرَفيْه العَلَمان).
قَالَ: (فاستثقلت العربُ الضمة فِي حُرُوفٍ فَكسرتِ الْمِيم، وَأَصلُهَا الضَّم، فَمن ضَمّ جَاءَ بِهِ على أَصلِهِ، وَمن كَسَرَهُ فلاستثقالِه الضمة)ا.هـ). [جمع القرآن:81]


رد مع اقتباس
  #31  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 11:14 AM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

مبدأ تسمية المصحف:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (مبدأ تسمية المصحف:

كانت العربُ أُمّةً أُميَّةً، لا تقرأ ولا تكتب، وأوَّل كتاب باللسان العربي هو القرآن ، ولم يكن للعرب قبل ذلك كتاب معروف بلسانهم، وكانت الكتابة فيهم قليلة جداً، وإنما يكتبون ما يحتاجون إليه من الرسائل والعهود والمواثيق في صحائف متفرقة لا تبلغ أن تكون كتاباً.
وقد اشتهرت بعض صحائفهم، ولها ذكر في أشعارهم، كصحيفة المتلمس، وصحيفة لقيط، والصحيفة الظالمة التي قاطعت فيها بطونُ قريش بني هاشم.
قال المتلمّس في خبر صحيفته:
مَنْ مُبلِغُ الشّعراءِ عن أخَوَيْهِمُ ... خَبَراً، فَتَصْدُقَهُم بذاكَ الأنفُسُ
أودى الذي عَلِقَ الصّحيفَةَ منهما ... ونَجَا حِذارَ حِبائِهِ المُتَلَمّس
ويقصد بالذي عَلِقَ الصحيفة طرفةَ بن العبد البكري؛ فإنَّه ظنَّ أن الملك عمرو بن هند قد كتب له فيها إلى عامل البحرين أن يُجِيزَه ويُحْسِنَ إليه، فإذا هي أَمْرٌ بقَتْلِه وصَلْبِه، وفيها يقول:
أبا منذرٍ كانت غُروراً صحيفتي ... ولم أُعْطِكم في الطَّوْعِ مالي ولا عِرْضي

وقال الممزّق العَبدي يخاطب الملك عمرو بن هند:
أكلفتني أدواء قوم تركتهم ... وإلا تداركني من البحر أغرق
فإن يُتْهِموا أُنجِدْ خِلافاً عليهم ... وإن يُعْمِنوا مُستحقِبي الحربِ أُعْرِق
فلا أنا مولاهم ولا في صحيفةٍ ... كَفَلْتُ عليهم والكفالة تعتق
(يُتهموا): أي يحلّوا بأرض تهامة، و(أُنجد): أي أرحل إلى نجد، و(يُعمنوا) يحلّوا بأرض عُمان، و(أُعرِق) أرحل إلى العِرَاق.

وقال لقيط بن معمر الإيادي في أبيات له بعث بها في صحيفة إلى قومه ينذرهم غزو كسرى:
سلام فى الصّحيفة من لقيط ... إلى مَن بالجزيرةِ من إِيادِ
بأنّ الّليث كسرى قد أتاكم ... فلا يَشْغَلكم سَوْقُ النِّقَادِ
النِّقَاد: صِغَار الغنم.

و"الصحيفة" تُجمع على صُحُف وصَحَائف إذا كانت متفرقة غير مضمومة، فإذا ضُمَّت سُميت مُصحفاً؛ فإذا تعدَّدَتْ أجزاء الكتاب سمّيت تلك الأجزاء "مصاحف".
ولذلك كانت العرب تسمّى كُتُبَ أهلِ الكتابِ "مصاحف"، كما قال امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفانِ ... ورسمٍ عَفَتْ آياتُه منذُ أزْمانِ
أتت حِجج بعدي عليها فأصبحت ... كَخَطِّ زَبورٍ في مَصاحفِ رُهبان
وقال أبو مصعب الزهري راوية الموطأ: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، أنه قال: (جاء كعب الأحبار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقام بين يديه، فاستخرج من تحت يده مُصْحَفاً، قد تشرَّمَت حواشيه، فقال: يا أمير المؤمنين، في هذه التوراة فأقرؤها؟
فقال عمر: "إن كنت تعلم أنها التوراة التي أُنزلَت على موسى، يومَ طور سَيناء، فاقرأها آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، وإلا فلا" فراجعه كعب، فلم يزده على ذلك).

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه)
ثمّ ذكرت خبر احتيال قريش بهداياها إلى النجاشي ليسلّمهم إليها في خبر طويل، وفيه أن النجاشي دعا أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله.
وفيه أن جعفر بن أبي طالب كلَّمَه وقرأ عليه سورة مريم، قالت: (فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مَصَاحِفَهم حين سمعوا ما تلا عليهم). رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد أقلّ درجاته الحسن، رجاله ثقات رجال الصحيحين غير محمد بن إسحاق وقد صرّح بالتحديث، ومن أهل العلم من يصححه أحاديثه في السير.
ومصاحفهم إنما هي كتبهم التي جمعوا صحائفها وضموا بعضها إلى بعض.

ولم أقف على خبر صحيح في أوّل من سمَّى القرآن المكتوب مُصحفاً؛ إلا أنَّ تسميته بهذا الاسم جارية على الأصل في تسمية الصحفِ المجموعة إلى بعضها بين دفتين مصحفاً، ولأجل أنَّ المسلمين لم يكن لهم كتاب غيره اشتهرت تسميته بالمصحف حتى جُعلت علماً عليه.
وهذا نظير أسماء القرآن الأخرى كالكتاب والذكر والفرقان؛ فإنها إذا أطلقت انصرفت إلى القرآن لأجل العهد الذهني في التعريف، وإذا وردت في سياق يراد به غيرها تقيدت به.
وبقي استعمال المصحف للصحف المضمومة بين دفتين بعد ذلك بزمن، حتى قال الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين" : (كانت العادة في كتاب الحيوان أن أجعل في كل مصحف من مصاحفها عشر ورقات من مقطّعات الأعراب، ونوادر الأشعار)ا.هـ.

وقد قيل إن تسمية ما كتب من القرآن بالمصحف كانت معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وروي في ذلك أحاديث وآثار لكنها معلولة، ومنها:
1: حديث محمد بن إسحق عن نافع عن ابن عمر: (سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم ينهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو). رواه الإمام أحمد والبخاري في خلق أفعال العباد بهذا اللفظ.
وقد رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو).
ومالك أثبت من ابن إسحاق.
وقد روى هذا الحديث عن نافع كلّ من: الليث بن سعد وعبيد الله العمري وأيوب السختياني وجويرية بن أسماء وعبد الله بن دينار، كلهم رووه بلفظ "القرآن" وتفرد محمد بن إسحاق بلفظ "المصحف" فدلّ ذلك على أنه أخطأ في الرواية.

2: وحديث مرزوق بن أبي الهذيل قال: حدثني الزهري قال: حدثني أبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته» رواه ابن ماجه وابن خزيمة.
ومداره على مرزوق بن أبي الهذيل الثقفي قال فيه البخاري: (تعرف وتنكر).
فهو مما لا يحتجّ به إذا تفرّد.
وله شاهد رواه ابن خزيمة والبزار والبيهقي في شعب الإيمان من حديث محمد بن عبيد الله العرزمي عن قتادة عن أنس، لكنه مما لا يفرح به فالعرزمي متروك الحديث.
وأعلّ بأنّ المحفوظ في هذا الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه ما رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعاً: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). رواه مسلم.
وله علَّة في متنه وهي أنَّ صحف القرآن لم تكُن قد أُصحفت في مُصحف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من غير خلاف بين أهل العلم.

3: وحديث عنبسة بن عبد الرحمن الكوفي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا أعينكم حظها من العبادة» ، قيل: يا رسول الله، ما حظها من العبادة؟، قال: «النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه» رواه أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان، وهو ضعيف جداً، بل حكم عليه الألباني بأنه موضوع، من أجل عنبسة الكوفي قال فيه أبو حاتم الرازي: كان يضع الحديث.

وقد روي في منشأ تسمية المصحف آثار واهية لا تصحّ:
منها ما ذكره السيوطي في الإتقان عن ابن أشته أنه أخرج في كتاب المصاحف من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب أنه قال: لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال: أبو بكر التمسوا له اسما فقال بعضهم السفر وقال بعضهم: المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف).
وقال السيوطي في موضع آخر: ومن غريب ما ورد في أول من جمعه ما أخرجه ابن أشته في كتاب المصاحف من طريق كهمس عن ابن بريدة قال: "أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة، أقسم لا يرتدي برداء حتى يجمعه ثم ائتمروا ما يسمونه. فقال بعضهم: سموه السفر. قال: ذلك اسم تسميه اليهود، فكرهوه، فقال: رأيت مثله بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف".
إسناده منقطع أيضا وهو محمول على أنه كان أحد الجامعين بأمر أبي بكر).
قلت: لا يصحّ هذا المحمل لأنَّ سالماً قُتل يوم اليمامة قبل الأمر بجمع القرآن.
وقال الزركشي: ذكر المظفري في تاريخه لما جمع أبو بكر القرآن قال سموه فقال بعضهم:
سموه إنجيلا فكرهوه وقال بعضهم سموه السفر فكرهوه من يهود فقال ابن مسعود رأيت للحبشة كتابا يدعونه المصحف فسموه به).
وهذه الأخبار واهية من جهة الإسناد لا يُعوَّل عليها). [جمع القرآن:81 - 87]


رد مع اقتباس
  #32  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 11:16 AM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

أسماء أجزاء المصحف وملحقاته:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أسماء أجزاء المصحف وملحقاته:

ولأجزاء المصحف وملحقاته أسماء يحسن بطالب العلم معرفتها
- فدفّتا المصحف ضمامتاه من جانبيه، قاله الخليل بن أحمد.
- والشَّرَج: عُرى المصاحف.
- والرَّصيع: زرّ عروة المصحف.
- والرَّبعة: الصندوق الذي يوضع فيه المصحف.
وكانت أوراق المصاحف من أُدم رِقَاق). [جمع القرآن:88]


رد مع اقتباس
  #33  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 01:22 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الباب السادس: جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

كان الناس قبل جمع عثمان كلٌّ يقرأ كما تعلَّم من وجوه القراءات وأحرفها؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أقرأ بعض الصحابة بأحرف وأقرأ بعضهم بأحرف أخرى، وكان الرجل منهم ربما أنكر على صاحبه وربما اختصما فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم الاختلاف في القرآن ونهاهم عنه نهياً شديداً، فتأدَّب الصحابة رضي الله عنهم بما أدَّبهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فكان كلّ يقرأ كما عُلّم لا ينكر على أخيه ما صحّ من قراءته، ولا يترك الحرف الذي يقرأ به رغبة عنه.


وقد صحّ في هذا الباب أحاديث كثيرة منها:

1. ما رواه ابن شهاب الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير، أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري، حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب، يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسله، اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت»، ثم قال: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه» رواه البخاري وأحمد والترمذي والنسائي وغيرهم.
وهشام بن حكيم بن حزام من مسلمة الفتح ، وهذا مما يدلّ أنَّ نزول الأحرف السبعة كان بعد فتح مكة؛ إذ لو كان قبل ذلك لعرف واشتهر، وسورة الفرقان مكية في الأصل، لكن نزول الأحرف الأخرى فيها مما تأخر عن نزول أصلها.

2. وقال شعبة بن الحجاج: حدثنا عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة الهلالي، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: سمعت رجلا قرأ آية وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها؛ فجئت به النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعرفتُ في وجهه الكراهية، وقال: «كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» رواه البخاري في صحيحه، ورواه أحمد وابن أبي شيبة والنسائي في السنن الكبرى وغيرهم.
وفي رواية عند ابن أبي شيبة أن ابن مسعود قال: (فعرفت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وفي رواية عند أحمد: (فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم).

3. وقال إسماعيل بن أبي خالد: حدثني عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جده، عن أبيّ بن كعب، قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرآ، فحسَّن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما، فسَقَطَ في نفسِي من التكذيبِ ولا إذ كنت في الجاهلية، فلمَّا رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضربَ في صدري، ففضتُ عَرَقاً وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فرقاً، فقال لي: « يا أبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثالثة اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم، حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ». رواه أحمد ومسلم وابن حبان.

4. وقال همّام بن يحيى: حدثنا قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أبيّ بن كعب، قال: قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟
قال: "بلى "
فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟
فقال: "بلى، كلاكما محسن مجمل "
قال: فقلت له: فضرب صدري،
فقال: "يا أبي بن كعب، إني أقرئت القرآن،
فقلت: على حرفين،
فقال: على حرفين، أو ثلاثة؟
فقال الملك الذي معي: على ثلاثة
فقلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: غفورا رحيما، أو قلت: سميعا عليما، أو عليما سميعا فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب). رواه أحمد
- وهذا الحديث رواه إسرائيل بن يونس، عن جدّه أبي إسحاق السبيعي ، عن سقير العبدي، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب، قال: سمعت رجلا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: انطلق إليه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: استقرئ هذا، فقال: "اقرأ " فقرأ، فقال: "أحسنت " فقلت له: أولم تقرئني كذا وكذا؟ قال: "بلى، وأنت قد أحسنت " فقلت بيدي: قد أحسنت مرتين، قال: فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده في صدري، ثم قال: "اللهم أذهب عن أبي الشكَّ " ففضت عرقا، وامتلأ جوفي فرقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبي، إن ملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ على حرف، فقال الآخر: زده، فقلت: زدني، قال: اقرأ على حرفين، فقال الآخر: زده، فقلت: زدني، قال: اقرأ على ثلاثة، فقال الآخر: زده، فقلت: زدني، قال: اقرأ على أربعة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على خمسة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على ستة، قال الآخر: زده، قال: اقرأ على سبعة أحرف، فالقرآن أنزل على سبعة أحرف). رواه أحمد.

5: وفي حديث شعبة عن عبد الرحمن بن عابس النخعي عن رجل من همدان من أصحاب عبد الله بن مسعود أن ابن مسعود جمعهم وقال: (إن هذا القرآن أنزل على حروف، والله إن كان الرجلان ليختصمان أشد ما اختصما في شيء قط، فإذا قال القارئ: هذا أقرأني، قال: "أحسنت"، وإذا قال الآخر، قال: "كلاكما محسن"). رواه أحمد وغيره وقد تقدم.

وهذه الأحاديث والآثار تدلّ دلالةً بيّنة على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن الهدى لأصحابه في شأن هذه الأحرف وما يصنع أحدهم إذا سمع قراءة غير التي يقرأ بها.

وقد فقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أحسن الفقه، وتأدبوا به أحسن الأدب، وعلّموه أصحابهم من التابعين لهم بإحسان.
قال شعيب بن الحبحاب: كان أبو العالية الرياحي إذا قرأ عنده رجل لم يقل: ليس كما تقرأ، ويقول: أما أنا فأقرأ كذا وكذا.
قال شعيب: فذكرت ذلك لإبراهيم [النخعي]؛ فقال: (أرى صاحبك قد سمع أنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله). رواه أبو عبيد وابن جرير.
وأبو العالية الرياحي من كبار التابعين أسلم في خلافة أبي بكر، وقرأ على عمر وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، وتفقه بهم، وكان ابن عباس يحبّه ويكرمه ويرفع من شأنه.
والمقصود أنَّ الصحابة رضي الله عنهم وفقهاء التابعين لم يكن بينهم اختلاف ولا تنازع في القراءات بسبب ما عرفوه من الهدى في هذا الباب.

وكان الصحابة رضي الله عنهم يكتبون القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعده، وكان كلٌّ يكتب كما أُقرئ؛
ولما استخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجمع القرآن في مصحف لم يمنع الناس من كتابة المصاحف؛ فكانت المصاحف تُكتب في عهد أبي بكر وعمر وصدر خلافة عثمان على نحو ما يقرأ كلّ قارئ؛ فكثرت المصاحف وتعددّت، ولم يكن بين الصحابة رضي الله عنهم خلاف ولا تخاصم فيما تختلف فيه مصاحفهم؛ فكان اختلافهم في هذا الباب مأمونا لما أدّبهم به النبي صلى الله عليه وسلم، ولما عقلوا من نهيه عن الاختلاف في القرآن، وأن يقرأ كل واحد منهم كما عُلّم، وقد ورد في ذلك في الأحاديث المتقدّم ذكرها.
وكان المعوَّل في قراءة القرآن وإقرائه على السماع والتلقّي، وإنما يستعان بالكتابة على تذكّر ما قد ينساه القارئ من حفظه). [جمع القرآن:89 - 94]


رد مع اقتباس
  #34  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 01:24 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

أسباب جمع عثمان رضي الله عنه للقرآن:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أسباب جمع عثمان رضي الله عنه للقرآن:
لما كثرت الفتوحات في زمن عمر ثم زمن عثمان واتّسعت بلاد المسلمين، وأقبل الناس على قراءة القرآن وحفظه ظهر الخلاف والتخاصم في القراءات؛ حتى اشتدّ الخلاف في بعض البلدان، وكفَّر بعض الجهّال بعض من قرأ غير قراءتهم، وكادت أن تكون بينهم فتنة بسبب ذلك.

فكان بعض الصحابة يلحظ ذلك وينكره، ويبلغ عثمان أنواع من الخلاف والتنازع؛ فلما تفاقم الأمر، وجاء حذيفة بخبر الفتنة التي حصلت بسبب هذا الاختلاف؛ خطب عثمان في الناس، واستشار فقهاء الصحابة وقراءهم، واجتمعت كلمتهم على جَمْعِ مصحفٍ إمامٍ تستنسخ منه المصاحف، ويلغى ما خالفه.

وقد روى أهل الحديث آثاراً كثيرة تدلّ على تعدّدِ الأسباب التي حملت عثمان رضي الله عنه على الأمر بجمع المصاحف، ومن ذلك:
1. خبر إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنا ابن شهاب [الزهري] عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان - وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق - فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة؛ فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان؛ فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف). رواه البخاري والترمذي والنسائي في الكبرى.
- وروى يونس وابن وهب عن ابن شهاب أنه قال: (حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه اجتمع لغزوة أرمينية وأذربيجان أهل الشام وأهل العراق، فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة). رواه عمر بن شبة وابن أبي داوود.

2. وروى أبو إسحاق السبيعي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: " أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أبيّ وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به...) رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة وابن أبي داوود في كتاب المصاحف.

3. وروى علقمة بن مرثد الحضرمي، عن العيزار بن جرول الحضرمي عن سويد بن غفلة الجعفي قال: والله لا أحدثكم إلا بشيء سمعته من علي: سمعته يقول: " اتقوا الله في عثمان ولا تغلوا فيه، ولا تقولوا حراق المصاحف، فوالله ما فعل إلا عن ملأ منا أصحاب محمد، دعانا فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضكم يقول: قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، وإنكم إن اختلفتم اليوم كان لمن بعدكم أشد اختلافا "،
قلنا: فما ترى؟ قال: «أن أجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف» ، قلنا: فنعم ما رأيت، قال: «فأي الناس أقرأ؟» قالوا: زيد بن ثابت،
قال: «فأي الناس أفصح وأعرب؟»
قالوا: سعيد بن العاص، قال: «فليكتب سعيد وليمل زيد» ، قال: فكانت مصاحف بعث بها إلى الأمصار، قال علي: «والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل» رواه عمر بن شبة.

4. وقال يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي: حدثني عبد الله بن عبد الملك الحر، عن إياد بن لقيط، عن يزيد بن معاوية النخعي قال: إني لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة في حلقة فيها حذيفة قال: وليس إذ ذاك حَجَزَةٌ ولا جَلاوزة، إذ هتف هاتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى؛ فليأت الزاوية التي عند أبواب كندة، ومن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبد الله، واختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا (وأتموا الحج والعمرة للبيت) وقرأ هذا: {وأتموا الحج والعمرة لله}
فغضب حذيفة واحمرَّت عيناه، ثم قام ففزر قميصه في حجزته وهو في المسجد وذاك في زمن عثمان فقال: إما أن يركب إليَّ أمير المؤمنين وإما أن أركب، فهكذا كان من قبلكم، ثم أقبل فجلس فقال: «إن الله بعث محمدا فقاتل بمن أقبل من أدبر حتى أظهر دينه، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد ثم إن الله استخلف أبا بكر فكان ما شاء الله، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عمر فنزل وسط الإسلام، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عثمان وايم الله ليوشكن أن يطعنوا فيه طعنة تخلفونه كله» رواه ابن أبي داوود.

5. وقال حفص بن عمر الدوري المقرئ: حدثنا إسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم المديني، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب الزهري، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت: أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم من غزوة غزاها بفرج أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام، فإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، ويأتون بما لم يسمع أهل الشام، ويقرأ أهل الشام، بقراءة أبي بن كعب، ويأتون بما لم يسمع أهل العراق، فيكفرهم أهل العراق، قال: «فأمرني عثمان رضي الله عنه أن أكتب له مصحفا» فكتبته، فلما فرغت منه عرضه). رواه عمر بن شبة.

6. وقال عبد الله بن وهب: حدثني عمرو بن الحارث أن بكيرا، حدثه: (أن ناساً كانوا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية، فإذا قرأها قال: "فإني أكفر بهذه"، ففشا ذلك في الناس، واختلفوا في القراءة، فكُلِّمَ عثمانُ بن عفان رضي الله عنه في ذلك، فأمر بجمع المصاحف فأحرقها، وكتب مصاحف ثم بثَّها في الأجناد). رواه عمر بن شبة وابن أبي داوود.

7. وروى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين أنه قال: (كان الرجل يقرأ فيقول له صاحبه: "كفرت بما تقول"، فرُفِعَ ذلك إلى ابن عفان فتعاظم في نفسه، فجمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، منهم أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأرسل إلى الرَّبْعَةِ التي كانت في بيت عمر رضي الله عنه، فيها القرآن "
قال: «وكان يتعاهدهم».

قال ابن سيرين: فحدثني كثير بن أفلح: أنه كان فيمن يكتب لهم، فكانوا كلما اختلفوا في شيء أخَّرُوه.
قلت: لم أخَّرُوه؟
قال: لا أدري
قال محمد: فظننت أنا فيه ظنا، ولا تجعلوه أنتم يقينا، ظننت أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشيء أخروه حتى ينظروا آخرهم عهدا بالعرضة الأخيرة فكتبوه على قوله). رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة وابن أبي داوود في كتاب المصاحف.
تصحفت "الرَّبعة" في المطبوع من تاريخ المدينة لابن شبة إلى (الرقعة)، و"الربعة" الصندوق الذي توضع فيه أجزاء المصحف.

8: وقال يحيى بن آدم: حدثنا عمرو بن ثابت قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الشعثاء قال: (كنا جلوسا في المسجد وعبد الله يقرأ فجاء حذيفة فقال: " قراءة ابن أم عبد وقراءة أبي موسى الأشعري، والله إن بقيت حتى آتي أمير المؤمنين، يعني عثمان، لأمرته بجعلها قراءة واحدة قال: فغضب عبد الله فقال لحذيفة كلمة شديدة قال فسكت حذيفة). رواه عمر بن شبة.
وهذا مما يدلّ على أنَّ حذيفة كان يكره هذا الاختلاف من قبل لكنَّه لم يكلّم فيه عثمان حتى رأى بوادر الفتنة.


9. وقال إسماعيل بن عليّة: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة قال: لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين.
قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبا فقال: «أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافاً، وأشد لحناً، اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إماماً» رواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف، وهو منقطع.

وهذه الآثار تدلّ على أن هذه الأسباب اجتمعت وتظافرت؛ وأنَّ جمع القرآن كان عن إجماع من الصحابة رضي الله عنهم لما رأوه من الاختلاف فجمعوا الناس على مصحف واحد نصحاً للأمّة ودرءا للاختلاف والتنازع في كتاب الله تعالى، وما كان من خلاف ابن مسعود في أوّل الأمر فإنّه رجع عنه، وسيأتي بيانه إن شاء الله.

قال البغوي في شرح السنة: (إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرءون القرآن بعده على الأحرف السبعة التي أقرأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله عز وجل، إلى أن وقع الاختلاف بين القراء في زمن عثمان، وعظم الأمر فيه، وكتب الناس بذلك من الأمصار إلى عثمان، وناشدوه الله تعالى في جمع الكلمة، وتدارك الناس قبل تفاقم الأمر، وقدم حذيفة بن اليمان من غزوة أرمينية، فشافهه بذلك، فجمع عثمان عند ذلك المهاجرين والأنصار، وشاورهم في جمع القرآن في المصاحف على حرف واحد، ليزول بذلك الخلاف، وتتفق الكلمة، واستصوبوا رأيه، وحضوه عليه، ورأوا أنه من أحوط الأمور للقرآن، فحينئذ أرسل عثمان إلى حفصة، أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، فأرسلت إليه، فأمر زيد بن ثابت، والرهط القرشيين الثلاثة فنسخوها في المصاحف، وبعث بها إلى الأمصار)ا.هـ


تنبيه:
- قال إسماعيل بن عياش الحمصي: حدثنا حبان بن يحيى البهراني، عن أبي محمد القرشي: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى الأمصار: (أما بعد، فإن نفراً من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن، فاختلفوا اختلافا شديدا، فقال بعضهم: قرأت على أبي الدرداء، وقال بعضهم: قرأت على حرف عبد الله بن مسعود، وقال بعضهم: قرأت على حرف عبد الله بن قيس، فلما سمعت اختلافهم في القرآن - والعهد برسول الله صلى الله عليه وسلم حديث - ورأيت أمرا منكراً فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن، وخشيت أن يختلفوا في دينهم بعد ذهاب من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قرأوا القرآن على عهده وسمعوه من فيه، كما اختلفت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى ابن مريم، وأحببت أن ندارك من ذلك، فأرسلت إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن ترسل إلي بالأُدُم الذي فيه القرآن، الذي كُتب عن فَمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله إلى جبريل، وأوحاه جبريل إلى محمد، وأنزله عليه، وإذ القرآن غض، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس، وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن، ثم دعوت نفرا من كُتَّاب أهل المدينة وذوي عقولهم، منهم نافع بن طريف، وعبد الله بن الوليد الخزاعي، وعبد الرحمن بن أبي لبابة؛ فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأُدُم أربعةَ مصاحفَ وأن يتحفظوا ). رواه عمر بن شبة، وهو خبر لا يصحّ، إسناده مظلم، ومتنه منكر، وإنما أوردته ليُعلم حاله، وليتبيّن ضعف الأقوال التي كان مستندها هذا الأثر). [جمع القرآن:
94 - 101]


رد مع اقتباس
  #35  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 01:29 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

تأريخ جمع عثمان:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (تأريخ جمع عثمان:
روى إسرائيل وزيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق السبيعي عن مصعب بن سعد قال: : جلس عثمان بن عفان رضي الله عنه على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ( إنما عهدكم بنبيكم صلى الله عليه وسلم منذ ثلاث عشرة سنة..). رواه عمر بن شبة وابن أبي داوود.

وخالفهما غيلان بن جامع المحاربي فروى عن أبي إسحاق عن مصعب أنه قال: سمع عثمان قراءة أبي وعبد الله ومعاذ، فخطب الناس ثم قال: ( إنما قبض نبيكم منذ خمس عشرة سنة، وقد اختلفتم في القرآن..). رواه ابن أبي داوود.
قال الحافظ ابن حجر: (وكانت هذه القصة في سنة خمس وعشرين في السنة الثالثة أو الثانية من خلافة عثمان وقد أخرج بن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: خطب عثمان فقال: "يا أيها الناس إنما قبض نبيكم منذ خمس عشرة سنة وقد اختلفتم في القراءة.." الحديثَ في جمع القرآن، وكانت خلافة عثمان بعد قتل عمر، وكان قتل عمر في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة إلا ثلاثة أشهر؛ فإن كان قوله: "خمس عشرة سنة" أي كاملة فيكون ذلك بعد مضي سنتين وثلاثة أشهر من خلافته، لكن وقع في رواية أخرى له "منذ ثلاث عشرة سنة" فيجمع بينهما بإلغاء الكسر في هذه وجبره في الأولى؛ فيكون ذلك بعد مضي سنة واحدة من خلافته فيكون ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين، وأوائل سنة خمس وعشرين، وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن أرمينية فتحت فيه، وذلك في أوَّل ولاية الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط على الكوفة من قِبَل عثمان، وغفل بعض من أدركناه فزعم أن ذلك كان في حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر لذلك مستنداً)ا.هـ). [جمع القرآن:101 - 102]


رد مع اقتباس
  #36  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 01:32 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

موقف الصحابة رضي الله عنهم من جمع عثمان

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (موقف الصحابة رضي الله عنهم من جمع عثمان
أجمع الصحابة رضي الله عنهم على استحسان ما فعله عثمان رضي الله عنه من جمع الناس على مصحف إمام، ولم يخالفه منهم أحد على أمر الجمع سوى ما ذكر عن ابن مسعود في أول الأمر وكان لمعارضته أسباب تخصّه يأتي بيانها إن شاء الله، ثم إنه رجع عن المعارضة إلى موافقة ما أجمع عليه الصحابة، واستقرّ إجماع المسلمين على القراءة بما تضمنته المصاحف العثمانية وترك القراءة بما سواها.


1. قال سويد بن غَفَلة: والله لا أحدثكم إلا شيئاً سمعته من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سمعته يقول: (يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرا في المصاحف وإحراق المصاحف؛ فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا [جميعاً] أصحابَ محمد، دعانا فقال: « ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضكم يقول: قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، وإنكم إن اختلفتم اليوم كان لمن بعدكم أشد اختلافا »
قلنا: فما ترى؟
قال: «أن أجمع الناس على مصحف واحد؛ فلا تكون فرقة ولا اختلاف»
قلنا: فَنِعْمَ ما رأيت).
قال علي: « والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل».
رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة وابن أبي داوود في كتاب المصاحف من طريق علقمة بن مرثد، عن العيزار بن جرول عن سويد به.
2. وقال أبو إسحاق السبيعي: سمعت مصعب بن سعد يقول: «أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرين فما رأيت أحداً منهم عاب ما صنع عثمان رضي الله عنه في المصاحف» رواه أبو عبيد في فضائل القرآن وعمر بن شبة واللفظ له وابن أبي داوود.
وفي وراية عند ابن شبة من طريق السدي قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحمن، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: (سمعت رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: لقد أحسن).
3. وروى الأعمش، عن شقيق، قال: (لمَّا شق عثمان رضي الله عنه المصاحف بلغ ذلك عبد الله فقال: «قد علم أصحاب محمد أني أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لأتيته» ).
قال أبو وائل: (فقعدت إلى الخلق لأسمع ما يقولون؛ فما سمعت أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عابَ ذلك عليه). رواه عمر بن شبة). [جمع القرآن:102 - 104]


رد مع اقتباس
  #37  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 01:36 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

وكذلك كان موقف كبار التابعين وقرائهم:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (وكذلك كان موقف كبار التابعين وقرائهم:

- قال ثابت بن عمارة الحنفي: سمعت غنيم بن قيس المازني قال: (قرأت القرآن على الحرفين جميعاً، والله ما يسرّني أن عُثمان لم يكتب المصحف وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلاماً؛ فأصبح له مثل ما له.
قال: قلنا له: يا أبا العنبر لم؟
قال: (لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرؤون الشعر). رواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف.
وغنيم بن قيس من كبار التابعين وفقهائهم أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره، وقرأ على كبار الصحابة رضي الله عنهم.
- وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثني عمران بن حدير، عن أبي مجلز قال: «لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرؤون الشعر» رواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف.

وقد طعن بعض أهل الأهواء على عثمان في شأن المصاحف وحرقه ما سوى المصاحف التي جمع الناس عليها، وكانت أوّل فتنة ظهرت في هذا فرقة من أهل مصر في زمن عثمان أتوا ناقمين على عثمان حتى إذا نزلوا بالجحفة أرسل إليهم عليّ بن أبي طالب ، فقال لهم عليّ: ما الذي نقمتم؟
قالوا: نقمنا أنه محا كتاب الله عز وجل.. وذكروا سائر ما نقموا عليه.
فبيّن لهم الحقّ في كلّ ما نقموا عليه من ذلك، وطفئت تلك الفتنة، ثم ظهرت فتن أخرى.
وفي زمن عليّ بن أبي طالب ظهرت طائفة في عسكره غلوا في تفضيل عليّ على عثمان حتى تناولوا عثمان وذمّوه بحرق المصاحف حتى لقّبه بعضهم (حَرَّاق المصاحف) فخطب فيهم علي بن أبي طالب، وأنكر عليهم غلوَّهم، وبيّن لهم أنه لم يحرق المصاحف إلا عن إجماع من الصحابة رضي الله عنهم لما رأوا من اختلاف الناس في القرآن.
قال عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا يزيد بن زريع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: « عابوا على عثمان رضي الله عنه تشقيق المصاحف، وقد آمنوا بما كتب لهم، انظر إلى حمقهم» رواه عمر بن شبة.
ورواه أبو عبيد ولفظه: « ألا تعجب من حمقهم؛ كان مما عابوا على عثمان تمزيقه المصاحف، ثم قبلوا ما نسخ »). [جمع القرآن:104 - 105]


رد مع اقتباس
  #38  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 01:39 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

موقف ابن مسعود من جمع عثمان رضي الله عنهما:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (موقف ابن مسعود من جمع عثمان رضي الله عنهما:
كان ابن مسعود رضي الله عنه من كبار قرّاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أخذ من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وكان من معلّمي القرآن على زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم.


قال مسروق: كنا نأتي عبد الله بن عمرو، فنتحدث إليه؛ فذكرنا يوما عبد الله بن مسعود؛ فقال: لقد ذكرتم رجلاً لا أزال أحبّه بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد - فبدأ به - ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة ». رواه مسلم.
وروى الإمام أحمد وابن ماجه والنسائي في السنن الكبرى وغيرهم من طرق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل؛ فليقرأه على قراءة ابن مسعود »
وعن عيسى بن دينار الخزاعي عن أبي عن عمرو بن الحارث بن المصطلق رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد.
وكان الصحابة يعرفون لابن مسعود إمامته وفضله وحسن قراءته، وسابقته في الدين.
قال عبد الرحمن بن يزيد: سألنا حذيفة عن رجلٍ قريب السَّمْتِ والهَدْيِ من النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتى نأخذَ عنه، فقال: « ما أعرفُ أحداً أقربَ سمتاً وهدياً ودلاً بالنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من ابن أمِّ عبْدٍ » رواه البخاري.
وبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة معلّماً ووزيراً؛ فكان يقرئ الناس في الكوفة مدة خلافة عمر وصدر خلافة عثمان؛ ونفع الله به به نفعاً مباركاً؛ وكان يقرئهم كما أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو موسى الأشعري يقرئ أهل البصرة، وكان من قرّاء الصحابة رضي الله عنه.
روى أبو الضحى، عن مسروق قال: كان عبد الله وحذيفة وأبو موسى في منزل أبي موسى، فقال حذيفة: (أما أنت يا عبد الله بن قيس فبُعثتَ إلى أهل البصرة أميرا ومعلما، وأخذوا من أدبك ولغتك ومن قراءتك، وأما أنت يا عبد الله بن مسعود فبُعثت إلى أهل الكوفة معلما؛ فأخذوا من أدبك ولغتك ومن قراءتك؛ فقال عبد الله: أما إني إذا لم أضلَّهم، وما من كتاب الله آية إلا أعلم حيث نزلت، وفيم نزلت، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني، تبلغنيه الإبل لرحلت إليه). رواه ابن أبي داوود.
وفي رواية عند عمر بن شبّة أن حذيفة قال لهما: «أما إنكما إن شئتما أقمتما هذا الكتاب على حرف واحد، فإني قد خشيت أن يتهوَّن الناس فيه تهوُّنَ أهل الكتاب»

فكان حذيفة يرى اختلاف الناس في القراءة وتنازعهم، ويخشى أن تقع بينهم فتنة وتفرّق بسبب اختلافهم وتنازعهم، وكان شديد التوقي من الفتن، عظيم النصح للأمّة، مسموع الكلمة عند الخلفاء الراشدين، ولعله رأى تكرر الاختلاف فعاود النصيحة.
قال أبو الشعثاء: كنا جلوسا في المسجدِ وعبد الله يقرأ؛ فجاء حذيفة فقال: (قراءة ابن أم عبْد وقراءة أبي موسى الأشعري!! والله إن بقيت حتى آتي أمير المؤمنين، يعني عثمان، لأمرته بجعلها قراءة واحدة.
قال: فغضب عبد الله؛ فقال لحذيفة كلمة شديدة.
قال: فسكت حذيفة). رواه ابن أبي داوود في المصاحف.

فلما تفاقم الأمر ووقعت الخصومة وكادت أن تحدث فتنة واختلاف؛ لم يجد حذيفة بدّا من رفع الأمر إلى عثمان؛ كما سبق ذكره.
قال ابن فضيل: حدثنا حصين، عن مرة قال: ذُكر لي أن عبد الله وحذيفة وأبا موسى فوق بيت أبي موسى فأتيتهم، فقال عبد الله لحذيفة: (أما إنه قد بلغني أنك صاحب الحديث قال: أجل، كرهت أن يقال: قراءة فلان وقراءة فلان؛ فيختلفون كما اختلف أهل الكتاب.
قال: وأقيمت الصلاة، فقيل لعبد الله: تقدم صلّ، فأبى، فقيل لحذيفة: تقدم، فأبى، فقيل لأبي موسى: تقدم فإنَّك رب البيت). رواه ابن أبي داوود.

وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يأمر المتعلّمين أن يقرأ كلٌّ منهم كما عُلّم، وأن لا ينكر على من قرأ قراءة صحيحة؛ بل ربما اشتدّ على من يسأل عن الأحرف مخافة أن يضرب السائل بعض القراءات ببعض، ويصرف نظره إلى التدبّر والتفكر والعمل.
قال أبو وائل شقيق بن سلمة: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف؟ ألفا تجده أم ياء {من ماء غير أسن}، أو [من ماء غير ياسن]؟
قال: فقال عبد الله: وكلَّ القرآن قد أحصيتَ غير هذا؟!!
قال: إني لأقرأ المفصَّلَ في ركعة!
فقال عبد الله: «هذّا كهذّ الشِّعر! إنَّ أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع »رواه مسلم.
وكان يسير في تعليم الناس القرآن على الطريقة التي تعلّمها من النبي صلى الله عليه وسلم.
لكنَّ أمر الخلاف تفاقم، ولم يسع الصحابة رضي الله عنهم إلا جمع الناس على مصحف واحد.
فلما اجتمع رأيهم على ذلك بالمدينة، وكان ابن مسعود نائياً في العراق، وكان عثمان قد اختار زيد بن ثابت لعلمه بالكتابة والخطّ، وكان أكتبَ الناسِ في زمانه، وجعل معه من جعل من القراء والكتبة والمملين، ولم يجعل ابن مسعود منهم شقّ ذلك على ابن مسعود لأنَّ ذلك يفضي إلى ترك بعض الأحرف التي قرأ بها وتلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يختار القراءة التي جمع عثمان عليها الناس، ولم يكن غضبُه لمجرّد أنه لم يوكل إليه جمع القرآن كما يغضب المرء على فوات منصب أو نهزة شرف، كما توهَّمه من لم يقدر فضل ابن مسعود وعلمه وزهده في المنصب وما يحرص عليه أهل الدنيا.
لكنَّه رأى أنه لو جُعل مع النفر الذين أوكل إليهم جمع القرآن وتوحيد رسمه لكان أدعى لحفظ الحروف التي يقرأ بها مما تلقّاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغضب أن تُرك مع أنه كان من المعلّمين على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الزمان، وهو نحو ثلاثين سنة أو تزيد، وكان مقدَّما في إقراء القرآن وتعليمه، فلمّا اجتمع الناس لكتابة المصاحف لم يكن ممن يُستدعى لهذا الأمر الجلل، ويؤخذ من علمه فيه.
وقد سبق ذكر الحديث الذي فيه اختلاف بعض الأحرف التي قرأ بها ابن مسعود عن الأحرف التي قرأ بها أبيّ.
وكان أبيّ ممن يَرجع إليه النفر الذين كلّفهم عثمان كتابة المصاحف، وكان من ضرورة التنظيم الذي رسمه عثمان رضي الله عنه أن يختلف اختيار أولئك القراء في بعض الأحرف عما يقرأ به ابن مسعود، وأن تجتمع كلمة المسلمين على ذلك الاختيار، ولذلك شقّ هذا الأمر جداً على ابن مسعود رضي الله عنه، ولم يشقّ على أبيّ؛ فإنَّ أُبيّا دفع مصحفه الذي كتبه بخطّ يده إلى عثمان طيبة به نفسه لما اطمأنّ إلى صحة الجمع وجودة مراجعته؛ فأحرقه عثمان فيما أحرق من المصاحف.
وأمّا ابن مسعود فقام في الناس خطيباً واستنكر هذا الجمع أوّل الأمر لمّا بلغه، ثمّ إنه لمّا تبيّن له أن المصير إليه هو الحقّ رضي ما رضيه عثمان وسائر الصحابة واجتمعت عليه كلمة المسلمين.
- قال عبدة بن سليمان: حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله أنه قال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة }، ثم قال: (على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟!! فلقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أنَّ أحداً أعلم مني لرحلتُ إليه).
قال شقيق: (فجلست في حلق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه ولا يعيبه). رواه مسلم
- ورواه النسائي من طريق أبي شهاب الحناط، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود فقال: «كيف تأمروني أقرأ على قراءة زيد بن ثابت بعد ما قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة، وإن زيدا مع الغلمان له ذؤابتان».
- ورواه ابن أبي داوود من هذا الطريق بسياق أتمّ
عن أبي وائل أنه قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: « {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} غُلُّوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما أنزل من القرآن إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، ما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته».
قال أبو وائل: (فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق فما أحد ينكر ما قال).
- وروى أبو الضحى، عن مسروق أنه قال: قال عبد الله حين صُنِعَ بالمصاحف ما صنع: «والذي لا إله غيره ما أنزلت من سورة إلا أعلم حيث أنزلت، وما من آية إلا أعلم فيما أنزلت، ولو أني أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لأتيته» رواه ابن أبي داوود.
- روى إسرائيل، عن جدّه أبي إسحاق السبيعي، عن خُمَير بن مالك قال: ( لما أمر بالمصاحف تغير ساء ذلك عبد الله بن مسعود؛ فقال: (من استطاع منكم أن يغلَّ مصحفه فليغله، فإن من غلَّ شيئاً جاء به يوم القيامة)
ثم قال: (قرأتُ من فمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة [وزيد صبي]؛ أفأترك ما أخذتُ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟). رواه أحمد وعمر بن شبة والطبراني وابن أبي داوود، وما بين المعكوفين عندهم ما عدا أحمد، ورواه أبو داوود الطيالسي من طريق عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق السبيعي به.
- وقال عبد الله بن عون: حدثني عمرو بن قيس، عن عمرو بن شرحبيل أبي ميسرة الهمداني، قال: أتى عليَّ رجل وأنا أصلي، فقال: (ألا أراك تصلي وقد أمر بكتاب الله أن يُمزَّق)
قال: فتجوَّزت في صلاتي وكنت لا أُحبَس، فدخلتُ الدَّار ولم أُحبس، ورَقَيت فلم أُحبَس، فإذا أنا بالأشعري، وإذا حذيفة وابن مسعود يتقاولان، وحذيفة يقول لابن مسعود:
« ادفع إليهم المصحف »
فقال: « والله لا أدفعه ».
فقال: « ادفعه إليهم، فإنَّهم لا يألون أمة محمد إلا خيراً »
قال: « والله لا أدفعه إليهم، أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وسبعين سورة وأدفعه إليهم؟!! والله لا أدفعه إليهم » رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن، والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك.

ثمّ إنّ موقفه هذا قد كرهه جماعة من كبار الصحابة وقرائهم وأنكروه.
- قال ابن شهاب الزهري: (بلغني أن كَرِهَ من مقالة ابن مسعود رجال أفاضل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم). رواه أبو عبيد في فضائل القرآن، والترمذي في سننه، وأبو يعلى في مسنده.
- وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة أنه قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال: «كُنَّا نَعُدّ عبدَ الله حَنَّانا فما بالُه يواثِبُ الأمراء» رواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق.

ثمّ إنّ ابن مسعود رضي الله عنه قد رجع عن موقفه هذا إلى موافقة ما اجتمعت عليه كلمة الصحابة رضي الله عنهم.
قال كثير بن هشام الكلابي: حدثنا جعفر بن برقان، قال: حدثنا عبد الأعلى بن الحكم الكلابي: أتيت دار أبي موسى الأشعري، فإذا حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري فوق إجَّار لهم، فقلت: هؤلاء والله الذين أريد فأخذت أرتقي إليهم، فإذا غلام على الدرجة فمنعني فنازعته فالتفت إليَّ بعضهم قال: خلِّ عن الرجل فأتيتهم حتى جلستُ إليهم، فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان، وأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه؛ فقال أبو موسى: (ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها، وما وجدتم من نقصان فاكتبوه)
فقال حذيفة: كيف بما صنعنا؟!! والله ما أحد من أهل هذا البلد يرغب عن قراءة هذا الشيخ، يعني ابن مسعود، ولا أحد من أهل اليمن يرغب عن قراءة هذا الشيخ، يعني أبا موسى الأشعري).
قال عبد الأعلى: (وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان رضي الله عنه بجمع المصاحف على مصحف واحد، ثم إن الصلاة حضرت؛ فقالوا لأبي موسى الأشعري: تقدم فإنا في دارك، فقال: لا أتقدم بين يدي ابن مسعود، فتنازعوا ساعة، وكان ابن مسعود بين حذيفة وأبي موسى فدفعاه حتى تقدَّم فصلَّى بهم). رواه عمر بن شبة وابن أبي داوود.

وكان ابن مسعود بعد ذلك يسكّن الناسَ في أمر الاختلاف في القراءات، ويخبرهم أن اختلاف الأحرف ليس باختلاف في معاني القرآن، وأنّ كلّ حرف منها كافٍ شافٍ، وأنّ من قرأ على قراءة فليثبت عليها ولا يشكنّ فيها ولا يدعنّها رغبة عنها.

قال فلفلة الجعفي: فَزعتُ فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: «إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وإن الكتاب قبلكم كان ينزل من باب واحد على حرف واحد، معناهما واحد». رواه ابن أبي داوود.
- روى الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (قد سمعت القراء، فوجدتهم مقاربين، فاقرأوا كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال). رواه عمر بن شبة.
- وروى عبد الرحمن بن عابس النخعي عن رجل من همدان من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه أنه اجتمع إلى ابن مسعود ناسٌ من أهل الكوفة فقرأ عليهم السلام، وأمرهم بتقوى الله، وألا يختلفوا في القرآن ولا يتنازعوا فيه فإنه لا يختلف ولا يتشانّ ولا يَتْفَه لكثرة الردّ..
وقال لهم: (ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة حدودها وفرائضها وأَمْرَ اللهِ فيها، فلو كان شيء من الحرفين يأمر بشيء وينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع ذلك كله). رواه عمر بن شبة.
وفي رواية عند أحمد: (إن هذا القرآن لا يختلف ولا يستشنّ ولا يتفه لكثرة الرد، فمن قرأه على حرف فلا يدعه رغبة عنه، ومن قرأه على شيء من تلك الحروف التي علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يدعه رغبة عنه، فإنه من يجحد بآية منه يجحد به كله، فإنما هو كقول أحدكم لصاحبه: اعجل، وحيَّ هلا).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده، بل قد يكون معناها متفقا أو متقاربا كما قال عبد الله بن مسعود: "إنما هو كقول أحدكم: أقبل، وهلم، وتعال".
وقد يكون معنى أحدها ليس هو معنى الآخر، لكن كلا المعنيين حق، وهذا اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض)ا.هـ). [جمع القرآن:106 - 115]


رد مع اقتباس
  #39  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 02:36 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الباب السابع: كتابة المصاحف العثمانية

كتابة المصاحف العثمانية
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (كتابة المصاحف العثمانية
روى أهل الحديث والأثر في شأن كتابة المصاحف التي أمر الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه بكتابتها جملة من الآثار الصحيحة والحسنة، ورويت روايات أخرى في بعضها نكارة.

والذي تلخص لي من مجموع الروايات المقبولة في هذه القضية ما يلي:

- أن عثمان رضي الله عنه لما عزم على جمع الناس على مصحفٍ إمامٍ قام في الناس خطيباً؛ فذكر لهم ما رآه وما بلغه من اختلاف الناس في شأن القراءات، وما يحذره على الأمّة من الفتنة والخصومة والتفرق؛ فاجتمعت كلمتهم على ما رآه عثمان وما أُشيرَ به عليه.
- فعزم عثمان على كلّ من بيده صحيفة أو مصحف كُتب فيه قرآن أن يأتي به؛ فاستجابوا له كلُّهم، ولم يُذكر عن أحد منهم أنه امتنع إلا ما كان من ابنِ مسعود في أوّل الأمر ولم يكن بالمدينة في ذلك الوقت، ثم إنه قد رجع عن رأيه.
- طلب عثمان البيّنة على كلّ واحد بصحّة كتابته وأنها من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه.
- أرسل عثمان إلى حفصة لِتُرسل إليه المصحف الذي كُتب على عهد أبي بكر رضي الله عنه.
- أخذ الصحفَ التي قامت البيّنة بصحتها، والمصحفَ الذي جُمع على عهد أبي بكر، ووكّل زيد بن ثابت ومن معه بجمع تلك الصحف في مُصحف واحد.
- تولّى زيد بن ثابت عملَ الجمعِ، وكان الذي يُملي عليه سعيد بن العاص، وكان معه كَتَبَةٌ آخرون اختلف في عددهم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
- ما اتّفق من تلك الصُّحف كتبوه على الاتفاق، وما كان فيها من اختلاف أخَّروه، حتى يُرفع إلى عثمان.
- اجتهد عثمان ومن معه من قرّاء الصحابة في الاختيار بين الأحرف المختلفة بما يوافق لسان قريش والعرضة الأخيرة.
- لما فرغوا من المصحف الإمام عُرض مرة أخرى على عثمان، وكان ربما بعث إلى أبيّ بن كعب يسأله عن بعض الأحرف فيكتب له ما يختار منها.
- كان عثمان يتعاهدهم في جميع مراحل عملهم، وهو الذي نظّم لهم العمل ورسم لهم طريقته.
- لما تمّ جمع النسخة الأولى من المصحف من مجموع تلك الصحف عُرض مرّة أخرى على عثمان فلم يجدوا فيه شيئاً من الاختلاف لم يحسم أمره، وكانوا قبل ذلك قد اختلفوا في (التابوت) فكان قراء الأنصار يقرؤونها (التابوه) وقراء المهاجرين يقرؤونها (التابوت).
- لما طابت نفسُ عثمان بصحة ما جمع في نسخة الأصل، أمر بنسخ مصاحف أخرى من المصحف الإمام، واختلف في عددها على ما سيأتي بيانه.
- لما تمّ نسخ المصاحف أمر عثمان بإعادة مصحف أبي بكر إلى حفصة، ثم أمر ببقية المصاحف أن تُحرّق، وكان ذلك بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.

والملخص السابق مستفاد من مجموع الآثار التي ترجّح لي صحتها أو حسنها، وقد وقع في بعضها إجمال وفي بعضها تفصيل، ومن تلك الآثار:
1. ما رواه الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه أنه قال: (فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان؛ فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمانُ للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفقٍ بمصحفٍ مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق). رواه البخاري والترمذي والنسائي في الكبرى وابن حبان والبيهقي.

2. وما رواه الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه رضي الله عنه أنه قال:
(نسخت الصحف في المصاحف، ففقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين» وهو قوله: {من المؤمنين، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} فألحقناها في سورتها في المصحف). رواه البخاري في صحيحه.
ورواه الترمذي وابن حبان والبيهقي وزادوا: (
قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه، فقال القرشيون: التابوت، وقال زيد: التابوه، فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه التابوت؛ فإنه نزل بلسان قريش).
ورواية الزهري ههنا في الخلاف في التابوت مرسلة، ورواها الطحاوي في شرح مشكل الآثار موصولة بسياق آخر فقال: حدثنا يونس قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه فذكر الحديث، وفيه:
قال زيد: (فأمرني عثمان أن أكتب له مصحفا، وقال: إني جاعل معك رجلا لبيبا فصيحا، فما اجتمعتما فيه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلي؛ فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص فلما بلغ: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت}
قال زيد: فقلت أنا: التابوه، وقال أبان: {التابوت}، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب: التابوت، ثم عرضته، يعني المصحف، عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئا، وأرسل عثمان إلى حفصة أن تعطيه الصحيفة وحلف لها ليردنها إليها، فأعطته؛ فعرضت المصحف عليها فلم يختلفا في شيء؛ فردها عليها وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا المصاحف).
ونعيم بن حماد ثقة يخطئ كثيراً، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ثقة من رجال مسلم لكنه انتُقد فيما يحدّث به من حفظه، ولذلك فما في هذا الأثر مما يخالف ما صحّ من الآثار فلا يقبل.

3. وفي رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق السبيعي ، عن مصعب بن سعد، أنَّ عثمان عزم على كل من كان عنده شيء من القرآن إلا جاء به، قال: فجاء الناس بما عندهم، فجعل يسألهم عليه البينة أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم). رواه عمر بن شبة.

4. وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد أن عثمان قال في خطبته: (فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به) وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرةً، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلاً رجلاً فناشدهم لسمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملاه عليك؟
فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: (من أَكْتَبُ الناسِ؟)
قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت.
قال: (فأيّ الناسِ أعرب؟)
قالوا: سعيد بن العاص.
قال عثمان: (فليملَّ سعيدٌ وليكتب زيد) فكتب زيد، وكتب مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد يقول: قد أحسن). رواه ابن أبي داوود.

5. وروى علقمة بن مرثد عن العيزار بن جرول عن سويد بن غفلة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن عثمان قال في خبر جمع المصاحف: «فأي الناس أقرأ؟»
قالوا: زيد بن ثابت.
قال: «فأي الناس أفصح وأعرب؟»
قالوا: سعيد بن العاص.
قال: «فليكتب سعيد وليمل زيد»
قال: فكانت مصاحف بعث بها إلى الأمصار، قال علي: «والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل» رواه عمر بن شبة.
وهذا قَلْبٌ من الرواي أو خطأ من الناسخ، والصواب: (فليكتب زيد، وليملّ سعيد).

6. وروى ابن شهاب الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه قال: «فأمرني عثمان رضي الله عنه أن أكتب له مصحفا؛ فكتبته، فلما فرغت منه عرضه ». رواه عمر بن شبة.

7. وروى هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح أنه قال: (لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت قال فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر، فجيء بها.
قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه.
قال محمد: فقلت لكثير - وكان فيهم فيمن يكتب -: هل تدرون: لم كانوا يؤخرونه؟
قال: لا

قال محمد: فظننت ظناً، إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الآخرة فيكتبونها على قوله). رواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف واللفظ له، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة.

8. قال عبد الله بن المبارك: حدثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن، عن هانئ البربري مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب، فيها «لم يتسن» ، وفيها «لا تبديل للخلق» ، وفيها «فأمهل الكافرين» .
قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين، وكتب {لخلق الله}، ومحا «فأمهل»، وكتب {فمهّل}، وكتب {لم يتسنَّه} ألحق فيها الهاء). رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن، وابن جرير الطبري.
وأبو وائل هو عبد الله بن بحير بن ريسان المرادي قاصّ أهل صنعاء، وثّقه يحيى بن معين وابن حبان.
وقال علي ابن المديني: سمعتُ هشام بن يوسف وسئل عن عبد الله بن بحير القاصّ الذي روى عن هانئ مولى عثمان، فقال: (كان يُتقن ما سمع)


تنبيه:
قول أنس بن مالك فيما رواه البخاري: ((فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان؛ فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف).
يشعر أن مصحف أبي بكر جُعل أصلاً لتنسخ منه المصاحف، وهو أثر صحيح الإسناد.
وقول زيد بن ثابت فيما رواه الطحاوي: (وأرسل عثمان إلى حفصة أن تعطيه الصحيفة وحلف لها ليردنها إليها، فأعطته؛ فعرضت المصحف عليها فلم يختلفا في شيء؛ فردها عليها وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا المصاحف).
يشعر أن زيد بن ثابت ومن معه كتبوا المصحف الأصل أولاً ثم عرضوه على ما كتب في عهد أبي بكر، ولو صحّ عن زيد لكان مقدماً على قول أنس لأن زيداً هو صاحب الشأن وأدرى بتفصيله، لكن الإسناد إليه لا يعتمد عليه مع ما فيه من المخالفة.

تنبيه آخر:
قال إبراهيم بن يوسف السعدي: حدثني أبو المحياة، عن بعض أهل طلحة بن مصرف قال: (دفن عثمان المصاحفَ بين القبر والمنبر) رواه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف.
وهذا الخبر ضعيف الإسناد لجهالة شيخ أبي المحياة.
والصحيح الثابت أنه أحرقها كما تقدم من غير وجه، ولو صحّ هذا الخبر لأمكن أن يُحمل على دفنها بعد حرقها). [جمع القرآن:
117 - 124]


رد مع اقتباس
  #40  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 02:44 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

عدد المصاحف العثمانية

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (عدد المصاحف العثمانية
اختلف العلماء في عدد المصاحف التي أمر عثمان بكتابتها، وأصحّ ما روي في هذا الباب ما رواه البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ عثمان "أرسل إلى كل أفقٍ بمصحفٍ مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق".
وهذا مشعر بالكثرة من غير تحديد، ولا يلزم منه أن يكون الإرسال دُفعةً واحدةً.

وأقلّ ما قيل في عددها أنها كانت أربعة مصاحف: أبقى واحداً منها في المدينة، وبعث إلى الشام مصحفاً وإلى الكوفة والبصرة مصحفاً مصحفاً.
- وروى ابن أبي داوود عن عبد الأعلى بن الحكم الكلابي أنه دخل على حذيفة وابن مسعود وأبي موسى الأشعري؛ فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان وأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه).
والذي يظهر أنّ اجتماعهم كان في البصرة لما ذُكر في الأثر أنهم لما حضرتهم الصلاة قدّموا أبا موسى ليصلي بهم لأنهم في داره، وكان أبو موسى أمير البصرة.
- وقال إبراهيم النخعي: (قال رجل من أهل الشام: مصحفنا ومصحف أهل البصرة أحفظ من مصحف أهل الكوفة). فذكر الخبر، وهو في كتاب المصاحف لابن أبي داوود من طريق جرير عن مغيرة عن إبراهيم.
- وروى إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه قال: «إنَّ أول مَن جمع القرآن في مصحف وكتبه عثمانُ بن عفان، ثم وضعه في المسجد فأمر به يُقرأ كلَّ غداة» رواه عمر بن شبة.
وفي الصحيحين من حديث يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف.
فقلت: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة!
قال: « فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها».

وهذه الأسطوانة كانت تسمّى أسطوانة المهاجرين لأنهم كانوا يجلسون إليها ويتحدثون عندها.
وذكر ابنُ رجب في شرحه على صحيح البخاري أنها متوسطة في الروضة الشريفة؛ فهي الأسطوانة الثالثة من القبر الشريف، والثالثة من المنبر، والثالثة من القبلة.
وقال ابن حجر: (قوله: (التي عند المصحف) هذا دالٌّ على أنه كان للمصحف موضع خاص به، ووقع عند مسلم بلفظ "يصلي وراءَ الصندوق" وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه)ا.هـ.
قلت: وهذا الصندوق كان يُسمَّى "الرَّبْعة".

والمقصود أن هذه الآثار أفادت الخبر عن أربعة مصاحف: مصحف المسجد النبوي بالمدينة، ومصحف الشام، ومصحف الكوفة، ومصحف البصرة.

- قال حمزة الزيات القارئ: (كتب عثمان أربعةَ مصاحف، فبعث بمصحف منها إلى الكوفة، فوُضِعَ عند رجل من مُراد، فبقي حتى كتبتُ مصحفي عليه). رواه ابن أبي داوود.
- وقال ابن حجر في فتح الباري: (واختلفوا في عدة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق فالمشهور أنها خمسة).
فيكون خامسها المصحف الذي أمسكه لنفسه، وهو الذي يُدعى المصحف الإمام.
- وقال ابن أبي داوود: سمعت أبا حاتم السجستاني قال: (لما كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن، كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا).
- وقال أبو عمرو الداني: (أكثر العلماء على أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدة منهن؛ فوجّه إلى الكوفة إحداهن، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة، وقد قيل إنه جعله سبع نسخ، ووجّهَ من ذلك أيضاً نسخة إلى مكة، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأوَّلُ أصحّ وعليه الأئمة)ا.هـ.
- وقال ابن الجزري في النشر: (فكتب منها عدة مصاحف، فوجه بمصحف إلى البصرةِ، ومصحف إلى الكوفةِ، ومصحف إلى الشامِ، وترك مصحفاً بالمدينة، وأمسك لنفسه مصحفاً الذي يقال له: "الإمام"، ووجَّهَ بمصحف إلى مكة، وبمصحف إلى اليمن، وبمصحف إلى البحرين)ا.هـ.
فهذه ثمانية مصاحف.

وأيَّا ما كان عدد تلك المصاحف التي كُتبت في أوَّل الأمر؛ فإنّ القراء في كلّ أُفُقٍ قد استنتسخوا منها نسخاً كثيرة، وأقبلَ الناس على كتابة المصاحفِ حتى كثر عددها، وانتشرت في البلدان.
وقد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث بن يعقوب عن بكير بن عبد الله بن الأشج(ت:117هـ): أنَّ عثمان رضي الله عنه أمر بجمع المصاحف فأحرقها ثم بثَّ في الأجناد التي كتب.
وهذا الأثرُ وإن كان منقطعاً من جهة أنَّ بكيراً لم يدرك عثمان إلا أنَّ هذا الخبر مما استفاض العلمُ به لديهم، وغير بعيد أن يكون بكيرٌ قد أدرك بعض الكَتبةِ، وبكير بن الأشج من العلماء الأثبات، قال فيه علي بن المديني: (لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبكير بن عبد الله بن الأشج)). [جمع القرآن:125 - 128]


رد مع اقتباس
  #41  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 02:50 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

مصير مصحف عثمان

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (مصير مصحف عثمان

قال ابن وهب: سألتُ مالكاً عن مصحف عثمان رضي الله عنه فقال لي: «ذهب» رواه ابن أبي داود.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: (رأيت في الإمامِ مصحفِ عثمانَ بن عفان - استُخرج لي من بعض خزائن الأمراء ورأيت فيه دمه - في سورة البقرة " خطيكم " بحرف واحد والتي في الأعراف " خطيئتكم " بحرفين). رواه أبو عمرو الداني في المقنع.
وذكر نور الدين السمهودي (ت:911هـ) في كتابه "الوفاء بأخبار دار المصطفى" أن هذا النصّ في كتاب "القراءات" لأبي عبيد، وهو مفقود اليوم.
وقال ابن الجزري في النشر في مسألة رسم (ولات حين): (رأيتها مكتوبة في المصحف الذي يقال له: "الإمام" مصحف عثمان رضي الله عنه (لا) مقطوعة والتاء موصولة بحين، ورأيت به أثر الدم، وتبعت فيه ما ذكره أبو عبيد؛ فرأيته كذلك، وهذا المصحف هو اليوم بالمدرسة الفاضلية من القاهرة المحروسة)ا.هـ.

قال السمهودي في تعقيبه على كلام أبي عبيد: (وردَّه أبو جعفر النحاس بما تقدم من كلام مالك.
قال الشاطبي: وأباه المنصفون لأنه ليس في قول مالك «تغيّب» ما يدل على عدم المصحف بالكلية بحيث لا يوجد؛ لأن ما تغيَّب يُرجى ظهوره).
قال السمهودي: (قلت: فيحتمل أنه بعد ظهوره نقل إلى المدينة، وجُعل بالمسجد النبوي.
لكن يوهن هذا الاحتمال أن بالقاهرة مصحفا عليه أثر الدم عند قوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} الآية كما هو بالمصحف الشريف الموجود اليوم بالمدينة، ويذكرون أنه المصحف العثماني، وكذلك بمكة، والمصحف الإمام الذي قتل عثمان رضي الله عنه وهو بين يديه لم يكن إلا واحداً، والذي يظهر أنَّ بعضهم وضعَ خَلُوقاً على تلك الآية تشبيهاً بالمصحف الإمام)ا.هـ.

ويؤيّد ما ذهب إليه السمهودي ما رواه عمر بن شبّة في تاريخ المدينة عن محرز بن ثابت مولى مسلمة بن عبد الملك، عن أبيه قال: كنت في حرس الحجاج بن يوسف، فكتب الحجاج المصاحف، ثم بعث بها إلى الأمصار، وبعث بمصحف إلى المدينة، فكره ذلك آل عثمان، فقيل لهم: أخرجوا مصحف عثمان يُقرأ، فقالوا: أصيب المصحفُ يومَ قتل عثمان رضي الله عنه.
قال محرز: (بلغني أن مصحف عثمان بن عفان صار إلى خالد بن عمرو بن عثمان).
قال: (فلما استُخلِف المهديُّ بعثَ بمصحفٍ إلى المدينة؛ فهو الذي يقرأ فيه اليوم، وعزل مصحف الحجاج، فهو في الصندوق الذي دون المنبر)). [جمع القرآن:128 - 129]


رد مع اقتباس
  #42  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 02:52 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

أسماء كتبة المصاحف العثمانية

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أسماء كتبة المصاحف العثمانية
اختُلف في عدد الكَتَبةِ الذين كتبوا المصاحف العثمانية
- ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عثمان أمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوا الصحف التي كانت عند حفصة في المصاحف.
- وفي كتاب المصاحف من حديث ابن سيرين عن كثير بن أفلح أن عثمان جمع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، منهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت.
- وذكر ابن سيرين أن كثير بن أفلح مولى أبي أيّوب الأنصاري كان من كتاب المصاحف.
- وروى ابن أبي داوود في كتاب المصاحف من طريق عمارة بن غزية عن خارجة بن زيد أن الذي كان يملي على زيد هو أبان بن سعيد بن العاص، وهو وهم، والصواب أنه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أبي أمية، وهو معدود في صغار الصحابة رضي الله عنهم، وأبان بن سعيد عمّه قتل يوم أجنادين في أوّل خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال الحافظ في الفتح: (قال الخطيب: ووهم عمارة في ذلك لأن أبانَ قتل بالشام في خلافة عمر، ولا مدخل له في هذه القصة، والذي أقامه عثمان في ذلك هو سعيد بن العاص ابن أخي أبان المذكور).ا.هـ.

وقد عُدّ منهم مالك بن أبي عامر الأصبحي الحميري(ت:74هـ) جدّ الإمام مالك بن أنس، وكان من القراء زمن عثمان بن عفان، وهو من أمدادِ حِمْيَر ليس معدوداً من المهاجرين ولا من الأنصار.
قال الإمام مالك في الموطأ: «ولا بأس بالحلية للمصحف، وإنَّ عندي مصحفا كتبه جَدّي إذْ كَتَب عثمان رضي الله عنه المصاحف، عليهِ فِضَّةٌ كثيرة».
وهذا ليس بنصٍّ على أنه كان من كُتّاب المصاحف العثمانية، وإنما يدلّ على أنَّه كتبه في ذلك الزمان؛ ويدلّ لذلك أنَّ هذا المصحف بقي في ملكه حتى ورثه حفيدُه الإمام مالك، ولو كان من المصاحف التي أُمر بكتابتها لمصلحة المسلمين لما كان له أن يتملَّكه.
وقد كَثُرَ استنساخُ المصاحف بعد أن جمع عثمان رضي الله عنه الناس على مصحف إمام؛ فالأظهر أن مراد الإمام مالك أن جدّه كتب ذلك المصحف لنفسه في ذلك الوقت.

قال ابن حجر: (ووقع من تسمية بقية من كتب أو أملى عند بن أبي داود مفرقا جماعة:
- منهم: مالك بن أبي عامر جدّ مالك بن أنس من روايته، ومن رواية أبي قلابة عنه.
- ومنهم: كثير بن أفلح كما تقدَّم.
- ومنهم أبيّ بن كعب كما ذكرنا.
-
ومنهم أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس وقع ذلك في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن ابن شهاب في أصل حديث الباب.
فهولاء تسعة عرفنا تسميتهم من الاثني عشر.

وقد أخرج بن أبي داود من طريق عبد الله بن مغفل وجابر بن سمرة قال: قال عمر بن الخطاب: (لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف) وليس في الذين سميناهم أحد من ثقيف، بل كلهم إمَّا قريشى أو أنصاري، وكأن ابتداء الأمر كان لزيد وسعيد للمعنى المذكور فيهما في رواية مصعب، ثم احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي تُرسل إلى الآفاق؛ فأضافوا إلى زيد مَن ذُكِرَ ثم استظهروا بأبيّ بن كعب في الإملاء)ا.هـ.

قلت: تقدّم ما يتعلّق بجدّ الإمام مالك، وأما عدّ ابن عباس وأنس بن مالك فإن كان مستنده إنما هو ما رواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع الأنصاري عن الزهريّ؛ فلا يصحّ؛ لأنه متروك الحديث لكثرة وهمه وضعف سَمْعِه، وقد قال فيه البخاري: (كثيرُ الوهم في الزهري)). [جمع القرآن:130 - 132]


رد مع اقتباس
  #43  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 02:56 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الجمع العثماني والأحرف السبعة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الجمع العثماني والأحرف السبعة
كانت المصاحف قبل جمع عثمان رضي الله عنه تكتب بحسب ما بلغ كاتبيها من القراءة التي تعلّموها؛ فيكتب كل واحد منهم مصحفه أو بعض السور على نحو ما أُقرئ، وكان القرآن يُقرأ على أحرف كما صحّت بذلك الأحاديث، وقد تقدّم بعضها.

فكانت مصاحف الصحابة والتابعين قبل جمع عثمان على وجوه من الأحرف السبعة؛
وكان ما أنزل الله من القرآن على الأحرف السبعة توسعة على الناس ورحمة بهم؛ فإنّ العرب كانت على قبائل مختلفة اللهجات وطرائق النطق، وحَمْل أهل كلّ لسان منهم على ما يخالف سجيتهم فيه مشقّة بالغة، ولا تستطيعه ألسنتهم إلا برياضة شديدة ومِرَان طويل، فكان من رحمة الله أن نزل القرآن على سبعة أحرف وكان الاختلاف في الأحرف السبعة على نوعين:
النوع الأول: اختلاف في طريقة نطق الحروف والكلمات كقراءة {الصراط} بالسين والصاد والزاي وبإشمام الزاي بالصاد؛ وهذه راجعة في الأصل إلى طريقةِ أهلِ كل لغةٍ من العرب في نطق هذه الكلمات.
والنوع الثاني: اختلاف في بعض الكلمات؛ كقوله تعالى: {وأتموا الحجّ والعمرة لله} وفي بعض الأحرف: [وأقيموا الحجّ والعمرة للبيت] ، وقوله تعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} وفي قراءة أخرى: [والذكر والأنثى]، وقوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وفي قراءة أخرى [وما أوتوا من العلم إلا قليلا]
وهذا النوع من الاختلاف منه ما نُسخت تلاوته، ومنه ما بقي حتى اجتمع الصحابة في عهد عثمان على جمع الناس على رسم واحد.

وأما النوع الأول من الاختلاف فقد قلَّ أثرُه بعد انتشار الإسلام وتداخل القبائل، واشتراك رجال تلك القبائل في الجهاد والغزوات، وفي سكنى بعض البلدان التي أنشئت بعد الفتوحات كالكوفة والبصرة وبعض حواضر الشام، وارتحل بعضهم لطلب العلم، وبعضهم للتجارة وطلب الرزق آمناً في بلاد المسلمين؛ وكثر ذلك منهم، حتى نشأ جيل ارتاضت ألسنتهم على التلاوة بلسان قريش، فلم يكن في جمع الناس على لسان قريش حرجٌ بعد ذلك.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر بالإقراء بلغة قريش.
قال محمد بن الصباح البزاز: حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن عبد الملك يعني ابن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جده، قال: كنت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقرأ رجل من سورة يوسف (عتا حين) ، فقال عمر رضي الله عنه: «من أقرأك هكذا؟» قال: ابن مسعود.
فكتب عمر رضي الله عنه إلى ابن مسعود: «أما بعد، فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسان عربي مبين، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام» رواه عمر بن شبة.
وقد اختار عثمان لإملاء المصاحف أعرب قريش لساناً وأفصحهم بياناً سعيد بن العاص، وكان فيما يذكرونَ عنه أشبهَ الناسِ لهجةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار لكتابة المصاحف أعلمَ الصحابة بالكتابة والخطّ زيد بن ثابت؛ فكان يكتب على نحو ما يُملي سعيد بن العاص في طريقة نُطْقِه وأَدائِه.

والعلاقة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة من دقيق مسائل جمع القرآن، وفيها خلاف كثير بين أهل العلم.
1. فذهب الحارث المحاسبي وابن جرير الطبري وابن القيّم وجماعة من أهل العلم إلى أن عثمان حمل الناس على حرف واحد من تلك الأحرف السبعة.
قال ابن جرير: (وجمعهم [أي:عثمان] على مصحف واحد، وحرف واحد، وخَرَّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزم على كل من كان عنده مُصحفٌ مخالفٌ المصحفَ الذي جمعهم عليه أن يخرقه؛ فاستوسقتْ له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أنّ فيما فعلَ من ذلك الرشدَ والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامُها العادلُ في تركها، طاعةً منها له، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدَها من سائر أهل ملتها، حتى دَرَست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها، فلا سبيلَ لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها وعُفُوِّ آثارها، وتتابعِ المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتَها وصحةَ شيء منها، ولكن نظرًا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها؛ فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيقُ الناصحُ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية)ا.هـ.
وهذا القول لا يصحّ لأنَّ المصاحف العثمانية لم تكن منقوطة ولا مشكولة وقد وقع بينها اختلاف في بعض المواضع في الرسم، وكان القراء يقرؤون من قراءاتهم بما وافق الرسم، ويدعون ما خالف الرسم، فقرؤوا من الأحرف السبعة ما وافق الرسم، وبذلك نشأت القراءات المعروفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ليست هذه القراءات السبعة هي مجموع حرف واحد من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها باتفاق العلماء المعتبرين).
وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي: (كُتب القرآن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم في قِطَعٍ من الجريد وغيره، تكون في القطعة الآية والآيتان وأكثر، وكان رسم الخطّ يومئذ يحتمل - والله أعلم - غالب الاختلافات التي في الأحرف السبعة، إذ لم يكن له شَكْل ولا نَقْط، وكانت تحذف فيه كثير من الألفات ونحو ذلك كما تراه في رسم المصحف، وبذاك الرسم عينه نُقِل ما في تلك القطع إلى صحف في عهد أبي بكر، وبه كتبت المصاحف في عهد عثمان، ثم صار على الناس أن يضبطوا قراءتهم، بأن يجتمع فيها الأمران: النقل الثابت بالسماع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، واحتمال رسم المصاحف العثمانية.
وبذلك خرجت من القراءات الصحيحة تلك التغييرات التي كان يترخَّص بها بعض الناس، وبقي من الأحرف الستة المخالفة للحرف الأصلي ما احتمله الرسم)
ا.هـ.

2. وذهب بعض أهل العلم إلى أنّ جمع عثمان يحتمل الأحرف السبعة كلها، وهو بعيد مخالف لمقصود جمع عثمان رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ذهب طوائف من الفقهاء والقراء وأهل الكلام إلى أن هذا المصحف مشتمل على الأحرف السبعة وقرر ذلك طوائف من أهل الكلام كالقاضي أبي بكر الباقلاني وغيره؛ بناء على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة)ا.هـ.
وقال الحافظ ابن الجزري في النشر: (ذهب جماعات من الفقهاء والقرّاء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وبنوا ذلك على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها)ا.هـ.
وهذا كما تراه استناد على غير الأثر.
وقال ابن الجزري في منجد المقرئين: (إذا قلنا: إنَّ المصاحف العثمانية محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أنزلها الله تعالى كان ما خالف الرسم يقطع بأنه ليس من الأحرف السبعة، وهذا قول محظور لأن كثيرا مما خالف الرسم قد صح عن الصحابة رضي الله عنهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم).
وقال أيضاً: (نحن نقطع بأن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقرؤون بما خالف رسم المصحف العثماني قبل الإجماع عليه من زيادة كلمة وأكثر، وإبدال أخرى بأخرى، ونقص بعض الكلمات كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، ونحن اليوم نمنع من يقرأ بها في الصلاة وغيرها منع تحريم لا منع كراهة، ولا إشكال في ذلك، ومن نظر أقوال الأولين علم حقيقة الأمر، وذلك أن المصاحف العثمانية لم تكن محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أبيحت بها قراءة القرآن كما قال جماعة من أهل الكلام وغيرهم بناء منهم على أنَّه لا يجوز على الأمة أن تُهمل نقل شيء من الأحرف السبعة)ا.هـ.

3. والراجح أن عثمان اختار من الأحرف السبعة ما وافق لغة قريش والعرضة الأخيرة وقراءة العامّة، وبقي الرسم العثماني محتملاً لبعض ما في الأحرف الأخرى.
قال مكيّ بن أبي طالب القيسي(ت:437هـ): (فالمصحف كتب على حرف واحد، وخطه محتمل لأكثر من حرف إذ لم يكن منقوطاً ولا مضبوطاً).
وقال في موضع آخر: (إن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه، واطرح ما سواه مما يخالف خطه).
وقال أحمد بن عمار المقرئ(ت:440هـ): (أصحُّ ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك إنما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن). نقله أبو شامة في المرشد الوجيز.
وقال ابن الجزري: (وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جبرائيل عليه السلام - متضمنة لها لم تترك حرفا منها).
قال: (وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدلُّ عليه وتشهد له).
وقال الحافظ ابن حجر: (والحق أن الذي جُمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي {تجري من تحتها الأنهار} في آخر براءة وفي غيره بحذف من، وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاءات، وعدة لامات، ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معاً)ا.هـ.

ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ المعوَّل في القراءة والإقراء على السماع، وإنما يُستفاد من الكتابة في أمرين:
الأمر الأول: أن يستعين القارئ بالمصحف على تذكّر ما قد ينساه؛ فيقرأه على نحو ما أُقرئ سماعاً.
والأمر الثاني: أن يُقرئ القرّاءُ في ذلك الزمان الناسَ بما وافق الرسم العثماني، وأن يدعوا الإقراء بما خالفه وإن كان صحيحاً.

ومن هنا نشأت القراءات المعروفة لأنّ القراء التزموا القراءة بالرسم العثماني، لكن بقي من الاختلاف في القراءات أربعة أنواع احتملهما الرسم في المصاحف العثمانية:
النوع الأول: الاختلاف في طرائق نطق بعض الحروف والكلمات؛ ويدخل في ذلك الاختلاف في الهمز والتسهيل والإبدال والإشمام والإمالة والإدغام والمدّ والقصر وغيرها، ومن هذا النوع الاختلاف في نطق الصاد في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} مع اتحاد رسمها في المصاحف بالصاد، والأصل في الكلمة (السراط) بالسين لأنها مشتقة من السَّرط، وقد نقل أبو منصور الأزهري عن بعض علماء اللغة أن السراط إنما سمّي سراطاً لأنّه يسترط المارّة؛ فعدول الصحابة إلى كتابة هذه الكلمة ونحوها بالصاد دون السين لا بد أن يكون له غرض، وقد اجتهد العلماء في تلمّس ذلك الغرض؛ فقال ابن الجزري: (انظر كيف كتبوا الصراط والمصيطرون بالصاد المبدلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك، وعُدَّت قراءة غير السين مخالفة للرَّسم والأصل).

والنوع الثاني: الاختلاف في ضبط بعض الكلمات وهو على قسمين:
- قسم لا يتغيّر به المعنى كالاختلاف في {ضَعْف} و{ضُعف} قرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد والباقون بضمها، و{ميسَرة} قرأها نافع {ميسُرة} بضمّ السين، والباقون بفتحها، وقوله تعالى: {بنُصْبٍ وعذاب} قرأها أبو جعفر {بنُصُبٍ} وقرأها يعقوب {بنَصَبٍ}، وقوله تعالى: {الرُّشْد} قرأه حمزة والكسائي [الرَّشَد] بفتح الرَّاء والشين، وهما لغتان، وغير ذلك كثير.
- وقسم يتغيّر به المعنى كالاختلاف في قوله تعالى: {يَطْهُرن} قرأه حمزة والكسائي: {يطَّهَّرن} والاختلاف في قوله: {فعدَلَك} قرأه الكوفيون بالتخفيف، والباقون بالتشديد {فعدَّلك}، وقوله: {بل عجبتَ ويسخرون} قرأه حمزة والكسائي بضمّ التاء {بل عجبتُ} والباقون بفتحها.
- وقريب من هذا القسم الاختلاف في نطق الأحرف المتقاربة مع اتحاد الرسم كالاختلاف في قوله: {ظنين} و{ضنين}، وقد يختلف الرسم اختلافاً يسيراً كما في قوله تعالى: {ونزل الملائكة تنزيلا} بنون واحدة في أكثر المصاحف، وفي المصحف المكي بنونين: [ونُنْزِل الملائكة] وهي قراءة ابن كثير المكّي.

والنوع الثالث: الاختلاف الذي يكون سببه عدم النقط؛ فإنَّ الكتابة في ذلك الوقت لم تكون منقوطة ولا مشكولة، ولذلك احتمل الرسم أن يقرأ نحو قول الله تعالى: {وما الله بغافل عما يعملون} بالياء وبالتاء، وقوله: {فتبينوا} قرئ: {فتثبتوا} إذ كان كلّ ذلك من الأحرف التي قرئ بها القرآن، والرسم يحتملها لعدم النقط في زمن الجمع العثماني.

والنوع الرابع: ما اختلف فيه الرسم بين المصاحف العثمانية، وهي أحرف يسيرة نقلها الرواة، ومن أمثلتها ما كتب في بعض المصاحف في سورة الحديد: {فإن الله هو الغني الحميد} وفي المصحف المدني والشامي [فإنّ الله الغني الحميد] بغير (هو) وهي قراءة نافع المدني وابن عامر الشامي، وقوله تعالى في سورة التوبة {تجري تحتها الأنهار} وفي المصحف المكّي وقراءة ابن كثير: {تجري من تحتها الأنهار}.
وهذا النوع قليل في رسم المصاحف، وهو مما تحتمله الأحرف السبعة؛ إذ كان المعوّل على ما ثبتت القراءة به سماعاً من أفواه القرَّاء.

وقد اختلف العلماء في أسباب اختلاف الرسم بين المصاحف العثمانية، فمِن زاعمٍ أنَّ عثمان أراد أن يجمع الأحرف السبعة كلَّها وهذا بعيد، لثبوت ترك القراءة ببعض الأحرف التي كان يُقرأ بها.

وذهب بعضهم إلى أنهم أرادوا الإشارة إلى اختلاف الأحرف، وجمع ما يستطاع من ذلك، وهذا يردّه أمران:
أحدهما: أنه خلاف المقصود من الجمع العثماني.
والثاني: أنهم لو أرادوا ذلك لكتبوا سائر الأحرف التي تُركت القراءة بها بهذه الطريقة؛ فكتبوا في بعض المصاحف [وأقيموا الحج والعمرة للبيت] وفي بعضها: {وأتموا الحجّ والعمرة لله} وهكذا في سائر الأحرف التي كان يقرأ بها قبل جمع عثمان). [جمع القرآن:133 - 142]


رد مع اقتباس
  #44  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 03:00 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

أمثلة لما تُرك من الأحرف السبعة:

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أمثلة لما تُرك من الأحرف السبعة:
قال الإمام الشافعي: أخبرنا سفيان عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا قال: [فامضوا إلى ذكر الله]).
وهذا إسناد غاية في الصحة على شرط الشيخين.
ورواه عبد الرزاق من طريق معمر وغيره عن ابن شهاب الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: (لقد توفي عمر وما يقرأ هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا [فامضوا إلى ذكر الله]).
وصحّ عن إبراهيم النخعي وقتادة أنّ ابن مسعود كان يقرأها كذلك.

وقد ذكر مكيّ بن أبي طالب القيسي في كتابه "الإبانة عن معاني القراءات" أمثلة لما بلغه من الأحرف الأخرى في سورة الفاتحة ليبيّن كثرة الاختلاف الذي سبق جمع عثمان؛ فقال: (ذكر اختلاف الأئمة المشهورين، غير السبعة في سورة الحمد مما يخالف خط المصحف، فلا يُقرأ به اليوم:
- قرأ أبو هريرة: [مليك يوم الدين] بياء بين اللام والكاف، وهو معنى حسن؛ لأنه بناء للمبالغة.
- قرأ ابن السوار الغنوي: [هياك نعبد وهياك نستعين] بالهاء في موضع الهمزة، وهي لغة قليلة، أكثر ما تقع في الشعر.
- روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قرأ: [الزراط] بزاي خالصة، وهو حسن في العربية.
- قرأ الحسن البصري: [اهدنا صراطاً مستقيما] منونتين من غير ألف ولام فيهما، وبذلك قرأ الضحاك، وهو معنى حسن لولا مخالفته للمصحف.
- قرأ جعفر بن محمد: [اهدنا صراط المستقيم] بإضافة الصراط إلى المستقيم من غير ألف ولام في الصراط، وهو جائز في العربية كدار الآخرة.
- قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [صراط مَن أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين]، فجعل "من" في موضع "الذين" و"غير" في موضع "لا"، وهو في المعنى حسن كالذي قرأ الجماعة في المعنى. وهو مروي أيضا عن أبي بكر رضي الله عنهما.
- قرأ ابن مسعود: [أرشدنا الصراط] في موضع "اهدنا"، والمعنى واحد.
- قرأ ثابت البناني: [بصرنا الصراط] في موضع اهدنا والمعنى واحد.
- قرأ ابن الزبير: [صراط مَن أنعمت عليهم] مثل قراءة عمر في هذا الحرف وحده)ا.ه.
ثم قال: (وهذا الاختلاف الذي يخالف خطَّ المصحف، وما جاء منه مما هو زيادة على خطِّ المصحف، أو نقصان من خط المصحف، وتبديل لخط المصحف، وذلك كثير جدا: هو الذي سمع حذيفة في المغازي، وسمع ردّ الناس بعضهم على بعض، ونكير بعضهم لبعض، فجرَّأه ذلك على إعلام عثمان رضي الله عنه، وهو الذي حدا عثمان على جمع الناس على مصحف واحد، ليزول ذلك الاختلاف فافهمْه).
قال: (فهذا المثال من الاختلاف الثالث، هو الذي سقط العمل به من الأحرف السبعة، التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأكثر في القرآن من الاختلاف، وإنما قرئ بهذه الحروف التي تخالف المصحف قبل جمع عثمان رضي الله عنه الناسَ على المصحف، فبقي ذلك محفوظا في النقل غير معمول به عند الأكثر، لمخالفته للخطّ المجمع عليه).
ثم قال: (فإنما مثَّلت لك ذلك لتقف عليه، وتعرف قدر الاختلاف في هذه السورة على قلة حروفها، فكيف يظن الاختلاف فيما طال من السور؟!
فتعلم بذلك كله المثالات التي اختلف القراء فيها، وما يجوز أن يقرأ به، وما لا يجوز، وما زاد من الاختلاف على قراءة السبعة المشهورين، وأن قراءتهم لم تحتو على الأحرف السبعة، التي نص النبي "صلى الله عليه وسلم" عليها، وأنها ليست بحرف واحد، كما ذكرنا من قول الطبري أنَّ ما زاد على قراءة في كل حرف فهو من السبعة الأحرف، قرئ به لموافقته لخط المصحف على ما قدمنا وبيَّنَّا، وبالله التوفيق)
ا.هـ.

وقال ابن الجزري في النشر: (قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: [والذكر والأنثى] في {وما خلق الذكر والأنثى} وقراءة ابن عباس [وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وأما الغلام فكان كافرا] ونحو ذلك مما ثبت بروايات الثقات، واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة، فأجازها بعضهم لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد.
وأكثر العلماء على عدم الجواز؛ لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني...)
). [جمع القرآن:142 - 145]


رد مع اقتباس
  #45  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 03:47 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

الباب الثامن: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما

الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما
مبحث الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان من أدقّ مباحث جمع القرآن، وقد كثر النزاع في تفصيل الفروق بين الجمعين في القرون المتأخرة، ولم يؤثر عن السلف في هذا المبحث خلاف، وكان أصل مبعث الخلاف لدى المتأخرين ما عرض لبعضهم من
الإشكالات بسبب اختلافهم في فهم بعض الآثار المروية في هذا الباب، وضعف بعضها، والتزام ما لا يلزم؛ فأدّت بهم محاولات الخروج من تلك الإشكالات إلى دعاوى لا تصحّ، وذكر احتمالات لا يقتضيها الاستدلال الصحيح، ولا يوقف على حقيقتها.

وسلك المحققون من أهل العلم مسلك التمحيص والتدقيق، وتمييز صحيح الآثار من ضعيفها، ومقبولها من مردودها، وتعرّفوا علل الآثار المروية بأسانيد ظاهرها الصحة، وفي متونها ما يستنكر، وفرَّقوا بين ما يلزم وما لا يلزم؛ فتبيّن لهم من العلم الصحيح ما تزول به الإشكالات وتندفع به الاعتراضات، وظهر لهم خطأ كثير من تلك الدعاوى المتأخرة التي لا نجد لها أثراً في القرون الفاضلة.

وكلام الأئمة المحققين في هذا المبحث
متفرّق في كتب القراءات، وعلوم القرآن، وكتب العقيدة، وشروح الحديث، والرسائل المفردة؛ فحرصت على جمع ذلك في موضع واحدٍ وترتيبه وتلخيصه؛ وشرح ما يحسن شرحه، فكان هذا المبحث في المسائل التالية:
المسألة الأولى: هل كان جمع أبي بكر الصديق في مُصحَف أو صحف غير مرتبة السور؟
المسألة الثانية: هل كان مصحف أبي بكر جامعاً للأحرف السبعة؟
المسألة الثالثة: هل كلّ ما خالف المصاحف العثمانية منسوخ بالعرضة الأخيرة؟
المسألة الرابعة: هل كان المصحف الذي جمعه عثمان نسخةً مطابقة لمصحف أبي بكر حرفاً بحرف؟
المسألة الخامسة: الخلاصة في الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما). [جمع القرآن:147 - 148]


رد مع اقتباس
  #46  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 03:50 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

المسألة الأولى: هل كان جمع أبي بكر الصديق في مُصحَف أو صحف غير مرتبة السور؟

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المسألة الأولى: هل كان جمع أبي بكر الصديق في مُصحَف أو صحف غير مرتبة السور؟
ذهب عبد الواحد بن عمر الصفاقسي المعروف بابن التين (ت:611هـ) في شرحه على صحيح البخاري فيما نقله عنه ابن حجر في فتح الباري إلى أنّ ما جمعه أبو بكر كان في صحائف متفرقة، وأن آيات كلّ سورة فيه مرتبة، غير أنّه لم يكن مرتباً على السور، وأنّ عثمان هو الذي جمع القرآن في مصحف واحد ورتّبه على السور.
وهذا القول لم يتعقّبه ابن حجر، ونقله السيوطي أيضاً في الإتقان ولم يتعقّبه؛ فاشتهر في كتب علوم القرآن، وهو خطأ بيّن فقد صحّ أن أبا بكر رضي الله عنه قد جمع القرآن بين دفّتين.
وقد تقدّم قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (رحم الله أبا بكر، كان أعظم الناس أجرا في القرآن، هو أول من جمعه بين اللوحين). رواه ابن أبي شيبة وأبو نعيم وابن أبي داوود وغيرهم.
وقال صعصعة بن صوحان العبدي وكان من القراء في زمن عثمان: «أول من جمع بين اللوحين، وورَّث الكلالةَ أبو بكر» رواه ابن أبي شيبة.
ومن ضرورة جمعه بين لوحين أن يكون له ترتيب، وإن لم نقف على تعيينه.
وأما الآثار التي فيها أنَّ أبا بكر جمع القرآن في قراطيس أو صحف فينبغي أن تفهم بما يوافق هذه الآثار ولا يخالفها؛ فهي في قراطيس مجموعة في مصحف واحد، وفي صحف بين لوحين.
والكلام في ترتيب السور يأتي في الباب القادم إن شاء الله تعالى). [جمع القرآن:148 - 149]


رد مع اقتباس
  #47  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 03:54 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

المسألة الثانية: هل كان مصحف أبي بكر جامعاً للأحرف السبعة؟

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المسألة الثانية: هل كان مصحف أبي بكر جامعاً للأحرف السبعة؟
القولُ بأنّ مصحف أبي بكر رضي الله عنه كان جامعاً للأحرف السبعة لم يكن معروفاً في القرون الأولى، وفي نشأة هذا القول خطأ والتباس ينبغي توضيحه.
وأصل ذلك أنَّ أبا الحسن الأشعري (ت:324هـ) زعم أنّ حفظ القرآن شامل لحفظ الأحرف السبعة، وحكى الإجماع على أنه لا يجوز منع القراءات بالأحرف التي نزل بها القرآن، وهذه مصادَمةٌ لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ترك القراءة بما خالف المصحف الإمام من الأحرف الأخرى.
قال بدر الدين العيني في عمدة القارئ: (قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز حظر ما وسَّعه الله تعالى من القراءات بالأحرف التي أنزلها الله تعالى، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه الله تعالى، بل هي موجودة في قراءتنا، وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها)ا.هـ.
وأبو الحسن الأشعري عفا الله عنه له أقوال كثيرة في القرآن مخالفة لاعتقاد أهل السنة والجماعة، وكان الأولى بهذا القول أن يُردَّ ويبيَّن خَطؤه.
لكن أتى تلميذُ تلاميذه القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي (ت:403هـ) فنصر هذا القول في كتابه "الانتصار" وأظهره في مظهر الانتصار لحفظ القرآن؛ فذهب إلى أن جميعَ هذه الأحرف السبعة قد كانت ظهرت واستفاضت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وضبطتها الأمة عنه، وأن عثمان والجماعة قد أثبتت جميع تلك الأحرف في المصاحف، وأخبرت بصحتها.
وزعم أنّ ما تركه عثمان إنما هي أحرف غير معروفة ولا ثابتة، وأنها كانت منقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم نقل الآحاد التي لا يجوزُ إثبات قرآن وقراءات بها، وأنّ المصاحف التي أحرقها عثمان إنما أحرقها لما فيها من التخليط والفساد في الضبط..) إلى آخر ما قال.
وهذه الجُمَل فيها أخطاء بيّنة، ومخالَفة لما صحّ من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم، وهي مبنية على أصل التلازم بين حفظ القرآن وحفظ الأحرف السبعة، فأدّاه هذا التلازم إلى القول بأنّ جمع عثمان مشتمل على الأحرف السبعة، وأنّ ما خالفه غير ثابت؛ فهو - عنده- إمَّا منقول بخبر الآحاد أو منسوخ، أو مغيَّر بسبب سوء الضبط.
وأبو بكر الباقلاني من كبار نُظَّار الأشاعرة ومتكلّميهم أخذ علم الكلام عن ابن مجاهد الطائي صاحب أبي الحسن الأشعري، وإليه انتهت رئاسة المالكيين في زمانه، لكنه كان غير متمكّن في علم القراءات، وكان الأولى أن يُردّ قولُه ويُبيّن خطؤه.
لكن أتى بعده تلميذه أبو عمرو الداني، وهو على جلالة قدره في علم القراءات وحرصه على توخّي السنّة إلا أنّه ابتلي بالتتلمذ على بعض الأشاعرة، ومن أشهرهم: شيخه أبو بكر الباقلاني، وأبو عمران الفاسي، وأبو الحسن القابسي، وأخذ أيضاً عن بعض أئمة أهل السنة كابن أبي زمنين وغيره، وله عناية ظاهرة بتعظيم السنة والتحذير من البدع.
وكان يُجِلُّ أبا بكر الباقلاني ويعظّمه مع مخالفته له في كثير من المسائل، لكنه تابعه في جملة منها، وله رسالة في العقيدة مطبوعة باسم "الرسالة الواعية" وطبعت أيضاً باسم "الرسالة الوافية" هذّب فيها كثيراً مما ذكره القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه "الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به في علم الكلام"
ولذلك لا تعدّ تلك الرسالة من الرسائل الخالصة في وصف اعتقاد أهل السنة، ولا من الرسائل المعدودة في عقائد الأشاعرة.
وهو من أهل السنة من حيث الجملة إلا أنّه لا يُتابع على ما وافق فيه الأشاعرة من المسائل التي ذكرها في رسائله في الاعتقاد وفي علوم القرآن.

ومسألتنا التي نبحث فيها كان أصل بحثها عَقَدياً لما تقدّم شرحه، ولما كان لها تعلّق بجمع القرآن ورسم المصاحف ذكرها أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع في رسم مصاحف الأمصار" لكنّه هذّب قول الباقلاني المتقدّم، فقال: (فإن قال قائل: فإذْ قد أَوضحتَ ما سُئلتَ عنه من تأوّل هذين الخبرين؛ فعرّفنا بالسبب الذي دعا عثمان رضي الله عنه إلى جمع القرآن في المصاحف، وقد كان مجموعا في الصحف عَلَى ما رويته لنا في حديث زيد بن ثابت المتقدم؟
قلت: السبب في ذلك بيّن؛ فذلك الخبر على قول بعض العلماء وهو أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان قد جمعه أَولاً عَلى السبعة الأحرف التي أَذِن الله عزَّ وجلَّ للأمّة في التلاوة بها، ولم يخصَّ حرفا بعينه؛ فلمَّا كان زمان عثمان ووقع الاختلاف بين أهل العراق وأهل الشام في القراءة وأَعلمه حذيفةُ بذلك رأَى هو ومن بالحضرة من الصحابة أن يُجمع الناس على حرف واحد من تلك الأحرف، وأن يسقط ما سواه؛ فيكون ذلك مما يرتفع به الاختلاف ويوجب الاتفاق، إذ كانت الأمّة لم تؤمر بحفظ الأحرف السبعة، وإنما خُيّرت في أيّها شاءت لزمته وأجزأها؛ كتخييرها في كفارة اليمين بالله بين الإطعام والكسوة والعتق، لا أن يجمع ذلك كله فكذلك السبعة الأحرف.
وقيل: إنما جمع الصحف في مصحف واحد لما في ذلك من حياطة القرآن وصيانته وجعل المصاحف المختلفة مصحفا واحداً متفقا عليه وأسقط ما لا يصحّ من القراءات ولا يثبت من اللغات، وذلك من مناقبه وفضائله رضي الله عنه)
ا.هـ.

وهذا كما ترى فيه ردٌّ لكثير مما ذهب إليه الباقلاني مما يخالف ما هو متقرر لدى أهل القراءات، لكنَّه نقلَ دعوى جمع الأحرف السبعة من مصحف عثمان إلى مصحف أبي بكر.
ومصحف أبي بكر مفقود لا يمكن الوقوف عليه، ولم يُنقل خَبَرُ ما فيه على التحقيق، ولذلك قال: (فذلك الخبر على قول بعض العلماء، وهو أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان قد جمعه أَولاً عَلى السبعة الأحرف)
وهذا القول ليس مما ثبت لديه بنقل صحيح، وقد علم القُرّاء أنَّ رَسْمَ مصحف أبي بكر ليسَ له إسناد يُنقل به علم ما فيه، كما تنقل أحرف القراءات، ومسائل الرسم العثماني، وعدّ الآي، وغيرها من علوم القراءات والمصاحف.
وإنما هو اجتهاد في محاولة الجمع بين ما قرَّرَه شيخُه أبو بكر الباقلانيّ وبين ما هو متقرر لدى أهل القراءات لإيجاد جوابٍ عن سؤال الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان؛ فخرج بهذا الاحتمال المبني على فرض التسليم بصحة هذا القول.

وأبو عمرو الداني من علماء القراءات الكبار؛ وقد ذكر هذه المسألة في كتابه "المقنع في رسم مصاحف الأمصار"؛ فلذلك حَمَل عنه هذا القول من لم يعرف علَّته، بل تلقّاه بعض العلماء على أنّه صحيح متقرر، وهو إنما ذكره احتمالاً، وقولاً من قولين فيهما نظر.
وهذه العلّة كانت فيما يظهر لي هي منشأ شهرة هذا القول؛ وذلك لشهرة كتاب "المقنع" لأبي عمرو الداني وكثرة الناقلين عنه.
ثمّ أتى بعده أبو القاسم الشاطبي(ت:590هـ) فنظم المقنع في منظومته التي سماها "عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد في علم رسم المصاحف"
وكان مما قال فيها:
إن اليمامة أهواها مسيلمة الـ ... ـكذاب في زمن الصديق إذ خسرا
وبعد بأس شديد حان مصرعه ... وكان بأساً على القراء مستعرا
نادى أبا بكرٍ الفاروقُ: خفتُ على الـْ ... ـقراء فادرك القرآن مستطرا
فأجمعوا جمعه في الصحْف واعتمدوا ... زيدَ بن ثابتٍ العدلَ الرضا نظرا
فقام فيه بعون الله يجمعه ... بالنصح والجدّ والحزم الذي بهرا
من كل أوجهه حتى استتمّ له ... بالأحرف السبعة العليا كما اشتهرا).


وهذا كما ترى إنما هو نظم لما في المقنع، وقد صرّح بنظم المقنع في منظومته فقال:
وهاك نظم الذي في "مقنعٍ" عن أبي ... عمروٍ وفيه زياداتٌ فَطِبْ عُمُرا
وقد أثنى في منظومته على أبي بكر الباقلاني وكتابيه "الانتصار للقرآن" و"إعجاز القرآن" بقوله:
لله درّ الذي تأليف "معجزه" ... و"الانتصار" له قد أوضح الغُررا

ثمّ أتى بعده تلميذه علم الدين السخاوي (ت:643هـ) شيخ القراء بدمشق؛ فشرح هذه المنظومة في كتابه "الوسيلة إلى كشف العقيلة" فقال في شرح تلك الأبيات المتقدّمة: (فإن قيل: فقد زعمتم أن زيداً كان جامعاً للقرآن؛ فما هذا التتبع والطلب لشيء يحفظه ويعلمه؟!!
فالجواب: أنه كان يتتبع وجوهه وقراءاته، ويسأل عنها غيره ليحيط بالسبعة التي نزل بها القرآن، وكذلك نظره في الرقاع والعسب واللخاف التي قد عرف كتابتها وتيقّن أمرها.
قال: ويجوز أن تكون تلك الرقاع والعسب واللخاف والأكتاف مما كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الظاهر، وعليه يُحمل قوله: (فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة) يعني الصحيفة التي فيها الآية.
وإذا كانت مما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بدّ من النظر فيها، وإن كان حافظاً ليستظهر بذلك، وليعلم هل فيها قراءة غير قراءته أم لا؟)
.ا.هـ.
فجعل هذا القول احتمالاً من احتمالين، وجعل الثاني هو الظاهر، ولم يبنِ الاحتمال الأوّل على دليل يُعتمد عليه، وإنما هو حكاية لقول قيل في هذه المسألة، وقد علمتَ أصلَ نشأته وعلّته.

ومن أخذ هذه النقول غير مرتّبة ترتيباً يَكشِفُ عِلَّتها ربما قُذف في نفسه أنها مستندة على حُجّة يُعتمد عليها، وهي دعوى كبيرة لا يمكن قبولها إلا بنقل ثابت.

وهذه الدعوى يلزم منها القول بأن مصحف أبي بكر قد كُتب سبع مرات أو أن تكون كتابة المصحف بالجمع بين الأحرف السبعة في الرسم في المصحف الواحد وهو أمر غير ممكن؛ إذ يلزم منه أن تكرر كتابة الكلمة أو الآية التي فيها اختلاف ضبط أو اختلاف تقديم وتأخير، وهذه دعوى محدثة.
ولا حاجة إلى هذه الدعوى للجواب عن سؤال الفرق بين الجمعين، فإنَّ أبا بكر قد جمع المصحف بين اللوحين نسخة واحدة، وليس نسخاً متعددة لكل حرف نسخة، ولم يُؤثر أن جمعها كان فيه تكرار لكتابة بعض الكلمات على عدد الأحرف المقروءة بها، ولم يكونوا يقرءون بالجمع بين القراءات، وإنّما كان يقرأ كلّ قارئ منهم كما عُلّم، وكلّ قراءة منها كافية شافية، وبأيّ حرف منها كُتب المصحف فهو صحيح كافٍ فيما كُتب لأجله.
وكان مستند القراءة على السماع لا على الرسم، وقد كتب الصحابة بعد ذلك مصاحف بحسب ما قرأ كاتبوها؛ فكان لابن مسعود مصحف، ولأبيّ بن كعب مصحف، ولأبي موسى الأشعري مصحف، وكان بين هذه المصاحف اختلاف في بعض الأحرف من زيادة بعضها على بعض، وتقديم وتأخير، وإبدال كلمة بأخرى، واختلاف ضبط، مما يكون مستندهم فيه أصلاً السماع، ويكتبون مصاحفهم بحسب ما أُقرئوا، وكان منها صُحُفٌ من إملاءِ النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد بَقيت تلك المصاحف والصحف حتى جمع عثمان الناس على رسم واحد في الجملة، وأحرق ما خالفه من المصاحف.
والقول بأنّ جمع أبي بكر كان حاوياً للأحرف السبعة لا يصحّ عن أحد من السلف.

وقال ابن عبد البرّ (ت:463هـ) في التمهيد: (وأمّا جمع أبي بكرٍ للقرآن فهو أوّل من جمع ما بين اللّوحين، وجمع عليّ بن أبي طالبٍ للقرآن أيضًا عند موت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وولاية أبي بكرٍ فإنّما كلّ ذلك على حسب الحروف السّبعة لا كجمع عثمان على حرفٍ واحدٍ، حرف زيد بن ثابتٍ وهو الّذي بأيدي النّاس بين لوحي المصحف اليوم)ا.هـ.
وهذا كما ترى فيه إجمال من جهة الحروف السبعة، وفيه خطأ في مواضع أخرى.
فإنّ قوله: (فإنّما كلّ ذلك على حسب الحروف السبعة) كلام مجمل وأولى ما يحمل عليه أن يقال: إنّ مراده أن جمع أبي بكر كان على وجوه من الأحرف السبعة لم يتقيّد فيها بلسان قريش، ولا باختيار حرف بعينه.
وقد يُفهم منه أنه أراد أنّ جمع أبي بكر وجمع عليّ بن أبي طالب كان مشتملا على الأحرف السبعة.
وهذا – إن كان هو مراده – فلعله فَهِم من جمع عثمان الناسَ على حرف واحد أنّ جمع أبي بكر كان على الأحرف السبعة، وأنّ جمع عليّ بن أبي طالب كان كذلك، وكلا الأمرين غيرُ لازمين.
فإنّ مصحف أبي بكر لم يكن شائعاً في الناس، ولم يكنِ القُرَّاءُ كابن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء وأبيّ بن كعب - وهم أشهر قراء الأمصار في زمانهم - لم يكونوا يعتمدونه في الإقراء، وإنما كان يقرأ كلّ واحد منهم كما أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرئ الناس بذلك، حتى حصل من الاختلاف في أوّل عهد عثمان ما حصل.
وكذلك جمع عليّ بن أبي طالب إنما أراد به جمعه في صدره كما هو ظاهر المراد بقولهم: جمع فلان القرآن، وفلان لم يجمعه، وفلان جمعه إلا سوراً يسيرة، ونحو ذلك مما يراد به حفظ الصدر.
وقول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن أبي بكر: إنّه "أوّل من جمع القرآن بين لوحين" يدلّ على ذلك.
ولو كان جمعه متقدماً على جمع أبي بكر لبيّن ذلك؛ كما بيّن سعة علمه بنزول كلّ آية من القرآن ومعرفة مكان نزولها وفيم أنزلت.
وقد كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ كما عُلّم، وهو أحد رواة حديث: ((اقرؤوا كما عُلّمتم)).
وربما كتب مصحفاً خاصاً به كما كتب غيره من الصحابة، بحسب ما عُلّم، وأما دعوى أنّ عليّ بن أبي طالب كتب مصحفاً مشتملاً على الأحرف السبعة فهذه دعوى عريضة لا أصل لها، ولو كان الأمر كذلك لعلمه خواصّ أصحابه، ولنقل واشتهر؛ فإنّه من أعظم الأمور التي تشتد الرغبة في السؤال عنها وذكرها ونشرها ولا سيّما من القراء لو كان ذلك حقيقة، وقد اجتهدوا في نقل دقائق من أحوال القراء وأخبارهم؛ فكيف يغفلون عن نقل هذا الأمر العظيم في شأن القرآن وجمع حروفه.

وربما كان قول ابن عبد البرّ – إذا حُمل على المعنى الثاني- مستفاداً من كلام أبي عمرو الداني أو كلام شيخه الباقلاني؛ فابن عبد البرّ وأبو عمرو قرينان قارئان مالكيان أندلسيان قد اشتركا في عدد من الشيوخ والتلاميذ، ولابن عبد البرّ كتاب مفقود في القراءات، لكن غالب عناية ابن عبد البر بالحديث والفقه، وغالب عناية أبي عمرو الداني بالقراءات وعلوم القرآن.

ولابن الجزري كلام حسن دقيق في هذه المسألة، وهو أجود ما قيل فيها، إذ قال في كتابه "منجد المقرئين": (والحق ما تحرَّرَ من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب القيسي وأبي القاسم الشاطبي وابن تيمية وغيرهم، وذلك أن المصاحف التي كتبت في زمن أبي بكر رضي الله عنه كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة).
وهذا الكلام صحيح لكنّه منصرف إلى المصاحف والصحف التي كانت موجودة في زمن أبي بكر لا إلى المصحف الذي جمعه أبو بكر وحده.
وقد تقدّم أنّ مصحف ابن مسعود كان فيه ما يخالف مصحف أبي موسى، وكان في مصاحفهما ما يخالف مصحف زيد ومصاحف أهل الشام من أصحاب أبي الدرداء.
ولم نجد في الآثار المروية في جمع أبي بكر ما يدلّ على أنّه جمعه بالأحرف السبعة لا جمعاً ولا تكراراً.

وقول ابن الجزري: (والحق ما تحرر من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب القيسي وأبي القاسم الشاطبي وابن تيمية وغيرهم..).
ربما فُهم منه أنّ ما خرج به هو منصوص أقوالهم، وأنهم اتفقوا عليه، وليس الأمر كذلك، فإنّ الخلاف بينهم ظاهر، ومن تأمّل كلامهم في كتبهم ظهر له من الخلاف بينهم ما لا يمكن التئامه على قول واحد.
وإنما مراد ابن الجزري أنّ هذا القول هو ما تحرَّرَ له بَعد نَظره في كلامهم، وتفكُّرِه فيه، لا أنّه قول اتّفقوا عليه.

وما خرج به ابنُ الجزري قولٌ صحيح لكن أسيء فهمه من وجهين:

أحدهما: دعوى أن مصحف أبي بكر كان جامعاً للأحرف السبعة.
والآخر: أنّ هذا القول هو ما اتفق عليه العلماء الذين ذكر أسماءهم.
وكلام ابن جرير وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب وابن تيمية ليس فيه هذه الدعوى؛ فبقي كلام ابن عبد البرّ والشاطبي وقد علمتَ أصلَ قولِهما في هذه المسألة.

ثم جاء بعد ابن الجزري بدرُ الدين العيني فقال في شرح صحيح البخاري: (لو قيل: إن زيداً كان جامعاً للقرآن فما معنى هذا التتبع والطلب لشيء إنما هو ليحفظه ويعلمه؟!!
أجيب: أنه كان يتتبع وجوهه وقراءاته ويسأل عنهما غيره ليحيط بالأحرف السبعة التي نزل بها الكتاب العزيز، ويعلم القراءات التي هي غير قراءته)ا.هـ.
وهذا النقل مستفاد من كلام عَلَم الدين السخاوي المتقدّم في "الوسيلة".
وقال في موضع آخر: (غرض أبي بكر كان جمع القرآن بجميع حروفه ووجوهه الّتي نزل بها وهي على لغة قريش وغيرها، وكان غرض عثمان تجريد لغة قريش من تلك القراءات).
وهذا القول مع ما قبله من الأقوال من أسباب شيوع القول بأنّ مصحف أبي بكر كان جامعاً للأحرف السبعة، وهو كما ترى قول محدث لا يسنده أثر، وإنما هو فهم تحصَّل من محاولات الخروج من إشكالات واردة، والتزام ما لا يلزم، وأصل المسألة عقديّ ثمّ نقل إلى كتب علوم القرآن.

وقول مروان بن الحكم لابن عمر لما أراد إتلاف مصحف أبي بكر أنه يخشى أن يكون فيه ما يخالف مصحف عثمان فيه دلالة على أنّه لم يكن جامعاً للأحرف السبعة، إذ لو كان كذلك لكان مشهوراً معروفاً، ولما احتاج إلى التعبير بالخشية مع التحقق بأنّه كان جامعاً للأحرف السبعة، وكانت حجته أظهر في إتلافه لو كان كذلك.

ومن الأدلة على خطأ هذا القول أيضاً أنّ مصحف أبي بكر لو كان جامعاً للأحرف السبعة لما احتاج عثمان إلى التوثّق من الصحابة في صحفهم التي قبضها منهم أنها من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يكفيه أن يجمعها ويتلفها، وينسخ من مصحف أبي بكر، لكنّه أراد أن يجمع من مجموع مصاحف الصحابة وصحفهم المتفرقة مصحفاً واحداً يجتمعون عليه.
ولذلك ربما ترك بعض ما في مصحف أبي بكر ترجيحاً منه لبعض الأحرف التي في المصاحف الأخرى، ويدلّ على ذلك صراحة الآثار المروية في المراسلات التي كانت بين زيد بن ثابت وعثمان في رسم بعض الكلمات وقد تقدّم ذكرها). [جمع القرآن:149 - 161]


رد مع اقتباس
  #48  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 03:56 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

المسألة الثالثة: هل كلّ ما خالف المصاحف العثمانية منسوخ بالعرضة الأخيرة؟

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المسألة الثالثة: هل كلّ ما خالف المصاحف العثمانية منسوخ بالعرضة الأخيرة؟
ذهب الزرقاني في مناهل العرفان إلى أنّ ما خالف المصاحف العثمانية فهو منسوخ بالعرضة الأخيرة؛ فقال: (ما لا يوافق رسم المصحف بحال من الأحوال نحو قوله سبحانه: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} وقرأ ابن عباس هكذا [يأخذ كل سفينة صالحة غصبا] بزيادة كلمة صالحة فإنَّ هذه الكلمة لم تثبت في مصحف من المصاحف العثمانية فهي مخالفة لخطّ المصحف، وذلك لأنَّ هذه القراءة وما شاكلها منسوخة بالعرضة الأخيرة، أي عرض القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل آخر حياته الشريفة، ويدل على هذا النسخ إجماع الأمة على ما في المصاحف)ا.هـ.

وهذه الدعوى لا تصحّ؛ فإنّه من المقطوع به أنّ الصحابة كانوا يقرءون قبل جمع عثمان على أحرف مختلفة غير منسوخة، وكانوا يصلون بها في الجمع والجماعات ويتلونها في المجامع وحلق التعليم، ولو كان أحد منهم يقرأ بالمنسوخ لأُنكِرَ عليه.
- والقراءة بالمنسوخ قد تُتَصوّر من الرجل والرجلين في أحرف يسيرة، وأما ما يحمله العدد الكثير من القراء، ويشتهر ذكره ولا ينكر فلا.
- وقد كان في حِلَقِ ابن مسعود في الكوفة العدد الكثير، وكان يدور على تلك الحِلَق، ويُشرف على قراءة كلّ حلقة ومقرئها، وروي أنّ في حِلَق أبي الدرداء نحو ألف رجل، لكل عشرة منهم ملقّن، وأنّ أبا الدرداء كان يطوف عليهم قائماً؛ فإذا أحكمَ الرجلُ منهم تحوَّل إلى أبي الدرداء يعرض عليه.

- ثمّ إنّ الصحابة رضي الله عنهم إنما حملهم على الجمع في زمن عثمان اختلافُ الناس في الأحرف، لا أنّ أحداً من القرّاء كان مصرّا على الإقراء بالمنسوخ، واعتراضُ ابن مسعود رضي الله عنه يدلّ دلالة بيّنة على أنّ قراءته تخالف قراءة زيد في بعض الأحرف التي لم تكن منسوخة قطعاً، وقد بيّن أنّه لا يعلم أحداً في زمانه ذلك أعلم منه بكتاب الله، وأنه يعلم أين نزلت كلّ آية ومتى نزلت، وأنّه عارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن مرتين في العام الذي قبض فيه.
- وقد شهد ابنُ عباس لابن مسعود أن قراءته هي الأخيرة، كما تقدّم، وزيد بن ثابت ممن عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه، فكلاهما قد شهد العرضة الأخيرة، واختلفت قراءتاهما في بعض الأحرف لا أنّ أحدهما يقرأ بما هو منسوخ، وكلاهما أقرأ الناسَ زمناً طويلاً بعد النبي صلى الله عليه وسلم، من غير إنكار، وابن عباس قرأ على زيد بن ثابت وروي أنه أخذ بعض الأحرف من قراءة ابن مسعود، ولم ينكر على أحد منهما أنه يقرئ بالمنسوخ.
قال هارون بن موسى الأزدي: حدثنا صاحبٌ لنا، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن ابن عباس قال: (قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفاً من قراءة ابن مسعود، هذا أحدها [من بقلها وقثائها وثومها وعدسها وبصلها] ). رواه ابن أبي داوود في المصاحف، وقد رويت هذه القراءة عن ابن مسعود من طرق أخرى.

- وكان حذيفة عالماً باختلاف القرَّاء، ولو كان أحدهم يُقرئ بالمنسوخ لأَنكر عليه، ولما احتاج الجمعُ إلى أكثر من الإنكار على من يُقرئ بالمنسوخ.
- ولمّا تكلّم أئمة القراء في ردّ دعوى احتواء المصاحف العثمانية للأحرف السبعة كان من أدلّتهم أنه يلزم من ذلك القول بنسخ ما لا يوافق رسم المصاحف العثمانية من الأحرف الأخرى، وذكروا أنه قول باطل، وهذا مما يدلّ على تقرر بطلان هذه الدعوى.
قال ابن الجزري: (إذا قلنا إن المصاحف العثمانية محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أنزلها الله تعالى كان ما خالف الرسم يُقطع بأنه ليس من الأحرف السبعة، وهذا قول محظور لأن كثيرا مما خالف الرسم قد صح عن الصحابة رضي الله عنهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم)ا.هـ
وقال مكي بن أبي طالب القيسي: (ولو كانت هي السبعة كلها، وهي موافقة للمصحف لكان المصحف قد كتب على سبع قراءات، ولكان عثمان رضي الله عنه، قد أبقى الاختلاف الذي كرهه، وإنما جمع الناس على المصحف، ليزول الاختلاف)ا.هـ.

فهذا كلّه مما يدلّ دلالة بيّنة على خطأ هذه الدعوى، وقد تفكّرت في منشأ هذه الدعوى؛ فوجدت كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في فتواه في الأحرف السبعة وآخر لابن الجزري رحمه الله في كتابه النشر وفيهما ما يستدعي التوضيح لإزالة اللبس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما القراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثماني مثل قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهما [والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى . والذكر والأنثى] كما قد ثبت ذلك في الصحيحين، ومثل قراءة عبد الله: [فصيام ثلاثة أيام متتابعات]. وكقراءته: [إن كانت إلا زقية واحدة] . ونحو ذلك؛ فهذه إذا ثبتت عن بعض الصحابة فهل يجوز أن يقرأ بها في الصلاة؟ على قولين للعلماء: هما روايتان مشهورتان عن الإمام أحمد وروايتان عن مالك:
إحداهما: يجوز ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة.
والثانية: لا يجوز ذلك وهو قول أكثر العلماء، لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن ثبت فإنها منسوخة بالعرضة الآخرة، فإنه قد ثبت في الصحاح عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين.
والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بكتابتها في المصاحف، وكتبها أبو بكر، وعمر في خلافة أبي بكر في صحف أمر زيد بن ثابت بكتابتها، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف وإرسالها إلى الأمصار وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة علي وغيره)ا.هـ.
وهذا القول استدرك عليه ابن الجزري في النشر وهذّبه تهذيباً حسناً فقال: (قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: [والذكر والأنثى] في {وما خلق الذكر والأنثى} وقراءة ابن عباس [وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وأما الغلام فكان كافرا] ونحو ذلك مما ثبت بروايات الثقات، واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة، فأجازها بعضهم لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد.
وأكثر العلماء على عدم الجواز؛ لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة، كل هذه مآخذ للمانعين)ا.هـ

فابن الجزري رحمه الله جمع أجوبة العلماء في منع الإقراء بما ثبت مما يخالف رسم المصاحف العثمانية، وبيَّن أنّ ما خالف رسم المصحف منه ما يكون من المنسوخ تلاوة، ومنه ما يكون مما أجمع الصحابة على ترك القراءة به بعد جمع عثمان، ولذلك فإنّ الإجماع على ترك القراءة بما خالف رسم المصحف لا يقتضي القول بالنسخ مطلقاً.

والقول بأنّ كلّ ما خالف رسم المصحف فهو منسوخ قد تقدّم عن بعض المتكلمين كأبي الحسن الأشعري وأبي بكر الباقلاني وغيره، لكنّهم زعموا أنّ رسم المصحف مشتمل على الأحرف السبعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن هؤلاء من يقول بأن الترخيص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة، وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم وهو أوفق لهم، أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الآخرة، ويقولون إنه نسخ ما سوى ذلك.
وهؤلاء يوافق قولهم قول من يقول إن حروف أبي بن كعب وابن مسعود وغيرهما مما يخالف رسم هذا المصحف منسوخة)
ا.هـ.
وهذا حكاية لأقوال المتكلمين في الأحرف السبعة). [جمع القرآن:161 - 166]


رد مع اقتباس
  #49  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 03:59 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

المسألة الرابعة: هل كان المصحف الذي جمعه عثمان نسخةً مطابقةً لمصحف أبي بكر حرفاً بحرف؟

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المسألة الرابعة: هل كان المصحف الذي جمعه عثمان نسخةً مطابقةً لمصحف أبي بكر حرفاً بحرف؟
ذهب بعض العلماء إلى أنّ مصحف عثمان كان نسخة مطابقة لمصحف أبي بكر حرفاً بحرف لا اختلاف بينهما، وأنّ مصحف أبي بكر كان على العرضة الأخيرة.

وهذا القول فيه صواب وخطأ
- فأما صوابه: فالقول بأنّ مصحف أبي بكر كان على العرضة الأخيرة، لكن العرضة الأخيرة لا تقتضي أن تكون على حرف واحد.
وقد تقدّم البيان بأن ابن مسعود وزيد بن ثابت قد عرضا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض عليه مرتين، وبينهما من الاختلاف في بعض الأحرف ما هو معلوم.
- وأما خطؤه: فلأنّه يلزم منه أنّ كل ما خالف مصحف أبي بكر فهو على غير العرضة الأخيرة، وهذا يقتضي أن يكون ابن مسعود وأبو موسى وأبو الدرداء وجماعة من الصحابة كانوا يقرئونَ الناسَ بالمنسوخ، وهذا قول محظور.
- ولو كان الأمر كذلك لما احتاج عثمان إلى أن يأخذ البيّنة على أصحاب الصحف أنها من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، ولما احتاج إلى مقابلتها على مصحف أبي بكر، ولا إلى الاجتهاد في الاختيار بين الأحرف المختلف فيها.
- ومن تأمّل الآثار المروية في جمع عثمان تبيّن له اجتهاد عثمان ومن معه من قرّاء الصحابة اجتهاداً بالغاً في كلّ ما تقدّم، وأن من ضرورة ذلك الاجتهاد أن يكون في جمع عثمان اختيارٌ يخالف بعض الأحرف التي كانت في مصحف أبي بكر.
قال عبد الله بن المبارك: حدثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن، عن هانئ البربري مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب، فيها «لم يتسن» ، وفيها «لا تبديل للخلق» ، وفيها «فأمهل الكافرين».
قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين، وكتب {لخلق الله}، ومحا «فأمهل»، وكتب {فمهّل}، وكتب {لم يتسنه} ألحق فيها الهاء). رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن، وابن جرير الطبري.
- ولو كان جمعهم لا اختيار فيه بين الأحرف لكان يكفيهم أن يكتبوه على ما في مصحف أبي بكر، ولما احتاجوا إلى سؤال أبيّ عن هذه الأحرف.
- وكذلك ما ثبت من الاختلاف بين المصاحف العثمانية في بعض الأحرف دليل على أنّ مثل هذا الاختلاف ممكن بينها وبين مصحف أبي بكر.
- ولو كانت المصاحف العثمانية نسخة مطابقة لمصحف أبي بكر حرفاً بحرف لما احتاج مروان بن الحكم إلى إتلاف هذا المصحف، ولما أقرّه ابن عمر على دعواه بأنه يخشى أن يكون فيه ما يخالف المصاحف العثمانية.
- وهذه الدعوى مقابلة لدعوى من زعم أن مصحف أبي بكر كان حاوياً للأحرف السبعة). [جمع القرآن:167 - 168]


رد مع اقتباس
  #50  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 04:01 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 200
افتراضي

المسألة الخامسة: الخلاصة في بيان الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما.

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المسألة الخامسة: الخلاصة في بيان الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما.
تلخيص الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أنّ جمع أبي بكر كان سببُه الحاجة إلى حفظ نسخة مكتوبة من القرآن بعد موت كثير من حفظة القرآن في حروب الردّة، وجمع عثمان كان سببه ما وقع من الفتنة والاختلاف في الأحرف.
واختلاف الأسباب والمقاصد مؤثر في منهج العمل، فأمّا جمع أبي بكر فكان يكفي فيه أن تكتب نسخة منه على أيّ حرف من الأحرف السبعة إذ كلها كافٍ شافٍ، ولم يكن بين الصحابة تنازع في أحرف القراءات، بل كان كلّ منهم يقرأ كما عُلّم، ولا ينازِع غيره فيما أُقرئوا، ولا ينازعونه فيما أقرئَ، لما أدّبهم به النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدّم.
وأمّا جمع عثمان فكان لا بدّ فيه من الاجتهاد في اختيار حرف واحد من مجموع الأحرف السبعة، ولذلك اجتهدوا اجتهاداً بالغاً في الموازنة بين الأحرف المختلف فيها، وكتبوا المصاحف على ما ارتضوه من الاختيار بما يوافق لسان قريش، ولا يخالف العرضة الأخيرة، ثم انعقد إجماع الصحابة والتابعين في ذلك الوقت على الرضا بذلك الاختيار، وترك القراءة بما يخالفه، وأجمعت عليه الأمّة بعد ذلك إلى وقتنا الحاضر.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم). [جمع القرآن:169]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:14 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة