العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة التفاسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 24 شوال 1438هـ/18-07-2017م, 10:35 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,331
افتراضي #مسائل_تفسيرية | معنى "من" في قول الله تعالى: {يحفظونه من أمر الله}


معنى "من" في قول الله تعالى: {يحفظونه من أمر اللّه}

في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:
القول الأول: "من" للتعدية، كما في قول الله تعالى: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك} وقوله تعالى: { قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق}، وقوله تعالى: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} ؛ فكذلك قول الله تعالى: {يحفظونه من أمر الله}.
وهو أظهر المعاني في مثل هذا السياق، وهذا القول هو معنى قول جماعة من المفسّرين، وهو معنى رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله اله تعالى: {يحفظونه من أمر الله} قال: (ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خلوا عنه). رواه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال المعتمر بن سليمان: سمعت ليثا يحدث، عن مجاهد أنه قال: (ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءك! إلا شيئا يأذن الله فيه فيصيبه). رواه ابن جرير.
وقال إبراهيم النخعي: (يحفظونه من أمر الله) قال: من الجن). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وهو مخرّج على أنّ "من" للتعدية.
وروي معنى هذا القول عن عليّ بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي أمامة وعكرمة وغيرهم.

القول الثاني: "من" سببية، أي بسبب أمر الله لهم بحفظه يحفظونه، وهذا معنى قول الفراء وأبي عمر الزاهد غلام ثعلب، وذكره أبو حيان، وجماعة من المفسرين.
وقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير: (الملائكة: الحفظة، وحفظهم إيّاه من أمر اللّه) رواه ابن جرير.
قال ابن الجوزي: (فيكون تقدير الكلام : هذا الحفظ مما أمرهم الله به).

القول الثالث: "من" بمعنى الباء، أي: يحفظونه بأمر الله، وهذا قول قتادة، رواه عنه عبد الرزاق وابن جرير، ورواية عن مجاهد من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه، وقال به الخليل بن أحمد، ومقاتل بن سليمان، وهارون الأعور، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والمبرّد في المقتضب، وأبو البقاء العكبري، وجماعة.
وهذا القول صحيح، ويتفرّع إلى معنيين:
- أحدهما أن تكون الباء سببية؛ فيكون بمعنى القول الثاني، وهذا معنى قول الفرّاء: (و{يحفظونه} ذلك الحفظ من أمر الله وبأمره وبإذنه عز وجلَّ؛ كما تقول للرجل: أجيئِك مِنْ دعائِك إِيَّاى وبدعائِك إيَّاي)ا.هـ.
- والآخر: أن تكون الباء للتعدية، أي يحفظونه بما مكَّنهم الله به من أسباب الحفظ.

القول الرابع:
بمعنى "عن"، وهي رواية عن ابن عباس أخرجها ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وذكره ابن جرير الطبري عن بعض نحاة البصرة، وأنهم قالوا: (معنى ذلك: يحفظونه عن أمر الله، كما قالوا:"أطعمني من جوع، وعن جوع" و"كساني عن عري، ومن عري").

وهذا القول يرجع إلى معنى القول الثاني، وهو كقوله تعالى حكاية عن الخضر: {وما فعلته عن أمري}
القول الخامس: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: (له معقِّبات من أمر الله يحفظونه) ، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال في قوله تعالى: {يحفظونه من أمر اللّه} يقول: بإذن اللّه، فالمعقّبات: هي من أمر اللّه، وهي الملائكة) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال ابن وهب: أخبرني الحارث بن نبهان عن عطاء بن السائب عن ابن عباس قال: (الملائكة من أمر الله يحفظونه).
وقال أيضا: أخبرني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله ابن عباس أنه كان يقرأ: {له معقبات من بين يديه}، ورقباء، {من خلفه} من أمر الله {يحفظونه}.
وقال خصيف عن مجاهد: (الملائكة من أمر الله) رواه ابن جرير، وروى نحوه عن ابن جريج عن ابن عباس، وهو منقطع.
والتقدير على هذا القول له معقبات من أمر الله يحفظونه، ومتعلق الحفظ محذوف لإرادة العموم في كل ما يحتاج فيه إلى الحفظ.

والتحقيق أنّ هذه المعاني كلّها صحيحة، واختلافها كاختلاف الأقوال الصحيحة في المشترك اللفظي، وكاختلاف القراءات.
واختلاف التنوّع تقبل الأقوال فيه بثلاثة شروط:
- أحدها أن يكون القول في نفسه صحيحاً.
- والثاني: أن تكون دلالة الآية عليه دلالة صحيحة من جهة اللغة.
- والثالث: أن يصحّ عن السّلف.
وشرح الأقوال الخمسة وبيان الفروق بينها، ودلالة الآية عليها يطول، لكن مما ينبّه عليه أثر الاختلاف في مرجع الضمير في قوله تعالى: {له معقبات}، والمراد بالمعقبات، ومعنى الحفظ في قوله تعالى: {يحفظونه}.
ففيه قولان:
أحدهما: حفظ عناية ووقاية.
والآخر: حفظ رقابة وكتابة كما في قول الله تعالى: {وإن عليكم لحافظين . كراماً كاتبين}.
قال ابن جريج: {يحفظونه من بين يديه ومن خلفه} مثل قوله: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} قال: الحسنات من بين يديه، والسيئات من خلفه، الذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السيئات). رواه ابن جرير.
وكلّ قول من هذين القولين ومن الأقوال في المسألتين الأخريين يخرّج عليه ما يناسبه من الأقوال في معنى "من".

وقد كثرت الأقوال في تفسير هذه الآية لسعة معانيها، وتعدد دلائلها، وعامّتها أقوال صحيحة، إلا ما ذكر عن بعضهم من أنّ في الآية نفياً محذوفا والتقدير: (لا يحفظونه من أمر الله) وهذا القول ذكره أبو إسحاق الزجاج عن بعض أهل اللغة، وهو تحريف لا يصحّ، ولا يُؤثر عن أحد من السلف، وإنما قاد إليه استشكال معنى الحفظ من أمر الله على القول بأنّ "من" للتعدية.
والصواب أنه لا إشكال فيه؛ فكلّ الأقدار من أوامر الله تعالى الكونية، والأوامر الكونية قد أجرى الله فيها سنن التدافع، كما تدفع الأمراض بالتداوي والرقى؛ ويتّقى البرد باللباس، والحرّ بالظلال والأكنان، وقد روى الترمذي وابن ماجة وغيرهما من حديث الزهري عن أبي خزامة عن أبيه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟
قال: ((هي من قدر الله)).
وروي نحوه من حديث كعب بن مالك وحكيم بن حزام وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
ولمّا بلغ عمر نزول الوباء بالشام ونادى بالرحيل قال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟
فقال عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة؛ أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله). رواه البخاري.
وقال كعب الأحبار: (لو تجلَّى لابن آدم كل سهل وحزن لرأى على كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذا لتُخُطِّفتُم). رواه ابن جرير.

فالمعقّبات التي يدفع الله بها الشرور وتحفظ بني آدم كثيرة، وهي مأمورة بالحفظ، كما أمر الله الجفن أن يحفظ العين، لكن إذا قضى الله أمراً يصيب العبد فلا رادّ لقضائه، ولا تنفعه حفظته إذا نزل به قضاء الله.


التوقيع :

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:16 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة