العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الفرقان

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 2 جمادى الأولى 1434هـ/13-03-2013م, 11:58 AM
الصورة الرمزية أسماء الشامسي
أسماء الشامسي أسماء الشامسي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: مكة المكرمة
المشاركات: 559
افتراضي تفسير سورة الفرقان [ من الآية (68) إلى الآية (71) ]

{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) }



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18 رجب 1434هـ/27-05-2013م, 06:35 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) )

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني رجلٌ أن الحسن كان يقول في قول الله: {يلق أثاما}، قال: أثاما، عذاب الله كله). [الجامع في علوم القرآن: 2/49]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى يلق آثاما قال نكالا ويقال إنه واد في جهنم). [تفسير عبد الرزاق: 2/71]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا} [الفرقان: 68] «العقوبة»
- حدّثنا مسدّدٌ، حدّثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدّثني منصورٌ، وسليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي ميسرة، عن عبد اللّه، ح قال: وحدّثني واصلٌ، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: سألت - أو سئل - رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: أيّ الذّنب عند اللّه أكبر، قال: «أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك» قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: «ثمّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ ولا يزنون} [الفرقان: 68]
- حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزّة، أنّه سأل سعيد بن جبيرٍ: هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا من توبةٍ؟ فقرأت عليه: {ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ} [الفرقان: 68] فقال سعيدٌ: قرأتها على ابن عبّاسٍ كما قرأتها عليّ، فقال: «هذه مكّيّةٌ نسختها آيةٌ مدنيّةٌ الّتي في سورة النّساء»
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا غندرٌ، حدّثنا شعبة، عن المغيرة بن النّعمان، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيه إلى ابن عبّاسٍ، فقال: «نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيءٌ»
- حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا منصورٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: سألت ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، عن قوله تعالى: {فجزاؤه جهنّم} [النساء: 93] قال: «لا توبة له» ، وعن قوله جلّ ذكره: {لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} [الفرقان: 68] ، قال: «كانت هذه في الجاهليّة»). [صحيح البخاري: 6/109-110]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الآية)
كذا لأبي ذرٍّ وساق غيره إلى قوله أثاما قوله يلق أثامًا العقوبة قال أبو عبيدة في قوله ومن يفعل ذلك يلق أثامًا أي عقوبةً وقال عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة يلق أثاما قال نكالًا قال ويقال إنّه وادٍ في النّار وهذا الأخير أخرجه بن أبي حاتمٍ عن عبد اللّه بن عمرٍو وعكرمة وغيرهما
- قوله حدثني منصور هو بن المعتمر وسليمان هو الأعمش عن أبي وائلٍ عن أبي ميسرة بفتح الميم وسكون التّحتانيّة بعدها مهملةٌ اسمه عمرو بن شرحبيل قوله قال وحدثني واصل هو بن حبّان الأسديّ الكوفيّ ثقةٌ من طبقة الأعمش والقائل هو سفيان الثّوريّ وحاصله أنّ الحديث عنده عن ثلاثة أنفسٍ أمّا اثنان منهما فأدخلا فيه بين أبي وائل وبن مسعودٍ أبا ميسرة وأمّا الثّالث وهو واصلٌ فأسقطه وقد رواه عبد الرّحمن بن مهديٍّ عن سفيان عن الثّلاثة عن أبي وائلٍ عن أبي ميسرة عن بن مسعودٍ فعدّوهما والصّواب إسقاط أبي ميسرة من رواية واصلٍ كما فصّله يحيى بن سعيدٍ وقد أخرجه بن مردويه من طريق مالك بن مغولٍ عن واصلٍ بإسقاط أبي ميسرة أيضًا وكذلك رواه شعبة ومهديّ بن ميمونٍ عن واصلٍ وقال الدّارقطنيّ رواه أبو معاوية وأبو شهابٍ وشيبان عن الأعمش عن أبي وائلٍ عن عبد اللّه بإسقاط أبي ميسرة والصّواب إثباته في رواية الأعمش وذكر رواية بن مهديٍّ وأنّ محمّد بن كثيرٍ وافقه عليها قال ويشبه أن يكون الثّوريّ لمّا حدّث به بن مهديٍّ فجمع بين الثّلاثة حمل رواية واصلٍ على رواية الأعمش ومنصورٍ قوله سألت أو سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في روايةٍ قلت يا رسول اللّه ولأحمد من وجه آخر عن مسروق عن بن مسعودٍ جلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على نشزٍ من الأرض وقعدت أسفل منه فاغتنمت خلوته فقلت بأبي وأمّي أنت يا رسول اللّه أيّ الذّنوب أكبر الحديث قوله أيّ الذّنب عند اللّه أكبر في رواية مسلمٍ أعظم قوله قلت ثمّ أيّ تقدّم الكلام في ضبطها في الكلام على حديث بن مسعودٍ أيضًا في سؤاله عن أفضل الأعمال قوله ندًّا بكسر النّون أي نظيرًا قوله أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك أي من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي أو من جهة البخل مع الوجدان قوله أن تزاني بحليلة بالمهملة بوزن عظيمةٍ والمراد الزّوجة وهي مأخوذةٌ من الحلّ لأنّها تحلّ له فهي فعيلةٌ بمعنى فاعلةٍ وقيل من الحلول لأنّها تحلّ معه ويحلّ معها قوله ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر إلى ولا يزنون هكذا قال بن مسعودٍ والقتل والزّنا في الآية مطلقان وفي الحديث مقيّدان أمّا القتل فبالولد خشية الأكل معه وأمّا الزّنا فبزوجة الجار والاستدلال لذلك بالآية سائغٌ لأنّها وإن وردت في مطلق الزّنا والقتل لكن قتل هذا والزّنا بهذه أكبر وأفحش وقد روى أحمد من حديث المقداد بن الأسود قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما تقولون في الزّنا قالوا حرامٌ قال لأن يزني الرّجل بعشرة نسوةٍ أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره
- قوله أخبرني القاسم بن أبي بزّة بفتح الموحّدة وتشديد الزّاي واسم أبي بزّة نافع بن يسارٍ ويقال أبو بزّة جدّ القاسم لا أبوه مكّيٌّ تابعيٌّ صغيرٌ ثقةٌ عندهم وهو والد جدّ البزّيّ المقرئ وهو أحمد بن محمّد بن عبد اللّه بن القاسم وليس للقاسم في البخاريّ إلّا هذا الحديث الواحد قوله هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا من توبةٍ في رواية منصورٍ عن سعيد بن جبيرٍ في آخر الباب قال لا توبة له قوله فقال سعيد أي بن جبير قرأتها على بن عبّاسٍ في الرّواية الّتي بعدها من طريق المغيرة بن النّعمان عن سعيد بن جبيرٍ اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن قوله فدخلت فيه إلى بن عبّاسٍ في رواية الكشميهنيّ فرحلت براءٍ وحاءٍ مهملتين وهي أوجه قوله هذه مكّيّةٌ يعني نسختها آيةٌ مدنيّةٌ كذا في هذه الرّواية وروى بن مردويه من طريق خارجة بن زيد بن ثابتٍ عن أبيه قال نزلت سورة النّساء بعد سورة الفرقان بستّة أشهرٍ قوله في رواية غندرٍ عن شعبة
- اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن كذا وقع مختصرًا وأخصر منه رواية آدم في تفسير النّساء وقد أخرجه مسلمٌ وغيره من طرقٍ عن شعبة منه عن غندرٍ بلفظ اختلف أهل الكوفة في هذه الآية ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم قوله نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيءٌ كذا في هذه الرّواية ولا يظهر من سياقها تعيين الآية المذكورة وقد بيّنها في رواية منصورٍ في الباب عن سعيد بن جبير سألت بن عبّاس عن قوله فجزاؤه جهنّم فقال لا توبة له وعن قوله لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر قال كانت هذه في الجاهليّة ويأتي في الباب الّذي يلي الّذي يليه أوضح من ذلك). [فتح الباري: 8/493-494]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {والّذين لا يدعون مع الله إلاهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذالك يلق أثاماً} (الفرقان: 68)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {والّذين} إلى آخره، وهذا المقدار هو المرويّ في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره إلى قوله: (أثاماً) وعن ابن عبّاس: إن ناسا من أهل الشّرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا ثمّ أتوا محمّدًا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الّذي تقول وتدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفّارة، فنزلت: {والّذين لا يدعون مع الله إل ها آخر} ... الآيات، وقيل: نزلت في وحشي غلام ابن مطعم.
- حدّثنا مسدّدٌ حدّثنا يحيى يحيى عن سفيان قال حدّثني منصورٌ وسليمان عن أبي وائلٍ عن أبي ميسرة عن عبد الله. قال حدّثني واصلٌ عن أبي وائلٍ عن عبد الله رضي الله عنه قال سألت أو سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ الذّنب عند الله أكبر قال أن تجعل الله ندًّا وهو خلقك قلت ثمّ قال ثمّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثمّ أيّ قال أن تزاني بحليلة جارك قال ونزلت هاذه الآية تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {والّذين لا يدعون مع الله إلاهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ} ..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة، ويحيى هو ابن سعيد القطّان، وسفيان هو الثّوريّ، ومنصور هو ابن المعتمر، وسليمان هو الأعمش وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو ميسرة ضد الميمنة عمرو بن شرحبيل الهمداني وعبد الله هو ابن مسعود، وواصل هو ابن حيّان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف من الحياة، أو من الحين منصرفاً وغير منصرف الكوفي.
والحديث مضى في أوائل تفسير سورة البقرة فإنّه أخرجه هناك عن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله، قال: سألت النّبي صلى الله عليه وسلم فذكره مختصرا. وقال: أعظم بدل أكبر.
قوله: (قال وحدثني) وأصل القائل هو سفيان الثّوريّ، والحاصل أن الحديث عند سفيان عن ثلاثة أنفس: أما إثنان منهما فأدخلا فيه بين أبي وائل وعبد الله أبا ميسرة، وأما الثّالث وهو واصل فأسقطه، وقد رواه عبد الرّحمن بن مهدي عن سفيان عن الثّلاثة عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبد الله فعدوه وهما، والصّواب إسقاط أبي ميسرة من رواية وأصل. والله أعلم. قوله: (سألت أو سئل) شكّ من الرّاوي، وفي رواية قلت: يا رسول الله. قوله: (أكبر) ، وفي رواية مسلم: أعظم. قوله: (ندا) ، بكسر النّون وتشديد الدّال أي: نظيراً. قوله: (خشية أن يطعم معك) أي: لأجل خشية، إطعامه معك. فإن قيل: لو لم يقيد بها لكان الحكم كذلك. وأجيب: بأن لا اعتبار لهذا المفهوم لأن شرطه أن لا يخرج الكلام مخرج الغالب. وكانت عادتهم قتل الأولاد لخشيتهم ذلك. قوله: (بحليلة جارك) ، أي: بامرأته، والحليلة على وزن فعيلة، أما من الحل لأنّها تحل له، وإمّا من الحلول لأنّها تحل معه ويحل معها. فإن قلت: القتل والزّنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيدان؟ قلت: لأنّهما بالقيد أعظم وأفحش، ولا مانع من الاستدلال لذلك بالآية.
- حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أنّ ابن جريجٍ أخبرهم قال أخبرني القاسم بن أبي بزّة أنّه سأل سعيد بن جبيرٍ هل لمن قتل مؤمناً متعمّداً من توبةٍ فقرأت عليه: {ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ} (الفرقان: 68) فقال سعيدٌ قرأتها على ابن عبّاسٍ كما قرأتها عليّ فقال هذه مكّيّةٌ نسختها آيةٌ مدنيّةٌ الّتي في سورة النّساء..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة، وابن جريج عبد الملك، والقاسم بن بزّة، بفتح الباء وتشديد الزّاي، واسم أبي بزّة نافع بن يسار، ويقال: يسار اسم أبي بزّة، ويقال: أبو بزّة جد القاسم لا أبوه، وهو مكي تابعيّ ثقة، وهو والد جد البزي المقرئ، وهو أحمد بن عبد الله بن القاسم، وليس للقاسم في البخاريّ إلاّ هذا الحديث الواحد.
قوله: (فقال سعيد) ، أي: سعيد بن جبير. قوله: (في سورة النّساء) ، هي قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنّم} (النّساء: 93) وليس فيها استثناء التائب بخلاف هذه الآية إذ قال الله تعالى فيها: {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} (الفرقان: 70) فإن قيل: كيف قال ابن عبّاس لا توبة للقاتل، وقال الله عز وجل: {وتوبوا إلى الله جميعًا} (النّور: 31) وقال: {إن الله هو يقبل التّوبة عن عباده} (التّوبة: 104) وأجمع الأئمّة على وجوب التّوبة. أجيب: بأن ذلك محمول فيه على الاقتداء بسنة الله في التّغليظ والتّشديد، وإلاّ فكل ذنب قابل للتّوبة، وناهيك بمحو الشّرك دليلا.
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ حدّثنا غندرٌ حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد ابن جبير قال اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن فرحلت فيه إلى ابن عبّاسٍ فقال نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيءٌ..
هذا طريق آخر عن سعيد بن جبير، وغندر بضم الغين المعجمة محمّد بن جعفر، وقد مر كثيرا وقد مر الكلام فيه في سورة النّساء.
- حدّثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا منصورٌ عن سعيد بن جبيرٍ قال: قال سألت ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما عن قوله تعالى فجزاؤه جهنّم قال لا توبة له وعٌ قوله جلّ ذكره: {لا يدعون مع الله إلاهاً آخر} قال كانت هذه في الجاهليّة..
هذا أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. قوله: (كانت هذه) ، أي قوله تعالى: {لا يدعون مع الله إل ها آخر} قوله: (في الجاهليّة) يعني: في حق أهل الشّرك من أهل مكّة. وأما الآية الأخرى ففي حق الرجل الّذي عرف الإسلام ثمّ قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنّم لا توبة له، وهذا مشهور عن ابن عبّاس، وقد حمل جمهور السّلف وجميع أهل السّنة ما ورد من ذلك على التّغليظ والتهديد، وصححوا توبة القاتل كغيره). [عمدة القاري: 19/95-97]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا}. العقوبة [الفرقان: 68]
(باب قوله) جل وعلا: ({والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر}) أي لا يعبدون غيره ({ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون}) يجوز أن تتعلق الباء في قوله: {بالحق} بنفس {يقتلون} أي لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر أي قتلًا ملتبسًا بالحق أو على أنها حال أي إلا ملتبسين بالحق.
فإن قلت: من حل قتله لا يدخل في النفس المحرمة فكيف يصح هذا الاستثناء؟ أجيب: بأن المقتضي لحرمة القتل قائم أبدًا وجواز القتل إنما ثبت بمعارض فقوله: {حرم الله} إشارة إلى المقتضي، وقوله: {إلا بالحق} إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردّة والزنا بعد الإحصان وقتل النفس المحرمة.
({ومن يفعل ذلك}) إشارة إلى جميع ما تقدم لأنه بمعنى ما ذكر فلذلك وحد ({يلق أثامًا}) [الفرقان: 68] (العقوبة) قال:
جزى الله ابن عروة حيث أمسى = عقوقًا والعقوق له آثام
أي: عقوبة، وقيل: هو الإثم نفسه أي يلق جزاء إثم فأطلق الإثم على جزائه أو الآثام اسم من أسماء جهنم أو واد أو بئر فيها ويلق جزم بحذف الألف جزاء الشرط، وسقط لأبي ذر قوله: ({التي حرم الله}) إلى آخر {ومن يفعل ذلك} وقال بعد قوله: {النفس} الآية. وسقط للأصيلي {ولا يزنون} إلى آخر قوله العقوبة.
- حدّثنا مسدّدٌ حدّثنا يحيى عن سفيان قال: حدّثني منصورٌ وسليمان عن أبي وائلٍ عن أبي ميسرة عن عبد اللّه قال: وحدّثني واصلٌ عن أبي وائلٍ عن عبد اللّه -رضي الله عنه- قال: سألت أو سئل رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- أيّ الذّنب عند اللّه أكبر؟ قال: «أن تجعل للّه ندًّا، وهو خلقك». قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: «ثمّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك». قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ} [الفرقان: 68].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (وسليمان) هو الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن أبي ميسرة) ضد الميمنة عمرو بن شرحبيل الهمداني (عن عبد الله) يعني ابن مسعود (قال) سفيان الثوري (وحدّثني) بالإفراد (واصل) هو ابن حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية وبعد الألف نون الأسدي الكوفي من طبقة الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (-رضي الله عنه-) فأسقط سفيان في هذه ما أثبته بين أبي وائل وابن مسعود في رواية منصور والأعمش وهو أبو ميسرة وهو الصواب (قال): أي ابن مسعود (سألت أو سئل رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) شك الراوي (أي الذنب عند الله أكبر؟) ولمسلم: أعظم؟ (قال):
(أن تجعل لله ندًّا) بكسر النون أي مثلًا (وهو خلقك) فوجود الخلق يدل على الخالق واستقامة الخلق تدل على توحيده إذ لو كان إلهين لم يكن على الاستقامة (قلت: ثم أي؟) بالتشديد والتنوين وفيه كلام سبق في أوّل البقرة وغيرها (قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) بخلًا مع الوجدان أو إيثارًا لنفسه عليه عند الفقد ولا اعتبار بمفهومه فلا يقال التقييد بخشية الإطعام مبيح
لأنه خرج مخرج الغالب لأنهم كانوا يقتلونهم لأجل ذلك (قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تزاني) ولغير أبي ذر ثم أن تزاني (بحليلة جارك) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام الأولى أي زوجته لأنها تحل له فهي فعيلة بمعنى فاعلة أو من الحلول لأنها تحل معه ويحل معها وإنما كان ذلك لأنه زنا وإبطال لما أوصى الله به من حفظ حقوق الجيران، وقال في التنقيح: تزاني تفاعل وهو يقتضي أن يكون من الجانبين. قال في المصابيح: لعله نبه به على شدة قبح الزنا إذا كان منه لا منها بأن يغشاها نائمة أو مكرهة فإنه إذا كان زناه بها مع المشاركة منها له والطواعية كبيرًا كان زناه بدون ذلك أكبر وأقبح من باب أولى (قال): أي ابن مسعود (ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-: {والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق}) وزاد أبو ذر {ولا يزنون}.
وهذا الحديث سبق في البقرة ويأتي إن شاء الله تعالى في التوحيد والأدب والمحاربين.
- حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزّة أنّه سأل سعيد بن جبيرٍ: هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا من توبةٍ؟ فقرأت عليه {ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ} [الفرقان: 68] فقال سعيدٌ قرأتها على ابن عبّاسٍ كما قرأتها عليّ فقال: هذه مكّيّةٌ نسختها آيةٌ مدنيّةٌ الّتي في سورة النّساء.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني أبو عبد الرحمن القاضي (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (القاسم بن أبي بزة) بفتح الموحدة وتشديد الزاي واسم أبي بزة نافع بن يسار تابعي صغير مكي وهو والد البزي المقري راوي ابن كثير وليس للقاسم في الجامع إلا هذا الحديث (أنه سأل سعيد بن جبير هل لمن قتل مؤمنًا متعمدًا من توبة؟) زاد في رواية منصور عن سعيد في آخر هذا الباب قال: لا توبة له (فقرأت عليه {ولا يقتلون}) ولأبي ذر: والذين يقتلون ({النفس التي حرم الله إلا بالحق}) واعترض بعضهم على رواية أبي ذر من جهة وقوع التلاوة على غير ما هي عليه. وأجاب في المصابيح: بأن المعنى فقرأت عليه آية: الذين لا يقتلون النفس فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وحينئذ لم يلزم كونه غير التلاوة لأنه لم يحكها نصًّا بل أشار إليها. (فقال سعيد): يعني ابن جبير للقاسم بن أبي بزة (قرأتها) يعني الآية (على ابن عباس كما قرأتها عليّ فقال: هذه) الآية (مكية نسختها) ولأبي ذر يعني نسختها (آية مدنية) والذي في اليونينية مدينية بتحتيتين بينهما نون مكسورة يعني قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] (التي في سورة النساء) إذ ليس فيها استثناء التائب وقالوا: نزلت الغلظة بعد اللينة بمدّة يسيرة، وعند ابن مردويه من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: نزلت سورة النساء بعد صورة الفرقان بستة أشهر، وقول ابن عباس هذا محمول على الزجر والتغليظ، وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة.
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا غندرٌ حدّثنا شعبة عن المغيرة بن النّعمان عن سعيد بن جبيرٍ قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيه إلى ابن عبّاسٍ فقال: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيءٌ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة أبو بكر العبدي بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي أنه (قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن) أي متعمدًا هل تقبل التوبة منه؟ (فرحلت فيه) بالراء والحاء المهملتين (إلى ابن عباس) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فدخلت بالدال والخاء المعجمة أي بعد أن رحلت إلى ابن عباس فسألته عن ذلك (فقال: نزلت في آخر ما نزل) أي هذه الآية: ({ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] (ولم ينسخها شيء).
وهذا الحديث قد سبق في سورة النساء.
- حدّثنا آدم حدّثنا شعبة حدّثنا منصورٌ عن سعيد بن جبيرٍ سألت ابن عبّاسٍ -رضي الله عنهما- عن قوله تعالى: {فجزاؤه جهنّم} قال: لا توبة له. وعن قوله جلّ ذكره {لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} قال: كانت هذه في الجاهليّة.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر ولأبي ذر عن منصور (عن سعيد بن جبير سألت) ولأبي ذر: قال سألت (ابن عباس -رضي الله عنهما- عن قوله تعالى: {فجزاؤه جهنم}) في الرواية الآتية عن قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها} (قال: لا توبة له) حملوه على التغليظ كما مرّ.
وحديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم أتى على تمام المائة إلى راهب فقال: لا توبة لك فقتله فأكمل به مائة ثم جاء آخر فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة المشهور قد يحتج به لقبولها لأنه إذا ثبت ذلك لمن قبل هذه الأمة فمثله لهم أولى لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم (وعن قوله جل ذكره: {لا يدعون مع الله إلهًا آخر}) قال: (كانت هذه) الآية (في الجاهلية) مشركي أهل مكة). [إرشاد الساري: 7/273-275]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً}
قوله: (كانت هذه) أي: آية {لا يدعون مع الله إلهاً آخر}، وما ذكره ابن عباس في تفسير الآيتين هو مذهبه، وحملهما الجمهور، وما في معناهما على التغليظ والتهديد، وصححوا توبة القاتل كغيره إلا أن يكون مستحلاً لذلك، وعليه يحمل ما ذكره، ويؤيد كلامهم الاستثناء في آية: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً أخر} بقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} اهـ شيخ الإسلام). [حاشية السندي على البخاري: 3/63]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذّنب أعظم؟ قال: أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك، قال: قلت: ثمّ ماذا؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: قلت: ثمّ ماذا؟ قال: أن تزني بحليلة جارك.
هذا حديثٌ حسنٌ.
حدّثنا بندارٌ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، والأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بمثله.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/189]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سعيد بن الرّبيع أبو زيدٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن واصلٍ الأحدب، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أيّ الذّنب أعظم؟ قال: أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك أو من طعامك، وأن تزني بحليلة جارك. قال: وتلا هذه الآية {والّذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا}.
حديث سفيان، عن منصورٍ، والأعمش، أصحّ من حديث شعبة، عن واصلٍ، لأنّه زاد في إسناده رجلاً.
حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نحوه.
هكذا روى شعبة، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل). [سنن الترمذي: 5/190]

قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وهو الّذي جعل اللّيل والنّهار خلفةً}
- أخبرنا هنّاد بن السّريّ، في حديثه، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيقٍ، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيّ الذّنب أكبر؟، قال: «أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك»، قلت: ثمّ أيّ؟، قال: «أن تقتل ولدك أن يطعم معك»، قلت: ثمّ أيّ؟، قال: «أن تزاني حليلة جارك»، قال عبد الله: فأنزل الله تصديق ذلك {والّذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا} [الفرقان: 68]
- أخبرنا عمرو بن عليٍّ، حدّثنا يحيى، حدّثنا سفيان، قال: حدّثني منصورٌ، وسليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي ميسرة، عن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذّنب أعظم؟، قال: «أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك»، قلت: ثمّ أيّ؟، قال: «ثمّ أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك»، قلت: ثمّ ماذا؟، قال: «ثمّ أن تزاني حليلة جارك»
- أخبرنا الحسن بن محمّدٍ، عن حجّاجٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزّة، أنّه سأل سعيد بن جبيرٍ: هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا من توبةٍ؟، قال: " لا، فقرأ هذه الآية {والّذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ} [الفرقان: 68]، قال سعيدٌ: قرأتها على ابن عبّاسٍ قال: هذه مكّيّةٌ، نسختها آيةٌ في سورة النّساء "
- أخبرنا محمّد بن المثنّى، حدّثنا محمّدٌ، حدّثنا شعبة، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: " أمرني عبد الرّحمن أن أسأل ابن عبّاسٍ عن هاتين الآيتين {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم} [النساء: 93]، فقال: لم ينسخها شيءٌ، وعن هذه الآية {والّذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ} [الفرقان: 68]، قال: نزلت في أهل الشّرك "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/204-205]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ}
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن هلال بن يسافٍ، عن سلمة بن قيسٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع: «ألا إنّما هي أربعٌ - فما أنا بأشحّ عليهنّ منّي منذ سمعتهنّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - ألّا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ»، قال حمزة: يعني ولا تزنوا، ولا تسرقوا "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/206]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا (69) إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيمًا (70) ومن تاب وعمل صالحًا فإنّه يتوب إلى اللّه متابًا}.
يقول تعالى ذكره: والّذين لا يعبدون مع اللّه إلهًا آخر، فيشركوه في عبادتهم إيّاه، ولكنّهم يخلصون له العبادة ويفردونه بالطّاعة {ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه} قتلها {إلاّ بالحقّ} إمّا بكفرٍ باللّه بعد إسلامها، أو زنًا بعد إحصانها، أو قتل نفسٍ فتقتل بها {ولا يزنون} فيأتون ما حرّم اللّه عليهم إتيانه من الفروج {ومن يفعل ذلك} يقول: ومن يأت هذه الأفعال، فدعا مع اللّه إلهًا آخر، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه بغير الحقّ، وزنى {يلق أثامًا} يقول: يلق من عقاب اللّه عقوبةً ونكالاً، كما وصفه ربّنا جلّ ثناؤه، وهو أنّه {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا}.
ومن الأثام قول بلعاء بن قيسٍ الكنانيّ:
جزى اللّه ابن عروة حيث أمسى = عقوقًا والعقوق له أثام
يعني بالأثام: العقاب.
وقد ذكر أنّ هذه الآية نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أجل قومٍ من المشركين أرادوا الدّخول في الإسلام ممّن كان منه في شركه هذه الذّنوب، فخافوا أن لا ينفعهم مع ما سلف منهم من ذلك إسلامٌ، فاستفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك، فأنزل اللّه تبارك وتعالى هذه الآية، يعلّمهم أنّ اللّه قابلٌ توبة من تاب منهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثني يعلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنّ ناسًا من أهل الشّرك قتلوا فأكثروا، فأتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: إنّ الّذي تدعونا إليه لحسنٌ، لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارةً، فنزلت: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر، ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ، ولا يزنون} ونزلت: {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه} إلى قوله: {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتةً وأنتم لا تشعرون}.
قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثل قول ابن عبّاسٍ سواءً.
- حدّثنا عبيد اللّه بن محمّدٍ الفريابيّ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي معاوية، عن أبي عمرٍو الشّيبانيّ، عن عبد اللّه، قال: سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ما الكبائر؟ قال: أن تدعو للّه ندًّا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك، وأن تزني بحليلة جارك، وقرأ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من كتاب اللّه: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر، ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ، ولا يزنون}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عامرٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، ومنصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللّه، قال: قلت: يا رسول اللّه، أيّ الذّنب أعظم؟ قال: أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: ثمّ أن تزاني حليلة جارك، فأنزل تصديق قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ ولا يزنون} الآية.
- حدّثنا سليمان بن عبد الجبّار، قال: حدّثنا عليّ بن قادمٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ الهمدانيّ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي ميسرة، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، نحوه.
- حدّثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرّمليّ، قال: حدّثني عمّي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن سفيان، عن عبد اللّه قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه، أيّ الذّنب أكبر؟ ثمّ ذكر نحوه.
- حدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا عامر بن مدركٍ، قال: حدّثنا السّريّ يعني ابن إسماعيل، قال: حدّثنا الشّعبيّ، عن مسروقٍ، قال: قال عبد اللّه: خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يومٍ، فاتّبعته، فجلس على نشزٍ من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، فاغتنمت خلوته، وقلت: بأبي وأمّي يا رسول اللّه، أيّ الذّنوب أكبر؟ قال: أن تدعو للّه ندًّا وهو خلقك. قلت: ثمّ مه؟ قال: أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك. قلت: ثمّ مه؟ قال: أن تزاني حليلة جارك، ثمّ تلا هذه الآية: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} إلى آخر الآية.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا طلق بن غنّامٍ، عن زائدة، عن منصورٍ، قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ، أو حدّثت عن سعيد بن جبيرٍ، أنّ عبد الرّحمن بن أبزى أمره أن يسأل ابن عبّاسٍ عن هاتين الآيتين الّتي في النّساء: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} إلى آخر الآية، والآية الّتي في الفرقان: {ومن يفعل ذلك يلق أثامًا} إلى: {ويخلد فيه مهانًا}، قال ابن عبّاسٍ: إذا دخل الرّجل في الإسلام، وعلم شرائعه وأمره ثمّ قتل مؤمنًا متعمّدًا، فلا توبة له. والّتي في الفرقان لمّا أنزلت، قال المشركون من أهل مكّة: فقد عدلنا باللّه، وقتلنا النّفس الّتي حرّم اللّه بغير الحقّ، فما ينفعنا الإسلام؟ قال: فنزلت {إلاّ من تاب} قال: فمن تاب منهم قبل منه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ، أو قال: حدّثني الحكم، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أمرني عبد الرّحمن بن أبزى فقال: سل ابن عبّاسٍ عن هاتين الآيتين، ما أمرهما، عن الآية الّتي في الفرقان: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه} الآية، والّتي في النّساء: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم}، فسألت ابن عبّاسٍ عن ذلك، فقال: لمّا أنزل اللّه الّتي في الفرقان، قال مشركو أهل مكّة: قد قتلنا النّفس الّتي حرّم اللّه، ودعونا مع اللّه إلهًا آخر، فقال: {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا} الآية. فهذه لأولئك. وأمّا الّتي في النّساء: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم} الآية، فإنّ الرّجل إذا عرف الإسلام ثمّ قتل مؤمنًا متعمّدًا، فجزاؤه جهنّم، فلا توبة له. فذكرته لمجاهدٍ فقال: إلاّ من ندم.
- حدّثنا محمّد بن عوفٍ الطّائيّ، قال: حدّثنا أحمد بن خالدٍ الذّهنيّ، قال: حدّثنا شيبان، عن منصور بن المعتمر، قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ، قال لي سعيد بن عبد الرّحمن بن أبزى: سل ابن عبّاسٍ عن هاتين الآيتين، عن قول اللّه: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} إلى {من تاب} وعن قوله: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا}. إلى آخر الآية. قال: فسألت عنها ابن عبّاسٍ، فقال: أنزلت هذه الآية في الفرقان بمكّة إلى قوله {ويخلد فيه مهانًا} فقال المشركون: فما يغني عنّا الإسلام وقد عدلنا باللّه، وقتلنا النّفس الّتي حرّم اللّه، وأتينا الفواحش، قال: فأنزل اللّه {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا}. إلى آخر الآية، قال: وأمّا من دخل في الإسلام وعقله، ثمّ قتل، فلا توبة له.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال في هذه الآية: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر، ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ}. الآية، قال: نزلت في أهل الشّرك.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أمرني عبد الرّحمن بن أبزى أن أسأل ابن عبّاسٍ عن هذه الآية {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} فذكر نحوه.
- حدّثني عبد الكريم بن عميرٍ، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان مولًى لبني الدّيل من أهل المدينة، عن فليحٍ الشّمّاس، عن عبيد بن أبي عبيدٍ، عن أبي هريرة قال: صلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العتمة، ثمّ انصرفت فإذا امرأةٌ عند بابي، ثمّ سلّمت، ففتحت ودخلت، فبينا أنا في مسجدي أصلّي، إذ نقرت الباب، فأذنت لها، فدخلت، فقالت: إنّي جئتك أسألك عن عملٍ عملت، هل لي من توبةٍ؟ فقالت: إنّي زنيت وولدت، فقتلته، فقلت: لا، ولا نعمة العين ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة، تقول: يا حسرتاه، أخلق هذا الحسن للنّار؟ قال: ثمّ صلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصّبح من تلك اللّيلة، ثمّ جلسنا ننتظر الإذن عليه، فأذن لنا، فدخلنا، ثمّ خرج من كان معي، وتخلّفت، فقال: ما لك يا أبا هريرة، ألك حاجةٌ؟ فقلت له: يا رسول اللّه، صلّيت معك البارحة، ثمّ انصرفت. وقصصت عليه ما قالت المرأة، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ما قلت لها؟ قال: قلت لها: لا واللّه ولا نعمت العين ولا كرامة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: بئس ما قلت، أما كنت تقرأ هذه الآية: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر، ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ} الآية {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا}. فقال أبو هريرة: فخرجت، فلم أترك بالمدينة حصنًا ولا دارًا إلاّ وقفت عليه، فقلت: إن تكن فيكم المرأة الّتي جاءت أبا هريرة اللّيلة، فلتأتني ولتبشر؛ فلمّا صلّيت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم العشاء، فإذا هي عند بابي، فقلت: أبشري، فإنّي دخلت على النّبيّ، فذكرت له ما قلت لي، وما قلت لك، فقال: بئس ما قلت لها، أما كنت تقرأ هذه الآية؟ فقرأتها عليها، فخرّت ساجدةً، فقالت: الحمد للّه الّذي جعل مخرجًا وتوبةً ممّا عملت، إنّ هذه الجارية وابنها حرّان لوجه اللّه، وإنّي قد تبت ممّا عملت.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاء، قال: اختلفت إلى ابن عبّاسٍ ثلاث عشرة سنةً، فما شيء من القرآن إلاّ سألته عنه، ورسولي يختلف إلى عائشة، فما سمعته، ولا سمعت أحدًا من العلماء يقول: إنّ اللّه يقول لذنبٍ: لا أغفره.
وقال آخرون: هذه الآية منسوخةٌ بالّتي في النّساء.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني المغيرة بن عبد الرّحمن الحزاميّ، عن أبي الزّناد، عن خارجة بن زيدٍ، أنّه دخل على أبيه وعنده رجلٌ من أهل العراق، وهو يسأله عن هذه الآية الّتي في تبارك الفرقان، والّتي في النّساء {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا}، فقال زيد بن ثابتٍ: قد عرفت النّاسخة من المنسوخة، نسختها الّتي في النّساء بعدها بستّة أشهرٍ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال الضّحّاك بن مزاحمٍ: هذه السّورة بينها وبين النّساء {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} ثمان حججٍ.
- وقال ابن جريجٍ: وأخبرني القاسم بن أبي بزّة أنّه سأل سعيد بن جبيرٍ: هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا توبةٌ؟ فقال: لا، فقرأ عليه هذه الآية كلّها، فقال سعيد بن جبيرٍ: قرأتها على ابن عبّاسٍ كما قرأتها عليّ، فقال: هذه مكّيّةٌ، نسختها آيةٌ مدنيّةٌ، الّتي في سورة النّساء.
وقد أتينا على البيان عن الصّواب من القول في هذه الآية الّتي في سورة النّساء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وبنحو الّذي قلنا في الأثام من القول قال أهل التّأويل، إلاّ أنّهم قالوا: ذلك عقابٌ يعاقب اللّه به من أتى هذه الكبائر بوادٍ في جهنّم يدعى أثامًا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني أحمد بن المقدام، قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدّث، عن قتادة، عن أبي أيّوب الأزديّ، عن عبد اللّه بن عمرٍو، قال: الأثام: وادٍ في جهنّم.
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {يلق أثامًا} قال: واديًا في جهنّم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، في قوله: {ومن يفعل ذلك يلق أثامًا} قال: واديًا في جهنّم فيه الزّناة.
- حدّثني العبّاس بن أبي طالبٍ، قال: حدّثنا محمّد بن زيادٍ، قال: حدّثنا شرقيّ بن قطاميٍّ، عن لقمان بن عامرٍ الخزاعيّ، قال: جئت أبا أمامة صديّ بن عجلان الباهليّ فقلت: حدّثني حديثًا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: فدعا لي بطعامٍ، ثمّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لو أنّ صخرةً زنة عشر عشراواتٍ قذف بها من شفير جهنّم ما بلغت قعرها خمسين خريفًا، ثمّ تنتهي إلى غيٍّ وأثامٍ. قلت: وما غيٌّ وأثامٌ؟ قال: بئران في أسفل جهنّم يسيل فيهما صديد أهل النّار، وهما اللّذان ذكر اللّه في كتابه {أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيًّا} وقوله في الفرقان: {ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثامًا}.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {يلق أثامًا} قال: الأثام الشّرّ، وقال: سيكفيك ما وراء ذلك: {يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانًا}.
- حدّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {يلق أثامًا} قال: نكالاً؛ قال: ويقال: إنّه وادٍ في جهنّم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن هشيمٍ، قال: أخبرنا زكريّا بن أبي مريم، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ، يقول: إنّ ما بين شفير جهنّم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفًا بحجرٍ يهوي فيها أو بصخرةٍ تهوي عظمها كعشر عشراواتٍ سمانٍ، فقال له رجلٌ: فهل تحت ذلك من شيءٍ؟ قال: نعم غيٌّ وأثامٌ). [جامع البيان: 17/505-515]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا (68)
قوله تعالى: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ، ثنا عبد اللّه بن نميرٍ أنبأ الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، عن الكبائر قال: أن تدعو للّه ندًّا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك أن يطعم معك وأن تزاني حليلة جارك ثمّ قرأ: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون
- حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن زنجويه، ثنا عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قلت يا رسول اللّه أو قاله غيري: أيّ الذّنب أعظم عند اللّه؟ قال: أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك قال: ثمّ أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قال ثمّ أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك، قال: فأنزل اللّه تصديق ذلك في كتابه: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر الآية.
- حدّثنا أبي، ثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح الزّعفرانيّ، ثنا حجّاجٌ، عن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ، عن سعيد بن جبيرٍ أنّه سمعه يحدّث، عن ابن عبّاسٍ أنّ ناسًا من أهل الشّرك قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثمّ أتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا إنّ الّذي تقوله وتدعو إليه لحسنٌ لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارةً فنزلت: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون ونزلت: يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم
- حدّثنا أبي، ثنا أبي عمر، ثنا سفيان، عن عمرٍو، عن أبي فاختة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لرجلٍ: إنّ اللّه ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق وينهاك أن تقتل ولدك وتغزوا كلبك وينهاك أن تزني بحليلة جارك، قال سفيان: وهو قوله: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر
- حدّثنا أبي ثنا آدم بن أبي إياسٍ العسقلانيّ، ثنا شعبة، ثنا يزيد الرّشك، عن أبي مجلزٍ قال: كنت جالسًا عند عبد اللّه بن عمر سأله رجلٌ، عن الشّرك؟
فقال: أن تجعل مع اللّه إلهًا آخر.
قوله تعالى: ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ يعني نفس المؤمن.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أبو هشامٍ، ثنا ابن أبي غنيّة، عن سعدٍ الإسكاف، عن أبي جعفرٍ: ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ قال: هم أهل الذّمّة.
قوله تعالى: الّتي حرّم اللّه
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه حدّثني عبد اللّه بن لهيعة حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ قول اللّه: ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه قتلها إلا بالحقّ.
قوله تعالى: إلا بالحقّ
- به عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّي أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلا اللّه فإذا قالوها حرّمت دماؤهم إلا بحقّها وحسابهم على اللّه قالوا: يا نبيّ اللّه وما حقّها؟ قال: النّفس بالنّفس والثّيّب الزّاني والمرتدّ، عن الإسلام والتارك لدينه فغيّر إيمانه المفارق للجماعة.
قوله تعالى: ولا يزنون
- حدّثنا عليّ بن الحسن الهسنجانيّ، ثنا مسدّدٌ، ثنا عبد الواحد، ثنا عاصمٌ، عن الشّعبيّ قال مسروقٌ إنّي لأعجب ممّن يقول: إنّ القذف أشدّ من الزّنا وقد قرن اللّه الزّنا بالقتل والإشراك. قال اللّه: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون
قوله تعالى: ومن يفعل ذلك
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: ومن يفعل ذلك من هذه الآيات الثّلاث يلق أثامًا وفي قوله: يلق أثاما يعني جزاؤه أثامٌا.
قوله تعالى: يلق أثامًا
- حدّثنا أبي ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيد بن بشيرٍ، ثنا قتادة، عن أبي أيّوب، عن عبد اللّه بن عمر: أثامًا قال: وادٍ في جهنّم- وروى عن مجاهدٍ وسعيد بن جبيرٍ في إحدى الرّوايات وعكرمة مثل ذلك.
- أخبرنا العبّاس بن الوليد بن مزيدٍ أنبأ محمّد بن شعيبٍ أنبأ سعيد بن بشيرٍ أنّ قتادة حدّثهم أنّ أثامًا أوديةٌ في جهنّم.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا عليّ بن زنجة ومحمّد بن عليٍّ قالا، ثنا عليّ بن الحسن أنبأ الحسين، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة حدّثهم: يلق أثامًا أوديةٌ في جهنّم فيها الزّناة.
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ومن يفعل ذلك يلق أثامًا أي نكالا كنّا نحدّث أنّه وادٍ في جهنّم.
وقد ذكر لنا أنّ لقمان كان يقول: يا بنيّ إيّاك والزّنا فإنّه أوّله مخافةٌ وآخره ندامةٌ.
- حدّثنا عبد اللّه بن سليمان، ثنا الحسين بن عليٍّ، ثنا عامر بن الفرات، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ يلق أثامًا قال: جزاءً). [تفسير القرآن العظيم: 8/2728-2730]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمثنا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله يلق آثاما قال يعني به واديا في جهنم يدعى آثاما). [تفسير مجاهد: 456]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا يحيى بن محمّدٍ العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جريرٌ، عن منصور بن المعتمر، حدّثني سعيد بن جبيرٍ، قال: أمرني عبد الرّحمن بن أبزى أن أسأل ابن عبّاسٍ، عن هاتين الآيتين ما أمرهما الّتي في سورة الفرقان: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ} [الفرقان: 68] ، والّتي في سورة النّساء {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم} [النساء: 93] الآية. قال: فسألت ابن عبّاسٍ عن ذلك قال: «لمّا أنزل الّتي في سورة الفرقان قال مشركوا أهل مكّة قد قتلنا النّفس الّتي حرّم اللّه بغير الحقّ ودعونا مع اللّه إلهًا آخر وأتينا الفواحش» قال: فنزلت {إلّا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا} [الفرقان: 70] الآية. قال: «فهؤلاء لأولئك» قال: " وأمّا الّتي في سورة النّساء {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} [النساء: 93] الآية فهو الرّجل الّذي قد عرف الإسلام وعمل عمل الإسلام، ثمّ قتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم لا توبة له. قال: فذكرت ذلك لمجاهدٍ فقال: إلّا من ندم «صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/438]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن آدم، ثنا ابن أبي زائدة، عن ابن جريجٍ، عن يعلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: قال رجلٌ من أهل الشّرك: يا رسول اللّه، " وقد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ما أحسن ما تدعونا إليه لو أخبرتنا أنّ لما عملنا كفّارةً. فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} [الفرقان: 68] الآية. ونزلت: {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه} [الزمر: 53] «صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/438]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م د) ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال: سألت - أو سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم - أيّ الذّنب عند الله أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قال: قلت: إن ذلك لعظيمٌ؛ قلت: ثم أيٌّ؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أيٌّ؟ قال أن تزاني حليلة جارك، قال: ونزلت هذه الآية، تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ ولا يزنون} [الفرقان: 68].
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
[شرح الغريب]
(ندّاً) الند: المثل
(حليلة) الحليلة: المرأة، والحليل: الزوج). [جامع الأصول: 2/285-286]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} [الفرقان: 68].
- عن ابن عبّاسٍ قال: «قرأناها على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - سنين {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ ولا يزنون} [الفرقان: 68] الآية، ثمّ نزلت {إلّا من تاب} [الفرقان: 70] فما رأيت النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فرح فرحًا قطّ أشدّ منه بها وب "إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا» ". قلت: له حديثٌ في الصّحيح غير هذا.
رواه الطّبرانيّ من رواية عليّ بن زيدٍ عن يوسف بن مهران، وقد وثّقا وفيهما ضعفٌ، وبقيّة رجاله ثقاتٌ.
- وعن عبد اللّه - يعني ابن مسعودٍ - «أنّ النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قرأ: {ومن يفعل ذلك يلق أثامًا} [الفرقان: 68]».
رواه الطّبرانيّ، وفيه أحمد بن يحيى الكوفيّ الأحول وهو ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 7/84]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما * يضاعف له
العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا.
أخرج الفريابي وأحمد، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت: ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ثم أي قال: أن تزاني حليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} ). [الدر المنثور: 11/212]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم، وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا وزنوا ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} ونزلت {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} الزمر الآية 53). [الدر المنثور: 11/213]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري، وابن المنذر من طريق القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جبير هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة فقرأت عليه {ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} فقال سعيد: قرأتها على ابن عباس كما قرأتها علي فقال: هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء). [الدر المنثور: 11/213]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المبارك عن شفي الاصبحي قال: إن في جهنم جبلا يدعى: صعودا، يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه وإن في جهنم قصرا يقال له: هوى، يرمى الكافر من أعلاه فيهوى أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله، قال تعالى {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} طه الآية 81 وان في جهنم واديا يدعى: أثاما، فيه حيات وعقارب في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من السم والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة وإن في جهنم واديا يدعى: غيا، يسيل قيحا ودما). [الدر المنثور: 11/213-214]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال: الصلوات لمواقيتهن، قلت: ثم أي قال: بر الوالدين قلت: ثم أي قال: ثم الجهاد في سبيل الله ولو استزدته لزادني، وسألته أي الذنب أعظم عند الله قال: الشرك بالله قلت: ثم أي قال: أن تقتل ولدك أن يطعم معك فما لبثنا إلا يسيرا حتى أنزل الله {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} ). [الدر المنثور: 11/214]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن عون بن عبد الله قال: سألت الاسود بن يزيد هل كان ابن مسعود يفضل عملا على عمل قال: نعم، سألت ابن مسعود قال: سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أي الاعمال أحبها إلى الله وأقربها من الله قال: الصلاة لوقتها قلت: ثم ماذا على اثر ذلك قال: ثم بر الوالدين قلت: ثم ماذا على أثر ذلك قال: الجهاد في سبيل الله ولو استزدته لزادني قلت: فأي الاعمال أبغضها إلى الله وأبعدها من الله قال: إن تجعل لله ندا وهو خلقك وأن تقتل ولدك أن يأكل معك وأن تزاني حليلة جارك ثم قرأ {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} ). [الدر المنثور: 11/214-215]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتذر الخالق وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك وينهاك أن تزني بحليلة جارك). [الدر المنثور: 11/215]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر في قوله {يلق أثاما} قال: واد في جهنم). [الدر المنثور: 11/215]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {يلق أثاما} قال: واد في جهنم من قيح ودم). [الدر المنثور: 11/215]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: اثام أودية في جهنم فيها الزناة). [الدر المنثور: 11/216]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة {يلق أثاما} قال: نكالا، وكنا نحدث أنه واد في جهنم وذكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني إياك والزنا فإن أوله مخافة وآخره ندامة). [الدر المنثور: 11/216]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المبارك في الزهد عن شفي الاصبحي قال: إن في جهنم واديا يدعى: أثاما، فيه حيات وعقارب في فقار احداهن مقدار سبعين قلة من السم والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة). [الدر المنثور: 11/216]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن الانباري عن ابن عباس أن نافع بن الازرق قال له: أخبرني عن قوله {يلق أثاما} ما الاثام قال: الجزاء قال فيه عامر بن الطفيل:
وروينا الاسنة من صداء * ولا قت حمير منا أثاما). [الدر المنثور: 11/216]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ). [الدر المنثور: 11/216]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} اشتد ذلك على المسلمين فقالوا: ما منا أحد إلا أشرك وقتلن وزنى فأنزل الله {يا عبادي الذين أسرفوا} الزمر الآية 53، يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك ثم نزلت بعده {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} فأبدلهم الله بالكفر الإسلام وبالمعصية الطاعة وبالانكار المعرفة وبالجهالة العلم). [الدر المنثور: 11/217]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: نزلت آية من تبارك بالمدينة في شأن قاتل حمزة وحشي وأصحابه كانوا يقولون: انا لنعرف الإسلام وفضله فكيف لنا بالتوبة وقد عبدنا الاوثان وقتلنا أصحاب محمد وشربنا الخمور ونكحنا المشركات فأنزل الله فيهم {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية، ثم نزلت توبتهم {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} فابدلهم الله بقتال المسلمين قتال المشركين ونكاح المشركات نكاح المؤمنات وبعبادة الاوثان عبادة الله). [الدر المنثور: 11/217-218]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن هذه الآية {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} قال: هؤلاء كانوا في الجاهلية فأشركوا وقتلوا وزنوا، فقالوا: لن يغفر الله لنا، فأنزل الله {إلا من تاب}، قال: كانت التوبة والإيمان والعمل الصالح وكان الشرك والقتل والزنا، كانت ثلاث مكان ثلاث). [الدر المنثور: 11/218]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال: لما نزلت {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} قال بعض أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كنا أشركنا في الجاهلية وقتلنا فنزلت {إلا من تاب} ). [الدر المنثور: 11/218]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قرأنا على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم سنين {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ثم نزلت {إلا من تاب وآمن} فما رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها وفرحه ب {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الفتح الآية 1). [الدر المنثور: 11/218-219]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو داود في تاريخه عن ابن عباس {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ثم استثنى {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} ). [الدر المنثور: 11/219]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ثم انصرفت فإذا امراة عند بابي فقالت: جئتك أسألك عن عمل عملته هل ترى لي منه توبة قلت: وما هو قالت: زنيت وولد لي وقتلته قلت: لا، ولا كرامة، فقامت وهي تقول: واحسرتاه، أيخلق هذا الجسد للنار فلما صليت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم الصبح من تلك الليلة قصصت عليه أمر المرأة قال: ما قلت لها قلت لا، ولا كرامة قال: بئس ما قلت، أما كنت تقرأ هذه الآية {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى قوله {إلا من تاب} الآية، قال أبو هريرة: فخرجت فما بقيت دار بالمدينة ولا خطة إلا وقفت عليها فقلت: إن كان فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة فلتأت ولتبشر، فلما انصرفت من العشي إذا هي عند بابي فقلت: ابشري اني ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ما قلت لي وما قلت لك فقال: بئس ما قلت أما كنت تقرأ هذه الآية وقرأتها عليها فخرت ساجدة وقالت: أحمد الله الذين جعل لي توبة ومخرجا أشهد أن هذه الجارية لجارية معها، وابن لها حران لوجه الله وإني قد تبت مما عملت). [الدر المنثور: 11/219-220]

تفسير قوله تعالى: (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا} [الفرقان: 69]
- حدّثنا سعد بن حفصٍ، حدّثنا شيبان، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال ابن أبزى: سل ابن عبّاسٍ، عن قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم خالدًا فيها} [النساء: 93] ، وقوله: {ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ} [الفرقان: 68] حتّى بلغ {إلّا من تاب وآمن} [مريم: 60] فسألته فقال: " لمّا نزلت قال أهل مكّة: فقد عدلنا باللّه، وقد قتلنا النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، وأتينا الفواحش "، فأنزل اللّه: {إلّا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا} [الفرقان: 70] إلى قوله {غفورًا رحيمًا} [الفرقان: 70] ). [صحيح البخاري: 6/110]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا)
قرأ الجمهور بالجزم في يضاعف ويخلد بدلًا من الجزاء في قوله يلق أثاما بدل اشتمال وقرأ بن عامرٍ وأبو بكرٍ عن عاصمٍ بالرّفع على الاستئناف
- قوله حدّثنا سعد بن حفصٍ هو الطلحي وشيبان هو بن عبد الرّحمن ومنصور هو بن المعتمر قوله عن سعيد بن جبيرٍ قال قال بن أبزى بموحّدةٍ وزايٍ مقصورةٍ واسمه عبد الرّحمن وهو صحابيّ صغير قوله سئل بن عبّاسٍ كذا في رواية أبي ذرٍّ بصيغة الفعل الماضي ومثله للنّسفيّ وهو يقتضي أنّه من رواية سعيد بن جبير عن بن أبزي عن بن عبّاسٍ وفي رواية الأصيليّ سل بصيغة الأمر وهو المعتمد ويدلّ عليه قوله بعد سياق الآيتين فسألته فإنّه واضحٌ في جواب قوله سل وإن كان اللّفظ الآخر يمكن توجيهه بتقدير سئل بن عبّاسٍ عن كذا فأجاب فسألته عن شيءٍ آخر مثلًا ولا يخفى تكلّفه ويؤيّد الأوّل رواية شعبة في الباب الّذي يليه عن منصورٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال أمرني عبد الرّحمن بن أبزي أن أسأل بن عبّاسٍ فسألته وكذا أخرجه إسحاق بن إبراهيم في تفسيره عن جريرٍ عن منصورٍ وأخرجه بن مردويه من طريق أخرى عن جريرٍ بلفظ قال أمرني عبد الرّحمن بن أبزى أن أسأل بن عبّاسٍ فذكره وذكر عياضٌ ومن تبعه أنّه وقع في رواية أبي عبيدٍ القاسم بن سلّامٍ في هذا الحديث من طريق عن سعيد بن جبيرٍ أمرني سعيد بن عبد الرّحمن بن أبزي أن أسأل بن عبّاسٍ فالحديث من رواية سعيد بن جبيرٍ عن بن عبّاس ولغيره أمرني بن عبد الرّحمن قال وقال بعضهم لعلّه سقط بن قبل عبد الرّحمن وتصحّف من أمرني ويكون الأصل أمر بن عبد الرّحمن ثمّ لا ينكر سؤال عبد الرّحمن واستفادته من بن عبّاسٍ فقد سأله من كان أقدم منه وأفقه قلت الثّابت في الصّحيحين وغيرهما من المستخرجات عن سعيد بن جبيرٍ أمرني عبد الرّحمن بن أبزي أن أسأل بن عبّاسٍ فالحديث من رواية سعيد بن جبيرٍ عن بن عبّاسٍ والّذي زاد فيه سعيد بن عبد الرّحمن أو بن عبد الرّحمن قوله
- عن هاتين الآيتين ومن يقتل مؤمنًا متعمدا فسألته فقال لم ينسخها شيءٌ وعن والّذين يدعون مع الله إلهًا آخر قال نزلت في أهل الشّرك هكذا أورده مختصرًا وسياق مسلمٍ من هذا الوجه أتمّ وأتمّ منهما ما تقدّم في المبعث من رواية جريرٍ بلفظ هاتين الآيتين ما أمرهما الّتي في سورة الفرقان والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر والّتي في سورة النّساء ومن يقتل مؤمنًا متعمدا قال سألت بن عبّاسٍ فقال لمّا أنزلت الّتي في سورة الفرقان قال مشركو مكّة قد قتلنا النّفس ودعونا مع اللّه إلهًا آخر وأتينا الفواحش قال فنزلت إلّا من تاب الآية قال فهذه لأولئك قال وأمّا الّتي في سورة النّساء فهو الّذي قد عرف الإسلام ثمّ قتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم لا توبة له قال فذكرت ذلك لمجاهدٍ فقال إلّا من ندم وحاصل ما في هذه الرّوايات أن بن عبّاسٍ كان تارةً يجعل الآيتين في محلٍّ واحدٍ فلذلك يجزم بنسخ إحداهما وتارةً يجعل محلّهما مختلفًا ويمكن الجمع بين كلاميه بأنّ عموم الّتي في الفرقان خصّ منها مباشرة المؤمن القتل متعمّدًا وكثيرٌ من السّلف يطلقون النّسخ على التّخصيص وهذا أولى من حمل كلامه على التّناقض وأولى من دعوى أنّه قال بالنسخ ثمّ رجع عنه وقول بن عبّاسٍ بأنّ المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمّدًا لا توبة له مشهورٌ عنه وقد جاء عنه في ذلك ما هو أصرح ممّا تقدّم فروى أحمد والطّبريّ من طريق يحيى الجابر والنّسائيّ وبن ماجه من طريق عمّار الذّهبيّ كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال كنت عند بن عبّاس بعد ما كفّ بصره فأتاه رجلٌ فقال ما ترى في رجلٍ قتل مؤمنًا متعمّدًا قال جزاؤه جهنّم خالدًا فيها وساق الآية إلى عظيمًا قال لقد نزلت في آخر ما نزل وما نسخها شيءٌ حتّى قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما نزل وحيٌ بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا ثمّ اهتدى قال وأنّى له التّوبة والهدى لفظ يحيى الجابر والآخر نحوه وجاء على وفق ما ذهب إليه بن عبّاسٍ في ذلك أحاديث كثيرةٌ منها ما أخرجه أحمد والنّسائيّ من طريق أبي إدريس الخولانيّ عن معاوية سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول كلّ ذنبٍ عسى اللّه أن يغفره إلّا الرّجل يموت كافرًا والرّجل يقتل مؤمنًا متعمّدًا وقد حمل جمهور السّلف وجميع أهل السّنّة ما ورد من ذلك على التّغليظ وصحّحوا توبة القاتل كغيره وقالوا معنى قوله فجزاؤه جهنّم أي إن شاء اللّه أن يجازيه تمسّكًا بقوله تعالى في سورة النّساء أيضًا إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن الحجّة في ذلك حديث الإسرائيليّ الّذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا ثمّ أتى تمام المائة فقال له لا توبة فقتله فأكمل به مائةً ثمّ جاء آخر فقال ومن يحول بينك وبين التّوبة الحديث وهو مشهورٌ وسيأتي في الرّقاق واضحًا وإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمّة فمثله لهم أولى لما خفّف اللّه عنهم من الأثقال الّتي كانت على من قبلهم). [فتح الباري: 8/494-495]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً} (الفرقان: 69)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {يضاعف} الآية. قوله: (يضاعف) بدل من قوله: {يلق أثاماً} (الفرقان: 68) لأنّهما في معنى واحد، ومعنى: {يضاعف له العذاب} أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشّرك يعذب على الشّرك وعلى المعاصي جميعًا، وقرأ عاصم: يضاعف، بالرّفع على تفسير: يلق أثاماً، كأن قائلا يقول: ما لقي الأثام فقيل: يضاعف العذاب، وقرأ الباقون بالجزم بدلا من قوله: (يلق) لأنّه مجزوم على الجزاء، وابن كثير وابن عامر يحذفان فإن الألف ويشددان العين. قوله: (ويخلد فيه) أي: في النّار (مهاناً) ذليلاً، وقرأ ابن عامر: يخلد بالرّفع على الاستئناف والباقون بالجزم). [عمدة القاري: 19/97]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا} [الفرقان: 69]
قوله: ({يضاعف}) ولأبي ذر باب بالتنوين قوله يضاعف ({له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا}) [الفرقان: 69] نصب على الحال وهو اسم مفعول من أهانه يهينه أي أذله وأذاقه
الهوان ويضاعف ويخلد بالجزم فيهما بدلًا من يلق بدل اشتمال كقوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا = تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا
فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء وقرأ بالرفع ابن عامر وشعبة على الاستئناف كأنه جواب ما الآثام ويخلد عطفًا عليه.
- حدّثنا سعد بن حفصٍ، حدّثنا شيبان عن منصورٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال: قال ابن أبزى سئل ابن عبّاسٍ عن قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم} [النساء: 93] وقوله: {لا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ} -حتّى بلغ- {إلاّ من تاب} [الفرقان: 68] فسألته فقال: لمّا نزلت قال: أهل مكّة فقد عدلنا باللّه، وقتلنا النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ، وأتينا الفواحش، فأنزل اللّه {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا} -إلى قوله- {غفورًا رحيمًا} [الفرقان: 70].
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي من ولد طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: قال ابن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي مقصورًا اسمه عبد الرحمن من صغار الصحابة (سئل) بضم السين مبنيًّا للمفعول (ابن عباس) رفع نائب عن الفاعل وللأصيلي سأل ابن عباس فعلًا ماضيًا كذا في الفرع كأصله وقال الحافظ ابن حجر: سل بصيغة الأمر وللأصيلي وعزا الأولى لأبي ذر والنسفيّ وقال: إن مقتضاها أنه من رواية سعيد بن جبير عن ابن أبزى عن ابن عباس وأن المعتمد رواية الأصيلي بصيغة الأمر وأنه يدل عليه قوله بعد سياق الآيتين فسألته فإنه واضح في جواب قوله سل (عن قوله تعالى) في سورة النساء ({ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم}) زاد الأصيلي خالدًا فيها (وقوله: {ولا يقتلون}) ولأبي ذر والأصيلي {والذين لا يقتلون} ({النفس التي حرم الله إلا بالحق} -حتى بلغ- {إلا من تاب وآمن}) فسألته فقال: لما نزلت (قال): ولأبي الوقت فقال (أهل مكة فقد عدلنا بالله) بإسكان اللام أي أشركنا به وجعلنا له مثلًا (وقتلنا) ولأبي ذر وقد قتلنا (النفس التي حرم الله إلا بالحق) سقط لأبي ذر إلا بالحق (وآتينا الفواحش فأنزل الله {إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا} -إلى قوله- {غفورًا رحيمًا}) فيه قبول توبة القاتل). [إرشاد الساري: 7/275]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (قوله: {يضاعف له العذاب يوم القيامة} اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامّة قرّاء الأمصار سوى عاصمٍ {يضاعف} جزمًا {ويخلد} جزمًا. وقرأه عاصمٌ: (يضعّف) رفعًا، (ويخلد) رفعًا كلاهما على الابتداء، وأنّ الكلام عنده قد تناهى عند: {يلق أثامًا} ثمّ ابتدأ قوله: (يضاعف له العذاب).
والصّواب من القراءة عندنا فيه: جزم الحرفين كليهما: يضاعف، ويخلد، وذلك أنّه تفسيرٌ للأثام لا فعلاً له، ولو كان فعلاً له كان الوجه فيه الرّفع، كما قال الشّاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره = تجد خير نارٍ عندها خير موقد
فرفع تعشو، لأنّه فعلٌ لقوله تأته، معناه: متى تأته عاشيًا.
وقوله: {ويخلد فيه مهانًا} ويبقى فيه إلى ما لا نهاية في هوانٍ). [جامع البيان: 17/515-516]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا (69)
قوله تعالى: يضاعف له العذاب يوم القيامة
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ قال: سمعت سعيدًا، عن قتادة قوله: يضاعف له أي عذاب الدّنيا والآخرة.
قوله تعالى: ويخلد
- حدّثنا أبي، ثنا عمرو بن أسلم الطّرسوسيّ، ثنا محمّد بن سعيدٍ القطّان، عن عيسى بن راشدٍ، عن أبي عونٍ الأنصاريّ أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: كلّ شيءٍ في القرآن خلودٌ فإنّه لا توبة له.
قوله تعالى: فيه
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه حدّثني عبد اللّه بن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: ويخلد فيه يعنى في العذاب وفي قوله له: مهانا يعني يهان فيه). [تفسير القرآن العظيم: 8/2730-2731]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {يضاعف} بالرفع {له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه} بنصب الياء ورفع اللام). [الدر المنثور: 11/217]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {ويخلد فيه} يعني في العذاب {مهانا} يعني يهان فيه). [الدر المنثور: 11/217]

تفسير قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني اللّيث بن سعدٍ عن ابن أبي جعفرٍ أنّه بلغه أنّ عائشة قالت: يا نبي الله، كيف حساباً يسيراً، قال: يعطى العبد كتابه بيمينه فيقرأ سيّئاته، ويقرأ النّاس حسناته، ثمّ يحوّل صحيفته فيحوّل اللّه سيّئاته حسناتٍ، فيقرأ حسناته، ويقرأ النّاس سيّئاته حسناتٍ، فيقول النّاس: ما كان لهذا العبد سيئةٌ، قال: يعرّف بعمله، ثمّ يغفر الله له، قال: (أولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيماً)). [الجامع في علوم القرآن: 1/34]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني رجلٌ عن عمرو بن الحارث أن عطاء بن أبي رباح قال في قول الله: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ}، قال: إنما هذا في الدنيا، الرجل يكون على الهيئة القبيحة، ثم يبدله الله بها خيراً منها). [الجامع في علوم القرآن: 1/53]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {إلّا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا، فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيمًا} [الفرقان: 70]
- حدّثنا عبدان، أخبرنا أبي، عن شعبة، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أمرني عبد الرّحمن بن أبزى، أن أسأل ابن عبّاسٍ، عن هاتين الآيتين: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} [النساء: 93] فسألته فقال: «لم ينسخها شيءٌ» ، وعن: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} [الفرقان: 68] قال: «نزلت في أهل الشّرك»). [صحيح البخاري: 6/110]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب: {إلاّ من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدّل الله سيّئاتهم حسناتٍ وكان الله غفوراً رحيماً} )
أي: هذا باب في قوله: {إلاّ من تاب} الآية. وليس في كثير من النّسخ لفظ: باب.
- حدّثنا عبدان أخبرنا أبي عن شعبة عن منصورٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال أمرني عبد الرّحمان بن أبزي أن أسأل ابن عبّاسٍ عن هاتين الآيتين. {ومن يقتل مؤمناً متعمّداً} (الفرقان: 68) فسألته فقال لم ينسخها شيءٌ وعن: {والّذين لا يدعون مع الله إلّهاً آخر} قال نزلت في أهل الشّرك.
هذا طريق آخر في حديث ابن أبزى، وعبدان هو ابن عثمان بن جبلة الأزديّ المروزي. وحاصل هذه الأحاديث الّتي رواها سعيد بن جبير أن ابن عبّاس يفرق بين الآيتين المذكورتين وهو أن قوله: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) الآية في حق المسلم العارف بالأمور الشّرعيّة، وإن قوله: (إلاّ من تاب) الآية. في حق المشرك، فإذا كان كذلك فلا توبة للقاتل عنده، وقد مر الكلام فيه عن قريب وفيما مضى). [عمدة القاري: 19/97]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب: {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيمًا} [الفرقان: 70]
هذا (باب) بالتنوين في قوله: ({إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا}) الاستثناء متصل أو منقطع، ورجحه أبو حيان بأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب فيصير التقدير إلا من تاب فلا يضاعف له العذاب ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف،
فالأولى عندي أن يكون استثناء منقطعًا أي لكن من تاب وآمن وإذا كان كذلك فلا يلقى عذابًا البتة، وتعقبه تلميذه السمين فقال: الظاهر قول الجمهور أنه متصل، وأما ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأن من فعل كذا فإنه يحل به ما ذكر إلا أن يتوب، وأما إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرض له في الآية ({فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات})، سيئاتهم مفعول ثان للتبديل وهو المقيد بحرف الجر وحذف لفهم المعنى وحسنات هو الأول وهو المأخوذ والمجرور بالباء هو المتروك وقد صرح بهذا في قوله تعالي: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} [سبأ: 16]. وإبدال السيئات حسنات أنه يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات. وقال محيي السنّة: ذهب جماعة إلى أن هذا في الدنيا قال ابن عباس وغيره يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانًا وبقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا عفة وإحصانًا. وقال ابن المسيب وغيره: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة.
وقال ابن كثير: تنقلب السيئات الماضية بنفس التوبة النصوح حسنات لأنه كلما يذكرها ندم واسترجع واستغفر فينقلب الذنب طاعة فيوم القيامة وإن وجدها مكتوبة عليه لكنها لا تضره بل تنقلب حسنة في صحيفته كما يدل له حديث أبي ذر المروي في مسلم قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-: إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة فيقول: اعرضوا عليه كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها قال فيقال له عملت يوم كذا كذا وكذا وعملت يوم كذا كذا وكذا فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا فيقال فإن لك بكل سيئة حسنة فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها ها هنا، قال: فضحك رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- حتى بدت نواجذه. وقال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة.
({وكان الله غفورًا}) حيث حط عنهم بالتوبة والإيمان مضاعفة العذاب والخلود في النار والإهانة ({رحيمًا}) [الفرقان: 70] حيث بدل سيئاتهم بالثواب الدائم والكرامة في الجنة وسقط قوله فأولئك الخ لأبي ذر.
- حدّثنا عبدان أخبرنا أبي عن شعبة عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قال: أمرني عبد الرّحمن بن أبزى أن أسأل ابن عبّاسٍ عن هاتين الآيتين {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} فسألته فقال: لم ينسخها شيءٌ. وعن {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} قال: نزلت في أهل الشّرك.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) بن عثمان بن جبلة الأزدي المروزي قال: (أخبرنا أبي) عثمان (عن شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة والزاي بينهما موحدة مقصورًا (أن أسأل ابن عباس) -رضي الله عنهما- (عن هاتين الآيتين) قوله تعالى: ({ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا}) الآية بالنساء (فسألته) عن
حكمها (فقال: لم ينسخها شيء، وعن) قوله تعالى: ({والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر}) إلى ({رحيمًا}) بالفرقان (قال: نزلت في أهل الشرك).
وفي باب ما لقي النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- وأصحابه من المشركين بمكة من المبعث من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور فسألت ابن عباس فقال: لما نزلت التي في الفرقان قال مشركو أهل مكة: فقد قتلنا النفس التي حرم الله ودعونا مع الله إلهًا آخر وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله: {إلا من تاب وآمن} فهذه لأولئك وأما التي في النساء الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم فذكرته لمجاهد فقال: إلا من ندم.
قال في الفتح: وحاصل ما في هذه الروايات أن ابن عباس -رضي الله عنهما- كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد فلذلك يجزم بنسخ إحداهما وتارة يجعل محلهما مختلفًا ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خص منه مباشرة المؤمن القتل متعمدًا وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض وأولى من أنه قال بالنسخ ثم رجع عنه والمشهور عنه القول بأن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا لا توبة له وحمله الجمهور منه على التغليظ وصححوا توبة القاتل كغيره.
وسبق في النساء من مباحث ذلك). [إرشاد الساري: 7/275-276]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا} يقول تعالى ذكره: ومن يفعل هذه الأفعال الّتي ذكرها جلّ ثناؤه يلق أثامًا {إلاّ من تاب} يقول: إلاّ من راجع طاعة اللّه تبارك وتعالى بتركه ذلك، وإنابته إلى ما يرضاه اللّه {وآمن} يقول: وصدّق بما جاء به محمّدٌ نبيّ اللّه {وعمل عملاً صالحًا} يقول: وعمل بما أمره اللّه من الأعمال، وانتهى عمّا نهاه اللّه عنه.
قوله: {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فأولئك يبدّلهم اللّه بقبائح أعمالهم في الشّرك، محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدّله بالشّرك إيمانًا، وبقتل أهل الشّرك باللّه قيل أهل الإيمان به، وبالزّنا عفّةً وإحصانًا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عليٌّ، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} قال: هم المؤمنون، كانوا قبل إيمانهم على السّيّئات، فرغب اللّه بهم عن ذلك، فحوّلهم إلى الحسنات، وأبدلهم مكان السّيّئات حسناتٍ.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا} إلى آخر الآية، قال: هم الّذين يتوبون فيعملون بالطّاعة، فيبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ حين يتوبون.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: نزلت {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} الآية، في وحشيٍّ وأصحابه، قالوا: كيف لنا بالتّوبة، وقد عبدنا الأوثان، وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات، فأنزل اللّه فيهم: {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا، فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} فأبدلهم اللّه بعبادة الأوثان عبادة اللّه، وأبدلهم بقتالهم مع المشركين قتالاً مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال ابن عبّاسٍ، في قوله: {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} قال: بالشّرك إيمانًا، وبالقتل إمساكًا، وبالزّنا إحصانًا.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} وهذه الآية مكّيّةٌ نزلت بمكّة {ومن يفعل ذلك} يعني: الشّرك والقتل، والزّنا جميعًا. لمّا أنزل اللّه هذه الآية قال المشركون من أهل مكّة: يزعم محمّدٌ أنّ من أشرك وقتل وزنى فله النّار، وليس له عند اللّه خيرٌ، فأنزل اللّه: {إلاّ من تاب} من المشركين من أهل مكّة، {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} يقول: يبدّل اللّه مكان الشّرك والقتل والزّنا الإيمان باللّه والدّخول في الإسلام، وهو التّبديل في الدّنيا. وأنزل اللّه في ذلك {يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم} يعنيهم بذلك {لا تقنطوا من رحمة اللّه، إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعًا} يعني ما كان في الشّرك يقول اللّه لهم: أنيبوا إلى ربّكم وأسلموا له، يدعوهم إلى الإسلام، فهاتان الآيتان مكّيّتان، والّتي في النّساء {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} الآية، هذه مدنيّةٌ، نزلت بالمدينة، وبينها وبين الّتي نزلت في الفرقان ثمان سنين، وهي مبهمةٌ ليس منها مخرجٌ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا أبو تميلة، قال: حدّثنا أبو حمزة، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: سئل ابن عبّاسٍ عن قول اللّه، جلّ ثناؤه: {يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ}، فقال:
بدّلن بعد جرّةٍ صريفًا = وبعد طول النّفس الوجيفا
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} - {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} فقال المشركون: ولا واللّه ما كان هؤلاء الّذين مع محمّدٍ إلاّ معنا، قال: فأنزل اللّه: {إلاّ من تاب وآمن}. قال: تاب من الشّرك، قال: وآمن بعقاب اللّه ورسوله {وعمل عملاً صالحًا} قال: صدق، {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} قال: يبدّل اللّه أعمالهم السّيّئة الّتي كانت في الشّرك الأعمال الصّالحة حين دخلوا في الإيمان.
وقال آخرون: بل معنى ذلك، فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم في الدّنيا حسناتٍ لهم يوم القيامة
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني أحمد بن عمرٍو البصريّ، قال: حدّثنا قريش بن أنسٍ أبو أنسٍ، قال: حدّثني صالح بن رستم، عن عطاءٍ الخراسانيّ، عن سعيد بن المسيّب: {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} قال: تصير سيّئاتهم حسناتٍ لهم يوم القيامة.
- حدّثنا الحسن بن عرفة، قال: حدّثنا محمّد بن خازمٍ أبو معاوية، عن الأعمش، عن المعرور بن سويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّي لأعرف آخر أهل النّار خروجًا من النّار، وآخر أهل النّار دخولاً الجنّة، قال: يؤتى برجلٍ يوم القيامة فيقال: نحّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا وكذا، وعملت كذا وكذا، قال: فيقول: يا ربّ، لقد عملت أشياء ما أراها ها هنا، قال: فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى بدت نواجذه، قال: فيقال له: لك مكان كلّ سيّئةٍ حسنةً.
قال أبو جعفرٍ: وأولى التّأويلين بالصّواب في ذلك تأويل من تأوّله: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم: أعمالهم في الشّرك حسناتٍ في الإسلام، بنقلهم عمّا يسخطه اللّه من الأعمال إلى ما يرضى.
وإنّما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأنّ الأعمال السّيّئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح، وغير جائزٍ تحويل عينٍ قد مضت بصفةٍ إلى خلاف ما كانت عليه، إلاّ بتغييرها عمّا كانت عليه من صفتها في حالٍ أخرى، فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الّذي كان شركًا في الكفر بعينه إيمانًا يوم القيامة بالإسلام ومعاصيه كلّها بأعيانها طاعةً، وذلك ما لا يقوله ذو حجًا.
وقوله: {وكان اللّه غفورًا رحيمًا} يقول تعالى ذكره: وكان اللّه ذا عفوٍ عن ذنوب من تاب من عباده وراجع طاعته، وذا رحمةٍ به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها). [جامع البيان: 17/516-521]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إلّا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيمًا (70)
قوله تعالى: إلا من تاب
- حدّثنا أبي ثنا آدم العسقلانيّ، ثنا شعبة، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قال: سألت ابن عبّاسٍ، عن قوله: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر إلى قوله: إلا من تاب قال: كانت هذه في الجاهليّة.
- حدّثنا أبي ثنا آدم ثنا شعبة، عن أبي إياسٍ معاوية بن قرّة أخبرني شهر بن حوشبٍ أنّه سمع ابن عبّاسٍ يقول: نزلت هذه الآية: ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم بعد قوله: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا بسنةٍ.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه حدّثني عبد اللّه بن لهيعة حدّثني عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ قال: نزلت هذه الآية: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر الآية. في كفّار مكّة فلمّا هاجر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة كتب وحش غلام المطعم بن عدي ابن نوفلٍ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة إنّي قد أشركت وزنيت وقتلت وكان قتل حمزة بن عبد المطّلب يوم أحدٍ قال: هل لي من توبةٍ؟ فنزلت فيه فاستثنى: إلا من تاب يعنى من الشّرك.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن أبي حمّادٍ، ثنا إبراهيم ابن المختار وأبو زهيرٍ، عن الحجّاج، عن عطيّة، عن أبي سعيدٍ قال: لمّا أسلم وحشيٌّ أنزل اللّه عزّ وجلّ والّذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ قال وحشيٌّ وأصحابه: فنحن قد ارتكبنا هذا كلّه فأنزل اللّه عزّ وجلّ: يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم الآية.
- حدّثنا عبد اللّه بن سليمان، ثنا الحسين بن عليٍّ، ثنا عامرٌ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قال: ونزلت في المشركين قالوا: كيف تأمرنا يا محمّد أن نتّبعك وأنت تقول إنّه من أشرك أو قتل أو زنا فهو في النار فأنزل اللّه: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا
- حدّثنا أبي ثنا محمّد بن كثيرٍ العبديّ، ثنا سليمان يعنى أخاه، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ قال: لمّا نزلت هذه الآية: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر الآية. قال بعض أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: قد كنّا أشركنا في الجاهليّة وقتلنا فنزلت: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: إلا من تاب أي من ذنوبه.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ حدّثني أبي حدّثني عمّي حدّثني أبي عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ قوله: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا قال: هم الّذين يتوبون فيعملون بطاعة اللّه.
قوله تعالى: وآمن
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: وآمن يعني وصدّق بتوحيد اللّه.
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد أنبأ سعيد، عن قتادة قوله: وآمن أي بربّه وفي قوله: وعمل عملا صالحًا أي فيما بينه وبين اللّه عزّ وجلّ.
قوله تعالى: فأولئك
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاءٌ، عن سعيدٍ في قول اللّه: فأولئك يعني الّذين فعلوا ما ذكر اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية.
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن طلحة، عن ابن عبّاسٍ: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: هم المؤمنون.
قوله تعالى: يبدّل اللّه
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاءٌ، عن سعيدٍ في قول اللّه: يبدّل اللّه يعنى يحوّل اللّه.
- حدّثني أبي ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا الوليد، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحولٍ في قول اللّه: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: يجعل سيّئاتهم حسناتٍ.
قوله تعالى: فأولئك يبدّل اللّه سيئاتهم حسنات
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا هشام بن عمّارٍ، ثنا سليمان بن موسى الزّهريّ أبو داود، ثنا أبو العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ليأتينّ اللّه بأناسٍ يوم القيامة رأوا أنّهم قد استكثروا من السّيّئات قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الّذين يبدّل اللّه بسيئاتهم حسناتٍ.
- حدّثنا أبي، ثنا عمرو بن رافعٍ أنبأ هشيمٌ أنبأ يونس بن عبيدٍ، عن شعيب بن الحبحاب قيل لأبي العالية إنّ ناسًا يقولون ودّوا أنّهم استكثروا من الذّنوب فقال أبو العالية ولم يقولون ذلك؟ قال: قيل: يتأوّلون هذه الآية: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ فاستعاذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ثمّ تلا هذه الآية: يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضرا الآية.
- حدّثنا محمّد بن عمّار بن الحارث، ثنا سهل بن بكّارٍ، ثنا أبو عوانة، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: بدّلن بعد حرّه خريفًا وبعد طول النّفس الوجيفا
- حدّثنا أنبأ ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: هم المؤمنون كانوا قبل إيمانهم على السّيّئات فرغب اللّه بهم، عن ذلك فحوّلهم إلى الحسنات وأبدلهم مكان السّيّئات الحسنات.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاءٌ، عن سعيد في قوله: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: يبدّلهم بمكان الشّرك الإسلام وبمكان القتال الكف، وبمكان الزنا العفاف.
- حدثنا أنبأ ثنا عمرو بن رافعٍ، ثنا هشيمٌ، عن يونس، عن الحسن البصريّ: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: التّبديل في الدّنيا أبدلهم اللّه بالعمل السّيّئ العمل الصّالح وأبدلهم بالشّرك إخلاصًا. وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إيمانًا وإسلامًا.
- حدّثنا أبي ثنا عمرو بن رافعٍ، ثنا يعقوب بن عبد اللّه الأشعريّ، عن جعفر، عن سعيدٍ: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ فأبدلهم بعبادة الأوثان عبادة اللّه وأبدلهم بقتال المسلمين قتالا مع المسلمين المشركين وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
- حدّثنا أحمد بن عصامٍ، ثنا أبو عاصمٍ، ثنا سهل بن أبي الصّلت قال: سمعت الحسن يقول: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: هذه ليست لكم هذه في أهل الشّرك.
- حدّثنا أبي، ثنا الحسن بن قزعة، ثنا حصين بن نميرٍ، ثنا حصين بن عبد الرّحمن، عن ميسرة أبي جميلة في قوله: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال هم الّذين ولجوا إلى الإسلام من المشركين.
- قرئ على يونس بن عبد الأعلى أنبأ ابن وهبٍ أخبرني رجلٌ، عن عمرو بن الحارث أنّ عطاء بن أبي رباحٍ قال: في قول اللّه: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: إنّما هذا في الدّنيا الرّجل يكون على الهيئة القبيحة ثمّ يبدّله اللّه بها خيرًا
- أخبرنا العبّاس بن الوليد بن مزيدٍ البيروتيّ قراءةً أخبرني محمّد بن شعيبٍ أنبأ سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: ذكر اللّه بعد نسيانه وطاعة اللّه بعد معصيته.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو سلمة وعارمٌ قالا:، ثنا ثابتٌ يعنى ابن يزيد أبو زيدٍ، ثنا عصامٌ، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطى رجلٌ يوم القيامة صحيفةً فيقرأ أعلاها فإذا سيّئاته فإذا كان يسوء إنه ينظر في أسفلها فإذا حسناتٌ ثمّ ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدّلت حسناتٍ.
- حدثنا أنبأ ثنا أبو سلمة، ثنا حمّاد بن سلمة، عن علي ابن زيدٍ، عن عليّ بن الحسين: يبدّل اللّه سيئاتهم حسنات قال: في الآخرة.
- حدثنا أنبأ ثنا محمّد بن الوزير الدّمشقيّ، ثنا الوليد، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحولٍ وقرأ: فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ قال: يغفرها لهم فيجعلها حسناتٍ.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن أبي زيادٍ، ثنا سيّارٌ، ثنا جعفرٌ، ثنا أبو حمزة، عن أبي الضّيف وكان من أصحاب معاذ بن جبلٍ قال: يدخل أهل الجنّة الجنّة على أربعة أصنافٍ المتّقين ثمّ الشّاكرين ثمّ الخائفين ثمّ أصحاب اليمين قلت: لم سمّوا أصحاب اليمين قال: لأنّهم عملوا بالحسنات والسّيّئات فأعطوا كتبهم بأيمانهم فقرأوا سيّئاتهم حرفًا حرفًا قالوا يا ربّنا هذه سيئاتنا فأني حسناتنا؟ فعند ذلك محا اللّه السّيّئات وأبدلها حسناتٍ فعند ذلك قالوا: هاؤم اقرؤا كتابيه فهم أهل الجنّة.
قوله تعالى: وكان الله غفورا رحيما
تقدم تفسير كان غير مرّةٍ في هذه السّورة.
قوله تعالى: غفورًا
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، عن فليج الشّمّاس، عن عبيد، عن أبيه عبيدٍ، عن أبي هريرة قال: جاءتني امرأةٌ فقالت هل لي من توبةٍ؟ إنّي زنيت وولدت وقتلته فقلت لا. ولا نعمت العين ولا كرامة فقامت وهي تدعو بالحسرة ثمّ صلّيت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الصّبح فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: بئس ما قلت أما كنت تقرأ هذه الآية: والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر إلى قوله: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيمًا فقرأتها عليها فخرّت ساجدةً وقالت: الحمد للّه الّذي جعل لي مخرجًا.
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن الوزير بن الحكم السّلميّ الدّمشقيّ، ثنا الوليد بن مسلمٍ، ثنا ابن جابرٍ أنّه سمع مكحولا يحدّث قال: جاء شيخٌ كبيرٌ هرمٌ قد سقطت حاجباه على عينيه فقال: يا رسول اللّه رجلٌ غدر وفجر لم يدع حاجةً ولا داجةً إلا اقتطعها بيمينه لو قسّمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم فهل له من توبةٍ؟ فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أسلمت؟ فقال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: فإنّ اللّه غافرٌ لك ما كنت كذلك ومبدّلٌ سيّئاتك حسناتٍ قال يا رسول اللّه وغدراتي وفجراتي قال: وغدراتك وفجراتك قال: فولّى الرّجل يكبّر ويهلّل.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: وكان اللّه غفورًا رحيمًا يعنى لما كان في الشّرك رحيما يعني رحيمًا بهم في الإسلام). [تفسير القرآن العظيم: 8/2731-2736]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} اشتد ذلك على المسلمين فقالوا: ما منا أحد إلا أشرك وقتلن وزنى فأنزل الله {يا عبادي الذين أسرفوا} الزمر الآية 53، يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك ثم نزلت بعده {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} فأبدلهم الله بالكفر الإسلام وبالمعصية الطاعة وبالانكار المعرفة وبالجهالة العلم). [الدر المنثور: 11/217] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: نزلت آية من تبارك بالمدينة في شأن قاتل حمزة وحشي وأصحابه كانوا يقولون: انا لنعرف الإسلام وفضله فكيف لنا بالتوبة وقد عبدنا الاوثان وقتلنا أصحاب محمد وشربنا الخمور ونكحنا المشركات فأنزل الله فيهم {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية، ثم نزلت توبتهم {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} فابدلهم الله بقتال المسلمين قتال المشركين ونكاح المشركات نكاح المؤمنات وبعبادة الاوثان عبادة الله). [الدر المنثور: 11/217-218] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن هذه الآية {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} قال: هؤلاء كانوا في الجاهلية فأشركوا وقتلوا وزنوا، فقالوا: لن يغفر الله لنا، فأنزل الله {إلا من تاب}، قال: كانت التوبة والإيمان والعمل الصالح وكان الشرك والقتل والزنا، كانت ثلاث مكان ثلاث). [الدر المنثور: 11/218] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال: لما نزلت {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} قال بعض أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كنا أشركنا في الجاهلية وقتلنا فنزلت {إلا من تاب} ). [الدر المنثور: 11/218] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قرأنا على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم سنين {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ثم نزلت {إلا من تاب وآمن} فما رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها وفرحه ب {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الفتح الآية 1). [الدر المنثور: 11/218-219] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو داود في تاريخه عن ابن عباس {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ثم استثنى {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} ). [الدر المنثور: 11/219] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ثم انصرفت فإذا امراة عند بابي فقالت: جئتك أسألك عن عمل عملته هل ترى لي منه توبة قلت: وما هو قالت: زنيت وولد لي وقتلته قلت: لا، ولا كرامة، فقامت وهي تقول: واحسرتاه، أيخلق هذا الجسد للنار فلما صليت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم الصبح من تلك الليلة قصصت عليه أمر المرأة قال: ما قلت لها قلت لا، ولا كرامة قال: بئس ما قلت، أما كنت تقرأ هذه الآية {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى قوله {إلا من تاب} الآية، قال أبو هريرة: فخرجت فما بقيت دار بالمدينة ولا خطة إلا وقفت عليها فقلت: إن كان فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة فلتأت ولتبشر، فلما انصرفت من العشي إذا هي عند بابي فقلت: ابشري اني ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ما قلت لي وما قلت لك فقال: بئس ما قلت أما كنت تقرأ هذه الآية وقرأتها عليها فخرت ساجدة وقالت: أحمد الله الذين جعل لي توبة ومخرجا أشهد أن هذه الجارية لجارية معها، وابن لها حران لوجه الله وإني قد تبت مما عملت). [الدر المنثور: 11/219-220] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات). [الدر المنثور: 11/220]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {إلا من تاب} قال: من ذنبه {وآمن} قال: بربه، {وعمل صالحا} قال: فيما بينه وبين ربه: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: إنما التبديل طاعة الله بعد عصيانه وذكر الله بعد نسيانه والخير تعمله بعد الشر). [الدر المنثور: 11/220-221]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن الحسن {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: التبديل في الدنيا يبدل الله بالعمل السيء العمل الصالح وبالشرك اخلاصا وبالفجور عفافا ونحو ذلك). [الدر المنثور: 11/221]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد عن مجاهد {يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: الإيمان بعد الشرك). [الدر المنثور: 11/221]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن مكحول {يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: إذا تابعوا جعل الله ما عملوا من سيئاتهم حسنات). [الدر المنثور: 11/221]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن علي بن الحسين {يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: في الآخرة وقال الحسن: في الدنيا). [الدر المنثور: 11/221]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي عثمان النهدي قال: إن المؤمن يعطي كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرأها فيرجع إليه لونه ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات فعند ذلك يقول {هاؤم اقرؤوا كتابيه} الحاقة الآية 19). [الدر المنثور: 11/221]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن سلمان قال: يعطي رجل يوم القيامة صحيفة فيقرأ اعلاها فإذا سيئاته فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات). [الدر المنثور: 11/221-222]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد وهناد ومسلم والترمذي، وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه فيعرض عليه صغارها وينحى عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا وهو مقر ليس ينكر وهو مشفق من الكبار أن تجيء فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة). [الدر المنثور: 11/222]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قبل: ومن هم يا رسول الله قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات). [الدر المنثور: 11/222]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: حتى يتمنى العبد أن سيئاته كانت أكثر مما هي). [الدر المنثور: 11/222]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قيل له: إن أناسا يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب قال: ولم ذاك قال: يتأولون هذه الآية {يبدل الله سيئاتهم حسنات} فقال أبو العالية: وكان إذا أخبر بما لا يعلم قال: آمنت بما أنزل الله من كتاب، ثم تلا هذه الآية {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} ). [الدر المنثور: 11/222-223]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: جاء شيخ كبير فقال: يا رسول الله رجل غدر وفجر فلم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه ولو قسمت خطيئته بين أهل الأرض ولا وبقتهم، فهل له من توبة فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أسلمت،، قال: نعم، قال: فإن الله غافر لك ومبدل سيئاتك حسنات قال: يا رسول الله وغدارتي، وفجراتي،، قال: وغدراتك وفجراتك). [الدر المنثور: 11/223]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني عن سلمة بن جهيل قال: جاء شاب فقال: يا رسول الله أرأيت من لم يدع سيئة إلا عملها ولا خطيئة إلا ركبها ولا أشرف له سهم فما فوقه إلا اقتطعه بيمينه ومن لو قسمت خطاياه على أهل المدينة لغمرتهم فقال النّبيّ: صلى الله عليه وسلم أأسلمت، قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: اذهب فقد بدل الله سيئاتك حسنات قال: يا رسول الله وغدارتي، وفجراتي،، قال: وغدارتك وفجراتك ثلاثا، فولى الشاب وهو يقول: الله أكبر.
وأخرج البغوي، وابن قانع والطبراني عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها فذكر نحوه). [الدر المنثور: 11/223-224]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: التبديل يوم القيامة إذا وقف العبد بين يدي الله والكتاب بين يديه ينظر في السيئات والحسنات فيقول: قد غفرت لك ويسجد بين يديه فيقول: قد بدلت فيسجد فيقول: قد بدلت فيسجد فيقول الخلائق: طوبى لهذا العبد الذي لم يعمل سيئة قط). [الدر المنثور: 11/224]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك فيعطيه اياها فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة فتلك مائة). [الدر المنثور: 11/224-225]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول في قوله {يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: يجعل مكان السيئات شال: فرأيت مكحولا غضب حتى جعل يرتعد). [الدر المنثور: 11/225]

تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (قوله: {ومن تاب} يقول: ومن تاب من المشركين، فآمن باللّه ورسوله {وعمل صالحًا} يقول: وعمل بما أمره اللّه فأطاعه، فإنّ اللّه فاعلٌ به من إبداله سيّئ أعماله في الشّرك، بحسنها في الإسلام، مثل الّذي فعل من ذلك بمن تاب وآمن وعمل صالحًا قبل نزول هذه الآية من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ومن تاب وعمل صالحًا فإنّه يتوب إلى اللّه متابًا} قال: هذا للمشركين الّذين قالوا لمّا أنزلت {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} إلى قوله {وكان اللّه غفورًا رحيمًا} لأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما كان هؤلاء إلاّ معنا، قال: {ومن تاب وعمل صالحًا} فإنّ لهم مثل ما لهؤلاء {فإنّه يتوب إلى اللّه متابًا} لم تخطر التّوبة عليكم). [جامع البيان: 17/521]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ومن تاب وعمل صالحًا فإنّه يتوب إلى اللّه متابًا (71)
قوله تعالى: ومن تاب
- به عن مجاهدٍ قوله: ومن تاب قال: تاب اللّه عليه.
قوله تعالى: وعمل صالحًا فإنّه يتوب إلى اللّه متابًا
- حدّثنا أبي ثنا إبراهيم بن موسى أنبأ هشام بن يوسف، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ عن ابن عبّاسٍ قال: الأعمال الصّالحة سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اله واللّه أكبر). [تفسير القرآن العظيم: 8/2736]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27 رجب 1434هـ/5-06-2013م, 08:44 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} [الفرقان: 68] وأنتم أيّها المشركون تدعون معه الآلهة.
تفسير الحسن.
قال: {ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون} [الفرقان: 68] حدّثني الحسن بن دينارٍ، عن الحسن قال: لمّا نزل في قاتل المؤمن قوله: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم خالدًا فيها} [النساء: 93] إلى آخر الآية.
اشتدّ ذلك عليهم فأتوا رسول اللّه وذكروا الفواحش وقالوا: قد قبلنا وفعلنا وفعلنا فأنزل اللّه: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} [الفرقان: 68] بعد إسلامهم، {ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ} [الفرقان: 68] بعد إسلامهم {ولا يزنون} [الفرقان: 68] بعد إسلامهم.
{ومن يفعل ذلك يلق أثامًا {68} يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا {69}} [الفرقان: 68-69] ). [تفسير القرآن العظيم: 1/490]
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (وحدّثني حمّاد بن سلمة، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن عبد اللّه بن مسعودٍ
[تفسير القرآن العظيم: 1/490]
قال: قلت: يا رسول اللّه أيّ العمل أكبر؟ قال: «أن تجعل لخالقك ندًّا، وأن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك، وأن تزني بحليلة جارك».
ثمّ نزل القرآن: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون} [الفرقان: 68] حتّى أتمّ الآية). [تفسير القرآن العظيم: 1/491]
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (وفي تفسير الكلبيّ: أنّ وحشيًّا بعدما قتل حمزة كتب إلى النّبيّ يسأله هل له توبةٌ وكتب إليه فيما كتب: إنّ اللّه أنزل آيتين بمكّة أيستاني من كلّ خيرٍ: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا {68} يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا {69}} [الفرقان: 68-69] وإنّ وحشيًّا قد فعل هذا
كلّه، قد زنى، وأشرك، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه.
فأنزل اللّه.
{إلا من تاب} [الفرقان: 70] أي من الزّنا {وآمن} [الفرقان: 70] بعد الشّرك {وعمل عملا صالحًا} [الفرقان: 70] بعد السّيّئات {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} [الفرقان: 70] بالشّرك الإيمان، وبالفجور العفاف {وكان اللّه غفورًا رحيمًا} [الفرقان: 70].
فكتب بها رسول اللّه إليه، فقال وحشيٌّ: هذا شرطٌ شديدٌ فلعلّي ألا أبقى بعد التّوبة حتّى أعمل صالحًا.
فكتب إلى رسول اللّه: هل من شيءٍ أوسع من هذا؟ فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48].
فكتب بها رسول اللّه إلى وحشيٍّ، فأرسل وحشيٌّ إلى رسول اللّه: إنّي أخاف ألا أكون من مشيئة اللّه.
فأنزل اللّه في وحشيٍّ وأصحابه: {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرّحيم} [الزمر: 53] فكتب بها رسول اللّه إلى وحشيٍّ فأقبل وحشيٌّ، إلى رسول اللّه وأسلم). [تفسير القرآن العظيم: 1/491]
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {ومن يفعل ذلك يلق أثامًا} [الفرقان: 68] سعيدٌ عن قتادة قال: أي نكالًا.
قال: وكنّا نحدّث أنّه وادٍ في جهنّم قعيرٌ غمرٌ). [تفسير القرآن العظيم: 1/491]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {ومن يفعل ذلك يلق آثاماً...}

{يضاعف له العذاب يوم القيامة...}قرأت القراء بجزم (يضاعف) ورفعه عاصم بن أبي النّجود. والوجه الجزم. وذلك أن كلّ مجزوم فسّرته ولم يكن فعلاً لما قبله فالوجه فيه الجزم،
وما كان فعلاً لما قبله رفعته. فأمّا المفسّر للمجزوم فقوله: {ومن يفعل ذلك يلق آثاماً} ثم فسر الآثام، فقال {يضاعف له العذاب} ومثله في الكلام: إن تكلّمني توصني بالخير والبرّ أقبل منك؛ ألا ترى أنك فسّرت الكلام بالبرّ ولم يكن فعلاً له، فلذلك جزمت. ولو كان الثاني فعلا للأوّل لرفعته، كقولك إن تأتنا تطلب الخير تجده؛ ألا ترى أنك تجد (تطلب) فعلاً للإتيان كقيلك: إن تأتنا طالباً للخير تجده.قال الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره=تجد خير نار عندها خير موقد
فرفع (تعشو) لأنه أراد: متى تأته عاشياً. ورفع عاصم (يضاعف له) لأنه أراد الاستئناف كما تقول: إن تأتنا نكرمك نعطيك كلّ ما تريد، لا على الجزاء). [معاني القرآن: 2/273]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): (" يلق أثاماً " أي عقوبة). [مجاز القرآن: 2/81]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً} أي عقوبة. قال الشاعر:
[عقوقا] والعقوق له أثام أي عقوبة). [تفسير غريب القرآن: 315]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله:لا يدعون مع اللّه إلها آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما}
{ومن يفعل ذلك يلق أثاما} " يلق " جزم على الجزاء، وتأويل الأثام تأويل المجازاة على الشيء.
قال أبو عمرو الشيباني: يقال قد لقي أثام ذلك أي جزاء ذلك.
وسيبويه والخليل يذهبان إلى أن معناه يلقى جزاء الأثام، قال سيبويه جزمت. (يضاعف له العذاب)، لأن مضاعفة العذاب لقي الأثام
كما قال الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا=تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا
لأن الإتيان هو الإلمام، فجزم تلمم لأنه بمعنى تأتي.
وقرأ الحسن وحده " يضعّف " له العذاب، وهو جيّد بالغ، تقول ضاعفت الشيء وضعّفته.
وقرأ عاصم: (يضاعف له العذاب) بالرفع. على تأويل تفسير يلق أثاما، كأنّ قائلا قال ما لقيّ الأثام، فقيل يضاعف للآثم العذاب ). [معاني القرآن: 4/76]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر}
قال أبو وائل قال عبد الله بن مسعود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم فقال أن تشرك بالله جل وعلا وهو خلقك
قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك وتزني بحليلة جارك ثم قرأ عبد الله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية
وقوله جل وعز: {ومن يفعل ذلك يلق آثاما}
قال مجاهد هو واد في جهنم
وقال أبو عمرو الشيباني يقال لقي آثام ذلك أي جزاء ذلك
وقال القتبي الآثام جزاء العقوبة وأنشد:
والعقوق له آثام
قال أبو جعفر وأصح ما قيل في هذا وهو قول الخليل وسيبويه أن المعنى يلق جزاء الآثام كما قال سبحانه: {واسأل القرية}
وبين جزاء الآثام فقال يضاعف له العذاب يوم القيامة كما بين الشاعر في قوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا = تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
قال الضحاك لما أنزل الله جل وعز: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى آخر الآية قال المشركون قد زعم أنه لا توبة لنا، فأنزل الله جل وعز: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} أي تاب من الشرك ودخل في الإسلام، ونزل هذا بمكة وأنزل الله: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} الآية ثم أنزل بالمدينة بعد ثماني سنين: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} وهي مبهمة لا مخرج منها). [معاني القرآن: 5/50-52]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {يَلْقَ أَثَامًا}: أي عقوبة). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 173]

تفسير قوله تعالى: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (وفي تفسير الكلبيّ: أنّ وحشيًّا بعدما قتل حمزة كتب إلى النّبيّ يسأله هل له توبةٌ وكتب إليه فيما كتب: إنّ اللّه أنزل آيتين بمكّة أيستاني من كلّ خيرٍ: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا {68} يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا {69}} [الفرقان: 68-69] وإنّ وحشيًّا قد فعل هذا كلّه، قد زنى، وأشرك، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه.
فأنزل اللّه.
{إلا من تاب} [الفرقان: 70] أي من الزّنا {وآمن} [الفرقان: 70] بعد الشّرك {وعمل عملا صالحًا} [الفرقان: 70] بعد السّيّئات {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} [الفرقان: 70] بالشّرك الإيمان، وبالفجور العفاف {وكان اللّه غفورًا رحيمًا} [الفرقان: 70].
فكتب بها رسول اللّه إليه، فقال وحشيٌّ: هذا شرطٌ شديدٌ فلعلّي ألا أبقى بعد التّوبة حتّى أعمل صالحًا.
فكتب إلى رسول اللّه: هل من شيءٍ أوسع من هذا؟ فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48].
فكتب بها رسول اللّه إلى وحشيٍّ، فأرسل وحشيٌّ إلى رسول اللّه: إنّي أخاف ألا أكون من مشيئة اللّه.
فأنزل اللّه في وحشيٍّ وأصحابه: {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرّحيم} [الزمر: 53] فكتب بها رسول اللّه إلى وحشيٍّ فأقبل وحشيٌّ، إلى رسول اللّه وأسلم). [تفسير القرآن العظيم: 1/491]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ):
(" يضعّف له العذاب يوم القيامة " أي يلق عقوبة وعقاباً كما وصف " يضعف له العذاب " وقال بلعاء بن قيس الكناني:

جزى الله ابن عروة حيث أمسى=عقوقاً والعقوق له أثام
أي عقاباً). [مجاز القرآن: 2/81]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (ثمّ قال: {إلا من تاب} [الفرقان: 70] إلا من كان أصاب ذلك في شركٍ فتاب.
{فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم} [الفرقان: 70] الّتي أصابوها في الشّرك.
{حسناتٍ} [الفرقان: 70] قال: وسيّئاتهم، الشّرك.
{حسناتٍ} [الفرقان: 70].
وقال: {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] بالشّرك {لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعًا} [الزمر: 53] الّتي كانت في الجاهليّة). [تفسير القرآن العظيم: 1/490]
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (وفي تفسير الكلبيّ: أنّ وحشيًّا بعدما قتل حمزة كتب إلى النّبيّ يسأله هل له توبةٌ وكتب إليه فيما كتب: إنّ اللّه أنزل آيتين بمكّة أيستاني من كلّ خيرٍ: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا {68} يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا {69}} [الفرقان: 68-69] وإنّ وحشيًّا قد فعل هذا
كلّه، قد زنى، وأشرك، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه.
فأنزل اللّه.
{إلا من تاب} [الفرقان: 70] أي من الزّنا {وآمن} [الفرقان: 70] بعد الشّرك {وعمل عملا صالحًا} [الفرقان: 70] بعد السّيّئات {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} [الفرقان: 70] بالشّرك الإيمان، وبالفجور العفاف {وكان اللّه غفورًا رحيمًا} [الفرقان: 70].
فكتب بها رسول اللّه إليه، فقال وحشيٌّ: هذا شرطٌ شديدٌ فلعلّي ألا أبقى بعد التّوبة حتّى أعمل صالحًا.
فكتب إلى رسول اللّه: هل من شيءٍ أوسع من هذا؟ فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48].
فكتب بها رسول اللّه إلى وحشيٍّ، فأرسل وحشيٌّ إلى رسول اللّه: إنّي أخاف ألا أكون من مشيئة اللّه.
فأنزل اللّه في وحشيٍّ وأصحابه: {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرّحيم} [الزمر: 53] فكتب بها رسول اللّه إلى وحشيٍّ فأقبل وحشيٌّ، إلى رسول اللّه وأسلم). [تفسير القرآن العظيم: 1/491] (م)
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا {69} إلا من تاب} [الفرقان: 69-70] استثنى من تاب.
[تفسير القرآن العظيم: 1/491]
{وآمن وعمل عملا صالحًا} [الفرقان: 70] الحسن بن دينارٍ، عن الحسن في قوله في {[طه:] وإنّي لغفّارٌ لمن تاب} [سورة طه: 82] من الشّرك و {وآمن} [الفرقان: 70] وأخلص الإيمان للّه
{وعمل صالحًا} [الفرقان: 71] في إيمانه.
سعيدٌ عن قتادة قال: إلا من تاب من ذنبه، وآمن بربّه، وعمل صالحًا فيما بينه وبين اللّه.
{فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} [الفرقان: 70] فأمّا التّبديل في الدّنيا فطاعة اللّه بعد عصيانه، وذكر اللّه بعد نسيانه، والخير يعمله بعد الشّرّ.
{وكان اللّه غفورًا رحيمًا} [الفرقان: 70] ). [تفسير القرآن العظيم: 1/492]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) :
(وقوله: {إلّا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسنات وكان اللّه غفورا رحيما}

ليس أن السيئة بعينها تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط اللّه عمله ويثبت اللّه عليه السّيئات). [معاني القرآن: 4/76]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}
روى عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال يقرأ المؤمن في أول كتابه السيئات ويرى الحسنات دون ذلك فينظر وجهه وينظر أعلاه فإذا هو حسنات كله فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه فأولئك الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات
قال مجاهد والضحاك أي يبدلهم من الشرك الإيمان
وقال الحسن قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيمانا من الشرك وإخلاصا من الشك وإحصانا من الفجور
قال أبو إسحاق ليس يجعل مكان السيئة حسنة ولكن يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة). [معاني القرآن: 5/53-52]

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {ومن تاب وعمل صالحًا فإنّه يتوب إلى اللّه متابًا} [الفرقان: 71] تقبّل توبته إذا تاب قبل الموت كقوله في سورة النّساء: {وليست التّوبة للّذين يعملون السّيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن} [النساء: 18].
ويقال: تقبل التّوبة من العبد ما لم يغرغر). [تفسير القرآن العظيم: 1/492]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) :
(وقوله جل وعز: {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متاب}

أي توبة مؤكدة أي إذا عمل صالحا بعد التوبة قيل تاب متابا أي متابا مرضيا مقبولا). [معاني القرآن: 5/54]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27 رجب 1434هـ/5-06-2013م, 08:45 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]



تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وسألت الخليل عن .....
وسألته عن قوله جل وعز: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة} فقال هذا كالأول لأن مضاعفة العذاب هو لقي الآثام). [الكتاب: 3/87]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ونقول في مسائل طوال يمتحن بها المتعلمون
"من يأته من إن يأتنا نأته عامدين تأت يكرمك".
إن رفعت يكرمك فالمسألة جيدة. لأن تقديرها: من يأته زيد يأت في حال إكرامه لك. والأجود أن تقول: تأته يكرمك، لتشغل الفعل بالمفعول إذ كان خبراً. والحذف جائز وليس بجيد. وقولك: من إن يأتنا نأته اسم واحد بمنزلة زيد.
و لو جزمت يكرمك على البدل لم يصلح إن أبدلته من تأت؛ لأن يكرمك لغيرك. فإن جعلته بدلاً من شيء في الصلة لم يصلح، لخروجه عنها. ولكن لو قلت: إن تأتني أعطك أحسن إليك جاز وكان حسناً؛ لأن العطية إحسان. فلذلك أبدلته منه. ومثل ذلك قوله عز وجل: {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب}؛ لأن لقي الأثام هو تضعيف العذاب. وكذلك قول الشاعر:

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنـا = تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا
لأن الإتيان إلمام). [المقتضب: 2/61-62]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (والأثام: الهلاك، قال الله عز ذكره: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}، ثم فسر فقال: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}. فجزم "يضاعف" لأنه بدل من قوله: "يلق أثاما" إذا كان إياه في المعنى، وأنشدني أبو عبيدة:
جزى الله ابن عروة إذ لحقنا = عقوقًا والعقوق من الأثام).
[الكامل: 2/920-921]

تفسير قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) )
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( قال أبو عبيدة: ويكون من الأضداد أيضا، يقال: يكون للمستقبل، ويقال: يكون للماضي، فكونه للمستقبل لا يحتاج فيه إلى شاهد، وكونه للماضي قول الصلتان يرثي المغيرة بن المهلب:

قل للقوافل والغزاة إذا غزوا = والباكرين وللمجد الرائح
إن السماحة والشجاعة ضمنا = قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به = كوم الجلاد وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها = فلقد يكون أخا دم وذبائح
أراد: فلقد كان.
قال أبو بكر: والذي نذهب إليه أن (كان) و(يكون) لا يجوز أن يكونا على خلاف ظاهرهما، إلا إذا وضح المعنى، فلا يجوز لقائل أن يقول: كان عبد الله قائما، بمعنى يكون عبد الله، وكذلك محال أن يقال: يكون عبد الله قائما؛ بمعنى كان عبد الله، لأن هذا ما لا يفهم ولا يقوم عليه دليل؛ فإذا انكشف المعنى حمل أحد الفعلين على الآخر، كقوله جل اسمه: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا}، معناه من يكون في المهد فكيف نكلمه! فصلح الماضي في موضع المستقبل لبيان معناه. وأنشد الفراء:

فمن كان لا يأتيك إلا لحاجة = يروح لها حتى تقضى ويغتدي
فإني لآتيكم تشكر ما مضى = من الأمر واستيجاب ما كان في غد
أراد: ما يكون في غد. وقال الله عز ذكره: {ونادى
أصحاب الجنة أصحاب النار}، فمعناه (وينادي)، لأن المعنى مفهوم. وقال جل وعز: {يا أبانا منع منا الكيل}، فقال بعض الناس: معناه (يمنع منا).
وقال الحطيئة:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه = أن الوليد أحق بالعذر
معناه: (يشهد الحطيئة).
{وكان الله غفورا رحيما} ليس بصحيح؛ لأنها لا تلغى مبتدأة ناصبة للخبر؛ وإنما التأويل المبتدأ عند الفراء: (وكائن الله غفورا رحيما)، فصلح الماضي في موضع الدائم؛ لأن أفعال الله جل وعز تخالف أفعال العباد، فأفعال العباد تنقطع، ورحمة الله جل وعز لا تنقطع، وكذلك مغفرته وعلمه وحكمته.
وقال غير الفراء: كأن القوم شاهدوا لله مغفرة ورحمة وعلما وحكمة، فقال الله جل وعز: {وكان الله غفورا رحيما}، أي لم يزل الله عز وجل على ما شاهدتم). [كتاب الأضداد: 60-62] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله: "ما لقاتلي من متاب" يقول: من توبةٍ، والمصدر إذا كان بزيادة الميم من فعلَ يفعلُ فهو على مفعلٍ قال الله جل وعزّ: {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} وأما قوله جل ذكره: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} فيكون على ضربين، يكون مصدرًا، ويكون جماعًا. فالمصدر قولك: تاب يتوب توبًا، كقولك: قال يقول قولاً، والجمع توبةٌ وتوبٌ، مثل تمرةٍ وتمر، وجمرةٍ وجمرْ). [الكامل: 2/790]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26 ذو القعدة 1439هـ/7-08-2018م, 11:34 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 26 ذو القعدة 1439هـ/7-08-2018م, 11:35 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 26 ذو القعدة 1439هـ/7-08-2018م, 11:42 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية، إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في: عبادتهم الأوثان، وقتلهم النفس بوأد البنات، وغير ذلك من الظلم والاغتيال والغارات، وبالزنى الذي كان عندهم مباحا، وفي نحو هذه الآية قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قلت يوما لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وبالقتل والزنى يدخل في هذه الآية العصاة من المؤمنين، ولهم من الوعيد بقدر ذلك، والحق الذي تقتل به النفس هو قتل النفس، والكفر بعد الإيمان، والزنى بعد الإحصان، والكفر الذي لم يتقدمه إيمان في الحربيين.
و "الأثام" في كلام العرب: العقاب، وبه فسر ابن زيد هذه الآية، ومنه قول الشاعر:
[المحرر الوجيز: 6/459]
جزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثام
أي: جزاء وعقوبة. وقال عكرمة، وعبد الله بن عمرو، ومجاهد: إن "أثاما" واد في جهنم، هذا اسمه، وقد جعله الله تعالى عقابا للكفرة). [المحرر الوجيز: 6/460]

تفسير قوله تعالى: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: "يضاعف" و"يخلد" جزما. وقرأ ابن كثير، وأبو جعفر، والحسن، وابن عامر: "يضعف" بشد العين وطرح الألف، وبالجزم في "يضعف"، "ويخلد". وقرأ طلحة بن سليمان: "نضعف" بضم النون وكسر العين المشددة "العذاب" بالنصب، "ويخلد" بالجزم، وهي قراءة أبي جعفر. وقرأ طلحة بن سليمان: "وتخلد" بالتاء، على معنى مخاطبة الكافر بذلك، وروي عن أبي عمرو: "ويخلد" بضم الياء من تحت، وفتح اللام، قال أبو علي: وهي غلط من جهة الرواية، و"يضاعف" بالجزم بدل من "يلق"، قال سيبويه: مضاعفة العذاب لقي الأثام، قال الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا). [المحرر الوجيز: 6/460]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {إلا من تاب} الآية، لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل من المسلمين، فقال جمهور العلماء: له التوبة،
[المحرر الوجيز: 6/460]
وجعلت هذه الفرقة قاعدتها قوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فحصل القاتل في المشيئة كسائر التائبين من ذنوب، ويتأولون الخلود الذي في آية القتل في سورة النساء بمعنى الدوام إلى مدة كخلود الدول ونحوه، وروى أبو هريرة لمن قتل: حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن هذه الآية نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، وقاله سعيد بن جبير. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره: لا توبة للقاتل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهذه الآية إنما أريد بالتوبة فيها المشركون، وذلك أنها لما نزلت قالت طوائف من المشركين: كيف لنا بالدخول في الإسلام ونحن قد فعلنا جميع هذا؟ فنزلت {إلا من تاب} الآية، ونزلت: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء فرحه بها وبسورة الفتح. وقال غير ابن عباس رضي الله عنهما ممن قال بأن لا توبة للقاتل: إن هذه الآية منسوخة بآية سورة النساء، قاله زيد بن ثابت، ورواه أيضا سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال أبو الجوزاء: صحبت ابن عباس رضي الله عنهما ثلاث عشرة سنة فما رأيت شيئا من القرآن إلا سألته عنه، فما سمعته يقول: إن الله تبارك وتعالى يقول لذنب: لا أغفره.
[المحرر الوجيز: 6/461]
وقوله تعالى: {يبدل الله سيئاتهم حسنات}. معناه: يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة، فيكون ذلك سببا لرحمة الله عز وجل إياهم، قاله ابن عباس، وابن جبير، وابن زيد، والحسن، وردوا على من قال: هو في يوم القيامة لمن يريد المغفرة له من الموحدين، يبدل السيئات حسنات، وهذا تأويل ابن المسيب في هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهو معنى كرم العفو.
وقرأ ابن أبي عبلة: "يبدل" بسكون الباء وتخفيف الدال). [المحرر الوجيز: 6/462]

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}
أكد هذا اللفظ أمر التوبة، والمعنى: ومن تاب فإنه قد تمسك بأمر وثيق، وهذا كما تقول لمن يستحسن قوله في أمر: لقد قلت يا فلان قولا. وكذلك الآية معناها مدح المتاب، كأنه قال: فإنه يجد بابا للفرج والمغفرة عظيما. ثم استمرت الآيات في صفة عباد الله تبارك وتعالى- المؤمنين بأن نفى عنهم شهادة الزور). [المحرر الوجيز: 6/462]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15 محرم 1440هـ/25-09-2018م, 03:15 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15 محرم 1440هـ/25-09-2018م, 03:21 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيمًا (70) ومن تاب وعمل صالحًا فإنّه يتوب إلى اللّه متابًا (71)}.
قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللّه -هو ابن مسعودٍ -قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أيّ: الذّنب أكبر؟ قال: "أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك". قال: ثمّ أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قال: ثمّ أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". قال عبد اللّه: وأنزل اللّه تصديق ذلك: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا}.
وهكذا رواه النّسائيّ عن هنّاد بن السّريّ، عن أبي معاوية، به.
وقد أخرجه البخاريّ ومسلمٌ، من حديث الأعمش ومنصورٍ -زاد البخاريّ: وواصلٍ -ثلاثتهم عن أبي وائلٍ، شقيق بن سلمة، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعودٍ، به، فاللّه أعلم، ولفظهما عن ابن مسعودٍ قال: قلت: يا رسول اللّه، أيّ الذّنب أعظم؟ الحديث.
طريقٌ غريبٌ: وقال ابن جريرٍ: حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، حدّثنا عامر بن مدرك، حدّثنا السّريّ -يعني ابن إسماعيل -حدّثنا الشّعبيّ، عن مسروقٍ قال: قال عبد اللّه: خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يومٍ فاتّبعته، فجلس على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت خلوته وقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه، أيّ الذّنوب أكبر؟ قال: "أن تدعو للّه ندًا وهو خلقك".قلت: ثمّ مه؟ قال: "أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك". قلت: ثمّ مه؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثمّ قرأ: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر}. [إلى آخر] الآية.
وقال النّسائيّ: حدّثنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيسٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حجّة الوداع: "ألا إنّما هي أربعٌ -فما أنا بأشحّ عليهنّ منّي منذ سمعتهنّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم -: لا تشركوا باللّه شيئًا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، ولا تزنوا، ولا تسرقوا".
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عليّ بن المدينيّ، رحمه اللّه، حدّثنا محمّد بن فضيل بن غزوان، حدّثنا محمّد بن سعدٍ الأنصاريّ، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود، رضي اللّه عنه، يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه: "ما تقولون في الزّنى"؟ قالوا: حرّمه اللّه ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه: "لأن يزني الرّجل بعشر نسوةٍ أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". قال: "ما تقولون في السّرقة"؟ قالوا: حرّمها اللّه ورسوله، فهي حرامٌ. قال: "لأن يسرق الرّجل من عشرة أبياتٍ أيسر عليه من أن يسرق من جاره".
وقال أبو بكر بن أبي الدّنيا: حدّثنا عمّار بن نصرٍ، حدّثنا بقيّة، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالكٍ الطّائيّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: قال: "ما من ذنبٍ بعد الشّرك أعظم عند اللّه من نطفة وضعها رجلٌ في رحم لا يحل له".
وقال ابن جريج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبيرٍ أنّه سمعه يحدّث عن ابن عبّاسٍ: أنّ ناسًا من أهل الشّرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثمّ أتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: إنّ الّذي تقول وتدعو إليه لحسنٌ، لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارةٌ، فنزلت: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون}، ونزلت: {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعًا [إنّه هو الغفور الرّحيم]} [الزّمر: 53].
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن عمرٍو، عن أبي فاختة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لرجلٍ: "إنّ اللّه ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك". قال سفيان: وهو قوله: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحقّ ولا يزنون}.
وقوله: {ومن يفعل ذلك يلق أثامًا}. روي عن عبد اللّه بن عمرٍو أنّه قال: {أثامًا} وادٍ في جهنّم.
وقال عكرمة: {يلق أثامًا} أوديةٌ في جهنّم يعذّب فيها الزّناة. وكذا روي عن سعيد بن جبيرٍ، ومجاهدٍ.
وقال قتادة: {يلق أثامًا} نكالًا كنّا نحدّث أنّه وادٍ في جهنّم.
وقد ذكر لنا أنّ لقمان كان يقول: يا بنيّ، إيّاك والزّنى، فإنّ أوّله مخافةٌ، وآخره ندامةٌ.
وقد ورد في الحديث الّذي رواه ابن جريرٍ وغيره، عن أبي أمامة الباهليّ -موقوفًا ومرفوعًا -أنّ "غيًّا" و"أثامًا" بئران في قعر جهنّم أجارنا اللّه منها بمنّه وكرمه.
وقال السّدّيّ: {يلق أثامًا}: جزاءً.
وهذا أشبه بظاهر الآية؛ ولهذا فسّره بما بعده مبدّلًا منه، وهو قوله: {يضاعف له العذاب يوم القيامة} أي: يكرّر عليه ويغلّظ، {ويخلد فيه مهانًا} أي: حقيرًا ذليلًا). [تفسير ابن كثير: 6/ 124-126]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ): (وقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل [عملا] صالحًا} أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصّفات القبيحة ما ذكر {إلا من تاب} في الدّنيا إلى اللّه من جميع ذلك، فإنّ اللّه يتوب عليه.
وفي ذلك دلالةٌ على صحّة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النّساء: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤه جهنّم خالدًا فيها وغضب اللّه عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا} [النساء: 93] فإن هذه وإن كانت مدنيّةً إلّا أنّها مطلقةٌ، فتحمل على من لم يتب، لأنّ هذه مقيّدةٌ بالتّوبة، ثمّ قد قال [اللّه] تعالى: {إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النّساء: 48،116].
وقد ثبتت السّنّة الصّحيحة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بصحّة توبة القاتل، كما ذكر مقرّرًا من قصّة الّذي قتل مائة رجلٍ ثمّ تاب، وقبل منه، وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله: {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيمًا}: في معنى قوله: {يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} قولان:
أحدهما: أنّهم بدّلوا مكان عمل السّيّئات بعمل الحسنات. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السّيّئات، فرغب اللّه بهم عن ذلك فحوّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السّيّئات الحسنات.
وروى مجاهدٌ، عن ابن عبّاسٍ أنّه كان ينشد عند هذه الآية:
بدّلن بعد حرّه خريفا وبعد طول النّفس الوجيفا
يعني: تغيّرت تلك الأحوال إلى غيرها.
وقال عطاء بن أبي رباحٍ: هذا في الدّنيا، يكون الرّجل على هيئةٍ قبيحةٍ، ثمّ يبدّله اللّه بها خيرًا.
وقال سعيد بن جبيرٍ: أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة اللّه، وأبدلهم بقتال المسلمين قتالًا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وقال الحسن البصريّ: أبدلهم اللّه بالعمل السّيّئ العمل الصّالح، وأبدلهم بالشّرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا وبالكفر إسلامًا.
وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعةٍ آخرين.
والقول الثّاني: أنّ تلك السّيّئات الماضية تنقلب بنفس التّوبة النّصوح حسناتٍ، وما ذاك إلّا أنّه كلّما تذكّر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذّنب طاعةً بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه لكنّه لا يضرّه وينقلب حسنةً في صحيفته، كما ثبتت السّنّة بذلك، وصحّت به الآثار المرويّة عن السّلف، رحمهم اللّه تعالى -وهذا سياق الحديث -قال الإمام أحمد:
حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرٍّ، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّي لأعرف آخر أهل النّار خروجًا من النّار، وآخر أهل الجنّة دخولًا إلى الجنّة: يؤتى برجلٍ فيقول: نحّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا؟ فيقول: نعم -لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا - فيقال: فإنّ لك بكلّ سيّئةٍ حسنةً. فيقول: يا ربّ، عملت أشياء لا أراها هاهنا". قال: فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى بدت نواجذه. وانفرد به مسلمٌ.
وقال الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ: حدّثنا هاشم بن يزيد، حدّثنا محمّد بن إسماعيل، حدّثني أبي، حدّثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيدٍ عن أبي مالكٍ الأشعريّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشّيطان: أعطني صحيفتك. فيعطيه إيّاها، فما وجد في صحيفته من حسنةٍ محا بها عشر سيّئاتٍ من صحيفة الشّيطان، وكتبهنّ حسناتٍ، فإذا أراد أن ينام أحدكم فليكبّر ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدةً، ويسبّح ثلاثًا وثلاثين تسبيحةً، فتلك مائةٌ".
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو سلمة وعارمٌ قالا حدّثنا ثابتٌ -يعني: ابن يزيد أبو زيدٍ -حدّثنا عاصمٌ، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطى رجلٌ يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها، فإذا سيّئاته، فإذا كاد يسوء ظنّه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثمّ ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدّلت حسناتٍ.
وقال أيضًا: حدّثنا أبي، حدّثنا هشام بن عمّارٍ، حدّثنا سليمان بن موسى الزّهريّ أبو داود، حدّثنا أبو العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ليأتينّ اللّه عزّ وجلّ بأناسٍ يوم القيامة رأوا أنّهم قد استكثروا من السّيّئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الّذين يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ.
وقال أيضًا: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد اللّه بن أبي زياد، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر، حدّثنا أبو حمزة، عن أبي الضّيف -وكان من أصحاب معاذ بن جبلٍ -قال: يدخل أهل الجنّة الجنّة على أربعة أصنافٍ: المتّقين، ثمّ الشّاكرين، ثمّ الخائفين، ثمّ أصحاب اليمين. قلت: لم سمّوا أصحاب اليمين؟ قال: لأنّهم عملوا الحسنات والسّيّئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيّئاتهم حرفًا حرفًا -قالوا: يا ربّنا، هذه سيّئاتنا، فأين حسناتنا؟. فعند ذلك محا اللّه السّيّئات وجعلها حسناتٍ، فعند ذلك قالوا: (هاؤم اقرؤوا كتابيه)، فهم أكثر أهل الجنّة.
وقال عليّ بن الحسين زين العابدين: {يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ} قال: في الآخرة.
وقال مكحولٌ: يغفرها لهم فيجعلها حسناتٍ: [رواهما ابن أبي حاتمٍ، وروى ابن جريرٍ، عن سعيد بن المسيّب مثله].
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن الوزير الدّمشقيّ، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا أبو جابرٍ، أنّه سمع مكحولًا يحدّث قال: جاء شيخٌ كبيرٌ هرمٌ قد سقط حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول اللّه، رجلٌ غدر وفجر، ولم يدع حاجةً ولا داجة إلّا اقتطعها بيمينه، لو قسّمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبةٍ؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أسلمت؟ " قال: أمّا أنا فأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "فإنّ اللّه غافرٌ لك ما كنت كذلك، ومبدّلٌ سيّئاتك حسناتٍ". فقال: يا رسول اللّه، وغدراتي وفجراتي؟ فقال: "وغدراتك وفجراتك". فولّى الرّجل يهلّل ويكبّر .
وروى الطّبرانيّ من حديث أبي المغيرة، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرّحمن بن جبيرٍ، عن أبي فروة -شطب -أنّه أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال: أرأيت رجلًا عمل الذّنوب كلّها، ولم يترك حاجةً ولا داجةً، فهل له من توبةٍ؟ فقال: "أسلمت؟ " فقال: نعم، قال: "فافعل الخيّرات، واترك السّيّئات، فيجعلها اللّه لك خيراتٍ كلّها". قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: "نعم". قال فما زال يكبّر حتّى توارى.
ورواه الطّبرانيّ من طريق أبي فروة الرّهاويّ، عن ياسين الزّيّات، عن أبي سلمة الحمصي، عن يحيى بن جابرٍ، عن سلمة بن نفيلٍ مرفوعًا.
وقال أيضًا: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، عن فليح الشّمّاس، عن عبيد بن أبي عبيدٍ عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: جاءتني امرأةٌ فقالت: هل لي من توبةٍ؟ إنّي زنيت وولدت وقتلته. فقلت لا ولا نعمت العين ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة. ثمّ صلّيت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الصّبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " بئسما قلت! أما كنت تقرأ هذه الآية: {والّذين لا يدعون مع اللّه إلهًا آخر} إلى قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا فأولئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ وكان اللّه غفورًا رحيمًا} فقرأتها عليها. فخرّت ساجدةً وقالت: الحمد للّه الّذي جعل لي مخرجًا.
هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وفي رجاله من لا يعرف واللّه أعلم. وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجت تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا! أخلق هذا الحسن للنّار؟ وعنده أنّه لـمّا رجع من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، تطلّبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلمّا كان من اللّيلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فخرّت ساجدةً، وقالت: الحمد للّه الّذي جعل لي مخرجًا وتوبةً ممّا عملت. وأعتقت جاريةً كانت معها وابنتها، وتابت إلى اللّه عزّ وجلّ). [تفسير ابن كثير: 6/ 126-130]

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :(ثمّ قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته بعباده وأنّه من تاب إليه منهم تاب عليه من أيّ ذنبٍ كان، جليلٍ أو حقيرٍ، كبيرٍ أو صغيرٍ: فقال {ومن تاب وعمل صالحًا فإنّه يتوب إلى اللّه متابًا} أي: فإنّ اللّه يقبل توبته، كما قال تعالى: {ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر اللّه يجد اللّه غفورًا رحيمًا} [النّساء: 110]، وقال {ألم يعلموا أنّ اللّه هو يقبل التّوبة عن عباده ويأخذ الصّدقات وأنّ اللّه هو التّوّاب الرّحيم} [التوبة: 104]، وقال {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرّحيم} [الزّمر: 53]، أي: لمن تاب إليه). [تفسير ابن كثير: 6/ 130]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:58 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة