العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة العلوم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:02 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي بيان فضل طلب العلم

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان فضل طلب العلم

الحمد لله الذي شرّف العلم وأهله، وأظهر بين العالمين فضله، نحمده على فضله وإحسانه ونشكره، ونستعينه على ذكره وشكره ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، منّ به علينا؛ فعلَّمنا الكتاب والحكمة، وزكانا وهدانا، وبيّن لنا ما أنزل الله إليه، حتى أكمل الله به الدين، وأتمّ به النعمة، وأقام به الحجّة.
أما بعد:
فإنّ الله تعالى قد جعل العلماء ورثة الأنبياء، وأقامهم على معالم دينه أدلاء، يقتبسون من مشكاة النبوّة، وينهلون من معين الوحي، ويأتسون بسلفهم الصالح؛ فَيَعْمَلون ويُعَلّمون، ويَنصحون ويُصلحون، حتى أقام الله بهم عمود الدين، ورفع بهم لواءَه، وشرّفهم بالرفعة والتمكين، فجعلهم أئمة يُهتدى بهم، ومناراً يعرف بهم الطريق، يهدون السائر، ويرشدون الحائر، ويفتون المستفتي، ويعلّمون الناس الخير، ويحذّرونهم من الشرّ، ويبشّرونهم وينذرونهم؛ فكم هدى الله بهم من ضالّ، وأصلح بهم من حال، وأحيا بهم من سنّة، ونجّى بهم من فتنة، وردّ بهم من ضلالة.
والحمد الله الذي جعل العلم حبلاً ممدوداً، وميراثاً مشهوداً، لا يُحجب عنه طالبه، ولا يخيب راغبه، يحمله من كلّ قرن خيرة أهله، فيتحمّلون أمانته، ويرعونه حقّ رعايته، ليقوموا فيه مقام سلفهم، فيعلّمونه كما تعلّموه،
ويؤدّونه كما تحمّلوه، ولا يزال أهل العلم والإيمان في كلّ قرن ظاهرين منصورين، وهادين مهديين حتى يأتي الله بأمره.

وقد جرت عادة أهل العلم على التذكير بفضله، والترغيب في طلبه، وبيان محاسنه وفضائله، وما ورد في شأنه من الأحاديث والآثار، والوصايا والأخبار، ليستنهضوا همم طلاب العلم، حتى يعرفوا قَدْرَه ويجدّوا في طلبه، بصدق وإخلاص، وعزيمة وثبات.

وقد اطّلعت على جملة مما كتبه أهل العلم في هذا الباب؛ مما تفرّق في كتبهم، ومما أفردوه فيه فضلَ العلم بالتأليف والتصنيف، فأحببت أن ألخّص لنفسي وإخواني من طلاب العلم في ذلك مختصراً يجمع كثيراً مما تفرّق في تلك الكتب، ويقرّب مباحثها، ويعين على فِقْهِ مقاصدِها، وتحصيلِ فوائدِها، والله المسؤول أن يتقبّل هذا العمل بقبوله الحسن، وينفع به كاتبه وقارئه وناشره، وأن يبارك فيه بركة من عنده إنه هو الحميد المجيد.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:07 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

بيان أوجه فضل العلم

فضل العلم يتبيَّن من وجوه كثيرة:

منها: أن العلم أصل معرفة الهدى؛ وبالهدى ينجو العبد من الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}، فبالعلم يتعرف العبد على أسباب رضوان الله تعالى وفضله وثوابه العظيم في الدنيا والآخرة، ويتعرف على ما يسلم به من سخط الله وعقابه.
ومنها: أن العلم أصل كلّ عبادة؛ وبيان ذلك أن كل عبادة يؤديها العابد لا تُقبل إلا إذا كانت خالصةً لله تعالى، وصوابًا على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة ذلك تستدعي قدرًا من العلم، وكذلك معرفة ما يحبه الله وما يكرهه إجمالًا وتفصيلًا لا تكون إلا بالعلم.
فتبين أن العبد لا يمكن أن يتقرب إلى الله عزَّ وجل إلا أن يكون أصلُ تقرّبه هو العلم.

ومنها: أن العلم يُعَرِّف العبد بما يدفع به كيد الشيطان، وما يدفع به كيد أعدائه، ويٌعرِّفه بما ينجو به من الفتن التي تأتيه في يومه وليلته، والفتن التي قد يضل بها من يضل إذا لم يعتصم بما بيّنه الله عز وجل من الهدى الذي لا يُعرف إلا بالعلم؛ وهو كما يعرّف العبد فهو يعرّف الأمّة بسبيل رفعتها وعزتها وسبيل سلامتها من كيد أعدائها.
ومنها: أن الله تعالى يحب العلم والعلماء؛ وقد مدح الله العلماء وأثنى عليهم ورفع شأنهم، وهذه المحبة لها آثارها ولوازمها.
ومنها: أن العلم يُعرِّف العبد بربه جل وعلا، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وآثارها في الخلق والأمر؛ وهذه أعز المعارف وأعلاها وأعظمها شأنًا، ولا تحصل للعبد إلا بالعلم النافع؛ فكان هذا العلم سببًا لأن يتعرف العبد على أسماء الله وصفاته وأحكامه، ويعرف جزاءه على الأعمال في الدنيا والآخرة بما بيَّنه الله تعالى، وسبيل ذلك لا يكون إلا بالعلم.
ومنها: أنه رفعة للعبد في دينه ودنياه وتشريفٌ له وتكريم؛ ومن أحسنَ التعلم ارتفع شأنه، وعلا قدره؛ كما قال الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}.
ومنها: أنه يدل المرء على شريف الخصال ومحاسن الآداب، ويُعرِّفه أيضًا بسيئها؛ فيحرص على اكتساب الخصال الحميدة بما يعرفه من فضلها وثمراتها وآثارها، ويحرص أيضًا على اجتناب الخصال السيئة الذميمة بما يعرفه من سوء آثارها وقُبح عاقبتها، ويُعرِّفه أيضًا بالعظات والعِبر التي حلت بالسابقين، وكل ذلك لا يحصل إلا بالعلم.
ومنها: أنه من أفضل القربات إلى الله تعالى؛ ويدل لذلك ما رتبه الله تعالى على العلم من الأجور العظيمة، والفضائل الجليلة، حتى كان ما يُعلِّمه المرء لغيره يصيبه ثوابه وإن تسلسل إلى أزمان كثيرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)). رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فكل من دعا إلى الهدى - ولا يُدعى إلى الهدى إلا بالعلم- فله مثل أجر من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تسلسل ذلك الأمر إلى أن تقوم الساعة، فما يُحدّثه العلماء من أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما يعلمونه من العلوم النافعة يجري لهم به أجرهم ما بقي الانتفاع بعلمهم النافع الذي تركوه
.

وقد ذكر الإمام السعدي -رحمه الله- في فتاواه؛ أن عالماً كان في بلدة يُعلّم العلم فمات فرآه أحد تلاميذه في المنام، فقال له: (أرأيت الفتوى التي أفتيت بها في مسألة كذا وكذا، لقد وصلني أجرها)، وهذه فتوى أفتى بها، أو قضية حكم بها تلميذه من بعده، فوصل أجرها شيخَه بعد موته.
فالعلم النافع من أسباب الحصول على الأجور العظيمة، والحسنات المتسلسلة التي لا تنقضي بإذن الله عز وجل، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن العلم النافع من الأعمال التي لا تنقطع كما في الحديث الصحيح: ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ))، وذكر من ذلك: ((عِـلْـمٌ يُـنْـتَـفَــعُ بِــهِ)).


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:09 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

الأدلّة على فضل العلم وأهله

وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة ببيان فضل العلم وأهله، وفضل طلبه، ورُتّب على ذلك من الثناء العظيم والثواب الجزيل في القرآن الكريم والسنة النبوية، ما يجعل المؤمن حريًّا بأن يكون حريصًا على نيل هذا الفضل العظيم، مجتهدًا في طلبه:
1. قال الله تعالى:
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، فأسند الرفع إليه جل وعلا وتكفل به، والله تعالى لا يخلف وعده؛ فمن طلب العلم بنية صالحة حصل له من الرفعة -بإذن الله عز وجل- بقدر ما آتاه الله عز وجل من العلم.
2. وقال الله تعالى:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.
3. وقال تعالى
: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.
4. بل أمر الله عز وجل نبيه أن يسأله الزيادة من العلم كما قال تعالى:
{وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، وفي ذلك من التنبيه على فضل العلم وعظم شأنه ما هو ظاهر بيّن.
5. وفي الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)).
والتفقه في الدين يشمل التفقه في جميع أبوابه: في الاعتقاد، والأحكام، والأخلاق، والآداب، والتزكية، والجزاء، وغيرها؛ فكل ذلك من الفقه في الدين.
6. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عَنْه أن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ومَن سَلَكَ طريقًا يَلْتَمِسُ فيه علمًا سَهَّلَ اللَّهُ لهُ طريقًا إِلى الجنَّةِ)) رواه مسلم.
7. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((مَثل مَا بَعَثَني اللَّهُ بهِ من الهدى والعِلمِ كمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أَرْضًا؛ فكانَتْ منها طائِفَةٌ طيّبَةٌ قَبِلَت المَاءَ؛ فأَنْبَتَت الكَلَأَ والعُشْبَ الكثِيرَ، وكانَ منْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَت الماءَ فنَفَعَ اللَّهُ بها النَّاسَ؛ فَشَرِبُوا منها وَسَقَوا وَزَرَعَوا وأَصَابَ طائفةً منها أخرى إِنَّمَا هيَ قِيعان، لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً؛ فذلك مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَن لمْ يرفعْ بذلكَ رَأْسًا، ولمْ يَقبلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)) متفق عليه.
8.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجنَّةِ، وَإِنَّ الملائكةَ لَتَضَعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رِضًا بما يَصنعُ وإِنَّ العالِمَ لَيَسْتغفِرُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومن في الأرضِ حتَّى الحيتَانُ في الماءِ، وَفَضْل العالِم علَى العابِدِ كَفَضْلِ القمرِ على سَائرِ الكوَاكبِ وإِنَّ العلماءَ ورثةُ الأَنبياءِ، وَإِنَّ الأنبِيَاءَ لمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وإِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)) رواه أبو دواد والترمذي.
وهذا الحديث الجليل العظيم فيه بيانٌ ظاهرٌ لفضل العلم والحث على طلبه، وقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد أن استغفار الملائكة دليلٌ على أن الله يغفر له -إن شاء الله- وقال:
(ألا ترى أن طلب العلم من أفضل الأعمال، وإنما صار كذلك -والله أعلم- لأن الملائكة تضع أجنحتها له بالدعاء والاستغفار).


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:11 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

الآثار المروية عن السلف الصالح في فضل طلب العلم

وقد أدرك أئمة الهدى من علماء هذه الأمة هذه الحقيقة، فاجتهدوا في تعلُّمِ العلم وتعليمه، وصبروا على ما أصابهم في ذلك حتى تبوَّؤُوا المكانةَ التي رفع الله بها ذِكرَهم، وأعلى شأنهم؛ فكانوا أئمة الدين، وأولياء ربّ العالمين، تحفظ آثارهم؛ وتذكر مآثرهم، وينتفع بعلومهم على تطاول الأعوام والقرون، ولهم في بيان فضل العلم والحثّ عليه أقوال مأثورة، ووصايا مشهورة، منها:
1. ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنه قال:
(ما عُبد الله بمثل الفقه)
2. وقال مُطّرف بن عبد الله بن الشخّير:
(فضلُ العلمِ أحبُّ إليَّ من فضل ِالعبادةِ، وخيرُ دِينكم الورَعُ) رواه الإمام أحمد في الزهد.
3. وقال سفيان الثوري:
(ما أعلم عملًا أفضل من طلب العلم وحفظه لمن أراد الله به خيرًا) رواه الدارمي.
4. وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن عبد الله بن المبارك أنه قال: قال لي سفيان الثوري:
(ما يُراد الله عز وجل بشيء أفضل من طلب العلم، وما طلب العلم في زمان أفضل منه اليوم).
وقد صدق رحمه الله؛ فنحن اليوم - بعد قرون متطاولة مضت دون قرنهم - إنما نتعلم العلم مما ورّثوه لنا من العلم رواية ودراية؛ فعنهم نتلقَّى مسائل الاعتقاد، وعنهم نتلقَّى مسائل الفقه، وعنهم نتلقَّى معرفة صحيح الحديث من ضعيفه، ومن تُقبل روايته ومن تُرد، وعنهم نتلقَّى العلم بالأخلاق الفاضلة والتزكية والسلوك،
ومن صفات العلماء الربانيّين أن يجدهم طالب العلم فيما يحتاج إليه من أبواب الدين أئمة يقتدى بهم.
5. روى البيهقي بإسناده إلى الربيع بن سليمان المرادي أنه قال: سمعت الشافعي يقول:
(ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب العلم، قيل له: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله).
6. وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله والقاضي عياض في الإلماع عن الربيع بن سليمان أنه قال: سمعت الشافعي يقول: « من حفظ القرآن عظمت حرمته، ومن طلب الفقه نبل قدره، ومن وعى الحديث قويت حجته، ومن نظر في النحو رقَّ طَبْعُه، ومن لم يصن نفسه لم يصنه العلم »
7. وقال مهنا بن يحيى السُلمي: قلت: لأحمد بن حنبل ما أفضل الأعمال؟

قال:
(طلب العلم لمن صحت نيته)
قلت: وأي شيء تصحيح النية؟
قال: (ينوي يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل).

8. ونقل ابن هانئ في مسائله عن الإمام أحمد أنه قال:
(العلم لا يعدله شيء).
9
. وساق ابن بطال بسنده إلى يحيى بن يحيى الليثي -وهو تلميذ الإمام مالك-، أنه قال: (أوَّل ما حدثني مالك بن أنس حين أتيته طالبًا لما ألهمني الله إليه في أول يوم جلستُ إليه، قال لي: (اسمك؟)
قلت: أكرمك الله يحيى.
وكنتُ أحدثَ أصحابي سنًا ؛ فقال لي: (
يا يحيى! اللهَ اللهَ، عليك بالجدّ في هذا الأمر، وسأحدّثك في ذلك بحديثٍ يرغّبك فيه، ويزهّدك في غيره).
قال: (قدم المدينة غلامٌ من أهل الشامِ بحداثةِ سنّك، فكان معنا يجتهد ويطلب حتى نزلَ به الموت، فلقد رأيتُ على جنازته شيئًا لم أرَ مثله على أحدٍ من أهل بلدنا، لا طالبٍ ولا عالمٍ، فرأيت جميعَ العلماء يزدحمون على نَعْشه؛ فلمَّا رأى ذلك الأمير، أمسك عن الصلاة عليه، وقال: قدّموا منكم من أحببتم؛ فقدّم أهلُ العلم ربيعة، ثم نهض به إلى قبره).
قال مالك: (فألحده في قبره ربيعةُ، وزيدُ بن أسلم، ويحيى بن سعيد، وابنُ شهاب، وأقرب الناس إليهم: محمد بن المنذر، وصفوان بن سليم، وأبو حازم وأشباههم، وبنى اللّبِن على لحده ربيعة، وهؤلاء كلهم يناولونه اللّبِن!).

فهؤلاء علماء المدينة، وأشرافهم، وكبراؤهم من العلماء والعباد ازدحموا على جنازة هذا الغلام الشاب فما سرُّ هذا الغلام الذي مات وهو يطلب العلم؟!!
قال الإمام مالك:
(فلما كان اليوم الثالث من يوم دفنه، رآه رجلٌ من خيار أهل بلدنا في أحسن صورة غلام أمرد، وعليه بياض، متعمّم بعمامة خضراء، وتحته فرس أشهب نازل من السماء؛ فكأنه كان يأتيه قاصدًا ويسلّم عليه، ويقول: هذا بلّغني إليه العلم؛ فقال له الرجل: وما الذي بلّغك إليه؟
فقال: أعطاني الله بكل باب تعلّمته من العلم درجةً في الجنة، فلم تبلغ بي الدرجات إلى درجة أهل العلم - لأنه مات صغيًرا-، فقال الله تعالى: زيدوا ورثة أنبيائي، فقد ضمنت على نفسي أنه من مات وهو عالم سنتي -أو سنة أنبيائي- أو طالب لذلك، أن أجمعهم في درجة واحدة؛ فأعطاني ربي حتى بلغت إلى درجة أهل العلم، وليس بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا درجتان، درجة هو فيها جالس وحوله النبيون كلهم، ودرجة فيها جميع أصحابه، وجميع أصحاب النبيين الذين اتبعوهم، ودرجة من بعدهم فيها جميع أهل العلم وطلبته، فسيرني حتى استوسطتهم، فقالوا لي: مرحبًا، مرحبًا، سوى ما لي عند الله من المزيد.
فقال له الرجل: ومالك عند الله من المزيد؟!!
قال: وعدني أن يحشر النبيين كلهم كما رأيتهم في زمرة واحدة، فيقول: يا معشر العلماء، هذه جنتي قد أبحتها لكم، وهذا رضواني قد رضيت عنكم، فلا تدخلوا الجنة حتى تتمنوا وتشفعوا، فأعطيكم ما شئتم، وأُشَفّعكم في من استشفعتم له، ليرى عبادي كرامتكم عليّ، ومنزلتكم عندي.
فلما أصبح الرجل حدَّث أهل العلم، وانتشر خبره بالمدينة).
قال مالك: (كان بالمدينة أقوام بدؤوا معنا في طلب هذا الأمر ثم كفّوا عنه، حتى سمعوا هذا الحديث؛ فلقد رجعوا إليه، وأخذوا بالحزم، وهم اليوم من علماء بلدنا، اللهَ اللهَ يا يحيى، جدّ في هذا الأمر).
وهذه الرؤيا العجيبة ذكرها –كما أسلفت- ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري.
10. ونقل النووي في المجموع اتفاق السلف على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح ونحو ذلك من نوافل العبادات.

فهذه الآثار عن السلف الصالح - وغيرها كثير - تدلُّ على معرفتهم بفضل العلم، وإدراكهم هذه الحقيقة الجليلة؛ فلذلك شمّروا عن ساعد الجد في طلب العلم حتى أدركوا ما أدركوا بفضل الله عز وجل من العلم النافع الذي وصلنا نفعه بفضل الله تعالى.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:12 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

المؤلفات في فضل العلم

وقد صنف العلماءُ في فضل طلب العلم مصنفات كثيرة العدد، عظيمة النفع، جليلة القدْر، وأفرد له بعض العلماء أبوابًا في بعض كتبهم؛ فأفرد الإمام البخاري في صحيحه كتاب العلم وضمنه بابًا في فضل العلم، وكذلك فعل الإمام مسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، والدارمي.
وكثير من المحدّثين المصنفين للجوامع والسنن يفردون لفضل العلم كتابًا أو أبواباً في كتبهم؛ وهذا دليل على إدراكهم لفضل العلم وعظم شأنه، ونصحهم لطلاب العلم بحثهم عليه وبيان فضله.
ومن أهل العلم من أفردَ فضلَ العلم بالتصنيف؛ فصنف كتابًا مفردًا مستقلًا في بيان فضل العلم، أو الحثِّ على طلبه؛ ومن هؤلاء: أبو نعيم الأصبهاني، وأبو العباس المُرهبي -واسمه أحمد بن علي من شيوخ أبي نعيم.
- وللآجرّي كتاب "فضل طلب العلم".
- ولابن عبد البر كتاب "جامع بيان العلم وفضله" ، وهو من أجلّ الكتب وأنفعها.
- ولابن الجوزي كتاب "الحثّ على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ".
- ولابن القيم رحمه الله كلام حسن في مواضع كثيرة من كتبه في بيان فضل العلم، وقد أسهب في كتابه
"مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة" في بيان وجوه فضل العلم وأهله.
- ولابن رجب الحنبلي كتاب قيّم في هذا الباب سمّاه: "فضل علم السلف على علم الخلف".
والمقصود أن العلماء كتبوا في بيان فضل العلم والحثّ على طلبه كتاباتٍ كثيرة منها ما هو في مؤلف مفرد، ومنها ما ضُمّن في أبواب من كتبهم.


ولا توجد أمة من الأمم اعتنت بتعلم أحكام دينها كعناية هذه الأمة المباركة؛ التي هي خير أمة أخرجت للناس، فإنها قد بلغت فيه غاية لم تبلغها أمة من الأمم قبلها، واختصها الله فيه بخصائص لم تُعطَ لأمة قبلها.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:15 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

الفرق بين العلم النافع والعلم غير النافع

مما يجب على طلاب العلم معرفته وتبيّنه أنّ العلم منه نافع وغير نافع.
فأما العلم النافع فينقسم إلى قسمين:
1. علم ديني شرعي؛ وهو ما يتفقّه به العبد في دين الله عز وجلّ، ويعرف به هدى الله عزّ وجلّ في شؤونه كلها من الاعتقاد والعبادات والمعاملات وغيرها.

2. وعلم دنيوي، وهو العلم الذي ينفع المرء في دنياه كالطب والهندسة والزراعة والتجارة والصناعة وغيرها من العلوم الدنيوية التي ينتفع بها الناس في حياتهم ومعايشهم.

ومرادنا في هذا المقام هو العلم الشرعي، وهو الذي تتعلق به نصوص فضل العلم، وبتحصيله يعدّ المرء من علماء الشريعة.
وأما العلم الدنيوي النافع فتحصيله داخل في جملة حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على تحصيل ما ينفع، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (احرص على ما ينفعك).
ومن العلوم الدنيوية النافعة ما هو فرض كفاية على المسلمين، وقد يتعيّن على بعض أفرادهم في أحوال، ومن طلب علماً دنيوياً نافعاً بنيّة صالحة أثيب على طلبه لذلك العلم، وأثيب على نَفْعِهِ المسلمين بعلمه.

التحذير من العلم الذي لا ينفع

-
وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه استعاذ من علمٍ لا ينفعْ، وهذه الاستعاذة دليل على أنّ فيه شرّا يجب التحرّز منه:
- فعن زيد بن علقمة رضي الله عنه قال: كان من دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِن قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا)) رواه مسلم.
- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ )) رواه ابن ماجه.

وقد فُسِّرَ
العلمُ الذي لا ينفع بتفسيرين:
أحدهما: العلوم التي تضرّ متعلّمها.
والآخر: عدم الانتفاع بالعلوم النافعة في أصلها لسببٍ أفضى بالعبد إلى الحرمان من بركة العلم.
• فمن العلوم الضارة؛ السحرُ والتنجيمُ والكهانةُ وعلم الكلامِ والفلسفةُ وغيرها من العلوم التي تخالف هُدَىٰ الشريعة، وفيها انتهاكٌ لحرماتِ الله عز وجل، وقولٌ على الله بغير علم، واعتداءٌ على شرعه، واعتداءٌ على عباده، فكل ذلك من العلوم الضارة التي لا تنفع.
والعلوم التي لا تنفع كثيرة قد افتتن بها كثير من الناس، وتتجدد في كلّ زمان بأسماء مختلفة، ومظاهر متعدّدة.
ومن أبرز علاماتها: مخالفة مؤداها لهدي الكتاب والسنة؛ فكل علمٍ تجده يصدُّ عن طاعة الله، أو يُزيِّن معصية الله، أو يؤُول إلى تحسين ما جاءت الشريعة بتقبيحه، أو تقبيح ما جاءت الشريعة بتحسينه، أو يشكّك في صحّة ما ثبت من النصوص؛ أو يخالف سبيل المؤمنين؛ فهو علمٌ غير نافع، وإن زخرفه أصحابه بما استطاعوا من زُخرُف القول، وإن ادّعَوا فيه ما ادّعَوا من المزاعم والادّعاءات، فكل علمٍ تكون فيه هذه العلامات فهو علمٌ غير نافع.
والفضول قد يدفع المتعلم إلى القراءة فيما لا ينفع، فيعرّض نفسه للافتتان به، وهو ضعيف الآلة في العلم، وقد قال الله تعالى:
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وقد افتتن بعض المتعلمين بعلم الكلام بعد أن كانوا في عافيةٍ منه حتى صعب عليهم التخلّص منه، وسبب ذلك مخالفتهم لهُدَىٰ الله تعالى، واتباعهم غير سبيل المؤمنين.

وكم من طالب علم كان يأمن على نفسه الفتنة، ويغترّ بما حصّله من علم، ودفعه الفضول وضعف الإيمان إلى الاجتراء على ما حذّر النبيّ صلى الله عليه وسلم منه، وبيّن لأمّته خطره من العلوم التي لا تنفع؛ فافتتن بها، وغرّه ما زُيّن له فيها؛ حتى ضلّ بسببها، فمنهم من مات على ضلاله، ومنهم من أدركته التوبة في آخر حياته، وأخذته الندامة على ما ضيّع من عمره في العلم الذي نُهي عنه.
1. فهذا أبو معشر جعفر بن محمد البلخي (ت:272هـ) كان في أوَّل أمره من أهل الحديث، وهو معاصرٌ للإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي وابن ماجه وغيرهم من الأئمة الكبار، لكنّه فُتِنَ ببعض العلوم غير النافعة؛ وانحرف عن طلب الحديث؛ فاشتغل بالحساب والهندسة، ومنها إلى علم الفلك والتنجيم، وأوغل في التنجيم والسحر والتكهّن، وتقرب بذلك إلى بعض الكبراء وأعطوه على ما يخبرهم الجوائز والأعطيات، حتى صار رئيس المنجمين زمن الخليفة العباسي المعتز بالله، وأكثر من الاشتغال بالتنجيم والتأليف فيه وفي السحر وطرقه وأوقاته، وله كتاب (مصحف القمر) قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: (ذكر فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب الاستعاذة منه).
وقد ذكر الذهبيّ أنّه تعاطى التنجيم بعدما بلغ الأربعين، وعُمِّر حتى جاوز المائة؛ فيكون مولده قريباً من مولد الإمام أحمد، ولو أنّه ثبت على طريقة أهل العلم، ولم يزغ عنها، لرجي له أن يعدّ مع هؤلاء الأئمة الكبار.

2. وهذا أبو المعالي الجويني واسمه عبد الملك بن عبد الله (ت: 478هـ) كان قد أقبل على علم الكلام مع معرفته بنهي العلماء عنه، وتحذيرهم منه، وأوغل فيه حتى بلغ طبقة كبار المتكلمين الذين استولت عليهم الحيرة وأخذهم الشك؛ وتبيّن له أنّ هذا العلم لا يهدي للحقّ، ولا يورث اليقين، وإنما يثير الشكّ، ويجلب الحيرة، ويهدم الدين.
نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحسن بن العباس الرستمي أنه قال: (حكى لنا الإمام أبو الفتح محمد بن علي الطبري الفقيه قال: دخلنا على الإمام أبي المعالي الجويني نعوده في مرضه الذي مات فيه بنيسابور، فأُقْعِدَ؛ فقال لنا: "اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور").
وقال ابن تيمية أيضاً: (روى عنه ابن طاهر أنه قال وقت الموت: لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يدركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا أموت على عقيدة أمّي).

3. وهذا محمّد بن عمر الرازي (ت:606هـ)
صاحب المؤلفات الكثيرة، ومنها التفسير الكبير الذي حشاه بالشبهات والأسئلة والاعتراضات، كان قد توغّل في علم الكلام حتى صار من كبار المتكلّمين، وأضاع أكثر عمره في البحث والأسئلة وجمع أقوال المتكلمين وإيراد الشبّهات وتكثيرها، والتعمّق في بحث مسائل الاعتقاد على الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية حتى أدركته الندامة في آخر حياته لمّا تبيّن له أن تلك الطرق إنما تنتهي بصاحبها إلى الحيرة والشكّ، وأنشد في ذلك:
نهاية إقدام العقول عِقَالُ ... وأكثر سَعْي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وقال: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ أقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ، واقرأ في النفي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}، ومن جرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي).
قال ابن القيم: (فليتأمل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من العِبَر؛ فإنه لم يأت في المتأخرين مَن حصَّل منَ العلوم العقلية ما حصَّله، ووقف على نهايات أقدام العقلاء، وغايات مباحث الفضلاء، وضرب بعضها ببعض، ومخضها أشدَّ المخض؛ فما رآها تشفي عِلَّةَ داءِ الجهالة، ولا تروي غُلَّة ظمأ الشوق والطلب).
وذكر الذهبي عن ابن الصلاح أنه قال: (حدثني القطب الطوغاني مرتين أنه سمع الفخر الرازي يقول: ليتني لم أشتغل بالكلام، وبكى).

4. وقال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني بعد أن اطّلع على مقالات المتكلمين وأفنى شطراً من عمره في تتبع أقوالهم وجمعها وتصنيفها:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم

5. وقال أبو حامد الغزالي: (أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام).

فيجب على طلاب العلم أن يحذروا من العلم غير النافع؛ فإن فيه من الشرّ والفتنة ما لو تبيّنه طالب العلم لاستعاذ بالله منه، كما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، ولأيقن أن السلامة في حفظ وقته وقلبه ودينه مما يضرّه ولا ينفعه.
والمقصود من بيان نهايات الذين اشتغلوا بما لا ينفع من العلوم نصيحة طلاب العلم حتى لا يغترّوا بما يجدون في بعض العلوم من الفتنة فينحرفوا إليها ويتركوا العلم النافع المتلقّى من مشكاة النبوة يرويه العلماء خلفاً عن سلف، ويتعلمونه على منهاجٍ بيّن قائم على تصديق الخبر الصحيح، واتّباع الهدى المستقيم.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:16 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

أقسام العلوم الشرعية

العلم الشرعي هو العلم بدين الله عز وجل، وهو ثلاثة أقسام كما قال ابن القيم -رحمه الله-:

والعلم أقســـامٌ ثلاث ما لهـــــــــا ... من رابعٍ والحـــقُّ ذو تبيــــــان
علمٌ بأوصافِ الإلــــــــهِ وفــعلــــهُ
... وكــــــــذلكَ الأسماءُ للرحــمـنِ
والأمر والنهي الذي هو دينه
...وجــــــزاؤه يـــــوم المعــــاد الثاني

فقسم أنواع العلوم الشرعية النافعة إلى ثلاثة أقسام:
• القسم الأول: علم العقيدة، ومداره على معرفة الأسماء والصفات، وما يُعتقد في أبواب الإيمان .
• والقسم الثاني:
العلم بأحكام الشريعة من الأمر والنهي، والحلال والحرام .
• والقسم الثالث: علم الجزاء؛ وهو جزاء المرء على أفعاله في الدنيا والآخرة، ولو أنه قال: "وجزاؤه بالعدل والإحسان" لكان أعمّ وأجود؛ ليشمل الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي، وليبيّن أنّ ما يجازي الله به عباده دائر بين العدل والإحسان، ولا يكون فيه مثقال ذرة من ظلم.
فهذا تقسيم العلوم الشرعية باعتبار أصول موضوعاتها؛ لأن مسائل العلوم الشرعية إما أن تكون علمية متوقفة على الإيمان والتصديق؛ فهذا من الاعتقاد، وإما عملية مبناها على اتّباع الهدى بامتثال الأمر واجتناب النهي، وإما أن يكون فيها بيان حكم متّبع الهدى ومخالفه.

علوم المقاصد وعلوم الآلة:
مدار العلم الشرعي على التفقّه في الكتاب والسنة، ودراسة ما يعين على ذلك، ولذلك فإنّ العلوم التي يعتني بها علماء الشريعة يمكن تقسيمها إلى قسمين:
1. علوم المقاصد: وهي العلوم المتّصلة بالاعتقاد والعمل والامتثال والتفكّر والاعتبار؛ كعلم العقيدة والتفسير والحديث والفقه والسلوك والجزاء والفرائض والسيرة النبوية والآداب الشرعية.
2. وعلوم الآلة:
وهي العلوم التي تُعين على دراسة علوم المقاصد وحسن فهمها، ومنها: العلوم اللغوية، وعلم أصول الفقه، وأصول التفسير، ومصطلح الحديث.

والجواب عن سؤال أيهما يقدّم: علوم المقاصد أم علوم الآلة؟ مما اختلف فيه أهل العلم على أقوال، والصواب فيها أن يبدأ الطالب بمختصرات سهلة العبارة في علوم المقاصد حتى يتصوَّر مسائل تلك العلوم تصوراً حسناً، ويكون أوّل اشتغاله بالمهم والفاضل، ثم يأخذ من علوم الآلة ما يناسب حال المبتدئين؛ فيدرس مختصرات فيها، ويضبط مسائلها بما يناسب حاله، ثم يتوسّع قليلاً في علوم المقاصد فيدرسها بما يناسب حال المتوسّطين؛ بعد أن حصّل قدراً حسناً من علوم الآلة؛ ثم يدرس علوم الآلة بما يناسب حال المتوسّطين؛ وهكذا ؛ حتى يصل إلى مشارف مرحلة المتقدّمين في علوم المقاصد وعلوم الآلة.
فهذا هو الذي يوصى به، وبعد ذلك يجد الطالب أمامه خيارات متعددة للتقدّم في هذه العلوم؛ لأن التقدّم فيها جميعاً في وقت واحد لا يمكنه، فيختار العلم الذي يرى أنه أنفع له وأيسر وأوفق لحاله، فمن الطلاب من يفتح له في علم من العلوم ، ولا يفتح له في غيره؛ فيكون اشتغاله بما فُتح له فيه وأحسن معرفته والإفادة منه أولى من اشتغاله بما تعسّر عليه واستعصى.
وبذلك تعلم أن من العلوم ما يكون فاضلاً في نفسه، لكن توسّع طالب العلم فيه مفضول، فلو أنّ طالباً استعصى عليه التوسّع في دراسة الفقه ، ولم تقوَ نفسه على ضبط مسائل الفقه وتحريرها والترجيح بين الأقوال الفقهية، لكنه في علوم اللغة له ملَكة حسنة، ويمكنه أن يدرسها ببراعة، ويحرر القول في المسائل اللغوية ويميز الصحيح من الضعيف والراجح من المرجوح، ويعرف مصادر تلك المسائل ومظانّ بحثها؛ فإن اشتغاله بما يحسن أنفع له وأجدى عائدة؛ إذا صلحت نيّته فيه ، وأحسن في تحصيله وبذله؛ فإنّه يُرجى له أن ينفع الله بعلمه ويبارك له فيه، فيكون اشتغاله به خير له من التوسّع فيما لا يحسن.
ومن اللطائف في ذلك أن الإمام اللغوي أبا العباس أحمد بن يحيى الشيباني الملقب بثعلب كان أكثر اشتغاله بعلوم اللغة حتى تقدّم فيها وأحسن ، قال عنه ياقوت الحموي: (إمام الكوفيين في النحو واللغة، والثقة، والديانة).
وقد قال تلميذه الإمام أبو بكر بن مجاهد: (كنت عند أبي العباس ثعلب، فقال لي: يا أبا بكر اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ما يكون حالي في الآخرة؟!
فانصرفت من عنده، فرأيت تلك الليلة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: أقرئ أبا العباس عني السلام، وقل له: إنك صاحب العلم المستطيل).
المستطيل: أي المنتشر الذي بلغ نفعه أهلَ التفسير والحديث والفقه وغيرهم.
ولم يزل العلماء إلى وقتنا الحاضر ينتفعون بعلم هذا الإمام الجليل وينقلون أقواله، ويستعينون بها في التفسير وشرح الحديث، ومعرفة الغريب.

ومما ينبغي أن يُتنبّه له أنّ الانهماك في الوسيلة قد يكون سبباً للحرمان من الوصول للغاية، ولذلك أمثلة كثيرة :
منها: أن طالب العلم قد ينهمك في تعلّم علوم الآلة حتى ينشغل بها عن علوم المقاصد، وهو إنما أراد دراسة علوم الآلة ليستعين بها على فهم علوم المقاصد.
فلو أن طالب علم أراد دراسة أشعار العرب التي يحتجّ بها في اللغة ليستعين بها على معرفة التفسير وشرح الحديث لكنّه انهمك فيها وتوسّع جدّا في دراستها حتى انشغل بها عن دراسة التفسير والتفقه في الحديث؛ فإنّه قد يحرم بسبب هذا الإفراط في الوسيلة وافتتانه بها من الغاية التي أرادها بتعلّمها أصلاً.
ومنها: أن بعض طلاب العلم ينشغل بالتجارة يريد بذلك أن يكسب ما يكفيه للتفرّغ لطلب العلم؛ لكنه ما إن يلج هذا الميدان حتى يفتتن به ويتوسع في طلب المكاسب حتى يضيع الغاية التي كان يريد الوصول إليها.
ومن أخطر ذلك وأدقّه أن يشتغل العبد ببعض النوافل التي يحبّها ويألفها حتى يفرّط في بعض الفرائض التي أوجبها الله عز وجل وحرّم تضييعها والتفريط فيها، فيكون ذلك سبباً لحرمانه من بركة الوقت والعمل، نسأل الله السلامة والعافية، وأن يهدينا للتي هي أقوم ، وأن يعيذنا من مضلات الفتن.

ظاهر العلم وباطنه
ومما ينبغي أن العلم له مظهر ومخبر وظاهر وباطن:
· فظاهر العلم: ما يُعرف من دراسة أبوابه ومسائله، وتقييد قواعده وفوائده، وتلقّيه عن أهله،
وقراءة كتبه، وإتقان تحصيله.
· وباطنه ما يقوم في قلب طالب العلم؛ من التبيّن واليقين والبصيرة في الدين، والإيمان والتقوى حتى يجعل الله له فرقاناً يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال؛ فيكون على بيّنة من أمره، مهتدياً بهدى ربّه، وهذا العلم اليقيني النافع منّة ربّانيّة جعلها الله في قلوب أوليائه لما قام فيها من خشيته، والإنابة إليه، والقيام بأمره، وتعظيم شرعه، وصدق الرغبة في فضله، والرهبة من سخطه وعقابه، واتباع رضوانه.
وقد قال الطحاوي -رحمه الله- في شرح مشكل الآثار كلامًا خلاصته: أن أهل العلم الذين يُسَمَّوْن في الشريعة علماء على صنفين:
· الصنف الأول: الفقهاء في الكتاب والسنة الذين تعلموا الأحكام والسنن وعلّموها؛ وهم الذين يُرحل إليهم في طلب العلم، وفقه مسائل الأحكام في العبادات والمعاملات والقضاء .
· والصنف الآخر: أصحاب الخشية والخشوع على استقامةٍ وسداد.

فأصحاب الخشية والخشوع قد تبين في الأدلة من الكتاب والسنة أنهم من أهل العلم، قد يكون أحدهم أميًا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يشتغل بما اشتغل به كثير من المتفقهة، لكنَّه عند الله من أهل العلم، وفي ميزان الشريعة من أهل العلم، وعند الرعيل الأول والسلف الصالح هو العالم الموفق، وإن كان لا يقرأ ولا يكتب، وذلك بسبب ما قام في قلوبهم من الخشية والإنابة، واليقين الذي يحملهم على اتّباع الهدى، وإحسان العبادة.
وهم بما يوفقون إليه من حسن البصيرة، واليقين النافع الذي يُفْرق لهم به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وما يوفقون إليه من حسن التذكر والتفكر، والفهم والتبصر، يعلمون علمًا عظيمًا، قد يُفني بعض المتفقهة والأذكياء - من غيرهم - أعمارَهم ولمّا يُحصّلوا عُشْره؛ ذلك بأنهم يرون ببصائرهم ما يحاول غيرهم استنتاجه، ويصيبون كبد الحقيقة وغيرهم يحوم حولها، ويأخذون صفو العلم وخلاصته، لانصراف همّتهم إلى تحقيق ما أراده الله منهم، وتركهم تكلّف ما لا يعنيهم، فأقبلوا على الله بالإنابة والخشية واتّباع رضوانه؛ فأقبل الله عليهم بالتفهيم والتوفيق والتسديد.
وغيرهم قد يفني وقته ويضني نفسه في البحث والتنقيب، فيبعد ويقترب من الهدى بحسب ما معه من أصل الخشية والإنابة؛ فكان أهل الخشية والاستقامة - بما عرفوه وتيقنوه وانتفعوا به - أهلَ علمٍ نافعٍ.
ومن أدلة ذلك قولُ الله تعالى:
{أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
الحذر والرجاء من الأعمال القلبية؛ فلما قامت في قلوب هؤلاء قيامًا صحيحًا أنتجت أثرها؛ وهو القنوت لله عز وجل آناء الليل ساجدين وقائمين، فكان هذا هو أصل العلم النافع، ولذلك قال الله عز وجل بعدها:
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}؛ فجعلهم الله عز وجل أهل العلم، وغيرُهم قسيمُهم الذين لا يعلمون.
ونفي العلم في قوله تعالى :
{وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} فيه وجهان للعلماء:
· الوجه الأول: نفي حقيقته،
أي: هل يستوي الذين يعلمون والذين ليس لديهم علم؟
· والوجه الآخر: نفي فائدته؛ فيكون
المعنى هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ينتفعون بعلمهم؟ لأنّ الذي لا ينتفع بعلمه بمنزلة الذي لا يعلم، وهذا نظير وصف الذين لا ينتفعون بأسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم بالصمّ العمي الذين لا يعقلون.

والخشية والإنابة عبادتان قائمتان على العلم قيامًا صحيحًا لأنهما لا يكونان إلا باليقين، واليقين هو صفو العلم وخلاصته؛ وقد قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه لجبير بن نفير: (إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع؛ يوشك أن تدخل مسجد جماعةٍ فلا ترى فيه رجلا خاشعًا). رواه الدارمي والترمذي وغيرهما.
فسمَّى الخشوع علمًا، وهو كذلك؛ لأن الخاشع مقبل بقلبه على كلام ربّه، معظّم له، كثير التفكر والتدبر له، فيوفّق لفهمه والانتفاع به انتفاعًا لا يحصّله من يقرأ مئات الكتب، وهو هاجر لكتاب ربه، ولا يحصّله من يقرأُ القرآنَ وصدرُه ضائق بقراءته، يصبّر نفسه عليه، ويفرح ببلوغ آخر السورة لينصرف إلى دنياه.
وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
(كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار به جهلًا). رواه ابن أبي شيبة في مصنفه والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان.
ورُوي نحوه عن الفضيل بن عياض وابن المبارك، رواهما ابن الأعرابي في معجمه وغيره.
وقد قال الله عز وجل:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقد فسرت الحكمةُ بالخشية في قول الله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قال الربيع بن أنس البكري في قوله: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} الآية.. الحكمة: الخشية؛ لأن رأس كل شيء خشية الله، وقرأ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}). هذه رواية ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم موصولا إلى أبي العالية الرياحي قال: (الحكمة: الخشية؛ فإن خشية الله رأس كل حكمة).

وأهل الخشية والإنابة بما يجعل الله لهم من النور والفرقان الذي يميزون به بين الحق والباطل، والهدى والضلالة، والرشاد والزيغ، وما يحبه الله وما يبغضه؛ يحصل لهم من اليقين والثبات على سلوك الصراط المستقيم ما هو من أعظم ثمرات العلم، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (فرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل حتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان). رواه ابن جرير.
وبهذا يتبيّن أنّ أهل الخشية والإنابة أعظم الناس حظًا بهذا الفرقان، وهو فرقان في القلوب التي استنارت بنور الله فمشت على هدى من الله عز وجل، تتبع رضوانه، وتستقيم على أمره، وتفرح بفضله ورحمته، كما قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}.
فيوفَّقون للتذكّر والتبصّر: {سيذكّر من يخشى} {وما يتذكّر إلا من ينيب}، {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} ويوفقون للانتفاع بعلومهم، ويُجعل لهم فرقان في قلوبهم يميزون به بين الحق والباطل؛ فهم أصحاب العلم الخالص، وانتفاعهم بالعلم الظاهر أعظم من انتفاع غيرهم، فيهديهم الله هداية خاصّة يقرّبهم بها إليه، كما قال الله عز وجل: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}، وقال الله تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}.
وقد كان من السلف الصالح أئمة كبار عُرفوا بخشية الله تعالى، ورُويت أخبارهم وآثارهم، واستفاض الثناء عليهم من أهل العلم، ومَنْ تأمّلَ وَصاياهُم وأخبارهم عَلِمَ من فِقْهِهم و بَصيرَتِهم ما يدلّه على هذا المعنى الجليل.
فمنهم الرَّبيعُ بن خُثَيْم الثَّوْرِي الذي كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا رأه مُقْبِلا قال:
(بَشّرِ المُخْبتين؛ أما والله لو رآك رسولُ الله لأَحَبّك). رواه ابن أبي شيبة، وكان يقول له: (ما رأيتُكَ إلا ذكرتُ المُخبتِين).
وللربيع بن خثيم وصايا جليلة، من تأمّلها عرف قدر هذا العلم، وعظيم ثمرته، وقد ذكر ابن أبي شَيْبة في مصنّفه طائفة من وصاياه التي تدلّ على ما أنعم الله به عليه من بصيرة وعلم؛ ومن ذلك وصيّته لبَكْر بن مَاعز التي رواها ابن أبي شيبة من طريق سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن بكر بن ماعز أن الربيع بن خثيم قال له:(يا بكر، اخْزنْ عليكَ لسانكَ إلا ممّا لكَ ولا عليكَ، فإني اتهمتُ الناس على ديني، أطِعْ الله فيما علمتَ، وما استُؤثرَ به عليك فكِلْهُ إلى عالِمه، لَأَنا عليكم في العَمْدِ أخوَفُ منّي عليكم في الخطأ، ما خيركم اليوم بِخَير، ولكنّه خير من آخرَ شرٍّ منه، ما تتبّعون الخير كلَّ اتباعه، ولا تفرّون من الشرّ حقَّ فِراره، ما كلّ ما أنزل الله على محمّد أدركتم، ولا كلّ ما تقرؤون تدرون ما هو، السّرائر اللاّتي يخفين على الناس هنّ لله بَوَادٍ، ابتغوا دواءها)
ثمّ يقول لنفسه: (وما دواؤها؟ أن تتوب ثمّ لا تعود)
.

فتأمّل هذه الوصايا والحكم التي تدلّ على ما وراءها من العلم الخاصّ الخالص الذّي يفيض رحمة وفقهًا ونصحًا، لا يكدّره تكلّف، ولا يشينه تعنيف، ولا إزراء بالمنصوح.

وقال الفقيه الحنبلي ابن مفلح في كتابه "الآداب الشرعية": ((ذُكِر عن الإمام أحمد أنه قال: (كان مَعْرُوف الكَّرْخِي من الأبدال مجاب الدعوة) وذُكر في مجلس أحمد، فقال بعض من حضر: هو قصير العلم. فقال له أحمد: (أمسك عافاك الله! وهل يُراد من العلمِ إلا ما وَصَل إليه معروف؟!")).
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: (قلت لأبي: هل كان مع معروف شيء من العلم؟ فقال لي: يا بنيّ كان معه رأسُ العلم: خشية الله) ا.هـ.

والمقصود من التنبيه على هذين النوعين من العلم أن لا يشتغل المرء بظاهر العلم عن عمران باطنه به، فإنّ الشأن كل الشأن فيما ينتفع به طالبُ العلم من علمه؛ فيصلح قلبه، وتزكو نفسه، وتستنير بصيرته، ويكون على بيّنة من ربّه، لا يتذبذب ولا يتحيّر، ولا يتكلّف ما لا يعنيه، ولا يغفل عمّا أمامه؛ فهذا العلم هو خالص العلم وأفضله وأعلاه وأجلّه قدراً عند الله جل وعلا.
والتفقّه في أحكام الكتاب والسنة علم نافع لكنّه إذا لم يصحبه العلم الأصلي الباطن -وهو خشية الله والإنابة إليه- كان وبالًا على صاحبه وحجّة عليه.
وأكثر ما يكون التقصير من طلاّب العلم والمتفقّهة، أنهم يُقصِّرون في هذا العلم الباطن فيضعف أثر الخشية في قلوبهم، ويقصّرون في واجب الإنابة إلى الله، وهذا الضعف والتقصير له أثر بيّن في ضعف انتفاعهم بما يتعلّمون، وتعرّضهم لفتن كثيرة، وله أثر في ضعف سلوكهم سبيلِ الهداية في كثير من الأمور، فأما إذا وفّق الإنسان لصلاح قلبه وصلاح نيّته وقصده، وعَمَرَ قلبه بخشية الله عزّ وجلّ، وأحسنَ الإنابةَ إليه فإنَّ الله عزّ وجلّ يهديه ولا يُضلّه، ويوفّقه ولا يخذله، ويُرشِده ويُسَدِّدُه.
فأوصي نفسي وإياكم بالحرص على الجمع بين هذين العلمين النافعين، وأن يكون باطن العلم هو الأصل الذي يبنى عليه تعلّم العلم الظاهر.



التوقيع :

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:19 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

بيان حكم طلب العلم

العلم الشرعي منه ما هو فرض عين يجب تعلّمه، ومنه ما هو فرض كفاية:

· ففرض العين؛ ما يجب تعلّمه، وهو ما يتأدّى به الواجب المتعلّق بعبادات العبد ومعاملاته.
قال الإمام أحمد
: (يجب أن يَطلُبَ من العلم ما يقُوم به دينُه)
قيل له: مثل أي شيء؟
قال: (الذي لا يسعه جهله، صلاته وصيامه ونحو ذلك).

وقد مرَّ الإمام أحمد بقومٍ فصلّى معهم فوجدهم لا يحسنون الصلاة؛ فكتب لهم كتابًا فيه تعليم الصلاة، وبعث به إليهم، بيّن لهم فيه ما يجب عليهم تعلّمه ليقيموا صلاتهم، وقد رُويَ هذا الكتاب في بعض المصنفات المتقدّمة ومنها طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى الحنبلي، وقد طُبِعَ مؤخراً في كتاب مستقل.

فيجب على العبد أن يتعلم ما يُؤدِّي به الواجب، ويكفَّ به عن المحرّم، ويُتمَّ به معاملاته على الوجه الذي لا معصية فيه؛ فالتاجر في تجارته يجب أن يتعلم من أحكام الشريعة ما يتجنب به المعاملات المحرمة في بيعه وشرائه، وكذلك الطبيب في طبِّه يجب أن يتعلم حدود الله عز وجل في مجال مهنته، وكذلك العامل في عمله أياًّ كان ذلك العمل، كلُّ عاملٍ في عملٍ له خصوصية يجب عليه أن يتعلم حدود الله عز وجل فيها، وما زاد عن القدر الواجب من العلوم الشرعية فهو فرض كفاية على الأمة.
- قال سفيان بن عُيَينة
: (طلب العلم والجهاد فريضة على جماعتهم، ويُجزئ فيه بعضهم عن بعض، وتلا هذه الآية: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لعلهم يَحذَرُون}).
- وقال ابن عبد البر
: (قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع).
هذا خلاصة ما قيل في حكم طلب العلم.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:21 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

وجوب الإخلاص في طلب العلم

ومما ينبغي التذكير به والتأكيد عليه: وجوب الإخلاص لله تعالى في طلب العلم، وبيان الوعيد الشديد لمن طلب العلم رياء وسمعة، أو لا يتعلّمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة منها:
- ما في صحيح الإمام مسلم وغيره من حديث أبي هُريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة، ومنهم:
((رَجُلٌ تَعلَّمَ العلمَ وعَلَّمَهُ، وقَرأَ القرآنَ فأُتي به فعرَّفهُ نِعَمهُ فعرَفها؛ قال: فمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟
قالَ: تعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ.
قالَ: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ؛ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ))
نعوذ بالله من غضبه وعقابه.
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) يَعْنِي: رِيحَهَا، رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.
- قال حماد بن سلمة: « من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به ».

وإخلاص النية لله تعالى في طلب العلم وفي سائر العبادات واجب عظيم، بل هو شرط لقبول العمل ، ولذلك فإن أهم ما يجب على طالب العلم أن يعتني به تحقيق الإخلاص لله تعالى، والتحرّز مما يقدح فيه، وهو أمر عظيم، لكنّه يسير على من يسَّره الله له، ومفتاح تيسير هذا الأمر هو الالتجاء إلى الله تعالى وتعظيمه وإجلاله، وصدق الرغبة في فضله وإحسانه، والخوف من غضبه وعقابه، وأن تكون الآخرة هي أكبر همِّ المرء؛ فإن فساد النية لا يكون إلا بسبب تعظيم الدنيا وإيثارها على الآخرة، ومن ذلك تفضيل مدح الناس وثنائهم العاجل على ثناء الله على العبد في الملأ الأعلى، ومحبَّته له ومحبة الملائكة له تبعاً لمحبة الله تعالى.
وهذا كله راجع إلى ضعف اليقين وإلا فمن أيقن أن الله تعالى يراه ويحصي عمله، ورغب في فضل الله وحسن جزائه في الدنيا والآخرة: لم يلتفت إلى ثناء الناس ومدحهم وطلب إعجابهم، بل يكون همُّه إحسانُ العملِ وإتقانه إرضاء لله تعالى، وتقرباً إليه، وطلباً لمحبته وحسن ثوابه.
وقد بين الله تعالى هذا الأمر بياناً جلياً في آيات كثيرة وبينه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة وألف العلماء في ذلك كتباً وأبواباً في كتبهم
قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم}
فيستغني العبد المؤمن برؤية الله تعالى له عن مراءاة غيره, وبثنائه جل وعلا عن طلب ثناء غيره.
ومتى حصل هذا اليقين للعبد اضمحلت عنه دواعي الرياء والسمعة وتلاشت، وحل محلها عبودية الإحسان العظيمة فيعبد الله كأنه يراه. نسأل الله من فضله.
ثم إن من عرف الناس استراح فهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، فضلاً عن أن يملكوا لغيرهم شيئاً من ذلك، بل إنهم لا يملكون الحب والبغض في قلوبهم التي في صدورهم حتى إن منهم من يحب ما يضره ويكره ما ينفعه، وربما أحب من لا يحبه، وأبغض من يحبه، وكم من محب أراد نفعاً فأضر، وكم من عدو أراد ضراً فنفع.
فمعرفة حقيقة الناس وما يملكون تقطع عن العبد دواعي التعلق بهم ومراءاتهم، بل يرى أنه من السخف والسفه الاشتغال بهم عن طلب رضى الله عز وجل وتحقيق عبودية الإخلاص له جل وعلا.
ولذلك كان من جزاء المؤمن المتقرب إلى الله بما يحب أن يحبه الله تعالى ويضع له القبول والمحبة في قلوب عباده كما قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}
قال ابن عباس: (محبة في الناس في الدنيا).
وقال مجاهد: (يحبهم ويحببهم إلى خلقه).
وقال قتادة: (ما أقبل عبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه، وزاده من عنده).
وقال ابن كثير رحمه الله: (يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله، عز وجل، لمتابعتها الشريعة المحمدية -يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه. وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه).
كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل؛ فقال: إني أحب فلاناً فأحبه.
قال: فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء .
قال: ثم يوضع له القبول في الأرض.
وإذا أبغض عبداً ، دعا جبريل فيقول : إني أبغض فلاناً فأبغضه.
قال: فيبغضه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه.
قال : فيبغضونه ، ثم توضع له البغضاء في الأرض))
. هذا لفظ مسلم.
وفي صحيح ابن حبان من حديث محمد بن المنكدر عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من التمس رضي الله بسخط الناس رضي الله تعالى عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)) وقد رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والترمذي وهناد وغيرهم بلفظ مقارب.
ولذلك فإن المرائي لما طلب رضا الناس وإعجابهم بسخط الله تعالى كان جزاؤه سخط الله تعالى عليه وسخط الناس؛ فمن أبصر هذا حقيقةً انزجر عن الرياء، وأيقن بعدم نفعه، بل بسوء عاقبته، وشناعة جرمه، وأن الناس لن يغنوا عنه من الله شيئاً، فلا يعمل لأجلهم، ولا يدع العمل لأجلهم
ثوب الرياء يشفُّ عما تحته ... فإذا التحفت به فإنك عار
وأوَّل ما ينبغي على طالب العلم فعله لإصلاح نيته الالتجاء إلى الله تعالى وتعظيمه، وصدق الرغبة في فضله وإحسانه، والخشية من غضبه وعقابه؛ فإذا استقر ذلك في قلبه سهل عليه أمر إخلاص النية، ثم لا يزال العبد يزداد من الإيمان واليقين، والقرب من الله تعالى حتى يفتح الله عليه من أبواب فضله وإحسانه ما لم يكن يخطر له على بال، ولا يدور في خيال، ولا يسار إليه بقدم، ولا يطار إليه بجناح.

ومما يُعين على الإخلاص في طلب العلم؛ أن يطلب العبد العلم للعمل به، والاهتداء بهدى الله؛ لينال فضله ورحمته، وأن يُعظّم هدى الله في قلبه، وأن يفرح بفضل الله ورحمته إذا وجد ما يهتدي به لما ينفعه في دينه ودنياه، من خير الدنيا والآخرة. فإن الله لم يحرم علينا شيئًا إلاّ عوضنا خيرًا منه، فعوض الله عز وجل المخلصين لمّا تركوا طلب ثناء الناس؛ عوضهم بثنائه تعالى عليهم في الملأ الأعلى، وعوضهم لمّا تركوا الإقبال على الناس؛ عوضهم بأن وضع لهم القبول في الأرض، وعوضهم لمّا أن تواضعوا لله عز وجل بأن رفعهم الله، وكتب لهم العزَّة، وأين هذا من ذاك؟!

المقاصد الصالحة لطلب العلم
فالإخلاص في طلب العلم؛ يكون بأن يبتغي به المرء وجه الله، ليهتدي لمعرفة ما يحبه الله ويرضاه؛ فيَعْمَله، ويعرف ما يُبغضه الله؛ فيَجتَنبَه، ويعرف ما يُخبر الله به؛ فيؤمن به ويصدقه، ويقصِد به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، فإذا فعل ذلك؛ فقد صلحت نيته في طلب العلم بإذن الله تعالى.
والمقاصد الصالحة تجتمع وتتكامل ولا تتعارض، وبعضها يعين على بعض، وبعضها أكثر شمولاً من بعض؛ فنية طلب رضا الله عز وجل، من المقاصد العامة العظيمة ويدخل في تفاصيلها مقاصد صالحة محبوبة لله تعالى؛ كنيّة نفع الناس وتعليمه، وابتغاء ثواب الله وفضله الذي أعدّه لمن يدعو إليه ويعلّم الناس الخير، ونيّة حفظ العلم وصيانته من انتحال المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين، إلى غير ذلك من المقاصد الصالحة التي أصلها طلب رضوان الله عزّ وجل بذلك وابتغاء وجهه تعالى، والرغبة في فضله وإحسانه.
وطلب العلم بنية صالحة له آثار على قلب طالب العلم وعلى عمله وأخلاقه، وبه يُحفظ العلم رواية ورعاية.
- قال أبو بكر بن عياش: كنا عند الأعمش، ونحن حوله نكتب الحديث، فمرَّ به رجل فقال: يا أبا محمد ما هؤلاء الصبيان حولك؟ قال: «هؤلاء الذين يحفظون عليك دينك»
- وقال مالك بن دينار:
« من تعلَّم العلم للعمل كَسَره علمه، ومن طلبه لغير العمل زاده فخرًا ».
- وقَال مطر الورّاق:
« خيرُ العلمِ مَا نفع، وإنَّما ينفعُ الله بالعلم مَن عَلِمَهُ ثُمَّ عَمِلَ به، ولا ينفَعُ به مَن عَلِمَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ ».
- وقال سفيان بن عيينة: « إنّما منزلة الّذي يطلب العلم ينتفع به بمنزلة العبد يطلب كلّ شيءٍ يرضي سيّده، يطلب التّحبّب إليه، والتّقرّب إليه والمنزلة عنده؛ لئلّا يجد عنده شيئًا يكرهه »

نواقض الإخلاص في طلب العلم
وما ينقض الإخلاص في طلب العلم على درجتين:
الدرجة الأولى: أن يتعلم العلم لا يريد به وجه الله، وإنما يتعلمه ليصيب به عرض الحياة الدنيا، أو يترفع به أمام الناس ، أو يتكثر به ليمدحه الناس على ما لديه من العلم ؛ فيقال: هو عالم.
وكذلك من يعمل الأعمال الصالحة فيما يرى الناس لا ليتقرب بها إلى الله وإنما ليصيب بها هذه المقاصد الدنيوية.
وفي هؤلاء وردت آيات الوعيد وأحاديثه كما في قوله تعالى: {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أؤلئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}
- وقوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أؤلئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}
- وقوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماَ مدحوراً}
- وفي الحديث أن أوَّل من تسعر بهم النار ثلاثة ، وذكر منهم من تعلم العلم ليقال عالم.
- وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم من حديث أبي العالية عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بشّر هذه الأمة بالسَّنَاء والرفعة، والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب ))
الدرجة الثانية: أن يعمل العمل لله؛ ثم يداخله شيء من العجب والمراءاة ؛ فإن جاهده ودفعه فهو مؤمن متّقٍ؛ وإن استرسل معه وراءى في بعض أعماله وأخلص في بعضها؛ كان ما راءى فيه حابطاً مردوداً، ومتوعَّدا عليه بالعذاب لأنه اقترف كبيرة من الكبائر.
وما أخلص فيه فهو عمل صالح مقبول.
والعبادة الواحدة إذا كانت متصلة وأخلص في بعضها وراءى في بعضها كانت كلها باطلة مردودة.
وأصحاب هذه الدرجة أخف من أصحاب الدرجة السابقة؛ لأن أصحاب الدرجة السابقة إنما يعملون لأجل الدنيا، وأما أصحاب الدرجة الثانية فلديهم أصل الإيمان وأصل التقوى لكنهم يعصون الله في بعض أعمالهم بمراءاتهم وطلبهم الدنيا بعمل الآخرة.

تنبيه:
ومما ينبغي أن يعلم أن من حيل الشيطان لصد الإنسان عن فعل الطاعة وسوسته إليه في أمر النية حتى يدع فعل الطاعة خوفاً من عدم تحقيق الإخلاص فيها، وهذا باب شر عظيم حُرم بعضُهم بسببه خيراً كثيراً، هذا إذا كان العمل مستحباً؛ أما إن كان واجباً فتركه لهذا التوهّم فهو آثم.
وهو في الحالين مذموم إن ترك فعل الطاعة لهذا التوهم؛ فمن ترك صلاة الجماعة خشية الرياء فقد أساء وحُرم خيراً عظيماً، وكذلك من ترك طلب العلم خشية أن يُرى تردده على الدروس العلمية أو يشاهد انتسابه لبعض حلق العلم الإلكترونية وغيرها فقد أساء أيضاً.
والواجب في هذا وذاك أن يجتهد في إخلاص النية لله تعالى، ولا يضره بعد ذلك معرفة الناس بطلبه للعلم وسائر عباداته.

وإن عرض له بعد ذلك من وساوس الشيطان ما يجعله يشك في أمر نيته ويتهمها؛ فليبادر بالالتجاء إلى الله تعالى والاستعاذة من نرغ الشيطان الرجيم، وليجاهد نفسه، فيحصل على أجر العبادة وأجر المجاهدة.
ومتى أحسَّ في نفسه شيئاً من التردد والضعف في أمر النية فليعلم أن لديه ضعفاً في اليقين فليعالج هذا الضعف بما يقوي يقينه بالله جل وعلا وبجزائه.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:23 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

بيان وجوب العمل بالعلم

والعمل بالعلم شأنه عظيم، فثواب العاملين بالعلم ثواب عظيم كريم، كما قال الله تعالى:
{فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين}، وعقوبة تارك العمل عظيمة شنيعة، والقوارع عليهم في الكتاب والسنة شديدة، كما قال الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.
- وقال تعالى:
{مثل الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين}.
- وقال تعالى:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.
- وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((يُؤتَى بالرجل يوم القيامة فيُلْقى في النار، فَتَنْدَلِقُ أَقتابُ بطْنِهِ، فَيَدُورُ بها كما يدُور الحمار في الرَّحَى، فيجتمع إليه أهلُ النار، فيقولون: يا فلانُ ما لك؟ أَلم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى، كنتُ آمر بالمعروف ولا آتيه، وأَنْهَى عن المنكر وآتيه)) والعياذ بالله.
- وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدّم - في أول من تسعر بهم النار - أنه يُقال لقارئ القران:
((مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟)).
- وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:
((لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ: عَن عُمُرِه فيما أفناهُ، وعن عِلمِهِ ما عَمِلَ بهِ، وعن مالِهِ مِن أينَ اكتسبهُ وفيم أنفقَهُ، وعن جسمهِ فيما أبلاهُ)). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
- وعن أبي برزة أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((مَثَلُ الذي يُعلِّمُ النَّاسَ الخيرَ ويَنسَى نفسَهُ مثلُ الفتيلةِ تُضِيءُ للنَّاسِ وتُحرِقُ نفسَها)). رواه البزار و صححه الألباني.
- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: (سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب، فيتهافت، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا: سنبلغ، وإن أساءوا قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا). رواه الدارمي موقوفاً على معاذ، وله شواهد.
- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما استغنى أحد بالله إلا احتاج الناس إليه، وما عمل أحد بما علمه الله عز وجل إلا احتاج الناس إلى ما عنده» رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.

حكم العمل بالعلم
والأصل في العمل بالعلم أنه واجب، وأن من لا يعمل بعلمه مذموم بكل حال، وعند التفصيل نجد أن العمل بالعلم على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: ما يلزم منه البقاء على دين الإسلام وهو التوحيد واجتناب نواقض الإسلام، والمخالف في هذه الدرجة كافر غير مسلم؛ فإن ادّعى الإسلام فهو منافق النفاق الأكبر، وإن كان يتعاطى العلم ويعلّمه، فإنّ من يرتكب ناقضاً من نواقض الإسلام من غير عذر إكراه ولا جهل ولا تأويل يعذر بمثله فإنّه خارج عن دين الإسلام، فالمخالف في العمل بهذه الدرجة من العلم ليس من أهل الإسلام والعياذ بالله.
والدرجة الثانية: ما يتأكّد وجوب العمل به كالفرائض واجتناب الكبائر، والمخالفة في هذه الدرجة فاسق من عصاة الموحّدين.
الدرجة الثالثة: ما يستحبّ العمل به وهو نوافل العبادات واجتناب المكروهات.
فمن عَلِمَ وجوبَ فريضة من الفرائض وَجَب عليه أداؤها، ومَن علم تحريم شيء من المحرمات وجب عليه اجتنابه، ومن العمل بالعلم ما هو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

والمقصود أنه يجب على طالب العلم أن يكون حريصاً على أداء الواجبات واجتناب المحرمات في المقام الأول، ثم يؤدي من السنن والمستحبات ما يتيسر له ويفتح الله له به عليه.

تنبيه:
ومن الخطأ أن يُظن أن أحاديث الوعيد في ترك العمل بالعلم خاصة بالعلماء وطلاب العلم؛ بل هي عامة في كل من عَلم حكمًا شرعيًا وخالف العمل بمقتضاه، كل من عَلم حكمًا شرعيًا فإنه يجب عليه أن يعمل بمقتضاه، ويستحق الذم على ترك العمل به إذا تركه.

هدي السلف الصالح في العمل بالعلم
كان من هدي السلف الصالح تربية أنفسهم على العمل بالعلم ، والتواصي به، وإلزام النفس بالعمل بما تعلّمت ولو مرّة واحدة ليكونوا منه أهله وليخرجوا من مذمّة ترك العمل بالعلم، وذلك إذا لم في الأمر وجوب يقتضي تكرار العمل به أو كان تكراره من السنن المؤكّدة.

- قال الحسن البصري: « كان الرّجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشُّعِه وهَدْيِه ولسانِه وبصرِه ويدِه ».
- وقال الإمام أحمد:
(ما كتبت حديثا إلاّ وقد عملتُ به، حتى مرَّ بي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فاحتجمت وأعطيت الحجام ديناراً).
-
وقال سفيان الثوري: (ما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط إلاّ عملت به ولو مرّة واحدة).
-
وقال عمرو بن قيس السكوني: (إذا سمعت بالخير فاعمل به ولو مرة واحدة تكن من أهله).
- وعن وكيع بن الجرّاح والشعبي وإسماعيل بن إبراهيم بن مجمع وغيرهم أنهم قالوا:
(كنّا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به).
فإذا وطّن طالب العلم نفسه على العمل بما يتعلمه من العلم ولو مرة واحدة؛ كان ذلك تدريبًا له وتعويدًا على العمل، والنفس إذا عُوّدت على أمرٍ تعودت عليه وسَهُل عليها، فتتعود نفسه على العمل ويترقّى بذلك العبدُ في مراقي العبودية لله تعالى ، ولا يزال العبد يزداد بذلك من التوفيق والفضل العظيم، ويجد من البركة في حياته وأعماله ما هو من ثمرات امتثاله واحتسابه في العمل بما تعلّم، نسأل الله من فضله.
وقد قال الإمام مالك بن دينار -رحمه الله-:
(ما من أعمال البرّ شيء إلا ودونه عُقَيْبة فإن صبر صاحبها أفضت به إلى رَوْح، وإن جزع رجع).
الرَّوْح هو الارتياح والانبساط وسهولة الأمر عليه، (وإن جزع) أي سخط وتبرّم ، ولم يصبر، (رجع) أي عاد خائباً، نعوذ بالله من
الحور بعد الكور، ومن الزيغ بعد الرشاد، ومن الضلال بعد الهدى.

ومن أعظم ما يعين على العمل بالعلم؛ أن يُربّي الإنسان نفسه على اليقين والصبر؛ ولذلك تجد الإنسان لا يعصي الله تعالى إلا حين يضعف يقينه، أو يضعف صبره.
وسأضرب لكم مثلًا يوضح هذا الأمر: ألا ترون أنّ من كان على يقين بوجود سمّ في طعامٍ مقرَّبٍ إليه أنّه لا يتناوله مهما مُدِح له ذلك الطعام، وكان مما يُشتهى ويرغب فيه، وذلك ليقينه بوجود السمّ فيه، ومعرفته بعاقبة تناول السمّ وضرره عليه؛ فكذلك اليقين بسوء عاقبة المعاصي على العبد العاصي، يجعل العبد لا يُقدِم على المعصية لاستنارة بصيرته ومعرفته بسوء عاقبة العصيان، وأنّه لا يجدي عليه نفعاً، وكذلك إذا كان على يقين بعظم الثواب على الطاعات، فإنه لا يفرّط فيها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم عن المنافقين في شأن صلاة الفجر والعشاء:
((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))؛ فكان ضعف العلم اليقيني بالثواب سبباً في زهدهم فيها.
والصبر مُعينٌ على امتثال الأمر، ونهي النفس عن الهوى، وقد قال الله تعالى
: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}.

وينبغي لطالب العلم أن يظهر عليه آثار التعلم وآدابه؛ من حسن السَّمت والرّفق وحسن التعامل والصدق في الحديث والمعاملة، وأن يعمل بما يتعلمه من العلم، فإن بركة العلم تكون بامتثاله وبظهور آثاره وثمراته على المتعلم؛ أما الذي يتعلم ولا يظهر عليه شيء من آثار العلم فهو جدير بأن يُحرم بركة العلم والعياذ بالله.

المؤلفات في بيان وجوب العمل بالعلم
ولأهمية هذا الأمر اعتنى العلماء ببيانه والتأليف فيه حتى أفردت فيه بعض المصنفات، وأفرد له بعض العلماء فصولاً من كتبهم، ومن ذلك:

- كتاب "اقتضاء العلم العمل" للخطيب البغدادي.
- ورسالة في "ذم من لا يعمل بعلمه" للحافظ ابن عساكر.
- وأفرد له ابن عبد البر فصلًا في "جامع بيان العلم وفضله".
- وقبله الآجري في "أخلاق العلماء".

- وكذلك ابن القيم في "مفتاح دار السعادة"
- وابن رجب في "فضل علم السلف على علم الخلف".
وغيرهم.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 13 رجب 1437هـ/20-04-2016م, 05:27 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

معالم المنهج الصحيح لطلب العلم

لطلب العلم مناهج متنوّعة، وطرائق متعدّدة، تتفق في غاياتها، وتتنوّع في مسالكها، لتفاوت الطلاب في أوجه العناية العلمية، وفيما أنعم الله عليهم به من الملَكَات والقدرات،
فلا يُحصر طلب العلم في مسار واحد، ولا طريقة بعينها، وقد سلك العلماء في طلبهم للعلم مسارات متنوعة؛ فوصل كل عالم إلى ما كتبه الله له من المنزلة في العلم، بفضل الله تعالى ثمّ بسيره على طريقة صحيحة أوصلته إلى مطلوبه.
وهذا التنوّع من دلائل سعة فضل الله تعالى ورحمته، وتيسيره للعلم؛ فإنّه يسير بتيسير الله للدّين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه). رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ومن تيسير الدين تيسير التفقّه فيه؛
فمن سار على طريقة صحيحة من طرق التعلّم المعتبرة عند العلماء وثبت عليها؛ فإنه يبلغ المنزلةَ التي يُعدّ بها من أهل العلم، ومن سار على الدرب وصل.

وتعدد مناهج الطلب وكثرتها واختلافها، واختلاط المناهج الصحيحة بغيرها، وكثرة المتكلمين في اقتراح مناهج الطلب بعلم وبغير علم كلّ ذلك ممَّا يقتضي من طالب العلم أن يتعرّف على الأصول التي يميز بها
المناهج الصحيحة من الخاطئة، حتى يضبط مساره في التحصيل العلمي، ويحفظ وقته وجهده، ويتعرّف على معالم كلّ علم يَطلبه، فيأتيه من بابه، ويتعلَّمه على وجهه الصحيح، ويعرف سبيل التدرّج في طلبه.

والتحصيل العلمي لا يتمّ لطالب العلم إلا بأربعة ركائز:

الركيزة الأولى: الإشراف العلمي من عالم أو طالب علم متمكّن يأخذ بيده في مسالك الطالب، ويقوّمه، ويعرّفه بجوانب الإجادة والتقصير لديه، حتى يسير بأمان في طريق طلب العلم إلى أن يعرف معالم العلوم التي يطلبها، وتتبيّن له مسالك أهل العلم في تحصيلها وتعليمها.

وكل من أراد أن يتعلَّم صنعة من الصنائع فلا بد له من أن يصحب أستاذًا فيها يتعلَّم منه مبادئ تلك الصنعة، وأدواتها الأوّلية، ويرتّب له تعلّمها، ويدرّبه عليها، ويقوّمه إذا أخطأ ولا يزال معه حتى يشتدَّ عوده في تلك الصنعة،ويكون من أهلها المعروفين بها.
وهذا الإشراف يُحتاج إليه في عامّة الصنائع التي تتعلّق بها مصالح الناس من الطبّ والهندسة والنجارة والحدادة وغيرها، فمن رام تعلّم صنعة من تلك الصنائع وجد أنّه لا بدّ له من أستاذ بارعٍ يعلّمه، ويشرف على تدرّجه في تعلّم تلك الصنعة، ومن استعجل التصدّر في تلك الصنعة، ولم يتعلّمها من أهلها على وجهها الصحيح فسيكون في أدائه من الخلل والنقص ما يضرّ به من يتعامل معه، ولا يثق به من يعرف حاله، وأرباب تلك الصنعة يحكمون عليه بأنّه مدّعٍ لها ليس من أهلها، وإن غرّ بعض البسطاء من الناس الذين لا تمييز لهم بين المتقن وغير المتقن في بعض الأمور.
وكذلك حال من تلبس بلباس أهل العلم وتحدث بلسانهم واستعمل شيئا من أدواتهم، وهو لم يسلك سبيلهم في تحصيله ورعايته، فإنّ لا يعدّ من أهل العلم، وإنما هو جاهل متعالم لا يوثق به، ولا يأتمنه من يعرف حاله، بل ما أسهل ما يبين الامتحانُ كذبه وادعاءه.

والركيزة الثانية: التدرّج في الدراسة وتنظيم القراءة، فيبدأ بمختصر في كلّ علم يتعلّمه، ويدرسه بإتقان وضبط، على طريقة ميسّرة غير شاقّة، ويداوم على دراسته بعناية حتى يتمّه، ويراجع شيخه فيما يشكل عليه، حتى يكون إلمامه بذلك المختصر إلماماً حسناً يمكنه البناء عليه، ثمّ ينتقل إلى دراسة كتاب أوسع منه، فيدرسه بتفصيل أوسع، فتتوسّع مداركه في العلم شيئاً فشيئاً، وينمو تحصيله العلمي بتوازن محكم - بإذن الله - إلى أن يتمّ مرحلة التأسيس العلمي في ذلك العلم بإشراف شيخه وتوجيه.
ثم ينظّم قراءته في كتب ذلك العلم حتى يكون على إلمام حسن بعامة ما كتب في أبوابه ومسائله.

والركيزة الثالثة: النهمة في التعلم.
والنهمة في العلم معنى
يلتئم من شدّة محبة العلم والحرص عليه، والولَع به، والاجتهاد في طلبه، فتبقى نفس طالب العلم في تطلّع دائم للازدياد من العلم، لا تشبع منه، ولا تكفّ عن الفِكْرة فيه، حتى تشتغل به عن بعض محبوباتها ومرغوباتها الدنيوية، وقد صح عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: (منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها). رواه الدارمي، وقد روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود وحديث أنس وحديث ابن عباس بأسانيد ضعيفة.

ومما يعين على تحصيل النهمة في العلم محبة العلم وأهله واليقين بفضائله وفضائلهم، وسموّ النفس لنيل تلك الفضائل، ويغذّيها التفكر فيما ورد من النصوص في فضل العلم ومحبة الله تعالى له ولأهله الذين يطلبونه إيماناً واحتساباً، وما أعدّ الله لهم من الثواب الكريم والفضل العظيم، وتأمّل سير العلماء، وجميل آثارهم، وحسن أثر العلم عليهم.

وإذا حصّل الطالب النهمة في العلم كانت من أعظم الدوافع لطلبه، والانكباب عليه، والازدياد منه، والفرح بما يستفاد من فوائده وعوائده، والحرص على ضبطه وتقييده، ومن كان إقباله على العلم بنَهَم فإنَّه لا يشتغل عنه بشيء من العوائق والعلائق، بل هو كثير التفكر في العلم وضبط مسائله، وتعرّف ما خفي عليه منه، على كلّ حال من أحواله، ويعدّ لكل حال ما يناسبها من وسائل الطلب؛ فلا يلبث بالمداومة على هذه النهمة حتى يحصّل علماً غزيراً، وتتسّع معرفته في ذلك العلم، وترسخ قدمه فيه، ويكون من أهله الخبيرين بمسائل الإجماع والخلاف فيه، وكتبه ومناهجها، وأحوال أئمته ومراتبهم، وطرائق تعلّمه وتعليمه، وكلما أشكل عليه شيء في ذلك العلم لم يقرّ له قرار حتى يروي غليله من معرفته وتفهّمه.

والنهمة تحمل صاحبها على مداومة استذكار العلم، وتقليب المسائل في النظر، واستثارة الأسئلة، والتفكّر في أجوبتها، وسؤال أشياخه عمّا لا يعرفه، فيعتني بأجوبتهم ويعقلها بقلبه، ويضبطها ضبطاً حسناً، ويُعمل الفِكْرة في طريقة اهتدائهم لتلك الأجوبة، ويستفيد من طريقتهم في نظائر تلك الأمثلة، وقد صحّ عن جماعة من السلف أنهم ذكروا عن أنفسهم أنهم حصّلوا العلم بلسانٍ سَؤُولٍ وقَلبٍ عَقُول، وهذا من آثار النهمة في طلب العلم ودلائلها.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كان لي لسان سَؤول وقَلب عَقُول، وما نزلت آية إلا علمت فيم نزلت، وبم نزلت، وعلى من نزلت). رواه ابن سعد في الطبقات والبيهقي في القضاء والقدر واللفظ له وأبو نعيم في حلية الأولياء.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عبّاس!
قال: ( ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول ).
وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة عن مغيرة بن مقسم قال: قيل لابن عباس: كيف أصبت هذا العلم؟
قال: (بلسان سؤول وقلب عقول).
ورويت هذه المقالة عن الشعبي وإبراهيم النخعي وغيرهما.
فمن جمع قلباً يعي مسائل العلم ويعقلها، ولساناً سَؤولاً يحسن استثارة الأسئلة التي تنفعه؛ فإنّه يحصّل علماً غزيراً مباركاً بإذن الله تعالى.
ومن علامات النهمة في طلب العلم تقديم طلبه على مرغوبات النفس من متاع الدنيا والاشتغال به عنها بسبب شدّة المحبّة للعلم وقوّة الرغبة في فضائله، وشدّة الرهبة من الحرمان منها؛ فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة أوقدت العزيمة وعظم سلطان الرغبة والرهبة على القلب حتى يكتسب المرء صفات وطبائع وقوة عجيبة لا يمكن له أن يبلغها في حال سكون الدافع؛
بل ربّما حرمه هذا الدافع لذيذ النوم، ورغد العيش، وحمله على ركوب الأهوال، وتحمّل المشاقّ، خشية فوات ما يطلبه لعظم شأنه في نفسه، والغالب على من كان هذا حاله أنه لا يلتفت إلى عذل من يعذله، كما قال سويد بن كاهل اليشكري:
وكذاك الحبّ ما أشجعه .. يركب الهول ويعصي من وزع
فأبيتُ الليل ما أرقده .. وبعينيّ إذا نجم طلع
وهذا أمر لا يختص بحبّ الأشخاص؛ بل كلّ من أولع بشيء ارتكب في سبيل الحصول عليه وخشية فواته ما لا يمكنه أن يعمله في حال سكون هذا الدافع، وإذا ضعفت الدوافع في النفس قلَّ تأثيرها على الجوارح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن تخلّف المنافقين عن صلاة الفجر وصلاة العشاء: (ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).
وكان شعبة بن الحجاج يقول: (كم من عصيدة فاتتني!). رواه العقيلي.
كان من حبّه للحديث إذا سمع بمجلس حديث أو قدوم محدّث طار إليه ولم ينتظر نضج الطعام، فيعود وقد أُكل.
وقد كان الإمام البخاري رحمه الله ممن بلغ الغاية في النهمة في طلب الحديث حتى إنه لَيذهلُ عن بعض أسماء أقاربه فلا يحفظهم، ويضبط أسماء الرواة على كثرتهم ويعرف شيوخهم وتلاميذهم وعلل أحاديثهم على كثرتها لما له من النهمة في تعلّم الحديث، فكانت تلك النهمة من أنفع ما أعانه على حفظ الحديث ومعرفة أحوال رجاله.
قال ابن أبي حاتم: بلغني أن أبا عبد الله [البخاري] شرب البلاذر للحفظ، فقلت له: هل من دواء يشربه الرجل للحفظ؟
فقال: لا أعلم.
ثم أقبل علي وقال: (لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر، وذلك أني كنت بنيسابور مقيماً، فكان يَرِد إليَّ من بُخارى كُتُبٌ، وكنَّ قراباتٍ لي يُقرِئن سَلامَهُنَّ في الكتب، فكنت أكتب إلى بخارى، وأردت أن أقرئهنَّ سلامي، فذهب علي أساميهنّ حين كتبت كتابي، ولم أقرئهن سلامي، وما أقلَّ ما يذهب عني في العلم).
قال الذهبي: (يعني: ما أقل ما يذهب عنه من العلم لمداومة النظر والاشتغال، وهذه قراباته قد نسي أسماءهن، وغالب الناس بخلاف ذلك؛ فتراهم يحفظون أسماء أقاربهم ومعارفهم ولا يحفظون إلا اليسير من العلم).
وقال ابن أبي حاتم: سمعته يقول: (لم تكن كتابتي للحديث كما يكتب هؤلاء؛ كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبَه وعلة الحديث إن كان فَهِما، فإن لم يكن فهما سألته أن يخرج إليَّ أصله ونسخته؛ فأما الآخرون فإنهم لا يبالون ما يكتبون، وكيف يكتبون).
وهذا مما يدلّ على نهمه في طلب الحديث، وتثبّته في طلبه، وأنّه لا يكتفي بما يقوله الشيخ من أسماء الرواة، بل لا يقنع حتى يعرف ما يمكنه معرفته من أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم وعلل أحاديثهم.
وقد كان رحمه الله من شدّة نهمته وإدامة نظره في الكتاب ربّما استيقظ من نومه في الليلة الواحدة مراراً فيضيئ السراج في كل مرَّة، ويطالع كتبه؛ ليراجع حديثاً أو مسألة أو يدوّن شيئاً، وبمثل هذه النهمة وإدامة النظر يحصل للدارس قوّة الحفظ بإذن الله تعالى بلا كدّ ذهني.

والركيزة الرابعة: الوقت الكافي.
ولا بدّ للمتعلّم من الصبر على طلب العلم مدّة كافية من الزمن حتى يُحسن تعلّمه، ويتدرّج في مدارجه،
ويسلك سبيل أهله، برفق وطمأنينة، وضبط وإتقان، وتفهّم وتفكّر، ومداومة على المذاكرة والمدارسة، حتى يبلغ فيه مبلغ أهل العلم.
ومن اغترّ بذكائه وسرعة فهمه وأراد أن يحوز العلم في وقتٍ وجيزٍ مغالبةً ومكابرةً؛ تمنّع عليه العلم وتعزّز؛ واستعصى عليه تحصيله، والانتفاع به.
وبيان سرّ ذلك أن في طريق الطلب مزالقَ وفتناً من لم يكن على بصيرة منها زلّت قدمه، واضطرب تحصيله، وانحرف مساره؛ فسلك بعض سبل أهل الأهواء أو انقطع ورجع.
ولا سبيل إلى النجاة من تلك المزالق والفتن إلا باتّباع سبيل أهل العلم والإيمان، وتوثّق الطالب مما يتعلّمه، والسير في طريق الطلب مرحلةً مرحلةً، وإعطاء كلّ مرحلة حقّها من التزوّد والتمهّل، والتبصّر والتصبّر.
وقد قال الإمام الزهري رحمه الله: «إنَّ هذا العلمَ إنْ أخذته بالمكاثرة له غلبك، ولكنْ خُذْهُ مع الأيَّامِ والليالي أخذاً رفيقاً تظفرْ به»
وقال معمر بن راشد: «من طلب الحديث جُملةً ذهب منه جملةً، إنما كنا نطلب حديثا وحديثين».

والعجلة من أعظم الآفات التي تقطع على الطلاب مواصلة طريق الطلب؛ وتحول بينهم وبين التدرج في طلبه كما ينبغي، فيضيع عليهم من الوقت أضعاف ما أردوا اختصاره.
ولا يختصر طالب العلم طريقَ الطلب بأحسن من طلبه على وجهه الصحيح، ودراسته دراسة متقنة متأنّية، بتدرّج وترفّق تحت إشراف علمي من غير تعجل ولا مكاثرة.

ومن أسباب العجلة في طلب العلم:
- ضعف الصبر على تحمّل مشقّة طلب العلم.
- وضعف البصيرة بطول طريقه.
- وإيثار الثمرة العاجلة من التصدّر والرياسة به على حقيقة تحصيل العلم النافع والانتفاع به.
- والاغترار بالذكاء والحفظ السريع؛ فيستعجل تصوّر المسائل والحكم فيها باطّلاع قاصر، وأدوات ناقصة، ويكثر على نفسه من المسائل بما لا يمكنه أن يتقن دراسته على وجه صحيحٍ بهذه العجلة؛ فيقع في فهمه لمسائل العلم خطأ كثير، واضطراب كبير.

فمن وجد في نفسه عجَلة مذمومة فليبارد إلى معالجة أسبابها، وليتبصّر بطريقة أهل العلم في تحصيله، وصبرهم على سلوك سبيله.

والمقصود أنّ هذه الركائز الأربع لا بدّ منها في كلّ منهج صحيح من مناهج طلب العلم،
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:
أخي لن تنال العلم إلا بستة .. سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة .. وصحبة أستاذ وطول زمان


فالحرص والاجتهاد من معاني النهمة في طلب العلم، وكلّ منهوم بأمرٍ فلا بدّ له أن يكون له قدر من الذكاء فيه؛ فإنّ طول الإقبال يثمر قدراً من الفهم والتعرف.
وأمّا البُلغة من المال فالحديث عنها على أهميته خارج عن معايير الموازنة بين مناهج طلب العلم.
وأمّا صحبة الأستاذ فهي في معنى الإشراف العلمي.
وأمّا طول الزمان فهو طول نسبيّ، والعبرة بسلوك المنهج الصحيح لطلب العلم، فمن الطلاب من ينبغ مبكّراً، ومنهم من يتأخّر.

معالم العلوم:
ولكلّ علمٍ ثلاثة معالم مهمة:
المعلَمُ الأول: أبواب ذلك العلم ومسائل كلّ باب منه، ولبيان هذا المعلَم كتب منهجيّة متدرّجة يدرسها الطالب حتى يكون على إلمام حسن بعامّة أبواب ذلك العلم ومسائله.
والمعلَم الثاني: كُتبه الأصول التي يستمدّ منها أهل ذلك العلم علمَهم، ويدمنون الرجوع إليها، والإحالة عليها، فيعرف مراتبها، ومناهج مؤلفيها؛ وينظّم القراءة فيها على خطّة مطوّلة بعد اجتياز مرحلة التأسيس في ذلك العلم.
والمعلَم الثالث: أئمّته من العلماء المبرّزين فيه؛ الذين شَهِدَ لهم أهل ذلك العلم بالإمامة فيه، والتمكّن منه؛ فيعرف طبقاتهم ومراتبهم، ويقرأ من سيرهم وأخبارهم، ويعرف آثارهم، ويتعرَّف طرائقهم في تعلّم ذلك العلم ورعايته وتعليمه.
وكلّ من أراد أن يصحب قوماً، ورغب أن يُعدّ منهم، وصدق في تلك الرغبة فإنّ نفسه تدفعه لمعرفتهم معرفة حسنة، والتبصّر بأحوالهم، والانتفاع بما ورّثوه من علم نافع؛ حتى يأتمّ بهم، ويسير على منهاجهم، ويصحبهم في حياته باصطحاب سيرهم وآثارهم حتى يُعدّ من جملتهم، ويتحمّل أمانة ذلك العلم، ويحمل رايته.

وتحصيل هذه المعالم الثلاث يفيد الطالب فوائد جليلة القدر عظيمة النفع، تعينه على حسن الإلمام بذلك العلم والتمكّن فيه، وتحصيلها يستدعي مداومة الطالب على الركائز الأربع المتقدّمة، وكلّ منهج من مناهج الطلب لا يحقّق هذه المعالم الثلاث فهو منهج ناقص.

مراحل طلب العلم
ولطلب العلم ثلاث مراحل مهمة ينبغي لطالب اعللم أن يكون حسن الاستعداد لكل مرحلة منها:
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس في ذلك العلم؛ بدراسة مختصر فيه تحت إشراف علمي، ثمّ التدرج في دراسته، وتنظيم قراءة كتبه الأوّلية إلى أن يجتاز درجة المبتدئين في ذلك العلم.
والمرحلة الثانية:
مرحلة البناء العلمي: وفيها يكون التحصيل العلمي المنظّم، ويُحقّق التوازن والتكامل في تحصيل ذلك العلم، بعد اكتساب التأسيس فيه، وتكميل أدواته، والتمكن من بحث مسائله وتحريرها بمهارة عالية؛ فيجتهد في بناء أصل علميّ له في ذلك العلم؛ يحسن كتابته بطريقة منظمة، ويداوم على مراجعته وتهذيبه والإضافة إليه، ليكون عُدّة له في ذلك العلم.
ولبناء الأصول العلمية أنواع وطرق عند أهل العلم في القديم والحديث؛ بسطت القول فيها بذكر أمثلتها وفوائدها في مواضع أخرى.
ومن فرّط في بناء أصل علميّ له في العلم الذي يطلبه أضاع علمه، وعرّضه للتفلّت والنسيان.
والمرحلة الثالثة: مرحلة النشر العلمي، ويراد به تحصيل ما يمكّنه من الإفادة من علمه؛ بالتدرّب على البحث والتأليف، والإفتاء والتدريس، وإلقاء الكلمات، وكتابة الرسائل، وغير ذلك من أنواع النشر العلمي التي ينبغي أن يعتني طالب العلم
بتحصيل أدواتها والتمهّر فيها ليُحسن الإفادة من علمه.

تنوّع مناهج طلب العلم
ومما ينبغي أن يُعلم أنّ الخطط المنهجية لطلب العلم كثيرةٌ متنوّعة؛ والمتكلّمون في هذا الباب بعلم وبغير علم كثير، وتحيّر الطالب بين مناهج الطلب مفسدة ظاهرة، فعليه أن يتحرّى - ما استطاع -
أحسن المناهج وأنفعها، وأقربها إلى قدرته وإمكاناته حتى يمكنه أن يواصل الدراسة ويتمّها.
والاختلاف بين المناهج الصحيحة في اختيار بعض الكتب على بعض، وترتيب بعضها، والتنوع في طرق الدراسة ووسائلها؛ كلّ ذلك مما يدخله الاجتهاد إن كان من قِبَل من عُرف بالعلم والأمانة والخبرة بطرق التعليم الشرعي.
وقد تقدّم بيان معالم المنهج الصحيح لطلب العلم، وذكرنا ركائز التحصيل العلمي، ومعالم العلوم، فإذا كان الطالب يسير على منهجٍ يراعي تلك الركائز والمعالم؛ فهو على منهج صحيح إن شاء الله؛ فليجتهد فيه وليعطِه حقّه من العناية والمواظبة حتى ينتفع به، وليبدأ بما يستطيع، ولا يكلف نفسه ما لا تطيق، ولا يجهدها بما يشقّ عليها، حتى لا يسأم من طلب العلم فيدعه، بل ينبغي له أن ينظم وقته بما يعينه على المداومة على طلب العلم، والترقي فيه، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وإذا أحبّ الله عملاً بارك لصاحبه فيه.

وأما من تذبذب بين طرق التعلّم، وأكثر التنقّل بين الكتب والشيوخ؛ فإنه يضيع كثيراً من وقته وجهده، وربّما انقطع عن طلب العلم، وهذا من أخطر الأدواء التي ابتلي بها كثير من طلاب العلم اليوم.
فينبغي لطالب العلم إذا سلك طريقة صحيحة في طلب العلم تحت إشراف علمي، أن يصبر عليها حتى يُتمّها، وينتفع بها.
والتفاضل بين مناهج الطلب له أسبابه ومعاييره، وربّ طريقة فاضلة لطالب تكون مفضولة لغيره، فالعبرة بما يكون أنفع للطالب، وأقرب إلى إتقان ما يدرس، ومن سلك طريقة مفضولة وصبر على مواصلة الدراسة فيها حتى ينتفع بها؛ فهو خير ممن يتردد بين طرق فاضلة لا يصبر عليها.

ومثل طالب العلم في طلبه كمَثَل من يريد السفر إلى مدينةٍ بينه وبينها مفاوز وطرق متعددة، ولا بدّ له من مرشد يُرشده:
1. فإذا وُفّق لمن يسلك به أحسن الطرق وآمنها وأيسرها وأقربها فهو أفضل له.
2. وإن سلك طريقاً صحيحاً آخر فيه صعوبة ومشقّة لكنّه يوصله إليها فهو سائر في الاتّجاه الصحيح وإن تأخّر.
3. وإن تذبذب بين الطرق أضاع وقته وجهده، ولم يتقدّم في سيره، ولا يمكن أن يصل إلى مطلوبه حتى يعاود سلوك طريق صحيح يصبر على مواصلة السير فيه.
4. وإن سلك طريقاً من غير مرشد يُرشده كان على خطر من غوائل الطريق، وانحراف مساره عن الغاية التي كان يريدها.

فتتشابه بدايات الطلاب لكنّه يتفاوتون جداً بعد مدّة من السير في تلك الطرق؛ فمن سلك طريقاً صحيحاً مع مرشِدٍ يُرشده، ويبصّره بمراحل الطريق، ويحذّره من الغوائل والمخاطر، ويبيّن له علامات المدينة التي يريدها، ودلائل صحّة الطريق؛ فإنّه كلما واصل السير في ذلك الطريق ازداد بصيرة بصحّة مسلكه، حتى إذا رأى أعلام المدينة من بعيد تيقّن من صحّة منهجه، وأمكنه السير إليها وإن كان وحده.

فكذلك من يطلب العلم النافع إذا سار في طريقه تحت إشراف علمي حتى يعرف معالم العلم الذي يطلبه، ويعرف أبوابه ومسائله، وأئمّته ومصادره، ودرسه بتدرّج وإتقان؛ فإنه يسهل عليه بعد ذلك أن يسير في طلب ذلك العلم على بصيرة، ولا يصل طالب العلم إلى هذه المرحلة حتى يجتاز مرحلة المبتدئين، وتثبت قدمه في مرحلة المتوسّطين، ويقطع شوطاً حسناً في بناء أصله العلمي.

محاذير وتنبيهات:
وبما تقدّم من البيان عن معالم المنهج لصحيح لطلب العلم؛ يتبيّن للطالب اللبيب بعض الآفات التي حُرم بسببها بعض الطلاب من مواصلة الطلب والانتفاع بالعلم، ومنها:
1. ما يقدح في صحّة النية وصلاح القصد؛ من طلب العلم رياء أو سمعة أو لطلب العلوّ في الأرض، ومباهاة العلماء، ومماراة السفهاء، والتصدّر به في المجالس، ولفت أنظار الناس إليه، وغير ذلك من القوادح التي تقدح في قصد صاحبها؛ فإنّها سبب لحرمان طالب العلم من الانتفاع بعلمه.
2. العجلة في طلب العلم، ودراسة مسائله، واستعجال الثمرة قبل أوانها.
3. التذبذب في مناهج الطلب، والعشوائية في الدراسة والقراءة.
4. التوصيات الخاطئة من الطلاب المبتدئين، ومن لم يُعرف بالخبرة في مناهج الطلب.
5. الاستجابة للقواطع والشواغل عن طلب العلم.
6. التصدر قبل التأهّل؛ فإنّه يفضي بصاحبه إلى التعالم، ويشغله عن إحسان التحصيل العلمي.
7. تحميل النفس ما لا تطيق، فإنّ المنبتّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع.
فهذا كله من أسباب الانقطاع عن طلب العلم على وجهه الصحيح، وحرمان بركة التعلم.

وصايا وإرشادات
أختم هذا الحديث عن بيان فضل طلب العلم، والتعريف ببعض الفصول المتعلّقة بطلب العلم بثلاث وصايا أسأل الله تعالى أن ينفع بها ويبارك فيها:
الوصيّة الأولى: الوصيّة بتقوى الله تعالى، ومن ذلك تقواه في طلب العلم؛ بأن يتعاهد الطالب نيّته ومقاصده، وعمله بما يتعلّم، ويتفكّر في أثر العلم على قلبه وجوارحه وسلوكه وأخلاقه.
والوصيّة الثانية: الصدق في طلب العلم، ونبذ العجز والتواني، والاجتهاد في إحسان التحصيل العلمي، ومن صدق صدقه الله.
والوصيّة الثالثة: أن يدرك طالب العلم حاجة نفسه إلى العلم، وحاجة أمّته إليه، حتى يحسن إعداد نفسه وتأهيلها بالتحصيل العلمي النافع؛ لينفع نفسه، وينفع أمّته؛ فإنّ حاجة الأمّة إلى العلم ماسّة، والجهاد بالعلم أعظم أنواع الجهاد؛ فلا يكن همّ الطالب قاصراً على ضبط ما يُلقى إليه من مسائل العلم أو ما يقرؤه في الكتب على أهميّته، بل ينبغي له أن يكون قائماً لله بهذا العلم كما أمر الله تعالى بقوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله} فيتعرّف في تعلّمه على ما يمكنه بذلُه للدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، والتعرف على الأبواب التي يحتاج الناس إلى فقهها فيوليها عناية أكبر ليدعو بها في مجتمعه ومجاله، وهذا يكون في كل مجتمع بحسبه.
وليعلم طالب العلم أن العمر سريع التقضّي، وأنفس ما في العمر سنّ الشباب، فمن أعدّ نفسه في شبابه إعداداً حسناً حمدَ العاقبة، وانتفع وارتفع، ومن فرّط وضيّع ندم حين لا تنفعه الندامة، وفي قصص المشمّرين والمقصّرين عِبَر وعِظَات، والسعيد من وُعظ بغيره، والطالب اللبيب لا ينظر إلى من يثبّطه، ولا يلتفت إلى ما يشغله عمّا فيه فوزه وفلاحه ورفعته، ولا يحفل بما يصيبه من الأذى والمشقّة المحتملة في طريق الطلب.
- قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: يا فلان هَلُمَّ فلنسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم اليوم كثير.
فقال: واعجباً لك يا ابن عباس!! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ترى؟!!
فتركَ ذلك، وأقبلتُ على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل؛ فأتوسّد ردائي على بابه؛ فتسفي الريح على وجهي التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟! ألا أرسلت إلي فآتيك؟!!
فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك. فأسأله عن الحديث.
قال: فبقي الرجل حتى رآني، وقد اجتمع الناس عليَّ؛ فقال: «كان هذا الفتى أعقلَ مني». رواه الدارمي.
- وكان -رضي الله عنه-
يقول: (إن كنتُ لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم).
وهذا من شدّة نهمته في العلم، وتثبّته في طلب العلم.
- وقال الحسن بن علي رضي الله عنه لبنيه: «يا بَنيَّ إنكم اليوم صِغارَ قومٍ أَوشكَ أن تكونوا كِبارَ قَومٍ؛ فعليكم بالعلم؛ فمن لم يحفظ منكم فليكتبه». رواه الخطيب البغدادي في "تقييد العلم".
- ووقف عمرو بن العاص رضي الله عنه على حلقة من قريش، فقال: «ما لكم قد طرحتم هذه الأغيلمة؟ لا تفعلوا وأوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إيَّاه؛ فإنهم صغار قوم، أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم، فأنتم اليوم كبار قوم» رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث".

اللهمّ استعملنا في طاعتك، وأوزعنا شكر نعمتك، واتّباع رضوانك، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، واهدنا لأرشد أمورنا.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علماً تنفعنا به.
اللهم وأدخلنا في رحمة منك وفضل، واهدنا إليك صراطاً مستقيماً.
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
وصلى الله وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.


التوقيع :

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:29 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة