العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10 ربيع الثاني 1434هـ/20-02-2013م, 12:25 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 963
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (285) إلى الآية (286) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (285) إلى الآية (286) ]

{آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}




رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 07:34 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 963
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن صاحب له عن أبي قلابة قال: «إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي سنة ثم وضعه على عرشه -أو قال في عرشه- وكان خواتم البقرة من ذلك الكتاب، قال: ومن قرأ خاتمة البقرة لم يدخل الشيطان بيته ثلاثا».). [تفسير عبد الرزاق: 1 / 113]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وأخبرني من سمع الحسن يقول: «كان مما من الله تبارك وتعالى به على نبيه أنه قال وأعطيتك خواتم سورة البقرة وهي من كنوز عرشي».). [تفسير عبد الرزاق: 1 / 113]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن عاصم بن بهدلة عن علقمة بن قيس قال: «من قرأ خواتم سورة البقرة في ليلة أجزأت عنه قيام تلك الليلة».). [تفسير عبد الرزاق: 1 / 113]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (حدثني الثوري عن منصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله:«من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه».). [تفسير عبد الرزاق: 1 / 113]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله... } إلى قوله: {فانصرنا على القوم الكافرين} ]
- نا خالد بن عبد اللّه، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ - في قوله عزّ وجلّ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} -، (قال): «نزلت في الشهادة».).
- نا عتّاب بن بشيرٍ، عن خصيف، عن مجاهدٍ - في قوله عزّ وجلّ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} -، قالوا: فشقّ ذلك عليهم، قالوا: يا رسول اللّه، إنّا لنحدّث أنفسنا بشيءٍ ما يسرّنا أن يطّلع عليه أحدٌ من الخلائق وأنّا لنا كذا وكذا؟
قال: «أوقد لقيتم هذا؟ ذلك صريح الإيمان»، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه... } الآيتين.
- نا أبو الأحوص، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن أبي مسعودٍ الأنصاريّ: أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ في ليلةٍ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه».
- نا أبو معاوية، قال: نا الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن أبي مسعودٍ الأنصاريّ قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه»
- نا هشيمٌ، قال: نا خالدٌ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، أنّه كان يقرأ: {كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتابه}.
- نا خالد بن عبد اللّه، عن بيان، عن حكيم بن جابرٍ قال: قال جبريل للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ اللّه قد أحسن عليك، وعلى أمّتك الثّناء حين نزلت: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله}، فسل تعط»، فسأل: {لا يكلّف الله نفسًا إلّا وسعها... }، حتّى ختم السّورة بمسألة محمّدٍ - صلّى الله عليه وسلّم-.
- نا خالد بن عبد اللّه، عن بيان، عن عامرٍ الشّعبي قال: «نسخت هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} ما بعدها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
- نا هشيمٌ قال: نا سيّار، عن الشّعبيّ، قال: «لمّا نزلت: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله}، فكانت فيها شدّةٌ، فنزلت هذه الآية الّتي بعدها فنسختها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
- نا هشيمٌ، قال: نا جويبر، عن الضّحّاك، عن عائشة رضي اللّه عنها - في قوله عزّ وجلّ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء}، (قالت): «هو الرّجل يهمّ بالمعصية ولا يعملها، فيرسل عليه من الغمّ والحزن بقدر ما كان همّ به من المعصية، فتلك محاسبته».
- نا هشيمٌ، قال: نا جويبر، عن الضّحّاك، عن ابن مسعودٍ قال: «نسختها الآية الّتي بعدها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
- نا سفيان، عن سلمة بن نبيط، قال: سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ يقول: «جاء بها جبريل، ومعه من الملائكة ما شاء اللّه عزّ وجلّ: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} إلى قوله: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا}، قال: ذاك لك، {أو أخطأنا}، قال: ذاك لك، {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا}، قال: ذاك لك، {ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به}، قال: ذاك لك، {واعف عنّا}، قال: ذاك لك، {واغفر لنا}، قال: ذاك لك، {وارحمنا}، قال: ذاك لك، {أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}، قال: ذاك لك».
- نا عون بن موسى، قال: سمعت المغيرة بن عبد الملك القرشي يقول: «كان يقال: تعلّموا سورة البقرة، فإنّ أخذها حسنة، وتركها حسرة، ولا تطيقها البطلة، تعلّموا الزّهراوين: البقرة، وآل عمران».
- نا مروان بن معاوية، قال: نا وقاء بن إياسٍ (الأسدي)، قال: سمعني سعيد بن جبيرٍ ليلةً وأنا أقرأ البقرة وآل عمران والنّساء، قال: ألم أسمعك قرأت البارحة البقرة والنّساء وآل عمران؟ قلت: بلى.
قال: فلا تفعل، عليك بآل حم، والمفصّل، فقد قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: «من قرأ البقرة والنّساء وآل عمران كتب عند اللّه من الحكماء».). [سنن سعيد بن منصور: 3 / 1004 -1023]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه}
وقال ابن عبّاسٍ: {إصرًا}: «عهدًا، ويقال: {غفرانك}: مغفرتك »، {فاغفر لنا} [آل عمران: 16]
- حدّثني إسحاق بن منصورٍ، أخبرنا روحٌ، أخبرنا شعبة، عن خالدٍ الحذّاء، عن مروان الأصفر، عن رجلٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، قال: أحسبه ابن عمر: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قال: «نسختها الآية الّتي بعدها» ). [صحيح البخاري: 6 / 33]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} أي إلى آخر السّورة)
قوله: وقال ابن عبّاسٍ إصرًا: عهدًا، وصله الطّبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ولا تحمل علينا اصرا}؛ «أي: عهدًا»، وأصل الإصر: الشّيء الثّقيل، ويطلق على الشّديد، وتفسيره بالعهد تفسيرٌ باللّازم؛ لأنّ الوفاء بالعهد شديدٌ.
وروى الطّبريّ من طريق بن جريجٍ في قوله إصرًا، قال: عهدًا لا نطيق القيام به.
قوله: ويقال غفرانك: مغفرتك، فاغفر لنا، هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله غفرانك؛ أي: مغفرتك، أي اغفر لنا، وقال الفرّاء: غفرانك مصدرٌ وقع في موضع أمرٍ فنصب، وقال سيبويه: التّقدير اغفر غفرانك، وقيل يحتمل أن يقدّر جملةٌ خبريّةٌ أي نستغفرك غفرانك واللّه أعلم.
- قوله: «نسختها الآية الّتي بعدها» قد عرف بيانه من حديثي ابن عبّاسٍ وأبي هريرة، والمراد بقوله نسختها؛ أي: أزالت ما تضمّنته من الشّدّة وبيّنت أنّه وإن وقعت المحاسبة به لكنّها لا تقع المؤاخذة به، أشار إلى ذلك الطّبريّ فرارًا من إثبات دخول النّسخ في الأخبار، وأجيب بأنّه وإن كان خبرًا لكنّه يتضمّن حكمًا ومهما كان من الأخبار يتضمّن الأحكام أمكن دخول النّسخ فيه كسائر الأحكام، وإنّما الّذي لا يدخله النّسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمّن حكمًا كالإخبار عمّا مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالنّسخ في الحديث التّخصيص فإنّ المتقدّمين يطلقون لفظ النّسخ عليه كثيرًا، والمراد بالمحاسبة بما يخفي الإنسان ما يصمّم عليه ويشرع فيه دون ما يخطر له ولا يستمر عليه والله أعلم). [فتح الباري: 8 / 207 -208]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله فيه وقال ابن عبّاس: «إصرا: عهدا».
قال ابن جرير ثنا المثنى ثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علّي عن ابن عبّاس به). [تغليق التعليق: 4 / 187]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (بابٌ: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه}
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربه} إلى آخر السّورة.
قوله: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربه}، إخبار من الله عن النّبي صلى الله عليه وسلم بذلك (فإن قلت) قال: آمن الرّسول بما أنزل إليه، ولم يقل: آمن الرّسول باللّه، وقال: {والمؤمنون كل آمن باللّه} (قلت): الكفر ممتنع في حق الرّسول وغير ممتنع في حق المؤمنين.
قوله: {والمؤمنون}، عطف على الرّسول.
قوله: {كل آمن باللّه} إخبار عن الجميع، والتّقدير: والمؤمنون كلهم آمنوا باللّه وملائكته وكتب المنزلة، وإن كان بعضهم نسخ شريعة بعض بإذن الله تعالى.
قوله: {لا نفرق} أي: تقولون لا نفرق، وعن أبي عمر: لا يفرق، بالياء، على أن الفعل لكل واحد، وقرأ عبد الله، لا يفرقون.
قوله: {وقالوا سمعنا} أي: أجبنا.
قوله: {غفرانك} منصوب بإضمار فعله فقال: غفرانك لا كفرانك. أي: نستغفرك ولا نكفرك.
قوله: {نفسا إلّا وسعها} الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، والنّفس يعم الملك والجنّ والإنس، قاله ابن الحصار.
قوله: {لها ما كسبت} خص الخير بالكسب. والشّر بالاكتساب لأن في الاكتساب اعتمالاً وقصدا وجهدا.
قوله: {إن نسينا} المراد بالنّسيان الّذي هو السّهو. وقيل: التّرك والإغفال. قال الكلبيّ: كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا ممّا أمرهم الله به أو أخطأوا أعجلت لهم العقوبة فيحرم عليهم شيء من المطعم والمشرب على حسب ذلك الذّنب، فأمر الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك.
قوله: (وأخطأنا) قيل: من القصد والعمد. وقيل: من الخطأ الّذي هو الجهل والسهو، وقال ابن زيد: إن نسينا شيئا ممّا افترضته علينا. أو أخطأنا شيئا ممّا حرمته علينا. (فإن قلت): النسيان والخطأ متجاوز عنهما. فما فائدة الدّعاء بترك المؤاخذة بهما؟ (قلت): المراد استدامته والثبات عليه كما في قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم}[الفاتحة: 6]
وتفسير: الإصر. يأتي الآن. قوله: {على الّذين من قبلنا} وهم اليهود، وهو الشّيء الّذي يشق، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة وأمره بأدائهم ربع أموالهم في الزّكاة ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب منهم ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه ونحوه من الأثقال والأغلال الّتي كانت عليهم.
قوله: {لا تحملنا ما لا طاقة لنا به} فيه سبعة أقوال: (الأول): ما لا يطاق ويشق من الأعمال. (الثّاني): العذاب. (الثّالث): حديث النّفس والوسوسة. (الرّابع): الغلمة وهي شدّة شهوة الجماع، لأنّها ربما جرت إلى جهنّم. (الخامس): المحبّة حكي أن ذا النّون تكلم في المحبّة فمات أحد عشر نفسا في المجلس. (السّادس): شماتة الأعداء. قال الله تعالى إخبارًا عن موسى وهارون عليهما السّلام: ولا تشمت بي الأعداء. (السّابع): الفرقة والقطيعة.
قوله: {واعف عنّا}أي: تجاوز عنّا {واغفر لنا} أي: استر علينا {وارحمنا} أي: لا توقعنا بتوفيقك في الذّنوب {أنت مولانا} أي: ناصرنا وولينا {وانصرنا على القوم الكافرين} الّذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك وعبدوا غيرك.
وقال ابن عبّاسٍ: «إصرا: عهدا»، هذا وصله الطّبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: {ولا تحمل علينا إصرا} «أي: عهدا» قلت: المراد بالعهد الميثاق الّذي لا نطيقه ولا نستطيع القيام به. وقال الزّمخشريّ: الإصر العبء الّذي يأصر حامله أي يحبسه مكانه لا يستقلّ لثقله. وعن ابن عبّاس: (لا تحمل علينا إصرا) «لا تمسخنا قردة ولا خنازير»، وقيل: ذنبا لي فيه توبة ولا كفّارة وقرئ آصار، على الجمع.
ويقال: {غفرانك} مغفرتك فاغفر لنا.
هذا تفسير أبي عبيدة. قلت: كل واحد من الغفران والمغفرة مصدر: وقد مضى الآن وجه النصب.
- حدّثني إسحاق أخبرنا روحٌ أخبرنا شعبة عن خالدٍ الحذّاء عن مروان الأصفر عن رجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحسبه ابن عمر {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قال: «نسختها الآية الّتي بعدها».
هذا طريق آخر في الحديث السّابق، قبل هذا الباب، ومضى الكلام فيه، وإسحاق هو ابن منصور، ذكره أبو نعيم وأبو مسعود وخلف وروح بن عبادة.
قوله: (الآية) الّتي بعدها هي قوله تعالى: {لا يكلف نفسا إلاّ وسعها} ). [عمدة القاري: 18 / 134 - 135]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه}
وقال ابن عبّاسٍ: «إصرًا: عهدًا، ويقال غفرانك مغفرتك فاغفر لنا».
هذا (باب) بالتنوين ({آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه}) عن أنس بن مالك فيما رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه لما نزلت هذه الآية على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «حق له أن يؤمن».
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: {ولا تحمل علينا إصرًا} «أي (عهدًا)». وهو تفسير باللازم لأن الوفاء بالعهد شديد وأصل الإصر الشيء الثقيل، ويطلق على الشديد وقال النابغة:


يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم ....... والحامل الاصر عنهم بعد ما عرفوا


وفسره بعضهم هنا بشماتة الأعداء، (ويقال: غفرانك) أي (مغفرتك فاغفر لنا) وهذا تفسير أبي عبيدة، وقال الزمخشري: منصوب بإضمار فعله يقال: غفرانك لا كفرانك أي نستغفرك ولا نكفرك فقدّره جملة خبرية. قال في الدر: وهذا ليس مذهب سيبويه إنما مذهبه أن يقدر بجملة طلبية كأنه قيل اغفر غفرانك والظاهر أن هذا من المصادر اللازم إضمار عاملها لنيابتها عنه.
- حدّثني إسحاق بن منصورٍ، أخبرنا روحٌ، أخبرنا شعبة عن خالدٍ الحذّاء، عن مروان الأصفر عن رجلٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: أحسبه ابن عمر {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قال: «نسختها الآية الّتي بعدها». [الحديث 4545 - أطرافه في: 4546].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق بن منصور) الكوسج التميمي المروزي وسقط ابن منصور لغير أبي ذر قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (روح) هو ابن عبادة قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن خالد الحذاء) البصري (عن مروان الأصفر) البصري أيضًا (عن رجل من أصحاب رسول الله) ولأبي ذر من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه وسلّم قال): أي الأصفر (أحسبه) أي الرجل المبهم (ابن عمر) جزم في السابقة به فلعل قوله هنا أحسبه كان قبل جزمه وكان قد نسي ثم تذكر ({وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قال): أي ابن عمر (نسختها الآية التي بعدها) {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} أي لا يكلف الله تعالى أحدًا فوق طاقته لطفًا منه تعالى بخلقه ورأفة بهم وإحسانًا إليهم، فأزالت ما كان أشفق منه الصحابة في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} أي هو وإن حاسب وسأل لكنه لا يعذب إلا على ما يملك الشخص دفعه فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به الإنسان.
فإن قلت: إن النسخ لا يدخل الخبر لأنه يوهم الكذب أي يوقعه في الوهم أي الذهن حيث يخبر بالشيء ثم بنقيضه وهذا محال على الله تعالى. أجيب: بأن المذكور هنا وإن كان خبرًا لكنه يتضمن حكمًا وما كان كذلك أمكن دخول النسخ فيه سائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمن حكمًا كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك على أنه قد جوز جماعة النسخ في الخبر المستقبل لجواز المحو فيما يقدره قال الله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] والأخبار تتبعه وعلى هذا القول البيضاوي، وقيل يجوز على الماضي أيضًا لجواز أن يقول الله لبث نوح في قومه ألف سنة ثم يقول لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وعلى هذا القول الإمام الرازي والآمدي، وقال البيهقي النسخ هنا بمعنى التخصيص أو التبيين، فإن الآية الأولى وردت مورد العموم فبينت التي بعدها أن مما يخفى شيئًا لا يؤاخذ به وهو حديث النفس الذي لا يستطاع دفعه). [إرشاد الساري: 7 / 48 - 49]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه}
قوله: (نسختها الآية التي بعدها) هي: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}، أي: لا يكلف الله تعالى أحداً فوق طاقته لطفاً منه تعالى بخلقه ورأفة بهم وإحساناً إليهم، فأزالت ما كان أشفق منه الصحابة في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم، أو تخفوه يحاسبكم به الله}، أي: هو وإن حاسب وسأل لكنه لا يعذب إلا على ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الأنسان اهـ قسطلاني). [حاشية السندي على البخاري: 3 / 42]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السّدّيّ، قال: حدّثني من سمع عليًّا، يقول: «لمّا نزلت هذه الآية {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} الآية أحزنتنا» قال: « قلنا: يحدّث أحدنا نفسه فيحاسب به، لا ندري ما يغفر منه ولا ما لا يغفر؟ فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».). [سنن الترمذي: 5 / 70]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا محمود بن غيلان، قال: حدّثنا وكيعٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا نزلت هذه الآية {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} قال: دخل قلوبهم منه شيءٌ، لم يدخل من شيءٍ، فقالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «قولوا سمعنا وأطعنا»، فألقى اللّه الإيمان في قلوبهم، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون} الآية، {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، قال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا}، قال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا} الآية، قال: قد فعلت.
هذا حديثٌ حسنٌ، وقد روي هذا من غير هذا الوجه عن ابن عبّاسٍ. وآدم بن سليمان يقال: هو والد يحيى بن آدم.
وفي الباب عن أبي هريرة). [سنن الترمذي: 5 / 71 -72]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه}
- أخبرنا محمود بن غيلان، أخبرنا وكيعٌ، حدّثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: لمّا نزلت هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] دخل قلوبهم منها شيءٌ لم يدخله من شيءٍ، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: « قولوا سمعنا وأطعنا وسلّمنا»، فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله عزّ وجلّ {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون}الآية، {لا يكلّف الله نفسًا إلّا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} قال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنّا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين} قال: قد فعلت "). [السنن الكبرى للنسائي: 10 / 40] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبى عن سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالد بن خالدٍ، قال: سمعت سعيد بن جبيرٍ، يحدّث عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} دخل قلوبهم منها شيءٌ لم يدخلها من شيءٍ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «قولوا سمعنا وأطعنا وسلّمنا»، قال: فألقى اللّه عزّ وجلّ الإيمان في قلوبهم، قال: فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} قال أبو كريبٍ: فقرأ: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: فقال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} قال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال: قد فعلت {واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال: قد فعلت.).
- حدّثني أبو الرّدّادٍ المصريّ عبد اللّه بن عبد السّلام، قال: حدّثنا أبو زرعة وهب اللّه بن راشدٍ، عن حيوة بن شريحٍ، قال: سمعت يزيد بن أبي حبيبٍ، يقول: قال ابن شهابٍ: حدّثني سعيد بن مرجانة، قال: جئت عبد اللّه بن عمر، فتلا هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} ثمّ قال ابن عمر: «لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكنّ» ثمّ بكى ابن عمر حتّى سالت دموعه، قال: ثمّ جئت عبد اللّه بن العبّاس، فقلت: يا أبا عبّاسٍ، إنّي جئت ابن عمر فتلا هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية، ثمّ قال: لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكنّ، ثمّ بكى حتّى سالت دموعه، فقال ابن عبّاسٍ: «يغفر اللّه لعبد اللّه بن عمر لقد فرق أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منها كما فرق ابن عمر منها فأنزل اللّه: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فنسخ اللّه الوسوسة، وأثبت القول والفعل».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن مرجانة يحدّث: أنّه بينا هو جالسٌ مع عبد اللّه بن عمر تلا هذه الآية: {للّه ما في السّموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية، فقال: «واللّه لئن أخذنا اللّه بهذا لنهلكنّ»، ثمّ بكى ابن عمر حتّى سمع نشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتّى أتيت ابن عبّاسٍ، فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد اللّه بن عبّاسٍ: «يغفر اللّه لأبي عبد الرّحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد اللّه بن عمر فأنزل اللّه بعدها: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} إلى آخر السّورة». قال ابن عبّاسٍ: «فكانت هذه الوسوسة ممّا لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى اللّه عزّ وجلّ أنّ للنّفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: سمعت الزّهريّ، يقول في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قال: قرأها ابن عمر، فبكى وقال: «إنّا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا»، فبكى حتّى سمع نشيجه، فقام رجلٌ من عنده، فأتى ابن عبّاسٍ، فذكر ذلك له، فقال: «رحم اللّه ابن عمر لقد وجد المسلمون نحوًا ممّا وجد، حتّى نزلت: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ، قال: كنت عند ابن عمر فقال: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية، فبكى، فدخلت على ابن عبّاسٍ، فذكرت له ذلك، فضحك ابن عبّاسٍ فقال: «يرحم اللّه ابن عمر، أوما يدري كيف أنزلت؟ إنّ هذه الآية حين أنزلت غمّت أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غمًّا شديدًا، وقالوا: يا رسول اللّه هلكنا فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «قولوا سمعنا وأطعنا»، فنسختها: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله} إلى قوله: {وعليها ما اكتسبت} فتجوّز لهم من حديث النّفس، وأخذوا بالأعمال».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسينٍ، عن الزّهريّ، عن سالمٍ، أنّ أباه، قرأ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} فدمعت عينه. فبلغ صنيعه ابن عبّاسٍ فقال: «يرحم اللّه أبا عبد الرّحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزلت، فنسختها الآية الّتي بعدها: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها}».
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، عن ادم بن ابن سليمان مولى خالد عن سعيد ابن جبير بمثله،
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: «لمّا نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قالوا: أنؤاخذ بما حدّثنا به أنفسنا ولم تعمل به جوارحنا؟ قال: فنزلت هذه الآية: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: ويقول: قد فعلت، قال: فأعطيت هذه الأمّة خواتيم سورة البقرة، لم تعطها الأمم قبلها».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا جابر بن نوحٍ، قال: حدّثنا إسماعيل، عن عامرٍ: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} قال: «فنسختها الآية بعدها قوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن الشّعبيّ: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} قال: «نسختها الآية الّتي بعدها: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها}»، وقوله: {وإن تبدوا} قال: «يحاسب بما أبدى من سرٍّ أو أخفى من سرٍّ، فنسختها الّتي بعدها».
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا سيّارٌ، عن الشّعبيّ، قال: «لمّا نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} قال: فكان فيها شدّةٌ حتّى نزلت هذه الآية الّتي بعدها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} قال: فنسخت ما كان قبلها».
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن ابن عونٍ، قال: ذكروا عند الشّعبيّ: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} حتّى بلغ: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} قال: فقال الشّعبيّ: «إلى هذا صار، رجعت إلى آخر الآية».
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قال: قال ابن مسعودٍ: «كانت المحاسبة قبل أن تنزل: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فلمّا نزلت نسخت الآية الّتي كانت قبلها».
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: حدّثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك يذكر عن ابن مسعودٍ، نحوه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ، قال: «نسخت {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه}، {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمّد بن كعبٍ، وسفيان، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، وعن إبراهيم بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، قالوا: «نسخت هذه الآية: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية».
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عكرمة، وعامرٍ، بمثله.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج، قال: حدّثنا حمّاد عن حميدٍ، عن الحسن، في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} إلى آخر الآية، قال: «نسختها: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، أنّه قال: «نسخت هذه الآية، يعني قوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} الآية الّتي كانت قبلها: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه}».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} قال: «نسختها قوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها}».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني ابن زيدٍ، قال: لمّا نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} إلى آخر الآية، اشتدّت على المسلمين، وشقّت مشقّةً شديدةً، فقالوا: يا رسول اللّه، لو وقع في أنفسنا شيءٌ لم نعمل به وأخذنا اللّه به؟ قال: «فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا»، قالوا: بل سمعنا وأطعنا يا رسول اللّه، قال: فنزل القرآن يفرّجها عنهم: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله} إلى قوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} قال: فصيّره إلى الأعمال، وترك ما يقع في القلوب.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن سيّارٍ أبي الحكم، عن الشّعبيّ، عن أبي عبيدة، عن عبد اللّه بن مسعودٍ في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} قال: «نسخت هذه الآية الّتي بعدها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} قال: «يوم نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسوست به أنفسهم وما عملوا، فشكوا ذلك إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: إن عمل أحدنا وإن لم يعمل أخذنا به، واللّه ما نملك الوسوسة، فنسخها اللّه بهذه الآية الّتي بعدها بقوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} فكان حديث النّفس ممّا لم تطيقوا».
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة، أنّ عائشة أمّ المؤمنين، رضي اللّه عنها قالت: «نسختها قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
وقال آخرون ممّن قال معنى ذلك: الإعلام من اللّه عزّ وجلّ عباده أنّه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم، وبما حدّثتهم به أنفسهم ممّا لم يعملوه، هذه الآية محكمةٌ غير منسوخةٍ، واللّه عزّ وجلّ محاسبٌ خلقه على ما عملوا من عملٍ وعلى ما لم يعملوه ممّا أصرّوه في أنفسهم ونووه وأرادوه، فيغفره للمؤمنين، ويؤاخذ به أهل الكفر والنّفاق.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} «فإنّها لم تنسخ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ إذا جمع الخلائق يوم القيامة، يقول اللّه عزّ وجلّ: إنّي أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم ممّا لم تطّلع عليه ملائكتي، فأمّا المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدّثوا به أنفسهم، وهو قوله: {يحاسبكم به اللّه} يقول: يخبركم، وأمّا أهل الشّكّ والرّيب، فيخبرهم بما أخفوا من التّكذيب، وهو قوله: {فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} وهو قوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} من الشّكّ والنّفاق».
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} «فذلك سرّ عملكم وعلانيته، يحاسبكم به اللّه، فليس من عبدٍ مؤمنٍ يسرّ في نفسه خيرًا ليعمل به، فإن عمل به كتبت له به عشر حسناتٍ، وإن هو لم يقدر له أن يعمل به كتبت له به حسنةٌ من أجل أنّه مؤمنٌ، واللّه يرضى سرّ المؤمنين وعلانيتهم، وإن كان سوءًا حدّث به نفسه اطّلع اللّه عليه وأخبره به يوم تبلى السّرائر، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه اللّه به حتّى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوز اللّه عنه، كما قال: {أولئك الّذين نتقبّل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيّئاتهم}».
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} الآية، قال: قال ابن عبّاسٍ: «إنّ اللّه يقول يوم القيامة: إنّ كتّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلاّ ما ظهر منها، فأمّا ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم، فأغفر لمن شئت، وأعذّب من شئت».
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا عليّ بن عاصمٍ، قال: أخبرنا بيانٌ، عن بشرٍ، عن قيس بن أبي حازمٍ، قال: «إذا كان يوم القيامة، قال اللّه عزّ وجلّ يسمع الخلائق: إنّما كان كتّابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم، فأمّا ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه، ولا يعلمونه، أنا اللّه أعلم بذلك كلّه منكم، فأغفر لمن شئت، وأعذّب من شئت».
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} كان ابن عبّاسٍ يقول: «إذا دعي النّاس للحساب، أخبرهم اللّه بما كانوا يسرّون في أنفسهم ممّا لم يعملوه، فيقول: إنّه كان لا يعزب عني شيءٌ، وإنّي مخبركم بما كنتم تسرّون من السّوء، ولم تكن حفظتكم عليكم مطّلعين عليه، فهذه المحاسبة».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، نحوه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} قال: «هي محكمةٌ لم ينسخها شيءٌ، يقول: يحاسبكم به اللّه، يقول: يعرّفه اللّه يوم القيامة أنّك أخفيت في صدرك كذا وكذا لا يؤاخذه».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عمرو بن عبيدٍ، عن الحسن، قال: «هي محكمةٌ لم تنسخ».
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} قال: «من الشّكّ واليقين».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللّه عزّ وجلّ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} يقول: «في اليقين والشّكّ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله
فتأويل هذه الآية على قول ابن عبّاسٍ الّذي رواه عليّ بن أبي طلحة: {وإن تبدوا ما في أنفسكم} من سيءٍ من الأعمال، فتظهروه بأبدانكم وجوارحكم، أو تخفوه فتسرّوه في أنفسكم، فلم يطّلع عليه أحدٌ من خلقي، أحاسبكم به، فأغفر كلّ ذلك لأهل الإيمان، وأعذّب أهل الشّرك والنّفاق في ديني.
وأمّا على الرّواية الّتي رواها عنه الضّحّاك من رواية عبيد بن سليمان عنه، وعلى ما قاله الرّبيع بن أنسٍ، فإنّ تأويلها: إن تظهروا ما في أنفسكم فتعملوه من المعاصي، أو تضمروا إرادته في أنفسكم، فتخفوه، يعلمكم به اللّه يوم القيامة، فيغفر لمن يشاء، ويعذّب من يشاء.
وأمّا قول مجاهدٍ فشبيهٌ معناه بمعنى قول ابن عبّاسٍ الّذي رواه عليّ بن أبي طلحة.
وقال آخرون ممّن قال: هذه الآية محكمةٌ وهي غير منسوخةٍ ووافقوا الّذين قالوا: معنى ذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ أعلم عباده به ما هو فاعلٌ بهم فيما أبدوا وأخفوا من أعمالهم، معناها أنّ اللّه محاسبٌ جميع خلقه بجميع ما أبدوا من سيّئ أعمالهم، وجميع ما أسرّوه، ومعاقبهم عليه، غير أنّ عقوبته إيّاهم على ما أخفوه ممّا لم يعملوه ما يحدث لهم في الدّنيا من المصائب، والأمور الّتي يحزنون عليها ويألمون لها.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} الآية، قال: كانت عائشة رضي اللّه عنها تقول: «من همّ بسيّئةٍ فلم يعملها أرسل اللّه عليه من الهمّ والحزن مثل الّذي همّ به من السّيّئة فلم يعملها، فكانت كفّارته».
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك يقول في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} قال: كانت عائشة تقول: «كلّ عبدٍ يهمّ بمعصيةٍ، أو يحدّث بها نفسه، حاسبه اللّه بها في الدّنيا، يخاف ويحزن ويهتمّ».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني أبو تميلة، عن عبيدٍ، عن الضّحّاك، قال: قالت عائشة في ذلك: «كلّ عبدٍ همّ بسوءٍ ومعصيةٍ، وحدّث نفسه به، حاسبه اللّه في الدّنيا، يخاف ويحزن ويشتدّ همّه، لا يناله من ذلك شيءٌ، كما همّ بالسّوء ولم يعمل منه شيئًا».
- حدّثنا الرّبيع، قال: حدّثنا أسد بن موسى، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيدٍ، عن أمّيه، أنّها سألت عائشة عن هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} و{من يعمل سوءًا يجز} به فقالت: ما سألني عنها أحدٌ مذ سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: «يا عائشة، هذه متابعة اللّه العبد بما يصيبه من الحمّى والنّكبة والشّوكة، حتّى البضاعة يضعها في كمّه فيفقدها فيرع لها، فيجدها في ضبنه حتّى إنّ المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التّبر الأحمر من الكير».
وأولى الأقوال الّتي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: إنّها محكمةٌ وليست بمنسوخةٍ، وذلك أنّ النّسخ لا يكون في حكمٍ إلاّ ينفيه بآخر له نافٍ من كلّ وجوهه، وليس في قوله جلّ وعزّ: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} نفي الحكم الّذي أعلم عباده بقوله: {أو تخفوه يحاسبكم به اللّه}؛ لأنّ المحاسبة ليست بموجبةٍ عقوبةً، ولا مؤاخذةً بما حوسب عليه العبد من ذنوبه، وقد أخبر اللّه عزّ وجلّ عن المجرمين أنّهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة، يقولون: {يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها} فأخبر أنّ كتبهم محصيةٌ عليهم صغائر أعمالهم وكبائرها، فلم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذّنوب وكبائرها بموجب إحصاؤها على أهل الإيمان باللّه ورسوله وأهل الطّاعة له، أن يكونوا بكلّ ما أحصته الكتب من الذّنوب معاقبين؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ وعدّهم العفو عن الصّغائر باجتنابهم الكبائر، فقال في تنزيله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم وندخلكم مدخلاً كريمًا}، فدلّك أنّ محاسبة اللّه عباده المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور الّتي أخفتها أنفسهم غير موجبةٍ لهم منه عقوبةً، بل محاسبته إيّاهم إن شاء اللّه عليها ليعرّفهم تفضّله عليهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الخبر الّذي:
- حدّثني به، أحمد بن المقدام، قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، عن قتادة، عن صفوان بن محرزٍ، عن ابن عمر، عن نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:«يدني اللّه عبده المؤمن يوم القيامة حتّى يضع عليه كنفه فيقرّره بسيّئاته يقول: هل تعرف؟ فيقول: نعم، فيقول: سترتها في الدّنيا وأغفرها اليوم، ثمّ يظهر له حسناته، فيقول: هاؤم اقرءوا كتابيه أو كما قال: وأمّا الكافر، فإنّه ينادي به على رءوس الأشهاد».
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، وهشامٍ، وحدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا هشامٌ، قالا جميعًا في حديثهما، عن قتادة، عن صفوان بن محرزٍ، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد اللّه بن عمر وهو يطوف إذ عرض له رجلٌ، فقال: يا ابن عمر أما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في النّجوى؟ فقال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «يدنو المؤمن من ربّه حتّى يضع عليه كنفه فيقرّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربّ اغرف مرّتين، حتّى إذا بلغ به ما شاء اللّه أن يبلغ قال: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأمّا الكفّار والمنافقون، فينادي بهم على رءوس الأشهاد {: هؤلاء الّذين كذبوا على ربّهم، ألا لعنة اللّه على الظّالمين }».
قال أبو جعفر إنّ اللّه يفعل بعبده المؤمن من تعريفه إيّاه سيّئات أعماله حتّى يعرّفه تفضّله عليه بعفوه له عنها، فكذلك فعله تعالى ذكره في محاسبته إيّاه بما أبداه من نفسه، وبما أخفاه من ذلك، ثمّ يغفر له كلّ ذنب بعد تعريفه تفضّله وتكرّمه عليه، فيستره عليه، وذلك هو المغفرة الّتي وعد اللّه عباده المؤمنين، فقال: {يغفر لمن يشاء}.
فإن قال قائلٌ: فإنّ قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ينبئ عن أنّ جميع الخلق غير مؤاخذين إلاّ بما كسبته أنفسهم من ذنبٍ، ولا مثابين إلاّ بما كسبته من خيرٍ، قيل: إنّ ذلك كذلك، وغير مؤاخذٍ العبد بشيءٍ من ذلك إلاّ بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله.
فإن قال: فإذا كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد اللّه عزّ وجلّ إيّانا على ما أخفته أنفسنا بقوله: {ويعذّب من يشاء} إن كان {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا من همٍّ بذنبٍ، أو إرادةٍ لمعصيةٍ، لم تكتسبه جوارحنا؟
قيل له: إنّ اللّه جلّ ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفو لهم عمّا هو أعظم ممّا همّ به أحدهم من المعاصي فلم يفعله وهو ما ذكرنا من وعده إيّاهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها، وإنّما الوعيد من اللّه عزّ وجلّ بقوله: {ويعذّب من يشاء} على ما أخفته نفوس الّذين كانت أنفسهم تخفي الشّكّ في اللّه، والمرية في وحدانيّته، أو في نبوّة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وما جاء به من عند اللّه، أو في المعاد والبعث من المنافقين، على نحو ما قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ، ومن قال بمثل قولهما أنّ تأويل قوله: {أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} على الشّكّ واليقين. غير أنّا نقول: إنّ المتوعّد بقوله: {ويعذّب من يشاء} هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشّكّ والمرية في اللّه، وفيما يكون الشّكّ فيه باللّه كفرًا، والموعود الغفران بقوله: {فيغفر لمن يشاء} هو الّذي أخفاؤه، وما يخفيه الهمّة بالتّقدّم على بعض ما نهاه اللّه عنه من الأمور الّتي كان جائزًا ابتداء تحليله وإباحته، فحرّمه على خلقه جلّ ثناؤه، أو على ترك بعض ما أمر اللّه بفعله ممّا كان جائزًا ابتداءً إباحة تركه، فأوجب فعله على خلقه، فإنّ الّذي يهمّ بذلك من المؤمنين إذا هو لم يصحّح همّه بما يهمّ به، ويحقّق ما أخفته نفسه من ذلك بالتّقّدّم عليه لم يكن مأخوذًا كما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: «من همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبت له حسنةً، ومن همّ بسيّئةٍ فلم يعملها لم تكتب عليه فهذا الّذي وصفنا هو الّذي يحاسب اللّه به مؤمني عباده ثمّ لا يعاقبهم عليه».
فأمّا من كان ما أخفته نفسه شكًّا في اللّه وارتيابًا في نبوّة أنبيائه، فذلك هو الهالك المخلّد في النّار، الّذي أوعده جلّ ثناؤه العذاب الأليم بقوله: {ويعذّب من يشاء}
فتأويل الآية إذًا: {وإن تبدوا ما في أنفسكم} أيّها النّاس، فتظهروه {أو تخفوه} فتنطوي عليه نفوسكم، {يحاسبكم به اللّه} فيعرّف مؤمنكم تفضّله بعفوه عنه، ومغفرته له، فيغفره له، ويعذّب منافقكم على شّكّه الّذي انطوت عليه نفسه في وحدانيّة خالقه ونبوّة أنبيائه). [جامع البيان: 5/ 131- 147] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ مّن رّسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: صدّق الرّسول، يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأقرّ {بما أنزل إليه} يعني بما أوحي إليه من ربّه من الكتاب، وما فيه من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووعيدٍ، وأمرٍ ونهي، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني الّتي حواها.
وذكر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا نزلت هذه الآية عليه قال: «يحقّ له».
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} وذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا نزلت هذه الآية قال: «ويحقّ له أن يؤمن».
وقد قيل: إنّها نزلت بعد قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}؛ لأنّ المؤمنين برسول اللّه من أصحابه، شقّ عليهم ما توعّدهم اللّه به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لعلّكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل»، فقالوا: بل نقول: سمعنا وأطعنا، فأنزل اللّه لذلك من قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقول أصحابه: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله} يقول: وصدّق المؤمنون أيضًا مع نبيّهم باللّه وملائكته وكتبه ورسله الآيتين، وقد ذكرنا قائلي ذلك قبل.
واختلف القرّاء في قراءة قوله: {وكتبه}، فقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة وبعض قرّاء أهل العراق: {وكتبه} على وجه جمع الكتاب على معنى: والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وجميع كتبه الّتي أنزلها على أنبيائه ورسوله
وقرأ ذلك جماعةٌ من قرّاء أهل الكوفة: وكتابه بمعنى: والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته، وبالقرآن الّذي أنزله على نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقد روي عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يقرأ ذلك وكتابه ويقول: الكتاب أكثر من الكتب، وكان ابن عبّاسٍ يوجّه تأويل ذلك إلى نحو قوله: {والعصر إنّ الإنسان لفي خسرٍ} [العصر] بمعنى جنس النّاس وجنس الكتاب، كما يقال: ما أكثر درهم فلانٍ وديناره، ويراد به جنس الدّراهم والدّنانير، وذلك وإن كان مذهبًا من المذاهب معروفًا، فإنّ الّذي هو أعجب إليّ من القراءة في ذلك أن يقرأ بلفظ الجمع؛ لأنّ الّذي قبله جمعٌ، والّذي بعده كذلك، أعنّي بذلك: {وملائكته وكتبه ورسله}، فإلحاق الكتب في الجمع لفظًا به أعجب إليّ من توحيده وإخراجه في اللّفظ به بلفظ الواحد، ليكون لاحقًا في اللّفظ والمعنى بلفظ ما قبله وما بعده، وبمعناه). [جامع البيان: 5/148 -149]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لا نفرّق بين أحدٍ من رسله}
وأمّا قوله: {لا نفرّق بين أحدٍ من رسله} فإنّه أخبر جلّ ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنّهم يقولون ذلك. ففي الكلام في قراءة من قرأ: {لا نفرّق بين أحدٍ من رسله} بالنّون متروكٌ قد استغنى بدلالة ما ذكر عنه، وذلك المتروك هو يقولون.
وتأويل الكلام: والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرّق بين أحدٍ من رسله، وترك ذكر يقولون لدلالة الكلام عليه، كما ترك ذكره في قوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كلّ بابٍ سلامٌ عليكم بما صبرتم} بمعنى: يقولون سلامٌ.
وقد قرأ ذلك جماعةٌ من المتقدّمين: لا يفرّق بين أحدٍ من رسله بالياء، بمعنى: والمؤمنون كلّهم آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرّق الكلّ منهم بين أحدٍ من رسله، فيؤمن ببعضٍ، ويكفر ببعضٍ، ولكنّهم يصدّقون بجميعهم، ويقرّون أنّ ما جاءوا به كان من عند اللّه، وأنّهم دعوا إلى اللّه وإلى طاعته، ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الّذين أقرّوا بموسى وكذّبوا عيسى، والنّصارى الّذين أقرّوا بموسى وعيسى وكذّبوا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وجحدوا نبوّته، ومن أشبههم من الأمم الّذين كذّبوا بعض رسل اللّه، وأقرّوا ببعضه.
- كما: حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {لا نفرّق بين أحدٍ من رسله} كما صنع القوم، يعني بني إسرائيل، قالوا: فلانٌ نبيّ، وفلانٌ ليس نبيًّا، وفلانٌ نؤمن به، وفلانٌ لا نؤمن به.
والقراءة الّتي لا نستجيز غيرها في ذلك عندنا بالنّون: {لا نفرّق بين أحدٍ من رسله} لأنّها القراءة الّتي قامت حجّةٌ بالنّقل المستفيض الّذي يمتنع معه التّشاعر والتّواطؤ والسّهو والغلط، يعني ما وصفنا من يقولون: لا نفرّق بين أحدٍ من رسله، ولا يعترض بشاذٍّ من القراءة على ما جاءت به الحجّة نقلاً وراثةً). [جامع البيان: 5/150- 151]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وقال الكلّ من المؤمنين: {سمعنا} قول ربّنا، وأمره إيّانا بما أمرنا به، ونهيه عمّا نهانا عنه، {وأطعنا} يعني أطعنا ربّنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلّمنا له:
وقوله: {غفرانك ربّنا} يعني: وقالوا: غفرانك ربّنا، بمعنى: اغفر لنا ربّنا غفرانك، كما يقال: سبحانك، بمعنى نسبّحك سبحانك.
وقد بيّنّا فيما مضى أنّ الغفران والمغفرة: السّتر من اللّه على ذنوب من غفر له، وصفحه له عن هتك ستره بها في الدّنيا والآخرة، وعفوه عن العقوبة عليه،
وأمّا قوله: {وإليك المصير} فإنّه يعني جلّ ثناؤه أنّهم قالوا: وإليك يا ربّنا مرجعنا ومعادنا فاغفر لنا ذنوبنا.
فإن قال لنا قائلٌ: فما الّذي نصب قوله: {غفرانك}؟
قيل له: وقوعه وهو مصدرٌ موقع الأمر، وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلّت محلّ الأمر، وأدّت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: شكرًا للّه يا فلان، وحمدًا له، بمعنى: أشكر اللّه وأحمده، والصّلاة الصّلاة: بمعنى صلّوا. ويقولون في الأسماء: اللّه اللّه يا قوم، ولو رفع بمعنى هو اللّه، أو هذا اللّه ووجّه إلى الخبر وفيه تأويل الآمر كان جائزًا، كما قال الشّاعر:

إنّ قومًا منهم عميرٌ وأشبا ....... ه عميرٍ ومنهم السّفّاح.
لجديرون بالوفاء إذا قا ....... ل أخو النّجدة السّلاح السّلاح

ولو كان قوله: {غفرانك ربّنا} جاء رفعًا في القراءة لم يكن خطأً، بل كان صوابًا على ما وصفنا.
وقد ذكر أنّ هذه الآية لمّا نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثناءً من اللّه عليه وعلى أمّته، قال له جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أحسن عليك وعلى أمّتك الثّناء، فسل ربّك».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن حكيم بن جابرٍ، قال: لمّا أنزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير} قال جبريل: «إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أحسن الثّناء عليك، وعلى أمّتك، فسل تعطه»، فسأل: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} إلى آخر السّورة. [جامع البيان: 5/151- 152]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نّسينا أو أخطأنا ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} فيتعبّدها إلاّ بما يسعها، فلا يضيّق عليها، ولا يجهدها، وقد بيّنّا فيما مضى قبل أنّ الوسع اسمٌ من قول القائل: وسعني هذا الأمر مثل: الجهد والوجد من جهدني هذا الأمر ووجدت منه.
- كما: حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} قال: «هم المؤمنون وسّع اللّه عليهم أمر دينهم، فقال اللّه جلّ ثناؤه: {وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} وقال: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، وقال: {اتّقوا اللّه ما استطعتم}».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن الزّهريّ، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ، قال: «لمّا نزلت ضجّ المؤمنون منها ضجّةً وقالوا: يا رسول اللّه هذا، نتوب من عمل اليد والرّجل واللّسان، كيف نتوب من الوسوسة؟ كيف نمتنع منها؟ فجاء جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم بهذه الآية: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} إنّكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} وسعها: «طاقتها، وكان حديث النّفس مما لم يطيقون».). [جامع البيان: 5/152- 153]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}
يعني بقوله جلّ ثناؤه لها: للنّفس الّتي أخبر أنّه لا يكلّفها إلاّ وسعها، يقول: لكلّ نفسٍ ما اجترحت وعملت من خيرٍ؛ وعليها: يعني وعلى كلّ نفسٍ ما اكتسبت: ما عملت من شرٍّ.
- كما: حدّثنا بشر بن يزيد، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: «{لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت} أي من خيرٍ {وعليها ما اكتسبت} أي من شرٍّ»، أو قال: «من سوءٍ».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {لها ما كسبت} يقول: «ما عملت من خيرٍ»، {وعليها ما اكتسبت} يقول: «وعليها ما عملت من شرٍّ».
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة، مثله.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن الزّهريّ عن عبد اللّه بن عبّاسٍ: «{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} عمل اليد والرّجل واللّسان».
فتأويل الآية إذًا: لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ ما يسعها، فلا يجهدها، ولا يضيّق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمّةٍ إن همّت، ولا بوسوسةٍ إن عرضت لها، ولا بخطرةٍ إن خطرت بقلبها.ولكنه يواخذها بما عملت فيعمدت وقصدت عمليه خير اوشرا). [جامع البيان: 5/154]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}
وهذا تعليمٌ من اللّه عزّ وجلّ عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه، وما يقولون في دعائهم إيّاه، ومعناه: قولوا: ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئًا فرضت علينا عمله فلم نعمله، أو أخطأنا في فعل شيءٍ نهيتنا عن فعله ففعلناه، على غير قصدٍ منّا إلى معصيتك، ولكن على جهالةٍ منّا به وخطأٍ.
- كما: حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} «إن نسينا شيئًا ممّا افترضته علينا، أو أخطأنا شيئًا ممّا حرّمته علينا».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: بلغني أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ تجاوز لهذه الأمّة على نسيانها وما حدّثت به أنفسها».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، قال: زعم السّدّيّ أنّ هذه، الآية حين نزلت: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال له جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم: «فعل ذلك يا محمّد».
- قال لنا قائلٌ: وهل يحوز أن يؤاخذ اللّه عزّ وجلّ عباده بما نسوا أو أخطئوا فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟
قيل: إنّ النّسيان على وجهين: أحدهما: على وجه التّضرّع من العبد والتّفريط؛ والآخر: على وجه عجز النّاسي عن حفظ ما استحفظ، ووكّل به وضعف عقله عن احتماله.
فأمّا الّذي يكون من العبد على وجه التّضييع منه والتّفريط، فهو تركٌ منه لما أمر بفعله، فذلك الّذي يرغب العبد إلى اللّه عزّ وجلّ في تركه مؤاخذته به، وهو النّسيان الّذي عاقب اللّه عزّ وجلّ به آدم صلوات اللّه عليه، فأخرجه من الجنّة، فقال في ذلك: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا}، وهو النّسيان الّذي قال جلّ ثناؤه: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} فرغبة العبد إلى اللّه عزّ وجلّ بقوله: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فيما كان من نسيانٍ منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الّذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطًا منه فيه وتضييعًا، كفرًا باللّه عزّ وجلّ فإنّ ذلك إذا كان كفرًا باللّه فإنّ الرّغبة إلى اللّه في تركه المؤاخذة به غير جائزةٍ؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أخبر عباده أنّه لا يغفر لهم الشّرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنّه لا يفعله خطأً، وإنّما تجوز مسألته المغفرة فيما كان مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه، وعن قراءته ومثل نسيانه صلاةٌ أو صيامًا، باشتغاله عنهما بغيرهما حتّى ضيّعهما.
وأمّا الّذي العبد به غير مؤاخذٍ لعجز بنيته عن حفظه، وقلّة احتمال عقله ما وكّل بمراعاته، فإنّ ذلك من العبد غير معصيةٍ، وهو به غير آثمٍ، فذلك الّذي لا وجه لمسألة العبد ربّه أن يغفره له؛ لأنّه مسألةٌ منه له أن يغفر له ما ليس له بذنبٍ، وذلك مثل الأمر يغلب عليه، وهو حريصٌ على تذكّره وحفظه، كالرّجل يحرص على حفظ القرآن بجدٍّ منه، فيقرؤه، ثمّ ينساه بغير تشاغلٍ منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه وقلّة احتمال عقله ذكر ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النّسيان، فإنّ ذلك ممّا لا يجوز مسألة الرّبّ مغفرته، لأنّه لا ذنب للعبد فيه، فيغفر له باكتسابه، وكذلك للخطأ وجهان: أحدهما من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصدٍ منه وإرادةٍ، فذلك خطأٌ منه وهو به مأخوذٌ، يقال منه: خطئ فلانٌ وأخطأ فيما أتى من الفعل، وأثم إذا أتى ما يتأثّم فيه وركبه، ومنه قول الشّاعر:

النّاس يلحون الأمير إذا هم ....... خطئوا الصّواب ولا يلام المرشد

يعني: أخطئوا الصّواب، وهذا الوجه الّذي يرغب العبد إلى ربّه في صفح ما كان منه من إثمٍ عنه، إلاّ ما كان من ذلك كفرًا،
والآخر منهما: ما كان عنه على وجه الجهل به والظّنّ منه بأنّ له فعله كالّذي في شهر رمضان ليلاً وهو يحسب أنّ الفجر لم يطلع، أو يؤخّر صلاةً في يوم غيمٍ وهو ينتظر بتأخيره إيّاها دخول وقتها فيخرج وقتها وهو يرى أنّ وقتها لم يدخل فإنّ ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد الّذي وضع اللّه عزّ وجلّ عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربّه أن يؤاخذه به.
وقد زعم قومٌ أنّ مسألة العبد ربّه أن لا يؤاخذه بما نسي أو أخطأ، إنّما هو فعلٌ منه لما أمره به ربّه تبارك وتعالى، أو لما ندبه إليه من التّذلّل له والخضوع بالمسألة، فأمّا على وجه مسألته الصّفح، فما لا وجه له عندهم.
وللبيان على هؤلاء كتابٌ سنأتي فيه إن شاء اللّه على ما فيه الكفاية لمن وفّق لفهمه.
القول في تأويل قوله تعالى: {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: قولوا: ربّنا لا تحمل علينا إصرًا: يعني بالإصر العهد، كما قال جلّ ثناؤه: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري}، وإنّما عنى بقوله: {ولا تحمل علينا إصرًا} ولا تحمل علينا عهدًا فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه {كما حملته على الّذين من قبلنا} يعني: على اليهود والنّصارى الّذين كلّفوا أعمالاً وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة، فعلّم اللّه عزّ وجلّ أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم الرّغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمالٍ أن ضيّعوها أو أخطئوا فيها أو نسوها مثل الّذي حمّل من قبلهم، فيحلّ بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إيّاه مثل الّذي أحلّ بمن قبلهم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {لا تحمل علينا إصرًا} قال: «لا تحمل علينا عهدًا وميثاقًا»، {كما حملته على الّذين من قبلنا} يقول: «كما غلّظ على من قبلنا».
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن موسى بن قيسٍ الحضرميّ، عن مجاهدٍ، في قوله: {ولا تحمل علينا إصرًا} قال: «عهدًا».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {إصرًا} قال: «عهدًا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثنا معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {إصرًا} يقول: «عهدًا».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} والإصر العهد الّذي كان على من قبلنا من اليهود».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {ولا تحمل علينا إصرًا} قال: «عهدًا لا نطيقه، ولا نستطيع القيام به {كما حملته على الّذين من قبلنا} اليهود والنّصارى فلم يقوموا به فأهلكتهم».
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك: {إصرًا} قال: «المواثيق».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: «الإصر: العهد» {وأخذتم على ذلكم إصري} قال: «عهدي».
- حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد فى قوله: {وأخذتم على ذلكم إصري}، قال: «عهدي».
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وأخذتم على ذلكم إصري}، قال: «عهدي».
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تحمل علينا ذنوبًا وإثمًا كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم، فتمسخنا قردةً وخنازير كما مسختهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني سعيد بن عمرٍو السّكونيّ، قال: حدّثنا بقيّة بن الوليد، عن عليّ بن هارون، عن ابن جريجٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، في قوله: {ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} قال: «لا تمسخنا قردةً وخنازير».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} «لا تحمل علينا ذنبًا ليس فيه توبةٌ ولا كفّارةٌ».
وقال آخرون: معنى الإصر بكسر الألف: الثّقل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} يقول: «التّشديد الّذي شدّدته على من قبلنا من أهل الكتاب».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سألته، يعني مالكًا، عن قوله: {ولا تحمل علينا إصرًا} قال: «الإصر: الأمر الغليظ».
فأمّا الأصر بفتح الألف: فهو ما عطف الرّجل على غيره من رحمٍ أو قرابةٍ، يقال: أصرتني رحمٌ بيني وبين فلانٍ عليه، بمعنى: عطّفتني عليه، وما يأصرني عليه: أي ما يعطفني عليه، وبيني وبينه أصر رحمٍ يأصرني عليه أصرًا: يعني به عاطفة رحمٍ تعطّفني عليه). [جامع البيان: 5/155- 161]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وقولوا أيضًا: ربّنا لا تكلّفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به لثقل حمله علينا.
وكذلك كانت جماعة أهل التّأويل يتأوّلونه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: «{ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} تشديدٌ يشدّد به كما شدّد على من كان قبلنا».
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، قوله: {ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال: « لا تحمّلنا من الأعمال ما لا نطيق».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} «لا تفترض علينا من الدّين ما لا طاقة لنا به، فنعجز عنه».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: «{ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} مسخ القردة والخنازير».
- حدّثني سلام بن سالمٍ الخزاعيّ، قال: حدّثنا أبو حفصٍ عمر بن سعيدٍ التّنوخيّ، قال: حدّثنا محمّد بن شعيب بن شابور، عن سلام بن سابور، في قوله: {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال: «الغلمة».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} من التّغليظ والأغلال الّتي كانت عليهم من التّحريم».
وإنّما قلنا: إنّ تأويل ذلك: ولا تكلّفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به على نحو الّذي قلنا في ذلك؛ لأنّه عقيب مسألة المؤمنين ربّهم أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، وأن لا يحمل عليهم إصرًا كما حمله على الّذين من قبلهم، فكان إلحاق ذلك بمعنى ما قبله من مسألتهم التّيسير في الدّين أولى ممّا خالف ذلك المعنى.
فان قائل: أو كان جائزا أن يكلفهم مالا طاقة لهم به فيسألوه ألا يكلفهم ذلك؟
قيل: إن تكليف ما لا يطاق على وجهين.
أحدهما ماليس فى بنية المكلف احتماله فذلك مالا يجوز تكليف الرب عبده بحال وذلك كتكليف الأعمى النظر وتكليف المقعد العدو فهذا النوع من التكليف هو الذى لايجوز أن يضاف إلى الله جل وعز، ولا تجوز مسألته صرفه وتخفيفه عنه؛ لأن ذلك مسألة من العبد ربه – إن سأله – ألا يفعل ماقد أعلمه أنه لايفعله به.
والوجه الثاني: مافي بنية المكلف احتماله، غير أنه يحتمله بمشقة شديدة وكلفة عظيمة، مخوف على مكلفه التضييع والتفريط؛ لغلط محنته عليه فيه، وذلك كتكليف قرض من أصاب جسده بول موضع البول الذي أصابه بمقراض، وكإقامة خمسين صلاة في اليوم والليلة، وما أشبه ذلك من الأعمال التي وإن كانت الأبدان لها محتملة؛ فإن الأغلب من أمرها خوف التضييع عليها والتقصير، فذلك هو الذي سأل المؤمنون ربهم ألا يحملهم، ورغبوا إليه في تخفيفه وتيسيره عليهم، لأن ذلك من الأمور التي لو أمر الله تعالى ذكره بها عباده وتعبدهم بها كان عدلا منه، وتخفيفه ذلك عنهم فضل منه تفضل به عليهم، ورحمة منه بهم، فرغب المؤمنون إلى ربهم فى تعطفه عليهم بفضله ورحمته، وإن كانت المنزلة الأخرى عدلا منه، إذ كان فى تفضله عليهم التخفيف، وفى عدله عليهم التشديد الذي لايؤمن معه هلاكهم). [جامع البيان: 5/161- 163]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واعف عنّا واغفر لنا}
وفي هذا أيضًا من قول اللّه عزّ وجلّ خبرٌ عن المؤمنين من مسألتهم إيّاه ذلك الدّلالة الواضحة أنّهم سألوه تيسير فرائضه عليهم بقوله: {ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} لأنّهم عقّبوا ذلك بقولهم: {واعف عنّا} مسألةً منهم ربّهم أن يعفو لهم عن تقصيرٍ إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضه، فيصفح لهم عنه، ولا يعاقبهم عليه وإن خفّ ما كلّفهم من فرائضه على أبدانهم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {واعف عنّا} قال: «اعف عنّا إن قصّرنا عن شيءٍ من أمرك ممّا أمرتنا به
وكذلك قوله: {واغفر لنا} يعني: واستر علينا زلّةً إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها».
وقد دلّلنا على معنى المغفرة فيما مضى قبل.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ : «{واغفر لنا} إن انتهكنا شيئًا ممّا نهيتنا عنه».). [جامع البيان: 5/164]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وارحمنا}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: تغمّدنا منك برحمةٍ تنجّينا بها من عقابك، فإنّه ليس بناجٍ من عقابك أحدٌ إلاّ برحمتك إيّاه دون عمله، وليست أعمالنا منجّيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفّقنا لما يرضيك عنّا.
- كما: حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وارحمنا} قال: «يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا نترك ما نهيتنا عنه إلاّ برحمتك، قال: ولم ينج أحدٌ إلا برحمتك».). [جامع البيان: 5/164 -165]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}.
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {أنت مولانا} أنت وليّنا بنصرك دون من عاداك وكفر بك، لأنّا مؤمنون بك ومطيعوك فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت وفيّ من أطاعك، وعدوّ من كفر بك فعصاك، فانصرنا لأنّا حزبك، على القوم الكافرين الّذي جحدوا وحدانيّتك، وعبدوا الآلهة والأنداد دونك، وأطاعوا في معصيتك الشّيطان.
والمولى في هذا الموضع المفعل من ولي فلانٌ أمر فلانٍ فهو يليه ولايةً، وهو وليّه ومولاه، وإنّما صارت الياء من ولي ألفًا لانفتاح اللاّم قبلها الّتي هي عين الاسم.
وقد ذكروا أنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا أنزل هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فتلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، استجاب اللّه له في ذلك كلّه.
ذكر الأخبار الّتي جاءت بذلك:
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، ومحمّد بن خلفٍ، قالا: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا ورقاء، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «لمّا نزلت هذه الآية: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} قال: قرأها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلمّا انتهى إلى قوله: {غفرانك ربّنا} قال اللّه عزّ وجلّ: قد غفرت لكم، فلمّا قرأ: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال اللّه عزّ وجلّ: لا أاواخذكم فلمّا قرأ {ولاتحمل علينا اصرا} قال جل ثناوه: لا أحمل عليكم فلما قرأ: {ولاتحملنا مالا طاقة لنا به}، قال الله عزوجل: لا أحملكم، فلما قرأ: {واعف عنا} قال الله عز وجل: قد عفوت عنكم، فلما قرأ: {واغفر لنا} قال اللّه تبارك وتعالى: قد غفرت لكم، فلمّا قرأ: {وارحمنا} قال اللّه عزّ وجلّ: قد رحمتكم، فلمّا قرأ: {فانصرنا على القوم الكافرين} قال اللّه عزّ وجلّ: قد نصرتكم عليهم».
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٍ، عن الضّحّاك، قال: « أتى جبريل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا محمّد قل: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فقالها، فقال جبريل: قد فعل، وقال له جبريل: قل {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} فقالها، فقال جبريل: قد فعل، فقال: قل {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} فقالها: فقال جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم: قد فعل، فقال: قل {واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} فقالها، فقال جبريل: قد فعل».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، قال: زعم السّدّيّ أنّ هذه الآية حين نزلت: «{ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فقال له جبريل: فعل ذلك يا محمّد {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} فقال له جبريل في كلّ ذلك: فعل ذلك يا محمّد».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا سفيان، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالدٍ، قال سمعت سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «أنزل اللّه عزّ وجلّ {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} إلى قوله: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فقرأ: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: فقال: قد فعلت، {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} فقال: قد فعلت، {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال: قد فعلت، {واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال: قد فعلت».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال حدّثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابتٍ، عن العلاء بن عبد الرّحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أنزل اللّه عزّ وجلّ {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «قال اللّه عزّ وجلّ: نعم »، {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا}الى آخر الأيه قال أبي: قال أبوهريرة: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل نعم».
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو احمدٍ، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبيرٍ: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: «يقول: قد فعلت قال: ويقول قد فعلت فأعطيت هذه الأمّة خواتيم سورة البقرة، ولم تعطها الأمم قبلها».
- حدّثنا عليّ بن حربٍ الموصليّ، قال: حدّثنا ابن فضيلٍ، قال: حدّثنا عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه عزّ وجلّ: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} إلى قوله: {غفرانك ربّنا} قال: «قد غفرت لكم»، {لا يكلّف اللّه نفسًا إلاّ وسعها} إلى قوله {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: «لا أؤاخذكم»، {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} قال: «لا أحمل عليكم»، إلى قوله {واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا} إلى آخر السّورة، قال: «قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم، ونصرتكم على القوم الكافرين».
وروي عن الضّحّاك بن مزاحمٍ أنّ إجابة اللّه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خاصّةٌ.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} «كان جبريل عليه السّلام يقول له: سلها، فسألها نبيّ اللّه ربّه جلّ ثناؤه، فأعطاه إيّاها، فكانت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خاصّةً».
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، أنّ معاذًا، كان إذا فرغ من هذه السّورة: {فانصرنا على القوم الكافرين} قال: «آمين».). [جامع البيان: 5/165 -169]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير (285)}
قوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربّه}
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، أبنا جرير، عن بيان، عن حكيم ابن جابرٍ، قال: لمّا أنزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} قال جبريل: «إنّ اللّه قد أحسن الثّناء عليك وعلى قومك. فسل. تعط».
فسأل اللّه {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها} إلى آخر الآية.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا يزيد بن زريعٍ ثنا سعيدٌ، ثنا قتادة، قوله: «{آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربه} ذكر لنا أنّه لمّا نزلت هذه الآية، قال: ويحقّ له أن يؤمن».). [تفسير القرآن العظيم: 1/575 - 576]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله}
- حدّثنا أبي ثنا يحيى بن المغيرة، أبنا جريرٌ، عن عطاء بن السّائب عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} إلى قوله: {وإليك المصير} قال: «كان ما قيل لهم، قولوا: آمنّا».
- قرأت على محمّد بن الفضل بن موسى، ثنا محمّد بن عليّ بن الحسين بن شقيقٍ، أبنا محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل ابن حيّان: «قوله:{آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله} فهذا قولٌ، قاله اللّه، وقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقول المؤمنين. فأثنى اللّه عليهم لمّا علم من إيمانهم باللّه وملائكته وكتبه ورسله».). [تفسير القرآن العظيم: 1/576]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {لا نفرّق بين أحدٍ من رسله}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان، في قول اللّه: {لا نفرّق بين أحدٍ من رسله}« لا نكفر بما جاءت به الرّسل، ولا نفرّق بين أحدٍ منهم، ولا نكذّب».
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا إبراهيم بن الحسن العلاف البصريّ، ثنا عبد الوارث، ثنا إسحاق بن سويدٍ، عن يحيى بن يعمر، أنّه كان يقرأ {كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله} يقول: «كلٌّ آمن، وكلٌّ لا يفرّق».). [تفسير القرآن العظيم: 1/576]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وقالوا سمعنا}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان، في قوله: {وقالوا سمعنا وأطعنا} «سمعنا للقرآن الّذي جاء من اللّه».). [تفسير القرآن العظيم: 1/576]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وأطعنا}
- وبه عن مقاتل بن حيّان: «قوله: {وأطعنا} أقرّوا بأن يطيعوه في أمره ونهيه».). [تفسير القرآن العظيم: 1/576]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {غفرانك ربّنا وإليك المصير}
- حدّثنا عليّ بن حربٍ الموصليّ، ثنا ابن فضيلٍ، عن عطاء بن السّائب عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه تعالى: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} إلى قوله: {غفرانك ربّنا} قال: «قد غفرت لكم».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان، في قول اللّه: {غفرانك ربّنا وإليك المصير} «تعليمٌ من اللّه. فهذا دعاءٌ دعا به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فاستجاب له».). [تفسير القرآن العظيم: 1/577]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({لا يكلّف اللّه نفسًا إلّا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286)}
قوله تعالى: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها}
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها} قال: «هم المؤمنون، وسّع اللّه عليهم أم دينهم فقال اللّه: {ما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} وقال: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم}».
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا مهران، عن سفيان {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها} قال: « في شأن النّفقة إلا ما استطاعت».
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن كثيرٍ، أبنا همّامٌ قال: سأل رجلٌ الحسن، وأنا أسمع، فقال رجلٌ: جعل على نفسه شيئًا، في نذرٍ وهو لا يجده، فقال الحسن: «لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها».). [تفسير القرآن العظيم: 1/577]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {إلا وسعها}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا محمود بن غيلان، ثنا عبدان بن عثمان بن جبلة، ثنا عبّاد بن العوّام، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن عامرٍ الشّعبيّ {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها}: «إلا ما عملت لها».
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن موسى بن عبيدة، عن خالد بن زيدٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها} قال: «فلم يكلّفوا من العمل ما لم يطيقوا». وروي عن ابن حيّان وأبي مالكٍ والسّدّيّ وقتادة وزيد بن أسلم، نحو ذلك.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا سهل بن عثمان، ابنا ابن المبارك، عن معمرٍ، أنّ عمر بن عبد العزيز كتب: «لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها مثله».
ومثله عن عطاءٍ في الرّجل، لا يجد ما ينفق على أهله، ليس لها إلا ما وجد.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا الحسن بن الزّبرقان، ثنا فضيل بن عياضٍ، عن سفيان الثّوريّ، في قوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها} قال: «أداء الفرائض».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 577 - 578]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لها ما كسبت}
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن وهب بن عطيّة الدّمشقيّ ثنا الوليد بن مسلمٍ، ثنا القاسم، بن هزّان الخولانيّ، حدّثني الزّهريّ حدّثنا سعيد بن مرجانة، قال: قال ابن عبّاسٍ: «فأنزل اللّه عزّ وجلّ: لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت من العمل».
- حدّثنا أبي، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن خالد بن زيدٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ: «لها ما كسبت من خيرٍ».
- حدّثنا أبي، ثنا عارمٌ، ثنا هشيمٌ، ثنا سيّار أبو الحكم، عن الشّعبيّ، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه: « في قول اللّه: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} الآية، نسختها الآية الّتي بعدها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».). [تفسير القرآن العظيم: 1/578]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: عليها ما اكتسبت من شرٍّ.
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن وهب بن عطيّة الدّمشقيّ، ثنا الوليد بن مسلمٍ، ثنا القاسم بن هزّان، حدّثني الزّهريّ، حدّثني سعيد بن مرجانة قال: قال ابن عبّاسٍ: «فأنزل اللّه وعليها ما اكتسبت من العمل».
- حدّثنا أبي، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن خالد بن زيدٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ: «وعليها ما اكتسبت».). [تفسير القرآن العظيم: 1/579]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}
- حدّثنا أبي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبو بكرٍ الهذليّ، عن شهرٍ عن أمّ الدّرداء، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عن ثلاثٍ، عن الخطأ والنّسيان والاستكراه». قال أبو بكرٍ: فذكرت ذلك للحسن فقال: أجلٌ، ما تقرأ بذلك قرآنًا؟ {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}.
- حدّثنا عليّ بن حربٍ الموصليّ، ثنا ابن فضيلٍ، عن عطاء بن السّائب عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} : «قال: لا أؤاخذكم».
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ الصّبّاح، ثنا عفّان، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نثا العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه عن أبي هريرة: «{ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: نعم».
- حدّثنا عليّ بن حربٍ، ثنا ابن فضيلٍ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} «قال: لا أؤاخذكم».). [تفسير القرآن العظيم: 1/579]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {ربّنا ولا تحمل علينا إصرا}
[الوجه الأول]
- حدّثنا عليّ بن حربٍ، ثنا ابن فضيلٍ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال ابن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه: {ولا تحمل علينا إصرًا} « قال: ولا أحمل عليكم».
وروي عن سعيد بن جبيرٍ، مثل ذلك.
- حدثنا بو زرعة، ثنا منجابٌ أبنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {ولا تحمل علينا إصرًا} قال: «عهدًا».
وروي عن مجاهدٍ والسّدّيّ، نحو ذلك.
وروي عن الحسن والضّحّاك ومقاتل بن حيّان، قالوا: «ميثاقًا».
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع، قوله: {ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا} يقول: «التّشديد الّذي شدّدته على من كان قبلكم من أهل الكتاب».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 579 - 580]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {كما حملته على الّذين من قبلنا}
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا عفّان، ثنا عبد الرحمن ابن إبراهيم، ثنا العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: «{ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} قال: نعم».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن فضيلٍ، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: قال أبو هريرة، لابن عبّاسٍ: «ما علينا من حرجٍ أن نزني أو نسرق؟»، قال: «بلى. ولكنّ الإصر الّذي على بني إسرائيل، وضع عنكم».
- حدّثنا أبي، ثنا أبو موسى عمران بن موسى الطّرسوسيّ، ثنا أبو يزيد فيض بن إسحاق الرّقّيّ، قال: قال الفضيل، في قوله: {ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} قال: «كان الرّجل من بني إسرائيل، إذا أذنب، قيل له: توبتك أن تقتل نفسك، فيقتل نفسه فوضعت الآصار عن هذه الأمّة».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا الوليد، ثنا بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان، «قوله: {كما حملته على الّذين من قبلنا }كما حملته على اليهود والنّصارى فأهلكتهم».). [تفسير القرآن العظيم: 1/580]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريعٍ، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: «{ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال: نعم».
وروى ابن عبّاسٍ والضّحّاك ومحمّد بن كعبٍ والسّدّيّ، قال: «يقول اللّه عزّ وجلّ: قد فعلت»، وقال سعيد بن جبيرٍ: «لا أحمله عليكم».
[الوجه الثّاني]
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا الوليد، ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان، في قول اللّه: {ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} «من العذاب، فتجعلنا كما جعلتهم قردةً وخنازير، وتعذّبنا كما عذّبتهم. فقال جبريل: قد فعل ذلك، واستجيب لكم».
وروي عن ابن جريجٍ نحو ذلك.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا عبد السّلام بن محمّدٍ الحضرميّ، ثنا الوليد بن مسلمٍ، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، في قوله: {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال: «الغربة والغلمة».
- حدّثنا أبي، ثنا عبد السّلام بن محمّدٍ الحضرميّ، ثنا الوليد بن مسلمٍ، ثنا ابن شعيبٍ، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحولٍ، قال: «الإنعاظ».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: زعم أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: {ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} «من التّغليظ والأغلال الّتي كانت عليهم من التّحريم».). [تفسير القرآن العظيم: 2/ 580 - 581]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {واعف عنا}
[الوجه الأول]
- حدّثنا عليّ بن حربٍ ثنا ابن فضيلٍ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه تعالى: {واعف عنّا} «قال: قد عفوت عنكم»، وروي عن أبي هريرة ومحمّد بن كعبٍ وسعيد بن جبيرٍ، نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد ثنا بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان، في قول اللّه: {واعف عنّا} قال: «عافنا من ذلك».). [تفسير القرآن العظيم: 2/581]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {واغفر لنا}
- حدّثنا عليّ بن حربٍ، ثنا ابن فضيلٍ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه: {واغفر لنا} «قال قد غفرت لكم». وروي عن أبي هريرة وسعيد بن جبيرٍ والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان، نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 2/582]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {وارحمنا أنت مولانا}
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن المنهال الضّرير، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: «فأنزل اللّه: {وارحمنا أنت مولانا} قال: نعم».
- حدّثنا أبي ثنا يحيى بن المغيرة، أبنا جريرٌ عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: {وارحمنا} «قال: قد رحمتكم».
وروي عن ابن عبّاسٍ وعطاءٍ الخراسانيّ ومقاتل بن حيّان والسّدّيّ، نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 2/582]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {فانصرنا على القوم الكافرين}
- حدّثنا عليّ بن حربٍ، ثنا ابن فضيلٍ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {فانصرنا على القوم الكافرين} «قال: قد نصرتم على القوم الكافرين». وروي عن أبي هريرة وسعيد بن جبيرٍ ومحمّد بن كعبٍ والضّحّاك، نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 2/582]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا يحيى بن محمّدٍ العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ وكيعٌ، ثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، قال: سمعت سعيد بن جبيرٍ، يحدّث، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: لمّا نزلت هذه الآية {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} [البقرة: 284] شقّ ذلك عليهم ما لم يشقّ عليهم مثل ذلك، فقال لهم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «قولوا سمعنا وأطعنا» فألقى اللّه الإيمان في قلوبهم فقالوا: سمعنا وأطعنا. فأنزل اللّه عزّ وجلّ {لا يكلّف اللّه نفسًا إلّا وسعها، لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت} إلى قوله تعالى {أو أخطأنا} قال: قد فعلت. إلى آخر البقرة. «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ). [المستدرك: 2/314] (م)
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أحمد بن كاملٍ القاضي، ببغداد، ثنا عبد اللّه بن روحٍ المدائنيّ، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ سفيان بن حسينٍ، عن الزّهريّ، عن سالمٍ، أنّ أباه، قرأ {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه، يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء، ويعذّب من يشاء} [البقرة: 284] فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عبّاسٍ فقال: « يرحم اللّه أبا عبد الرّحمن لقد صنع أصحاب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم حين نزلت فنسختها الآية الّتي بعدها {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ». «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ). [المستدرك: 2/315] (م)
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو النّضر محمّد بن محمّد بن يوسف الفقيه، ثنا معاذ بن نجدة القرشيّ، ثنا خلّاد بن يحيى، ثنا أبو عقيلٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أنسٍ رضي اللّه عنه، قال: لمّا نزلت هذه الآية على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وأحقّ له أن يؤمن» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/315]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) السديّ رحمه الله قال: حدثني من سمع علياً يقول: «لما نزلت هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}
أحزنتنا قال: قلنا، يحدّث أحدنا نفسه، فيحاسب به؟ لا يدري ما يغفر منه وما لا يغفر؟ فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها {لا يكلّف اللّه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}». أخرجه الترمذي). [جامع الأصول: 2/ 59 - 60] (م)
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (م) أبو هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله... الآية} [البقرة: 284] اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ بركوا على الرّكب، فقالوا: أي رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» [قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير] فلما اقترأها القوم، وذلّت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك: نسخها الله تعالى، فأنزل الله عزّ وجلّ: {لا يكلّف اللّه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: نعم {ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: نعم {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال: نعم {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال: نعم». أخرجه مسلم.
[شرح الغريب]
(اقترأها) بمعنى قرأها، وهو افتعل من القراءة). [جامع الأصول: 2/ 60 - 61] (م)
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (م ت) ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} دخل قلوبهم منها شيءٌ، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قولوا: سمعنا وأطعنا وسلّمنا»، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله عز وجل: {لا يكلّف اللّه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: قد فعلت: {واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا} قال: فعلت. أخرجه مسلم.
وفي رواية الترمذي مثله، وقال: فأنزل الله {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون... } الآية، وزاد فيه: {ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا}... الحديث.
[شرح الغريب]
(الإصر) : العهد والميثاق، وقيل: الحمل والثقل). [جامع الأصول: 2/ 61 - 62] (م)
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت د س) أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تعالى تجاوز لأمّتي ما حدّثث به أنفسها، ما لم يعملوا به أو يتكلّموا ». وفي رواية «ما وسوست به صدورها». أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
ولفظ أبي داود: «إنّ الله تجاوز لأمّتي ما لم تكلّم به أو تعمل به، وما حدّثت به أنفسها»). [جامع الأصول: 2/62] (م)
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {آمن الرّسول}
- عن حذيفة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم «كان يقول: أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش لم يعطها نبيٌّ قبلي».
رواه أحمد والطّبرانيّ في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصّحيح. قلت: وقد تقدّمت طرق هذا الحديث في أوّل السّورة). [مجمع الزوائد: 6/324]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أحمد بن منيع: ثنا يزيد، أبنا سفيان، عن الزّهريّ، عن سالم بن عبد اللّه "أن أباه قرأ: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ...} الآية فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عبّاسٍ فقال: «يرحم اللّه أبا عبد الرّحمن لقد صنع كما صنع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين نزلت فنسختها الآية الّتي بعدها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}».
هذا إسنادٌ صحيحٌ، روى مسلمٌ في صحيحه والتّرمذيّ والنّسائيّ منه ما قاله ابن عبّاسٍ دون ما قاله ابن عمر من طريق آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ به). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/187] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (285 - 286).
- أخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت{وإن تبدوا ما في أنفسكم} [البقرة الآية 284] الآية، شق ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله إنا لنحدث أنفسنا بشيء ما يسرنا أن يطلع عليه أحد من الخلائق وإن لنا كذا وكذا، قال: «أوقد لقيتم هذا ذلك صريح الإيمان»، فأنزل الله {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} الآيتين.
- وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طريق يحيى بن أبي كثير عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية على النّبيّ صلى الله عليه وسلم {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «وحق له أن يؤمن»، قال: الذهبي منقطع بين يحيى وأنس.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: «وحق له أن يؤمن»، قلت هذا شاهد لحديث أنس.
- وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن علي بن أبي طالب، أنه قرأ (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه وآمن المؤمنون).
- وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس، أنه كان يقرأ (كل آمن بالله وملائكته وكتابه)
- وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: « لما نزلت هذه الآية قال المؤمنون: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان: «{لا نفرق بين أحد من رسله} لا نكفر بما جاءت به الرسل ولا نفرق بين أحد منهم ولا نكذب به {وقالوا سمعنا} للقرآن الذي جاء من الله {وأطعنا} أقروا لله أن يطيعوه في أمره ونهيه».
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن يحيى بن عمير، أنه كان يقرأ (لا يفرق بين أحد من رسله) يقول: «كل آمن وكل لا يفرق».
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {غفرانك ربنا} «قال: قد غفرت لكم» {وإليك المصير} «قال: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب».
- وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر قال: لما نزلت {آمن الرسول} قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: « إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه»، فسأل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} حتى ختم السورة بمسألة محمد صلى الله عليه وسلم.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} قال: «هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم فقال {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج الآية 78] وقال {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة الآية 185] وقال {فاتقوا الله ما استطعتم}[التغابن الآية 19]».
- وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي، وابن ماجة عن عمران بن حصين قال: كانت لي بواسير فسألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} قال: «من العمل».
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق الزهري عن ابن عباس قال: لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة وقالوا: يا رسول الله؛ هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان كيف نتوب من الوسوسة كيف نمتنع منها، فجاء جبريل بهذه الآية {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} «إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {إلا وسعها} قال: «إلا طاقتها».
- وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {إلا وسعها} قال: «إلا ما تطيق».
- وأخرج سفيان والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم به».
- وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر عن أم الدرداء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث، عن الخطأ والنسيان والاستكراه»، قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن فقال: أجل أما تقرأ بذلك قرآنا {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}.
- وأخرج ابن ماجة، وابن المنذر، وابن حبان والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
- وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
- وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
- وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ».
- وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ».
- وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في التاريخ عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « رفع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه ».
- وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن الحسن عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « تجوز لهذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ».
- وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان والاكراه».
- وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تجاوز الله لابن آدم عما أخطأ وعما نسي وعما أكره وعما غلب عليه ».
- وأخرج ابن جرير عن السدي قال: «إن هذه الآية حين نزلت {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال له جبريل: إن الله قد فعل ذلك يا محمد ».
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إصرا} قال: « عهدا ».
- وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {ولا تحمل علينا إصرا} قال: « عهدا ».
- وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} قال: «عهدا كما حملته على اليهود فمسختهم قردة وخنازير»، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: «نعم أما سمعت أبا طالب وهو يقول:

أفي كل عام واحد وصحيفة ....... يشد بها أمر وثيق وأيصره».

- وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {ولا تحمل علينا إصرا} قال: «عهدا ألا نطيقه ولا نستطيع القيام به {كما حملته على الذين من قبلنا} اليهود والنصارى فلم يقوموا به فأهلكتهم {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: مسخ القردة والخنازير».
- وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} قال: «كم من تشديد كان على من كان قبلنا»، {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: «كم من تخفيف ويسر وعافية في هذه الأمة».
- وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح {ولا تحمل علينا إصرا} قال: « لا تمسخنا قردة وخنازير ».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {ولا تحمل علينا إصرا}يقول: « التشديد الذي شدد به على من كان من أهل الكتاب ».
- وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي، وابن ماجة عن عبد الرحمن بن حسنة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض ».
- وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: «كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم البول يتبعه بالمقراضين ».
- وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: دخلت على امرأة من اليهود فقالت: إن عذاب القبر من البول، قلت: كذبت، قالت: بلى، قالت: إنه ليقرض منه الجلد والثوب فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « صدقت ».
- وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: « لا تحمل علينا ذنبا ليس فيه توبة ولا كفارة ».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل في قوله {ولا تحمل علينا إصرا} قال: «كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب قيل له: توبتك أن تقتل نفسك فيقتل نفسه فوضعت الآصار عن هذه الأمة ».
- وأخرج ابن جرير عن الضحاك {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: « لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق ».
- وأخرج ابن جرير عن السدي: «{ما لا طاقة لنا به} من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم ».
- وأخرج ابن جرير عن سلام بن سابور {ما لا طاقة لنا به} قال: « الغلمة ».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول {ما لا طاقة لنا به} قال: « الغربة والغلمة والانعاظ ».
- وأخرج ابن جرير عن ابن زيد: «{واعف عنا} إن قصرنا عن شيء مما أمرتنا به {واغفر لنا} إن انتهكنا شيئا مما نهيتنا عنه {وارحمنا} يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به ولا ترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك، قال: ولم ينج أحد إلا برحمته».
- وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك قال: « جاء بها جبريل ومعه من الملائكة ما شاء الله {آمن الرسول} إلى قوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا} قال: ذلك لك وهكذا عقب كل كلمة ».
- وأخرج سفيان بن عيينة، وعبد بن حميد عن الضحاك قال: « أقرأ جبريل النّبيّ آخر سورة البقرة فلما حفظها قال: اقرأها، فقرأها فجعل كلما مر بحرف قال: ذلك لك حتى فرغ منها».
- وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: لما نزلت هذه الآيات {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فكلما قالها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « آمين رب العالمين ».
- وأخرج عبد بن حميد عن أبي ذر قال: « هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ».
- وأخرج ابن جرير عن الضحاك في هذه الآية قال: «كان عليه الصلاة والسلام فسألها نبي الله ربه فأعطاه إياها فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة».
- وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة: « إن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة: آمين ».
- وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر عن معاذ بن جبل، « أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة {وانصرنا على القوم الكافرين} قال: آمين ».
- وأخرج أبو عبيد عن جبير بن نغير، « أنه كان إذا قرأ خاتمة البقرة يقول: آمين آمين ».
- وأخرج ابن السني والبيهقي في الشعب عن حذيفة قال صليت خلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة البقرة فلما ختمها قال: « اللهم ربنا ولك الحمد » عشرا أو سبع مرات.
- وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وأحمد والدرامي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجة، وابن الضريس والبيهقي في "سننه" عن ابن مسعود عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ».
- وأخرج أبو عبيد والدرامي والترمذي والنسائي، وابن الضريس ومحمد بن نصر، وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ».
- وأخرج أحمد وأبو عبيد ومحمد بن نصر عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « اقرؤوا هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة فإن ربي أعطانيهما من تحت العرش ».
- وأخرج الطبراني عن عقبة بن عامر قال: « ترددوا في الآيتين من آخر سورة البقرة {آمن الرسول} إلى خاتمتها فإن الله اصطفى بها محمدا ».
- وأخرج أحمد والنسائي والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن حذيفة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: « أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي ».
- وأخرج إسحاق بن راهويه وأحمد والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي ».
- وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: « لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى فأعطي ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات ».
- وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء ».
- وأخرج أبو عبيد، وابن الضريس وجعفر الفريابي في الذكر عن محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر سورة البقرة: « إنهن قرآن وإنهن دعاء وإنهن يدخلن الجنة وإنهن يرضين الرحمن ».
- وأخرج الديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « آيتان هما قرآن وهما يشفيان وهما مما يحبهما الله الآيتان من آخر البقرة ».
- وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ».
- وأخرج مسدد عن عمر قال: « ما كنت أرى أحدا يعقل ينام حتى يقرأ الآيات الأواخر من سورة البقرة فإنهن من كنز تحت العرش ».
- وأخرج الدارمي ومحمد بن نصر، وابن الضريس، وابن مردويه عن علي قال: « ما كنت أرى أن أحدا يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث من آخر سورة البقرة وإنهن لمن كنز تحت العرش ».
- وأخرج الفريابي وأبو عبيد والطبراني ومحمد بن نصر عن ابن مسعود قال: « أنزلت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش ».
- وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: « من قرأ في ليلة آخر سورة البقرة فقد أكثر وأطاب ».
- وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه عن ابن مسعود قال: « من قرأ الثلاث الأواخر من سورة البقرة فقد أكثر وأطاب ».
- وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل ».
- وأخرج ابن الضريس عن ابن مسعود البدري قال: « من قرأ خاتمة سورة البقرة في ليلة أجزأت عنه قيام ليلة وقال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش »، وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس قال: « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الركعة الأولى {آمن الرسول} حتى ختمها وفي الثانية من آل عمران {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء} الآية ».
- وأخرج أبو عبيد عن كعب: « أن محمدا صلى الله عليه وسلم أعطي أربع آيات لم يعطهن موسى، وإن موسى أعطي آية لم يعطها محمد صلى الله عليه وسلم، قال: والآيات التي أعطيهن محمد {لله ما في السماوات وما في الأرض} حتى ختم البقرة فتلك ثلاث آيات وآية الكرسي حتى تنقضي، والآية التي أعطيها موسى اللهم لا تولج الشيطان في قلوبنا وخلصنا منه من أجل أن لك الملكوت والأيد والسلطان والملك والحمد والأرض والسماء والدهر الداهر أبدا أبدا آمين آمين».). [الدر المنثور: 3/ 421 - 437]

تفسير قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وسألت مالكا عن قول الله: {ولا تحمل علينا إصرا}، قال: « الإصر: الأمر الغليظ ».). [الجامع في علوم القرآن: 2/134]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): ({والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ}، وقال: {فعدتهن ثلاثة أشهرٍ}؛ فنسخ واستثنى منها، فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدةٍ تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا}؛
وقال: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}). [الجامع في علوم القرآن: 3/ 67 - 68] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (سمعت هشاما يحدث عن الحسن في قوله تعالى: {إن نسينا أو أخطأنا} قال: قال رسول الله: « تجوز الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه ».). [تفسير عبد الرزاق: 1/112]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: « بلغني أن الله تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به نفسها ».). [تفسير عبد الرزاق: 1/112]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لا تحمل علينا إصرا} قال: « لا تحمل علينا عهدا وميثاقا، {كما حملته على الذين من قبلنا} يقول :كما غلظ على الذين من قبلنا ».). [تفسير عبد الرزاق: 1/112]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه}
- أخبرنا محمود بن غيلان، أخبرنا وكيعٌ، حدّثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: " لمّا نزلت هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] دخل قلوبهم منها شيءٌ لم يدخله من شيءٍ، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: « قولوا سمعنا وأطعنا وسلّمنا »، فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله عزّ وجلّ {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون} الآية {لا يكلّف الله نفسًا إلّا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} قال: قد فعلت {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنّا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين} قال: قد فعلت "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/40] (م)


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 9 جمادى الأولى 1434هـ/20-03-2013م, 08:14 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 963
افتراضي

التفسير اللغوي


تفسير قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {غفرانك ربّنا...}
مصدر وقع في موضع أمر فنصب.
ومثله: الصلاة الصلاة.
وجميع الأسماء من المصادر وغيرها إذا نويت الأمر نصبت.
فأمّا الأسماء فقولك: اللّه اللّه يا قوم؛ ولو رفع على قولك: هو الله، فيكون خبرا وفيه تأويل الأمر لجاز؛ أنشدني بعضهم:

إن قوما منهم عمير وأشبا ....... ه عمير ومنهم السفّاح
لجديرون بالوفاء إذا قا ....... ل أخو النجدة السلاح السلاح

ومثله أن تقول: يا هؤلاء الليل فبادروا، أنت تريد: هذا الليل فبادروا. ومن نصب الليل أعمل فيه فعلا مضمرا قبله. ولو قيل: غفرانك ربّنا لجاز). [معاني القرآن: 1/188]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {غفرانك}: مغفرتك، أي اغفر لنا). [مجاز القرآن: 1/84]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({آمن الرّسول بما أنزل إليه من رّبّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ مّن رّسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير}
قال: {غفرانك ربّنا} جعله بدلا من اللفظ بالفعل كأنه قال: اغفر لنا غفرانك ربّنا" [و] مثله "سبحانك" إنما هو "تسبيحك" أي "نسبحك تسبيحك" وهو البراءة والتنزيه). [معاني القرآن: 1/158]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({لا نفرّق بين أحدٍ من رسله} [«أحد» في معنى جميع.
كأنه قال: لا نفرق بين رسله]، فنؤمن بواحد، ونكفر بواحد). [تفسير غريب القرآن: 100]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): ( {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير}
أي صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون.
{كلّ آمن باللّه} أي: صدق بالله وملائكته وكتبه.
- وقرأ ابن عباس - وكتابه وقرأته جماعة من القراء.
فأمّا كتب فجمع كتاب، مثل: مثال ومثل، وحمار وحمر.
وقيل لابن عباس في قراءته " وكتابه " فقال: «كتاب أكثر من كتب ». ذهب به إلى اسم الجنس كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس.
ومعنى {لا نفرّق بين أحد من رسله} أي: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب قبلنا. الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، نحو كفر اليهود
بعيسى، وكفر النصارى بغيره فأخبر عن المؤمنين أنهم يقولون {لا نفرّق بين أحد من رسله}.
وقوله عزّ وجلّ: {وقالوا سمعنا وأطعنا}أي: " سمعنا " سمع قابلين. و {أطعنا}: قبلنا ما سمعنا، لأن من سمع فلم يعمل قيل له أصم - كما قال جلّ وعزّ: (صمّ بكم عمي). ليس لأنهم لا يسمعون ولكنهم صاروا - في ترك القبول بمنزلة من لا يسمع قال الشاعر:

أصمّ عمّا ساءه سميع

ومعنى {غفرانك ربّنا وإليك المصير} أي: أغفر غفرانك، وفعلان، من أسماء المصادر نحو السّلوان والكفران.
ومعنى {وإليك المصير}أي: نحن مقرون بالبعث). [معاني القرآن: 1/368-369]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله}أي: كلهم آمن بالله.
وقرأ ابن عباس(وكتابه) وقال: «كتاب أكثر من كتب». يذهب إلى انه اسم للجنس
وقوله جل وعز: {لا نفرق بين أحد من رسله}
روي عن ابن مسعود وابن عباس ويحيى بن يعمر أنهم قرءوا (لا يفرق) بمعنى كل لا يفرق أي لا يفرق الرسول والمؤمنون بين أحد من رسله
ومن قرأ بالنون: فالمعنى عنده قالوا لا نفرق بين أحد من رسله أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويدل على النون ربنا.
ثم قال تعالى: {وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} ومعنى: غفرانك اغفر لنا غفرانا). [معاني القرآن: 1/330-331]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ):(سمعنا): قولك.
{وأطعنا}: أمرك). [ياقوتة الصراط:176-177]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({لا نفرق بين أحد} أحد بمعنى الجمع، ليست بمعنى واحد). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 46]

تفسير قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها}.
الوسع اسم في مثل معنى الوجد والجهد.
ومن قال في مثل الوجد: الوجد، وفي مثل الجهد: الجهد قال في مثله من الكلام: "لا يكلف الله نفسا إلاّ وسعها".
ولو قيل: وسعها لكان جائزا، ولم نسمعه). [معاني القرآن: 1/188]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت:207هـ): (وقوله: {ربّنا ولا تحمل علينا إصراً} والإصر: العهد كذلك، قال في آل عمران {وأخذتم على ذلكم إصري} والإصر هاهنا: الإثم إثم العقد إذا ضيّعوا، كما شدّد على بني إسرائيل.
وقد قرأت القرّاء {فأذنوا بحربٍ من الله} يقول: فاعلموا أنتم به.
وقرأ قوم: فآذنوا أي فأعلموا.
وقال ابن عباس: «فإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة». وقال: «قد يوجد الكاتب ولا توجد الصحيفة ولا الدواة».). [معاني القرآن: 1/189]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {إصراً}الإصر: الثّقل وكلّ شيء عطفك على شيء من عهدٍ، أو رحم فقد أصرك عليه، وهو الأصر مفتوحة، فمن ذلك قولك: ليس بيني وبينك آصرة رحمٍ تأصرني عليك، وما يأصرني عليك حقٌ: ما يعطفني عليك؛ وقال الأبيرد في قوله عزّت قدرته: {فصرهنّ إليك}

فما تقبل الأحياء من حب خندفٍ ....... ولكن أطراف العوالي تصورها
أي: تضمّها إلينا.

ولو أن أمّ الناس حوّاء حاربت ....... تميم بن مرٍّ لم تجد من تجيرها

). [مجاز القرآن: 1/84-85]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({لا تحمل علينا إصرا}الإصر: الثقل وكل شيء عطفك من عهد أو رحم فقد أصرك). [غريب القرآن وتفسيره: 100]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({وسعها}: طاقتها.
الإصر: الثّقل أي لا تثقل علينا من الفرائض، ما ثقلته على بني إسرائيل.
{أنت مولانا}أي: وليّنا). [تفسير غريب القرآن: 100]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربّنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}
{لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها}أي: إلا قدر طاقتها، لا يكلفها فرضا من فروضه من صوم أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك إلا بمقدار طاقتها.
ومعنى {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}أي: لا يؤاخذ أحدا - بذنب غيره - كما قال - جلّ وعزّ: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
ومعنى (ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قيل فيه قولان:
1- قال بعضهم إنه على ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - « عفي لهذه الأمة عن نسيانها وما حدّثت به أنفسها ».
2- وقيل: (إن نسينا أو أخطأنا) أي: إن تركنا.
و (أو أخطانا) أي: كسبنا خطيئة واللّه أعلم.
إلا أن هذا الدعاء أخبر اللّه به عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وجعله في كتابه نيكون دعاء من يأتي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رحمهم اللّه.
وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اللّه - جلّ وعزّ - قال في كل فصل من هذا الدعاء [فعلت فعلت] أي استجبت.
فهو من الدعاء الذي ينبغي أن يحفظ وأن يدعى به كثيرا.
وقوله جلّ وعزّ: (ربّنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الّذين من قبلنا).
كل عقد من قرابة أو عهد فهو إصر، العرب تقول: ما تأصرني على فلان آصرة. أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة قال الحطيئة:

عطفوا عليّ بغير آصرة ....... فقد عظم الأواصر

أي: عطفوا على بغير عهد قرابة، والمأصر من هذا مأخوذ إنما هو عقد ليحبس به، ويقال للشيء الذي تعقد به الأشياء الإصار.
فالمعنى: لا تحمل علينا أمرا يثقل كما حملته على الذين من قبلنا نحو ما أمر به بنو إسرائيل من قتل أنفسهم، أي لا تمتحنا بما يثقل.
(أيضا) نحو قوله: {ولولا أن يكون النّاس أمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرّحمن لبيوتهم سقفا من فضّة} والمعنى: لا تمتحنا بمحنة تثقل.
ومعنى {ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به}أي: ما يثقل علينا، فإن قال قائل - فهل يجوز أن يحمّل اللّه أحدا ما لا يطيق؟
قيل له: إد أردت ما ليس في قدرته ألبتّة فهذا محال.
وإن أردت ما يثقل ويخسف فللّه عزّ وجلّ أن يفعل من ذلك ما أحب.
لأن الذي كلفه بني إسرائيل من قتل أنفسهم (يثقل)، وهذا كقول القائل: ما أطيق كلام فلان، فليس المعنى ليس في قدرتي أن كلّمه ولكن معناه في اللغة أنه يثقل عليّ.
ومعنى (فانصرنا على القوم الكافرين) أي: أنصرنا عليهم في إقامة الحجة عليهم، وفي غلبنا إياهم في حربهم وسائر أمرهم، حتى تظهر ديننا على الدّين كلّه كما وعدتنا). [معاني القرآن: 1/369-371]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}
وسمعها أي: طاقتها أي لا يكلفها فرضا من الفروض لا تطيقه
{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}
قال محمد بن كعب: « لها ما كسبت من الخير وعليها ما اكتسبت من الشر».
وقال غيره: معناه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد.
وقوله جل وعز: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}
قال قطرب: النسيان ههنا الترك كقول الرجل للرجل لا تنسني من عطيتك أي تتركني منها.
قال: أو أخطانا أي خطئنا وأذنبنا ليس على الخطأ.
قال أبو جعفر: الذي قال قطرب في نسينا معروف في اللغة قال عز وجل: {نسوا الله فنسيهم}.
وقد يجوز أن يكون من النسيان لأن النسيان قد يكون سببه الإقبال على ما لا يحل حتى يقع النسيان.
والذي قال في أخطأنا لا يعرفه أهل اللغة لأنه إنما يقال خطينا أي تعمدنا الذنب وأخطأنا إذا لم نتعمده فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر ولا يكون معنى أخطأنا دخلنا في الخطيئة كما يقال أظلمنا وأصبحنا وأنجدنا
وقوله جل وعز: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا}
قال مجاهد: « الإصر العهد ».
قال سعيد بن جبير:« الإصر شدة العمل وما غلظ على بني إسرائيل من البول ونحوه ».
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به ».
قال الضحاك:«كانوا يحملون أمورا شدادا ».
قال مالك: « الإصر الأمر الغليظ ».
قال أبو عبيدة: الإصر الثقل.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد أي لا تأخذ عهدنا بما لا نقوم به إلا بثقل؛ أي لا تحمل علينا إثم العهد كما قال تعالى: {وأخذتم على ذلكم إصري} وما أمروا به فهو بمنزلة ما أخذ عهدهم به ومعنى ما تأصرني على فلان آصرة أي ما يعطفني عليه عهد ولا قرابة.
وقوله جل وعز: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} معنى: ما لا طاقة لنا به ما يثقل نحو لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة كما يقال لا أطيق مجالسة فلان أي ذلك يثقل علي.
والإصر ثقل العهد والفرض وما لا طاقة لنا به ما يقل بالإضافة وقد يجوز أن يخف على غيرنا.
ثم قال جل وعز: {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}
{واعف عنا} أي: امح عنا ذنوبنا والعافي الدارس الممحي والعافية دروس البلاء.
{واغفر لنا}أي: غط على عقوبتنا واسترها.
وقيل، أي: امح عنا ذنوبنا.
{أنت مولانا}أي: ولينا وناصرنا وقال لبيد:

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ....... مولى المخافة خلفها وأمامها

). [معاني القرآن: 1/331-336]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ( (الإصر) الثقل.
{أنت مولانا} ولينا). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 46]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ( الإِصْــر: الثقــــل). [العمدة في غريب القرآن: 95]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 3 جمادى الآخرة 1434هـ/13-04-2013م, 12:36 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 963
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) }

تفسير قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) }
قال أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت:215هـ): (وتقول: خطئت من الخطيئة أخطأ خطأ وأخطأت إخطاء والاسم الخطأ). [كتاب الهمز: 19]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (أبو عمرو: ..... وقال: الإصر الذنب). [الغريب المصنف: 3/667]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (


يسدون أبواب القباب بضمر ....... إلى عنن مستوثقات الأواصر


جعل يسدون حالًا أي فإنهم في ذلك الموضع في هذه الحال، يريد أنهم أصحاب خيل يحبسونها بأفنيتهم، وفي بيوتهم، ولا يتركونها ترود، يفعلون ذلك من عزها عليهم، والعنن جمع عنة، وهي حظيرة من شجر تجعل فيها الخيل لتقيها البرد، ويقال لما فيها معنى، قال الشاعر:


قطعت الدهر كالسدم المعنى ....... تـهــدر فـــي دمـشــق ومـــا تــريــم


والأواصر: الأواخي، وهي الأواري أيضًا والآري ما يحبس به الدابة، وقوله: إلى عنن، أي: مع عنن، هذا تفسير أبي عكرمة، وقال أحمد قوله: إلى عنن، أي فيها إبل تسقى الخيل ألبانها، وواحد الأواصر آصرة، وأنشد أحمد:


لها في الصيف آصرة وجل ....... وســـت مـــن كرائـمـهـا غـــزار


ويقال قطعت آصرة ما بيني وبينه من القرابة والإخاء وجمعها الأواصر، ويقال أصرته الرحم إلي وعلي فهي تأصره أصرًا إذا عطفته الرحم إليك وعليك بالصلة والأصر الحبس بالفتح، والإصر العهد بالكسر ومنه قول الله عز وجل: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم أصري}، أي: عهدي، وأما قول الله عز وجل: {ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا} فإن الأصر ههنا إثم العهد إذا ضيعوا العهد، ولم يقوموا به، ونزعوا حقه). [شرح المفضليات: 34] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (


أجود على الأباعد باجتداء ....... ولم أحرم ذوي قربى وإصر


الإصر: العهد وهو أيضًا الثقل من قوله تعالى: {ولا تحمل علينا إصرا} ). [شرح المفضليات: 639]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20 جمادى الأولى 1435هـ/21-03-2014م, 11:33 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,331
افتراضي

قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت: 911هـ): (وأخرج أبو داود وغيره عن وائل بن حجر: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {ولا الضالين} فقال: ((آمين)) يمد بها صوته).
وأخرجه الطبراني بلفظ: (قال: ((آمين)) ثلاث مرات)، وأخرجه البيهقي بلفظ (قال: ((رب اغفر لي، آمين)) ).
وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة (أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة ((آمين)) )

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 05:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 22,279
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 05:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 22,279
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 05:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 22,279
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 05:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 22,279
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير (285)}
سبب هذه الآية أنه لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه الآية التي قبلها. وأشفق منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ثم تقرر الأمر على أن قالوا سمعنا وأطعنا، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء إذ قالوا سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله عاذنا الله من نقمه، وآمن معناه صدق، والرّسول محمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل إليه من ربّه هو القرآن وسائر ما أوحي إليه، من جملة ذلك هذه الآية التي تأولوها شديدة الحكم، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه قال: «ويحق له أن يؤمن»، وقرأ ابن مسعود «وآمن المؤمنون»، وكلٌّ لفظة تصلح للإحاطة، وقد تستعمل غير محيطة على جهة التشبيه بالإحاطة والقرينة تبين ذلك في كل كلام، ولما وردت هنا بعد قوله والمؤمنون دل ذلك على إحاطتها بمن ذكر.
والإيمان بالله هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه.
والإيمان بملائكته هو اعتقادهم عبادا لله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم.
والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما أخبر هو به، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر «وكتبه» على الجمع، وقرؤوا في التحريم و «كتابه» على التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم «وكتبه» على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي «وكتابه» على التوحيد فيهما، وروى حفص عن عاصم هاهنا وفي التحريم «وكتبه» مثل أبي عمرو، وروى خارجة عن نافع مثل ذلك، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله تعالى، هذا قول بعضهم وقد وجهه أبو علي وهو كما قالوا: نسج اليمن، وقال أبو علي في صدر كلامه: «أما الإفراد في قول من قرأ «وكتابه» فليس كما تفرد المصادر وإن أريد بها الكثير، كقوله تعالى: {وادعوا ثبوراً كثيراً} [الفرقان: 14] ونحو ذلك، ولكن كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة، كقولهم: كثر الدينار والدرهم ونحو ذلك، فإن قلت هذه الأسماء التي يراد بها الكثرة إنما تجيء مفردة وهذه مضافة، قيل وقد جاء في المضاف ما يعني به الكثرة ففي التنزيل: {وإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها} [إبراهيم: 34] وفي الحديث: «منعت العراق درهمها وقفيزها»، فهذا يراد به الكثير كما يراد بما فيه لام التعريف، ومنه قول ابن الرقاع:
يدع الحيّ بالعشيّ رعاها = وهم عن رغيفهم أغنياء
ومجيء أسماء الأجناس معرفة بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة، وقرأت الجماعة «ورسله» بضم السين، وكذلك «رسلنا» و «رسلكم» و «رسلك» إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف «رسلنا» و «رسلكم»، وروي عنه في «رسلك» التثقيل والتخفيف، قال أبو علي من قرأ «على رسلك» بالتثقيل فذلك أصل الكلمة، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد مثل عنق وطنب، فإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، وقرأ يحيى بن يعمر «وكتبه ورسله» بسكون التاء والسين، وقرأ ابن مسعود «وكتابه ولقائه ورسله»، وقرأ جمهور الناس «لا نفرق» بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق، وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وأبو زرعة بن عمر بن جرير ويعقوب «لا يفرق» بالياء، وهذا على لفظ كلٌّ، قال هارون وهي في حرف ابن مسعود «لا يفرقون»، ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
وقوله تعالى: {وقالوا سمعنا وأطعنا} مدح يقتضي الحض على هذه المقالة وأن يكون المؤمن يمتثلها غابر الدهر، والطاعة قبول الأوامر، وغفرانك مصدر كالكفران والخسران، ونصبه على جهة نصب المصادر، والعامل فيه فعل مقدر، قال الزجّاج تقديره اغفر غفرانك، وقال غيره نطلب ونسأل غفرانك، وإليك المصير إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية: «قال له جبريل: يا محمد إن الله قد أجل الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل إلى آخر السورة» ) . [المحرر الوجيز: 2/ 135-138]

تفسير قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286)}
قوله تعالى: {لا يكلّف اللّه نفساً إلّا وسعها} خبر جزم نص على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلوب والجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، وتأول من ينكر جواز تكليف ما لا يطاق هذه الآية بمعنى أنه لا يكلف ولا كلف وليس ذلك بنص في الآية ولا أيضا يدفعه اللفظ، ولذلك ساغ الخلاف.
وهذا المعنى الذي ذكرناه في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] وقوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ} [الحج: 78] وقوله: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم} [التغابن: 16].
واختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا الآن في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه، فقال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ولا يحرم ذلك شيئا من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة حسب الحديث».
واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فقالت فرقة وقع في نازلة أبي لهب لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، وتكليف الشرع له الإيمان راتب، فكأنه كلف أن يؤمن وأن يكون في إيمانه أنه لا يؤمن لأنه إذا آمن فلا محالة أنه يؤمن بسورة {تبّت يدا أبي لهبٍ} [المسد: 1]، وقالت فرقة لم يقع قط، وقوله تعالى: {سيصلى ناراً} [المسد: 3] إنما معناه إن وافى على كفره.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وما لا يطاق ينقسم أقساما: فمنه المحال عقلا كالجمع بين الضدين، ومنه المحال عادة، كرفع الإنسان جبلا، ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك كالاحتراق بالنار ونحوه، ومنه ما لا يطاق للاشتغال بغيره، وهذا إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير»، ويكلّف يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف تقديره «عبادة» أو شيئا، وقرأ ابن أبي عبلة «إلا وسعها» بفتح الواو وكسر السين، وهذا فيه تجوز لأنه مقلوب، وكان وجه اللفظ إلا وسعته، كما قال: {وسع كرسيّه السّماوات والأرض} [البقرة: 255] وكما قال: {وسع كلّ شيءٍ علماً} [طه: 98] ولكن يجيء هذا من باب أدخلت القلنسوة في رأسي، وفمي في الحجر.
وقوله تعالى: «{لها ما كسبت} يريد من الحسنات، {وعليها ما اكتسبت} يريد من السيئات»، قاله السدي وجماعة من المفسرين، لا خلاف في ذلك، والخواطر ونحوها ليس من كسب الإنسان. وجاءت العبارة في الحسنات ب لها من حيث هي مما يفرح الإنسان بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئات ب عليها، من حيث هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة. وهذا كما تقول لي مال وعلي دين، وكما قال المتصدق باللقطة: اللهم عن فلان فإن أبى فلي وعليّ، وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام. كما قال: {فمهّل الكافرين أمهلهم رويداً} [الطلاق: 17] هذا وجه، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى، وقال المهدوي وغيره: «وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد». قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وهذا صحيح في نفسه، لكن من غير هذه الآية».
وقوله تعالى: {ربّنا لا تؤاخذنا} معناه قولوا في دعائكم. واختلف الناس في معنى قوله: {نسينا أو أخطأنا} فذهب الطبري وغيره إلى أنه النسيان بمعنى الترك، أي إن تركنا شيئا من طاعتك وأنه الخطأ المقصود. قالوا وأما النسيان الذي يغلب المرء والخطأ الذي هو عن اجتهاد فهو موضوع عن المرء، فليس بمأمور في الدعاء بأن لا يؤاخذ به، وذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب والخطأ غير المقصود، وهذا هو الصحيح عندي. قال قتادة في تفسير الآية: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطأها»، وقال السدي: «لما نزلت هذه الآية فقالوها قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد فعل الله ذلك يا محمد».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «فظاهر قوليهما ما صححته، وذلك أن المؤمنين لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى: {يحاسبكم به اللّه} [البقرة: 284] أمروا بالدعاء في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه، وذلك في النسيان والخطأ»، «والإصر» الثقل وما لا يطاق على أتم أنواعه، وهذه الآية على هذا القول تقضي بجواز تكليف ما لا يطاق، ولذلك أمر المؤمنون بالدعاء في أن لا يقع هذا الجائز الصعب. ومذهب الطبري والزجاج أن تكليف ما لا يطاق غير جائز، فالنسيان عندهم المتروك من الطاعات. والخطأ هو المقصود من العصيان، والإصر هي العبادات الثقيلة كتكاليف بني إسرائيل من قتل أنفسهم وقرض أبدانهم ومعاقباتهم على معاصيهم في أبدانهم حسبما كان يكتب على أبوابهم وتحميلهم العهود الصعبة. وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز، كما تقول لا طاقة لي على خصومة فلان، ولغير ذلك من الأمر تستصعبه وإن كنت في الحقيقة تطيقه أو يكون ذلك ما لا طاقة لنا به من حيث هو مهلك لنا كعذاب جهنم وغيره. وأما لفظة «أخطأ» فقد تجيء في القصد ومع الاجتهاد، قال قتادة: «الإصر العهد والميثاق الغليظ». وقاله مجاهد وابن عباس والسدي وابن جريج والربيع وابن زيد وقال عطاء: «الإصر المسخ قردة وخنازير». وقال ابن زيد أيضا: «الإصر الذنب لا كفارة فيه ولا توبة منه». وقال مالك رحمه الله: الإصر: «الأمر الغليظ الصعب».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «والإصرة في اللغة الأمر الرابط من ذمام أو قرابة أو عهد ونحوه، فهذه العبارات كلها تنحو نحوه»، والإصار الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها، والقد يضم عضدي الرجل يقال أصر يأصر أصرا والإصر بكسر الهمزة من ذلك، وفي هذا نظر. وروي عن عاصم أنه قرأ أصرا بضم الهمزة، ولا خلاف أن الذين من قبلنا يراد به اليهود. قال الضحاك: «والنصارى» ، وأما عبارات المفسرين في قوله: {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} فقال قتادة: «لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا». وقال الضحاك: «لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق»، وقال نحوه ابن زيد، وقال ابن جريج: «لا تمسخنا قردة وخنازير»، وقال سلام بن سابور: «الذي لا طاقة لنا به الغلمة»، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء وعن مكحول وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: «وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة»، وقال السدي: «هو التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل من التحريم»، ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله: {واعف عنّا} أي فيما واقعناه وانكشف واغفر لنا أي استر علينا ما علمت منا وارحمنا أي تفضل مبتدئا برحمة منك لنا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «فهي مناح للدعاء متباينة وإن كان الغرض المراد بكل واحد منها واحدا وهو دخول الجنة»، و{أنت مولانا} مدح في ضمنه تقرب إليه وشكر على نعمه، ومولى هو من ولي فهو مفعل أي موضع الولاية، ثم ختمت الدعوة بطلب النصر على الكافرين الذي هو ملاك قيام الشرع وعلو الكلمة ووجود السبيل إلى أنواع الطاعات.
وروي أن جبريل عليه السلام أتى محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: «قل ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فقالها فقال جبريل قد فعل، فقال: قل كذا وكذا فيقولها فيقول جبريل: قد فعل إلى آخر السورة»، وتظاهرت بهذا المعنى أحاديث، وروي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال آمين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هناك دعاء وهنا دعاء فحسن»، وروى أبو مسعود عقبة بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليل كفتاه»، يعني من قيام الليل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما أظن أحدا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما». وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن أحد قبلي»). [المحرر الوجيز: 2/ 138-146]


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 05:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 22,279
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 05:15 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 22,279
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير (285) لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286)} ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا اللّه بهما.
الحديث الأوّل: قال البخاريّ: حدّثنا محمّد بن كثيرٍ، أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرّحمن، عن أبي مسعودٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قرأ بالآيتين»، وحدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن أبي مسعودٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه».
وقد أخرجه بقيّة الجماعة من طريق سليمان بن مهران الأعمش، بإسناده، مثله. وهو في الصّحيحين من طريق الثّوريّ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبد الرّحمن، عنه، به. وهو في الصّحيحين أيضًا عن عبد الرّحمن، عن علقمة عن أبي مسعودٍ -قال عبد الرّحمن: ثمّ لقيت أبا مسعودٍ، فحدّثني به.
وهكذا رواه أحمد بن حنبلٍ: حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا شريكٌ، عن عاصمٍ، عن المسيّب بن رافعٍ، عن علقمة، عن أبي مسعودٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه».
الحديث الثّاني: قال الإمام أحمد: حدّثنا حسينٌ، حدّثنا شيبان، عن منصورٍ، عن ربعي، عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش، لم يعطهنّ نبيٌّ قبلي».
وقد رواه ابن مردويه، من حديث الأشجعيّ، عن الثّوريّ، عن منصورٍ، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش».
الحديث الثّالث: قال مسلمٌ: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا مالك بن مغول (ح) وحدّثنا ابن نمير، وزهير بن حربٍ جميعًا، عن عبد اللّه بن نمير -وألفاظهم متقاربةٌ -قال ابن نميرٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا مالك بن مغول، عن الزّبير بن عديٍّ عن طلحة، عن مرة، عن عبد اللّه، قال: «لمّا أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السّماء السّادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال: {إذ يغشى السّدرة ما يغشى} [النّجم: 16]، قال: فراش من ذهبٍ. قال: وأعطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثًا: أعطي الصّلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك باللّه من أمّته شيئًا المقحمات».
الحديث الرّابع: قال أحمد: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الرّازيّ، حدّثنا سلمة بن الفضل، حدّثني محمّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن مرثد بن عبد اللّه اليزنيّ، عن عقبة بن عامرٍ الجهنيّ قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإنّي أعطيتهما من تحت العرش». هذا إسنادٌ حسنٌ، ولم يخرّجوه في كتبهم.
الحديث الخامس: قال ابن مردويه: حدّثنا أحمد بن كاملٍ، حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، أخبرنا مسدّد أخبرنا أبو عوانة، عن أبي مالكٍ، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «فضّلنا على النّاس بثلاثٍ، أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يعطها أحدٌ قبلي، ولا يعطاها أحدٌ بعدي». ثمّ رواه من حديث نعيم بن أبي هنديٍّ، عن ربعيٍّ، عن حذيفة، بنحوه.
الحديث السّادس: قال ابن مردويه: حدّثنا عبد الباقي بن نافعٍ، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمّد بن حاتم بن بزيع، أخبرنا جعفر بن عونٍ، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ قال: «لا أرى أحدًا عقل الإسلام ينام حتّى يقرأ خواتيم سورة البقرة، فإنّها كنزٌ أعطيه نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم من تحت العرش».
ورواه وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرٍو الخارفيّ، عن عليٍّ قال: «ما أرى أحدًا يعقل، بلغه الإسلام، ينام حتّى يقرأ آية الكرسيّ وخواتيم سورة البقرة، فإنّها من كنزٍ تحت العرش».
الحديث السّابع: قال أبو عيسى التّرمذيّ: حدّثنا بندار، حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرّحمن الجرمي عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصّنعانيّ، عن النّعمان بن بشيرٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ اللّه كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عامٍ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأن في دارٍ ثلاث ليالٍ فيقربها شيطانٌ». ثمّ قال: هذا حديثٌ غريبٌ. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حمّاد بن سلمة به، وقال: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه .
الحديث الثّامن: قال ابن مردويه: حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّد بن مدين، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرٍو، أخبرنا ابن أبي مريم، حدّثني يوسف بن أبي الحجّاج، عن سعيدٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية الكرسيّ ضحك، وقال: «إنّهما من كنز الرّحمن تحت العرش». وإذا قرأ: {من يعمل سوءًا يجز به} [النّساء: 123]، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأنّ سعيه سوف يرى * ثمّ يجزاه الجزاء الأوفى} [النّجم:39-41]، استرجع واستكان».
الحديث التّاسع: قال ابن مردويه: حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن كوفيٍّ، حدّثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدّثنا محمّد بن بكرٍ حدّثنا مكّيّ بن إبراهيم، حدّثنا عبد اللّه بن أبي حميدٍ، عن أبي مليح، عن معقل بن يسارٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة».
الحديث العاشر: قد تقدّم في فضائل الفاتحة، من رواية عبد اللّه بن عيسى بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ قال: «بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السّماء، فقال: هذا بابٌ قد فتح من السّماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك، فأتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلّا أوتيته»، رواه مسلمٌ والنّسائيّ، وهذا لفظه.
الحديث الحادي عشر: قال أبو محمّدٍ عبد اللّه بن عبد الرّحمن الدّارميّ في مسنده: حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا صفوان، حدّثنا أيفع بن عبد اللّه الكلاعيّ قال: «قال رجلٌ: يا رسول اللّه، أيّ آيةٍ في كتاب اللّه أعظم؟ قال: «آية الكرسيّ: {اللّه لا إله إلا هو الحيّ القيّوم} قال: فأيّ آيةٍ في كتاب اللّه تحبّ أن تصيبك وأمّتك؟ قال: «آخر سورة البقرة، ولم يترك خيرًا في الدّنيا والآخرة إلّا اشتملت عليه».
فقوله تعالى: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} إخبارٌ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك.
قال ابن جريرٍ: حدّثنا بشرٌ، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: «ذكر لنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لمّا نزلت هذه الآية: «ويحقّ له أن يؤمن».
وقد روى الحاكم في مستدركه: حدّثنا أبو النّضر الفقيه: حدّثنا معاذ بن نجدة القرشيّ، حدّثنا خلّاد بن يحيى، حدّثنا أبو عقيلٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: «لمّا نزلت هذه الآية على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه} قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «حقّ له أن يؤمن». ثمّ قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه..
وقوله: {والمؤمنون} عطفٌ على {الرّسول} ثمّ أخبر عن الجميع فقال: {كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله} فالمؤمنون يؤمنون بأنّ اللّه واحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ، لا إله غيره، ولا ربّ سواه. ويصدّقون بجميع الأنبياء والرّسل والكتب المنزّلة من السّماء على عباد اللّه المرسلين والأنبياء، لا يفرّقون بين أحدٍ منهم، فيؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعضٍ بإذن اللّه، حتّى نسخ الجميع بشرع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم الأنبياء والمرسلين، الّذي تقوم السّاعة على شريعته، ولا تزال طائفةٌ من أمّته على الحقّ ظاهرين.
وقوله: {وقالوا سمعنا وأطعنا} أي: سمعنا قولك يا ربّنا، وفهمناه، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه، {غفرانك ربّنا} سؤالٌ للغفر والرّحمة واللّطف.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا عليّ بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ في قول اللّه: {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون} إلى قوله: {غفرانك ربّنا} قال: «قد غفرت لكم»، {وإليك المصير} أي: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.
قال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن حميدٍ، حدّثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن حكيمٍ عن جابرٍ قال: «لمّا نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم {آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير} قال جبريل: إنّ اللّه قد أحسن الثّناء عليك وعلى أمّتك، فسل تعطه. فسأل: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها} إلى آخر الآية). [تفسير ابن كثير: 1/ 733-737]

تفسير قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {لا يكلّف اللّه نفسًا إلا وسعها} أي: لا يكلّف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي النّاسخة الرّافعة لما كان أشفق منه الصّحابة، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} أي: هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذّب إلّا بما يملك الشّخص دفعه، فأمّا ما لا يمكن دفعه من وسوسة النّفس وحديثها، فهذا لا يكلّف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السّيّئة من الإيمان.
وقوله: {لها ما كسبت} أي: من خيرٍ، {وعليها ما اكتسبت} أي: من شرٍّ، وذلك في الأعمال الّتي تدخل تحت التّكليف، ثمّ قال تعالى مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفّل لهم بالإجابة، كما أرشدهم وعلّمهم أن يقولوا: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا} أي: إن تركنا فرضًا على جهة النّسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك، {أو أخطأنا} أي: الصواب في العمل، جهلًا منّا بوجهه الشّرعيّ.
وقد تقدّم في صحيح مسلمٍ لحديث أبي هريرة: «قال اللّه: نعم» ولحديث ابن عبّاسٍ قال اللّه: «قد فعلت».
وروى ابن ماجه في سننه، وابن حبّان في صحيحه من حديث أبي عمرٍو الأوزاعيّ، عن عطاءٍ -قال ابن ماجه في روايته: عن ابن عبّاسٍ. وقال الطّبرانيّ وابن حبّان: عن عطاءٍ، عن عبيد بن عمير، عن ابن عبّاسٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:«إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان، وما استكرهوا عليه». وقد روي من طرق أخر وأعلّه أحمد وأبو حاتمٍ واللّه أعلم. وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا أبو بكرٍ الهذليّ، عن شهرٍ، عن أمّ الدّرداء، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عن ثلاثٍ: عن الخطأ، والنّسيان، والاستكراه» قال أبو بكرٍ: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآنًا: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}.
وقوله: {ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا} أي: لا تكلّفنا من الأعمال الشّاقّة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار الّتي كانت عليهم، الّتي بعثت نبيك محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم نبيّ الرّحمة بوضعه في شرعه الّذي أرسلته به، من الدّين الحنيف السّهل السّمح.
وقد ثبت في صحيح مسلمٍ، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «قال اللّه: نعم».
وعن ابن عبّاسٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:«قال اللّه: قد فعلت». وجاء الحديث من طرقٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: «بعثت بالحنيفيّة السّمحة».
وقوله: {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} أي: من التّكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به.
وقد قال مكحولٌ في قوله: {ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به} قال: «الغربة والغلمة»، رواه ابن أبي حاتمٍ، «قال اللّه: نعم» وفي الحديث الآخر: «قال اللّه: قد فعلت».
وقوله: {واعف عنّا} أي: فيما بيننا وبينك ممّا تعلمه من تقصيرنا وزللنا، {واغفر لنا} أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة، {وارحمنا} أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنبٍ آخر، ولهذا قالوا: إنّ المذنب محتاجٌ إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو اللّه عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدّم في الحديث «أنّ اللّه قال: نعم». وفي الحديث الآخر: «قال اللّه: قد فعلت».
وقوله: {أنت مولانا} أي: أنت وليّنا وناصرنا، وعليك توكّلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوّة لنا إلّا بك {فانصرنا على القوم الكافرين} أي: الّذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيّتك، ورسالة نبيّك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدّنيا والآخرة، قال اللّه: نعم. وفي الحديث الّذي رواه مسلمٌ، عن ابن عبّاسٍ: «قال اللّه: قد فعلت».
وقال ابن جريرٍ: حدّثني المثنّى بن إبراهيم، حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق: «أنّ معاذًا، رضي اللّه عنه، كان إذا فرغ من هذه السّورة {فانصرنا على القوم الكافرين} قال: آمين».
ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجلٍ، عن معاذ بن جبلٍ: «أنّه كان إذا ختم البقرة قال: آمين» ). [تفسير ابن كثير: 1/ 737-738]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:04 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة