العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الفاتحة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 8 ربيع الثاني 1434هـ/18-02-2013م, 07:31 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,321
افتراضي تفسير قول الله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}

تفسير قول الله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 07:38 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,321
Lightbulb

تفسير السلف
تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني شبيب بن سعيدٍ، عن أبان بن أبي عياش، عن مسلم ابن أبي عمران، عن عبيد الله بن عمر بن الخطاب قال: أتى ابن مسعودٍ عشيّة خميسٍ وهو يذكّر أصحابه، قال: فقلت يا أبا عبد الرّحمن، ما الصراط المستقيم، قال: «يا ابن أخي، تركنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أدناه وطرفه في الجنّة وعن يمينه جوادّ، وعن شماله جوادّ، وعلى كلّ جوادّ رجالٌ يدعون كلّ من مرّ بهم: هلمّ لك، هلمّ لك، فمن أخذ معهم وردوا به النّار، ومن لزم الطّريق الأعظم وردوا به الجنّة»). [الجامع في علوم القرآن:1 /38-39]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم}
- نا سويد بن عبد العزيز، قال: نا حصين بن عبد الرّحمن، قال: حدّثني مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ قال: «الصّراط على النّار، يمرّ أولهم مثل البرق، ثمّ كالطّير، ثمّ كالفرس الجواد، وآخرهم يمرّ حبوًا، والملائكة قيامٌ معهم كلاليب من نارٍ، يخطفون النّاس يمينًا وشمالًا، حتّى يقذفوهم في النار»).
[سنن سعيد بن منصور: 2 /525]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (
نا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن ثابتٍ، سمع ابن عبّاسٍ يقرأ: (السّراط) - بالسين). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 532]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم}
قال أبو جعفرٍ: ومعنى قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم}
في هذا الموضع عندنا: وفّقنا للثّبات عليه، كما روي ذلك عن ابن عبّاسٍ.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، قال: حدّثنا أبو روقٍ، عن الضّحّاك، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ، قال: «قال جبريل لمحمّدٍ: قل يا محمّد
{اهدنا الصّراط المستقيم}
، يقول: ألهمنا الطّريق الهادي».
وإلهامه إيّاه ذلك هو توفيقه له كالّذي قلنا في تأويله. ومعناه نظير معنى قوله:
{وإيّاك نستعين} في أنّه مسألة العبد ربّه التّوفيق للثّبات على العمل بطاعته، وإصابة الحقّ والصّواب فيما أمره به ونهاه عنه فيما يستقبل من عمره دون ما قد مضى من أعماله وتقضّى فيما سلف من عمره، كما في قوله: {وإيّاك نستعين}
مسألةٌ منه ربّه المعونة على أداء ما قد كلّفه من طاعته فيما بقي من عمره. فكان معنى الكلام: اللّهمّ إيّاك نعبد وحدك لا شريك لك، مخلصين لك العبادة دون ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعنّا على عبادتك، ووفّقنا لما وفّقت له من أنعمت عليه من أنبيائك وأهل طاعتك من السّبل والمنهاج.
فإن قال قائلٌ:
وأنّى وجدت الهداية في كلام العرب بمعنى التّوفيق؟
قيل له: ذلك في كلامها أكثر وأظهر من أن يحصى عدد ما جاء عنهم في ذلك من الشّواهد، فمن ذلك قول الشّاعر:
لا تحرمنّي هداك اللّه مسألتي.......ولا أكوننّ كمن أودى به السّفر
بمعني: وفّقك اللّه لقضاء حاجتي.
ومنه قول الآخر:
ولا تعجلنّي هداك المليك.......فإنّ لكلّ مقامٍ مقالا
فمعلومٌ أنّه إنّما أراد: وفّقك اللّه لإصابة الحقّ في أمري.
ومنه قول اللّه جلّ ثناؤه:
{واللّه لا يهدي القوم الظّالمين}
في غير آيةٍ من تنزيله. وقد علم بذلك أنّه لم يعن أنّه لا يبيّن للظّالمين الواجب عليهم من فرائضه. وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وقد عمّ بالبيان جميع المكلّفين من خلقه؟ ولكنّه عنى جلّ وعزّ، أنّه لا يوفّقهم، ولا يشرح للحقّ والإيمان صدورهم.
وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله:
{اهدنا}
زدنا هدايةً. وليس يخلو هذا القول من أحد أمرين:
إمّا أن يكون قائله قد ظنّ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بمسألة ربّه الزّيادة في البيان، أو الزّيادة في المعونة والتّوفيق.
فإن كان ظنّ أنّه أمر بمسألتة الزّيادة في البيان فذلك ما لا وجه له؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه لا يكلّف عبدًا فرضًا من فرائضه إلاّ بعد تبيينه له وإقامة الحجّة عليه به. ولو كان معنى ذلك معنى مسألته البيان، لكان قد أمر أن يدعو ربّه أن يبيّن له ما فرض عليه، وذلك من الدّعاء خلفٌ؛ لأنّه لا يفرض فرضًا إلاّ مبيّنًا لمن فرضه عليه، أو يكون أمر أن يدعو ربّه أن يفرض عليه الفرائض الّتي لم يفرضها. وفي فساد وجه مسألة العبد ربّه ذلك ما يوضّح عن أنّ معنى: {اهدنا الصّراط المستقيم} غير معنى بيّن لنا فرائضك وحدودك.
أو يكون ظنّ أنّه أمر بمسألة ربّه الزّيادة في المعونة والتّوفيق. فإن كان ذلك كذلك، فلن تخلو مسألته تلك الزّيادة من أن تكون مسألةً للزّيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله، أو على ما يحدث. وفي ارتفاع حاجة العبد إلى المعونة على ما قد تقضّى من عمله ما يعلم أنّ معنى مسألة تلك الزّيادة إنّما هو مسألته الزّيادة لما يحدث من عمله. وإذا كان ذلك كذلك صار الأمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك من أنّه مسألة العبد ربّه التّوفيق لأداء ما كلّف من فرائض ربه فيما يستقبل من عمره.
وفي صحّة ذلك فساد قول أهل القدر الزّاعمين أنّ كلّ مأمورٍ بأمرٍ أو مكلّفٍ فرضًا، فقد أعطي من المعونة عليه ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجته إلى ربّه؛ لأنّه لو كان الأمر على ما قالوا في ذلك لبطل معنى قول اللّه جلّ ثناؤه:
{إيّاك نعبد وإيّاك نستعين اهدنا الصّراط المستقيم}
وفي صحّة معنى ذلك على ما بيّنّا فساد قولهم.
وقد زعم بعضهم أنّ معنى قوله:
{اهدنا الصّراط المستقيم}: أسلكنا طريق الجنّة في المعاد، أي قدّمنا له وامض بنا إليه، كما قال جلّ ثناؤه: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي أدخلوهم النّار؛ كما تهدى المرأة إلى زوجها، يعني بذلك أنّها تدخل إليه، وكما تهدى الهديّة إلى الرّجل، وكما تهدي السّاق القدم؛ نظير قول طرفة بن العبد:

لعبت بعدي السّيول به
.......وجرى في رونقٍ رهمه
للفتى عقلٌ يعيش به
.......حيث تهدي ساقه قدمه
أي: ترد به الموارد.
وفي قول اللّه جلّ ثناؤه:
{إيّاك نعبد وإيّاك نستعين} ما ينبئ عن خطأ هذا التّأويل مع شهادة الحجّة من المفسّرين على تخطئته؛ وذلك أنّ جميع المفسّرين من الصّحابة والتّابعين مجمعون على أنّ معنى الصّراط في هذا الموضع غير المعنى الّذي تأوّله قائل هذا القول، وأنّ قوله: {وإيّاك نستعين} مسألة العبد ربّه المعونة على عبادته، فكذلك قوله اهدنا، إنّما هو مسألتة الثّبات على الهدى فيما بقي من عمره.
والعرب تقول: هديت فلانًا الطّريق، وهديته للطّريق، وهديته إلى الطّريق: إذا أرشدته إليه وسدّدته له. وبكلّ ذلك قد جاء القرآن، قال اللّه جلّ ثناؤه: {وقالوا الحمد للّه الّذي هدانا لهذا} وقال في موضعٍ آخر: {اجتباه وهداه إلى صراطٍ مستقيمٍ} وقال: {اهدنا الصّراط المستقيم} وكلّ ذلك فاشٍ في منطقها موجودٌ في كلامها، من ذلك قول الشّاعر:
أستغفر اللّه ذنبًا لست محصيه.......ربّ العباد إليه الوجه والعمل
يريد: أستغفر اللّه لذنبٍ، كما قال جلّ ثناؤه: {واستغفر لذنبك}.
ومنه قول نابغة بني ذبيان:

فيصيدنا العير المدلّ بحضره
.......قبل الونى والأشعب النّبّاحا
يريد: فيصيد لنا. وذلك كثيرٌ في أشعارهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفايةٌ.
القول في تأويل قوله تعالى:
{الصّراط المستقيم}
قال أبو جعفرٍ: أجمعت الحجة من أهل التّأويل جميعًا على أنّ الصّراط المستقيم هو الطّريق الواضح الّذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب؛ فمن ذلك قول جرير بن عطيّة بن الخطفى:

أمير المؤمنين على صراطٍ
.......إذا اعوجّ الموارد مستقيم
يريد على طريق الحقّ.
ومنه
قول الهذليّ أبي ذؤيبٍ:

صبحنا أرضهم بالخيل حتّى
.......تركناها أدقّ من الصّراط
ومنه
قول الرّاجز:

فصدّ عن نهج الصّراط القاصد
والشّواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرنا غنًى عمّا تركنا.
ثمّ تستعير العرب الصّراط فتستعمله في كلّ قولٍ وعملٍ وصف باستقامةٍ أو اعوجاجٍ، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوجّ باعوجاجه. والّذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي -أعني:
{اهدنا الصّراط المستقيم}- أن يكون معنيًّا به: وفّقنا للثّبات على ما ارتضيته ووفّقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قولٍ وعملٍ. وذلك هو الصّراط المستقيم، لأنّ من وفّق لما وفّق له من أنعم اللّه عليه من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصالحين، فقد وفّق للإسلام، وتصديق الرّسل، والتّمسّك بالكتاب، والعمل بما أمره اللّه به، والانزجار عمّا زجره عنه، واتّباع منهاج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنهاج أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وكلّ عبدٍ للّه صالحٍ. وكلّ ذلك من الصّراط المستقيم.
وقد اختلفت تراجمة القرآن في المعنيّ بالصّراط المستقيم، يشمل معاني جميعهم في ذلك ما اخنرنا من التّأويل فيه.
- وممّا قالته في ذلك ما روي عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال وذكر القرآن فقال: «هو الصّراط المستقيم».
-
حدّثنا بذلك، موسى بن عبد الرّحمن المسروقيّ قال: حدّثنا حسينٌ الجعفيّ، عن حمزة الزّيّات، عن أبي المختار الطّائيّ، عن ابن أخي الحارث، عن الحارث، عن عليٍّ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
-
وحدّثنا عن إسماعيل بن أبي كريمة، قال: حدّثنا محمّد بن سلمة، عن أبي سنانٍ، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختريّ، عن الحارث، عن عليٍّ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مثله.
-
وحدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا حمزة الزّيّات، عن أبي المختار الطّائيّ، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: «الصّراط المستقيم كتاب اللّه تعالى».
-
حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا سفيان، ح. وحدّثنا محمّد بن حميدٍ الرّازيّ، قال. حدّثنا مهران، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبد اللّه: «الصّراط المستقيم كتاب اللّه».
- حدّثني محمود بن خداشٍ الطّالقانيّ، قال: حدّثنا حميد بن عبد الرّحمن الرّواسيّ، قال: حدّثنا عليٌّ، والحسن، ابنا صالحٍ، جميعًا عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيلٍ، عن جابر بن عبد اللّه: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «الإسلام، قال: هو أوسع ممّا بين السّماء والأرض».
-
حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ،قال: حدّثنا بشر بن عمّارٍة، قال: حدّثنا أبو روقٍ، عن الضّحّاك، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ، قال: «قال جبريل لمحمّدٍ: قل يا محمّد: {اهدنا الصّراط المستقيم} يقول ألهمنا الطّريق الهادي وهو دين اللّه الّذي لا عوج له».
-
حدّثنا سهلٍ موسى بن الرّازيّ، قال: حدّثنا يحيى بن عوفٍ، عن الفرات بن السّائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «ذلك الإسلام».
-
وحدّثني محمود بن خداشٍ، قال: حدّثنا محمّد بن ربيعة الكلابيّ، عن إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر البزّار، عن ابن الحنفيّة، في قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «هو دين اللّه الّذي لا يقبل من العباد غيره».
-
وحدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن طلحة القنّاد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «هو الإسلام».
-
وحدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ في قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «الطّريق».
-
حدّثنا عبد اللّه بن كثيرٍ أبو صديفٍ الآمليّ، قال: حدّثنا هاشم بن القاسم، قال: حدّثنا حمزة بن أبي المغيرة، عن عاصمٍ، عن أبي العالية، في قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحباه من بعده: أبو بكرٍ وعمر» قال: فذكرت ذلك للحسن، فقال: «صدق أبو العالية ونصح».
-
وحدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن وهبٍ، قال: قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «الإسلام».
-
حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، أنّ عبد الرّحمن بن جبيرٍ، حدّثه عن أبيه، عن نوّاس بن سمعان الأنصاريّ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ضرب اللّه مثلاً صراطًا مستقيمًا، والصّراط: الإسلام».
-
حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا آدم العسقلانيّ، قال: حدّثنا اللّيث عن معاوية بن صالحٍ، عن عبد الرّحمن بن جبير بن نفيرٍ، عن أبيه عن نوّاس بن سمعان الأنصاريّ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مثله.
قال أبو جعفرٍ: وإنّما وصفه اللّه بالاستقامة، لأنّه صوابٌ لا خطأ فيه. وقد زعم بعض أهل الغباء أنّه سمّاه مستقيمًا لاستقامته بأهله إلى الجنّة، وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التّفسير خلافٌ، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلاً على خطئه). [جامع البيان: 1/ 165-176]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({اهدنا الصّراط المستقيم (6)}
قوله: {اهدنا}
-
به عن ابن عبّاسٍ قال: «قال جبريل: قل يا محمّد: اهدنا يقول: ألهمنا».
قوله: {الصراط المستقيم}
الوجه الأول:
- حدّثنا الحسن بن عرفة، حدّثني يحيى بن اليمان، عن حمزة الزّيّات، عن سعدٍ الطّائيّ، عن ابن أخي الحرث الأعور، عن الحارث قال: دخلت على عليّ بن أبي طالبٍ فقال: سمعت رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- يقول: «الصّراط المستقيم كتاب اللّه».
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ أنّ عبد الرّحمن بن جبير بن نفيرٍ حدّثه عن أبيه، عن نوّاس بن سمعان الأنصاريّ، عن رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- أنّه قال: «
ضرب اللّه مثلا صراطًا مستقيمًا، والصّراط الإسلام ».
والوجه الثّالث:
- حدّثنا سعدان بن نصرٍ البغداديّ، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، أنبأ حمزة ابن المغيرة، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي العالية اهدنا الصّراط المستقيم قال: «هو النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- وصاحباه من بعده». قال عاصمٌ: فذكرنا ذلك للحسن فقال: «
صدق أبو العالية ونصح».
والوجه الرّابع:
- ثنا يحيى بن عبدك، ثنا خالد بن عبد الرّحمن المخزوميّ ثنا عمر بن ذرٍّ عن مجاهدٍ في قوله: {الصّراط المستقيم} قال: «الحقّ».
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن العلاء أبو كريبٍ، ثنا عثمان بن سعيدٍ الزّيّات، ثنا بشر بن عمارة ثنا أبو روقٍ عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{اهدنا الصّراط المستقيم} يقول: ألهمنا دينك الحقّ، وهو لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له»).
[تفسير القرآن العظيم: 1/ 30]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفّان العامريّ، ثنا عمر بن سعدٍ أبو داود، ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللّه، في قوله عزّ وجلّ: {الصّراط المستقيم}، قال: «هو كتاب اللّه» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه.
- أخبرني عليّ بن محمّد بن عقبة الشّيبانيّ، بالكوفة، ثنا الهيثم بن خالدٍ، ثنا أبو نعيمٍ، ثنا الحسن بن صالحٍ، عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيلٍ، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما، قال:
«{الصّراط المستقيم} هو الإسلام، وهو أوسع ما بين السّماء والأرض» هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.
- حدّثني عليّ بن حمشاذ العدل، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا أبو النّضر، ثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصمٍ، عن أبي العالية، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله تعالى
{الصّراط المستقيم} قال: «هو رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وصاحباه» قال: فذكرنا ذلك للحسن فقال: «صدق واللّه ونصح واللّه هو رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكرٍ وعمر رضي اللّه عنهما» هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه). [المستدرك: 2/ 284-285]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}.
-أخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ
{اهدنا الصراط المستقيم} بالصاد.
-وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه، وابن الأنباري عن ابن عباس، أنه قرأ (اهدنا السراط) بالسين.
-وأخرج ابن الأنباري عن عبد الله بن كثير، أنه كان يقرأ (السراط) بالسين.
-وأخرج ابن الأنباري عن الفراء قال: قرأ حمزة (الزراط) بالزاي قال الفراء: و(الزراط) بإخلاص الزاي، لغة لعذرة وكلب وبني العين.
-وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله:
{اهدنا الصراط المستقيم} يقول: «ألهمنا دينك الحق».
-وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله:
{اهدنا الصراط المستقيم} قال: «ألهمنا الطريق الهادي وهو دين الله الذي لا عوج له».
-وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: «
{الصراط}: الطريق».
-وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والمحاملي في أماليه من نسخة المصنف والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله في قوله:
{اهدنا الصراط المستقيم} قال: «هو الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض».
-وأخرج ابن جريج عن ابن عباس قال: «
{الصراط المستقيم}: الإسلام».
-وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة: «{الصراط المستقيم}: الإسلام».
-وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس أدخلوا الصراط جميعا ولا تتفرقوا، وداع يدعو من فوق: الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق: واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم» .
-وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو بكر بن الأنباري في كتاب المصاحف والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} قال: «هو كتاب الله».
-وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: «إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين، يا عباد الله هذا الصراط فاتبعوه {الصراط المستقيم}: كتاب الله فتمسكوا به».
-وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي والترمذي وضعفه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن علي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون فتن» قلت: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل وليس بالهزل وهو حبل الله المتين وهو ذكره الحكيم وهو الصراط المستقيم».
-وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: «{الصراط المستقيم}: الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم».
-وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: «{الصراط المستقيم} تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرفه والطرف الآخر في الجنة».
-وأخرج البيهقي في الشعب من طريق قيس بن سعد عن رجل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن هو النور المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم».
-وأخرج عبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن عساكر من طريق عاصم الأحول عن أبي العالية في قوله: {الصراط المستقيم} قال: «هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده» قال: فذكرنا ذلك للحسن فقال: «صدق أبو العالية ونصح».
-وأخرج الحاكم وصححه من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله: {الصراط المستقيم} قال: «
هو رسول الله وصاحباه».
-وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية الرياحي قال: «تعلموا الإسلام فإذا علمتموه فلا ترغبوا عنه وعليكم بالصراط المستقيم فإن {الصراط المستقيم} الإسلام ولا تحرفوا يمينا وشمالا».
-وأخرج سعيد بن منصور في "سننه"، وابن المنذر والبيهقي في كتاب الرؤية عند سفيان قال: «ليس في تفسير القرآن اختلاف إنما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا».
-وأخرج ابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية عن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء: «إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها».
-وأخرج ابن سعد عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يحدث عن الخوارج الذين أنكروا الحكومة فاعتزلوا علي بن أبي طالب قال:
«فاعتزل منهم اثنا عشر ألفا فدعاني علي فقال: اذهب إليهم فخاصهم وادعهم إلى الكتاب والسنة ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ولكن خاصهم بالسنة».
-وأخرج ابن سعد عن عمران بن مناح قال: فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم، في بيوتنا نزل فقال: صدقت ولكن القرآن جمال ذو وجوه يقول، ويقولون، ولكن حاججهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، فخرج ابن عباس إليهم فحاججهم بالسنن فلم يبق بأيديهم حجة»). [الدر المنثور: 1/ 74-81]

تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني عبد الرّحمن بن زيدٍ، عن أبيه قال: «{المغضوب عليهم}: اليهود، و{الضالين}: النصارى»). [الجامع في علوم القرآن: 1/ 54]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرنا معمر عن بديل العقيلي، قال: أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: «المغضوب عليهم» وأشار إلى اليهود). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 37]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرنا معمر عن بديل العقيلي قال: أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء الضالون» يعني النصارى). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 37]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (قوله تعالى: {صراط الّذين أنعمت عليهم}
- نا سفيان، عن محمّد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطبٍ، عن أبيه، أنّه سمع عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه يقرأ: (صراط من أنعمت عليهم) ). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 533]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}
- نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، أنّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه كان يقرأ: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) ). [سنن سعيد بن منصور: 2 /534]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (نا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال لعديّ بن حاتمٍ: «المغضوب عليهم: اليهود، والنّصارى هم الضّالّون»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 537]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}
- حدّثنا عبد اللّه بن يوسف، أخبرنا مالكٌ، عن سميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} فقولوا: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه»). [صحيح البخاري: 6/ 17]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: (باب {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين})
قال أهل العربيّة: لا زائدةٌ لتأكيد معنى النّفي المفهوم من غير لئلّا يتوهّم عطف الضّالّين على الّذين أنعمت.
وقيل: لا بمعنى غير، ويؤيّده قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضّالّين) ذكرها أبو عبيدٍ وسعيد بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ وهي للتّأكيد أيضًا وروى أحمد وبن حبّان من حديث عديّ بن حاتمٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «{المغضوب عليهم}: اليهود، {ولا الضّالّين}: النّصارى» هكذا أورده مختصرًا وهو عند التّرمذيّ في حديثٍ طويلٍ وأخرجه بن مردويه بإسنادٍ حسنٍ عن أبي ذرٍّ وأخرجه أحمد من طريق عبد اللّه بن شقيقٍ أنّه أخبره من سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نحوه وقال بن أبي حاتمٍ: لا أعلم بين المفسّرين في ذلك اختلافًا، قال السّهيليّ: وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود {فباءوا بغضبٍ على غضبٍ} وفي النّصارى {قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيرا}.
ثمّ أورد المصنّف حديث أبي هريرة في موافقة الإمام في التّأمين وقد تقدّم شرحه في صفة الصّلاة، وروى أحمد وأبو داود والتّرمذيّ من حديث وائل بن حجرٍ قال سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} فقال: «آمين»، ومدّ بها صوته، وروى أبو داود وبن ماجة نحوه من حديث أبي هريرة). [فتح الباري: 8/ 159]

- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب {غير المغصوب عليهم ولا الضّالّين})
أي: هذا باب فيه ذكر قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} ، ولا وجه لذكر لفظ: باب هنا، ولا ذكره حديث الباب ههنا مناسباً لأنّه لا يتعلّق بالتفسير، وإنّما محله أن يذكر في فضل القرآن.
- حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالكٌ، عن سمّي، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} فقولوا: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه».
مطابقته للتّرجمة ظاهرة، وسمي، بضم السّين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء: مولى أبي بكر بن عبد الرّحمن ابن الحارث، وأبو صالح ذكوان الزيات. والحديث مضى في الصّلاة في: باب جهر الإمام بآمين، بهذا الإسناد، ومضى الكلام فيه هناك).
[عمدة القاري: 18/ 81-82]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ): (باب {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}
(باب {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}) الجمهور على جر "غير" بدلًا من الذين على المعنى أو من ضمير عليهم، ورد بأن أصل غير الوصفية والإبدال بالأوصاف ضعيف، وقد يقال استعمل غير استعمال الأسماء نحو غيرك يفعل كذا فجاز وقوعه بدلًا لذلك. وعن سيبويه هو صفة للذين، ورد بأن غيرًا لا تتعرف.
وأجيب: بأن سيبويه نقل أن ما أضافته غير محضة قد يتمحض فيتعرف إلا الصفة المشبهة وغير داخل في هذا العموم وقرئ شاذًّا بالنصب، فقيل حال من ضمير عليهم وناصبها أنعمت، وقيل من الذين وعاملها معنى الإضافة.
قال ابن كثير: والمعنى {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} ممن تقدم وصفهم بالهداية والاستقامة غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين وهما طريقتا اليهود والنصارى، ومن أهل العربية من زعم أن "لا" في قوله: {ولا الضالين} زائدة. والصحيح ما سبق من أنها لتأكيد النفي لئلا يتوهم عطف الضالين على {الذين أنعمت عليهم} وللفرق بين الطريقين ليتجنب كل منهما،
فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل واليهود فقدوا العمل والنصارى فقدوا العلم، ولذا كان الغضب لليهود والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لم يهتدوا إلى طريقه لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه وهو اتباع الرسول الحق ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، وأخص أوصاف النصارى الضلال، وقد روى أحمد وابن حبان من حديث عدي بن حاتم أن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: «المغضوب عليهم: اليهود والضالين: النصارى»، والمراد بالغضب هنا الانتقام وليس المراد به تغيرًا يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام إذ هو محال على الله تعالى فالمراد الغاية لا الابتداء.
- حدّثنا عبد اللّه بن يوسف، أخبرنا مالكٌ، عن سميٍّ عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: «إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} فقولوا: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية مصغرًا مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام (عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال:
«إذا قال الإمام في الصلاة: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} فقولوا: آمين»)، بالمد والقصر لغتان، ومعناها استجب فهي اسم فعل بني على الفتح،
وقيل: اسم من أسماء الله تعالى التقدير: يا أمين، وضعف بأنه لو كان كذلك لكان مبنيًا على الضم لأنه منادى مفرد معرفة، ولأن أسماء الله تعالى توقيفية، ووجه الفارسي قول من جعله اسمًا له تعالى على معنى أن فيه ضميرًا يعود عليه تعالى لأنه اسم فعل.
«فمن وافق قوله» بآمين «قول الملائكة» بها «غفر له» أي للقائل منكم «ما تقدم من ذنبه» المتقدم كله فـ(من) بيانية لا تبعيضية، وظاهره يشمل الصغائر والكبائر، والحق أنه عام خص منه ما يتعلق بحقوق الناس فلا يغفر بالتأمن للأدلة فيه، لكنه شامل للكبائر إلا أن يدعي خروجها بدليل آخر، وزاد الجرجاني في أماليه في آخر هذا الحديث: «وما تأخر».
وعن عكرمة مما رواه عبد الرزاق قال: «صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإن وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد». وقد سبق مزيد لهذا في باب جهر الإمام بالتأمين من كتاب الصلاة). [إرشاد الساري: 7/6]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا محمّد بن المثنّى، وبندارٌ، قالا: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن سماك بن حربٍ، عن عبّاد بن حبيشٍ، عن عديّ بن حاتمٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «اليهود مغضوبٌ عليهم والنّصارى ضلاّلٌ» فذكر الحديث بطوله). [سنن الترمذي: 5 /54]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله جلّ ثناؤه: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، عن مالكٍ، عن سميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} فقولوا: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/7]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين}.
وقوله {صراط الّذين أنعمت عليهم} إبانةٌ عن الصّراط المستقيم، أيّ الصّراط هو إذ كان كلّ طريقٍ من طرق الحقّ صراطًا مستقيمًا؟ فقيل لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل يا محمّد: اهدنا يا ربّنا الصّراط المستقيم، صراط الّذين أنعمت عليهم، بطاعتك وعبادتك من ملائكتك، وأنبيائك، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين.
وذلك نظير ما قال ربّنا جلّ ثناؤه في تنزيله: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا وإذًا لآتيناهم من لدنّا أجرًا عظيمًا ولهديناهم صراطًا مستقيمًا ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين}.
قال أبو جعفرٍ: فالّذي أمر محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته أن يسألوا ربّهم من الهداية للطّريق المستقيم، هي الهداية للطّريق الّذي وصف اللّه جلّ ثناؤه صفته. وذلك الطّريق هو طريق الّذين وصفهم اللّه بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سلكه فاستقام فيه طائعًا للّه ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، أن يورده مواردهم، واللّه لا يخلف الميعاد.
وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عبّاسٍ وغيره.
- حدّثنا محمّد بن العلاء، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمّارٍ، قال: حدّثنا أبو روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {صراط الّذين أنعمت عليهم} يقول: «طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، الّذين أطاعوك وعبدوك».
- وحدّثني أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال: أخبرنا عبيد اللّه بن موسى، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: {صراط الّذين أنعمت عليهم} قال: «النّبيّون».
- وحدّثني القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: {أنعمت عليهم} قال: «المؤمنين».
- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: قال وكيعٌ: «{أنعمت عليهم} المسلمين».
- وحدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبد الرّحمن بن زيدٍ في قول اللّه: {صراط الّذين أنعمت عليهم} قال: «النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه».
قال أبو جعفرٍ: وفي هذه الآية دليلٌ واضحٌ على أنّ طاعة اللّه جلّ ثناؤه لا ينالها المطيعون إلاّ بإنعام اللّه بها عليهم وتوفيقه إيّاهم لها. أولا يسمعونه يقول: {صراط الّذين أنعمت عليهم} فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداءٍ وطاعةٍ وعبادةٍ إلى أنّه إنعامٌ منه عليهم؟
فإن قال قائلٌ: وأين تمام هذا الخبر، وقد علمت أنّ قول القائل لآخر: أنعمت عليك، مقتضٍ الخبر عمّا أنعم به عليه، فأين ذلك الخبر في قوله: {صراط الّذين أنعمت عليهم} وما تلك النّعمة الّتي أنعمها عليهم؟
قيل له: قد قدّمنا البيان فيما مضى من كتابنا هذا عن اجتزاء العرب في منطقها ببعضٍ من بعضٍ إذا كان البعض الظّاهر دالاً على البعض الباطن وكافيًا منه، فقوله: {صراط الّذين أنعمت عليهم} من ذلك؛ لأنّ أمر اللّه جلّ ثناؤه عباده بمسألته المعونة وطلبهم منه الهداية للصّراط المستقيم لمّا كان متقدّمًا قوله: {صراط الّذين أنعمت عليهم} الّذي هو إبانةٌ عن الصّراط المستقيم، وإبدالٌ منه، كان معلومًا أنّ النّعمة الّتي أنعم اللّه بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم هو المنهاج القويم والصّراط المستقيم الّذي قد قدّمنا البيان عن تأويله آنفًا، فكان ظاهر ما ظهر من ذلك مع قرب تجاور الكلمتين مغنيًا عن تكراره كما قال نابغة بني ذبيان:

كأنّك من جمال بني أقيشٍ.......يقعقع خلف رجليه بشنّ
يريد: كأنّك من جمال بني أقيشٍ جملٌ يقعقع خلف رجليه بشنٍّ، فاكتفى بما ظهر من ذكر الجمال الدّالّ على المحذوف من إظهار ما حذف.
وكما قال الفرزدق بن غالبٍ:


ترى أرباقهم متقلّديها.......إذا صدئ الحديد على الكماة
يريد: متقلّديها هم، فحذف هم إذ كان الظّاهر من قوله: أرباقهم دالًّا عليها.
والشّواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى، فكذلك ذلك في قوله: {صراط الّذين أنعمت عليهم}.
القول في تأويل قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم}
قال أبو جعفرٍ: والقرّاء مجمعةٌ على قراءة غير بجرّ الرّاء منها. والخفض يأتيها من وجهين:
أحدهما أن يكون غير صفةً للّذين ونعتًا لهم فتخفضها، إذ كان الّذين خفضًا وهي لهم نعتٌ وصفةٌ؛ وإنّما جاز أن يكون غير نعتًا لالّذين، والّذين معرفةٌ وغير نكرةٍ؛ لأنّ الّذين بصلتها ليست بالمعرفة المؤقّتة كالأسماء الّتي هي أماراتٌ بين النّاس، مثل: زيدٍ وعمرٍو، وما أشبه ذلك؛ وإنّما هي كالنّكرات المجهولات، مثل: الرّجل والبعير، وما أشبه ذلك؛ فما كان الّذين كذلك صفتها، وكانت غير مضافةً إلى مجهولٍ من الأسماء نظير الّذين في أنّه معرفةٌ غير مؤقّتةٍ كما الّذين معرفةٌ غير مؤقّتةٍ، جاز من أجل ذلك أن يكون: {غير المغضوب عليهم} نعتًا لـ{الّذين أنعمت عليهم} كما يقال: لا أجلس إلاّ إلى العالم غير الجاهل، يراد: لا أجلس إلاّ إلى من يعلم، لا إلى من يجهل. ولو كان {الّذين أنعمت عليهم} معرفةً مؤقّتةً كان غير جائزٍ أن يكون {غير المغضوب عليهم} لها نعتًا، وذلك أنّه خطأٌ في كلام العرب إذا وصفت معرفةً مؤقّتةً بنكرةٍ أن تلزم نعتها النّكرة إعراب المعرفة المنعوت بها، إلاّ على نيّة تكرير ما أعرب المنعت بها. خطأٌ في كلامهم أن يقال: مررت بعبد اللّه غير العالم، فتخفض غير إلاّ على نيّة تكرير الباء الّتي أعربت (عبد اللّه) فكان معنى ذلك لو قيل كذلك: مررت (بعبد اللّه) مررت بغير العالم. فهذا أحد وجهي الخفض في: {غير المغضوب عليهم}.
والوجه الآخر من وجهي الخفض فيها: أن يكون الّذين بمعنى المعرفة المؤقّتة. وإذا وجّه إلى ذلك، كانت غير مخفوضةً بنيّة تكرير الصّراط الّذي خفض الّذين عليها، فكأنّك قلت: {صراط الّذين أنعمت عليهم} صراط غير المغضوب عليهم.
وهذان التّأويلان في {غير المغضوب عليهم}، وإن اختلفا باختلاف معربيهما، فإنّهما يتقارب معناهما؛ من أجل أنّ من أنعم اللّه عليه فهداه لدينه الحقّ فقد سلم من غضب ربّه ونجا من الضّلال في دينه.
فسواءٌ إذ كان سامع قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم * صراط الّذين أنعمت عليهم} غير جائزٍ أن يرتاب مع سماعه ذلك من تاليه في أنّ الّذين أنعم اللّه عليهم بالهداية للصّراط، غير غاضبٍ ربّهم عليهم مع النّعمة الّتي قد عظمت منّته بها عليهم في دينهم، ولا أن يكونوا ضلاّلاً وقد هداهم الحقّ ربّهم، إذ كان مستحيلاً في فطرهم اجتماع الرّضا من اللّه جلّ ثناؤه عن شخصٍ والغضب عليه في حالٍ واحدةٍ واجتماع الهدى والضّلال له في وقتٍ واحدٍ، أوصف القوم مع وصف اللّه إيّاهم بما وصفهم به من توفيقه إيّاهم وهدايته لهم وإنعامه عليهم بما أنعم اللّه به عليهم في دينهم بأنّهم غير مغضوبٍ عليهم ولا هم ضالّون، أم لم يوصفوا بذلك؛ لأنّ الصّفة الظّاهرة الّتي وصفوا بها قد أنبأت عنهم أنّهم كذلك وإن لم يصرّح وصفهم به. هذا إذا وجّهنا غير إلى أنّها مخفوضةٌ على نيّة تكرير الصّراط الخافض الّذين، ولم نجعل {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} من صفة {الّذين أنعمت عليهم} بل إذا جعلناهم غيرهم؛ وإن كان الفريقان لا شكّ منعمًا عليهما في أديانهم. فأمّا إذا وجّهنا: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} إلى أنّها من نعت {الّذين أنعمت عليهم} فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذ كان الصّريح من معناه قد أغنى عن الدّليل.
وقد يجوز نصب غير في {غير المغضوب عليهم} وإن كنت للقراءة بها كارهًا لشذوذها عن قراءة القرّاء. وإنّ ما شذّ من القراءات عمّا جاءت به الأمّة نقلاً ظاهرًا مستفيضًا، فرأيٌ للحقّ مخالفٌ وعن سبيل اللّه وسبيل رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وسبيل المسلمين متجانفٌ، وإن كان له، لو كان جائز القراءة به، في الصّواب مخرجٌ.
وتأويل وجه صوابه إذا نصبت: أن يوجّه إلى أن يكون صفةً للهاء والميم اللّتين في عليهم العائدة على الّذين، لأنّها وإن كانت مخفوضةً بعلى، فهي في محلّ نصبٍ بقوله: {أنعمت} فكان تأويل الكلام إذا نصبت غير الّتي مع المغضوب عليهم: صراط الّذين هديتهم إنعامًا منك عليهم غير مغضوبٍ عليهم، أي: لا مغضوبًا عليهم ولا ضالّين. فيكون النّصب في ذلك حينئذٍ كالنّصب في غير في قولك: مررت بعبد اللّه غير الكريم ولا الرّشيد، فتقطع غير الكريم من عبد اللّه، إذ كان عبد اللّه معرفةً مؤقّتةً وغير الكريم نكرةً مجهولةً.
وقد كان بعض نحويّي البصريّين يزعم أنّ قراءة من نصب غير في {غير المغضوب عليهم} على وجه استثناءٍ {غير المغضوب عليهم} من معاني صفة {الّذين أنعمت عليهم} كأنّه كان يرى أنّ معنى الّذين قرءوا ذلك نصبًا: {اهدنا الصّراط المستقيم * صراط الّذين أنعمت عليهم} إلاّ المغضوب عليهم الّذين لم تنعم عليهم في أديانهم ولم تهدهم للحقّ، فلا تجعلنا منهم؛ كما قال نابغة بني ذبيان:

وقفت فيها أصيلالاً أسائلها.......عيت جوابًا وما بالرّبع من أحد
إلا واريّ لأيًا ما أبيّنها.......والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
والأواريّ معلومٌ أنّها ليست من عداد أحدٍ في شيءٍ. فكذلك عنده استثنى {غير المغضوب عليهم} من {الّذين أنعمت عليهم} وإن لم يكونوا من معانيهم في الدّين في شيءٍ.
وأمّا نحويّو الكوفيّين فأنكروا هذا التّأويل واستخطئوه، وزعموا أنّ ذلك لو كان كما قاله الزّاعم ما زعم من أهل البصرة لكان خطأً أن يقال: {ولا الضّالّين} لأنّ لا نفيٌ وجحدٌ، ولا يعطف بجحدٍ إلاّ على جحدٍ؛ وقالوا: لم نجد في شيءٍ من كلام العرب استثناءً يعطف عليه بجحدٍ، وإنّما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء، وبالجحد على الجحد فيقولون في الاستثناء: قام القوم إلاّ أخاك وإلاّ أباك؛ وفي الجحد: ما قام أخوك، ولا أبوك؛ وأما قام القوم إلاّ أباك ولا أخاك، فلم نجده في كلام العرب؛ قالوا: فلمّا كان ذلك معدومًا في كلام العرب وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله، علمنا إذ كان قوله: {ولا الضّالّين} معطوفًا على قوله: {غير المغضوب عليهم} أنّ (غير) بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء، وأنّ تأويل، من وجّهها إلى الاستثناء خطأٌ.
فهذه أوجه تأويل {غير المغضوب عليهم} باختلاف أوجه إعراب ذلك.
وإنّما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجوه إعرابه، وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل آي القرآن، لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرّتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته.
والصّواب من القول في تأويله وقراءته عندنا القول الأوّل، وهو قراءة: {غير المغضوب عليهم} بخفض الرّاء من غير بتأويل أنّها صفةٌ لـ{الّذين أنعمت عليهم} ونعتٌ لهم؛ لما قد قدّمنا من البيان إن شئت، وإن شئت فبتأويل تكرار صراط كلّ ذلك صوابٌ حسنٌ.
فإن قال لنا قائلٌ: فمن هؤلاء المغضوب عليهم الّذين أمرنا اللّه جلّ ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم؟
قيل: هم الّذين وصفهم اللّه جلّ ثناؤه في تنزيله فقال: {قل هل أنبّئكم بشرٍّ من ذلك مثوبةً عند اللّه من لعنه اللّه وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطّاغوت أولئك شرٌّ مكانًا وأضلّ عن سواء السّبيل} فأعلمنا جلّ ذكره بمنّه ما أحلّ بهم من عقوبته بمعصيتهم إيّاه، ثمّ علّمنا، منّةً منه علينا، وجه السّبيل إلى النّجاة، من أن يحلّ بنا مثل الّذي حلّ بهم من المثلات، ورأفةً منه بنا.
فإن قيل: وما الدّليل على أنّهم أولاء الّذين وصفهم اللّه وذكر نبأهم في تنزيله على ما وصفت؟
قيل: حدّثني أحمد بن الوليد الرّمليّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفرٍ الرّقّيّ، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشّعبيّ، عن عديّ بن حاتمٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «المغضوب عليهم: اليهود».
- وحدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة عن سماك بن حربٍ، قال: سمعت عبّاد بن حبيشٍ يحدّث عن عديّ بن حاتمٍ قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المغضوب عليهم: اليهود».
- وحدّثني عليّ بن الحسن، قال: حدّثنا مسلم بن عبد الرّحمن، قال: حدّثنا محمّد بن مصعبٍ، عن حمّاد بن سلمة، عن سماك بن حربٍ، عن مرّيّ بن قطريٍّ، عن عديّ بن حاتمٍ قال: سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن قول اللّه جلّ وعزّ: {غير المغضوب عليهم} قال: «هم اليهود».
- وحدّثنا حميد بن مسعدة الساميّ، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا الجريريّ، عن عبد اللّه بن شقيقٍ: أنّ رجلاً أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محاصرٌ وادي القرى فقال: من هؤلاء الّذين تحاصر يا رسول اللّه؟ قال: «هؤلاء المغضوب عليهم: اليهود».
- وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن سعيدٍ الجريريّ، عن عروة، عن عبد اللّه بن شقيقٍ: أنّ رجلاً أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكر نحوه.
- وحدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن بديلٍ العقيليّ، قال: أخبرني عبد اللّه بن شقيقٍ: أنّه أخبره من سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجلٌ من بني القين، فقال: يا رسول اللّه من هؤلاء؟ قال:«المغضوب عليهم» وأشار لليهود.
- وحدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا خالدٌ الواسطيّ، عن خالدٍ الحذّاء، عن عبد اللّه بن شقيقٍ، أنّ رجلاً سأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكر نحوه.
- وحدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمّارٍ، قال: حدّثنا أبو روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{غير المغضوب عليهم} يعني اليهود الّذين غضب اللّه عليهم».
- وحدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن طلحة، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «{غير المغضوب عليهم} هم اليهود».
- وحدّثنا ابن حميدٍ الرّازيّ، قال: حدّثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهدٍ، قال: {غير المغضوب عليهم} قال: «هم اليهود».
- حدّثنا أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال: حدّثنا عبيد اللّه، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: {غير المغضوب عليهم} قال: «اليهود».

- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: {غير المغضوب عليهم} قال: «اليهود».
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: «{غير المغضوب عليهم}: اليهود».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني ابن زيدٍ، عن أبيه، قال: «{المغضوب عليهم}: اليهود».
قال أبو جعفرٍ: واختلف في صفة الغضب من اللّه جلّ ذكره؛
فقال بعضهم: غضب اللّه على من غضب عليه من خلقه إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إمّا في دنياه، وإمّا في آخرته، كما وصف به نفسه جلّ ذكره في كتابه فقال: {فلمّا آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} وكما قال: {قل هل أنبّئكم بشرٍّ من ذلك مثوبةً عند اللّه من لعنه اللّه وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير}.
وقال بعضهم: غضب اللّه على من غضب عليه من عباده ذمٌّ منه لهم ولأفعالهم، وشتمٌ منه لهم بالقول.
وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهومٌ، كالّذي يعرف من معاني الغضب. غير أنّه وإن كان كذلك من جهة الإثبات، فمخالفٌ معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميّين الّذى يزعجهم ويحرّكهم ويشقّ عليهم ويؤذيهم؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه لا تحلّ ذاته الآفات، ولكنّه له صفةٌ كما العلم له صفةٌ، والقدرة له صفةٌ على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد الّتي هي معارف القلوب وقواهم الّتي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها.
القول في تأويل قوله تعالى: {ولا الضّالّين}.
قال أبو جعفرٍ: كان بعض أهل البصرة يزعم أنّ لا مع الضّالّين أدخلت تتميمًا للكلام والمعنى إلغاؤها، يستشهد على قيله ذلك ببيت العجّاج:
في بئرٍ لا حورٍ سرى وما شعر
ويتأوّله بمعنى: في بئر حورٍ سرى، أي: في بئر هلكةٍ، وأنّ لا بمعنى الإلغاء والصّلة. ويعتلّ أيضًا لذلك بقول أبي النّجم:

فما ألوم البيض أن لا تسخرا.......لمّا رأين الشّمط القفندرا
وهو يريد: فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص:

ويلحينني في اللّهو أن لا أحبّه.......وللّهو داعٍ دائبٌ غير غافل
يريد: ويلحينني في اللّهو أن أحبّه. وبقوله تعالى: {ما منعك ألاّ تسجد} يريد أن تسجد.
وحكي عن قائل هذه المقالة أنّه كان يتأوّل غير الّتي مع المغضوب عليهم أنّها بمعنى سوى، فكان معنى الكلام كان عنده: {اهدنا الصّراط المستقيم * صراط الّذين أنعمت عليهم} الّذين هم سوى المغضوب عليهم والضّالين.
وكان بعض نحويّي الكوفيين يستنكر ذلك من قوله، ويزعم أنّ (غير) الّتي مع المغضوب عليهم لو كانت بمعنى سوى لكان خطأً أن يعطف عليها بـ(لا)، إذ كانت (لا) لا يعطف بها إلاّ على جحدٍ قد تقدّمها. كما كان خطأً قول القائل: عندي سوى أخيك، ولا أبيك؛ لأنّ سوى ليست من حروف النّفي والجحود؛ ويقول: لمّا كان ذلك خطأً في كلام العرب، وكان القرآن بأفصح اللّغات من لغات العرب. كان معلومًا أنّ الّذي زعمه القائل أنّ (غير) مع (المغضوب عليهم) بمعنى: سوى المغضوب عليهم خطأٌ، إذ كان قد كرّ عليه الكلام بلا. وكان يزعم أنّ غير هنالك إنّما هي بمعنى الجحد. وكان صحيحًا في كلام العرب وفاشيًا ظاهرًا في منطقها توجيه غير إلى معنى النّفي ومستعملاً فيهم: أخوك غير محسنٍ ولا مجملٍ، يراد بذلك أخوك لا محسنٌ، ولا مجملٌ، ويستنكر أن تأتي لا بمعنى الحذف في الكلام مبتدأً ولمّا يتقدّمها جحدٌ، ويقول: لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مبتدأً قبل دلالةٍ تدلّ، على ذلك من جحدٍ سابقٍ، لصحّ قول قائلٍ قال: أردت أن لا أكرم أخاك، بمعنى: أردت أن أكرم أخاك. وكان يقول: ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك دلالةٌ واضحةٌ على أنّ لا تأتي مبتدأةً بمعنى الحذف، ولمّا يتقدّمها جحدٌ. وكان يتأوّله في (لا) الّتي في بيت العجّاج الّذي ذكرنا أنّ البصريّ استشهد به لقوله إنّها جحدٌ صحيحٌ، وأنّ معنى البيت: سرى في بئرٍ لا تحير عليه خيرًا، ولا يتبيّن له فيها أثر عملٍ، وهو لا يشعر بذلك ولا يدري به. من قولهم: طحنت الطّاحنة فما أحارت شيئًا؛ أي: لم يتبيّن لها أثر عملٍ. ويقول في سائر الأبيات الأخر، أعني مثل بيت أبي النّجم:


فما ألوم البيض أن لا تسخرا
إنّما جاز أن تكون لا بمعنى الحذف، لأنّ الجحد قد تقدّمها في أوّل الكلام، فكان الكلام الآخر مواصلاً للأوّل، كما قال الشّاعر:

ما كان يرضى رسول اللّه فعلهم.......والطّيّبان أبو بكرٍ ولا عمر
فجاز ذلك، إذ كان قد تقدّم الجحد في أوّل الكلام.
قال أبو جعفرٍ: وهذا القول الآخر أولى بالصّواب من الأوّل، إذ كان غير موجودٍ في كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحدٍ تقدّمه بلا الّتي معناها الحذف، ولا جائزٌ العطف بها على سوى، ولا على حرف الاستثناء. وإنّما لـ(غير) في كلام العرب معانٍ ثلاثةٌ:
أحدها الاستثناء، والآخر الجحد، والثّالث سوى،
فإذا ثبت خطأ أن لا تكون بمعنى الإلغاء مبتدأٌ وفسد أن يكون عطفًا على غير الّتي مع {المغضوب عليهم} لو كانت بمعنى إلاّ الّتي هي استثناءٌ، ولم يجز أيضًا أن يكون عطفًا عليها لو كانت بمعنى سوى، وكانت لا موجودةً عطفًا بالواو الّتي هي عاطفةٌ لها على ما قبلها، صحّ وثبت أن لا وجه لغير الّتي مع {المغضوب عليهم} يجوز توجيهها إليه على صحّة إلاّ بمعنى الجحد والنّفي، وأن لا وجه لقوله: {ولا الضّالّين} إلاّ العطف على {غير المغضوب عليهم}.
فتأويل الكلام إذًا إذ كان صحيحًا ما قلنا بالّذي عليه استشهدنا: {اهدنا الصّراط المستقيم * صراط الّذين أنعمت عليهم} لا المغضوب عليهم ولا الضّالّين.
فإن قال لنا قائلٌ: ومن هؤلاء الضّالّون الّذين أمرنا اللّه بالاستعاذة باللّه أن يسلك بنا سبيلهم، ونضلّ ضلالهم؟
قيل: هم الّذين وصفهم اللّه في تنزيله، فقال: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قومٍ قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيرًا وضلّوا عن سواء السّبيل}.
فإن قال: وما برهانك على أنّهم أولاء؟
قيل: حدّثنا أحمد بن الوليد الرّمليّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفرٍ، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشّعبيّ، عن عديّ بن حاتمٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {ولا الضّالّين} قال: «النّصارى».
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، أنبأنا محمّد بن جعفرٍ، أنبأنا شعبة عن سماكٍ، قال: سمعت عبّاد بن حبيشٍ يحدّث عن عديّ بن حاتمٍ، قال:قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ الضّالّين: النّصارى».
- وحدّثني عليّ بن الحسن، قال: حدّثنا مسلمٌ بن عبد الرّحمن، قالا: حدّثنا محمّد بن مصعبٍ، عن حمّاد بن سلمة، عن سماك بن حربٍ، عن مرّيّ بن قطريٍّ، عن عديّ بن حاتمٍ، قال:سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن قول اللّه: {ولا الضّالّين} قال: «النّصارى هم الضّالّون».
- حدّثنا حميد بن مسعدة الساميّ، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا الجريريّ، عن عبد اللّه بن شقيقٍ: أنّ رجلاً، أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محاصر وادي القرى قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء الضّالّون: النّصارى».
- وحدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن سعيدٍ الجريريّ، عن عروة يعني ابن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن شقيقٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ عن بديلٍ العقيليّ، قال: أخبرني عبد اللّه بن شقيقٍ، أنّه أخبره من سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجلٌ من بني القين فقال: يا رسول اللّه من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء الضّالّون» يعني النّصارى.
- وحدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا خالدٌ الواسطيّ، عن خالدٍ الحذّاء، عن عبد اللّه بن شقيقٍ أنّ رجلاً سأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو محاصرٌ وادي القرى وهو على فرسٍ من هؤلاء؟ قال: «الضّالّون» يعني النّصارى .
- وحدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهدٍ: {ولا الضّالّين} قال: «النّصارى».
- وحدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر بن عمّارٍ، قال: حدّثنا أبو روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {ولا الضّالّين} قال: «وغير طريق النّصارى الّذين أضلّهم اللّه بفريتهم عليه». قال: «يقول: فألهمنا دينك الحقّ، وهو لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، حتّى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود ولا تضلّنا كما أضللت النّصارى فتعذّبنا بما تعذّبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك».
- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: «الضّالّين: النّصارى».
- وحدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن محمّدٍ الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «{ولا الضّالّين}: هم النّصارى».
- وحدّثني أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال: أخبرنا عبيد اللّه بن موسى، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: «{ولا الضّالّين} النّصارى».
- وحدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبد الرّحمن بن زيدٍ: «{ولا الضّالّين} النّصارى».
- وحدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن زيدٍ، عن أبيه، قال: «{ولا الضّالّين} النّصارى».
قال أبو جعفرٍ: فكلّ جائر عن قصد السّبيل وسالكٍ غير المنهج القويم فضالٌّ عند العرب لإضلاله وجه الطّريق، فلذلك سمّى اللّه جلّ ذكره النّصارى ضلاّلاً لخطئهم في الحقّ منهج السّبيل، وأخذهم من الدّين في غير الطّريق المستقيم.
فإن قال قائلٌ: أوليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟
قيل: بلى.
فإن قال: كيف خصّ النّصارى بهذه الصّفة، وخصّ اليهود بما وصفهم به من أنّهم مغضوبٌ عليهم؟
قيل: إنّ كلا الفريقين ضلاّلٌ مغضوبٌ عليهم، غير أنّ اللّه جلّ ثناؤه وسم كلّ فريقٍ منهم من صفته لعباده بما يعرفونه به إذا ذكره لهم، أو أخبرهم عنه، ولم يسمّ واحدًا من الفريقين إلاّ بما هو له صفةٌ على حقيقته، وإن كان له من صفات الذّمّ زياداتٌ عليه.
وقد ظنّ بعض أهل الغباء من القدريّة أنّ في وصف اللّه جلّ ثناؤه النّصارى بالضّلال بقوله: {ولا الضّالّين} وإضافته الضّلاّل إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه،وتركه وصفهم بأنّهم المضلّلون كالّذي وصف به اليهود أنّهم المغضوب عليهم، دلالةً على صحّة ما قاله إخوانه من جهلة القدريّة جهلاً منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه. ولو كان الأمر على ما ظنّه الغبيّ الّذي وصفنا شأنه لوجب أن يكون شأن كلّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ لا يجوز أن يكون فيه سببٌ لغيره، وأن يكون كلّ ما كان فيه من ذلك لغيره سببٌ فالحقّ فيه أن يكون مضافًا إلى مسبّبه، ولو وجب ذلك لوجب أن يكون خطأً قول القائل: تحرّكت الشّجرة إذا حرّكتها الرّياح، واضطربت الأرض، إذا حرّكتها الزّلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الّذي يطول بإحصائه الكتاب.
وفي قول اللّه جلّ ثناؤه: {حتّى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} وإضافته الجري إلى الفلك، وإن كان جريها بإجراء غيرها إيّاها، ما يدلّ على خطأ التّأويل الّذي تأوّله من وصفنا قوله في قوله: {ولا الضّالّين} وادّعائه أنّ في نسبة اللّه جلّ ثناؤه الضّلالة إلى من نسبها إليه من النّصارى تصحيحًا لما ادّعى المنكرون أن للّه في أفعال خلقه سببٌا من أجله وجدت أفعالهم، مع إبانة اللّه عزّ ذكره نصًّا في آيٍ كثيرةٍ من تنزيله أنّه المضلّ الهادي؛ فمن ذلك قوله جلّ ثناؤه: {أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه وأضلّه اللّه على علمٍ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً فمن يهديه من بعد اللّه أفلا تذكّرون} فأنبأ جلّ ذكره أنّه المضلّ الهادي دون غيره.
ولكنّ القرآن نزل بلسان العرب، على ما قد قدّمنا البيان عنه في أوّل الكتاب. ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه، وإن كان مسبّبه غير الّذي وجد منه أحيانًا، وأحيانًا إلى مسبّبه، وإن كان الّذي وجد منه الفعل غيره. فكيف بالفعل الّذي يكتسبه العبد كسبًا ويوجده اللّه جلّ ثناؤه عينًا ونشأةً؟ بل ذلك أحرى أن يضاف إلى مكتسبه كسبًا له بالقوّة منه عليه والاختيار منه له، وإلى اللّه جلّ ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرًا.
مسألةٌ يسأل عنها أهل الإلحاد الطّاعنون في القرآن
إن سألنا منهم سائلٌ فقال: إنّك قد قدّمت في أوّل كتابك هذا في وصف البيان بأنّ أعلاه درجةً وأشرفه مرتبةً، أبلغه في الإبانة عن حاجة المبين به عن نفسه وأبينه عن مراد قائله وأقربه من فهم سامعه، وقلت مع ذلك إنّ أولى البيان بأن يكون كذلك كلام اللّه جلّ ثناؤه لفضله على سائر الكلام وبارتفاع درجته على أعلى درجات البيان. فما الوجه إذ كان الأمر على ما وصفت في إطالة الكلام بمثل سورة أمّ القرآن بسبع آياتٍ؟
وقد حوت معاني جميعها منها آيتان، وذلك قوله: {مالك يوم الدّين}، {إيّاك نعبد وإيّاك نستعين} إذ كان لا شكّ أنّ من عرف: {مالك يوم الدّين} فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى. وأنّ من كان للّه مطيعًا، فلا شكّ أنّه لسبيل من أنعم اللّه عليه في دينه متّبعٌ، وعن سبيل من غضب عليه وضلّ منعدلٌ، فما في زيادة الآيات الخمس الباقية من الحكمة الّتي لم تحوها الآيتان اللّتان ذكرنا؟
قيل له: إنّ اللّه تعالى ذكره جمع لنبيّنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ولأمّته بما أنزل إليه من كتابه معاني لم يجمعهنّ بكتابٍ أنزله إلى نبيٍّ قبله ولا لأمّةٍ من الأمم قبلهم. وذلك أنّ كلّ كتابٍ أنزله جلّ ذكره على نبيٍّ من أنبيائه قبله، فإنّما أنزل ببعض المعاني الّتي يحوي جميعها كتابه الّذي أنزله إلى نبيّنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، كالتّوراة الّتي هي مواعظ وتفصيلٌ، والزّبور الّذي هو تحميدٌ وتمجيدٌ، والإنجيل الّذي هو مواعظ وتذكيرٌ؛ لا معجزة في واحدٍ منها تشهد لمن أنزل إليه بالتّصديق. والكتاب الّذي أنزل على نبيّنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم يحوي معاني ذلك كلّه، ويزيد عليه كثيرًا من المعاني الّتي سائر الكتب غيره منها خالٍ، وقد قدّمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب.
ومن أشرف تلك المعاني الّتي فضل بها كتابنا سائر الكتب قبله: نظمه العجيب، ورصفه الغريب، وتأليفه البديع، الّذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورةٍ منه الخطباء، وكلّت عن رصف شكل بعضه البلغاء، وتحيّرت في تأليفه الشّعراء، وتبلّدت قصورًا عن أن تأتي بمثله لديه أفهام الفهماء.
فلم يجدوا له إلاّ التّسليم، والإقرار بأنّه من عند الواحد القهّار، مع ما يحوي مع ذلك من المعاني الّتي هي ترغيبٌ، وترهيبٌ، وأمرٌ، وزجرٌ، وقصصٌ، وجدلٌ، ومثلٌ، وما أشبه ذلك من المعاني الّتي لم تجتمع في كتابٍ أنزل إلى الأرض من السّماء. فمهما يكن فيه من إطالةٍ على نحو ما في أمّ القرآن، فلما وصفت قبل من أنّ اللّه جلّ ذكره أراد أن يجمع برصفه العجيب، ونظمه الغريب، المنعدل عن أوزان الأشعار، وسجع الكهّان، وخطب الخطباء، ورسائل البلغاء، العاجز عن وصف مثله جميع الأنام، وعن نظم نظيره كلّ العباد الدّلالة على نبوّة نبيّنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
وبما فيه من تحميدٍ وتمجيدٍ وثناءٍ عليه، تنبيهًا للعباد على عظمته وسلطانه وقدرته وعظم مملكته، ليذكروه بآلائه ويحمدوه على نعمائه، فيستحقّوا به منه المزيد ويستوجبوا عليه الثّواب الجزيل.
وبما فيه من نعت من أنعم عليه بمعرفته، وتفضّل عليه بتوفيقه لطاعته، تعريف عباده أنّ كلّ ما بهم من نعمةٍ في دينهم ودنياهم فمنه، ليصرفوا رغبتهم إليه، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دون ما سواه من الآلهة والأنداد.
وبما فيه من ذكره ما أحلّ بمن عصاه من مثلاته، وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته؛ ترهيب عباده عن ركوب معاصيه، والتّعرّض لما لا قبل لهم به من سخطه، فيسلك بهم في النّكال والنّقمات سبيل من ركب ذلك من الهلاّك.
فذلك وجه إطالة البيان في سورة أمّ القرآن، وفيما كان نظيرًا لها من سائر سور الفرقان، وذلك هو الحكمة البالغة والحجّة الكاملة
). [جامع البيان: 1/ 186-201]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): {صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين (7)}
قوله: {صراط الّذين أنعمت عليهم}

- به عن ابن عبّاسٍ: {صراط الّذين أنعمت عليهم} يقول: «طريق من أنعمت عليهم».
قوله تعالى: {أنعمت عليهم}
الوجه الأول
- وبه عن ابن عبّاسٍ: قوله: {أنعمت عليهم} يقول: «الملائكة والنّبيّين والصّدّيقين والشّهداء الّذين أطاعوني وعبدوني».
والوجه الثّاني
- حدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة، ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {صراط الّذين أنعمت عليهم} قال: «هم المؤمنون».

قوله: {غير المغضوب عليهم}
- حدّثنا علان بن المغيرة المصريّ، ثنا أحمد بن حنبلٍ، ثنا محمّد بن جعفرٍ غندرٌ، ثنا شعبة قال: سمعت سماك بن حربٍ يقول: سمعت عبّاد بن حبيشٍ يحدّث عن عديّ بن حاتمٍ قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم-: «{المغضوب عليهم}: اليهود، {ولا الضّالّين}: النّصارى». قال أبو سعيد: ولا أعلم بين المفسّرين في هذا الحرف اختلافًا.
قوله تعالى: {ولا الضّالّين}
- حدّثنا محمّد بن عمّار بن الحارث، ثنا عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن سعدٍ الدّشتكيّ، أنبأ عمرو بن أبي قيسٍ، عن سماك بن حربٍ، عن عبّاد بن حبيشٍ، عن عديّ بن حاتمٍ قال: أتيت رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وهو جالسٌ في المسجد فقال: «إنّ اليهود مغضوبٌ عليهم، والنّصارى ضلالٌ».
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن العلاء أبو كريبٍ، ثنا عثمان بن سعيدٍ، ثنا بشر بن عمارة، ثنا أبو روقٍ عن الضّحّاك، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ: «وغير طريق الظالمين، وهم النّصارى الّذين أضلّهم اللّه بعزّيّتهم عليه، يقول: فألهمنا دينك الحقّ، وهو لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له حتّى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود، ولا تضلّنا كما أضللت النّصارى فتعذّبنا كما تعذّبهم. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك ورقّتك وقدرتك». قال أبو محمّدٍ: ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين المفسرين). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 31]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) - عدي بن حاتم- رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المغضوب عليهم: اليهود، والضالّين: النّصارى».
هذا لفظ الترمذي، وهو طرفٌ من حديثٍ طويل يتضمّن إسلام عديّ بن حاتم، وهو مذكور في كتاب «الفضائل» من حرف «الفاء»). [جامع الأصول: 2/ 7]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (- وعن عبد اللّه بن شقيقٍ أنّه أخبره من سمع النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- يقول وهو بوادي القرى، وهو على فرسه، وسأله رجلٌ من بلقين، فقال لرسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء المغضوب عليهم» وأشار إلى اليهود. فقال: من هؤلاء؟ قال: «الضّالّون» يعني النّصارى.
وجاءه رجلٌ فقال: استشهد مولاك -أو غلامك- فلانٌ، قال: «بل يجرّ إلى النّار في عباءةٍ غلّها».
- وفي روايةٍ بسنده: وسأله رجلٌ من بلقين، فقال: «يا رسول اللّه، من هؤلاء المغضوب عليهم؟» فأشار إلى اليهود، فذكر نحوه.
رواه كلّه أحمد، ورجال الجميع رجال الصّحيح). [مجمع الزوائد: 6 /310-311]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن عبد اللّه - يعني ابن مسعودٍ - أنّه قرأ على رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: {مالك يوم الدّين} بالألف، غير المغضوب عليهم، خفضٍ، رواه الطّبرانيّ، وفيه الفيّاض بن غزوان وهو ضعيفٌ، وجماعةٌ لم أعرفهم). [مجمع الزوائد: 6/ 311] (م)
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (أخبرنا محمّد بن عبد الرّحمن السّاميّ حدّثنا حمد بن حنبلٍ حدّثنا محمّد بن جعفرٍ حدّثنا شعبة قال سمعت سماك بن حربٍ قال سمعت عبّاد بن حبيشٍ يحدّث عن عديّ بن حاتمٍ أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «المغضوب عليهم: اليهود، والضّالّين: النّصارى»). [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: 1/ 424]

قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.
-أخرج وكيع وأبو عبيد وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي داود، وابن الأنباري كلاهما في المصاحف من طرق عمر بن الخطاب، أنه كان يقرأ (صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين).
-وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن أبي داود، وابن الأنباري عن عبد الله بن الزبير قرأ (صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين) في الصلاة.
-وأخرج ابن الأنباري عن الحسن أنه كان يقرأ (عليهمي) بكسر الهاء والميم واثبات الياء.
-وأخرج ابن الأنباري عن الأعرج أنه كان يقرأ (عليهمو) بضم الهاء والميم وإلحاق الواو.
-وأخرج ابن الأنباري عن عبد الله بن كثير أنه كان يقرأ (أنعمت عليهمو) بكسر الهاء وضم الميم مع إلحاق الواو.
-وأخرج ابن الأنباري عن ابن إسحاق أنه قرأ {عليهم} بضم الهاء والميم من غير إلحاق واو.
-وأخرج ابن أبي داود عن إبراهيم قال: كان عكرمة والأسود يقرآنها (صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين).
-وأخرج الثعلبي عن أبي هريرة قال: «{أنعمت عليهم} الآية السادسة».
-وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} يقول: «طريق من أنعمت عليهم من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أطاعوك وعبدوك».
-وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} قال: «المؤمنين».
-وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في قوله {صراط الذين} قال: «النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومن معه».
-وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} قال: «النبيون»، {غير المغضوب عليهم} قال: «اليهود»، {ولا الضالين} قال: «النصارى».
-وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {غير المغضوب عليهم} قال: «اليهود»، {ولا الضالين} قال: «النصارى».
-وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: «اليهود والنصارى».
-وأخرج عبد الرزاق وأحمد في مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير والبغوي في معجم الصحابة، وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن شقيق قال: أخبرني من سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى على فرس له وسأله رجل من بني العين فقال: من المغضوب عليهم يا رسول الله؟ قال: «اليهود» قال: فمن الضالون؟ قال: «النصارى».
-وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاصر أهل وادي القرى فقال له رجل: من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء المغضوب عليهم» يعني اليهود، قال: يا رسول الله فمن هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: «هؤلاء الضالون» يعني النصارى.
-وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {المغضوب عليهم} قال: «اليهود» قلت: {الضالين} قال: «النصارى».
-وأخرج البيهقي في الشعب من طريق عبد الله بن شقيق عن رجل من بلعين عن ابن عم له أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى فقلت: من هؤلاء عندك؟ قال: «{المغضوب عليهم}: اليهود {ولا الضالين} النصارى».
-وأخرج سفيان بن عيينة في تفسيره وسعيد بن منصور عن إسماعيل بن أبي خالد أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «المغضوب عليهم اليهود، والضالون هم النصارى».
-وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى».
-وأخرج أحمد وأبو داود، وابن حبان والحاكم وصححه والطبراني عن الشريد قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على إلية يدي قال: «أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟!».
-وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود قال: «{المغضوب عليهم} اليهود و{الضالين} النصارى».
-وأخرج ابن جريج عن مجاهد، مثله، قال ابن أبي حاتم: لا أعلم خلافا بين المفسرين في تفسير {المغضوب عليهم} باليهود {الضالين} بالنصارى). [الدر المنثور: 1/ 81-87]

التأمين بعد: {ولا الضالين}
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (ذكر آمين:
-أخرج وكيع، وابن أبي شيبة عن أبي ميسرة قال: «لما أقرأ جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فبلغ {ولا الضالين} قال: قل آمين فقال: آمين».
-وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي، وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في "سننه" عن وائل بن حجر الحضرمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقال: «آمين» يمد بها صوته.
-وأخرج الطبراني والبيهقي عن وائل بن حجر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: «رب اغفر لي، آمين».
-وأخرج الطبراني عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في الصلاة فلما فرغ من فاتحة الكتاب قال: «آمين» ثلاث مرات.
-وأخرج ابن ماجه عن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال {ولا الضالين} قال: «آمين».
-وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ -يعني الإمام- {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا: آمين يحبكم الله».
-وأخرج مالك والشافعي، وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
-وأخرج أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه بسند جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الذين خلفه: آمين، التقت من أهل السماء وأهل الأرض، ومن لم يقل: آمين، كمثل رجل غزا مع قوم فاقترعوا سهامهم ولم يخرج سهمه، فقال: ما لسهمي لم يخرج؟، قال: إنك لم تقل: آمين».
-وأخرج أبو داود بسند حسن عن أبي زهير النميري وكان من الصحابة أنه كان إذا دعا الرجل بدعاء قال: «اختمه بآمين فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة». وقال أخبركم عن ذلك: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح في المسألة فوقف النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسمع منه فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «أوجب إن ختم»، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: «بآمين فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب».
-وأخرج أحمد، وابن ماجه والبيهقي في "سننه" عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم علي التأمين».
-وأخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين».
-وأخرج ابن عدي في الكامل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اليهود قوم حسد حسدوكم على ثلاثة أشياء: إفشاء السلام، وإقامة الصف، وآمين».
-وأخرج الطبراني في الأوسط عن معاذ بن جبل أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن اليهود قوم حسد ولم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث: رد السلام، وإقامة الصفوف، وقولهم خلف إمامهم في المكتوبة: آمين».
-وأخرج الحارث بن أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أعطيت ثلاث خصال: أعطيت صلاة الصفوف، وأعطيت السلام وهو تحية أهل الجنة، وأعطيت آمين، ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا أن يكون الله أعطاها هرون فإن موسى كان يدعو وهرون يؤمن»، ولفظ الحكيم: «إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم يعطها أحد قبلهم: السلام وهو تحية أهل الجنة، وصفوف الملائكة، وآمين إلا ما كان من موسى وهرون».
-وأخرج الطبراني في الدعاء، وابن عدي، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين».
-وأخرج جوبير في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس قال: قلت: يا رسول الله ما معنى آمين؟ قال: «رب افعل».
-وأخرج الثعلبي من طريق الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس، مثله.
-وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة في المصنف عن هلال بن يساف ومجاهد قالا: «آمين اسم من أسماء الله».
-وأخرج ابن أبي شيبة عن حكيم بن جبير، مثله.
-وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: «كان يستحب إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} أن يقال: اللهم اغفر لي، آمين».
-وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: «إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقل: اللهم إني أسالك الجنة وأعوذ بك من النار».
-وأخرج ابن أبي شيبة عن الربيع بن خيثم قال: «إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فاستعن من الدعاء ما شئت».
-وأخرج ابن شاهين في السنة عن إسماعيل بن مسلم قال: في حرف أبي بن كعب (غير المغضوب عليهم وغير الضالين آمين بسم الله)، قال إسماعيل: وكان الحسن إذا سئل عن آمين ما تفسيرها: «هو اللهم استجب»). [الدر المنثور: 1/ 87-93]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} ثم قرأ فاتحة الكتاب ثم قال: آمين لم يبق في السماء ملك مقرب إلا استغفر له»). [الدر المنثور: 1 /93]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 07:40 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,321
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ) : ({الصّراط}: الطريق، المنهاج الواضح، قال:
فصدّ عن نهج الصّراط القاصد
وقال جرير:
أمير المؤمنين على صراطٍ.......إذا اعوجّ الموارد مستقيم
والموارد: الطرق، ما وردت عليه من ماء، وكذلك القرىّ وقال:

وطئنا أرضهم بالخيل حتى.......تركناهم أذلّ من الصراط
). [مجاز القرآن: 1 /24-25]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({اهدنا الصّراط المستقيم} وأما قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم}، فيقول: "عرّفنا"، وأهل الحجاز يقولون: "هديته الطريق" أي: عرّفته، وكذلك "هديته البيت" في لغتهم، وغيرهم يلّحق به "إلى"). [معاني القرآن: 1/ 11]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({الصراط}: الطريق. وقال بعض المفسرين: هو كتاب الله عز وجل. وقال آخرون: هو الإسلام).
[غريب القرآن وتفسيره: 61]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : (و{الصّراط}: الطريق، ومثله: {وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل}، ومثله: {وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ}).
[تفسير غريب القرآن: 38]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (قوله عزّ وجلّ: {اهدنا الصّراط المستقيم (6)} معناه: المنهاج الواضح، قال الشاعر:

أمير المؤمنين على صراط.......إذا اعوج المناهج مستقيم
أي: على طريق واضح.
ومعنى {اهدنا} وهم مهتدون: ثبّتنا على الهدى، كما تقول للرجل القائم: قم لي حتى أعود إليك. تعني: أثبت لي على ما أنت عليه).
[معاني القرآن: 1 /49]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} وهم على الهدى، أي: ثبتنا، كما تقول للقائم قم حتى أعود إليك، أي: إثبت قائماً.
ومعنى {اهدنا}: أرشدنا، وأصل هدى: أرشد، ومنه {واهدنا إلى سواء الصراط}، ويكون هدى بمعنى: بين، كما قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم}، ويكون هدى بمعنى: ألهم، كما قال تعالى: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}: أي: ألهمه مصلحته، وقيل: إتيان الأنثى.
ويكون هدى بمعنى: دعا، كما قال تعالى: {ولكل قوم هاد} أي: نبي يدعوهم.
وأصل هذا كله: أرشد، والمعنى: أرشدنا إلى الصراط المستقيم.
- حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، قال: حدثنا هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدثنا أبو إسحاق النحوي، عن حمزة بن حبيب، عن حمران بن أعين، عن أبي منصور بن أخي الحارث، عن الحارث، عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«الصراط المستقيم كتاب الله».
وروى مسعر، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} قال: «كتاب الله».
وروى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: «هو الإسلام».
والصراط في اللغة: الطريق الواضح، وكتاب الله بمنزلة الطريق الواضح، وكذلك الإسلام، وقال جرير:
أمير المؤمنين على صراط.......إذا اعوج الموارد مستقيم
أمير المؤمنين جمعت دينا
.......وحلما فاضلا لذوي الحلوم

). [معاني القرآن: 1/66-68]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (أنا ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: {الصراط}: الطريق).
[ياقوتة الصراط: 167]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الصراط}: الطريق، وهو دين الإسلام). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 21]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الصِّرَاطَ}: الطريق، {المُستَقِيمَ}: المستوي، يعني : الإسلام).
[العمدة في غريب القرآن: 68]

تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): ( (عليهُم) و(عليهِم) وهما لغتان؛ لكل لغة مذهبٌ في العربية.
فأما من رفع الهاء فإنه يقول: أصلها رفعٌ في نصبها وخفضها ورفعها؛ فأما الرفع فقولهم: "هم قالوا ذاك"، في الابتداء؛ ألا ترى أنها مرفوعة لا يجوز فتحها ولا كسرها، والنصب في قولك: "ضربهم" مرفوعة لا يجوز فتحها ولا كسرها؛ فتركت في "عليهم" على جهتها الأولى .
وأما من قال: "عليهم" ؛ فإنه استثقل الضمّة في الهاء وقبلها ياء ساكنة، فقال: "عليهم" لكثرة دور المكنيّ في الكلام، وكذلك يفعلون بها إذا اتصلت بحرف مكسور مثل"بهم" و"بهم"، يجوز فيه الوجهان مع الكسرة والياء الساكنة، ولا تبال أن تكون الياء مفتوحاً ما قبلها أو مكسوراً؛ فإذا انفتح ما قبل الياء، فصارت ألفاً في اللفظ لم يجز في "هم" إلا الرفع؛ مثل قوله تبارك وتعالى: {وردّوا إلى اللّه مولاهُم الحقّ} ولا يجوز: "مولاهِم الحقّ"، وقوله: {فبهداهُم اقتده} لا يجوز "فبهداهِم اقتده".
ومثله مما قالوا فيه بالوجهين إذا وليته ياء ساكنة أو كسرة، قوله: {وإنّه في أمّ الكتاب} و{حتّى يبعث في أمّها رسولاً} يجوز رفع الألف من "أمّ" و"أمها"، وكسرها في الحرفين جميعاً لمكان الياء والكسرة، مثل قوله تّبارك وتعالى: {فلأمّه السّدس}، وقول من روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
أوصى امرأً بأمّه، فمن رفع قال: الرفع هو الأصل في الأمّ والأمّهات، ومن كسر قال: هي كثيرة المجرى في الكلام؛ فاستثقل ضمةً قبلها ياء ساكنة أو كسرة، وإنما يجوز كسر ألف "أمّ" إذا وليها كسرة أو ياء؛ فإذا انفتح ما قبلها فقلت: "فلان عندَ أمّه"، لم يجز أن تقول: عند إمّه، وكذلك إذا كان ما قبلها حرفا مضموما لم يجز كسرها؛ فتقول: "اتّبعتُ أمّه"، ولا يجوز الكسر.
وكذلك إذا كان ما قبلها حرفا مجزوما لم يكن في الأمّ إلا ضم الألف؛ كقولك: "منْ أمّه" و"عنْ أمّه". ألا ترى أنك تقول: عنْهُم ومنْهُم واضربْهُم، ولا تقول: عنْهِم ولا منْهِم ولا اضربْهِم، فكل موضع حسن فيه كسر الهاء مثل قولهم: فيهِم وأشباهها، جاز فيه كسر الألف من "أمّ" وهي قياسها، ولا يجوز أن تقول: كتب إلى إمّه ولا على إمّه؛ لأن الذي قبلها ألف في اللفظ وإنما هي ياء في الكتاب: "إلى" و"على"، وكذلك: قد طالت يدا أمه بالخير، ولا يجوز أن تقول: يدا إمّه، فإن قلت: جلس بين يدي أمّه، جاز كسرها وضمها؛ لأن الذي قبلها ياء، ومن ذلك أن تقول: هم ضاربو أمّهاتهم؛ برفع الألف لا يكون غيره، وتقول: ما هم بضاربي أمّهاتهم وإمّهاتهم؛ يجوز الوجهان جميعاً لمكان الياء، ولا تبال أن يكون ما قبل ألف "أمّ" موصولاً بها أو منقطعاً منها؛ والوجهان يجوزان فيه؛ تقول: هذه أمّ زيد وإمّ زيد، وإذا ابتدأتها لم تكن إلا مرفوعة، كما كانت "هم" لا تكون إلا مرفوعة في الابتداء، فأما "هم" فلا تكسر إلا مع حرف يتصل بها لا يفرق بينه وبينها مثل" بهم"). [معاني القرآن: 1/ 5-6]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم...}: بخفض "غير" لأنها نعت للذين، لا للهاء والميم من "عليهم". وإنما جاز أن تكون {غير} نعتاً لمعرفة؛ لأنها قد أضيفت إلى اسم فيه ألف ولام، وليس بمصمودٍ له ولا الأوّل أيضا بمصمود له، وهي في الكلام بمنزلة قولك: لا أمرّ إلا بالصادق غير الكاذب؛ كأنك تريد بمن يصدق ولا يكذب. ولا يجوز أن تقول "مررت بعبد الله غير الظريف" إلا على التكرير؛ لأن عبد الله موقّت، و"غير" في مذهب نكرةٍ غير موقتة، ولا تكون نعتا إلا لمعرفة غير موقتة. والنصب جائز في "غير" تجعله قطعا من "عليهم". وقد يجوز أن تجعل "الذين" قبلها في موضع توقيت، وتخفض "غير" على التكرير: "صراط غير المغضوب عليهم".
وأما قوله تعالى: {ولا الضّالّين} فإن معنى "غير" معنى "لا"، فلذلك ردّت عليها {ولا}، هذا كما تقول: فلان غير محسن ولا مجمل؛ فإذا كانت "غير" بمعنى سوى لم يجز أن تكرّ عليها "لا"؛ ألا ترى أنه لا يجوز: عندي سوى عبد الله ولا زيد.
وقد قال بعض من لا يعرف العربية: إن معنى "غير" في "الحمد" معنى "سوى"، وإن "لا" صلة في الكلام، واحتجّ بقول الشاعر:


في بئر لاحورٍ سرى وما شعر
وهذا غير جائز؛ لأن المعنى وقع على ما لا يتبين فيه عمله، فهو جحد محض. وإنما يجوز أن تجعل "لا" صلة إذا اتصلت بجحد قبلها؛ مثل قوله:

ما كان يرضى رسول الله دينهم.......والطيّبان أبو بكر ولا عمر
فجعل"لا" صلة لمكان الجحد الذي في أوّل الكلام؛ هذا التفسير أوضح؛ أراد في بئر لا حور، "لا" الصحيحة في الجحد؛ لأنه أراد في: بئر ماء لا يحير عليه شيئاً؛ كأنك قلت: إلى غير رشد توجه وما درى، والعرب تقول: طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا؛ أي: لم يتبين لها أثر عمل). [معاني القرآن: 1/ 7-8]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}، مجازها: غير المغضوب عليهم والضالين، و(لا) من حروف الزوائد لتتميم الكلام، والمعنى إلقاؤها، وقال العجاج:
في بئر لا حورٍ سرى وما شعر
أي : في بئر حور، أي : هلكة، وقال أبو النجم:

فما ألوم البيض ألا تسخرا.......لمّا رأين الشّمط القفندرا
القفندر: القبيح الفاحش، أي فما ألوم البيض أن يسخرن، وقال:
ويلحيننى في اللهو ألاّ أحبّه.......وللّهو داعٍ دائبٌ غير غافل
والمعنى: ويلحيننى في اللهو أن أحبه، وفي القرآن آية أخرى: {ما منعك ألاّ تسجد}، مجازها: ما منعك أن تسجد.
{ولا الضّالّين}: (لا) تأكيدٌ لأنه نفيٌ، فأدخلت (لا) لتوكيد النفي، تقول: جئت بلا خير ولا بركة، وليس عندك نفع ولا دفع.
قال أبو خراش:
فإنك لو أبصرت مصرع خالدٍ.......بجنب السّتار بين أظلم فالحزم
إذاً لرأيت النّاب غير رزيّةٍ.......ولا البكر لأضطمّت يداك على غنم
). [مجاز القرآن: 1/ 26-27]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}
{صراط الّذين أنعمت عليهم} نصب على البدل، و{أنعمت} مقطوع الألف، لأنك تقول " يُنعم"، فالياء مضمومة، فافهم.
وقوله: {غير المغضوب عليهم} هؤلاء صفة: {الّذين أنعمت عليهم}؛ لأن "الصراط" مضاف إليهم، فـ"هم" جرّ للإضافة، وأجريت عليهم "غير" صفة أو بدل، و"غيرٌ" و"مثلٌ" قد تكونان من صفة المعرفة التي بالألف واللام، نحو قولك: "إني لأمرّ بالرجل غيرك، وبالرجل مثلك فما يشتمني"، و"غيرٌ" و"مثلٌ" إنما تكونان صفة للنكرة، ولكنهما قد احتيج إليهما في هذا الموضع فأجريتا صفة لما فيه الألف واللام، والبدل في "غير" أجود من الصفة، لأن "الذي" و"الذين" لا تفارقهما الألف واللام، وهما أشبه بالاسم المخصوص من "الرجل" وما أشبهه.
و"الصراط" فيه لغتان، السين والصاد، إلا أنا نختار الصاد لأن كتابها على ذلك في جميع القرآن. وقد قال العرب "هم فيها الجمّاء الغفير" فنصبوا، كأنهم لم يدخلوا الألف واللام، وإن كانوا قد أظهروهما كما أجروا "مثلك" و"غيرك" كمجرى ما فيه الألف واللام وإن لم يكونا في اللفظ. وإنما يكون هذا وصفا للمعرفة التي تجيء في معنى النكرة. ألا ترى أنك إذا قلت: "إني لأمرّ بالرجل مثلك" إنما تريد "برجلٍ مثلك" لأنك لا تحدّ له رجلا بعينه، ولا يجوز إذا حددت له ذلك إلا أن تجعله بدلًا ولا يكون على الصفة، ألا ترى أنه لا يجوز "مررت بزيدٍ مثلك" إلا على البدل. ومثل ذلك: "إني لأمرّ بالرجل من أهل البصرة" ولو قلت: "إني لأمر بزيدٍ من أهل البصرة" لم يجز إلا أن تجعله في موضع حال، فكذلك {غير المغضوب عليهم}.
وقد قرأ قوم: {غير المغضوب عليهم} جعلوه على الاستثناء الخارج من أول الكلام، ولذلك تفسير سنذكره إن شاء الله، وذلك أنه إذا استثنى شيئا ليس من أول الكلام في لغة أهل الحجاز فإنه ينصب ويقول "ما فيها أحدٌ إلاّ حماراً"، وغيرهم يقول: "هذا بمنزلة ما هو من الأول" فيرفع، فذا يجرّ {غير المغضوب} في لغته، وإن شئت جعلت "غير" نصباً على الحال لأنها نكرة والأول معرفة، وإنما جرّ لتشبيه "الذي" بـ"الرجل". وليس هو على الصفة بحسن، ولكن على البدل نحو {بالنّاصية}، {ناصيةٍ كاذبةٍ}.
ومن العرب من يقول:"هيّاك" بالهاء ويجعل الألف من "إيّاك" هاء فيقول "هيّاك نعبد" كما تقول: "إيه" و"هيه" وكما تقول: "هرقت" و"أرقت".
وأهل الحجاز يؤنثون "الصراط" كما يؤنثون "الطريق" و"الزقاق" و"السبيل" و"السوق" و"الكلاّء"، وبنو تميم يذكّرون هذا كله، وبنو أسد يؤنثون "الهدى").
[معاني القرآن: 1 /11-12]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({المغضوب عليهم ولا الضالين} قالوا: اليهود والنصارى).
[غريب القرآن وتفسيره: 62]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({صراط الّذين أنعمت عليهم} يعني: الأنبياء والمؤمنين، {والمغضوب عليهم}: اليهود، والضّالّون: النصارى).
[تفسير غريب القرآن: 38]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجلّ:
{صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين (7)}
صفة لقوله عزّ وجلّ: {الصراط المستقيم}، ولك في (عليهم) ضم الهاء وكسرها، تقول: الذين أنعمت عليهُم وعليهِم، وعلي هاتين اللغتين معظم القراء، ويجوز (عليهمو) بالواو، والأصل في هذه الهاء في قولك: "ضربتهو يا فتى" و "مررت بهو يا فتى" أن يتكلم بها في الوصل بواو، فإذا وقفت لخط: ضربته ومررت به.
وزعم سيبويه أن الواو زيدت على الهاء في المذكر كما زيدت الألف في المؤنث في قولك: ضربتها ومررت بها، ليستوي المذكر والمؤنث في باب الزيادة.
والقول في هذه الواو عند أصحاب سيبويه والخليل أنها إنما زيدت لخفاء الهاء؛ وذلك أنّ الهاء تخرج من أقصى الحلق، والواو بعد الهاء أخرجتها من الخفاء إلى الإبانة، فلهذا زيدت، وتسقط في الوقف، كما تسقط الصفة والكسرة في قولك: أتاني زيد، ومررت بزيد، أي أنّها واو وصل فلا تثبت لئلا يلتبس الوصل بالأصل.
فإذا قلت: "مررت بهو يا فتى" فإن شئت قلت: "مررت بهي" فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، أعني الياء المنكسرة فإن قال قائل: بين الكسرة والواو: الهاء، قيل الهاء ليست بحاجز حصين، فكأن الكسرة تلي الواو، ولو كانت الهاء حاجزا حصينا ما زيدت الواو عليها. وقد قرئ (فخسفنا بهي وبدارهي الأرض)، و(بهو وبدارهو الأرض)، من قراءة أهل الحجاز.
فإن قلت: "فلان عليه مال"، فلك فيه أربعة أوجه: إن شئت كسرت الهاء، وإن شئت أثبت الياء، وكذلك في الضم: إن شئت ضممت الهاء، وإن شئت أثبتّ الواو، فقلت "عليهِ" و"عليهي"، و"عليهُ" و"عليهو" مال.
وأما قوله عزّ وجلّ: {إن تحمل عليه يلهث} وقوله: {إلا ما دمت عليه قائماً} القراءة بالكسر بغير ياء في " عليه" وهي أجود هذه الأربعة، ولا ينبغي أن يقرأ بما يجوز إلا أن تثبت به رواية صحيحة، أو يقرأ به كثير من القراء، فمن قال: "عليهُ مال" (بالضم) فالأصل فيه: "عليهو مال"، ولكن حذف الواو لسكونها وسكون الياء واجتماع ثلاثة أحرف متجانسة، وترك الضمة لتدل على الواو، ومن قال "عليهو" فإنما أثبت الواو على الأصل، ويجعل الهاء حاجزا، وهذا أضعف الوجوه؛ لأن الهاء ليست بحاجز حصين، ومن قال: "عليهِ مالا" فإنما قدر "عليهي مال" فقلب الواو ياء للياء التي قبلها، ثم حذف الياء لسكونها وسكون الياء التي قبلها، كما قلبت الواو في قوله: "مررت به يا فتى". ومن قال: "عليهي مال"؛ فالحجة في إثبات الياء كالحجة في إثبات الواو ألا ترى أن "عليهي مال" أجود من "عليهو مال".
وأجود اللغات ما في القرآن وهو قول: {عليه قائماً} والذي يليه في الجودة "عليهُ مال" بالضم، ثم يلي هذا "عليهي مال" ثم "عليهو مال" بإثبات الواو، وهي أردأ الأربعة.
فأما قولهم {عليهم} فأصل الهاء فيما وصفنا أن تكون معها ضمة، إلا أن الواو قد سقطت، وإنما تكسر الهاء للياء التي قبلها، وإنّما يكون ما قبل ميم الإضمار مضموماً فإنما أتت هذه الضمة لميم الإضمار، وقلبت كسرة للياء.
وإنّما كثر "عَلَيْهِمْ" في القرآن و(عليهُم)، ولم يكثر (عليهمي) و(عليهمو)؛ لأنّ الضمة التي على الهاء من "عليهم" للميم، فهي أقوى في الثبوت، ألا ترى أن هذه الضمة تأتي على الميم في كل ما لحقته الميم نحو "عليكُم"، و"بكُم"، و"منكُم"، ولا يجوز في عليكم: "عليكِم" (بكسر الكاف) لأن الكاف حاجز حصين بين الياء والميم، فلا تقلب كسرة، وقد روي عن بعض العرب: "عليكِم" و "بكِم" (بكسر الكاف)، ولا يلتفت إلى هذه الرواية، وأنشدوا:
وإن قال مولاهم على جل حادث.......إن الدهر ردوا بعض أحلامكم ردوا
بكسر الكاف وهذه لغة شاذة، والرواية الصحيحة: فضل أحلامكم، وعلى الشذوذ أنشد ذلك سيبويه.
فأما "عليهمو" فأصل الجمع أن يكون بواو، ولكن الميم استغنى بها عن الواو، والواو تثقل على ألسنتهم، حتى إنه ليس في أسمائهم اسم آخره واو قبلها حركة، فلذلك حذفت الواو، فأمّا من قرأ "عليهموا ولا الضالين" فقليل. ولا ينبغي أن يقرأ إلا بالكثير، وإن كان قد قرأ به قوم؛ فإنه أقل من الحذف بكثير في لغة العرب.
وقوله عزّ وجلّ: {غير المغضوب عليهم} فيخفض (غير) على وجهين، على البدل من {الذين} كأنّه قال: صراط غير المغضوب عليهم، ويستقيم أن يكون {غير المغضوب عليهم} من صفة {الذين}، وإن كان (غير) أصله أن يكون في الكلام صفة للنكرة، تقول: مررت برجل غيرك، فغيرك صفة لرجل، كأنك قلت: مررت برجل آخر.
ويصلح أن يكون معناه: مررت برجل ليس بك وإنما وقع ههنا صفة للذين لأن "الذين" ههنا ليس بمقصود قصدهم فهو بمنزلة قولك: "إني لأمرّ بالرجل مثلك فأكرمه".
ويجوز نصب (غير) على ضربين: على الحال وعلى الاستثناء، فكأنك قلت: إلا المغضوب عليهم، وحق غير من الإعراب في الاستثناء: النصب إذا كان ما بعد إلا منصوبا، فأما الحال فكأنك قلت فيها: صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم.
وقوله عزّ وجلّ: {ولا الضالّين} فإنما عطف بالضالين على المغضوب عليهم، وإنما جاز أن يقع (لا) في قوله تعالى: {ولا الضالين}؛ لأن
معنى (غير) متضمن معنى النفي، يجيز النحويون "أنت زيدا غير ضارب"، لأنه بمنزلة قولك "أنت زيدا لا تضرب"، ولا يجيزون أنت زيدا مثل ضارب، لأن زيدا من صلة ضارب فلا يتقدم عليه.
وقول القائلين بعد الفراغ من الحمد، ومن الدعاء " آمين " فيه لغتان، تقول العرب: أمين، وآمين، قال الشاعر:
تباعد عني فطحل إذ دعوته......أمين فزاد اللّه ما بيننا بعدا
وقال الشاعر أيضاً:

يا ربّ لا تسلبني حبّها أبدا.......ويرحم اللّه عبدا قال آمينا
ومعناه: اللهم استجب، وهما موضوعان في موضع اسم الاستجابة، كما أن قولنا: (صه) موضوع موضع سكوتا.
وحقهما من الإعراب الوقف؛ لأنهما بمنزلة الأصوات إذ كانا غير مشتقين من فعل إلا أن النون فتحت فيهما لالتقاء السّاكنين،
فإن قال قائل: إلا كسرت النون لالتقاء السّاكنين،
قيل: الكسرة تثقل بعد الياء، ألا ترى أن "أين" و"كيف" فتحتا لالتقاء السّاكنين ولم تكسرا؛ لثقل الكسرة بعد الياء). [معاني القرآن: 1 /51-54]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم}
روى أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: «الذين أنعم عليهم: النبيون»، وقال غيره:
«يعني: الأنبياء والمؤمنين». وقيل: هم جميع الناس.
ثم قال تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، وروي عن عمر أنه قرأ: {صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين}.
وحدثنا محمد بن جعفر بن محمد الأنباري، قال: حدثنا محمد بن إدريس المكي، قال: أخبرنا محمد بن سعيد، قال : أخبرنا عمرو، عن سماك، عن عباد عن عدي بن حاتم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون»، قال: قلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه تبسم فرحاً.
وروى بديل العقيلي، عن عبد الله بن شقيق، وبعضهم يقول عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -وهو بوادي القرى، وهو على فرسه- وسأله رجل من بني القين، فقال: يا رسول الله: من هؤلاء المغضوب عليهم ؟ فأشار إلى اليهود، قال فمن هم الضالون؟ قال: «هؤلاء الضالون»، يعني: النصارى؛
فعلى هذا يكون عاماً، يراد به الخاص، وذلك كثير في كلام العرب مستغنٍ عن الشواهد لشهرته). [معاني القرآن: 1/ 69]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ):{المغضوب عليهم}: اليهود. {الضالين}: النصارى).
[تفسير المشكل من غريب القرآن: 21]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} يعني: النبيين ومن أسلم معهم، {المَغضُوبِ} يعني: اليهود، {الضَّالِّينَ} يعني: النصارى). [العمدة في غريب القرآن: 68]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 07:41 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,321
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما المعرفة والنكرة. فإن أبدلت معرفة من نكرة قلت: مررت برجل زيد ومررت بذي مال أخيك. قال الله عز وجل: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله}. فهذا بدل المعرفة من النكرة.
وفي المعرفتين قوله: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم}.
وفي بدل النكرة من المعرفة قوله: مررت بزيد صاحب مال، ومررت بالرجل رجل صالح. قال الله عز وجل: {كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية * ناصية}.
فأما المضمر والمظهر فكقولك: زيد مررت به أخيك. وتقول: رأيت زيداً إياه، وأخوك رأيته زيداً، والمضمران: رأيتك إياه. فهذا ضرب من البدل.
والضرب الآخر أن تبدل بعض الشيء منه؛ لتعلم ما قصدت له، وتبينه للسامع. وذلك قولهم: ضربت زيداً رأسه. أردت أن تبين موضع الضرب منه، فصار كقولك: ضربت رأس زيد.
ومنه: جاءني قومك أكثرهم. بينت من جاءك منهم. قال الله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} من في موضع خفض؛ لأنه على من استطاع إليه سبيلاً.
ومن ذلك إلا أنه أعيد معه حرف الخفض: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم}. كان أيضاً جيداً كالآية التي ذكرنا قبل. فهذان ضربان.
والضرب الثالث أن يكون المعنى محيطاً بغير الأول الذي سبق له الذكر لالتباسه بما بعده، فتبدل منه الثاني المقصود في الحقيقة. وذلك قولك: مالي بهم علم أمرهم، فأمرهم غيرهم. وإنما أراد: مالي بأمرهم علم. فقال: مالي بهم علم وهو يريد أمرهم. ومثل ذلك: أسألك عن عبد الله متصرفه في تجارته؛ لأن المسألة عن ذلك. قال الله عز وجل: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} لأن المسألة عن القتال، ولم يسألوا أي الشهر الحرام? وقال: {قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود} لأنهم أصحاب النار التي أوقدوها في الأخدود). [المقتضب: 4 /294-297] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله: "على صراط" فالصراط: المنهاج الواضح، وكذلك قالت العلماء في قول الله عزّ وجل: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}). [الكامل: 2/669]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (والبدل على أربعة أضرب:
فواحد منها أن يبدل أحد الاسمين من الآخر إذا رجعا إلى واحد، ولا تبالي أمعرفتين كانا أم معرفة ونكرة، وتقول: مررت بأخيك زيد، لأن زيدًا رأسه. لما قلت: ضربت زيدًا، أردت أن تبين موضع الضرب منه.
فمثل الأول قول الله تبارك وتعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ}. و{لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}.
ومثل البدل الثاني قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} «من» في موضع خفض، لأنها بدل من الناس، ومثله، إلا أنه أعيد حرف الخفض: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ}.
والبدل الثالث مثل ما ذكرنا في البيت، أبدل: "شمائله" منه، وهي غيره، لاشتمال المعنى عليها، ونظير ذلك: أسألك عن زيد أمره. لأن السؤال عن الأمر وتقول على هذا: سلب زيد ثوبه، فالثوب غيره، ولكن به وقع السلب، كما وقعت المسألة عن خبر زيد، ونظير ذلك من القرآن: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}. لأن المسألة إنما كانت عن القتال: هل يكون في الشهر الحرام? وقال الشاعر وهو الأخطل:

إن السيوف غدوها ورواحها......تركت هوازن مثل قرن الأعضب
وبدل رابع، لا يكون مثله في القرآن ولا في الشعر، وهو أن يغلط المتكلم فيستدرك غلطه، أو ينسى فيذكر فيرجع إلى حقيقة ما يقصد له، وذلك قوله: مررت بالمسجد دار زيد، أراد أن يقول: مررت بدار زيد، فإما نسي، وإما غلط، فاستدرك فوضع الذي قصد له في موضع الذي غلط فيه). [الكامل: 2/ 905-907]

تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (هذا باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفا بمنزلة مثل وغيرٍ
وذلك قولك لو كان معنا رجلٌ إلاّ زيدٌ لغلبنا.
والدليل على أنه وصف أنك لو قلت لو كان معنا إلا زيد لهلكنا وأنت تريد الاستثناء لكنت قد أحلت. ونظير ذلك قوله عز وجل:
{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}.
ونظير ذلك من الشعر قوله وهو ذو الرمة:

أنخت فألقت بلدةً فوق بلدةٍ.......قليلٍ بها الأصوات إلاّ بغامها
كأنه قال قليل بها الأصوات غير بغامها إذا كانت غير غير استثناء.
ومثل ذلك قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضّرّر} وقوله عز وجل ذكره: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم}. ومثل ذلك في الشعر للبيد بن ربيعة:

وإذا أقرضت قرضاً فأجزه.......إنّما يجزى الفتى غير الجمل
وقال أيضا:

لو كان غيري سليمى اليوم غيره.......وقع الحوادث إلاّ الصارم الذّكر
).[الكتاب: 2/ 333] (م)
قَالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما المعرفة والنكرة. فإن أبدلت معرفة من نكرة قلت: مررت برجل زيد ومررت بذي مال أخيك. قال الله عز وجل: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله}. فهذا بدل المعرفة من النكرة.
وفي المعرفتين قوله: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم}.
وفي بدل النكرة من المعرفة قوله: مررت بزيد صاحب مال، ومررت بالرجل رجل صالح. قال الله عز وجل: {كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية * ناصية}.
فأما المضمر والمظهر فكقولك: زيد مررت به أخيك. وتقول: رأيت زيداً إياه، وأخوك رأيته زيداً، والمضمران: رأيتك إياه. فهذا ضرب من البدل.
والضرب الآخر أن تبدل بعض الشيء منه؛ لتعلم ما قصدت له، وتبينه للسامع. وذلك قولهم: ضربت زيداً رأسه. أردت أن تبين موضع الضرب منه، فصار كقولك: ضربت رأس زيد.
ومنه: جاءني قومك أكثرهم. بينت من جاءك منهم. قال الله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} من في موضع خفض؛ لأنه على من استطاع إليه سبيلاً.
ومن ذلك إلا أنه أعيد معه حرف الخفض: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم}. كان أيضاً جيداً كالآية التي ذكرنا قبل. فهذان ضربان.
والضرب الثالث أن يكون المعنى محيطاً بغير الأول الذي سبق له الذكر لالتباسه بما بعده، فتبدل منه الثاني المقصود في الحقيقة. وذلك قولك: مالي بهم علم أمرهم، فأمرهم غيرهم. وإنما أراد: مالي بأمرهم علم. فقال: مالي بهم علم وهو يريد أمرهم. ومثل ذلك: أسألك عن عبد الله متصرفه في تجارته؛ لأن المسألة عن ذلك. قال الله عز وجل: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} لأن المسألة عن القتال، ولم يسألوا أي الشهر الحرام? وقال: {قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود} لأنهم أصحاب النار التي أوقدوها في الأخدود). [المقتضب: 4 /295-297] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وتقول: لقيت القوم غير زيد، على النعت، إذا كان القوم على غير معهود، وعلى البدل. والوجه إذا لم يكن ما قبل غير نكرة محضة ألا يكون نعتاً.
فأما قول الله عز وجل: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، فإن غيراً تكون على ضروب: تكون نعتاً للذين لأنها مضافة إلى معرفة. وتكون حالاً، فتنصب؛ لأن غيراً وأخواتها يكن نكرات، وهن مضافات لا معارف. هذا الوجه فيهن جمع. وهو في غير خاصة واجب لما تقدم ذكره.
ويكون بدلاً فكأنه قال: صراط غير المغضوب عليهم، ويكون نصباً على استثناء ليس من الأول، وهو: جاءني الصالحون إلا الطالحين). [المقتضب: 4/ 423]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (والبدل على أربعة أضرب:
فواحد منها أن يبدل أحد الاسمين من الآخر إذا رجعا إلى واحد، ولا تبالي أمعرفتين كانا أم معرفة ونكرة، وتقول: مررت بأخيك زيد، لأن زيدًا رأسه. لما قلت: ضربت زيدًا، أردت أن تبين موضع الضرب منه.
فمثل الأول قول الله تبارك وتعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ}. و{لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}.
ومثل البدل الثاني قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} «من» في موضع خفض، لأنها بدل من الناس، ومثله، إلا أنه أعيد حرف الخفض: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ}.
والبدل الثالث مثل ما ذكرنا في البيت، أبدل: "شمائله" منه، وهي غيره، لاشتمال المعنى عليها، ونظير ذلك: أسألك عن زيد أمره. لأن السؤال عن الأمر وتقول على هذا: سلب زيد ثوبه، فالثوب غيره، ولكن به وقع السلب، كما وقعت المسألة عن خبر زيد، ونظير ذلك من القرآن: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}. لأن المسألة إنما كانت عن القتال: هل يكون في الشهر الحرام? وقال الشاعر وهو الأخطل:

إن السيوف غدوها ورواحها.......تركت هوازن مثل قرن الأعضب
وبدل رابع، لا يكون مثله في القرآن ولا في الشعر، وهو أن يغلط المتكلم فيستدرك غلطه، أو ينسى فيذكر فيرجع إلى حقيقة ما يقصد له، وذلك قوله: مررت بالمسجد دار زيد، أراد أن يقول: مررت بدار زيد، فإما نسي، وإما غلط، فاستدرك فوضع الذي قصد له في موضع الذي غلط فيه). [الكامل: 2 /905-907] (م)


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22 جمادى الأولى 1435هـ/23-03-2014م, 07:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 23,519
افتراضي تفاسير القرن الثالث

تفاسير القرن الثالث

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 22 جمادى الأولى 1435هـ/23-03-2014م, 07:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 23,519
افتراضي تفاسير القرن الرابع

تفاسير القرن الرابع

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 22 جمادى الأولى 1435هـ/23-03-2014م, 07:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 23,519
افتراضي تفاسير القرن الخامس

تفاسير القرن الخامس

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22 جمادى الأولى 1435هـ/23-03-2014م, 07:26 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 23,519
افتراضي تفاسير القرن السادس

تفاسير القرن السادس

تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (
وقوله تعالى: {اهدنا} رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغة الأمر كلها، فإذا كانت من الأعلى فهي أمر، والهداية في اللغة الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد، وكلها إذا تؤملت رجعت إلى الإرشاد، فالهدى يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: {أولئك على هدىً من ربّهم} [البقرة: 5] وقوله تعالى: {واللّه يدعوا إلى دار السّلام ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ} [يونس: 25] وقوله تعالى: {إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} [القصص: 56] وقوله تعالى: {فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام} [الأنعام: 125].
قال أبو المعالي: فهذه آية لا يتجه حملها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء، من ذلك قوله تعالى: {ولكلّ قومٍ هادٍ} [الرعد: 7] أي: داع وقوله تعالى: {وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ} [الشورى: 52] وهذا أيضا يبين فيه الإرشاد، لأنه ابتداء إرشاد، أجاب المدعو أو لم يجب، وقد جاء الهدى بمعنى الإلهام، من ذلك قوله تعالى: {أعطى كلّ شيءٍ خلقه ثمّ هدى} [طه: 5].
قال المفسرون: معناه «ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها». وهذا أيضا بين فيه معنى الإرشاد، وقد جاء الهدى بمعنى البيان، من ذلك قوله تعالى: {وأمّا ثمود فهديناهم} [فصلت: 17].
قال المفسرون: «معناه بينا لهم». قال أبو المعالي: معناه: دعوناهم ومن ذلك قوله تعالى: {إنّ علينا للهدى} [الليل: 12] أي: علينا أن نبين، وفي هذا كله معنى الإرشاد.
قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: {فلن يضلّ أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم} [محمد:5] ومنه قوله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 23] معناه: فاسلكوهم إليها.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه الهداية بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضد الضلال وهي الواقعة في قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم} على صحيح التأويل، وذلك بين من لفظ الصّراط، والهدى لفظ مؤنث، وقال اللحياني: «هو مذكر» قال ابن سيده: «والهدى اسم من أسماء النهار» قال ابن مقبل:

حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة ...... يخشعن في الآل غلفا أو يصلينا
والصّراط في اللغة: الطريق الواضح، فمن ذلك قول جرير:

أمير المؤمنين على صراط ...... إذا اعوج الموارد مستقيم
ومنه قول الآخر:

فصد عن نهج الصراط الواضح
وحكى النقاش: «الصراط: الطريق بلغة الروم».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف جدا.
واختلف القراء في الصّراط فقرأ ابن كثير وجماعة من العلماء: «السراط» بالسين، وهذا هو أصل اللفظة.
قال الفارسي: «ورويت عن ابن كثير بالصاد». وقرأ باقي السبعة غير حمزة بصاد خالصة وهذا بدل السين بالصاد لتناسبها مع الطاء في الاطباق فيحسنان في السمع، وحكاها سيبويه لغة.
قال أبو علي: روي عن أبي عمرو السين والصاد، والمضارعة بين الصاد والزاي، رواه عنه العريان بن أبي سفيان. وروى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قرأها بزاي خالصة.
قال بعض اللغويين: «ما حكاه الأصمعي من هذه القراءة خطأ منه، إنما سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة فتوهمها زايا، ولم يكن الأصمعي نحويا فيؤمن على هذا».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وحكى هذا الكلام أبو علي عن أبي بكر بن مجاهد. وقرأ حمزة بين الصاد والزاي. وروي أيضا عنه أنه إنما يلتزم ذلك في المعرفة دون النكرة.
قال ابن مجاهد: «وهذه القراءة تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على اللسان، وليس بحرف يبنى عليه الكلام ولا هو من حروف المعجم، ولست أدفع أنه من كلام فصحاء العرب، إلا أن الصاد أفصح وأوسع».
وقرأ الحسن والضحاك: «اهدنا صراطا مستقيما» دون تعريف وقرأ جعفر بن محمد الصادق: «اهدنا صراط المستقيم» بالإضافة وقرأ ثابت البناني: «بصرنا الصراط».
واختلف المفسرون في المعنى الذي استعير له الصّراط في هذا الموضع وما المراد به، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الصّراط المستقيم هنا القرآن» وقال جابر: «هو الإسلام» يعني الحنيفية. وقال: «سعته ما بين السماء والأرض». وقال محمد بن الحنفية: «هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره» وقال أبو العالية: «هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر». وذكر ذلك للحسن بن أبي الحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة إنما هي في أن يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام، وهو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وهذا الدعاء إنما أمر به المؤمنون وعندهم المعتقدات وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قولهم {اهدنا} فيما هو حاصل عندهم طلب التثبيت والدوام، وفيما ليس بحاصل إما من جهة الجهل به أو التقصير في المحافظة عليه طلب الإرشاد إليه.
وأقول إن كل داع به فإنما يريد الصّراط بكماله في أقواله وأفعاله ومعتقداته، فيحسن على هذا أن يدعو في الصراط على الكمال من عنده بعضه ولا يتجه أن يراد بـ{اهدنا} في هذه الآية اخلق الإيمان في قلوبنا، لأنها هداية مقيدة إلى صراط ولا أن يراد بها ادعنا، وسائر وجوه الهداية يتجه، والصّراط نصب على المفعول الثاني، والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى غاية الفلاح، ودخول الجنة، وإعلال مستقيم أن أصله مستقوم نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها). [المحرر الوجيز: 1 /84-88]

تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (و{صراط الذين} بدل من الأول.
وقرأ عمر بن الخطاب، وابن الزبير: «صراط من أنعمت عليهم».
والّذين جمع الذي، وأصله «لذ»، حذفت منه الياء للتنوين كما تحذف من عم، وقاض، فلما دخلته الألف واللام ثبتت الياء. و«الذي» اسم مبهم ناقص محتاج إلى صلة وعائد، وهو مبني في إفراده وجمعه معرب في تثنيته. ومن العرب من يعرب جمعه، فيقول في الرفع اللذون، وكتب الذي بلام واحدة في الإفراد والجمع تخفيفا لكثرة الاستعمال، واختلف الناس في المشار إليهم بأنه أنعم عليهم.
فقال ابن عباس وجمهور من المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتاً، وإذاً لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيماً ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً} [النساء: 66- 69] فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد.
وقال ابن عباس أيضا: «المنعم عليهم هم المؤمنون».
وقال الحسن بن أبي الحسن: «المنعم عليهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم».
وحكى مكي وغيره عن فرقة من المفسرين أن المنعم عليهم مؤمنو بني إسرائيل، بدليل قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الّتي أنعمت عليكم}
[البقرة: 40، 47، 122].
وقال ابن عباس: «المنعم عليهم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا والذي قبله سواء.
وقال قتادة بن دعامة: «المنعم عليهم الأنبياء خاصة».
وحكى مكي عن أبي العالية أنه قال: «المنعم عليهم محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد تقدم ما حكاه عنه الطبري من أنه فسر الصّراط المستقيم بذلك، وعلى ما حكى مكي ينتقض الأول ويكون الصّراط المستقيم طريق محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وهذا أقوى في المعنى، لأن تسمية أشخاصهم طريقا تجوز، واختلف القراء في الهاء من عليهم، فقرأ حمزة «عليهم» بضم الهاء وإسكان الميم، وكذلك لديهم وإليهم. قرأ الباقون في جميعها بكسر الهاء واختلفوا في الميم.
فروي عن نافع التخيير بين ضمها وسكونها. وروي عنه أنه كان لا يعيب ضم الميم، فدل ذلك على أن قراءته كانت بالإسكان.
وكان عبد الله بن كثير يصل الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت فيقرأ «عليهمو وقلوبهمو وسمعهمو وأبصارهمو».
وقرأ ورش الهاء مكسورة والميم موقوفة، إلا أن تلقى الميم ألفا أصلية فيلحق في اللفظ واوا مثل قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم} [البقرة: 6].
وكان أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، والكسائي، يكسرون، ويسكنون الميم، فإذا لقي الميم حرف ساكن اختلفوا فكان عاصم، وابن كثير، ونافع يمضون على كسر الهاء وضم الميم، مثل قوله تعالى: {عليهم الذّلّة} [البقرة: 61، آل عمران: 112] و{من دونهم امرأتين} [القصص: 23] وما أشبه ذلك، وكان أبو عمرو يكسر الهاء والميم فيقول: «عليهم الذّلّة» و«إليهم اثنين
» [يس: 14] وما أشبه ذلك.
وكان الكسائي يضم الهاء والميم معا، فيقرأ عليهم الذّلّة ومن دونهم امرأتين.
قال أبو بكر أحمد بن موسى: وكل هذا الاختلاف في كسر الهاء وضمها إنما هو في الهاء التي قبلها كسرة أو ياء ساكنة، فإذا جاوزت هذين لم يكن في الهاء إلا الضم، فإذا لم يكن قبل الميم هاء قبلها كسرة أو ياء ساكنة لم يجز في الميم إلا الضم والتسكين في مثل قوله تعالى: منكم وأنتم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وحكى صاحب الدلائل قال: «قرأ بعضهم عليهم وبواو وضمتين، وبعضهم بضمتين وألغى الواو، وبعضهم بكسرتين وألحق الياء، وبعضهم بكسرتين وألغى الياء، وبعضهم بكسر الهاء وضم الميم».
قال: «وذلك مروي عن الأئمة ورؤساء اللغة».
قال ابن جني: «حكى أحمد بن موسى عليهمو وعليهُمُ بضم الميم من غير إشباع إلى الواو، وعليهم بسكون الميم».
وقرأ الحسن وعمرو بن فائد «عليهمي».
وقرئ «عليهم» بكسر الميم دون إشباع إلى الياء.
وقرأ الأعرج: «عليهم» بكسر الياء وضم الميم من غير إشباع.
وهذه القراءات كلها بضم الهاء إلا الأخيرة وبإزاء كل واحدة منها قراءة بكسر الهاء فيجيء في الجميع عشر قراءات). [المحرر الوجيز: 1/ 88-90]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}.
اختلف القراء في الراء من غير، فقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بخفض الراء، وقرأ ابن كثير بالنصب، وروي عنه الخفض.
قال أبو علي: «الخفض على ضربين: على البدل، من الّذين، أو على الصفة للنكرة، كما تقول مررت برجل غيرك، وإنما وقع هنا صفة ل الّذين لأن الّذين هنا ليس بمقصود قصدهم، فالكلام بمنزلة قولك إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه».
قال: «والنصب في الراء على ضربين: على الحال كأنك قلت أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم، أو على الاستثناء كأنك قلت إلا المغضوب عليهم، ويجوز النصب على أعني». وحكي نحو هذا عن الخليل.
ومما يحتج به لمن ينصب أن غير نكرة فكره أن يوصف بها المعرفة، والاختيار الذي لا خفاء به الكسر. وقد روي عن ابن كثير، فأولى القولين ما لم يخرج عن إجماع قراء الأمصار.
قال أبو بكر بن السراج: «والذي عندي أن غير في هذا الموضع مع ما أضيف إليه معرفة، وهذا شيء فيه نظر ولبس، فليفهم عني ما أقول: اعلم أن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت غير ومثل مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء سوى المخاطب فهو غيره، وكذلك إذا قلت رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة، فإنما صارا نكرتين من أجل المعنى فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد وأردت إثباته، ونفي ضده، وعلم ذلك السامع فوصفته بغير وأضفت غير إلى ضده فهو معرفة، وذلك كقولك عليك بالحركة غير السكون، وكذلك قولك غير المغضوب لأن من أنعم عليه لا يعاقبه إلا من غضب عليه، ومن لم يغضب عليه فهو الذي أنعم عليه، فمتى كانت غير على هذه الصفة وقصد بها هذا المقصد فهي معرفة».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: أبقى أبو بكر الّذين على حد التعريف، وجوز نعتها ب غير لما بينه من تعرف غير في هذا الموضع، وغير أبي بكر وقف مع تنكر غير، وذهب إلى تقريب الّذين من النكرة إذ هو اسم شائع لا يختص به معين، وعلى هذا جوز نعتها بالنكرة، والمغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى. وهكذا قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد، وروي ذلك عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بين من كتاب الله تعالى، لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فيه كقوله: {وباؤوا بغضبٍ من اللّه} [البقرة: 61، آل عمران: 112]، وكقوله تعالى: {قل هل أنبّئكم بشرٍّ من ذلك مثوبةً عند اللّه من لعنه اللّه وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} [المائدة: 60] فهؤلاء اليهود، بدلالة قوله تعالى بعده: {ولقد علمتم الّذين اعتدوا منكم في السّبت فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين} [البقرة: 65] والغضب عليهم هو من الله تعالى، وغضب الله تعالى عبارة عن إظهاره عليهم محنا وعقوبات وذلة ونحو ذلك، مما يدل على أنه قد أبعدهم عن رحمته بعدا مؤكدا مبالغا فيه، والنصارى كان محققوهم على شرعة قبل ورود شرع محمد صلى الله عليه وسلم، فلما ورد ضلوا، وأما غير محققيهم فضلالهم متقرر منذ تفرقت أقوالهم في عيسى عليه السلام. وقد قال الله تعالى فيهم: {ولا تتّبعوا أهواء قومٍ قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السّبيل} [المائدة: 77].
قال مكي رحمه الله حكاية: دخلت لا في قوله ولا الضّالّين لئلا يتوهم أن الضّالّين عطف على الّذين.
قال: «وقيل هي مؤكدة بمعنى غير».
وحكى الطبري أن لا زائدة، وقال: هي هنا على نحو ما هي عليه في قول الراجز:

فما ألوم البيض ألا تسخرا ...... ... ... ... ...
أراد أن تسخر، وفي قول الأحوص:

ويلحينني في اللهو أن لا أحبّه ...... وللهو داع دائب غير غافل
وقال الطبري: يريد: ويلحينني في اللهو أن أحبه».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وبيت الأحوص إنما معناه إرادة أن لا أحبه ف «لا» فيه متمكنة.
قال الطبري: ومنه قوله تعالى: {ما منعك ألّا تسجد} [الأعراف: 12] وإنما جاز أن تكون لا بمعنى الحذف، ولأنها تقدمها الجحد في صدر الكلام، فسيق الكلام الآخر مناسبا للأول، كما قال الشاعر:

ما كان يرضي رسول الله فعلهم ...... والطيبان أبو بكر ولا عمر
وقرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب: «غير المغضوب عليهم وغير الضالين».
وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين.
قال الطبري: «فإن قال قائل أليس الضلال من صفة اليهود، كما أن النصارى عليهم غضب فلم خص كل فريق بذكر شيء مفرد؟ قيل: هم كذلك ولكن وسم الله لعباده كل فريق بما قد تكررت العبارة عنه به وفهم به أمره».
قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وهذا غير شاف، والقول في ذلك أن أفاعيل اليهود من اعتدائهم، وتعنتهم، وكفرهم مع رؤيتهم الآيات، وقتلهم الأنبياء أمور توجب الغضب في عرفنا، فسمى تعالى ما أحل بهم غضبا، والنصارى لم يقع لهم شيء من ذلك، إنما ضلوا من أول كفرهم دون أن يقع منهم ما يوجب غضبا خاصا بأفاعيلهم، بل هو الذي يعم كل كافر وإن اجتهد، فلهذا تقررت العبارة عن الطائفتين بما ذكر، وليس في العبارة ب الضّالّين تعلق للقدرية في أنهم أضلوا أنفسهم لأن هذا إنما هو كقولهم تهدم الجدار وتحركت الشجرة والهادم والمحرك غيرهما، وكذلك النصارى خلق الله الضلال فيهم وضلوا هم بتكسبهم.
وقرأ أيوب السختياني: «الضألين» بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين، وهي لغة.
حكى أبو زيد قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ: «فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن» فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب دأبة وشأبة.
قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير:

... ... ... ... ...... إذا ما العوالي بالعبيط احمأرّت
وقول الآخر:

وللأرض أما سودها فتجللت ...... بياضا وأمّا بيضها فادهأمّت
وأجمع الناس على أنّ عدد آي سورة الحمد سبع آيات: {العالمين} آية، {الرّحيم} آية، {الدّين} آية، {نستعين} آية، {المستقيم} آية، {أنعمت عليهم} آية، {ولا الضّالّين} آية. وقد ذكرنا في تفسير {بسم الله الرحمن الرحيم} ما ورد من خلاف ضعيف في ذلك). [المحرر الوجيز: 1/ 90-95]

التأمين بعد: {ولا الضالين}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (القول في آمين
روى أبو هريرة وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قال الإمام: {ولا الضّالّين} فقولوا آمين. فإن الملائكة في السماء تقول آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
وروي أن جبريل عليه السلام لما علم النبي عليه السلام فاتحة الكتاب وقت نزولها فقرأها قال له: «قل: آمين».
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «آمين خاتم رب العالمين، يختم بها دعاء عبده المؤمن».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو فقال: «أوجب إن ختم». فقال له رجل بأي شيء يختم يا رسول الله؟ قال: «بآمين».
ومعنى «آمين» عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب، أو أجب يا رب، ونحو هذا. قاله الحسن بن أبي الحسن وغيره، ونص عليه أحمد بن يحيى ثعلب وغيره.
وقال قوم: «هو اسم من أسماء الله تعالى»، روي ذلك عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف، وقد روي أن «آمين» اسم خاتم يطبع به كتب أهل الجنة التي تؤخذ بالإيمان.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فمقتضى هذه الآثار أن كلّ داع ينبغي له في آخر دعائه أن يقول: «آمين» وكذلك كل قارئ للحمد في غير صلاة، لكن ليس بجهر الترتيل. وأما في الصلاة فقال بعض العلماء: «يقولها كل مصلّ من إمام وفذ ومأموم قرأها أو سمعها».
وقال مالك في المدونة: «لا يقول الإمام «آمين» ولكن يقولها من خلفه ويخفون، ويقولها الفذ».
وقد روي عن مالك رضي الله عنه: أن الإمام يقولها أسرّ أم جهر.
وروي عنه: «الإمام لا يؤمن في الجهر».
وقال ابن حبيب: «يؤمن».
وقال ابن بكير: «هو مخير».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فهذا الخلاف إنما هو في الإمام، ولم يختلف في الفذ ولا في المأموم إلا ابن نافع. قال في كتاب ابن حارث: «لا يقولها المأموم إلا إن سمع الإمام يقول {ولا الضّالّين}، وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل».
وقال ابن عبدوس: «يتحرى قدر القراءة ويقول آمين». وهي لفظة مبنية على الفتح لالتقاء الساكنين، وكأن الفتح مع الياء أخف من سائر الحركات، ومن العرب من يقول «آمين» فيمده، ومنه قول الشاعر:
آمين آمين لا أرضى بواحدة ...... حتى أبلغها ألفين آمينا
ومن العرب من يقول «أمين» بالقصر، ومنه قول الشاعر: [جبير بن الأضبط]
تباعد مني فطحل إذ رأيته ...... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
واختلف الناس في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة» فقيل: في الإجابة، وقيل: في خلوص النية، وقيل: في الوقت، والذي يترجح أن المعنى فمن وافق في الوقت مع خلوص النية، والإقبال على الرغبة إلى الله تعالى بقلب سليم، والإجابة تتبع حينئذ، لأنّ من هذه حاله فهو على الصراط المستقيم). [المحرر الوجيز: 1/ 96-97]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 22 جمادى الأولى 1435هـ/23-03-2014م, 07:26 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 23,519
افتراضي تفاسير القرن السابع

تفاسير القرن السابع

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 22 جمادى الأولى 1435هـ/23-03-2014م, 07:27 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 23,519
افتراضي تفاسير القرن الثامن

تفاسير القرن الثامن

تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({اهدنا الصّراط المستقيم}
قراءة الجمهور بالصّادّ. وقرئ: "السّراط" وقرئ بالزّاي، قال الفرّاء: وهي لغة بني عذرة وبلقين وبني كلب.
لما تقدم الثناء على المسؤول، تبارك وتعالى، ناسب أن يعقّب بالسّؤال؛ كما قال: [فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل] وهذا أكمل أحوال السّائل، أن يمدح مسؤوله، ثمّ يسأل حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: {اهدنا}]، لأنّه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد اللّه تعالى إليه لأنّه الأكمل، وقد يكون السّؤال بالإخبار عن حال السّائل واحتياجه، كما قال موسى عليه السّلام: {ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خيرٍ فقيرٌ} [القصص: 24] وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول، كقول ذي النّون: {لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين} [الأنبياء: 87] وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول، كقول الشّاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ...... حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا ...... كفاه من تعرّضه الثّناء
والهداية هاهنا: الإرشاد والتّوفيق، وقد تعدّى الهداية بنفسها كما هنا {اهدنا الصّراط المستقيم} فتضمّن معنى ألهمنا، أو وفّقنا، أو ارزقنا، أو اعطنا؛ {وهديناه النّجدين} [البلد: 10] أي: بيّنّا له الخير والشّرّ، وقد تعدّى بإلى، كقوله تعالى: {اجتباه وهداه إلى صراطٍ مستقيمٍ} [النّحل: 121] {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصّافّات: 23] وذلك بمعنى الإرشاد والدّلالة، وكذلك قوله تعالى: {وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ} [الشّورى: 52] وقد تعدّى باللّام، كقول أهل الجنّة: {الحمد للّه الّذي هدانا لهذا} [الأعراف: 43] أي: وفّقنا لهذا وجعلنا له أهلًا.
وأمّا الصّراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جريرٍ: أجمعت الأمّة من أهل التّأويل جميعًا على أنّ "الصّراط المستقيم" هو الطّريق الواضح الّذي لا اعوجاج فيه.
وكذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطيّة الخطفي:
أمير المؤمنين على صراطٍ ...... إذا اعوجّ الموارد مستقيم
قال: والشّواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثمّ تستعير العرب الصّراط فتستعمله في كلّ قولٍ وعملٍ، وصف باستقامةٍ أو اعوجاجٍ، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوجّ باعوجاجه.
ثمّ اختلفت عبارات المفسّرين من السّلف والخلف في تفسير الصّراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيءٍ واحدٍ، وهو المتابعة للّه وللرّسول؛ فروي أنّه كتاب اللّه، قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا الحسن بن عرفة، حدّثني يحيى بن يمانٍ، عن حمزة الزّيّات، عن سعدٍ، وهو أبو المختار الطّائيّ، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن عليّ بن أبي طالبٍ، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الصّراط المستقيم كتاب اللّه». وكذلك رواه ابن جريرٍ، من حديث حمزة بن حبيبٍ الزّيّات، وقد [تقدّم في فضائل القرآن فيما] رواه أحمد والتّرمذيّ من رواية الحارث الأعور، عن عليٍّ مرفوعًا: «وهو حبل اللّه المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم».
وقد روي هذا موقوفًا عن عليٍّ، وهو أشبه، واللّه أعلم.
وقال الثّوريّ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللّه، قال: «الصّراط المستقيم: كتاب اللّه»، وقيل: هو الإسلام.
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قال جبريل لمحمّدٍ، عليهما السّلام: قل: يا محمّد، {اهدنا الصّراط المستقيم}. يقول: اهدنا الطّريق الهادي، وهو دين اللّه الّذي لا عوج فيه».
وقال ميمون بن مهران، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «ذاك الإسلام».
وقال إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ الكبير، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {اهدنا الصّراط المستقيم} قالوا: «هو الإسلام».
وقال عبد اللّه بن محمّد بن عقيلٍ، عن جابرٍ: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «الإسلام»، قال: «هو أوسع ممّا بين السّماء والأرض».
وقال ابن الحنفيّة في قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «هو دين اللّه، الّذي لا يقبل من العباد غيره».
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: {اهدنا الصّراط المستقيم}، قال: «هو الإسلام».
وفي [معنى] هذا الحديث الّذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال: حدّثنا الحسن بن سوّارٍ أبو العلاء، حدّثنا ليثٌ يعني ابن سعدٍ، عن معاوية بن صالحٍ: أنّ عبد الرّحمن بن جبير بن نفيرٍ، حدّثه عن أبيه، عن النّوّاس بن سمعان، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ضرب اللّه مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصّراط سوران فيهما أبوابٌ مفتّحةٌ، وعلى الأبواب ستورٌ مرخاةٌ، وعلى باب الصّراط داعٍ يقول: يا أيّها النّاس، ادخلوا الصّراط جميعًا ولا تعوّجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصّراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه؛ فإنّك إن تفتحه تلجه. فالصّراط الإسلام، والسّوران حدود اللّه، والأبواب المفتّحة محارم اللّه، وذلك الدّاعي على رأس الصّراط كتاب اللّه، والدّاعي من فوق الصّراط واعظ اللّه في قلب كلّ مسلمٍ».
وهكذا رواه ابن أبي حاتمٍ، وابن جريرٍ من حديث اللّيث بن سعدٍ به. ورواه التّرمذيّ والنّسائيّ جميعًا، عن عليّ بن حجرٍ عن بقيّة، عن بجير بن سعدٍ، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفيرٍ، عن النّوّاس بن سمعان، به.
وهو إسنادٌ صحيحٌ، واللّه أعلم.
وقال مجاهدٌ: {اهدنا الصّراط المستقيم}، قال: «الحقّ». وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدّم.
وروى ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ، من حديث أبي النّضر هاشم بن القاسم؛ حدّثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي العالية: {اهدنا الصّراط المستقيم} قال: «هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وصاحباه من بعده»، قال عاصمٌ: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: «صدق أبو العالية ونصح».
وكلّ هذه الأقوال صحيحةٌ، وهي متلازمةٌ، فإنّ من اتّبع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، واقتدى باللّذين من بعده أبي بكرٍ وعمر، فقد اتّبع الحقّ، ومن اتّبع الحقّ فقد اتّبع الإسلام، ومن اتّبع الإسلام فقد اتّبع القرآن، وهو كتاب اللّه وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلّها صحيحةٌ يصدّق بعضها بعضًا، وللّه الحمد.
وقال الطّبرانيّ: حدّثنا محمّد بن الفضل السّقطيّ، حدّثنا إبراهيم بن مهديٍّ المصّيصي، حدّثنا يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللّه، قال: «الصّراط المستقيم الّذي تركنا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم».
ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جريرٍ، رحمه اللّه: والّذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي -أعني {اهدنا الصّراط المستقيم}- أن يكون معنيًّا به: وفّقنا للثّبات على ما ارتضيته ووفّقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصّراط المستقيم؛ لأنّ من وفّق لما وفق له من أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرّسل، والتّمسّك بالكتاب، والعمل بما أمره اللّه به، والانزجار عمّا زجره عنه، واتّباع منهاج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكلّ عبدٍ صالحٍ، وكلّ ذلك من الصّراط المستقيم.
فإن قيل: كيف يسأل المؤمن الهداية في كلّ وقتٍ من صلاةٍ وغيرها، وهو متّصفٌ بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟
فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده اللّه إلى ذلك؛ فإنّ العبد مفتقرٌ في كلّ ساعةٍ وحالةٍ إلى اللّه تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصّره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإنّ العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلّا ما شاء اللّه، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كلّ وقتٍ أن يمدّه بالمعونة والثّبات والتّوفيق، فالسّعيد من وفّقه اللّه تعالى لسؤاله؛ فإنّه تعالى قد تكفّل بإجابة الدّاعي إذا دعاه، ولا سيّما المضطرّ المحتاج المفتقر إليه آناء اللّيل وأطراف النّهار، وقد قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا آمنوا باللّه ورسوله والكتاب الّذي نزل على رسوله والكتاب الّذي أنزل من قبل} الآية [النّساء: 136]، فقد أمر الّذين آمنوا بالإيمان، وليس في ذلك تحصيل الحاصل؛ لأنّ المراد الثّبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك، واللّه أعلم.
وقال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: {ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنّك أنت الوهّاب} وقد كان الصدّيق رضي اللّه عنه يقرأ بهذه الآية في الرّكعة الثّالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًّا. فمعنى قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم} استمرّ بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره). [تفسير ابن كثير: 1/ 136-139]

تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :
({صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}
قد تقدّم الحديث فيما إذا قال العبد: {اهدنا الصّراط المستقيم} إلى آخرها أنّ اللّه يقول: [هذا لعبدي ولعبدي ما سأل]. وقوله: {صراط الّذين أنعمت عليهم} مفسّرٌ للصّراط المستقيم. وهو بدلٌ منه عند النّحاة، ويجوز أن يكون عطف بيانٍ، واللّه أعلم.
و{الّذين أنعمت عليهم} هم المذكورون في سورة النّساء، حيث قال: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا * ذلك الفضل من اللّه وكفى باللّه عليمًا} [النّساء: 69، 70].
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «صراط الّذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين؛ وذلك نظير ما قال ربّنا تعالى: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم} الآية [النّساء: 69]».
وقال أبو جعفرٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ: {صراط الّذين أنعمت عليهم} قال: «هم النّبيّون».
وقال ابن جريج، عن ابن عبّاسٍ: «هم المؤمنون». وكذا قال مجاهدٌ.
وقال وكيع: «هم المسلمون».
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: «هم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه». والتّفسير المتقدّم، عن ابن عبّاسٍ أعمّ، وأشمل، واللّه أعلم.
وقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} [قرأ الجمهور: "غير" بالجرّ على النّعت، قال الزّمخشريّ: وقرئ بالنّصب على الحال، وهي قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعمر بن الخطّاب، ورويت عن ابن كثيرٍ، وذو الحال الضّمير في {عليهم} والعامل: {أنعمت} والمعنى] اهدنا الصّراط المستقيم، صراط الّذين أنعمت عليهم ممّن تقدّم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطّاعة للّه ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، [وهم] الّذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحقّ وعدلوا عنه، ولا صراط الضّالّين وهم الّذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضّلالة لا يهتدون إلى الحقّ، وأكد الكلام بلا ليدلّ على أنّ ثمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنّصارى.
وقد زعم بعض النّحاة أنّ {غير} هاهنا استثنائيّةٌ، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم، وما أوردناه أولى، لقول الشّاعر:
كأنّك من جمال بني أقيش ...... يقعقع عند رجليه بشنّ
أي: كأنّك جملٌ من جمال بني أقيشٍ، فحذف الموصوف واكتفى بالصّفة، وهكذا، {غير المغضوب عليهم}
أي: غير صراط المغضوب عليهم.
اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دلّ عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم * صراط الّذين أنعمت عليهم} ثمّ قال تعالى: {غير المغضوب عليهم} ومنهم من زعم أنّ (لا) في قوله: {ولا الضّالّين} زائدةٌ، وأن تقدير الكلام عنده: غير المغضوب عليهم والضّالّين، واستشهد ببيت العجّاج:
في بئر لا حورٍ سرى وما شعر
أي: في بئر حورٍ.
والصّحيح ما قدّمناه. ولهذا روى أبو عبيدٍ القاسم بن سلّامٍ في كتاب فضائل القرآن، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه: أنّه كان يقرأ: "غير المغضوب عليهم وغير الضّالّين". وهذا إسنادٌ صحيحٌ، [وكذا حكي عن أبيّ بن كعبٍ أنّه قرأ كذلك] وهو محمولٌ على أنّه صدر منه على وجه التّفسير، فيدلّ على ما قلناه من أنّه إنّما جيء بها لتأكيد النّفي، [لئلّا يتوهّم أنّه معطوفٌ على {الّذين أنعمت عليهم}]، وللفرق بين الطّريقتين، لتجتنب كلٌّ منهما؛ فإنّ طريقة أهل الإيمان مشتملةٌ على العلم بالحقّ والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنّصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضّلال للنّصارى، لأنّ من علم وترك استحقّ الغضب، بخلاف من لم يعلم. والنّصارى لمّا كانوا قاصدين شيئًا لكنّهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنّهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتّباع الرّسول الحقّ، ضلّوا، وكلٌّ من اليهود والنّصارى ضالٌّ مغضوبٌ عليه، لكنّ أخصّ أوصاف اليهود الغضب [كما قال فيهم: {من لعنه اللّه وغضب عليه}] [المائدة: 60] وأخصّ أوصاف النّصارى الضّلال [كما قال: {قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيرًا وضلّوا عن سواء السّبيل}] [المائدة: 77]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. [وذلك واضحٌ بيّنٌ].
قال الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، حدّثنا شعبة، قال: سمعت سماك بن حربٍ، يقول: سمعت عبّاد بن حبيش، يحدّث عن عديّ بن حاتمٍ، قال: جاءت خيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخذوا عمّتي وناسًا، فلمّا أتوا بهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صفّوا له، فقالت: يا رسول اللّه، ناء الوافد وانقطع الولد، وأنا عجوزٌ كبيرةٌ، ما بي من خدمةٍ، فمنّ عليّ منّ اللّه عليك، قال: «من وافدك؟»، قالت: عديّ بن حاتمٍ، قال: «الّذي فرّ من اللّه ورسوله!»، قالت: فمنّ عليّ، فلمّا رجع، ورجلٌ إلى جنبه، ترى أنّه عليٌّ، قال: سليه حملانا، فسألته، فأمر لها، قال: فأتتني فقالت: لقد فعل فعلةً ما كان أبوك يفعلها، فإنّه قد أتاه فلانٌ فأصاب منه، وأتاه فلانٌ فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأةٌ وصبيانٌ أو صبيٌّ، وذكر قربهم من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: فعرفت أنّه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال: «يا عديّ، ما أفرّك أن يقال لا إله إلّا اللّه؟ فهل من إلهٍ إلّا اللّه؟»، قال: «ما أفرّك أن يقال: اللّه أكبر، فهل شيءٌ أكبر من اللّه، عزّ وجلّ؟». قال: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال: «المغضوب عليهم اليهود، وإنّ الضّالّين النّصارى». وذكر الحديث، ورواه التّرمذيّ، من حديث سماك بن حربٍ، وقال: حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلّا من حديثه.
قلت: وقد رواه حمّاد بن سلمة، عن سماكٍ، عن مرّيّ بن قطريّ، عن عديّ بن حاتمٍ، قال: سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قول اللّه: {غير المغضوب عليهم} قال: «هم اليهود»، {ولا الضّالّين} قال: «النّصارى هم الضّالّون». وهكذا رواه سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشّعبيّ، عن عديّ بن حاتمٍ به. وقد روي حديث عديٍّ هذا من طرقٍ، وله ألفاظٌ كثيرةٌ يطول ذكرها.
وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلي، أخبرني عبد اللّه بن شقيق، أنّه أخبره من سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بوادي القرى، وهو على فرسه، وسأله رجلٌ من بني القين، فقال: يا رسول اللّه، من هؤلاء؟ قال: «المغضوب عليهم -وأشار إلى اليهود- والضّالّون هم النّصارى». وقد رواه الجريري وعروة، وخالدٌ الحذّاء، عن عبد اللّه بن شقيقٍ، فأرسلوه، ولم يذكروا من سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. ووقع في رواية عروة تسمية عبد اللّه بن عمر، فاللّه أعلم.
وقد روى ابن مردويه، من حديث إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد اللّه بن شقيقٍ، عن أبي ذرٍّ قال: سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المغضوب عليهم قال:«اليهود»، [قال] قلت: الضّالّين، قال: «النّصارى».
وقال السّدّي، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «{غير المغضوب عليهم} هم اليهود، {ولا الضّالّين} هم النّصارى».
وقال الضّحّاك، وابن جريج، عن ابن عبّاسٍ: «{غير المغضوب عليهم} اليهود، {ولا الضالين}
[هم] النّصارى».
وكذلك قال الرّبيع بن أنسٍ، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحدٍ، وقال ابن أبي حاتمٍ: ولا أعلم بين المفسّرين في هذا اختلافًا.
وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمّة من أنّ اليهود مغضوبٌ عليهم، والنّصارى ضالّون، الحديث المتقدّم، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل اللّه بغيًا أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضبٍ على غضبٍ وللكافرين عذابٌ مهينٌ} [البقرة: 90]، وقال في المائدة: {قل هل أنبّئكم بشرٍّ من ذلك مثوبةً عند اللّه من لعنه اللّه وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطّاغوت أولئك شرٌّ مكانًا وأضلّ عن سواء السّبيل} [المائدة: 60]، وقال تعالى: {لعن الّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 78، 79].
وفي السّيرة عن زيد بن عمرو بن نفيلٍ؛ أنّه لمّا خرج هو وجماعةٌ من أصحابه إلى الشّام يطلبون الدّين الحنيف، قالت له اليهود: إنّك لن تستطيع الدّخول معنا حتّى تأخذ بنصيبك من غضب اللّه. فقال: أنا من غضب اللّه أفرّ. وقالت له النّصارى: إنّك لن تستطيع الدّخول معنا حتّى تأخذ بنصيبك من سخط اللّه فقال: لا أستطيعه. فاستمرّ على فطرته، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين، ولم يدخل مع أحدٍ من اليهود ولا النّصارى، وأمّا أصحابه فتنصّروا ودخلوا في دين النّصرانيّة؛ لأنّهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفلٍ، حتّى هداه اللّه بنبيّه لمّا بعثه آمن بما وجد من الوحي، رضي اللّه عنه.
(مسألةٌ): والصّحيح من مذاهب العلماء أنّه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضّاد والظّاء لقرب مخرجيهما؛ وذلك أنّ الضّاد مخرجها من أوّل حافّة اللّسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظّاء من طرف اللّسان وأطراف الثّنايا العليا، ولأنّ كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرّخوة ومن الحروف المطبقة، فلهذا كلّه اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميّز ذلك واللّه أعلم. وأمّا حديث: «أنا أفصح من نطق بالضّاد» فلا أصل له واللّه أعلم). [تفسير ابن كثير: 1/ 140-143]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (فصلٌ
اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات، على حمد اللّه وتمجيده والثّناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدّين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتّضرّع إليه، والتّبرّؤ من حولهم وقوّتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهيّة تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريكٌ أو نظيرٌ أو مماثلٌ، وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الصّراط المستقيم، وهو الدّين القويم، وتثبيتهم عليه حتّى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصّراط الحسّيّ يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنّات النّعيم في جوار النّبيّين، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين.
واشتملت على التّرغيب في الأعمال الصّالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتّحذير من مسالك الباطل؛ لئلّا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضّالّون.
وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: {صراط الّذين أنعمت عليهم} وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم} وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الّذين تولّوا قومًا غضب اللّه عليهم} الآية [المجادلة: 14]، وكذلك إسناد الضّلال إلى من قام به، وإن كان هو الّذي أضلّهم بقدره، كما قال تعالى: {من يهد اللّه فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا} [الكهف: 17]. وقال: {من يضلل اللّه فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186]. إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على أنّه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقوله الفرقة القدريّة ومن حذا حذوهم، من أنّ العباد هم الّذين يختارون ذلك ويفعلونه، ويحتجّون على بدعتهم بمتشابهٍ من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحا في الرّدّ عليهم، وهذا حال أهل الضّلال والغيّ، وقد ورد في الحديث الصّحيح: «إذا رأيتم الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الّذين سمّى اللّه فاحذروهم». يعني في قوله تعالى: {فأمّا الّذين في قلوبهم زيغٌ فيتّبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7]، فليس -بحمد اللّه- لمبتدعٍ في القرآن حجّةٌ صحيحةٌ؛ لأنّ القرآن جاء ليفصل الحقّ من الباطل مفرّقًا بين الهدى والضّلال، وليس فيه تناقضٌ ولا اختلافٌ؛ لأنّه من عند اللّه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ). [تفسير ابن كثير: 1 /143-144]

التأمين بعد: {ولا الضالين}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (فصلٌ
يستحبّ لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين [مثل: يس]، ويقال: أمين. بالقصر أيضًا [مثل: يمينٍ]، ومعناه: اللّهمّ استجب، والدّليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود، والتّرمذيّ، عن وائل بن حجرٍ، قال: سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} فقال: «آمين»، مدّ بها صوته، ولأبي داود: رفع بها صوته، وقال التّرمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ. وروي عن عليٍّ، وابن مسعودٍ وغيرهم.
وعن أبي هريرة، قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا تلا {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} قال: «آمين» حتّى يسمع من يليه من الصّفّ الأوّل، رواه أبو داود، وابن ماجه، وزاد: يرتجّ بها المسجد، والدّارقطنيّ وقال: هذا إسنادٌ حسنٌ.
وعن بلالٍ أنّه قال: «يا رسول اللّه، لا تسبقني بآمين». رواه أبو داود.
ونقل أبو نصرٍ القشيريّ عن الحسن وجعفرٍ الصّادق أنّهما شدّدا الميم من آمين مثل: {آمّين البيت الحرام} [المائدة: 2].
قال أصحابنا وغيرهم: ويستحبّ ذلك لمن هو خارج الصّلاة، ويتأكّد في حقّ المصلّي، وسواءٌ كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، وفي جميع الأحوال، لما جاء في الصّحيحين، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فإنّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدّم من ذنبه».
ولمسلمٍ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال أحدكم في الصّلاة: آمين، والملائكة في السّماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدّم من ذنبه».
[قيل: بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزّمان، وقيل: في الإجابة، وقيل: في صفة الإخلاص].
وفي صحيح مسلمٍ عن أبي موسى مرفوعًا: «إذا قال -يعني الإمام-: {ولا الضّالّين}، فقولوا: آمين. يجبكم اللّه».
وقال جويبر، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: قلت: يا رسول اللّه، ما معنى آمين؟ قال: «ربّ افعل».
وقال الجوهريّ: «معنى آمين: كذلك فليكن»، وقال التّرمذيّ: «معناه: لا تخيّب رجاءنا»، وقال الأكثرون: «معناه: اللّهمّ استجب لنا»، وحكى القرطبيّ عن مجاهدٍ وجعفرٍ الصّادق وهلال بن كيسان: «أنّ آمين اسمٌ من أسماء اللّه تعالى»، وروي عن ابن عبّاسٍ مرفوعًا ولا يصحّ، قاله أبو بكر بن العربيّ المالكيّ.
وقال أصحاب مالكٍ: لا يؤمّن الإمام ويؤمّن المأموم، لما رواه مالكٌ عن سميّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «وإذا قال -يعني الإمام-: {ولا الضّالّين}، فقولوا: آمين». الحديث. واستأنسوا -أيضًا- بحديث أبي موسى: «وإذا قرأ: {ولا الضّالّين}، فقولوا: آمين».
وقد قدّمنا في المتّفق عليه: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا» وأنّه عليه الصّلاة والسّلام كان يؤمّن إذا قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين}،
وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتّأمين للمأموم في الجهرية، وحاصل الخلاف أنّ الإمام إن نسي التّأمين جهر المأموم به قولًا واحدًا، وإن أمّن الإمام جهرًا؛ فالجديد أنّه لا يجهر المأموم وهو مذهب أبي حنيفة، وروايةٌ عن مالكٍ؛ لأنّه ذكرٌ من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصّلاة. والقديم أنّه يجهر به، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبلٍ، والرّواية الأخرى عن مالك، لما تقدّم: «حتّى يرتجّ المسجد».
ولنا قولٌ آخر ثالثٌ: إنّه إن كان المسجد صغيرًا لم يجهر المأموم، لأنّهم يسمعون قراءة الإمام، وإن كان كبيرًا جهر ليبلّغ التّأمين من في أرجاء المسجد، واللّه أعلم.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن عائشة، رضي اللّه عنها، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكرت عنده اليهود، فقال: «إنّهم لن يحسدونا على شيءٍ كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين»، ورواه ابن ماجه، ولفظه: «ما حسدتكم اليهود على شيءٍ ما حسدتكم على السّلام والتّأمين»، وله عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما حسدتكم اليهود على شيءٍ ما حسدتكم على قول: آمين، فأكثروا من قول: آمين» وفي إسناده طلحة بن عمرٍو، وهو ضعيفٌ.
وروى ابن مردويه، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «آمين: خاتم ربّ العالمين على عباده المؤمنين».
وعن أنسٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أعطيت آمين في الصّلاة وعند الدّعاء، لم يعط أحدٌ قبلي إلّا أن يكون موسى، كان موسى يدعو، وهارون يؤمّن، فاختموا الدّعاء بآمين، فإنّ اللّه يستجيبه لكم».
قلت: ومن هنا نزع بعضهم في الدّلالة بهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وقال موسى ربّنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالا في الحياة الدّنيا ربّنا ليضلّوا عن سبيلك ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم * قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتّبعانّ سبيل الّذين لا يعلمون} [يونس: 88، 89]، فذكر الدّعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدلّ على أنّ
هارون أمّن، فنزل منزلة من دعا، لقوله تعالى: {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89]، فدلّ ذلك على أنّ من أمّن على دعاءٍ فكأنّما قاله؛ فلهذا قال من قال: إنّ المأموم لا يقرأ لأنّ تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها؛ ولهذا جاء في الحديث: «من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءةٌ»، وكان بلالٌ يقول: «لا تسبقني بآمين». فدلّ هذا المنزع على أنّ المأموم لا قراءة عليه في الجهريّة، واللّه أعلم.
ولهذا قال ابن مردويه: حدّثنا أحمد بن الحسن، حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن سلّامٍ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا جريرٌ، عن ليث بن أبي سليمٍ، عن كعبٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين} فقال: آمين، فتوافق آمين أهل الأرض آمين أهل السّماء، غفر اللّه للعبد ما تقدّم من ذنبه، ومثل من لا يقول: آمين، كمثل رجلٍ غزا مع قومٍ، فاقترعوا، فخرجت سهامهم، ولم يخرج سهمه، فقال: لم لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنّك لم تقل: آمين»). [تفسير ابن كثير: 1 /144-147]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:40 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة