العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 09:48 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (187) إلى الآية (189) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (187) إلى الآية (189) ]

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:26 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا الثوري عن أبي الجحاف عن مسلم البطين قال سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فقام رجل إلى سعيد بن جبير يسأله فقال وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب اليهود لتبيننه للناس محمدا ولا يكتمونه فنبذوه لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا قال بكتمانهم محمدا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال قولهم نحن على دين إبراهيم). [تفسير عبد الرزاق: 1/141]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا ابن جريح قال أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة
[تفسير عبد الرزاق: 1/141]
ابن وقاص أخبره أن مروان قال لرافع بوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل يعذب لنعذبن أجمعين فقال ابن عباس وما لكم ولهذه إنما دعا النبي يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما سألهم وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ثم قرأ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتب الآية). [تفسير عبد الرزاق: 1/142]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون}.
يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضًا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يا محمّد إذ أخذ اللّه ميثاقهم، ليبيّننّ للنّاس أمرك الّذي أخذ ميثاقهم على بيانه للنّاس في كتابهم الّذي في أيديهم، وهو التّوراة والإنجيل، وأنّك للّه رسولٌ مرسلٌ بالحقّ، ولا يكتمونه، {فنبذوه وراء ظهورهم} يقول فتركوا أمر اللّه وضيّعوه، ونقضوا ميثاقه الّذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك وكذّبوا بك {واشتروا به ثمنًا قليلاً} يقول وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوّتك، عوضًا منه، خسيسًا قليلاً من عرض الدّنيا، ثمّ ذمّ جلّ ثناؤه شراءهم مّا اشتروا به من ذلك، فقال {فبئس ما يشترون}.
واختلف أهل التّأويل فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها اليهود خاصّةً.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة، أنّه حدّثه، عن ابن عبّاسٍ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه} إلى قوله: {عذابٌ أليمٌ} يعني فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة مولى ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: (وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم) كان أمرهم أن يتّبعوا النّبيّ الأمّيّ الّذي يؤمن باللّه وكلماته وقال: {اتّبعوه لعلّكم تهتدون} فلمّا بعث اللّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم قال: {أوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإيّاي فارهبون} عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمّدًا: صدّقوه وتلقون الّذي أحببتم عندي.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس} الآية، قال: إنّ اللّه أخذ ميثاق اليهود ليبيّننّه للنّاس محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا يكتمونه، فنبذوه اليهود وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن أبي الجحّاف، عن مسلمٍ البطين، قال: سأل الحجّاج بن يوسف جلساءه عن هذه الآية: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب} فقام رجلٌ إلى سعيد بن جبيرٍ فسأله، فقال: وإذ أخذ اللّه ميثاق أهل الكتاب يهود (ليبيّننّه للنّاس) محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يكتمونه، فنبذوه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: (وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه) قال: وكان فيه أنّ الإسلام دين اللّه الّذي افترضه على عباده، وأنّ محمّدًا يجدونه مكتوبًا عندهم في التّوراة والإنجيل.
وقال آخرون: عني بذلك كلّ من أوتي علمًا بأمر الدّين.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: (وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم) الآية هذا ميثاقٌ أخذ اللّه على أهل العلم، فمن علم شيئًا فليعلّمه، وإيّاكم وكتمان العلم، فإنّ كتمان العلم هلكةٌ، ولا يتكلّفنّ رجلٌ ما لا علم له به، فيخرج من دين اللّه، فيكون من المتكلّفين، كان يقال: مثل علمٍ لا يقال به كمثل كنزٍ لا ينفق منه، ومثل حكمةٍ لا تخرج كمثل صنمٍ قائمٍ لا يأكل ولا يشرب وكان يقال: طوبى لعالمٍ ناطقٍ، وطوبى لمستمعٍ واعٍ. هذا رجلٌ علم علمًا فعلّمه وبذله ودعا إليه، ورجلٌ سمع خيرًا فحفظه ووعاه، وانتفع به.
- حدّثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، قال: جاء رجلٌ إلى قومٍ في المسجد وفيه عبد اللّه بن مسعودٍ فقال: إنّ أخاكم كعبًا يقرئكم السّلام، ويبشّركم أنّ هذه الآية ليست فيكم: (وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه) فقال له عبد اللّه: وأنت فأقرئه السّلام، وأخبره أنّها نزلت وهو يهوديّ
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة بنحوه، عن عبد اللّه وكعبٍ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ اللّه ميثاق النّبيّين على قومهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن سفيان، قال: حدّثني يحيب بن أبي ثابتٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ أصحاب عبد اللّه يقرءون: وإذ أخذ ربّك من الّذين أوتوا الكتاب ميثاقهم قال: من النّبيّين على قومهم.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا قبيصة، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيبٍ، عن سعيدٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ: إنّ أصحاب عبد اللّه يقرءون {وإذ أخذ اللّه ميثاق} الّذين أوتوا الكتاب وانفرا وإذ أخذ اللّه ميثاق النّبيّين قال: فقال: أخذ اللّه ميثاق النّبيّين على قومهم
وأمّا قوله: (ليبيّننّه للنّاس).فإنّه كما:
- حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا محمّد بن ذكوان، قال: حدّثنا أبو نعامة السّعديّ، قال: كان الحسن يفسّر قوله: (وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه) ليتكلّمنّ بالحقّ وليصدّقنّه بالعمل.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه} بالتّاء جميعا وهي قراءة عظم قرّاء أهل المدينة والكوفة على وجه المخاطب، بمعنى: قال لهم: لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه.
وقرأ ذلك آخرون: (ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه) بالياء جميعًا على وجه الخبر عن الغائب؛ لأنّهم في وقت إخبار اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك عنهم كانوا غير موجودين، فصار الخبر عنهم كالخبر عن الغائب.
والقول في ذلك عندنا: أنّهما قراءتان صحيحةٌ وجوههما، مستفيضتان في قراءة الإسلام، غير مختلفتي المعاني، فبأيّتهما قرأ القارئ فقد أصاب الحقّ والصّواب في ذلك، غير أنّ الأمر في ذلك وإن كان كذلك، فإنّ أحبّ القراءتين إليّ أن أقرأ بها: (ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه) بالياء جميعًا استدلالاً بقوله: {فنبذوه} أنّه إذا كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على سبيل قوله: {فنبذوه} حتّى يكون متّسقًا كلّه على معنًى واحدٍ ومثالٍ واحدٍ، ولو كان الأوّل بمعنى الخطاب لكان أن يقال: فنبذتموه وراء ظهوركم، أولى من أن يقال: فنبذوه وراء ظهورهم.
وأمّا قوله: {فنبذوه وراء ظهورهم} فإنّه مثلٌ لتضييعهم القيام بالميثاق، وتركهم العمل به
وقد بيّنّا المعنى الّذي من أجله قيل ذلك كذلك فيما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يحيى بن أيّوب البجليّ، عن الشّعبيّ، في قوله: {فنبذوه وراء ظهورهم} قال: إنّهم قد كانوا يقرءونه إنّما نبذوا العمل به.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {فنبذوه وراء ظهورهم} قال: نبذوا الميثاق.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا عثمان بن عمر، قال: حدّثنا مالك بن مغولٍ، قال: نبّئت عن الشّعبيّ في هذه الآية: {فنبذوه وراء ظهورهم} قال: قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به
وأمّا قوله {واشتروا به ثمنًا قليلاً} فإنّ معناه ما قلنا من أخذهم ما أخذوا على كتمانهم الحقّ وتحريفهم الكتاب.
- كما: حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {واشتروا به ثمنًا قليلاً} أخذوا طمعًا، وكتموا اسم محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقوله: {فبئس ما يشترون} يقول: فبئس الشّراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب.
- كما: حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: {فبئس ما يشترون} قال: تبديل اليهود التّوراة). [جامع البيان: 6/293-299]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون (187)
قوله تعالى: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب
[الوجه الأول]
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، ثنا أبي، ثنا عمّي، حدّثني أبي، عن جدّي، عن ابن عبّاسٍ قول: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب أمرهم أن يتّبعوا النّبيّ الأمّيّ الّذي يؤمن باللّه وكلماته، قال واتّبعوه لعلّكم تهتدون فلمّا بعث اللّه محمّداً قال: وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمّداً: صدّقوه: وتلقون عندي الّذي أحببتم.
- حدّثنا محمّد بن الوزير الواسطيّ، ثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان، عن سفيان، عن حبيبٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قال: قلت لابن عبّاس: إنّ أصحاب عبد اللّه يقرءون: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب قال ابن عبّاسٍ: إنّما أخذ اللّه ميثاق النّبيّين يعني: على قومهم.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن سفيان الثّوريّ، عن أبي الجحّاف، عن مسلمٍ البطين، عن سعيد بن جبيرٍ وإذ أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب قال: اليهود.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب قال: هم اليهود والنّصارى.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس، ثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة قوله: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب قال: هذا ميثاقٌ أخذه اللّه على أهل العلم.
قوله تعالى: لتبيننه للناس
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أحمد الزّبيريّ، عن سفيان، ثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن سفيان، وحدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق ، أنبأ الثّوريّ، عن أبي الجحّاف، عن مسلمٍ البطين، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: لتبيّننّه للنّاس قال: محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس، ثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة قوله: لتبيّننّه للنّاس قال: فمن علم علماً فليعلمه النّاس.
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريجٍ، أخبرني ابن أبي مليكة أنّ علقمة بن أبي وقّاصٍ أخبره أنّ مروان قال لرافعٍ بوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبّاسٍ، فسله عن قوله: لتبيّننّه للنّاس قال:
قال اللّه جلّ ثناؤه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم في التّوراة: إنّ الإسلام دين اللّه الّذي ارتضاه افترضه على عباده، وإنّ محمّداً رسول اللّه يجدونه عندهم في التّوراة والإنجيل.
قوله تعالى: ولا تكتمونه
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أحمد الزّبيريّ، عن سفيان، عن أبي الجحّاف، عن مسلمٍ البطين، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: ولا تكتمونه قال: محمّدٌ- وروي عن السّدّيّ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أخبرنا العبّاس، ثنا يزيد، عن قتادة ولا تكتمونه قال: وإيّاكم وكتمان العلم، فإنّ كتمان العلم هلكةٌ فلا يتكلّفنّ رجلٌ ممّا لا علم لديه، فيخرج من دين اللّه، فيكون من المتكلّفين.
- أخبرني أحمد بن محمّدٍ الشّافعيّ فيما كتب إليّ قال: قرأ أبي على عمّي، أو عمّي على أبي قال: قال سفيان: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه: أن تنكر المنكر، وتأمر بالخير، وتحسّن الحسن، وتقبّح القبيح.
قوله تعالى: فنبذوه وراء ظهورهم
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن إدريس وأبو أسامة، والسّياق لابن إدريس، عن يحيى بن أيّوب البجليّ، عن الشّعبيّ في قوله: فنبذوه وراء ظهورهم قالا: قد كانوا يقرءونه، ولكنّهم نبذوا العمل به.
- حدّثنا أحمد بن عثمان، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: فنبذوه وراء ظهورهم: فنبذوا العهد وراء ظهورهم.
قوله تعالى: واشتروا به ثمناً قليلا
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن قوله: واشتروا به ثمناً قليلا قال: كتموا وباعوا فلا يبدون شيئاً إلا بثمنٍ.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن عليّ بن حمزة، ثنا عليّ بن الحسين، أنبأ ابن المبارك، أنبأ عبد الرّحمن بن يزيد بن جابرٍ، عن هارون بن يزيد قال: سئل الحسن عن قوله: ثمنًا قليلا قال: الثّمن القليل: الدّنيا بحذافيرها.
قوله تعالى: فبئس ما يشترون
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
قوله: فبئس ما يشترون قال: تبديل اليهود التوراة). [تفسير القرآن العظيم: 2/835-837]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال حدثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فبئس ما يشترون قال يعني تبديل اليهود والنصارى صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتبهم ونبوته يقول اشتروا به ما كانوا يصيبون من سفلتهم فبئس ما يشترون). [تفسير مجاهد: 140]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) :
( (خ م ت) حميد بن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما - أنّ مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباسٍ، فقل: لئن كان كلّ امرئ منّا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل: معذباً لنعذّبنّ أجمعون، فقال ابن عباسٍ: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباسٍ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون (187) لا تحسبنّ الذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران: 187، 188] وقال ابن عباسٍ: سألهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن شيءٍ، فكتموه إيّاه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه. أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي). [جامع الأصول: 2/73]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 187.
أخرج ابن إسحاق، وابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} إلى قوله {عذاب أليم} يعني فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} قال: كان أمرهم أن يتبعوا النّبيّ الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته وقال: واتبعوه لعلكم تهتدون، فلما بعث الله محمدا قال (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) (البقرة الآية 40) عاهدهم على ذلك فقال حين بعث محمدا: صدقوه وتلقون عندي الذي أحببتم.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علقمة بن وقاص عن ابن عباس في الآية قال: في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده وأن محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فينبذونه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} قال: اليهود {لتبيننه للناس} قال: محمدا صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: إن الله أخذ ميثاق اليهود لتبينن للناس محمدا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم علما فليعلمه للناس وإياكم وكتمان العلم فإن كتمان العلم هلكة ولا يتكلفن رجل ما لا علم له به فيخرج من دين الله فيكون من المتكلفين، كان يقول مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينتفع به ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب، وكان يقال في الحكمة: طوبى لعالم ناطق وطوبى لمستمع واع، هذا رجل علم علما فعلمه وبذله ودعا إليه ورجل سمع خيرا فحفظه ووعاه وانتفع به
وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال: إن أخاكم كعبا يقرؤكم السلام ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} فقال له عبد الله: وأنت فأقرئه السلام أنها نزلت وهو يهودي.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه كان يفسر قوله {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} ليتكلمن بالحق وليصدقنه بالعمل.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله {فنبذوه وراء ظهورهم} قال إنهم قد كانوا يقرؤونه ولكنهم نبذوا العمل به
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {فنبذوه} قال: نبذوا الميثاق.
وأخرج ابن جرير عن السدي {واشتروا به ثمنا قليلا} أخذوا طعما وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم قال: كتموا وباعوا فلم يبدوا شيئا إلا بثمن.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فبئس ما يشترون} قال: تبديل يهود التوراة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم، وتلا {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}.
وأخرج ابن سعد عن الحسن قال لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه). [الدر المنثور: 4/168-171]

تفسير قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) )

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أنه بلغه أن مروان بن الحكم قال وعنده أبو سعيد الخدري وزيد بن ثابت ورافع بن خديج: يا أبا سعيد، كيف هذه الآية: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبطن أن يحمدوا بما لم [يفعلوا}، .. .. ] إنا لنحب أن نحمد بما لم نفعل ونفرح بما أتينا، قال: إن [ ....... ] إن ناسا من المنافقين كانوا يتخلفون في زمان [رسول الله ........ .. ] فكان فيهم ما يحب حلفوا له ألا يتخلفوا عنهم [ ............. أن] يحمدوا بذلك، وإن كان فيهم ما يكره [فـ ............. ] عنهم؛ فقال مروان: فأين هذا من هذا [ ............. ]، قال مروان: كذلك،
[الجامع في علوم القرآن: 2/37]
يا زيد، قال: نعم، [صدقت (؟) ........ .. ]، قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذلك، لرافع [بن خديج، ............. بن] خديج ولكن يخشى أن يخبرك أن [تنتزعـ .......... ] قلائص الصدقة؛ فلما خرجوا، قال زيد بن ثابت: يا أبا سعيد، ألا تحمدني كما شهدت لك، فقال: شهدت بالحق، قال: أولا تحمدني أن أشهد بالحق). [الجامع في علوم القرآن: 2/38]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديج أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فقال مروان لرافع: في أي شيءٍ أنزلت هذه الآية: {ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}، فقال رافع: نزلت في ناس من المنافقين، ثم ذكر نحو هذا الحديث إلا أنه قال: قد حمد الله على الحق أهله). [الجامع في علوم القرآن: 2/38]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة قال إن أهل خيبر أتوا النبي وأصحابه فقالوا إنا على رأيكم وهيئتكم وإنا لكم ود فأكذبهم الله وقال لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا). [تفسير عبد الرزاق: 1/144]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة قال: جاء رجلٌ إلى عبد اللّه فقال: إنّ كعبًا الحبر يقرئك السّلام ويخبرك أنّ هذه الآية ليست فيكم {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية قال عبد اللّه: نزلت هذه الآية وكعب كان يهوديا [الآية: 188]). [تفسير الثوري: 83]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب (لا يحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا)
- حدّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللّه عنه: «أنّ رجالًا من المنافقين على عهد رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم كان إذا خرج رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم إلى الغزو تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فإذا قدم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا»، فنزلت: (لا يحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) الآية
- حدّثني إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشامٌ، أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، عن ابن أبي مليكة، أنّ علقمة بن وقّاصٍ أخبره، أنّ مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبّاسٍ، فقل: لئن كان كلّ امرئٍ فرح بما أوتي، وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبًا، لنعذّبنّ أجمعون، فقال ابن عبّاسٍ: وما لكم ولهذه «إنّما دعا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يهود فسألهم عن شيءٍ فكتموه إيّاه، وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه، بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم» ، ثمّ قرأ ابن عبّاسٍ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: 187] كذلك حتّى قوله: {يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران: 188] تابعه عبد الرّزّاق، عن ابن جريجٍ، ح حدّثنا ابن مقاتلٍ، أخبرنا الحجّاج، عن ابن جريجٍ، أخبرني ابن أبي مليكة، عن حميد بن عبد الرّحمن بن عوفٍ أنّه أخبره: أنّ مروان: بهذا). [صحيح البخاري: 6/40-41]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا)
سقط لفظ باب لغير أبي ذرٍّ
- قوله حدثنا محمّد بن جعفر أي بن أبي كثيرٍ المدنيّ والإسناد كلّه مدنيّون إلى شيخ البخارى قوله إنّ رجالًا من المنافقين هكذا ذكره أبو سعيدٍ الخدريّ في سبب نزول الآية وأنّ المراد من كان يعتذر عن التّخلّف من المنافقين وفي حديث بن عبّاسٍ الّذي بعده أنّ المراد من أجاب من اليهود بغير ما سئل عنه وكتموا ما عندهم من ذلك ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا وبهذا أجاب القرطبيّ وغيره وحكى الفرّاء أنّها نزلت في قول اليهود نحن أهل الكتاب الأوّل والصّلاة والطّاعة ومع ذلك لا يقرّون بمحمّدٍ فنزلت ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا وروى بن أبي حاتمٍ من طرقٍ أخرى عن جماعةٍ من التّابعين نحو ذلك ورجّحه الطّبريّ ولا مانع أن تكون نزلت في كلّ ذلك أو نزلت في أشياء خاصّةٍ وعمومها يتناول كلّ من أتى بحسنةٍ ففرح بها فرح إعجابٍ وأحبّ أن يحمده النّاس ويثنوا عليه بما ليس فيه واللّه أعلم
- قوله أخبرنا هشام هو بن يوسف الصّنعانيّ قوله عن بن أبي مليكة في رواية عبد الرّزّاق عن بن جريج أخبرني بن أبي مليكة وسيأتي وكذا أخرجه بن أبي حاتمٍ من طريق محمّد بن ثورٍ عن بن جريجٍ قوله أنّ علقمة بن وقّاصٍ هو اللّيثيّ من كبار التّابعين وقد قيل إنّ له صحبةً وهو راوي حديث الأعمال عن عمر قوله أن مروان هو بن الحكم بن أبي العاص الّذي ولي الخلافة وكان يومئذٍ أمير المدينة من قبل معاوية قوله قال لبوّابه اذهب يا رافع إلى بن عبّاسٍ فقل رافعٌ هذا لم أر له ذكرا في كتاب الرّواة إلّا بما جاء في هذا الحديث والّذي يظهر من سياق الحديث أنّه توجّه إلى بن عبّاسٍ فبلّغه الرّسالة ورجع إلى مروان بالجواب فلولا أنّه معتمدٌ عند مروان ما قنع برسالته لكن قد ألزم الإسماعيليّ البخاريّ أن يصحح حديث يسرة بن صفوان في نقض الوضوء من مسّ الذّكر فإنّ عروة ومروان اختلفا في ذلك فبعث مروان حرسيه إلى يسرة فعاد إليه بالجواب عنها فصار الحديث من رواية عروة عن رسول مروان عن يسرة ورسول مروان مجهول الحال فتوقّف عن القول بصحّة الحديث جماعةٌ من الأئمّة لذلك فقال الإسماعيليّ إنّ القصّة الّتي في حديث الباب شبيهة بحديث يسرة فإن كان رسول مروان معتمدًا في هذه فليعتمد في الأخرى فإنّه لا فرق بينهما إلّا أنّه في هذه القصّة سمّى رافعًا ولم يسمّ الحرسيّ قال ومع هذا فاختلف على بن جريجٍ في شيخ شيخه فقال عبد الرّزّاق وهشام عنه عن بن أبي مليكة عن علقمة وقال حجّاج بن محمّد عن بن جريج عن بن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرّحمن ثمّ ساقه من رواية محمّد بن عبد الملك بن جريج عن أبيه عن بن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرّحمن فصار لهشامٍ متابعٌ وهو عبد الرّزّاق ولحجّاج بن محمّد متابع وهو محمّد وأخرجه بن أبي حاتمٍ من طريق محمّد بن ثورٍ عن بن جريجٍ كما قال عبد الرّزّاق والّذي يتحصّل لي من الجواب عن هذا الاحتمال أن يكون علقمة بن وقّاصٍ كان حاضرًا عند بن عبّاسٍ لمّا أجاب فالحديث من رواية علقمة عن بن عبّاس وإنّما قصّ علقمة سبب تحديث بن عبّاسٍ بذلك فقط وكذا أقول في حميد بن عبد الرّحمن فكأن بن أبي مليكة حمله عن كلّ منهما وحدّث به بن جريج عن كل منهما فحدث به بن جريجٍ تارةً عن هذا وتارةً عن هذا وقد روى بن مردويه في حديث أبي سعيدٍ ما يدلّ على سبب إرساله لابن عبّاسٍ فأخرج من طريق اللّيث عن هشام بن سعدٍ عن زيد بن أسلم قال كان أبو سعيدٍ وزيد بن ثابتٍ ورافع بن خديجٍ عند مروان فقال يا أبا سعيدٍ أرأيت قول اللّه فذكر الآية فقال إنّ هذا ليس من ذاك إنّما ذاك أنّ ناسًا من المنافقين فذكر نحو حديث الباب وفيه فإن كان لهم نصرٌ وفتحٌ حلفوا لهم على سرورهم بذلك ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم فكأنّ مروان توقّف في ذلك فقال أبو سعيدٍ هذا يعلم بهذا فقال أكذلك يا زيد قال نعم صدق ومن طريق مالكٍ عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديجٍ أنّ مروان سأله عن ذلك فأجابه بنحو ما قال أبو سعيدٍ فكأنّ مروان أراد زيادة الاستظهار فأرسل بوابه رافعا إلى بن عبّاسٍ يسأله عن ذلك واللّه أعلم وأمّا قول البخاريّ عقب الحديث تابعه عبد الرّزّاق عن بن جريجٍ فيريد أنّه تابع هشام بن يوسف على روايته إيّاه عن بن جريج عن بن أبي مليكة عن علقمة ورواية عبد الرّزّاق وصلها في التّفسير وأخرجها الإسماعيليّ والطّبريّ وأبو نعيمٍ وغيرهم من طريقه وقد ساق البخاريّ إسناد حجّاجٍ عقب هذا ولم يسق المتن بل قال عن حميد بن عبد الرّحمن بن عوفٍ أنّه أخبره أنّ مروان بهذا وساقه مسلمٌ والإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ إنّ مروان قال لبوّابه اذهب يا رافع إلى بن عبّاس فقل له فذكر نحو حديث هشامٍ قوله لنعذّبنّ أجمعون في رواية حجّاج بن محمّدٍ لنعذّبنّ أجمعين قوله إنّما دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يهودًا فسألهم عن شيءٍ في رواية حجّاج بن محمّدٍ إنّما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب قوله فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم في رواية حجّاج بن محمّدٍ فخرجوا قد أروه أنّهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وهذا أوضح قوله بما أتوا كذا للأكثر بالقصر بمعنى جاؤوا أي بالّذي فعلوه وللحمويّ بما أوتوا بضمّ الهمزة بعدها واوٌ أي أعطوا أي من العلم الّذي كتموه كما قال تعالى فرحوا بما عندهم من العلم والأوّل أولى لموافقته التّلاوة المشهورة على أنّ الأخرى قراءة السّلميّ وسعيد بن جبيرٍ وموافقة المشهور أولى مع موافقته لتفسير بن عبّاس قوله ثمّ قرأ بن عبّاسٍ وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب فيه إشارةٌ إلى أنّ الّذين أخبر اللّه عنهم في الآية المسئول عنها هم المذكورون في الآية الّتي قبلها وأنّ اللّه ذمّهم بكتمان العلم الّذي أمرهم أن لا يكتموه وتوعّدهم بالعذاب على ذلك ووقع في رواية محمّد بن ثور المذكورة فقال بن عبّاسٍ قال اللّه جلّ ثناؤه في التّوراة إنّ الإسلام دين اللّه الّذي افترضه على عباده وإنّ محمّدًا رسول اللّه تنبيهٌ الشّيء الّذي سأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عنه اليهود لم أره مفسّرًا وقد قيل إنّه سألهم عن صفته عندهم بأمرٍ واضحٍ فأخبروه عنه بأمرٍ مجملٍ وروى عبد الرّزّاق من طريق سعيد بن جبيرٍ في قوله ليبيننه للنّاس ولا يكتمونه قال محمّدٌ وفي قوله يفرحون بما أتوا قال بكتمانهم محمّدًا وفي قوله أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال قولهم نحن على دين إبراهيم). [فتح الباري: 8/233-235]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
- حدثني إبراهيم بن موسى أنا هشام أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوّابه اذهب يا رافع إلى ابن عبّاس فقل لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يعمل معذبا لنعذّبنّ أجمعين الحديث
تابعه عبد الرّزّاق عن ابن جريج انتهى
قال ابن جرير ثنا الحسن بن يحيى ثنا عبد الرّزّاق ثنا ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لرافع اذهب يا رافع إلى ابن عبّاس فقل له كيف كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعدبن أجمعين فقال ابن عبّاس ما لكم ولهذه إنّما دعا النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إيّاه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه ما سألهم وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إيّاه ثمّ قال {وإذ أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب} الآية 187 آل عمران
رواه أبو نعيم في المستخرج عن محمّد بن إبراهيم ثنا أبو عروبة ثنا سلمة بن شبيب ثنا عبد الرّزّاق به
ورواه الإسماعيليّ عن القاسم عن ابن زنجويه عن عبد الرّزّاق به). [تغليق التعليق: 4/191-192]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (16 - (بابٌ: {لا يحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} (آل عمران: 188)

أي: هذا باب يذكر فيه قوله: {لا يحسبن الّذين يفرحون بما أتوا} ولفظ باب ما ذكره إلاّ في رواية أبي ذر. قوله: (لا يحسبن) بالياء وبالباء الموحدة المفتوحة. وقوله: (الّذين يفرحون) فاعله، وقرئ بالتّاء المثنّاة من فوق خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرئ بضم الباء الموحدة على أنه خطاب للمؤمنين. قوله: (بما أتوا) أي: بما فعلوا ولفظ: أتي وجاء، يجيئان بمعنى: فعل. قال الله عز وجل: {أنه كان وعده مأتيا} (مريم: 61) {لقد جئت شيئا فريا} (مريم: 27) .

- حدّثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمّد بن جعفرٍ قال حدّثني زيد بن أسل عن عطاء ابن يسارٍ عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبّوا أن يفعلوا فنزلت {لا تحسبن الّذين يفرحون} الآية.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة وهي: أيضا في بيان سبب نزول الآية المذكورة ومحمّد بن جعفر بن أبي كثير المدني، وعطاء ابن يسار ضد اليمين.
والحديث أخرجه مسلم في التّوبة عن الحسن بن عليّ الحلواني ومحمّد بن سهل، كلاهما عن سعيد بن أبي مريم.
قوله: (بمقعدهم) ، أي: بقعودهم، وهو مصدر ميمي. قوله: (فنزلت) ، يعني هذه الآية. وهي: {ألا تحسبن الّذين يفرحون} الآية. هكذا ذكر أبو سعيد الخدريّ أن سبب نزول هذه الآية هو ما ذكره، وذكر أحمد عن ابن عبّاس أنه قال: إنّما نزلت في أهل الكتاب على ما يجيء الآن، وقال القرطبيّ: نزلت في الفريقين جميعًا. وذكر الفراء أنّها نزلت في قول اليهود: نحن أهل الكتاب الأول والصّلاة والطّاعة، ومع ذلك لا يقرون بمحمد، فنزلت: {ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} وعموم اللّفظ يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب واحب أن يحمده النّاس ويثنوا عليه بما ليس فيه.

- حدّثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشامٌ أنّ ابن جريجٍ أخبرهم عن ابن أبي مليكة أنّ علقمة بن وقّاصٍ أخبره أنّ مروان قال لبوّابه اذهب يا رافع إلى ابن عبّاسٍ فقل لئن كان كلّ امرئ فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون فقال ابن عبّاسٍ وما لكم ولهاذه إنما دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيءٍ فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ثمّ قرأ ابن عبّاسٍ {وإذ أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب} (آل عمران: 187) كذلك حتّى قوله: {يفرحون بما أوتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} (آل عمران: 188) .

أشار بهذا إلى وجه آخر في سبب نزول الآية المذكورة أخرجه عن إبراهيم بن موسى أبي إسحاق الفراء الرّازيّ عن هشام بن يوسف الصّنعانيّ عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص اللّيثيّ من كبار التّابعين، وقيل: له صحبة.
والحديث أخرجه مسلم أيضا من حديث حجاج عن ابن جريج به.
قوله: (أن مروان) هو ابن الحكم بن أبي العاص، ولي الخلافة وكان يومئذٍ أمير المدينة من جهة معاوية. قوله: (يا رافع) هو بواب مروان بن الحكم وهو مجهول فلذلك توقف جماعة عن القول بصحّة الحديث حتّى إن الإسماعيليّ قال: يرحم الله البخاريّ أخرج هذا الحديث في (الصّحيح) مع الاختلاف على ابن جريج ومرجع الحديث إلى بواب مروان عن ابن عبّاس ومروان وبوابه بمنزلة واحدة ولم يذكر حديث عروة عن مروان وحرب عن يسرة في مس الذّكر وذكر هذا ولا فرق بينهما إلاّ أن البواب مسمّى ثمّ لا يعرف إلاّ هكذا والحرسي غير مسمّى والله يغفر لنا وله. قلت: إنكار الإسماعيليّ على البخاريّ في هذا من وجوه: الأول: الاختلاف على ابن جريج فإنّه أخرجه من حديث حجاج عن ابن أبي مليكة عن حميد، وأخرجه أيضا من حديث هشام عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة الحديث بعينه. وقد اختلفا (والثّاني) : أن بواب مروان الّذي اسمه رافع مجهول الحال ولم يذكر إلاّ في هذا الحديث (فإن قلت) : إن مروان لو لم يعتمد عليه لم يقنع برسالته. قلت: قد سمعت أن الإسماعيليّ قال: مروان وبوابه بمنزلة واحدة، وقد انفرد بروايته البخاريّ دون مسلم. (والثّالث) : أن البخاريّ لم يورد في (صحيحه) حديث يسرة بنت صفوان الصحابية في مس الذّكر ولا فرق بينه وبين حديث الباب لما ذكرنا. وقد ساعد بعضهم البخاريّ فيه بقوله: ويحتمل أن يكون علقمة بن وقاص كان حاضرا عند ابن عبّاس لما أجاب. (قلت) : لو كان حاضرا عند ابن عبّاس عند جوابه لكان أخبر ابن أبي مليكة أنه سمع ابن عبّاس أنه أجاب لرافع بواب مروان بالّذي سمعه، ومقام علقمة أجل من أن يخبر عن رجل مجهول الحال بخبر قد سمعه عن ابن عبّاس وترك ابن عبّاس وأخبره عن غيره بذلك. قوله: (فقل) أمر لرافع المذكور. قوله: (بما أوتي) يروي: (فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بدنيا وأحب أن يحمد) بضم الباء على صيغة المجهول. قوله: (معذبا) منصوب لأنّه خبر: كان. قوله: (لنعذّبنّ) جواب قوله: (لئن) وهو على صيغة المجهول. قوله: (أجمعون) وفي رواية حجاج بن محمّد (أجمعين) على الأصل. قوله: (وما لكم ولهذه) إنكار من ابن عبّاس على السّؤال بهذه المسألة على الوجه المذكور وأن أصل هذا أن النّبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود إلى آخره وفي رواية حجاج بن محمّد انما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب. قوله: (فسألهم عن شيء) ، قال الكرماني: قيل: هذا الشّيء هو نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: (فكتموه إيّاه) ، أي: كنتم يهود الشّيء الّذي سألهم صلى الله عليه وسلم عنه وأخبروه بغير ذلك. قوله: (فأروه) أي: فأرو النّبي صلى الله عليه وسلم بأنّهم قد استحمدوا إليه، واستحمدوا على صيغة المجهول من استحمد فلان عند فلان أي: صار محمودًا عنده، والسّين فيه للصيرورة. قوله: (بما أوتوا) ، كذا هو في رواية الحمويّ: بضم الهمزة بعدها واو أي: أعطوا من العلم الّذي كتموه، وفي رواية الأكثرين (بما أوتوا) بدون الواو بعد الهمزة أي: بما جاؤوا قوله: (أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيننه للنّاس ولا تكتمونه) يعني: اذكر وقت أخذ الله ميثاق الكتاب. قوله: (كذلك) إشارة إلى أن الّذين أخبر الله عنهم في الآية المسؤول عنها وهم المذكورون في قوله تعالى: {ولا تحسبن الّذين يفرحون بما أوتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} كما في الآية الّتي قبلها أي: قبل هذه الآية وهي قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب) الآية.
تابعه عبد الرّزاق عن ابن جريجٍ
أي: تابع هشام بن يوسف عبد الرّزّاق على روايته عن ابن جريج، ووصل الإسماعيليّ هذه المتابعة فقال: حدثنا ابن زنجويه وأبو سفيان قالا: حدثنا عبد الرّزّاق أنبأنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة، فذكره.

16 - حدّثنا ابن مقاتل أخبرنا الحجاج عن ابن جريجٌ أخبرني بن أبي مليكة عن حميدٍ بن عبد الرّحمان بن عوفٍ أنّه أخبره أنّ مروان بهذا.
هذا طريق آخر في الحديث المذكور. أخرجه عن محمّد بن مقاتل المروزي عن حجاج الأعور المصّيصي عن ابن جريج إلى آخره، وفي الطّريق الآخر السّابق أخرجه عن هشام عن ابن جريج، وقال الدّارقطنيّ في (كتاب التتبع) أخرج محمّد. يعني: البخاريّ حديث ابن جريج يعني هذا من حديث حجاج عنه عن أبي مليكة عن حميد، وأخرجه أيضا من حديث هشام عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة الحديث بعينه، وقد اختلفا فينظر من يتابع أحدهما. انتهى (قلت) : أخرج مسلم حديث حجاج دون حديث هشام، وأخرج البخاريّ متابعة هشام عبد الرّزّاق كما ذكر الآن، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمّد بن ثور عن ابن جريج كما قال عبد الرّزّاق.
قوله: (أن مروان بهذا) ، أي: حدثنا بهذا، ولم يسق البخاريّ المتن لهذا، وساقه مسلم والإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ أن مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبّاس فقال له فذكر نحو حديث هشام عن ابن حريج المذكور أولا). [عمدة القاري: 18/157-159]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (16 - باب {لا يحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا}
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ({لا يحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا}) سقط باب لغير أبي ذر والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمفعول الأوّل الذين يفرحون والثاني بمفازة.
- حدّثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه أنّ رجالًا من المنافقين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت: {لا يحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران:188].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن جعفر) أي ابن أبي كثير المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) بتخفيف السين المهملة (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا خرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغزو. وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم) مصدر ميميّ أي بقعودهم (خلاف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا قدم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم) من غزوه إلى المدينة (اعتذوا إليه) عن تخلفهم (وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت) آية ({لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا}) بما فعلوا من التدليس ({ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}) وسقط من قوله: (بما أتوا) إلى آخره في رواية غير أبي ذر وقالوا بعد (يفرحون) الآية.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في التوبة.
- حدّثني إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشامٌ أنّ ابن جريجٍ، أخبرهم عن ابن أبي مليكة أنّ علقمة بن وقّاصٍ أخبره أنّ مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبّاسٍ فقل: لئن كان كلّ امرئٍ فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبًا لنعذّبنّ أجمعون فقال ابن عبّاسٍ: وما لكم ولهذه؟ إنّما دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يهود فسألهم عن شيءٍ فكتموه إيّاه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ثمّ قرأ ابن عبّاسٍ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: 187] كذلك حتّى قوله: {يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}. تابعه عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ.
- حدّثنا ابن مقاتلٍ، أخبرنا الحجّاج عن ابن جريجٍ، أخبرني ابن أبي مليكة، عن حميد بن عبد الرّحمن بن عوفٍ، أنّه أخبره أنّ مروان بهذا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) أبو إسحاق الرازي الفراء قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم عن ابن أبي مليكة) عبد الله وفي الفرع قال أخبرني بالإفراد ابن أبي مليكة (إن علقمة بن وقاص) الليثي من أجل التابعين بل قيل إن له صحبة (أخبره أن مروان) بن الحكم بن أبي العاص وكان يومئذٍ أميرًا على المدينة من قبل معاوية ثم ولي الخلافة (قال لبوّابه) لما كان عنده أبو سعيد وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون} الآية.
فقال إن هذا ليس من ذلك إنما ذاك أن ناسًا من المنافقين وفيه فإن كان لهم نصر وفتح حلفوا لهم على سرورهم بذلك ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم رواه ابن مردويه فكأن مروان توقف في ذلك وأراد زيادة الاستظهار فقال لبوّابه (اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل) له (لئن كان كل امرئ بما أوتي) بضم الهمزة وكسر الفوقية أي أعطى (وأحب أن يحمد) بضم أوّله مبنيًا للمفعول (بما لم يفعل معذبًا) نصب خبر كان (لنعذبن) بفتح الذال المعجمة المشدّدة (أجمعون) بالواو لأن كلنا يفرح بما أوتي ويحب أن يحمد بما لم يفعل، وفي رواية حجاج بن محمد: أجمعين على الأصل.
(فقال ابن عباس) منكرًا عليهم السؤال عن ذلك (وما لكم) ولأبي ذر: ما لكم بإسقاط الواو، ولأبي الوقت: ما لهم بالهاء بدل الكاف (ولهذه) أي وللسؤال عن هذه المسألة (إنما دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يهود) ولأبي ذر يهود بالتنوين (فسألهم عن شيء) قيل عن صفته عندهم بإيضاح (فكتموه إياه وأخبروه) وفي الفرع فأخبروه (بغيره) أي بصفته عليه الصلاة والسلام في الجملة (فأروه) بفتح الهمزة والراء (أن قد استحمدوا إليه) بفتح الفوقية مبنيًا للفاعل أي طلبوا أن يحمدهم قال في الأساس استحمد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم (بما أخبروه عنه) على الإجمال (فبما سألهم وفرحوا بما أوتوا) بضم الهمزة وسكون الواو وضم التاء الفوقية أي أعطوا، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: بما أتوا بفتح الهمزة والفوقية من غير واو أي بما جاؤوا به (من كتمانهم) بكسر الكاف للعلم (ثم قرأ ابن عباس) -رضي الله عنهما- ({وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب}) أي العلماء (كذلك حتى قوله {يفرحون بما أوتوا}) بضم الهمزة ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني بما أتوا بلفظ القرآن أي جاؤوا ({ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}) من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإخبار بالصدق.
(تابعه) أي تابع هشام بن يوسف (عبد الرزاق) على روايته إياه (عن ابن جريج) عبد الملك فيما وصله الإسماعيلي قال: (حدّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (الحجاج) بن محمد المصيصي الأعور (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الله (عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره أن مروان) بن الحكم (بهذا) الحديث ولم يورد متنه ولفظ مسلم أن مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له، فذكر نحو حديث هشام عن ابن جريج السابق). [إرشاد الساري: 7/69-70]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (16 ـ باب {لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا} (188)
قوله: (بمقعدهم) مصدر ميمي، أي: بقعودهم. قوله: (نمر): بفتح النون، وكسر الميم. قوله: كريب بضم الكاف، وفتح الراء. قوله: (واستنّ) أي: استاك. قوله: (ركعتين) أي: سنة الصبح صلاهما في بيته). [حاشية السندي على البخاري: 3/45]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا الحسن بن محمّدٍ الزّعفرانيّ، قال: حدّثنا الحجّاج بن محمّدٍ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني ابن أبي مليكة، أنّ حميد بن عبد الرّحمن بن عوفٍ، أخبره أنّ مروان بن الحكم، قال: اذهب يا رافع، لبوّابه، إلى ابن عبّاسٍ فقل له: لئن كان كلّ امرئٍ فرح بما أوتي، وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبًا، لنعذّبنّ أجمعون. فقال ابن عبّاسٍ: ما لكم ولهذه الآية إنّما أنزلت هذه في أهل الكتاب ثمّ تلا ابن عبّاسٍ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس} وتلا {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال ابن عبّاسٍ: سألهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيءٍ فكتموه، وأخبروه بغيره فخرجوا، وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ما سألهم عنه.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ). [سنن الترمذي: 5/83]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا}
- أخبرنا الحسن بن محمّدٍ، حدّثنا حجّاجٌ، قال ابن جريجٍ: أخبرنا، وأخبرنا، يوسف بن سعيدٍ، حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أنّ حميد بن عبد الرّحمن بن عوفٍ أخبره، أنّ مروان قال: اذهب يا رافع، لبوّابه، إلى ابن عبّاسٍ فقل: لئن كان كلّ امرئٍ منّا فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبًا، لنعذّبنّ أجمعون، فقال ابن عبّاسٍ: مالكم ولهذه الآية، إنّما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثمّ تلا ابن عبّاسٍ: {وإذ أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس} [آل عمران: 187]، تلا ابن عبّاسٍ {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران: 188] قال ابن عبّاسٍ: سألهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن شيءٍ فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنّهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتو من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/56]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب ولهم عذابٌ أليمٌ}.
اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عني بذلك قومٌ من أهل النّفاق كانوا يقعدون خلاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا غزا العدوّ، فإذا انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
- حدّثنا محمّد بن سهل بن عسكرٍ، وابن عبد الرّحيم البرقيّ، قالا: حدّثنا ابن أبي مريم قال: حدّثنا محمّد بن جعفر بن أبي كثيرٍ، قال: حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، أنّ رجالاً من المنافقين كانوا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، إذا خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه، وإذا قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من السّفر اعتذروا إليه وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل اللّه تعالى فيهم: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} الآية.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال: هؤلاء المنافقون يقولون للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لو قد خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تخلّفوا وكذّبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنّها حيلةٌ احتالوا بها
وقال آخرون: عني بذلك قومٌ من أحبار اليهود كانوا يفرحون بإضلالهم النّاس، ونسبة النّاس إيّاهم إلى العلم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة مولى ابن عبّاسٍ، أو سعيد بن جبيرٍ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب} إلى قوله {ولهم عذابٌ أليمٌ} يعني: فنحاصًا وأشيع وأشباههما من الأحبار الّذين يفرحون بما يصيبون من الدّنيا على ما زيّنوا للنّاس من الضّلالة {ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أن يقول لهم النّاس علماء وليسوا بأهل علمٍ، لم يحملوهم على هدًى ولا خيرٍ، ويحبّون أن يقول لهم النّاس: قد فعلوا
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أنّه حدّثه عن ابن عبّاسٍ بنحو ذلك، إلاّ أنّه قال: وليسوا بأهل علمٍ، لم يحملوهم على هدًى.
وقال آخرون: بل عني بذلك قومٌ من اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على تكذيب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، ويحبّون أن يحمدوا بأن يقال لهم أهل صلاةٍ وصيامٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ، يقول في قوله: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} فإنّهم فرحوا باجتماعهم على كفرهم بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقالوا: قد جمع اللّه كلمتنا، ولم يخالف أحدٌ منّا أحدًا أنّ محمدا ليس نبيّ، وقالوا: نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه ونحن أهل الصّلاة والصّيام، وكذبوا، بل هم أهل كفرٍ وشركٍ وافتراءٍ على اللّه قال اللّه: {يحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}.
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، في قوله: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال: كانت اليهود أمر بعضهم بعضًا، فكتب بعضهم إلى بعضٍ أنّ محمّدًا ليس بنبيٍّ، فأجمعوا كلمتكم وتمسّكوا بدينكم وكتابكم الّذي معكم، ففعلوا وفرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: كتموا اسم محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، ففرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: كتموا اسم محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وفرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه، وكانوا يزكّون أنفسهم، فيقولون: نحن أهل الصّيام وأهل الصّلاة وأهل الزّكاة، ونحن على دين إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه فيهم: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} من كتمان محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أحبّوا أن تحمدهم العرب بما يزكّون به أنفسهم، وليسوا كذلك.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن أبي الجحّاف، عن مسلمٍ البطين، قال: سأل الحجّاج جلساءه عن هذه الآية: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} قال سعيد بن جبيرٍ: بكتمانهم محمّدًا {ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال: هو قولهم: نحن على دين إبراهيم عليه السّلام.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} هم أهل الكتاب أنزل عليهم الكتاب، فحكموا بغير الحقّ، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فرحوا بأنّهم كفروا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وما أنزل الّهم، وهم يزعمون أنّهم يعبدون اللّه، ويصومون، ويصلّون، ويطيعون اللّه؛ فقال اللّه جلّ ثناؤه لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} كفروا باللّه وكفروا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم {ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} من الصّلاة والصّوم، فقال اللّه جلّ وعزّ لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب ولهم عذابٌ أليمٌ}.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا من تبديلهم كتاب اللّه، ويحبّون أن يحمدهم النّاس على ذلك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، في قول اللّه تعالى: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} قال: يهود، فرحوا بإعجاب النّاس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إيّاهم عليه، ولا تملك يهود ذلك
وقال آخرون: معنى ذلك: أنّهم فرحوا بما أعطى اللّه تعالى آل إبراهيم عليه السّلام.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي المعلّى، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّه قال في هذه الآية: {ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال: اليهود يفرحون بما آتى اللّه إبراهيم عليه السّلام.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا وهب بن جريرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي المعلّى العطّار، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: هم اليهود، فرحوا بما أعطى اللّه تعالى إبراهيم عليه السّلام
وقال آخرون: بل عني بذلك قومٌ من اليهود سألهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيءٍ، فكتموه، ففرحوا بكتمانهم ذلك إيّاه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أنّ علقمة بن وقّاصٍ، أخبره أنّ مروان قال لرافعٍ: اذهب يا رافع إلى ابن عبّاسٍ فقل له: لئن كان كلّ امرئٍ منّا فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبًا، ليعذّبنا اللّه أجمعين فقال ابن عبّاسٍ: ما لكم ولهذه؟ إنّما دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يهود، فسألهم عن شيءٍ فكتموه إيّاه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استجابوا للّه بما أخبروه عنه ممّا سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إيّاه ثمّ قرا: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب} الآية.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني عبد اللّه بن أبي مليكة أنّ حميد بن عبد الرّحمن بن عوفٍ أخبره أنّ مروان بن الحكم قال لبوّابه: يا رافع اذهب إلى ابن عبّاسٍ، فقل له: لئن كان كلّ امرئٍ منّا فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبًا، لنعذّبنّ جميعًا فقال ابن عبّاسٍ: ما لكم ولهذه الآية؟ إنّما أنزلت في أهل الكتاب ثمّ تلا ابن عبّاسٍ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس} إلى قوله: {أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال ابن عبّاسٍ: سألهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيءٍ فكتموه إيّاه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه، فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه.
وقال آخرون: بل عني بذلك قومٌ من يهود أظهروا النّفاق للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم محبّةً منهم للحمد، واللّه عالمٌ منهم خلاف ذلك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: ذكر لنا أنّ أعداء اللّه، اليهود يهود خيبر أتوا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فزعموا أنّهم راضون بالّذي جاء به، وأنّهم متابعوه وهم متمسّكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمدهم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما لم يفعلوا، فأنزل اللّه تعالى: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قال: إنّ أهل خيبر أتوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، فقالوا: إنّا على رأيكم وهيئتكم، وإنّا لكم ردءٌ، فأكذبهم اللّه فقال: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} الآيتين.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، قال: جاء رجلٌ إلى عبد اللّه، فقال: إنّ كعبًا يقرأ عليك السّلام، ويقول: إنّ هذه الآية لم تنزل فيكم: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال: أخبروه أنّها نزلت وهو يهوديّ.
وأولى هذه الأقوال بالصّواب في تأويل قوله: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} الآية، قول من قال: عني بذلك أهل الكتاب الّذين أخبر اللّه جلّ وعزّ أنّه أخذ ميثاقهم، ليبيّننّ للنّاس أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا يكتمونه؛ لأنّ قوله: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} الآية في سياق الخبر عنهم، وهو شبيهٌ بقصّتهم مع اتّفاق أهل التّأويل على أنّهم المعنيّون بذلك، فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: لا تحسبنّ يا محمّد الّذين يفرحون بما أتوا من كتمانهم النّاس أمرك، وأنّك لي رسولٌ مرسلٌ بالحقّ، وهم يجدونك مكتوبًا عندهم في كتبهم، وقد أخذت عليهم الميثاق بالإقرار بنبوّتك، وبيان أمرك للنّاس وأن لا يكتموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقي الّذي أخذت عليهم بذلك، يفرحون بمعصيتهم إيّاي في ذلك، ومخالفتهم أمري، ويحبّون أن يحمدهم النّاس بأنّهم أهل طاعةٍ للّه وعبادةٍ وصلاةٍ وصومٍ، واتّباعٍ لوحيه، وتنزيله الّذي أنزله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياء أخلياء لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الّذي أخذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا ممّا يحبّون أن يحمدهم النّاس عليه، فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب، ولهم عذابٌ أليمٌ
ويعنى بقوله: {فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب} فلا تظنّهم بمنجاةٍ من عذاب اللّه الّذي أعدّه لأعدائه في الدّنيا من الخسف والمسخ والرّجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب اللّه، ولا هم ببعيدٍ منه.
- كما: حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب} قال: بمنجاةٍ من العذاب
{ولهم عذابٌ أليمٌ} يقول: ولهم عذابٌ في الآخرة أيضًا مؤلمٌ، مع الّذي لهم في الدّنيا معجّلٌ). [جامع البيان: 6/300-308]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب ولهم عذابٌ أليمٌ (188)
قوله تعالى: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا
[الوجه الأول]
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إلي، ثنا أبي عمّي الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا: فهم أهل الكتاب أنزل عليهم الكتاب، فحكموا بغير الحقّ وحرّفوا الكلم عن مواضعه وفرحوا بذلك، فرحوا بأنّهم كفروا بمحمّدٍ وما أنزل إليه وهم يزعمون أنّهم يعبدون اللّه ويصومون ويصلّون ويطيعون اللّه، فقال تعالى لمحمّدٍ لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا: كفروا بالله وكفروا بمحمد.
[الوجه الثّاني]
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق، حدّثني محمّدٌ مولى آل زيدٍ بن ثابتٍ، عن عكرمة مولى ابن عبّاسٍ قوله:
لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا يعني: فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار، الّذين يفرحون بما يصيبوا من الدّنيا على ما زيّنوا للنّاس من الضّلالة.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ، أنبأ حفص بن عمر، ثنا الحكم ابن أبان، عن عكرمة في قول اللّه: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا قال: قال ابن عبّاسٍ: تبديلهم التّوراة، واتّباع من اتّبعهم على ذلك.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أحمد الزّبيريّ، ثنا سفيان، عن أبي الجحاف، عن مسلمٍ البطين، عن سعيد بن جبيرٍ: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا قال: هم اليهود كتمانهم محمّداً صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا يحيى بن آدم، ثنا شريكٌ، عن أبي الجحاف، عن مسلمٍ البطين، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: يفرحون بما أتوا قال: أهل الكتاب يقولون: نحن على دين إبراهيم، وليسوا كذلك.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أبو سعيدٍ بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا زيد بن الحباب، حدّثني أفلح بن سعيدٍ قال: سمعت محمّد بن كعبٍ القرظيّ قال: كان في بني إسرائيل رجالٌ عبّادٌ فقهاء، فأدخلتهم الملوك، فرخصوا لهم وأعطوهم، فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم، وما أعطوا فأنزل اللّه عزّ وجلّ: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا.
الوجه الخامس:
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا نصر بن عليٍّ، أخبرنا أبي، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا قال: ناسٌ من اليهود جهّزوا جيشاً لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
-
وروي عن قتادة أنّه قال: هم اليهود.
قوله تعالى: ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمّد بن جعفرٍ يعني: ابن أبي كثيرٍ، حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ أنّ رجالا من المنافقين في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كانوا إذا خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغزو، وتخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- فإذا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلت هذه الآية: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أحمد بن يونس بن المسيّب، ومحمّد بن عمّارٍ قالا: ثنا حجّاج ابن محمّدٍ قال: قال ابن جريجٍ: وأخبرني ابن أبي مليكة أنّ حميد بن عبد الرّحمن بن عوفٍ أخبره أنّ مروان قال: اذهب يا رافع لبوّابه إلى ابن عبّاسٍ فقل: لئن كان كلّ امرئٍ منّا فرح بما أوتي أحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّباً، لنعذّبنّ أجمعين فقال ابن عبّاسٍ: ما لكم وهذه؟ أما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب ثمّ تلا ابن عبّاسٍ: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه، وتلا ابن عبّاسٍ: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فقال ابن عبّاسٍ:
سألهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيءٍ فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا، وقد أروه أن قد أخبروه ما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه.
الوجه الثّالث:
- أخبرنا محمّد بن سعيدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ: قوله: ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا: من الصّوم والصّلاة.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد اللّه بن مهديٍّ، عن سفيان، عن أبي الجحّاف، عن مسلمٍ البطين، عن سعيد بن جبيرٍ: ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا: يقولون نحن على دين إبراهيم، وليسوا على دين إبراهيم.
الوجه الخامس:
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: وحدّثني محمّدٌ مولى آل زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة مولى ابن عبّاسٍ: قوله:
ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا: أن يقول النّاس لهم علماء، وليسوا بأهل علمٍ لم يحملوهم على خيرٍ ولا هدًى، ويحبّون أن يقول النّاس، قد فعلوا.
الوجه السّادس:
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال: فقال يعني: اليهود من أهل خيبر قدموا على رسول اللّه وفرحوا به، فذاك حيث قال اللّه تعالى: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا: فزعم أنّهم قالوا للنّاس حين خرجوا إليهم: قد قبلنا الدّين ورضينا، فأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
الوجه السّابع:
- حدّثنا أسيد بن عاصمٍ، ثنا حسين بن حفصٍ، ثنا سفيان، عن أبي حيّان، عن أبي الزّنباع، عن أبي دهقان قال: صحب الأحنف بن قيسٍ رجل فقال: يا أبا بحرٍ ألا تميل فنحملك على ظهرٍ؟ فقال: يا ابن أخي لعلّك من العرّاضين؟! قال:
وما العرّاضون؟ الّذين يحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال: إنّي إنّي قال: يا ابن أخي إذا أعرض لك الحقّ فاقصد له، واله عمّا سواه.
قوله تعالى: فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، ثنا أبي، عن عمّي الحسين، عن ابن عبّاسٍ قال اللّه تعالى لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب: بما أتوا، كفروا باللّه تعالى: وكفروا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا عبيد اللّه بن إسماعيل البغداديّ، ثنا خلفٌ يعني: ابن هشامٍ، ثنا الخفّاف، عن هارون، عن يحيى بن يعمر: فلا تحسبنهم يعني: أنفسهم.
قوله تعالى: ولهم عذابٌ أليمٌ
قد تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 2/838-841]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا وهم اليهود فرحوا بإعجاب الناس وتبديلهم الكتاب ويحبون أن يحمدوا يقول يحبون أن يحمدهم الناس عليه بما لم يفعلوا يقول نهوى ذلك ولن نفعله). [تفسير مجاهد: 141]

قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا يحيى بن محمّدٍ العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ روح بن عبادة، ثنا محمّد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريجٍ، عن أبيه، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أنّ حميد بن عبد الرّحمن، أخبره أنّ مروان بعث إلى ابن عبّاسٍ: واللّه لئن كان كلّ امرئٍ منّا إن فرح بما أوتي، وحمد بما لم يفعل، عذّب لنعذّبنّ جميعًا. فقال ابن عبّاسٍ: إنّما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، أتاه اليهود «فسألهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن شيءٍ فكتموه، ثمّ أتوه، فسألهم فأخبروه بغير ذلك، فخرجوا، ورأوا أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إيّاه ممّا سألهم عنه» هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/327]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م) أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنّ رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كانوا إذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى الغزو تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فإذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- اعتذروا إليه، وحلفوا له، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: {لا تحسبنّ الذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا... } الآية [آل عمران: 188]، أخرجه البخاري ومسلم.
[شرح الغريب]
(خلاف رسول الله) قعدت خلاف فلان: إذا قعدت خلفه أو تأخرت بعده). [جامع الأصول: 2/72-73]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (رافع بن خديج - رضي الله عنه -) قال: إنّه كان هو وزيد بن ثابتٍ عند مروان بن الحكم - وهو أمير المدينة - فقال لي مروان: في أيّ شيءٍ نزلت هذه الآية: {لا تحسبنّ الذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال: قلت: نزلت في ناسٍ من المنافقين، كانوا إذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلى سفرٍ تخلّفوا عنهم، فإذا قدم اعتذروا إليه، وقالوا: ما حبسنا عنك إلا السّقم، والشّغل، ولوددنا أنّا كنّا معكم، فأنزل الله هذه الآية فيهم، فكأنّ مروان أنكر ذلك، فقال: ما هذا هكذا؟ فجزع رافعٌ من ذلك، فقال لزيدٍ: أنشدك الله، ألم تعلم ما أقول؟ فقال زيدٌ: نعم، فلما خرجنا من عند مروان. قال زيدٌ - وهو يمزح -: أما تحمدني كما شهدت لك؟ فقال رافع: وأين هذا من هذا، أن شهدت بالحق؟ قال زيد: حمد الله على الحقّ أهله. أخرجه.
[شرح الغريب]
(أنشدك الله) أي: أسألك وأقسم عليك أن ترفع نشيدي. يعني، صوتي، بأن تجيبني وتلبي دعوتي). [جامع الأصول: 2/74-75]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيتان 188 - 189
أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعين، فقال ابن عباس ما لكم ولهذه الآية إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} آل عمران الآية 187 الآية وتلا {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الآية فقال ابن عباس: سألهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.
وأخرج البخاري ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان وهو أمير بالمدينة فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} قال رافع: أنزلت في ناس من المنافقين كانوا إذا خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم اعتذروا وقالوا: ما حبسنا عنكم إلا الشغل فلوددنا أنا كنا معكم فأنزل الله فيهم هذه الآية فكأن مروان أنكر ذلك فجزع رافع من ذلك فقال لزيد ين ثابت: أنشدك بالله هل تعلم ما أقول قال: نعم، فلما خرجا من عند مروان قال له زيد: ألا تحمدني شهدت لك قال: أحمدك أن تشهد بالحق قال: نعم، قد حمد الله على الحق أهله.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم لو قد خرجت لخرجنا معك فإذا خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم تخلفوا وكذبوا ويفرحون بذلك ويرون أنها حيلة احتالوا بها.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: يعني فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أن يقول لهم الناس علماء وليسوا بأهل علم لم يحملوهم على هدى ولا خير ويحبون أن يقول لهم الناس قد فعلوا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: هم أهل الكتاب أنزل الله عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق وحرفوا الكلم عن مواضعه وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فرحوا أنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله إليه وهم يزعمون أنهم يعبدون الله ويصومون ويصلون
ويطيعون الله فقال الله لمحمد {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفروا بالله ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصوم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الضحاك في الآية قال: إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض: إن محمدا ليس بنبي فأجمعوا كلمتكم وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم ففعلوا ففرحوا بذلك وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: كتموا اسم محمد ففرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون: نحن أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الزكاة ونحن على دين إبراهيم، فأنزل الله فيهم {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} من كتمان محمد {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} أحبوا أن تحمدهم العرب بما يزكون به أنفسهم وليسوا كذلك.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} قال: بكتمانهم محمدا {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قال: هو قولهم نحن على دين إبراهيم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: يهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه، ولا تملك يهود ذلك ولن تفعله.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال: هم اليهود يفرحون بما آتى الله إبراهيم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن يهود خيبر أتوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم وأرادوا أن يحمدهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا، فأنزل الله {لا تحسبن الذين يفرحون} الآية.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير من وجه آخر عن قتادة في الآية قال: إن أهل خيبر أتوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: إنا على رأيكم وإنا لكم ردء، فأكذبهم الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: إن اليهود من أهل خيبر قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد قبلنا الدين ورضينا به فأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
وأخرج مالك، وابن سعد والبيهقي في الدلائل عن محمد بن ثابت أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال: لم، قال: نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل وأجدني أحب الحمد، ونهانا عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال، ونهانا أن نرفع صوتنا فوق صوتك وأنا رجل جهير الصوت، فقال: يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، فعاش حميدا وقتل شهيدا يوم مسليمة الكذاب.
وأخرج الطبراني عن محمد بن ثابت قال: حدثني ثابت بن قيس بن شماس قال قلت: يا رسول الله لقد خشيت فذكره.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء فأدخلتهم الملوك فرخصوا لهم وأعطواهم فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم وما أعطوا، فأنزل الله {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن إبراهيم في قوله {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} قال: ناس من اليهود جهزوا جيشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس أن رجلا قال له: ألا تميل فنحملك على ظهر قال: لعلك من العراضين قال: وما العراضون قال: الذين {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} إذا عرض لك الحق فاقصد له واله عما سواه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر فلا يحسبنهم يعني أنفسهم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ فلا يحسبنهم على الجماع بكسر السين ورفع الباء.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله {بمفازة} قال بمنجاة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله). [الدر المنثور: 4/171-178]

تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) )

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وللّه ملك السّموات والأرض واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ}
وهذا تكذيبٌ من اللّه جلّ ثناؤه الّذين قالوا: {إنّ اللّه فقيرٌ ونحن أغنياء} يقول تعالى ذكره مكذّبًا لهم: للّه ملك جميع ما حوته السّماوات والأرض، فكيف يكون أيّها المفترون على اللّه من كان ملك ذلك له فقيرًا؟ ثمّ أخبر جلّ ثناؤه أنّه القادر على تعجيل العقوبة لقائلي ذلك ولكلّ مكذّبٍ به ومفتّرٍ عليه وعلى غير ذلك ممّا أراد وأحبّ، ولكنّه تفضّل بحلمه على خلقه، فقال: {واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ} يعني: من إهلاك قائل ذلك، وتعجيل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور). [جامع البيان: 6/308]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وللّه ملك السّماوات والأرض واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ (189) إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار لآياتٍ لأولي الألباب (190) الّذين يذكرون اللّه قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السّماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النّار (191)
قوله تعالى: وللّه ملك السماوات والأرض
قد تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 2/841-842]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 8 جمادى الآخرة 1434هـ/18-04-2013م, 07:17 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي


تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {فنبذوه وراء ظهورهم} أي: لم يلتفتوا إليه يقال: نبذت حاجتي خلف ظهرك، إذا لم يلتفت إليها، قال أبو الأسود الدّؤليّ:
نظرت إلى عنوانه فنبذته... كنبذك نعلاً أخلقت من نعالكا). [مجاز القرآن: 1/111]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون}
قال: {ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه} يقول: "استحلفهم ليبيّننّه ولا يكتمونه" وقال: {لتبيّننّه ولا تكتمونه}أي: قل لهم: "واللّه لتبيّننّه ولا تكتمونه"). [معاني القرآن: 1/189]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون}
{لتبيّننّه للنّاس}وليبيننه بالياء والتاء:
فمن قال ليبيننه بالياء، فلأنهم غيب.
ومن قال بالتاء حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق، والمعنى أن اللّه أخذ منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

{فنبذوه وراء ظهورهم}
معنى {نبذوه}:رموا به يقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت هذا الشيء بظهر، وقد رميته بظهر.

قال الفرزدق:
تميم بن قيس لا تكوننّ حاجتي... بظهر فلا يعيا عليّ جوابها
أي: لا تتركنها لا يعبأ بها.
وأنبأ اللّه عما حمل اليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: {واشتروا به ثمنا قليلا} أي: قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم رياسة اكتسبوا بها، فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه). [معاني القرآن: 1/496-497]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}
قال سعيد بن جبير: يعني النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى على هذا لتبين أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تكتمونه.
وقال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله عز وجل على أهل العلم فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم.
ثم قال تعالى: {فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا}
{فنبذوه وراء ظهورهم}أي: تركوه ثم بين لم فعلوا ذلك فقال {واشتروا به ثمنا قليلا} أي: أخذوا الرشا وكرهوا أن يتبعوا الرسول فتبطل رياستهم). [معاني القرآن: 1/520-521]

تفسير قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا وّيحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا...}
يقول بما فعلوا؛ كما قال: {لقد جئت شيئا فريا} كقوله: {واللذان يأتيانها منكم} وفي قراءة عبد الله "فمن أتى فاحشة فعله". وقوله: {ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قالوا: نحن أهل العلم الأوّل والصلاة الأولى، فيقولون ذلك ولا يقرّون بمحمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: {ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}.
وقوله: {فلا تحسبنّهم بمفازةٍ مّن العذاب}. يقول: ببعيد من العذاب. (قال: قال الفراء: من زعم أن أوفى هذه الآية على غير معنى بل فقد افترى على الله؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يشكّ، ومنه قول الله تبارك وتعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألفٍ أو يزيدون})). [معاني القرآن: 1/250]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {بمفازةٍ من العذاب} أي: تزحزحٍ زحزحٍ بعيدٍ). [مجاز القرآن: 1/111]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا وّيحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم بمفازةٍ مّن العذاب ولهم عذابٌ أليمٌ}
أما قوله: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا وّيحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم} فإنّ: الآخرة بدلٌ من الأولى والفاء زائدة. ولا تعجبني قراءة من قرأ الأولى بالياء [إذ] ليس لذلك مذهب في العربية لأنه إذا قال: {لا يحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} فإنّه لم يوقعه على شيء). [معاني القرآن: 1/189-190]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({بمفازةٍ من العذاب} أي: بمنجاة، ومنه يقال: فاز فلان، أي نجا). [تفسير غريب القرآن: 117]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا}
كان المسلمون في صدر الإسلام حين أمروا بالنصيحة ونهوا عن الخيانة وأنزل عليهم: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق- أدقّوا النظر وأفرطوا في التوقّي، وترك بعضهم مؤاكلة بعض: فكان الأعمى لا يؤاكل الناس، لأنه لا يبصر الطعام فيخاف أن يستأثر، ولا يؤاكله الناس يخافون لضرره أن يقصر.
وكان الأعرج يتوقّى ذلك، لأنه يحتاج لزمانته إلى أن يتفسّح في مجلسه، ويأخذ أكثر من موضعه، ويخاف الناس أن يسبقوه لضعفه.
وكان المريض يخاف أن يفسد على الناس طعامهم بأمور قد تعتري مع المرض: من رائحة تتغيّر، أو جرح يبضّ، أو أنف يذنّ، أو بول يسلس، وأشباه ذلك. فأنزل الله تبارك وتعالى: ليس على هؤلاء جناح في مؤاكلة الناس، وهو معنى قول ابن عباس في رواية أبي صالح.
وأما عائشة رضي الله عنها، فإنها قالت: كان المسلمون يوعبون مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المغازي، ويدفعون مفاتيحهم إلى الضّمنى، وهم الزّمنى، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في منازلنا. فكانوا يتوقّون أن يأكلوا من منازلهم حتى نزلت هذه الآية.
وإلى هذا يذهب قوم، منهم الزّهري.
ثم قال الله عز وجل: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} أراد: ولا عليكم أنفسكم أن تأكلوا من أموال عيالكم وأزواجكم.
وقال بعضهم: أراد أن تأكلوا من بيوت أولادكم، فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء، لأن الأولاد كسبهم، وأموالهم كأموالهم. يدلك على هذا: أن الناس لا يتوقّون أن يأكلوا من بيوتهم، وأن الله سبحانه عدّد القرابات وهم أبعد نسبا من الولد، ولم يذكر الولد.
وقال المفسرون في قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}أراد: ما أغنى عنه ماله وولده، فجعل الولد كسبا.
ثم قال: {أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ}،يعني: العبيد، لأن السيد يملك منزل عبده. هذا على تأويل ابن عباس.
وقال غيره: أو ما خزنتموه لغيركم. يريد الزّمنى الذين كانوا يخزنون للغزاة {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا} من منازل هؤلاء إذا دخلتموها، وإن لم يحضروا ولم يعلموا، من غير أن تتزوّدوا وتحملوا، ولا جناح عليكم أن تأكلوا جميعا أو فرادى، وإن اختلفتم: فكان فيكم الزّهيد، والرّغيب، والصحيح، والعليل.
وهذا من رخصته للقرابات وذوي الأواصر- كرخصته في الغرباء والأباعد لمن دخل حائطا وهو جائع: أن يصيب من ثمره، أو مرّ في سفر بغنم وهو عطشان: أن يشرب من رسلها، وكما أوجب للمسافر على من مرّ به الضيافة، توسعة منه ولطفا بعباده، ورغبة بهم عن دناءة الأخلاق، وضيق النظر). [تأويل مشكل القرآن:332-334] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم}
هؤلاء قوم من أهل الكتاب دخلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرجوا من عنده فذكروا لمن كان رآهم في ذلك الوقت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أتاهم بأشياء قد عرفوها.
فحمدهم من شاهدهم من المسلمين على ذلك، وأبطنوا خلاف ما أظهروا وأقاموا بعد ذلك على الكفر، فأعلم اللّه - عزّ وجلّ - النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم وأعلمه أنهم ليسوا بمفازة من العذاب أي ليسوا ببعد من العذاب.
ووقعت {فلا تحسبنهم} - مكررة لطول القصة.
والعرب تعيد إذا طالت القصة في حسبت وما أشبهها، إعلاما أن الذي جرى متصل بالأول، وتوكيدا للأول، فنقول: لا تظنن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا - فلا تظننه صادقا، تعيد - فلا تظنن توكيدا - ولو قلت لا تظن زيدا إذا جاءك وحدثك بكذا وكذا صادقا جاز، ولكن التكرير أوكد وأوضح للقصة). [معاني القرآن: 1/497-498]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {لا يحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}
روي عن مروان أنه وجه إلى ابن عباس يقول: أكل من فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل يعذب، فقال ابن عباس: هذا في اليهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن شيء فلم يخبروه به وأخبروه بغيره وأحبوا أن يحمدوا بذلك وفرحوا بما أتوا من كتمانهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل:{لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية
وروى سعيد بن جبير أنه قرأ {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} قال: اليهود فرحوا بما أوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكم والنبوة.
ثم قال سعيد بن جبير: ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قولهم نحن على دين إبراهيم.
ثم قال عز وجل: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب}أي: بمنجاة ولهم عذاب اليم أي مؤلم). [معاني القرآن: 1/521-523]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({بِمَفَازَة مِّنَ الْعَذَابٍِ} أي: بمنجاة منه). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 55]

تفسير قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وللّه ملك السّماوات والأرض واللّه على كلّ شيء قدير}أي: هو خالقهما، ودليل ذلك قوله - عزّ وجلّ: {خالق كل شيء) و {خلق السّماوات والأرض} وأعلم أن في خلقهما واختلاف الليل والنهار آيات لأولي الألباب " أي: ذوي العقول.
والآيات العلامات، أي: من العلامات فيهما دليل على أن خالقهما واحد ليس كمثله شيء). [معاني القرآن: 1/498]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال عز وجل: {ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير}أي: هو خالقهما وخالق ما فيهما وهذا تكذيب للذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء). [معاني القرآن: 1/523]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 09:34 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]
تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (حدثنا الأشجعي، عن مالك بن مغول، عن الشعبي في قوله تعالى فنبذوه وراء ظهورهم قال: «أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به». فهذا يبين لك أن من نبذ شيئا فقد تركه وراء ظهره). [فضائل القرآن: 131]

قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (ويقال قد نبذت نبيذا وقد نبذت الشيء من يدي إذا ألقيته فقال أبو محمد أنشدني غير واحد:


(نــظـــرت إلـــــى عـنــوانــه فـنـبــذتــهكنبذك نعلا أخلقت من نعالكا)

ومنه قول الله عز وجل: {فنبذوه وراء ظهورهم} ويقال وجد فلان صبيا منبوذا ولا يقال أنبذت نبيذا). [إصلاح المنطق: 225]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وكذلك إن رأى أنه يصلي لغير القبلة، شرقا أو غربا؛ فإنه انحراف عن السنة بقدر ما مال عنها.
وإن جعلها وراء ظهره، فهو نبذه الإسلام؛ لقول الله عز وجل: {فنبذوه وراء ظهورهم} ). [تعبير الرؤيا: 107]

تفسير قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) }
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (ومنه أيضا: هذه «مفازة» للمهلكة من الصحاري. والمفازة: التي يفاز بها. قال الله عز ذكره: {بمفازة من العذاب} ). [الأضداد: 103]
قال عبدُ الملكِ بنُ قُرَيبٍ الأصمعيُّ (ت: 216هـ) : ( *فاز* قال وسموا المفازة مفعلة من فاز يفوز إذا نجا، وهي مهلكة، قال الله جل ثناؤه: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} أي: بمنجاة، وأصل المفازة مهلكة فتفاءلوا بالسلامة والفوز كقولهم للملدوغ سليم، والسليم المعافى). [كتاب الأضداد: 38]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (ومن الأضداد أيضا المفازة؛ تقع على المنجاة وعلى المهلكة، قال الله عز وجل: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب}، فمعناه: بمنجاة من العذاب؛ وهي (مفعلة) من الفوز. وقال امرؤ القيس في المعنى الآخر:


أمــن ذكــر ليـلـى إذ نـأتـك تـنـوصفـتـقـصـر عـنـهــا خــطــوة وتــبـــوص
تبـوص وكـم مـن دونهـا مـن مفـازةوكم أرض جدب دونها ولصوص

واختلف الناس في الاعتلال لها: لم سميت مفازة على معنى المهلكة؛ وهي مأخوذة من الفوز؟ فقال الأصمعي وابو عبيد وغيرهما: سميت مفازة على جهة التفاؤل لمن دخلها بالفوز، كما قيل للأسود: أبو البيضاء، وقيل للعطشان: ريان.
وقال ابن الأعرابي: إنما قيل للمهلكة مفازة؛ لأن من دخلها هلك، من قول العرب: قد فوز الرجل إذا مات، قال الكميت:


وما ضرها أن كعبا ثوىوفوز من بعده جـرول).

[كتاب الأضداد: 104-105]

تفسير قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) }
[لا يوجد]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:19 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:19 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:19 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:19 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب الآية، توبيخ لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو مع ذلك خبر عام لهم ولغيرهم. والعامل في إذ فعل مقدر تقديره اذكر، وأخذ هذا الميثاق وهو على ألسنة الأنبياء أمة بعد أمة، وقال ابن عباس والسدي وابن جريج: الآية في اليهود خاصة، أخذ الله عليهم الميثاق في أمر محمد فكتموه ونبذوه، قال مسلم البطين: سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن تفسير هذه الآية فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله فقال له: نزلت في يهود أخذ الميثاق عليهم في أمر محمد فكتموه، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبيننه» فيجيء قوله فنبذوه عائدا على الناس الذين بين الأنبياء لهم، وقال قوم من المفسرين: الآية في اليهود والنصارى، وقال جمهور من العلماء: الآية عامة في كل من علمه الله علما، وعلماء هذه الأمة داخلون في هذا الميثاق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، وقد قال أبو هريرة: إني لأحدثكم حديثا، ولولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ثم تلا إنّ الّذين يكتمون ما أنزل اللّه من الكتاب [البقرة: 174] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: «ليبيننه للناس ولا يكتمونه»، بالياء من أسفل فيهما، وقرأ الباقون وحفص وعاصم بالتاء من فوق فيهما، وكلا القراءتين متجه، والضمير في الفصلين عائد على الكتاب، وفي قراءة ابن مسعود «لتبينونه» دون النون الثقيلة، وقد لا تلزم هذه النون لام القسم، قاله سيبويه، و «النبذ»: الطرح، وقوله تعالى: وراء ظهورهم، استعارة لما يبالغ في اطراحه، ومنه واتّخذتموه وراءكم ظهريًّا [هود: 92]، ومنه قول الفرزدق: [الطويل]
تميم بن مرّ لا تكوننّ حاجتي = بظهر فلا يعبى عليّ جوابها
ومنه بالمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوني كقدح الراكب. أراد عليه السلام، لا تجعلوا ذكري وطاعتي خلف أظهركم، وهو موضع القدح ومنه قول حسان: [الطويل] (كما نيط خلف الراكب القدح الفرد)
والتشبيه بالقدح إنما هو في هيئته لا في معناه، لأن الراكب يحتاجه، ومحله من محلات الراكب جليل، والثمن القليل: هو مكسب الدنيا. وباقي الآية بين.
قال أبو محمد: والظاهر في هذه الآية أنها نزلت في اليهود، وهم المعنيون ثم إن كل كاتم من هذه الأمة يأخذ بحظه من هذه المذمة ويتصف بها). [المحرر الوجيز: 2/439-441]

تفسير قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب ولهم عذابٌ أليمٌ (188) وللّه ملك السّماوات والأرض واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ (189) إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار لآياتٍ لأولي الألباب (190)
اختلف المفسرون في المراد بقوله تعالى: الّذين يفرحون فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وابن زيد وجماعة: الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو تخلفوا عنه، فإذا جاء اعتذروا إليه وقالوا: كانت لنا أشغال ونحو هذا، فيظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم القبول ويستغفر لهم، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية، فكانوا يفرحون بما يأتونه ويفعلونه من التخلف والاعتذار، ويحبون أن يقال لهم: إنهم في حكم المجاهدين لكن العذر حبسهم، وقالت جماعة كثيرة من المفسرين إنما نزلت الآية في أهل الكتاب أحبار اليهود ثم اختلفوا فيما هو الذي أتوه وكيف أحبوا المحمدة فقال ابن عباس رضي الله عنه: أتوا إضلال أتباعهم عن الإيمان بمحمد وفرحوا بذلك لدوام رياستهم الدنيوية، وأحبوا أن يقال عنهم: إنهم علماء بكتاب الله ومتقدم رسالاته، وقال ابن عباس أيضا والضحاك والسدي: أتوا أنهم تعاقدوا وتكاتبوا من كل قطر بالارتباط إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والدفع في صدر نبوته، وأحبوا أن يقال عنهم: إنهم أهل صلاة وصيام وعبادة، وقالوا هم ذلك عن أنفسهم، وقال مجاهد: فرحوا بإعجاب أتباعهم بتبديلهم تأويل التوراة، وأحبوا حمدهم إياهم على ذلك، وهم في الحقيقة لم يفعلوا شيئا نافعا ولا صحيحا بل الحق أبلج، وقال سعيد بن جبير: الآية في اليهود، فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم من النبوءة والكتاب، فهم يقولون: نحن على طريقهم ويحبون أن يحمدوا بذلك وهم ليسوا على طريقتهم، وقراءة سعيد بن جبير: «أوتوا» بمعنى أعطوا بضم الهمزة والتاء، وعلى قراءته يستقيم المعنى الذي قال. وقال ابن عباس أيضا: إن الآية نزلت في قوم سألهم النبي عليه السلام عن شيء فكتموه الحق وقالوا له غير ذلك، ففرحوا بما فعلوا وأحبوا أن يحمدوا بما أجابوا، وظنوا أن ذلك قد قنع به واعتقدت صحته، وقال قتادة: إن الآية في يهود خيبر، نافقوا على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مرة، وقالوا: نحن معكم وعلى رأيكم وردء لكم وهم يعتقدون خلاف ذلك، فأحبوا الحمد على ما أظهروا وفرحوا بذلك، وقال الزجّاج: نزلت الآية في قوم من اليهود، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكلموه في أشياء ثم خرجوا، فقالوا لمن لقوا من المسلمين: إن النبي أخبرهم بأشياء قد عرفوها فحمدهم المسلمون على ذلك وطمعوا بإسلامهم وكانوا قد أبطنوا خلاف ما أظهروا للمسلمين وتمادوا على كفرهم، فنزلت الآية فيهم وقرأ جمهور الناس: «أتوا» بمعنى فعلوا، كما تقول أتيت أمر كذا، وقرأ مروان بن الحكم وإبراهيم النخعي: «آتوا» بالمد، بمعنى أعطوا بفتح الهمزة والطاء.
قال أبو محمد: وهي قراءة تستقيم على بعض المعاني التي تقدمت، وقرأ سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي، «أوتوا» بمعنى أعطوا، وقد تقدمت مع معناها وقرأ أبو عمرو وابن كثير، لا يحسبن الذين يفرحون «فلا يحسبنهم» بالياء من تحت فيهما وبكسر السين وبرفع الباء في يحسبنهم، قال أبو علي: الّذين رفع بأنه فاعل «يحسب»، ولم تقع «يحسبن» على شيء، وقد تجيء هذه الأفعال لغوا لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر: [الطويل]
وما خلت أبقى بيننا من مودة = عراض المذاكي المسنفات القلائصا
وقال الخليل: العرب تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد فتتجه القراءة بكون قوله: «فلا تحسبنهم» بدلا من الأول وقد عدي إلى مفعوليه وهما الضمير، وقوله بمفازةٍ فاستغني بذلك عن تعدية الأول إليها كما استغني في قول الشاعر: [الطويل]
بأيّ كتاب أو بأيّة سنّة = ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب؟
فاستغني بتعدية أحد الفعلين عن تعدية الآخر، والفاء في قوله فلا تحسبنّهم زائدة، ولذلك حسن البدل، إذ لا يتمكن أن تكون فاء عطف ولا فاء جزاء، فلم يبق إلا أن تكون زائدة لا يقبح وجودها بين البدل والمبدل منه، وقوله على هذه القراءة «فلا يحسبنهم»، فيه تعدي فعل الفاعل إلى ضمير نفسه، نحو ظننتني أخاه، ورأيتني الليلة عند الكعبة، ووجدتني رجعت من الإصغاء، وذلك أن هذه الأفعال وما كان في معناها لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت «أن» وأخواتها، فكما تقول: إني ذاهب، فكذلك تقول: ظننتني ذاهبا، ولو قلت: أظن نفسي أفعل كذا لم يحسن، كما يحسن: أظنني فاعلا، قرأ نافع وابن عامر: «لا يحسبن الذين» بالياء من تحت وفتح الباء، وكسر نافع السين، وفتحها ابن عامر «فلا تحسبنهم» بالتاء من فوق، وفتح الباء، والمفعولان اللذان يقتضيهما قوله «لا يحسبن الذين» محذوفان لدلالة ما ذكر بعده، والكلام في ذلك كما تقدم في قراءة ابن كثير، إلا أنه لا يجوز في هذا البدل الذي ذكره في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين واختلاف فعليهما، وقرأ حمزة «لا تحسبن» بالتاء من فوق وكسر السين «فلا تحسبنهم» بالتاء من فوق وكسر السين وفتح الباء ف الّذين على هذه القراءة مفعول أول «لتحسبن»، والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما يجيء بعد عليه، كما قيل آنفا في المفعولين، وحسن تكرار الفعل في قوله «فلا تحسبنهم» لطول الكلام، وهي عادة العرب وذلك تقريب لذهن المخاطب، وقرأ الضحاك بن مزاحم «فلا تحسبنهم» بالتاء من فوق وفتح السين وضم الباء، و «المفازة»: مفعلة من فاز يفوز إذا نجا فهي بمعنى منجاة، وسمي موضع المخاف مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعي وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوز الرجل إذا مات قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال: أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سميت «مفازة» لأن من قطعها فاز، وقال الأصمعي: سمي اللديغ سليما تفاؤلا، قال ابن الأعرابي: بل لأنه مستسلم لما أصابه). [المحرر الوجيز: 2/441-444]

تفسير قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وبعد أن نهى أن يحسبوا ناجين أخبر أن لهم عذابا.
ثم استفتح القول بذكر قدرة الله تعالى وملكه فقال: وللّه ملك السّماوات والأرض الآية، قال بعض المفسرين: الآية رد على الذين قالوا: إنّ اللّه فقيرٌ ونحن أغنياء [آل عمران: 181] وقوله تعالى:
واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ. قال القاضي ابن الطيب وغيره: ظاهره العموم، ومعناه الخصوص لأن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على المحالات هو الموجود في مقتضى كلام العرب). [المحرر الوجيز: 2/444]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:19 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:20 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا فبئس ما يشترون (187) لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب ولهم عذابٌ أليمٌ (188) وللّه ملك السّماوات والأرض واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ (189)}
هذا توبيخٌ من اللّه وتهديدٌ لأهل الكتاب، الّذين أخذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأن ينوّهوا بذكره في النّاس ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله اللّه تابعوه، فكتموا ذلك وتعوّضوا عمّا وعدوا عليه من الخير في الدّنيا والآخرة بالدّون الطّفيف، والحظّ الدّنيويّ السّخيف، فبئست الصّفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم.
وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النّافع، الدّالّ على العمل الصّالح، ولا يكتموا منه شيئًا، فقد ورد في الحديث المرويّ من طرقٍ متعدّدةٍ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ"). [تفسير القرآن العظيم: 2/180-181]


تفسير قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا [فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب]} الآية، يعني بذلك المرائين المتكثّرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصّحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من ادّعى دعوى كاذبةً ليتكثّر بها لم يزده اللّه إلّا قلّة" وفي الصّحيح: "المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
وقال الإمام أحمد: حدّثنا حجّاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة أنّ حميد بن عبد الرّحمن بن عوف أخبره: أنّ مروان قال: اذهب يا رافع -لبوّابه-إلى ابن عبّاسٍ، رضي اللّه عنه، فقل لئن كان كلّ امرئٍ منّا فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل -معذّبًا، لنعذبن أجمعون؟ فقال ابن عبّاسٍ: وما لكم وهذه؟ إنّما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثمّ تلا ابن عبّاسٍ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا فبئس ما يشترون} وتلا ابن عبّاسٍ: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية. وقال ابن عبّاسٍ: سألهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيءٍ، فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه.
وهكذا رواه البخاريّ في التّفسير، ومسلمٌ، والتّرمذيّ والنّسائيّ في تفسيريهما، وابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، كلّهم من حديث عبد الملك بن جريج، بنحوه ورواه البخاريّ أيضًا من حديث ابن جريجٍ عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص: أن مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبّاسٍ، فذكره.
وقال البخاريّ: حدّثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمّد بن جعفرٍ، حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، رضي اللّه عنه؛ أنّ رجالًا من المنافقين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغزو تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فإذا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية.
وكذا رواه مسلمٌ من حديث ابن أبي مريم، بنحوه وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث اللّيث بن سعدٍ، عن هشام بن سعدٍ، عن زيد بن أسلم قال: كان أبو سعيدٍ ورافع بن خديج وزيد بن ثابتٍ عند مروان فقال: يا أبا سعيدٍ، رأيت قول اللّه تعالى: {لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} ونحن نفرح بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيدٍ: إنّ هذا ليس من ذاك، إنّما ذاك أنّ ناسًا من المنافقين كانوا يتخلّفون إذا بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعثًا، فإن كان فيه نكبة فرحوا بتخلّفهم، وإن كان لهم نصر من اللّه وفتحٌ حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنّصر والفتح. فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيدٍ: وهذا يعلم هذا، فقال مروان: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق أبو سعيدٍ. ثمّ قال أبو سعيدٍ: وهذا يعلم ذاك -يعني رافع بن خديجٍ-ولكنّه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصّدقة. فلمّا خرجوا قال زيدٌ لأبي سعيدٍ الخدريّ: ألا تحمدني على شهادةٍ لك ؟ فقال أبو سعيدٍ: شهدت الحقّ. فقال زيدٌ: أو لا تحمدني على ما شهدت الحقّ؟
ثمّ رواه من حديث مالكٍ، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خديجٍ: أنّه كان هو وزيد بن ثابتٍ عند مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، فقال مروان: يا رافع، في أيّ شيءٍ نزلت هذه؟ فذكره كما تقدّم عن أبي سعيدٍ، رضي اللّه عنهم، وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عبّاسٍ كما تقدّم، فقال له ما ذكرناه، ولا منافاة بين ما ذكره ابن عبّاسٍ وما قاله هؤلاء؛ لأنّ الآية عامّةٌ في جميع ما ذكر، واللّه أعلم.
وقد روى ابن مردويه أيضًا من حديث محمّد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن الزهري، عن محمّد بن ثابتٍ الأنصاريّ؛ أنّ ثابت بن قيسٍ الأنصاريّ قال: يا رسول اللّه، واللّه لقد خشيت أن أكون هلكت. قال: "لم؟ " قال: نهى اللّه المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل، وأجدني أحبّ الحمد. ونهى اللّه عن الخيلاء، وأجدني أحبّ الجمال، ونهى اللّه أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا امرؤٌ جهوريّ الصّوت. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ألّا ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنّة؟ " قال: بلى يا رسول اللّه. فعاش حميدًا، وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذّاب.
وقوله: {فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب} يقرأ بالتّاء على مخاطبة المفرد، وبالياء على الإخبار عنهم، أي: لا تحسبون أنّهم ناجون من العذاب، بل لا بدّ لهم منه؛ ولهذا قال: {ولهم عذابٌ أليمٌ} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/181-183]

تفسير قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال: {وللّه ملك السّماوات والأرض واللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ} أي: هو مالك كل شيءٍ، والقادر على كلّ شيءٍ فلا يعجزه شيءٌ، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا نقمته وغضبه، فإنّه العظيم الّذي لا أعظم منه، القدير الّذي لا أقدر منه). [تفسير القرآن العظيم: 2/183]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:26 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة