العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأحزاب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 7 جمادى الأولى 1434هـ/18-03-2013م, 12:19 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,309
افتراضي تفسير سورة الأحزاب [ من الآية (53) إلى الآية (55) ]

تفسير سورة الأحزاب
[ من الآية (53) إلى الآية (55) ]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16 جمادى الأولى 1434هـ/27-03-2013م, 10:44 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,309
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدّثني اللّيث بن سعدٍ أنّ طلحة بن عبيد اللّه قال: لئن قبض رسول اللّه عليه السّلام تزوّجت عائشة؛ قال: فنزل القرآن: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ ذلكم كان عند الله عظيماً}؛ قال اللّيث: عائشة بنت عمّه لأنّه من قومها؛ قال: وظننت أنّ عمر بن الخطّاب حين قال: لقد توفّي رسول اللّه عليه [السلام]، وأنه على طلحة لعاقبٌ لهذا الأمر). [الجامع في علوم القرآن: 2/164-165]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (معمر عن أبي عثمان البصري عن أنس قال لما تزوج النبي زينب أهدت إليه أم سليم حيسا في تور من الحجارة قال أنس فقال لي النبي اذهب فادع من لقيت من المسلمين قال فدعوت له من لقيت فجعلوا يدخلون ويأكلون ويخرجون ووضع النبي يده على الطعام فدعا فيه أو قال فيه ما شاء الله أن يقول ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا وبقي طائفة منهم فأطالوا عنده الحديث فجعل النبي يستحي منهم أن يقول لهم شيئا فخرج وتركهم في البيت فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه). [تفسير عبد الرزاق: 2/121]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وقال قتادة غير متحينين طعاما ولكن إذا دعيتم فادخلوا حتى بلغ لقلوبكم وقلوبهن). [تفسير عبد الرزاق: 2/121]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن الأعمش عن خيثمة قال ما من شيء يقرءونه في القرآن يا أيها الذين آمنوا إلا وهو في التوراة يا أيها المساكين). [تفسير عبد الرزاق: 2/122]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة أن رجلا قال لو قبض النبي لتزوجت فلانة يعني عائشة فأنزل الله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن ينكحوا أزواجه من بعده أبدا.
قال معمر سمعت أن هذا الرجل طلحة بن عبيد الله). [تفسير عبد الرزاق: 2/122]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيمًا} [الأحزاب: 53] ".
يقال: إناه: إدراكه، أنى يأني أناةً فهو آنٍ "). [صحيح البخاري: 6/118]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثنا مسدّدٌ، حدّثنا يحيى، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمر رضي اللّه عنه: قلت: «يا رسول اللّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل اللّه آية الحجاب»
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الرّقاشيّ، حدّثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا أبو مجلزٍ، عن أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه، قال: " لمّا تزوّج رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم زينب بنت جحشٍ، دعا القوم فطعموا ثمّ جلسوا يتحدّثون، وإذا هو كأنّه يتهيّأ للقيام، فلم يقوموا فلمّا رأى ذلك قام، فلمّا قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفرٍ، فجاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليدخل فإذا القوم جلوسٌ، ثمّ إنّهم قاموا، فانطلقت فجئت فأخبرت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّهم قد انطلقوا، فجاء حتّى دخل فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ} [الأحزاب: 53] الآية "
- حدّثنا سليمان بن حربٍ، حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، عن أيّوب، عن أبي قلابة، قال أنس بن مالكٍ: أنا أعلم النّاس بهذه الآية: آية الحجاب " لمّا أهديت زينب بنت جحشٍ رضي اللّه عنها إلى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، كانت معه في البيت صنع طعامًا ودعا القوم، فقعدوا يتحدّثون، فجعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخرج ثمّ يرجع، وهم قعودٌ يتحدّثون، فأنزل اللّه تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] إلى قوله {من وراء حجابٍ} [الأحزاب: 53] فضرب الحجاب وقام القوم "
- حدّثنا أبو معمرٍ، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز بن صهيبٍ، عن أنسٍ رضي اللّه عنه، قال: بني على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بزينب بنت جحشٍ بخبزٍ ولحمٍ، فأرسلت على الطّعام داعيًا فيجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتّى ما أجد أحدًا أدعو، فقلت: يا نبيّ اللّه ما أجد أحدًا أدعوه، قال: «ارفعوا طعامكم» وبقي ثلاثة رهطٍ يتحدّثون في البيت، فخرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السّلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه» ، فقالت: وعليك السّلام ورحمة اللّه، كيف وجدت أهلك بارك اللّه لك، فتقرّى حجر نسائه كلّهنّ، يقول لهنّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثمّ رجع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإذا ثلاثةٌ من رهطٍ في البيت يتحدّثون، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة فما أدري آخبرته أو أخبر أنّ القوم خرجوا فرجع، حتّى إذا وضع رجله في أسكفّة الباب داخلةً، وأخرى خارجةً أرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب
- حدّثنا إسحاق بن منصورٍ، أخبرنا عبد اللّه بن بكرٍ السّهميّ، حدّثنا حميدٌ، عن أنسٍ رضي اللّه عنه، قال: «أولم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم حين بنى بزينب بنت جحشٍ، فأشبع النّاس خبزًا ولحمًا، ثمّ خرج إلى حجر أمّهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلّم عليهنّ ويسلّمن عليه، ويدعو لهنّ ويدعون له، فلمّا رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلمّا رآهما رجع عن بيته، فلمّا رأى الرّجلان نبيّ اللّه صلّى الله عليه وسلّم رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أخبر، فرجع حتّى دخل البيت وأرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب» ، وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى، حدّثني حميدٌ، سمع أنسًا، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
- حدّثني زكريّاء بن يحيى، حدّثنا أبو أسامة، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأةً جسيمةً لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطّاب فقال: يا سودة، أما واللّه ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعةً، ورسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم في بيتي، وإنّه ليتعشّى وفي يده عرقٌ، فدخلت فقالت: يا رسول اللّه، إنّي خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى اللّه إليه ثمّ رفع عنه، وإنّ العرق في يده ما وضعه، فقال: «إنّه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ»). [صحيح البخاري: 6/118-120]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعام)
إلى قوله إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيما كذا لأبي ذرٍّ والنّسفيّ وساق غيرهما الآية كلّها قوله يقال إناه إدراكه أنى يأني أناةً فهو آنٍ أنى بفتح الألف والنّون مقصور ويأتي بكسر النّون وأناةً بفتح الهمزة والنّون مخفّفًا وآخره هاء تأنيثٍ بغير مدٍّ مصدرٌ قال أبو عبيدة في قوله إلى طعامٍ غير ناظرين أناه أي إدراكه وبلوغه ويقال أنى يأني أنيًا أي بلغ وأدرك قال الشّاعر تمحّضت المنون له بنومٍ أنى ولكلّ حاملةٍ تمام وقوله أنيًا بفتح الهمزة وسكون النّون مصدرٌ أيضًا وقرأ الأعمش وحده آناه بمدّ أوّله بصيغة الجمع مثل آناء اللّيل ولكن بغير همزٍ في آخره). [فتح الباري: 8/528]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (ثمّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث أنسٍ عن عمر قال قلت يا رسول اللّه يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب فأنزل اللّه آية الحجاب وهو طرفٌ من حديثٍ أوّله وافقت ربّي في ثلاثٍ وقد تقدّم بتمامه في أوائل الصّلاة وفي تفسير البقرة ثانيها حديث أنسٍ في قصّة بناء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب بنت جحشٍ ونزول آية الحجاب أورده من أربعة طرقٍ عن أنسٍ بعضها أتمّ من بعضٍ وقوله لمّا أهديت أي لمّا زيّنتها الماشطة وزفّت إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وزعم الصّغانيّ أنّ الصّواب هديت بغير ألفٍ لكنّ توارد النّسخ على إثباتها يردّ عليه ولا مانع من استعمال الهديّة في هذا استعارةً
- قوله لمّا تزوّج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زينب بنت جحشٍ دعا القوم فطعموا في رواية الزّهريّ عن أنسٍ كما سيأتي في الاستئذان قال أنا أعلم النّاس بشأن الحجاب وكان في مبتنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب بنت جحشٍ أصبح بها عروسًا فدعا القوم وفي رواية أبي قلابة عن أنسٍ قال أنا أعلم النّاس بهذه الآية آية الحجاب لمّا أهديت زينب بنت جحشٍ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صنع طعامًا وفي رواية عبد العزيز بن صهيبٍ عن أنسٍ أنّه كان الدّاعي إلى الطّعام قال فيجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون ثمّ يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون قال فدعوت حتّى ما أجد أحدًا وفي رواية حميدٍ فأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا ووقع في رواية الجعد بن عثمان عن أنس عند مسلم وعلّقه البخاريّ قال تزوّج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فدخل بأهله فصنعت له أمّ سليمٍ حيسًا فذهبت به إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال ادع لي فلانًا وفلانًا وذهبت فدعوتهم زهاء ثلاثمائة رجلٍ فذكر الحديث في إشباعهم من ذلك وقد تقدّمت الإشارة إليه في علامات النّبوّة ويجمع بينه وبين رواية حميدٍ بأنّه صلّى اللّه عليه وسلم أو لم عليه باللّحم والخبز وأرسلت إليه أمّ سليمٍ الحيس وفي رواية سليمان بن المغيرة عن ثابتٍ عن أنسٍ لقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أطعمنا عليها الخبز واللّحم حتّى امتدّ النّهار الحديث أخرجه مسلمٌ قوله قلت يا رسول اللّه واللّه ما أجد أحدًا قال فارفعوا طعامكم زاد الإسماعيليّ من طريق جعفر بن مهران عن عبد الوارث فيه قال وزينب جالسةٌ في جانب البيت قال وكانت امرأةٌ قد أعطيت جمالًا وبقي في البيت ثلاثةٌ قوله ثمّ جلسوا يتحدّثون في رواية أبي قلابة فجعل يخرج ثمّ يرجع وهم قعودٌ يتحدّثون قوله وإذا هو كأنّه يتهيّأ للقيام فلم يقوموا فلمّا رأى ذلك قام فلمّا قام قام من قام وقعد ثلاثة نفرٍ في رواية عبد العزيز وبقي ثلاثة رهطٍ وفي رواية حميدٍ فلمّا رجع إلى بيته رأى رجلين ووافقه بيان بن عمرٍو عن أنسٍ عند التّرمذيّ وأصله عند المصنّف أيضًا ويجمع بين الرّوايتين بأنّهم أوّل ما قام وخرج من البيت كانوا ثلاثةً وفي آخر ما رجع توجّه واحدٌ منهم في أثناء ذلك فصاروا اثنين وهذا أولى من جزم بن التّين بأنّ إحدى الرّوايتين وهمٌ وجوّز الكرمانيّ أن يكون التّحديث وقع من اثنين منهم فقط والثّالث كان ساكتًا فمن ذكر الثّلاثة لحظ الأشخاص ومن ذكر الاثنين لحظ سبب العقود ولم أقف على تسمية أحدٍ منهم قوله فانطلقت فجئت فأخبرت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّهم انطلقوا هكذا وقع الجزم في هذه الرّواية بأنّه الّذي أخبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بخروجهم وكذا في رواية الجعد المذكورة واتّفقت رواية عبد العزيز وحميدٍ على أنّ أنسًا كان يشكّ في ذلك ولفظ حميد فلا أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أخبر وفي رواية عبد العزيز عن أنسٍ فما أدري أخبرته أو أخبر وهو مبنيٌّ للمجهول أي أخبر بالوحي وهذا الشّكّ قريبٌ من شكّ أنسٍ في تسمية الرّجل الّذي سأل الدّعاء بالاستسقاء فإنّ بعض أصحاب أنسٍ جزم عنه بأنّه الرّجل الأوّل وبعضهم ذكر أنّه سأله عن ذلك فقال لا أدري كما تقدّم في مكانه وهو محمولٌ على أنّه كان يذكره ثمّ عرض له الشّكّ فكان يشكّ فيه ثمّ تذكّر فجزم قوله فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل اللّه يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبي الآية زاد أبو قلابة في روايته إلّا أن يؤذن لكم إلى قوله من وراء حجاب فضرب الحجاب وفي رواية عبد العزيز حتّى إذا وضع رجله في أسكفّة الباب داخلةً والأخرى خارجةً أرخى السّتر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب وعند التّرمذيّ من رواية عمرو بن سعيدٍ عن أنسٍ فلمّا أرخى السّتر دوني ذكرت ذلك لأبي طلحة فقال إن كان كما تقول لينزلنّ فيه قرآنٌ فنزلت آية الحجاب قوله في رواية عبد العزيز
- فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال السّلام عليكم في رواية حميدٍ ثمّ خرج إلى أمّهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلّم عليهنّ ويسلّمن عليه ويدعو لهنّ ويدعون له وفي رواية عبد العزيز أنّهنّ قلن له كيف وجدت أهلك بارك اللّه لك قوله فتقرّى بفتح القاف وتشديد الرّاء بصيغة الفعل الماضي أي تتبّع الحجرات واحدةً واحدةً يقال منه قريت الأرض إذا تتبّعتها أرضًا بعد أرضٍ وناسًا بعد ناسٍ قوله وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الحياء فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة في رواية حميدٍ رأى رجلين جرى بهما الحديث فلمّا رآهما رجع عن بيته فلمّا رأى الرّجلان نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجع عن بيته وثبا مسرعين ومحصّل القصّة أنّ الّذين حضروا الوليمة جلسوا يتحدثون واستحيي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأمرهم بالخروج فتهيّأ للقيام ليفطنوا لمراده فيقوموا بقيامه فلمّا ألهاهم الحديث عن ذلك قام وخرج فخرجوا بخروجه إلّا الثّلاثة الّذين لم يفطنوا لذلك لشدّة شغل بالهم بما كانوا فيه من الحديث وفي غضون ذلك كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يريد أن يقوموا من غير مواجهتهم بالأمر بالخروج لشدّة حيائه فيطيل الغيبة عنهم بالتّشاغل بالسّلام على نسائه وهم في شغل بالهم وكان أحدهم في أثناء ذلك أفاق من غفلته فخرج وبقي الاثنان فلمّا طال ذلك ووصل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى منزله فرآهما فرجع فرأياه لمّا رجع فحينئذٍ فطنا فخرجا فدخل النّبي صلى الله عليه وسلم وأنزلت الآية فأرخى السّتر بينه وبين أنسٍ خادمه أيضًا ولم يكن له عهدٌ بذلك تنبيهٌ ظاهر الرّواية الثّانية أنّ الآية نزلت قبل قيام القوم وا لأولى وغيرها أنّها نزلت بعد فيجمع بأنّ المراد أنّها نزلت حال قيامهم أي أنزلها اللّه وقد قاموا ووقع في رواية الجعد فرجع فدخل البيت وأرخى السّتر وإنّي لفي الحجرة وهو يقول يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبي إلى قوله من الحق وفي الحديث من الفوائد مشروعيّة الحجاب لأمّهات المؤمنين قال عياضٌ فرض الحجاب ممّا اختصصن به فهو فرض عليهنّ بلا خلافٍ في الوجه والكفّين فلا يجوز لهنّ كشف ذلك في شهادةٍ ولا غيرها ولا إظهار شخوصهنّ وإن كنّ مستتراتٍ إلّا ما دعت إليه ضرورةٌ من برازٍ ثمّ استدلّ بما في الموطّأ أنّ حفصة لمّا توفّي عمر سترها النّساء عن أن يرى شخصها وأنّ زينب بنت جحشٍ جعلت لها القبّة فوق نعشها ليستر شخصها انتهى وليس فيما ذكره دليلٌ على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهنّ وقد كنّ بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يحججن ويطفن وكان الصّحابة ومن بعدهم يسمعون منهنّ الحديث وهنّ مستترات الأبدان لا الأشخاص وقد تقدم في الحج قول بن جريجٍ لعطاءٍ لمّا ذكر له طواف عائشة أقبل الحجاب أو بعده قال قد أدركت ذلك بعد الحجاب وسيأتي في آخر الحديث الّذي يليه مزيد بيان لذلك
- قوله وقال بن أبي مريم أنبأنا يحيى حدّثني حميدٌ سمعت أنسًا مراده بذلك أنّ عنعنة حميدٍ في هذا الحديث غير مؤثّرةٍ لأنّه ورد عنه التّصريح بالسّماع لهذا الحديث منه ويحيى المذكور هو بن أيّوب الغافقي المصريّ وبن أبي مريم من شيوخ البخاريّ واسمه سعيد بن الحكم ووقع في بعض النّسخ من رواية أبي ذرٍّ وقال إبراهيم بن أبي مريم وهو تغييرٌ فاحشٌ وإنّما هو سعيدٌ الحديث الثّالث حديث عائشة خرجت سودة أي بنت زمعة أم المؤمنين بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وقد تقدّم في كتاب الطّهارة من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهره رواية الزّهريّ هذه عن عروة قال الكرمانيّ فإن قلت وقع هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب وتقدّم في الوضوء أنّه كان قبل الحجاب فالجواب لعلّه وقع مرّتين قلت بل المراد بالحجاب الأوّل غير الحجاب الثّاني والحاصل أنّ عمر رضي اللّه عنه وقع في قلبه نفرةٌ من اطّلاع الأجانب على الحريم النّبويّ حتّى صرح يقوله له عليه الصّلاة والسّلام احجب نساءك وأكّد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ثمّ قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهنّ أصلًا ولو كنّ مستتراتٍ فبالغ في ذلك فمنع منه وأذن لهنّ في الخروج لحاجتهنّ دفعًا للمشقّة ورفعًا للحرج وقد اعترض بعض الشّرّاح بأنّ إيراد الحديث المذكور في الباب ليس مطابقًا بل إيراده في عدم الحجاب أولى وأجيب بأنّه أحال على أصل الحديث كعادته وكأنّه أشار إلى أنّ الجمع بين الحديثين ممكنٌ واللّه أعلم وقد وقع في رواية مجاهدٍ عن عائشة لنزول آية الحجاب سببٌ آخر أخرجه النّسائيّ بلفظ كنت أكل مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حيسًا في قعبٍ فمرّ عمر فدعاه فأكل فأصاب إصبعه إصبعي فقال حسّ أو أوه لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عينٌ فنزل الحجاب ويمكن الجمع بأنّ ذلك وقع قبل قصّة زينب فلقربه منها أطلقت نزول الحجاب بهذا السّبب ولا مانع من تعدّد الأسباب وقد أخرج بن مردويه من حديث بن عبّاسٍ قال دخل رجلٌ على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأطال الجلوس فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاث مرّاتٍ ليخرج فلم يفعل فدخل عمر فرأى الكراهية في وجهه فقال للرّجل لعلّك آذيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لقد قمت ثلاثًا لكي يتبعني فلم يفعل فقال له عمريا رسول اللّه لو اتّخذت حجابًا فإنّ نساءك لسن كسائر النّساء وذلك أطهر لقلوبهنّ فنزلت آية الحجاب). [فتح الباري: 8/529-531]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
- ثنا إسحاق بن منصور أنا عبد الله بن بكر السّهمي ثنا حميد عن أنس رضي اللّه عنه قال أولم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حين بنى بزينب بنت جحش الحديث
وقال ابن أبي مريم أنا يحيى حدثني حميد سمع أنسا عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم). [تغليق التعليق: 4/286]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ قوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طمعتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إنّ ذلكم كان يؤذي النبيّ فيستحي منكم والله لا يستحي من الحقّ وإذا سألتموهنّ متاعا فأسألوهنّ من وراء حجابٍ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إنّ ذلكم كان عند الله عظيما} (الأحزاب: 53)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {لا تدخلوا} الآية. وعند أبي ذر والنسفي: كذا {لا تدخلوا بيوت النّبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعام} إلى قوله: (عظيما) وغيرهما: ساقوا الآية كلها كما هو هاهنا. قوله: (لا تدخلوا) ، أوله {يا أيها الّذين آمنوا لا تدخلوا} ؟ الآية. قوله: (إلّا أن يؤذن لكم) ، أي: إلّا تدعوا إلى طعام فيؤذن لكم فتأكلونه. قوله: (غير ناظرين) ، أي: غير منتظرين إناه أي: وقت إدراكه ونضجه، وعن ابن عبّاس: نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النّبي، صلى الله عليه وسلم، فيدخلون عليه قبل الطّعام إلى أن يدرك ثمّ يأكلون ولا يخرجون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتأذّى منهم فنزلت هذه الآية، وغير: نصب على الحال. قوله: (فإذا طعمتم) ، أي: فإذا أكلتم الطّعام. قوله: (فانتشروا) ، أي: فتفرّقوا واخرجوا من منزله. قوله: (ولا مستأنسين) عطف على قوله: (غير ناظرين) أي: ولا غير مستأنسين أي: طالبين الأنس لحديث، نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم لبعض لأجل حديث يحدثون به. قوله: (إن ذلكم) ، أي: إطالتكم في القعود وانتظاركم الطّعام الّذي لم يتهيأ واستئناسكم للحديث يؤذي النّبي، صلى الله عليه وسلم، ويشوش عليه. قوله: (فيستحيي منكم) ، أن يقول لكم قوموا (والله لا يستحيي من الحق) أي: لا يترك تأديبكم وحملكم على الحق ولا يمنعه ذاك منه. قوله: (وإذ سألتموهنّ) ، أي: إذا سألتم نساء النّبي صلى الله عليه وسلم (متاعا فاسألوهنّ من وراء حجاب) وروي أن عمر، رضي الله تعالى عنه، أمر نساء النّبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب يا ابن الخطاب أتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟ فأنزل الله تعالى: {وإذا سألتموهنّ متاعا فاسألوهنّ من وراء حجاب} قوله: {ذلكم طهر لقلوبكم وقلوبهن} يعني: من الرّيبة. قوله: (وما كان لكم) ، يعني: وما ينبغي لكم وما يصلح لكم أن تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأشياء ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا نزلت في رجل كان يقول: لئن توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأتزوّجن عائشة، زعم مقاتل أنه طلحة بن عبيد الله. قوله: (إن ذلكم) ، أي: إن نكاح أزواجه بعد النّبي صلى الله عليه وسلم (كان عند الله عظيما).
يقال إناه إدراكه أنى يأنى أناة
أراد بذلك تفسير لفظة أتاه. في قوله: {غير ناظرين أناه} (الأحزاب: 53) وفسره بقوله: (إدراكه) أي: إدراك وقت الطّعام، يقال: (أنى) في الماضي بفتح الهمزة والنّون مقصورا (إياني) مضارعه بكسر النّون. قوله: (أناة) ، مصدر بفتح الهمزة وتخفيف النّون وآخره هاء تأنيث: كذا ضبطوه وقالوا: أنه مصدر ولكنه ليس بمصدر. أنّي يأنى الّذي قاله البخاريّ فإنّه مصدره بكسر الهمزة على ما تقول وسكون النّون المفتوحة، والأناءة الاسم مثل قتادة، وهو الثّاني في الأمر، وقال الجوهري: أنى يأني أناه، أي: حان، وأنى أيضا أدرك، قال تعالى: {غير ناظرين أناه} ، ويقال أيضا إنّي الحميم، أي: انتهى حره. قال تعالى: {حميم آن} (الأحزاب: 53) وآناء يؤنيه إيناه أخّره وحبسه وأبطاه، وآناه اللّيل ساعاته قال الأخفش: واحدها أنّي مثل معي، وقيل: واحدها آني وانو). [عمدة القاري: 19/120-121]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثنا مسدّدٌ عن يحيى عن حميدٍ عن أنسٍ قال: قال عمر رضي الله عنه قلت يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وقد ذكرنا أن قوله: {لعلّ السّاعة تكون قريبا} غير واقع في محله، ويحيى هو ابن سعيد القطّان، وحميد، بضم الحاء ابن أبي حميد الطّويل أبو عبيدة البصريّ، وهذا الحديث مختصر من حديث طويل مضى في كتاب الصّلاة في باب ما جاء في القبلة.
- حدّثنا محمّد بن عبد الله الرّقاشيّ حدّثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي يقول حدّثنا أبو مجلزٍ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لمّا تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنة جحشٍ دعا القوم فطمعوا ثمّ جلسوا يتحدّثون وإذا هو كأنّه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلمّا رأى ذلك قام فلمّا قام قام من قام وقعد ثلاثة نفرٍ فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوسٌ ثمّ إنّهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهم قد انطلقوا فجاء حتّى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبيّ} (الأحزاب: 53) الآية..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. ومحمّد بن عبد الله الرقاشي، بفتح الرّاء وتخفيف القاف وبالشين المعجمة نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة في ربيعة بن نزار ومعتمر يروى عن أبيه سليمان بن طرخان وأبو مجلز، بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللّام وبالزاي، اسمه لاحق بن حميد.
والحديث أخرجه البخاريّ أيضا في الاستئذان عن أبي النّعمان محمّد بن الفضل وعن الحسن بن عمر وأخرجه مسلم في النّكاح عن يحيى بن حبيب وغيره وأخرجه النّسائيّ في التّفسير عن محمّد بن عبد الأعلى.
قوله: (لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش) ، وكان سنة ثلاث، قال أبو عبيدة: وعن قتادة سنة خمس، وقيل: غير ذلك. قوله: (فطعموا) أي: أكلوا قوله: (وإذا هو) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: (فلم يقوموا) ، وكان صلى الله عليه وسلم يستحي أن يقول لهم: قوموا قوله: (من قام) فاعل قوله: (قام قبله) .
- حدّثنا سليمان بن حربٍ حدّثنا حمّاد بن زيدٍ عن أيّوب عن أبي قلابة قال أنسٌ ابن مالكٍ أنا أعلم النّاس بهذه الآية آية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحشٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معه في البيت صنع طعاما ودعا القوم فقعدوا يتحدّثون فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يخرج ثمّ يرجع وهم قعودٌ يتحدّثون فأنزل الله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} إلى قوله من وراء حجابٍ فضرب الحجاب وقام القوم..
هذا طريق آخر في حديث أنس المذكور أخرجه عن سليمان بن حرب عن حمّاد بن زيد عن أيّوب السّختيانيّ عن أبي قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي عن أنس، رضي الله تعالى عنه.
قوله: (لما أهديت) ، أي: لمازينتها الماشطة وبعثتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الصغاني: صوابه هديت بدون الألف ولكن النّسخ بالألف، وقال الجوهري: والهداء مصدر قولك: هديت المرأة إلى زوجها هداه، وقد هديت إليه وهي مهدية وهدى أيضا. ثمّ قال: والهدية واحدة الهدايا يقال: أهديت له وإليه. قوله: (وهم قعود) ، جملة حالية أي: قاعدون.
- حدّثنا أبو معمرٍ حدّثنا عبد الوارث حدّثنا عبد العزيز بن صهيبٍ عن أنسٍ رضي الله عنه قال بني على النبيّ صلى الله عليه وسلم بزينب ابنة جحشٍ بخبزٍ ولحمٍ فأرسلت أى الطّعام داعيا فيجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون ثمّ يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون فدعوت حتّى ما أجد أحدا أدعو فقلت يا نبيّ الله ما أجد أحدا أدعوه فقال ارفعوا طعامكم وبقي ثلاثة رهطٍ يتحدّثون في البيت فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله فقالت وعليك السّلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك بارك الله لك فتقرّى حجر نسائه كلّهنّ يقول لهنّ كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة ثمّ رجع النبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا ثلاثة رهطٍ في البيت يتحدّثون وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة فما أدري آخبرته أو أخبر أنّ القوم خرجوا فرجع حتّى إذا وضع رجله في أسكفّة الباب داخلةً وأخرى خارجةً أرخى السّتر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب..
هذا طريق آخر أيضا عن أبي معمر، بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المشهور بالمقعد بلفظ اسم المفعول من الإقعاد عن عبد الوارث بن سعيد إلى آخره.
قوله: (بني على النّبي صلى الله عليه وسلم) ، بصيغة المجهول من البناء وهو الدّخول بالزّوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبّة ليدخل بها فيها فيقال: بنى الرجل على أهله، وقال الجوهري: ولا يقال بنى بأهله، والحديث يرد عليه. قوله: (ابنة جحش) ، ويروى: بنت جحش. قوله: (فأرسلت) ، على صيغة المجهول، والمرسل هو النّبي صلى الله عليه وسلم قوله: (على طعام) ، ويروى: على الطّعام. قوله: (داعيا) ، نصب على الحال من الضّمير الّذي في أرسلت وهو أنس. قوله: (فيجيء قوم ويخرجون) ، أي: يأكلون فيخرجون. قوله: (ادعو) ، أي: ادعوه وهي صفة أحدا. قوله: (قال: ارفعوا طعامكم) ، ويروى: فقال: بالفاء وكذلك فارفعوا قوله: (فنقرى) بفتح القاف وتشديد الرّاء على وزن تفعل، أي: تتبع الحجر واحدة واحدة، والحجر بضم الحاء المهملة وفتح الجيم: جمع حجرة وهي الموضع المنفرد في الدّار قوله: (آخبرته) أي: أخبرت النّبي صلى الله عليه وسلم أو أخبر، على صيغة المجهول أي: أو أخبر النّبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وهذا شكّ من أنس، رضي الله تعالى عنه، وقد اتّفقت رواية عبد العزيز وحميد على الشّك، وفي رواية أبي مجلز عن أنس الّذي مضى: فأخبرت من غير شكّ. قوله: (في أسكفّة الباب) بضم الهمزة وسكون السّين وضم الكاف وتشديد الفاء، وهي: العتبة الّتي يوطأ عليها.
- حدّثنا إسحاق بن منصورٍ أخبرنا عبد الله بن بكرٍ السّهميّ حدثنا حميدٌ عن أنسٍ رضي عنه قال أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنى بزينب ابنة جحشٍ فأشبع النّاس خبزاً ولحماً ثمّ خرج إلى حجر أمّهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلّم عليهنّ ويسلّمن عليه ويدعون له فلمّا رجع إلى بيته رأى رجلين جري بهما الحديث فلمّا رآهما رجع عن بيته فلمّا رأي الرّجلان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم رجع عن بيته وثبا مسرعين فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أخبر فرجع حتّى دخل البيت وأرخى السّتر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب..
هذا طريق آخر أيضا عن إسحاق بن منصور أبي يعقوب المروزي عن عبد الله بن بكر بن حبيب الباهليّ السّهمي البصريّ عن حميد الطّويل ... إلى آخره.
قوله: (صبيحة بنائه) أي: صباحاً بعد ليلة الزفاف. قوله: (فيسلم عليهنّ ويسلمن عليه) ويروى: فيسلم عليهنّ ويدعو لهنّ ويسلمن عليه ويدعون. قوله: (رأى رجلين) وفي الحديث الماضي: ثلاثة رهط، ولا اعتبار لمفهوم العدد وكانت المحادثة بينهما والثّالث ساكت، وقيل: لعلّه باعتبارين كانوا ثلاثة ثمّ ذهب واحد وبقي إثنان وهو أولى من قول ابن التّين إحداهما وهم فإن قلت: الحديث الثّاني يدل على أن نزول الآية قبل قيام القوم، والأول وغيره أنه بعده. قلت: هو مأول بأنّه حال أي: أنزل الله وقد قام القوم، هكذا أجاب الكرماني.
وقال ابن أبي مريم أخبرنا يحيى حدّثني حميدٌ سمع أنساً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
أشار بذلك إلى أن حميدا قد ورد عنه التّصريح بسماعه هذا الحديث عن أنس. وأن عنعنته فيه غير مؤثرة وابن أبي مريم من شيوخ البخاريّ، واسمه سعيد بن محمّد بن الحكم بن أبي مريم المصريّ ويحيى هو ابن أيّوب الغافقي المصريّ، قيل: وقع في بعض النّسخ من رواية أبي ذر، وقال إبراهيم بن أبي مريم: وهو غلط فاحش.
- حدّثني زكريّاء بن يحيى حدثنا أبوا أسامة عن هشامٍ عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأةً جسيمةً لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطّاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعةً ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنّه ليتعشّي وفي يده عرقٌ فدخلت فقالت يا رسول الله إنّي خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر وكذا قالت فأوحي الله إليه ثمّ رفع عنه وإنّ العرق في يده ما وضعه فقال إنّه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ..
مطابقته للتّرجمة تؤخذ من قوله: (بعدما ضرب الحجاب) قيل: إيراد هذا الحديث في هذا الباب ليس بمطابق وكان إيراده في عدم الحجاب أولى. وأجيب: بأنّه أحال على أصل الحديث كعادته في التبويبات.
وزكرياء بن يحيى بن صالح البلخي الحافظ الفقيه، وله شيخ آخر وهو زكريّاء بن يحيى بن عمر أبو السكن الطّائي الكوفي، وأبو أسامة حمّاد بن أسامة يروي عن هشام ابن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها.
والحديث قد مضى في الطّهارة في: باب خروج النّساء إلى البراز، أخرجه بعين هذا الإسناد ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: (خرجت سودة) وهي بنت زمعة أم المؤمنين. قوله: (بعدما ضرب الحجاب) وقد تقدم في الطّهارة أنه كان قبل الحجاب، قال الكرماني: لعلّه وقع مرّتين، وقيل: المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثّاني، والحاصل في هذا أن عمر رضي الله عنه، وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النّبويّ حتّى صرح بقوله للنّبي صلى الله عليه وسلم: إحجب نساءك، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثمّ قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك ومنع منه وأذن لهنّ في الخروج لحاجتهن دفعا للمشقّة ورفعاً للحرج. قوله: (لحاجتها) متعلق بقوله: (خرجت) . قوله: (أما والله) بفتح الهمزة وتخفيف الميم: حرف استفتاح بمنزلة، ألا ويكثر قبل القسم. قوله: (فانكفأت) بالهمزة يعني: انقلبت وانصرفت، قال القرطبيّ: هو الصّواب، قال: ووقع لبعض الرواة انكفت بحذف الهمزة والألف فكان لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة فلقيها ساكن فحذفت. قوله: (عرق) بفتح العين المهملة وسكون الرّاء، وهو العظم الّذي عليه اللّحم. قوله: (ثمّ رفع عنه) على صيغة المجهول، أي: رفع عنه ما يلقاه وقت نزول الوحي عليه. قوله: (والعرق، في يده) جملة حالية. قوله: (إنّه) أي: إن الشّأن (قد أذن لكن) على صيغة المجهول، ويجوز أن قال: إن الله قد أذن لكنّ، والأحاديث المذكورة في هذا الباب كلها دالّة على الحجاب، وحديث عائشة هذا المذكور، وإن لم يذكر فيه الحجاب صريحًا. لأن ظاهره عدمه ولكن في أصله مذكور في موضع آخر، وعن هذا قال عياض: فرض الحجاب ممّا اختصّ به أزواجه صلى الله عليه وسلم فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه والكفّين فلا يجوز لهنّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلاّ ما دعت إليه ضرورة من براز، كما في حديث حفصة، لما توفّي عمر رضي الله عنه، سترها النّساء عن أن يرى شخصها، ولما توفيت زينب جعلوا لها قبّة فوق نعشها تستر شخصها، ولا خلاف أن غيرهنّ يجوز لهنّ أن يخرجن لما يحتجن إليه من أمورهن الجائزة بشرط أن يكن بذة الهيئة خشنة الملبس تفلة الرّيح مستورة الأعضاء غير متبرجات بزينة ولا رافعة صوتها). [عمدة القاري: 19/121-125]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ
ذلكم كان عند اللّه عظيمًا} يقال إناه: إدراكه أنى يأنى أناةً. {لعلّ السّاعة تكون قريبًا} إذا وصفت صفة المؤنّث قلت قريبةً، وإذا جعلته ظرفًا وبدلًا ولم ترد الصّفة نزعت الهاء من المؤنّث، وكذلك لفظها في الواحد والاثنين والجميع للذّكر والأنثى.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (قوله: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم}) أي إلا مصحوبين بالإذن فهي في موضع الحال أو إلا بسبب الإذن لكم فأسقط باء السبب وقال القاضي كالزمخشري إلا وقت أن يؤذن لكم ورده أبو حيان بأن النحاة نصوا على أن المصدرية لا تقع موقع الظرف لا يجوز آتيك أن يصيح الديك وإن جاز ذلك في المصدر الصريح نحو آتيك صياح الديك ({إلى طعام}) متعلق بيؤذن لأنه بمعنى إلا أن تدعوا إلى طعام ({غير ناظرين إناه}) نصب على الحال فعند الزمخشري العامل فيه يؤذن وعند غيره مقدر أي ادخلوا غير ناظرين إدراكه أو وقت نضجه والمعنى لا ترقبوا الطعام ذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه قال ابن كثير وهذا دليل على تحريم التطفيل وقد صنف الخطيب البغدادي كتابًا في ذم الطفيليين ذكر فيه من أخبارهم ما يطول إيراده وأمال حمزة والكسائي أناه لأنه مصدر أنى الطعام إذا أدرك ({ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا}) تفرقوا واخرجوا من منزله ولا تمكثوا والآية إما تقديم أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم أولًا والثاني أولى لأن الأصل عدم التقديم وحينئذ فالإذن مشروط بكونه إلى طعام فلو أذن لأحد أن يدخل بيوته لغير الطعام أو لبث بعد الطعام لحاجة لا يجوز لكنا نقول الآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فهي مخصوصة بهم وبأمثالهم فيجوز ولا يشترط التصريح بالإذن بل يكفي العلم بالرضا كما يشعر به قوله إلا أن يؤذن لكم حيث لم يبين الفاعل مع قوله أو صديقكم ({ولا مستأنسين لحديث}) نصب عطفًا على غير أي لا تدخلوها غير ناظرين ولا مستأنسين أو حال مقدرة أي لا تدخلوا هاجمين ولا مستأنسين أو جر عطفًا على ناظرين أي غير ناظرين وغير مستأنسين واللام في لحديث للعلة أي لأجل أن يحدث بعضكم بعضًا والمعنى ولا طالبين الأنس للحديث وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلًا فنهوا عنه ({إن ذلكم}) الانتظار والاستئناس ({كان يؤذي النبي}) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإشغاله فيما لا يعنيه ({فيستحيي منكم}) أي من إخراجكم فهو من تقدير المضاف بدليل قوله: ({والله لا يستحيي من الحق}) أي أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء ولهذا نهاكم وزجركم عنه قال في الكشاف وهذا أدب أدّب الله به الثقلاء وقال السمرقندي في الآية حفظ الأدب وتعليم الرجل إذا كان ضيفًا لا يجعل نفسه ثقيلًا بل إذا كل ينبغي أن يخرج ({وإذا سألتموهن متاعًا}) حاجة (فاسألوهن) المتاع ({من وراء حجاب}) أي ستر ({ذلكم}) أي الذي شرعته لكم من الحجاب ({أطهر لقلوبكم وقلوبهن}) من الريب لأن العين روزنة القلب فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب فهو عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر وهذه آية الحجاب وهي مما وافق تنزيلها قول عمر كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ({وما كان لكم}) وما صح لكم ({أن تؤذوا رسول الله}) أن تفعلوا شيئًا يكرهه ({ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا}) [الأحزاب: 53] بعد وفاته أو فراقه تعظيمًا له وإيجابًا لحرمته.
وفي حديث عكرمة عن ابن عباس مما رواه ابن أبي حاتم أن الآية نزلت في رجل همّ أن يتزوج بعض نساء النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- بعده قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال قد ذكروا ذاك، وكذا قال مقاتل وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك ({إن ذلكم}) أي إيذاءه ونكاح نسائه ({كان عند الله}) ذنبًا ({عظيمًا}) وسقط لأبي ذر قوله: غير ناظرين إناه الخ وقال بعد قوله: (إلى طعام) إلى قوله: (إن ذلكم كان عند الله عظيمًا يقال إناه) قال أبو عبيدة أي (إدراكه) وبلوغه ويقال (أنى) بفتح الهمزة والنون (يأنى) بسكون الهمزة وفتح النون (أناة) بفتح الهمزة والنون من غير همز آخره هاء تأنيث مقصور ولابن عساكر إناء بهمزة من غير هاء تأنيث وزاد أبو ذر: فهو آن). [إرشاد الساري: 7/298-300]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا مسدّدٌ عن يحيى عن حميدٍ عن أنسٍ، قال: قال عمر -رضي الله عنه-: قلت يا رسول اللّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب. فأنزل اللّه آية الحجاب.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) هو ابن سعيد القطان ولأبي ذر حدّثنا يحيى (عن حميد) الطويل (عن أنس) -رضي الله عنه- أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (-رضي الله عنه-: قلت: يا رسول الله يدخل عليك) في بيوتك (البر والفاجر) هو الفاسق وهو مقابل البر (فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله) تعالى (آية الحجاب}) وهذا طرف من حديث ذكره في باب ما جاء في القبلة من كتاب الصلاة وسورة البقرة أوله: وافقت ربي في ثلاث وقد تحصل من
جملة الأخبار لعمر من الموافقات خمسة عشر تسع لفظيات وأربع معنويات واثنتان في التوراة فأما اللفظيات فمقام إبراهيم حيث قال: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت والحجاب وأسارى بدر حيث شاوره -صلّى اللّه عليه وسلّم- فيهم فقال: يا رسول الله هؤلاء أئمة الكفر فاضرب أعناقهم فهوى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- ما قاله الصديق من إطلاقهم وأخذ الفداء فنزلت {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: 67] رواه مسلم وغيره وقوله لأمهات المؤمنين: لتكففن عن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكنّ فنزلت أخرجه أبو حاتم وغيره، وقوله لما اعتزل عليه الصلاة والسلام نساءه في المشربة يا رسول الله: إن كنت طلقت نساءك فإن الله عز وجل معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون فأنزل الله {وإن تظاهرا عليه} الآية، وأخذه بثوب النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- لما قام يصلّي على عبد الله بن أبي ومنعه من الصلاة عليه فأنزل الله {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا} [التوبة: 84] أخرجاه ولما نزل {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} قال عليه الصلاة والسلام: فلأزيدن على السبعين فأخذ في الاستغفار لهم فقال عمر: يا رسول الله والله لا يغفر الله لهم أبدًا استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فنزلت {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} أخرجه في الفضائل ولما نزل قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} إلى قوله: {أنشأناه خلقًا آخر} قال عمر: تبارك الله أحسن الخالقين رواه الواحدي في أسباب النزول.
وفي رواية فقال النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-: تزيد في القرآن يا عمر فنزل جبريل بها وقال إنها تمام الآية خرجها السجاوندي في تفسيره، ولما استشاره عليه الصلاة والسلام في عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فقال عمر: يا رسول الله من زوجكها. قال الله تعالى، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها {سبحانك هذا بهتان عظيم} فأنزلها الله تعالى ذكره صاحب الرياض عن رجل من الأنصار.
وأما المعنويات فروى ابن السمان في الموافقة أن عمر قال لليهود: أنشدكم بالله هل تجدون وصف محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم- في كتابكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم من اتباعه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا كان له من الملائكة كفيل وإن جبريل هو الذي يكفل محمدًا وهو عدوّنا من الملائكة وميكائيل سلمنا فلو كان هو الذي يأتيه لاتبعناه قال عمر فإني أشهد أنه ما كان ميكائيل ليعادي سلم جبريل وما كان جبريل ليسالم عدوّ ميكائيل فنزل {قل من كان عدوًا لجبريل} إلى قوله: {عدوّ للكافرين} [البقرة: 97].
وعند القلعي أن عمر كان حريصًا على تحريم الخمر وكان يقول: اللهم بين لنا في الخمر فإنها تذهب المال والعقل فنزل {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] الآية. فتلاها عليه عليه الصلاة والسلام فلم ير فيها بيانًا فقال: اللهم بين لنا فيها بيانًا شافيًا فنزل {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] فتلاها عليه، عليه الصلاة والسلام فلم ير فيها بيانًا شافيًا فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزل {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] الآية. فتلاها عليه عليه الصلاة والسلام فقال عمر عند ذلك: انتهينا يا رب انتهينا، وذكر الواحدي إنها نزلت في عمر ومعاذ ونفر من الأنصار، وعن ابن عباس أنه -صلّى اللّه عليه وسلّم- أرسل غلامًا من الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها فقال: يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] الآية رواه أبو الفرج وصاحب الفضائل، وقال بعد قوله: فدخل عليه وكان نائمًا وقد انكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم الدخول علينا في وقت نومنا فنزلت ولما نزل قوله تعالى: {ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين} [الواقعة: 13] بكى عمر وقال: يا رسول الله وقليل من الآخرين آمنا برسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وصدقناه ومن ينجو منا قليل، فأنزل الله تعالى: {ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين} [الواقعة: 39، 40] فدعاه رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-، وقال قد أنزل الله فيما قلت.
وأما موافقته لما في التوراة فعن طارق بن شهاب جاء رجل يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: أرأيت قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين} [آل عمران: 133] فأين النار؟ فقال لأصحاب النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-: أجيبوه فلم يكن عندهم منها شيء فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء أليس يملأ السماوات والأرض؟ قال: بلى. قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله عز وجل. قال عمر: فالنار حيث شاء الله عز وجل. قال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت أخرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة. وروي أن كعب الأحبار قال يومًا عند عمر بن الخطاب: ويل لملك الأرض من ملك السماء. فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها لتابعتها في كتاب الله عز وجل فخرّ عمر ساجدًا لله. اهـ.
ملخصًا من مناقب عمر من الرياض وزاد بعضهم آية الصيام في حل الرفث {ونساؤكم حرث لكم} [البقرة: 223] و {لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] إذ أفتى بقتل ونسخ الرسم لآية قد نزلت في الرجم وفي الأذان.
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الرّقاشيّ، حدّثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يقول، حدّثنا أبو مجلزٍ عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه- قال: لمّا تزوّج رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- زينب ابنة جحشٍ، دعا القوم فطعموا ثمّ جلسوا يتحدّثون، وإذا هو كأنّه يتهيّأ للقيام، فلم يقوموا، فلمّا رأى ذلك قام، فلمّا قام قام من قام وقعد ثلاثة نفرٍ، فجاء النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- ليدخل فإذا القوم جلوسٌ، ثمّ إنّهم قاموا، فانطلقت فجئت فأخبرت النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- أنّهم قد انطلقوا فجاء حتّى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل اللّه {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ}
[الأحزاب: 53] الآية. [الحديث 4791 - أطرافه في: 4792، 4793، 4794، 5154، 5163، 5166، 5168، 5170، 5171، 5466، 6228، 6229، 6271، 7421].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الرقاشي) بفتح الراء والقاف المشدّدة وبعد الألف معجمة فتحتية نسبة لرقاش بنت ضبيعة قال: (حدّثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي) سليمان بن طرخان (يقول: حدّثنا أبو مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وبعد اللام المفتوحة زاي لاحق بن حميد (عن أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه (قال: لما تزوج رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- زينب ابنة جحش) سنة ثلاث أو خمس أو غير ذلك ولأبي ذر بنت بإسقاط الألف (دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون) فأطالوا الجلوس (وإذا هو) عليه الصلاة والسلام (كأنه يتهيّأ للقيام) ليفطنوا لمراده فيقوموا لقيامه (فلم يقوموا) وكان عليه الصلاة والسلام يستحي أن يقول لهم قوموا (فلما رأى ذلك قام) لكي يقوموا ويخرجوا (فلما قام من قام وقعد ثلاثة نفر) لم يسموا يتحدثون في البيت وخرج عليه الصلاة والسلام (فجاء النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- ليدخل) على زينب (فإذا القوم جلوس) في بيتها فرجع عليه الصلاة والسلام (ثم أنهم قاموا) فخرجوا (فانطلقت فجئت فأخبرت النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- أنهم قد انطلقوا فجاء) عليه الصلاة والسلام (حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب) أي الستر (بيني وبينه فأنزل الله) تعالى ({يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية) [الأحزاب: 53] بعد خروج القوم.
- حدّثنا سليمان بن حربٍ، حدّثنا حمّاد بن زيدٍ عن أيّوب عن أبي قلابة، قال أنس بن مالكٍ: أنا أعلم النّاس بهذه الآية آية الحجاب: لمّا أهديت زينب إلى رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- كانت معه في البيت، صنع طعامًا ودعا القوم، فقعدوا يتحدّثون، فجعل النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- يخرج ثمّ يرجع، وهم قعودٌ يتحدّثون، فأنزل اللّه تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} -إلى قوله- {من وراء حجابٍ} فضرب الحجاب، وقام القوم.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم جده درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله الجرمي أنه قال: (قال أنس بن مالك) -رضي الله عنه- (أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب) بخفض آية الحجاب بدلًا من سابقتها (لما أهديت زينب بنت جحش -رضي الله عنها-) وزفت (إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى النبي (-صلّى اللّه عليه وسلّم-) وسقط لغير أبي ذر بنت جحش -رضي الله عنها- (كانت معه في البيت صنع طعامًا ودعا القوم فقعد ويتحدثون) بعد أن أكلوا (فجعل النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- يخرج) لكي يخرجوا (ثم يرجع) لبيت زينب (وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى) قبل خروجهم ({يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} -إلى قوله- {من وراء حجاب}) وسقط لأبي ذر {إلى طعام غير ناظرين إناه} (فضرب الحجاب) بضم الضاد مبنيًّا للمفعول (وقام القوم).
- حدّثنا أبو معمرٍ، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز بن صهيبٍ عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: بني على النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- بزينب ابنة جحشٍ بخبزٍ ولحمٍ، فأرسلت على الطّعام داعيًا فيجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون ثمّ يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتّى ما أجد أحدًا أدعو، فقلت: يا نبيّ اللّه ما أجد أحدًا أدعوه، قال: ارفعوا طعامكم وبقي ثلاثة رهطٍ يتحدّثون في البيت، فخرج النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السّلام عليكم، أهل البيت ورحمة اللّه». فقالت: وعليك السّلام ورحمة اللّه، كيف وجدت أهلك، بارك اللّه لك. فتقرّى حجر نسائه كلّهنّ، يقول لهنّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثمّ رجع النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فإذا ثلاثة رهطٍ في البيت يتحدّثون وكان النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- شديد الحياء فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة، فما أدري آخبرته أو أخبر أنّ القوم خرجوا، فرجع حتّى إذا وضع رجله في أسكفّة الباب داخلةً وأخرى خارجةً أرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري البصري قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب) البناني البصري (عن أنس -رضي الله عنه-) أنه (قال: بني) بضم الموحدة وكسر النون أي دخل (على النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- بزينب ابنة) ولأبي ذر بنت (جحش بخبز ولحم فأرسلت) بضم الهمزة وكسر السين وسكون اللام مبنيًّا للمفعول أي أرسلني النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- (على الطعام) حال كوني (داعيًا) القوم للأكل منه (فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت) القوم (حتى ما أجد أحدًا أدعو) بحذف ضمير المفعول (فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدًا أدعوه) بإثبات ضمير النصب ولأبوي ذر والوقت أدعو بحذفه (قال) عليه الصلاة والسلام ولابن عساكر فقال:
(ارفعوا طعامكم) ولأبي ذر والأصيلي فارفعوا بالفاء (وبقي ثلاثة رهط) لم يسموا (يتحدثون في البيت فخرج النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) ليخرجوا (فانطلق إلى حجرة عائشة) -رضي الله عنها- (فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله) وفي نسخة أبي ذر: رحمت الله بالتاء المجرورة كالتالية (فقالت) عائشة (وعليك السلام) وسقط لأبي ذر السلام (ورحمة الله. كيف وجدت أهلك) تريد زينب (بارك الله لك. فتقرى) بفتح الفوقية والقاف والراء المشددة مقصورًا من غير همز أي تتبع (حجر نسائه كلهن) بالجر تأكيد لنسائه (يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن) ولأبي ذر فيقلن الله كما قالت عائشة) -رضي الله عنه- قالت عائشة:
(ثم رجع النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون وكان النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- شديد الحياء) ولذا لم يواجههم بالأمر بالخروج بل تشاغل بالسلام على أمهات المؤمنين ليفطنوا لمراده (فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة) ففطنوا لمراده فخرجوا (فما أدري آخبرته) بمد الهمزة في الفرع كأصله (أو أخبر) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول والشك من أنس (أن القوم خرجوا فرجع) عليه الصلاة والسلام (حتى إذا وضع رجله) الشريفة (في أسكفة الباب) بضم الهمزة وسكون المهملة وضم الكاف وتشديد الفاء مفتوحة العتبة التي يوطأ عليها (داخلة) وفي نسخة داخله بهاء الضمير للباب (وأخرى خارجة) ولأبي ذر والأخرى بالتعريف خارجة بضمير الباب (أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب) بعد قيام القوم.
- حدّثنا إسحاق بن منصورٍ، أخبرنا عبد اللّه بن بكرٍ السّهميّ، حدّثنا حميدٌ عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: أولم رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- حين بنى بزينب ابنة جحشٍ فأشبع النّاس خبزًا ولحمًا ثمّ خرج إلى حجر أمّهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلّم عليهنّ ويدعو لهنّ، ويسلّمن عليه ويدعون له. فلمّا رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلمّا رآهما رجع عن بيته، فلمّا رأى الرّجلان نبيّ اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أخبر، فرجع حتّى دخل البيت وأرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى، حدّثني حميدٌ سمع أنسًا عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله بن بكر) بفتح الموحدة وسون الكاف (السهمي) الباهلي البصري قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس -رضي الله عنه-) أنه (قال: أولم رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- حين بنى بزينب ابنة) ولأبي ذر بنت (جحش فأشبع الناس خبزًا ولحمًا ثم خرج) عليه الصلاة والسلام والقوم جالسون يتحدثون بعد أن أكلوا (إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع) عليه الصلاة والسلام (صبيحة بنائه) أي صباحًا بعد ليلة الزفاف (فيسلم عليهن ويدعو لهن ويسلمن عليه ويدعون له) ولأبي ذر فيسلم عليهن ويسلمن عليه ويدعو لهن ويدعون له (فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث) في السابق فإذا ثلاثة. وأجاب البرماوي كالكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له والمحادثة كانت بينهما والثالث ساكن، وقال في الفتح: كان أحد الثلاثة فطن لمراد الرسول فخرج وبقي الاثنان (فلما رآهما رجع عن بيته فلما رأى الرجلان نبي الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- رجع عن بيته) وفهما مراده (وثبا مسرعين) قال أنس: (فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أخبر فرجع) عليه الصلاة والسلام (حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب) ظاهره كالسابق نزول الآية بعد قيام القوم إلا الثانية فقبله فأول بأنها نزلت حال قيامهم أي أنزلها الله وقد قاموا.
(وقال ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بين الحكم بن أبي مريم المصري ولأبي ذر إبراهيم ابن أبي مريم شيخ المؤلّف وذكر إبراهيم غلط فاحش (أخبرنا يحيى) بن أيوب الغافقي المصري قال: (حدّثني) بالإفراد (حميد) الطويل أنه (سمع أنسًا) -رضي الله عنه- (عن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) صرح حميد بالسماع من أنس فعنعنته غير مؤثرة.
- حدّثني زكريّا بن يحيى، حدّثنا أبو أسامة عن هشامٍ عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأةً جسيمةً لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطّاب فقال: يا سودة أما واللّه ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعةً ورسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- في بيتي، وإنّه ليتعشّى وفي يده عرقٌ، فدخلت فقالت: يا رسول اللّه إنّي خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا: قالت: فأوحى اللّه إليه، ثمّ رفع عنه وإنّ العرق في يده ما وضعه فقال: «إنّه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (زكريا بن يحيى) بن صالح البلخي الحافظ قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة -رضي الله عنها-) أنها (قالت: خرجت سودة) بنت زمعة أم المؤمنين -رضي الله عنها- (بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها) بضم الضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول (وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب) -رضي الله عنه- (فقال: يا سودة أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم وبعدها ألف حرف استفتاح ولأبي ذر أم بحذف الألف (والله ما تخفين علينا فانظر كيف تخرجين) ولعله قصد المبالغة في احتجاب أمهات المؤمنين بحيث لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات (قالت: فانكفأت) بالهمزة أي انقلبت حال كونها (راجعة ورسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- في بيتي وأنه) بالواو ولأبي ذر فإنه (ليتعشى وفي يده) ولأبوي ذر والوقت في يده بإسقاط الواو (عرق) بفتح العين وسكون الراء ثم قاف العظم الذي عليه اللحم (فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا قالت): أي عائشة (فأوحى الله إليه) ولأبي ذر فأوحي إليه بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (ثم رفع عنه) ما كان فيه من الشدة بسبب نزول الوحّي (وإن العرق) بفتح العين وسكون الراء (في يده ما وضعه) والجملة حالية (فقال: إنه) أي أن الشأن (قد أذن) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (لكنّ أن تخرجن لحاجتكن) دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج، وفيه تنبيه على أن المراد بالحجاب التستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء لا حجب أشخاصهن في البيوت والمراد بالحاجة البراز كما وقع في الوضوء من تفسير هشام بن عروة وقال الكرماني وتبعه البرماوي فإن قلت: قال ها هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب، وقال في كتاب الوضوء في باب خروج النساء إلى البراز أنه قبل الحجاب قلت لعله وقع مرتين اهـ.
ومراده أن خروج سودة للبراز وقول عمر لها ما ذكر وقع مرتين لا وقوع الحجاب، وقول الحافظ ابن حجر عقب جواب الكرماني، قلت: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني وذكره العيني وأقره فيه نظر إذ ليس في الحديث ما يدل لذلك بل ولا أعلم أحدًا قال بتعدّد الحجاب. نعم يحتمل أن يكون مراده الحجاب الثاني بالنظر لإرادة عمر -رضي الله عنه- أن يحتجبن في البيوت فلا يبدين أشخاصهن فوقع الإذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة كما صرح هو به في الفتح وليس المراد نزول الحجاب مرتين على نوعين، وأما قوله أيضًا تقدم في كتاب الطهارة
من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهر رواية الزهري هذه عن عروة يعني رواية هذا الباب فليس كذلك فإن رواية هذا الباب إنما هي من طريق هشام بن عروة عن أبيه والسابقة المصرحة بالقبلية من طريق الزهري عن عروة فلعلّه سبق قلم.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بعد ما ضرب الحجاب). [إرشاد الساري: 7/300-304]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا أشهل بن حاتمٍ، قال: ابن عونٍ، حدّثناه عن عمرو بن سعيدٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: كنت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأتى باب امرأةٍ عرّس بها فإذا عندها قومٌ فانطلق فقضى حاجته فاحتبس، ثمّ رجع وعندها قومٌ فانطلق فقضى حاجته فرجع وقد خرجوا قال: فدخل وأرخى بيني وبينه سترًا قال: فذكرته لأبي طلحة، قال: فقال: لئن كان كما تقول لينزلنّ في هذا شيءٌ قال: فنزلت آية الحجاب.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، من هذا الوجه). [سنن الترمذي: 5/209]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا قتيبة، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان الضّبعيّ، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس بن مالكٍ قال: تزوّج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فدخل بأهله، قال: فصنعت أمّي أمّ سليمٍ حيسًا فجعلته في تورٍ فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقل له: بعثت بهذا إليك أمّي وهي تقرئك السّلام وتقول: إنّ هذا لك منّا قليلٌ يا رسول الله، قال: فذهبت به إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: إنّ أمّي تقرئك السّلام وتقول: إنّ هذا منّا لك قليلٌ، فقال: ضعه، ثمّ قال: اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا وفلانًا ومن لقيت، فسمّى رجالاً، قال: فدعوت من سمّى ومن لقيت، قال: قلت لأنسٍ: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاث مائةٍ قال: وقال لي رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: يا أنس هات ب التّور قال: فدخلوا حتّى امتلأت الصّفّة والحجرة، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: ليتحلّق عشرةٌ عشرةٌ وليأكل كلّ إنسانٍ ممّا يليه، قال: فأكلوا حتّى شبعوا، قال: فخرجت طائفةٌ ودخلت طائفةٌ حتّى أكلوا كلّهم، قال: فقال لي: يا أنس ارفع قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس طوائف منهم يتحدّثون في بيت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم جالسٌ وزوجته مولّيةٌ وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فسلّم على نسائه ثمّ رجع، فلمّا رأوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قد رجع ظنّوا أنّهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب فخرجوا كلّهم، وجاء رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى أرخى السّتر ودخل وأنا جالسٌ في الحجرة فلم يلبث إلاّ يسيرًا حتّى خرج عليّ وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأهنّ على النّاس {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ} إلى آخر الآية.
قال الجعد، قال أنسٌ: أنا أحدث النّاس عهدًا بهذه الآيات وحجبن نساء رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
والجعد هو ابن عثمان، ويقال هو: ابن دينارٍ ويكنى: أبا عثمان، بصريٌّ، وهو ثقةٌ عند أهل الحديث روى عنه يونس بن عبيدٍ وشعبة وحمّاد بن زيدٍ). [سنن الترمذي: 5/210-211]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عمر بن إسماعيل بن مجالدٍ قال: حدّثني أبي، عن بيانٍ، عن أنس بن مالكٍ قال: بنى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بامرأةٍ من نسائه فأرسلني فدعوت قومًا إلى الطّعام فلمّا أكلوا وخرجوا قام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم منطلقًا قبل بيت عائشة فرأى رجلين جالسين، فانصرف راجعًا، فقام الرّجلان فخرجا فأنزل اللّه عزّ وجلّ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} وفي الحديث قصّةٌ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديث بيانٍ وروى ثابتٌ، عن أنسٍ، هذا الحديث بطوله). [سنن الترمذي: 5/211-212]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فلمّا قضى زيدٌ منها وطرًا}
- أخبرنا سويد بن نصرٍ، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: لمّا انقضت عدّة زينب، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لزيدٍ: «اذكرها عليّ»، قال زيدٌ: فانطلقت فقلت: يا زينب أبشري، أرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا حتّى أؤامر ربّي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى دخل عليها بغير إذنٍ
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا الملائيّ، حدّثنا عيسى بن طهمان، قال: سمعت أنسًا، يقول: كانت زينب تفخر على نساء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله عزّ وجلّ أنكحني من السّماء»، وفيها نزلت آية الحجاب، خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهم قعودٌ، ثمّ رجع وهم قعودٌ في البيت، حتّى رئي ذلك في وجهه، فأنزل الله عزّ وجلّ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/221-222] (م)
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم}
- أخبرنا محمّد بن عبد الأعلى، حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي عثمان، عن أنسٍ، قال: لمّا تزوّج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم زينب أهدت إليه أمّ سليمٍ حيسًا في تورٍ من حجارةٍ، قال أنسٌ: قال لي: «اذهب فادع من لقيت من المسلمين»، فدعوت له من لقيت، فجعلوا يدخلون فيأكلون ويخرجون، ووضع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يده في الطّعام فدعا فيه، وقال ما شاء الله أن يقول، ولم أدع أحدًا لقيته إلّا دعوته، فأكلوا حتّى شبعوا، وخرجوا وبقي طائفةٌ منهم، فأطالوا عليه الحديث، فجعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستحيي أن يقول لهم شيئًا، فخرج وتركهم في البيت، فأنزل الله عزّ وجلّ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53]
- أخبرنا محمّد بن حاتم بن نعيمٍ، قال: أخبرنا سويدٌ، قال: أخبرنا عبد الله، عن شريكٍ، عن بيان بن بشرٍ، قال: سمعت أنس بن مالكٍ، يقول في هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] قال: " بنى نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم ببعض نسائه، فصنعوا طعامًا، فأرسلوا فدعوت رجالًا فأكلوا، ثمّ قام فخرج، فأتى بيت عائشة وتبعته، فدخل فوجد في بيتها رجلين، فلمّا رآهما رجع ولم يكلّمهما، فقاما فخرجا، ونزلت آية الحجاب {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53]
[السنن الكبرى للنسائي: 10/224]
11354 - أخبرنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا خالدٌ، قال: حدّثنا حميدٌ، أنّ أنسًا، قال: قال عمر: قلت: «يا رسول الله، يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو حجبت أمّهات المؤمنين، فأنزل الله عزّ وجلّ آية الحجاب»
- أخبرني زكريّا بن يحيى، قال: حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن مسعرٍ، عن موسى بن أبي كثيرٍ، عن مجاهدٍ، عن عائشة، قالت: كنت آكل مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيسًا في قعبٍ، فمرّ عمر فدعاه فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حسّ، لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عينٌ، فنزل الحجاب "
- أخبرنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا المعتمر، عن أبيه، قال: حدّثنا أبو مجلزٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: " لمّا تزوّج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم زينب بنت جحشٍ دعا القوم فطعموا، ثمّ جلسوا يتحدّثون، قال: فأخذ كأنّه يتهيّأ للقيام فلم يقوموا، فلمّا رأى ذلك قام من قام من القوم، وقعد ثلاثةٌ، قال: وإنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاء ليدخل، فإذا القوم جلوسٌ، ثمّ إنّهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّهم قد انطلقوا، فجاء حتّى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله عزّ وجلّ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] إلى {إنّ ذلكم كان عند الله عظيمًا} [الأحزاب: 53]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/224-225]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ}
- أخبرنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا أبو قتيبة، قال: حدّثنا عيسى بن طهمان، قال: سمعت أنس بن مالكٍ، يقول: {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} [الأحزاب: 53] قال: نزلت في زينب بنت جحشٍ "
- أخبرنا عليّ بن حجرٍ، عن إسماعيل، قال: حدّثنا عبد الله بن دينارٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجلٍ بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلّا موضع لبنةٍ من زاويةٍ من زواياه، فجعل النّاس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون له: هلّا وضعت هذه اللّبنة، فأنا موضع اللّبنة، وأنا خاتم النّبيّين "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/225-226]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيمًا}.
يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا أيّها الّذين آمنوا باللّه ورسوله، لا تدخلوا بيوت نبيّ اللّه إلاّ أن تدعوا إلى طعامٍ تطعمونه {غير ناظرين إناه} يعني: غير منتظرين إدراكه وبلوغه؛ وهو مصدرٌ من قولهم: قد أنّى هذا الشّيء يأني إنّي وأنيا وإناءً؛ قال الحطيئة:
وآنيت العشاء إلى سهيلٍ = أو الشّعرى فطال بي الأناء
وفيه لغةٌ أخرى، يقال: قد آن لك: أي يئين لك أينًا، ونال لك، وأنال لك؛ ومنه قول رؤبة بن العجّاج:
هاجت ومثلي نوله أن يربعا = حمامةٌ ناخت حمامًا سجّعا
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} قال: متحيّنين نضجه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ {غير ناظرين إناه} يقول: غير ناظرين الطّعام أن يصنع.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة {غير ناظرين إناه} قال: غير متحيّنين طعامه.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، مثله.
ونصب {غير} في قوله: {غير ناظرين إناه} على الحال من الكاف والميم في قوله: {إلاّ أن يؤذن لكم} لأنّ الكاف والميم معرفةٌ وغير نكرةٍ، وهي من صفة الكاف والميم.
وكان بعض نحويّي البصرة يقول: لا يجوز في غير الجرّ على الطّعام، إلاّ أن تقول: أنتم، ويقول: ألا ترى أنّك لو قلت: أبدى لعبد اللّه عليٌّ امرأةً مبغضًا لها، لم يكن فيه إلاّ النّصب، إلاّ أن تقول: مبغضٌ لها هو، لأنّك إذا أجريت صفته عليها، ولم تظهر الضّمير الّذي يدلّ على أنّ الصّفة له لم يكن كلامًا، لو قلت: هذا رجلٌ مع امرأةٍ ملازمها، كان لحنًا، حتّى ترفع، فتقول ملازمها، أو تقول ملازمها هو، فتجرّ.
وكان بعض نحويّي الكوفة يقول: لو جعلت غير في قوله: {غير ناظرين إناه} خفضًا كان صوابًا، لأنّ قبلها الطّعام وهو نكرةٌ، فيجعل فعلهم تابعًا للطّعام، لرجوع ذكر الطّعام في إناه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا مع امرأةٍ محسنًا إليها ومحسنٌ إليها، فمن قال محسنًا جعله من صفة زيدٍ، ومن خفضه فكأنّه قال: رأيته مع الّتي يحسن إليها؛ فإذا صارت الصّلة للنكرة أتبعتها وإن كانت فعلاً لغير النّكرة، كما قال الأعشى:
فقلت له هذه هاتها = إلينا بأدماءٍ مقتادها
فجعل المقتاد تابعًا لإعراب (بأدماء)، لأنّه بمنزلة قولك: بأدماء تقتادها، فخفضه، لأنّه صلةً لها، قال: وينشد: بأدماء مقتادها بخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد، قال: ومعناه: هاتها على يدي من اقتادها وأنشد أيضًا:
وإنّ امرأً أهدى إليك ودونه = من الأرض موماةٌ وبيداء فيهق
لمحقوقةٌ أن تستجيبي لصوته = وأن تعلمي أنّ المعان موفّق
وحكي عن بعض العرب سماعًا ينشد:
أرأيت إذ أعطيتك الودّ كلّه = ولم يك عندي إن أبيت إباء
أمسلمتي للموت أنت فميّتٌ = وهل للنّفوس المسلمات بقاء
ولم يقل: فميّتٌ أنا، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك باسطها، يريدون أنت، وهو كثيرٌ في الكلام، قال: فعلى هذا يجوز خفض (غير).
والصّواب من القول في ذلك عندنا، القول بإجازة جرّ {غير} في: {غير ناظرين} في الكلام، لا في القراءة، لما ذكرنا من الأبيات الّتي حكيناها؛ فأمّا في القراءة فغير جائزٍ في {غير} غير النّصب، لإجماع الحجّة من القرّاء على نصبها.
وقوله: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا} يقول: ولكن إذا دعاكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فادخلوا البيت الّذي أذن لكم بدخوله {فإذا طعمتم فانتشروا} يقول: فإذا أكلتم الطّعام الّذي دعيتم لأكله فانتشروا، يعني فتفرّقوا واخرجوا من منزله {ولا مستأنسين لحديثٍ} يقول تعالى ذكره: لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه وغير مستأنسين لحديثٍ، وقوله: {ولا مستأنسين لحديثٍ} في موضع خفضٍ عطفًا به على {ناظرين}، كما يقال في الكلام: أنت غير ساكتٍ ولا ناطقٍ وقد يحتمل أن يقال: {مستأنسين} في موضع نصبٍ عطفًا على معنى ناظرين، لأنّ معناه: إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ لا ناظرين إناه، فيكون قوله: {ولا مستأنسين} نصبًا حينئذٍ، والعرب تفعل ذلك إذا حالت بين الأوّل والثّاني، فتردّ أحيانًا على لفظ الأوّل، وأحيانًا على معناه، وقد ذكر الفرّاء أنّ أبا القمقام أنشده:
أجدك لست الدّهر رائي رامةٍ = ولا عاقلٍ إلاّ وأنت جنيب
ولا مصعدٍ في المصعدين لمنعجٍ = ولا هابطٍ ما عشت هضب شطيب
فردّ مصعدٌ على أنّ رائي فيه باءٌ خافضةٌ، إذ حال بينه وبين المصعد ممّا حال بينهما من الكلام.
ومعنى قوله: {ولا مستأنسين لحديثٍ} ولا متحدّثين بعد فراغكم من أكل الطّعام إيناسًا من بعضكم لبعضٍ به.
- كما حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ {ولا مستأنسين لحديثٍ} بعد أن تأكلوا.
واختلف أهل العلم في السّبب الّذي نزلت هذه الآية فيه، فقال بعضهم: نزلت بسبب قومٍ طعموا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في وليمة زينب بنت جحشٍ، ثمّ جلسوا يتحدّثون في منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وبرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أهله حاجةٌ، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عمران بن موسى القزّاز، قال: حدّثنا عبد الوارث، قال: حدّثنا عبد العزيز بن صهيبٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: بنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب بنت جحشٍ، فبعثت داعيًا إلى الطّعام، فدعوت، فيجيء القوم يأكلون ويخرجون ثمّ يجيء القوم يأكلون ويخرجون، فقلت: يا نبيّ اللّه قد دعوت حتّى ما أجد أحدًا أدعوه، قال: ارفعوا طعامكم، وإنّ زينب لجالسةٌ في ناحية البيت، وكانت قد أعطيت جمالاً، وبقي ثلاثة نفرٍ يتحدّثون في البيت، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منطلقًا نحو حجرة عائشة، فقال: السّلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السّلام يا رسول اللّه، كيف وجدت أهلك؟ قال: فأتى حجر نسائه، فقالوا مثل ما قالت عائشة، فرجع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فإذا الثّلاثة يتحدّثون في البيت، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الحياء، فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم منطلقًا نحو حجرة عائشة، فلا أدري أخبرته، أو أخبر أنّ الرّهط قد خرجوا، فرجع حتّى وضع رجله في أسكفّةٍ داخل البيت، والأخرى خارجه، إذ أرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
- حدّثني أبو معاوية بشر بن دحية، قال: حدّثنا سفيان، عن الزّهريّ، عن أنس بن مالكٍ، قال: سألني أبيّ بن كعبٍ عن الحجاب، فقلت: أنا أعلم النّاس به، نزلت في شأن زينب؛ أولم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليها بتمرٍ وسويقٍ، فنزلت: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم} إلى قوله: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ}.
- حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن بن وهبٍ، قال: حدّثني عمّي، قال: أخبرني يونس، عن الزّهريّ، قال: أخبرني أنس بن مالك: أنّه كان ابن عشر سنين عند مقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة، فكنت أعلم النّاس بشأن الحجاب حين أنزل لقد كان أي: أبيّ بن كعبٍ يسألني عنه. قال: وكان أوّل ما أنزل في مبتنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب بنت جحشٍ؛ أصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بها عروسًا، فدعا القوم فأصابوا من الطّعام ثمّ خرجوا، وبقي منهم رهطٌ عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأطالوا المكث، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومشيت معه، حتّى جاء عتبة حجرة عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ ظنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتّى دخل على زينب، فإذا هم جلوسٌ لم يقوموا، فرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب بيني وبينه سترًا، وأنزل الحجاب.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: دعوت المسلمين إلى وليمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، صبيحة بنى بزينب بنت جحشٍ، فأوسعهم خبزًا ولحمًا، ثمّ رجع كما كان يصنع، فأتى حجر نسائه فسلّم عليهنّ، فدعون له، ورجع إلى بيته وأنا معه؛ فلمّا انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت، فلمّا أبصرهما ولّى راجعًا؛ فلمّا رأيا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ولّى عن بيته، ولّيا مسرعين، فلا أدري أنا أخبرته، أو أخبر فرجع إلى بيته، فأرخى السّتر بيني وبينه، ونزلت آية الحجاب.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: قال عمر بن الخطّاب: قلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لو حجبت عن أمّهات المؤمنين، فإنّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب.
- حدّثني القاسم بن بشر بن معروفٍ، قال: حدّثنا سليمان بن حربٍ، قال: حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، عن أيّوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالكٍ، قال: أنا أعلم النّاس بهذه الآية، آية الحجاب؛ لمّا أهديت زينب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صنع طعامًا، ودعا القوم، فجاؤوا فدخلوا وزينب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في البيت، وجعلوا يتحدّثون، وجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخرج ثمّ يدخل وهم قعودٌ، قال: فنزلت هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ} إلى: {فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} قال: فقام القوم وضرب الحجاب.
- حدّثني عمر بن إسماعيل بن مجالدٍ، قال: حدّثنا أبي، عن بيانٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: بنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بامرأةٍ من نسائه، فأرسلني، فدعوت قومًا إلى الطّعام؛ فلمّا أكلوا وخرجوا، قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منطلقًا قبل بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين، فانصرف راجعًا، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم}.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا المسعوديّ، قال: حدّثنا أبو نهشلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللّه، قال: أمر عمر نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطّاب، إنّك لتغار علينا، والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزل اللّه: {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ}.
- حدّثني محمّد بن مرزوقٍ، قال: حدّثنا أشهل بن حاتمٍ، قال: حدّثنا ابن عونٍ، عن عمرو بن سعدٍ، عن أنسٍ قال: وكنت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان يمرّ على نسائه، قال: فأتى بامرأةٍ عروسٍ، ثمّ جاء وعندها قومٌ، فانطلق فقضى حاجته، واحتبس وعاد وقد خرجوا؛ قال: فدخل فأرخى بيني وبينه سترًا قال: فحدّثت أبا طلحة، فقال: إن كان كما تقول: لينزلنّ في هذا شيءٌ، قال: ونزلت آية الحجاب.
وقال آخرون: كان ذلك في بيت أمّ سلمة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ} قال: كان هذا في بيت أمّ سلمة، قال: أكلوا، ثمّ أطالوا الحديث، فجعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يدخل ويخرج ويستحيي منهم، واللّه لا يستحيي من الحقّ.
- قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} قال: بلغنا أنّهنّ أمرن بالحجاب عند ذلك.
وقوله: {إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ} يقول: إنّ دخولكم بيوت النّبيّ من غير أن يؤذن لكم، وجلوسكم فيها مستأنسين للحديث بعد فراغكم من أكل الطّعام الّذي دعيتم له، كان يؤذي النّبيّ، فيستحيي منكم أن يخرجكم منها إذا قعدتم فيها للحديث بعد الفراغ من الطّعام، أو يمنعكم من الدّخول إذا دخلتم بغير إذنٍ مع كراهيته لذلك منكم {واللّه لا يستحيي من الحقّ} أن يتبيّن لكم، وإن استحيا نبيّكم فلم يبيّن لكم كراهيته ذلك؛ حياءً منكم {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} يقول: وإذا سألتم أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونساء المؤمنين اللّواتي لسن لكم بأزواجٍ متاعًا {فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} يقول: من وراء سترٍ بينكم وبينهنّ، ولا تدخلوا عليهنّ بيوتهنّ {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ} يقول تعالى ذكره: سؤالكم إيّاهنّ المتاع إذا سألتموهنّ ذلك من وراء حجابٍ أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ من عوارض العين فيها الّتي تعرض في صدور الرّجال من أمر النّساء، وفي صدور النّساء من أمر الرّجال، وأحرى من أن لا يكون للشّيطان عليكم وعليهنّ سبيلٌ.
وقد قيل: إنّ سبب أمر اللّه النّساء بالحجاب، إنّما كان من أجل أنّ رجلاً كان يأكل مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وعائشة معهما، فأصابت يدها يد الرّجل، فكره ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجلٍ منهم يد عائشة، فكره ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزلت آية الحجاب.
وقيل: نزلت من أجل مسألة عمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، ويعقوب، قالا: حدّثنا هشيمٌ، قال: حدّثنا حميدٌ الطّويل، عن أنسٍ، قال: قال عمر بن الخطّاب: قلت: يا رسول اللّه إنّ نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن؟ قال: فنزلت آية الحجاب.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا حميدٌ، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه.
- حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن، قال: حدّثني عمّي عبد اللّه بن وهبٍ، قال: حدّثني يونس، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: إنّ أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كنّ يخرجن باللّيل إذا تبرّزن إلى المناصع وهو صعيدٌ أفيح، وكان عمر يقول: يا رسول اللّه، احجب نساءك، فلم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وكانت امرأةٌ طويلةٌ، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصًا أن ينزل الحجاب، قال: فأنزل اللّه الحجاب.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن نميرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجت سودة لحاجتها بعدما ضرب علينا الحجاب، وكانت امرأةً تفرع النّساء طولاً، فأبصرها عمر، فناداها: يا سودة، إنّك واللّه ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، أو كيف تصنعين؟ فانكفأت فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإنّه ليتعشّى، فأخبرته بما كان، وما قال لها، وإنّ في يده لعرقًا، فأوحي إليه، ثمّ رفع عنه، وإنّ العرق لفي يده، فقال: لقد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ.
- حدّثني أحمد بن محمّدٍ الطّوسيّ، قال: حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدّثنا همّامٌ، قال: حدّثنا عطاء بن السّائب، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: أمر عمر نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطّاب، إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟ فأنزل اللّه: {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ}.
- حدّثني أبو أيّوب البهرانيّ سليمان بن عبد الحميد، قال: حدّثنا يزيد بن عبد ربّه، قال: حدّثني ابن حربٍ، عن الزّبيديّ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة أنّ أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، كنّ يخرجن باللّيل إذا تبرّزن إلى المناصع وهو صعيد أفيحٍ؛ وكان عمر بن الخطّاب يقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: احجب نساءك، فلم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليلةً من اللّيالي عشاءً، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصًا على أن ينزل الحجاب، قالت عائشة: فأنزل اللّه الحجاب، قال اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا} الآية.
وقوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه} يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول اللّه، وما يصلح ذلك لكم {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا} يقول: وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا لأنّهنّ أمّهاتكم، ولا يحلّ للرّجل أن يتزوّج أمّه.
وذكر أنّ ذلك نزل في رجلٍ كان يدخل قبل الحجاب، قال: لئن مات محمّدٌ لأتزوّجنّ امرأةً من نسائه سمّاها، فأنزل اللّه تبارك وتعالى في ذلك: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا}.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيمًا} قال: ربّما بلغ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الرّجل يقول: لو أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم توفّي تزوّجت فلانة من بعده، قال: فكان ذلك يؤذي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزل القرآن: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه} الآية.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ: أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مات، وقد ملك قيلة بنت الأشعث، فتزوّجها عكرمة بن أبي جهلٍ بعد ذلك، فشقّ على أبي بكرٍ مشقّةً شديدةً، فقال له عمر: يا خليفة رسول اللّه إنّها ليست من نسائه إنّها لم يخيّرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يحجبها، وقد برّأها منه بالرّدّة الّتي ارتدّت مع قومها، فاطمأنّ أبو بكرٍ وسكن.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توفّي وقد ملك بنت الأشعث بن قيسٍ، ولم يجامعها، ذكر نحوه.
وقوله: {إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيمًا} يقول: إنّ أذاكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونكاحكم أزواجه من بعده عند اللّه عظيمٌ من الإثم). [جامع البيان: 19/157-170]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم نا آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد غير ناظرين إناه يعني غير متحينين نضجه). [تفسير مجاهد: 519-520]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم نا آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ولا مستأنسين لحديث يعني بعد أن تأكلوا). [تفسير مجاهد: 520]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن أبي عثمان، عن أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه، قال: لمّا تزوّج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم زينب بعثت أمّ سليمٍ حيسًا في تورٍ من حجارةٍ قال أنسٌ: فقال لي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اذهب فادع من لقيت من المسلمين» فذهبت فما رأيت أحدًا إلّا دعوته، قال: ووضع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يده في الطّعام ودعا فيه، وقال: «ما شاء اللّه» قال: فجعلوا يأكلون ويخرجون وبقيت طائفةٌ في البيت، فجعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستحي منهم وأطالوا الحديث فخرج رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وتركهم في البيت فأنزل اللّه {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] يعني غير متحيّنين حتّى بلغ {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ} [الأحزاب: 53] «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/452]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت س) أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أنّه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكنّ أمّهاتي يواظبنني على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخدمته عشر سنين، وتوفّي النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا ابن عشرين سنة، وكنت أعلم النّاس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما نزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش: أصبح النبيّ صلى الله عليه وسلم عروساً بها فدعا القوم فأصابوا الطعام، ثم خرجوا وبقي رهطٌ منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأطالوا المكث، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى النبيّ صلى الله عليه وسلم ومشيت، حتّى جاء عتبة حجرة عائشة، ثم ظنّ أنهم خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ورجعت معه، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة ظنّ أنهم خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم بيني وبينه بالسّتر، وأنزل الحجاب.
زاد في رواية: أنا أعلم النّاس بالحجاب، وكان أبيّ بن كعب يسألني عنه. هذه رواية البخاري ومسلم.
وللبخاري من رواية الجعد عن أنس، قال: مرّ بنا أنسٌ في مسجد بني رفاعة، فسمعته يقول: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا مرّ بجنبات أمّ سليم دخل [عليها] فسلّم عليها، ثم قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم عروساً بزينب، فقالت لي أمّ سليم: لو أهدينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هديّة؟ فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمرٍ وسمنٍ وأقطٍ، فاتخذت حيسة في برمةٍ، فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، فقال [لي]: ضعها، ثمّ أمرني، فقال: ادع لي رجالاً سمّاهم، وادع لي من لقيت، قال: ففعلت الذي أمرني، فرجعت، فإذا البيت غاصٌّ بأهله، ورأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منه، ويقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كلّ رجل ممّا يليه، حتى تصدّعوا كلّهم، فخرج من خرج، وبقي نفرٌ يتحدّثون، ثم خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم نحو الحجرات، وخرجت في إثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت وأرخى السّتر، وإنّي لفي الحجرة، وهو يقول: {يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إن ذلكم كان يؤذي النبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ} [الأحزاب: 53].
وقال الجعد: قال أنس: إنّه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين.
ولمسلم من رواية الجعد أيضاً قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل بأهله، قال: فصنعت أمّي أمّ سليم حيساً، فجعلته في تورٍ، فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقل: بعثت بهذا إليك أمّي، وهي تقرئك السلام، وتقول: إنّ هذا لك منّا قليلٌ، فقال: ضعه، ثم قال: «اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً [وفلاناً] ومن لقيت»، قال: فدعوت من سمّى ومن لقيت، قال: قلت لأنسٍ: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائةٍ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس، هات التّور، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصّفّة والحجرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليتحلّق عشرةٌ عشرة، وليأكل كلّ إنسانٍ مما يليه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفةٌ، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلّهم، فقال لي: يا أنس، ارفع، فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر، أم حين رفعت؟ قال: وجلس طوائف منهم يتحدّثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ، وزوجته مولّيةٌ وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم على نسائه ثم رجع، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع، ظنّوا أنهم قد ثقلوا [عليه]، قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلّهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أرخى السّتر، ودخل وأنا جالسٌ في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيراً، حتى خرج عليّ، وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأهنّ على الناس: {يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبيّ إلا أن يؤذن لكم... } إلى آخر الآية، قال: الجعد: قال أنس: أنا أحدث الناس عهداً بهذه الآيات، وحجبن نساء النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي أخرى للبخاري قال: بنى النبيّ صلى الله عليه وسلم بزينب، فأولم بخبزٍ ولحمٍ، فأرسلت على الطعام داعياً، فيجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعو، فقلت: يا نبيّ الله، ما أجد أحداً أدعو، قال: «ارفعوا طعامكم» وبقي ثلاثة رهطٍ يتحدّثون في البيت، فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله»، وقالت: وعليك السّلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرّى حجر نسائه كلّهنّ، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثمّ رجع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا رهطٌ ثلاثةٌ في البيت يتحدّثون، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فخرج منطلقاً نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أو أخبر أنّ القوم قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أسكفّة الباب داخلة، وأخرى خارجة، أرخى السّتر بيني وبينه، وأنزل الحجاب.
وفي أخرى له قال: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنى بزينب بنت جحشٍ، فأشبع النّاس خبزاً ولحماً، وخرج إلى حجر أمّهات المؤمنين، كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلّم عليهنّ ويدعو لهنّ، ويسلّمن عليه ويدعون له، فلما رجع إلى بيته، رأى رجلين، جرى بهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرّجلان أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أو أخبر؟ فرجع حتّى دخل البيت، وأرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
وأخرج الترمذي من هذه الروايات رواية الجعد التي أخرجها مسلم.
وله في رواية أخرى قال: بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأةٍ من نسائه، فأرسلني، فدعوت له قوماً إلى الطعام، فلمّا أكلوا وخرجوا، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم منطلقاً قبل بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين، فانصرف راجعاً، فقام الرّجلان فخرجا، فأنزل الله {يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه }. قال: وفي الحديث قصةٌ. وقد أخرج البخاري هذه الرواية مختصرة قال: بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأةٍ، فأرسلني، فدعوت رجالاً إلى الطعام، لم يزد على هذا، ولم يسمّها.
وللترمذي من طريق آخر قال: كنت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأتى باب امرأةٍ عرّس بها، فإذا عندها قومٌ، فانطلق يقضي حاجته واحتبس، ثم رجع وعندها قومٌ، فانطلق، فقضى حاجته، فرجع وقد خرجوا، قال: فدخل وأرخى بيني وبينه ستراً، قال: فذكرته لأبي طلحة، قال: فقال: لئن كان كما تقول لينزلنّ في هذا شيءٌ. قال: فنزلت آية الحجاب. وأخرج النسائي من هذه الروايات: رواية مسلم من طريق الجعد.
[شرح الغريب]
(مبتنى) الابتناء بالمرأة: الدخول بها، وكذلك البناء، والأصل فيه: أن الرجل كان إذا تزوج امرأة، بنى عليها قبة ليدخل بها فيها.
قال الجوهري: ولا يقال: بنى بأهله، إنما يقال: بنى على أهله.
(عروساً) العروس: يطلق على الرجل وعلى المرأة أيام دخول أحدهما بالآخر.
(رهط) الرهط: ما بين الثلاث إلى التسع من الرجال.
(بجنبات) جنبات الإنسان: نواحيه.
(أقط) الأقط: لبن مجفف يابس صلب.
(حيسة) الحيسة: خلط من تمر وسمن وأقط.
(برمة) البرمة: القدر من الحجر المعروف بالحجاز، والبرمة: القدر مطلقاً.
(زهاء) يقال: القوم زهاء مائة، أي: قدر مائة.
(تصدّعوا) أي: تفرقوا.
(ليتحلق) التحلق: أن يصير القوم حلقة مجتمعة.
(أولم) الوليمة: طعام العرس.
(فتقرّى) تقرّى: مثل استقرى، أي: تتبع شيئاً فشيئاً.
(إناه) الإنا مقصور: النضج). [جامع الأصول: 2/311-317]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م) عائشة - رضي الله عنها -: أنّ أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم كنّ يخرجن باللّيل قبل المناصع - وهو صعيدٌ أفيح - وكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ليلة من الليالي عشاءاً - وكانت امرأة طويلة - فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب.
وفي رواية: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلاً إلى ليلٍ قبل المناصع، وذكر نحوه.
وفي أخرى قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة تفرع النّساء جسماً، لا تخفى على من يعرفها - فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودة، [أما والله] ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشّى وفي يده عرقٌ، فدخلت، فقالت: يا رسول الله، إني خرجت، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحي إليه، ثمّ رفع عنه وإنّ العرق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ، قال هشامٌ: يعني: البراز. أخرجه البخاري، ومسلم.
[شرح الغريب]
(المناصع): المواضع الخالية لقضاء الحاجة من الغائط والبول، وقد ذكرت.
(صعيد) الصعيد: وجه الأرض.
(أفيح) الأفيح: الواسع.
(جسيمة) امرأة جسيمة: عظيمة الجسم.
(تفرع) النساء طولاً، أي: تطولهن.
(فانكفأت) الانكفاء: الرجوع.
(عرق) العرق: العظم الذي يقشر عنه معظم اللحم، ويبقى [عليه] منه بقية). [جامع الأصول: 2/321-323]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} [الأحزاب: 53].
- «عن عائشة قالت: كنت آكل مع النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - في قعبٍ، فمرّ عمر فدعاه فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حسّ أو أوه، لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عينٌ، فنزلت آية الحجاب».
رواه الطّبرانيّ في الأوسط، ورجاله رجال الصّحيح غير موسى بن أبي كثيرٍ وهو ثقةٌ.
- «وعن أنسٍ قال: لمّا نزلت آية الحجاب جئت أدخل كما كنت أدخل، فقال لي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " وراءك يا بنيّ» ". قلت: له حديثٌ في الصّحيح غير هذا.
رواه أبو يعلى، وفيه سلمٌ العلويّ وهو ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 7/93]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أبو يعلى الموصليّ: ثنا وهب بن بقيّة، أبنا خالدٌ، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أنس بن مالكٍ- رضي اللّه عنه- قال: "بعثتني أمّ سليمٍ برطبٍ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على طبقٍ في أوّل ما أينع تمر النّخل، قال: فدخلت عليه فوضعته بين يديه، فأصاب منه، ثمّ أخذ، بيدي فخرجنا، وكان حديث عهدٍ بعرسٍ زينب بنت جحشٍ قال: فمرّ بنساءٍ من نسائه وعندهن رجال يتحدثون فهنأنه، وهنأه الناس، فقالوا: الحمد لله الذي، أقرّ بعينك يا رسول اللّه. فمضى حتّى أتى عائشة فإذا عندها رجالٌ، قال: فكره ذلك وكان إذا كره الشّيء عرف في وجهه قال: فأتيت أمّ سليمٍ فأخبرتها، فقال أبو طلحة: لئن كان ما قال ابنك حقًّا ليحدثنّ أمرٌ. قال: فلمّا كان من العشيّ خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فصعد المنبر، ثم تلا هذه الآية: (يا أيها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ) قال: وأمر بالحجاب"). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/255-256]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال مسدّدٌ: ثنا حمّادٌ، عن سلمٍ العلويّ قال: سمعت أنس بن مالكٍ- رضي اللّه عنه- يقول: "لمّا نزلت آية الحجاب جئت أدخل كما كنت أدخل، فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: وراءك يا بنيّ".
- رواه الحارث بن محمّد بن أبي أسامة: ثنا روح، ثنا جرير بن حازمٍ، عن سلمٍ العلويّ، عن أنس بن مالكٍ قال: "كنت أخدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكنت أدخل بغير إذنٍ، فجئت ذات يومٍ فدخلت عليه، فقال يا بنيّ إنّه قد حدث أمرٌ، فلا تدخل عليّ إلّا بإذنٍ.
- ورواه أبو يعلى الموصليّ: ثنا أبو الرّبيع الزّهرانيّ، ثنا حماد بن زيد، ثنا سلمٌ العلويّ ... فذكره.
هذا إسنادٌ فيه مقالٌ، سلم بن قيسٍ العلويّ قال النّسائيّ: ليس بالقويّ، قيل: كان ينظر في النّجوم. وقال ابن معينٍ: ضعيفٌ. وقال البخاريّ: تكلّم فيه شعبة. انتهى، وباقي رجال الإسناد ثقاتٌ.
وتقدم في الأدب في باب الاستئذان وصفته). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/256]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما * إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله بكل شيء عليما.
أخرج البخاري، وابن جرير، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فانزل الله آية الحجاب). [الدر المنثور: 12/106]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في "سننه" من طرق عن أنس رضي الله عنه قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون واذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليدخل فاذا القوم جلوس ثم انهم قاموا فانطلقت فجئت فاخبرت النّبيّ صلى الله عليه وسلم انهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فالقى الحجاب بيني وبينه فانزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} ). [الدر المنثور: 12/106-107]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال كنت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاتى باب امرأة عرس بها فاذا عندها قوم فانطلق فقضى حاجته فرجع وقد خرجوا فدخل وقد أرخى بيني وبينه سترا فذكرته لابي طلحة فقال: لئن كان كما تقول لينزلن في هذا شيء، فنزلت آية الحجاب). [الدر المنثور: 12/107]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن أنس رضي الله عنه قال كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير اذن فجئت يوما لادخل فقال علي: مكانك يا بني انه قد حدث بعدك أمر لا تدخل علينا إلا بإذن). [الدر المنثور: 12/107]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال دخل رجل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاطال الجلوس فقام النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرارا كي يتبعه ويقوم فلم يفعل فدخل عمر رضي الله عنه فرأى الرجل وعرف الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى الرجل المقعد فقال: لعلك آذيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم ففطن الرجل فقام فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لقد قمت مرارا كي يتبعني فلم يفعل فقال عمر رضي الله عنه: لو اتخذت حجابا فان نساءك لسن كسائر النساء وهو أطهر لقلوبهن، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي}، فارسل إلى عمر رضي الله عنه فاخبره بذلك). [الدر المنثور: 12/107-108]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج النسائي، وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت آكل مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاما في قعب فمر عمر فدعاه فأكل فاصابت أصبعه أصبعي فقال عمر: أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب). [الدر المنثور: 12/108]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: نزل حجاب رسول الله في عمر، أكل مع النّبيّ طعاما فاصاب يده بعض أيدي نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأمر بالحجاب). [الدر المنثور: 12/109]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد، وابن جرير، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: ما بقي أحد أعلم بالحجاب مني ولقد سألني أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت: نزل في زينب). [الدر المنثور: 12/109]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} إلى قوله {غير ناظرين إناه} قال: غير متحينين طعامه {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا} قال: كان هذا في بيت أم سلمة رضي الله عنها أكلوا ثم أطالوا الحديث فجعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم يخرج ويدخل، ويستحي منهم والله لا يستحي من الحق {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} قال: بلغنا انهم أمرو بالحجاب عند ذلك {لا جناح عليهن في آبائهن} قال: فرخص لهن ان لا يحتجبن من هؤلاء). [الدر المنثور: 12/109]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: كانوا يجيئون فيدخلون بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيجلسون فيتحدثون ليدرك الطعام فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} ليدرك الطعام {ولا مستأنسين لحديث} ولا تجلسوا فتحدثوا). [الدر المنثور: 12/109]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما ان نافع بن الازرق قال له: أخبرني عن قوله {غير ناظرين إناه} قال: الانا: النضيج، يعني اذا أدرك الطعام قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
ينعم ذاك الانا الغبيك كما * ينعم غرب المحالة الجمل). [الدر المنثور: 12/109-110]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن مجاهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه فاصابت يد رجل منهم يد عائشة رضي الله عنها فكره ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت آية الحجاب). [الدر المنثور: 12/110]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها، ان أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل اذا برزن إلى المناصع وهو صعيد فيح، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أحجب نساءك فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فخرجت سودة رضي الله عنها بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر رضي الله عنه بصوته إلا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فانزل الله تعالى الحجاب، قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} ). [الدر المنثور: 12/110]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {غير ناظرين إناه} قال: غير متحينين نضجه {ولا مستأنسين لحديث} بعد ان تأكلوا). [الدر المنثور: 12/111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {إناه} قال: نضجه). [الدر المنثور: 12/111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان بن أرقم رضي الله عنه في قوله {ولا مستأنسين لحديث} قال: نزلت في الثقلاء). [الدر المنثور: 12/111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الخطيب عن أنس رضي الله عنه قال: كانوا اذا طعموا جلسوا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجاء ان يجيء شيء فنزلت {فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث} ). [الدر المنثور: 12/111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإذا سألتموهن متاعا} قال: أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليهن الحجاب). [الدر المنثور: 12/111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وإذا سألتموهن متاعا} قال: حاجة). [الدر المنثور: 12/111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: فضل الناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربع، بذكره الاسارى يوم بدر أمر بقتلهم فانزل الله {لولا كتاب من الله سبق} الأنفال الآية 68، وبذكره الحجاب أمر نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم ان يحتجبن فقالت له زينب رضي الله عنها: وانك لتغار علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا.
فأنزل الله {وإذا سألتموهن متاعا}، وبدعوة النّبيّ صلى الله عليه وسلم اللهم أيد الإسلام بعمر، وبرأيه في ابي بكر كان أول الناس بايعه). [الدر المنثور: 12/111-112]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا نهض إلى بيته بادروه فاخذوا المجالس فلا يعرف بذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ببسط يده إلى الطعام مستحيا منهم فعوتبوا في ذلك فانزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} ). [الدر المنثور: 12/112]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال: نزل الحجاب مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها وذلك سنة خمس من الهجرة وحجب نساؤه من يومئذ وأنا ابن خمس عشرة). [الدر المنثور: 12/112]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان قال: نزل حجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة). [الدر المنثور: 12/112]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {كان لكم أن تؤذوا رسول الله} قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعده قال سفيان: ذكروا أنها عائشة رضي الله عنها). [الدر المنثور: 12/113]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل: لئن مات محمد صلى الله عليه وسلم لأتزوجن عائشة، فأنزل الله {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} ). [الدر المنثور: 12/113]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: بلغ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ان رجلا يقول: ان توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت فلانة من بعده فكان ذلك يؤذي النّبيّ صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} ). [الدر المنثور: 12/113]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: بلغنا ان طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده، فنزلت هذه الآية). [الدر المنثور: 12/113]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: قال طلحة بن عبيد الله: لو قبض النّبيّ صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة رضي الله عنها، فنزلت {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} ). [الدر المنثور: 12/113]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في قوله {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله لانه قال: اذا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة رضي الله عنها). [الدر المنثور: 12/114]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة، أو أم سلمة، فانزل الله {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} ). [الدر المنثور: 12/114]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ان رجلا أتى بعض أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكلمها وهو ابن عمها، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا فقال: يا رسول الله انها ابنة عمي والله ما قلت لها منكرا ولا قالت لي قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: قد عرفت ذلك انه ليس احد أغير من الله وانه ليس أحد أغير مني فمضي ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي لا تزوجنها من بعده فانزل الله هذه الآية فاعتق ذلك الرجل رقبة وحمل على عشرة ابعرة في سبيل الله وحج ماشيا في كلمته). [الدر المنثور: 12/114]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: خطبني علي رضي الله عنه فبلغ ذلك فاطمة رضي الله عنها فاتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: ان أسماء متزوجة عليا فقال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما كان لها ان تؤذي الله ورسوله). [الدر المنثور: 12/114]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي في السنن عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال لامرأته: ان سرك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي فان المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا فلذلك حرم أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن ينكحن بعده لانهن أزواجه في الجنة). [الدر المنثور: 12/115]

تفسير قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإنّ اللّه كان بكلّ شيءٍ عليمًا}.
يقول تعالى ذكره: إنّ تظهروا بألسنتكم شيئًا أيّها النّاس من مراقبة النّساء، أو غير ذلك ممّا قد نهاكم عنه أو أذًى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقولٍ: لأتزوّجنّ زوجته بعد وفاته، {أو تخفوه} يقول: أو تخفوا ذلك في أنفسكم، فإنّ اللّه كان بكلّ شيءٍ عليمًا، يقول: فإنّ اللّه بكلّ ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليمٌ لا يخفى عليه شيءٌ، وهو يجازيكم على جميع ذلك). [جامع البيان: 19/171]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قوله: {إن تبدوا شيئا أو تخفوه} قال: ان تتكلموا به فتقولن: نتزوج فلانة لبعض أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو تخفوا ذلك في أنفسكم فلا تنطقوا به يعلمه الله). [الدر المنثور: 12/115]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر والبيهقي في "سننه" عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بلغنا أن العالية بنت ظبيان طلقها النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم نساؤه على الناس فنكحت ابن عم لها وولدت فيهم). [الدر المنثور: 12/115]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله {إن تبدوا شيئا} قال: مما يكرهه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ? {أو تخفوه في أنفسكم فان الله كان بكل شيء عليما}? يقول: فان الله يعلمه). [الدر المنثور: 12/115]

تفسير قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإنّ اللّه كان بكلّ شيءٍ عليمًا (54) لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهنّ واتّقين اللّه إنّ اللّه كان على كلّ شيءٍ شهيدًا} [الأحزاب: 55]
- حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزّهريّ، حدّثني عروة بن الزّبير، أنّ عائشة رضي اللّه عنها، قالت: استأذن عليّ أفلح أخو أبي القعيس بعدما أنزل الحجاب، فقلت: لا آذن له حتّى أستأذن فيه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقلت له: يا رسول اللّه إنّ أفلح أخا أبي القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتّى أستأذنك، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وما منعك أن تأذني عمّك؟» ، قلت: يا رسول اللّه إنّ الرّجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فقال: «ائذني له فإنّه عمّك تربت يمينك» قال عروة: فلذلك كانت عائشة تقول: «حرّموا من الرّضاعة ما تحرّمون من النّسب»). [صحيح البخاري: 6/120]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإن الله كان إلى قوله شهيدًا)
كذا لأبي ذرٍّ وساق غيره الآيتين جميعًا ثمّ ذكر حديث عائشة في قصّة أفلح أخي أبي القعيس وسيأتي شرح الحديث مستوفًى في الرّضاع ومطابقته للتّرجمة من قوله لا جناح عليهنّ في آبائهنّ إلخ فإنّ ذلك من جملة الآيتين وقوله
- في الحديث ائذني له فإنّه عمّك مع قوله في الحديث الآخر العمّ صنو الأب وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنّه ليس في الحديث مطابقةٌ للتّرجمة أصلًا وكأنّ البخاريّ رمز بإيراد هذا الحديث إلى الرّدّ على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمّها أو خالها كما أخرجه الطّبريّ من طريق داود بن أبي هندٍ عن عكرمة والشّعبيّ أنّه قيل لهما لم لم يذكر للعم والخال في هذه الآية فقالا لأنّهما ينعتاها لأبنائهما وكرها لذلك أن تضع خمارها عند عمّها أو خالها وحديث عائشة في قصّة أفلح يردّ عليهما وهذا من دقائق ما في تراجم البخاريّ). [فتح الباري: 8/532]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإنّ الله كان بكلّ شيءٍ عليماً (54) لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبماء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيماتهنّ واتّقين الله إنّ الله كان على كلّ شيءٍ شهيداً} (الأحزاب: 54 55)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {أن تبدوا} إلى آخره، وهاتان الآيتان مذكورتان في راوية غير أبي ذر فإن عنده: {إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان} إلى قوله: {شهيدا} وليس في بعض النّسخ لفظ: باب قوله: (أن تبدوا) أي: إن تظهروا شيئا من نكاح أزواج النّبي صلى الله عليه وسلم على ألسنتكم أو تخفوه في صدوركم فإن الله يعلم ذلك فيعاقبكم عقابا عظيما، ولتحريمهن بعده صلى الله عليه وسلم لزمت نفقاتهن في بيت المال. واختلف أهل العلم في وجوب العدة عليهنّ بوفاته صلى الله عليه وسلم، فقيل: لا عدّة عليهنّ لأنّها مدّة تربص تنتظر بها الإباحة، وقيل: تجب لأنّها عبادة وإن لم تتعقبها الإباحة. قوله: (لا جناح عليهنّ) الآية، قال المفسّرون: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء: يا نبي الله، ونحن أيضا تكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله هذه الآية في ترك الحجاب من المعدودين، ولم يذكر العم لأنّه كالأب، ولا الخال لأنّه كالأخ. قوله: ولا ما ملكت إيمانهن قيل: الإماء دون العبيد وهو قول سعيد بن المسيب، وقيل: عام فيهما. قوله: (واتقين الله) ، يعني: أن يراكن غير هؤلاء (إن الله كان على كل شيء) من أعمال بني آدم (شهيدا) يعني: لم يغب عليه شيء.

- حدّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيبٌ عن الزّهريّ حدّثني عروة بن الزبير أنّ عائشة رضي الله عنها قالت استأذن عليّ أفلح أخو أبي القعيس بعد ما أنزل الحجاب فقلت لا آذن له حتّى أستأذن فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّ أخاه أبا القعيس بعد ما أنزل الحجاب فقلت لا آذن له حتّى استأذن فيه النّبي صلى الله عليه وسلم فإن إخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ولاكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخل عليّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت له يا رسول الله إنّ أفلح أخا أبي القعيس استأذن فأبيح أن آذن حتّى أستأذنك فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم وما منعك أن تأذنين عمّك قلت يا رسول الله إنّ الرّجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فقال ائذني له فإنّه عمّك تربت يمينك قال عروة فلذلك كانت عائشة تقول حرّموا من الرّضاعة ما تحرّمون من النّسب..
قيل: لا مطابقة فيه للتّرجمة لأنّه ليس فيه شيء من تفسير الآية. وأجيب: بأنّه يطابق التّرجمة من حيث أنه أريد به بيان جواز دخول الأعمام والآباء من الرضاعة على أمّهات المؤمنين لقوله إئذني له إنّه عمك.
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب هو ابن أبي حمزة يروي عن محمّد بن مسلم الزّهريّ عن عروة بن الزبير عن عائشة.
والحديث مر في كتاب الشّهادات في باب الشّهادة على الإنسان.
قوله: (عليّ) ، بتشديد الياء، وأفلح فاعل استأذن، وقال أبو عمر: أفلح بن أبي القعيس، ويقال: أخو أبي القعيس. وقد اختلف فيه، فقيل: فيه القولان المذكوران، وقيل: أبو القعيس، وأصحها إن شاء الله ما رواه عروة عن عائشة: جاء أفلح أخوا أبي القعيس، وقيل: إن إسم أبي القعيس الجعد، ويقال: أفلح، يكنى أبا الجعد، وقال في الكنى: أبو قعيس عم عائشة من الرضاعة اسمه وائل بن أفلح. قلت: هو بضم القاف وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبسين مهملة، قوله: (أن تأذنين) ويروى: تأذني، بحذف النّون وهي لغة. قوله: (تربت يمينك) ، كلمة تدعو بها العرب ولا يريدون حقيقتها ووقوعها لأن معناها: افتقرت، يقال: ترب إذا افتقر وأترب إذا استغنى كأنّه إذا ترب لصق بالتّراب. وإذا أترب استغنى وصار له من المال بقدر التّراب.
وقال الخطابيّ: (فيه من الفقه) إثبات اللّبن للفحل وأن زوج المرضعة بمنزلة الوالد وأخوه بمنزلة العم). [عمدة القاري: 19/125]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإنّ اللّه كان بكلّ شيءٍ عليمًا (54) لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهنّ واتّقين اللّه إنّ اللّه كان على كلّ شيءٍ شهيدًا} [الأحزاب: 54، 55]
(وقوله) تعالى يخاطب من أضمر نكاح عائشة بعده -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ({إن تبدوا}) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله: إن تبدوا ({شيئًا}) تظهروا شيئًا من تزوّج أمهات المؤمنين على ألسنتكم ({أو تخفوه}) في صدوركم ({فإن الله كان بكل شيء عليمًا}) لا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب أو نحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى: ({لا جناح}) لا إثم ({عليهن في}) أن لا يحتجبن من ({آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن}) يعني النساء المؤمنات لا الكتابيات ({ولا ما ملكت أيمانهن}) من العبيد والإماء. وقال سعيد بن المسيب مما رواه ابن أبي حاتم إنما يعني به الإماء فقط وإنما لم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمى العم أبًا في قوله: {وإله آبائك إبراهيم إسماعيل وإسحاق}، وقال عكرمة والشعبي فيما رواه ابن جرير عنه لأنهما ينعتانها لأبنائهما وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها. ({واتقين الله}) عطف على محذوف أي امتثلن ما أمرتن واتقين الله أن يراكن غير هؤلاء ({إن الله على كل شيء شهيدًا}) [الأحزاب: 54، 55] أي إنه تعالى شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله فاتقوه فإنه شهيد على كل شيء فراقبوا الرقيب وسقط لأبي ذر من قوله: ({بكل شيء عليمًا} إلى قوله: {على كل شيء شهيدًا} وقال بعده قوله: {كان} إلى قوله: {شهيدًا} وسقط لفظ باب لغيره.
- حدّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيبٌ عن الزّهريّ، حدّثني عروة بن الزّبير أنّ عائشة -رضي الله عنها- قالت: استأذن عليّ أفلح أخو أبي القعيس، بعد ما أنزل الحجاب فقلت: لا آذن له حتّى أستأذن فيه النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، فإنّ أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليّ النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقلت له: يا رسول اللّه، إنّ أفلح أخا أبي القعيس استأذن، فأبيت أن آذن حتّى أستأذنك، فقال النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «وما منعك أن تأذنين عمّك؟» قلت يا رسول اللّه: إنّ الرّجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فقال: «ائذني له فإنّه عمّك، تربت يمينك» قال عروة: فلذلك كانت عائشة تقول: حرّموا من الرّضاعة ما تحرّمون من النّسب.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: استأذن عليّ) بتشديد الياء أي طلب الإذن في الدخول عليّ (أفلح) بفتح الهمزة وسكون الفاء وبعد اللام المفتوحة حاء مهملة (أخو أبي القعيس) بضم القاف وفتح العين المهملة وبعد التحتية الساكنة مهملة واسمه وائل الأشعري (بعد ما أنزل الحجاب) آخر سنة خمس (فقلت: لا آذن له) بالمد ليس في اليونينية لفظ والله بعد فقلت (حتى أستأذن فيه النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فإن أخاه أبا القعيس ليس هو) الذي (أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليّ النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقلت له: يا رسول الله) سقط لفظ له لأبي ذر (إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن) أي في الدخول عليّ (فأبيت أن آذن) بالمد وزاد أبو ذر له (حتى أستأذنك، فقال النبي) وفي نسخة فقال رسول الله (-صلّى اللّه عليه وسلّم-):
(وما منعك أن تأذنين) بالرفع بثبوت النون كقراءة: أن يتم الرضاعة شاذة بالرفع على إهمال أن الناصبة حملًا على ما أختها لاشتراكهما في المصدرية قاله البصريون ولم يجعلوها المخففة من الثقيلة لأنه لم يفصل بينها وبين الجملة الفعلية بعدها أو أن ما قبلها ليس بفعل علم ويقين، وقال الكوفيون هي المخففة من الثقيلة وشذ وقوعها موقع الناصبة كما شذ وقوع الناصبة موقعها، ولأبي ذر والأصيلي: أن تأذني بحذف النون للنصب (عمك) بالنصب على المفعولية أو بالرفع أي هو عمك (قلت: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فقال): عليه الصلاة والسلام (ائذني له فإنه عمك تربت يمينك) كلمة تقولها العرب ولا يريدون حقيقتها إذ معناها افتقرت يمينك وقيل المعنى ضعف عقلك إذا قلت هذا أو تربت يمينك إن لم تفعلي.
(قال عروة) بن الزبير بالسند المذكور (فلذلك) الذي قاله عليه الصلاة والسلام (كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرمون من النسب) بالنون ولأبي ذر: ما تحرموا بحذفها من غير ناصب وهو لغة فصيحة كعكسه وقد اجتمع في هذا الحديث الأمران، وقال في فتح الباري: ومطابقة الآيتين للترجمة من قوله: ({لا جناح عليهن في آبائهن}) لأن ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: ائذني له فإنه عمك مع قوله في الحديث الآخر: "العم صنو الأب" وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنه ليس في الحديث مطابقة للترجمة أصلًا وكأن البخاري رمز بإيراد هذا الحديث إلى الردّ على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها كما ذكرته عن عكرمة والشعبي فيما سبق هنا قريبًا، وهذا من دقائق ما ترجم به البخاري رحمه الله.
وهذا الحديث قد سبق في الشهادات). [إرشاد الساري: 7/304-305]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لاّ جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهنّ واتّقين اللّه إنّ اللّه كان على كلّ شيءٍ شهيدًا}.
يقول تعالى ذكره: لا حرج على أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في آبائهنّ ولا إثم.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في المعنى الّذي وضع عنهنّ الجناح في هؤلاء، فقال بعضهم: وضع عنهنّ الجناح في وضع جلابيبهنّ عندهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ، في قوله: {لا جناح عليهنّ في آبائهنّ} الآية كلّها، قال: أن تضع الجلباب.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {لا جناح عليهنّ في آبائهنّ} ومن ذكر معه أن يروهنّ.
وقال آخرون: وضع عنهنّ الجناح فيهم في ترك الاحتجاب منهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، في قوله {لا جناح عليهنّ} إلى {شهيدًا} فرخّص لهؤلاء أن لا يحتجبن منهم.
وأولى القولين في ذلك بالصّواب قول من قال: ذلك وضع الجناج عنهنّ في هؤلاء المسلمين أن لا يحتجبن منهم، وذلك أنّ هذه الآية عقيب آية الحجاب، وبعد قول اللّه: {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} فلا يكون قوله: {لا جناح عليهنّ في آبائهنّ} استثناءً من جملة الّذين أمروا بسؤالهنّ المتاع من وراء الحجاب إذا سألوهنّ ذلك أولى وأشبه من أن يكون خبر مبتدإٍ عن غير ذلك المعنى.
فتأويل الكلام إذن: لا إثم على نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأمّهات المؤمنين في إذنهنّ لآبائهنّ، وترك الحجاب منهنّ، ولا لأبنائهنّ ولا لإخوانهنّ، ولا لأبناء إخوانهنّ وعني بإخوانهنّ وأبناء إخوانهنّ إخوتهنّ وأبناء إخوتهنّ وخرج جمعهم كذلك مخرج جمع فتًى إذا جمع فتيان، فكذلك جمع أخٍ إذا جمع إخوانٌ وأمّا إذا جمع إخوةً، فذلك نظير جمع فتًى إذا جمع فتيةٌ، ولا أبناء أخواتهنّ، ولم يذكر في ذلك العمّ على ما قال الشّعبيّ حذرًا من أن يصفهنّ لأبنائه.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا حجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن داود، عن الشّعبيّ، وعكرمة، في قوله: {لاّ جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهنّ} قلت: ما شأن العمّ والخال لم يذكرا؟ قال: لأنّهما ينعتانها لأبنائهما، وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمّها.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن داود، عن عكرمة والشّعبيّ نحوه، غير أنّه لم يذكر ينعتانها.
وقوله: {ولا نسائهنّ} يقول: ولا جناح عليهنّ أيضًا في أن لا يحتجبن من نساء المؤمنين.
- كما حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ولا نسائهنّ} قال: نساء المؤمنات الحرائر ليس عليهنّ جناحٌ أن يرين تلك الزّينة، قال: وإنّما هذا كلّه في الزّينة، قال: ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى شيءٍ من عورة المرأة، قال: ولو نظر الرّجل إلى فخذ الرّجل لم أر به بأسًا، قال: {ولا ما ملكت أيمانهنّ} فليس ينبغي لها أن تكشف قرطها للرّجل، قال: وأمّا الكحل والخاتم والخضاب، فلا بأس به، قال: والزّوج له فضلٌ، والآباء من وراء الرّجل لهم فضلٌ. قال: والآخرون يتفاضلون، قال: وهذا كلّه يجمعه ما ظهر من الزّينة، قال: وكان أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا يحتجبن من المماليك.
وقوله: {ولا ما ملكت أيمانهنّ} من الرّجال والنّساء وقال آخرون: من النّساء.
وقوله: {واتّقين اللّه} يقول: وخفن اللّه أيّها النّساء أن تتعدّين ما حدّ اللّه لكنّ، فتبدين من زينتكنّ ما ليس لكنّ أن تبدينه، أو تتركن الحجاب الّذي أمركنّ اللّه بلزومه، إلاّ فيما أباح لكنّ تركه، والزمن طاعته {إنّ اللّه كان على كلّ شيءٍ شهيدًا} يقول تعالى ذكره: إنّ اللّه شاهدٌ على ما تفعلنّه من احتجابكنّ، وترككنّ الحجاب لمن أبحت لكنّ ترك ذلك له، وغير ذلك من أموركنّ؛ يقول: فاتّقين اللّه في أنفسكنّ لا تلقين اللّه، وهو شاهدٌ عليكم بمعصيته، وخلاف أمره ونهيه، فتهلكن، فإنّه شاهدٌ على كلّ شيءٍ). [جامع البيان: 19/171-174]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم نا آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يراهن آباؤهن وأبناؤهن ومن ذكر معهم). [تفسير مجاهد: 520]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا). [الدر المنثور: 12/115]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا جناح عليهن في آبائهن} حتى بلغ {ولا نسائهن} قال: أنزلت هذه اآلآية في نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة وقوله {نسائهن} يعني نساء المسلمات {أو ما ملكت أيمانهن} من المماليك والاماء ورخص لهن أن يروهن بعد ما ضرب عليهن الحجاب). [الدر المنثور: 12/116]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {لا جناح عليهن في آبائهن} ومن ذكر معهن أن يروهن يعني أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم). [الدر المنثور: 12/116]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن الزهري رضي الله عنه أنه قيل له: من كان يدخل على أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: كل ذي رحم محرم من نسب أو رضاع قيل: فسائر الناس قال: كن يحتجبن منه حتى انهن ليكلمنه من وراء حجاب وربما كان سترا واحدا إلا المملوكين والمكاتبين فانهن كن لا يحتجبن منهم). [الدر المنثور: 12/116]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبه وأبو داود في ناسخه عن أبي جعفر محمد بن علي، ان الحسن والحسين رضي الله عنهما كان لا يريان أمهات المؤمنين فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ان رؤيتهما لهن لحل). [الدر المنثور: 12/116]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبه وأبو داود في ناسخه عن عكرمة رضي الله عنه قال: بلغ ابن عباس رضي الله عنهما ان عائشة رضي الله عنها احتجبت من الحسن رضي الله عنه فقال: ان رؤيته لها لتحل). [الدر المنثور: 12/116]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {لا جناح عليهن} الآية، قال: لم يذكر العم والخال لانهما ينعتانها لابنائهما). [الدر المنثور: 12/117]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24 جمادى الأولى 1434هـ/4-04-2013م, 01:17 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا} [الأحزاب: 53]، يعني: فتفرّقوا، وهو تفسير السّدّيّ.
{ولا مستأنسين لحديثٍ} [الأحزاب: 53] تفسير ابن مجاهدٍ، عن أبيه، وهو تفسير السّدّيّ: بعد أن تأكلوا.
{إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} [الأحزاب: 53]
- حدّثني أشعث، عن عبد العزيز بن صهيبٍ، عن أنس بن مالكٍ قال: لمّا تزوّج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زينب بنت جحشٍ أولم عليها ما لم يولم على امرأةٍ من نسائه، قال أنسٌ: كنت أدعو النّاس على الخبز واللّحم، فيأكلون حتّى يشبعوا، فجاء رجلان، فقعدا مع زينب في جوف البيت ينتظران، أظنّه، يعني: الطّعام، فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى حجرة
عائشة، فقال: السّلام عليكم يا أهل البيت، فقالت عائشة: السّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته، كيف وجدت أهلك؟ بارك اللّه لك فيهم؟ قال: فاستقرى نساءه كلّهنّ فقلن بمقالتها، ثمّ جاء فوجد الرّجلين في البيت، فاستحيى، فرجع، وأنزل اللّه آية الحجاب، فقرأها عليهما فخرجا، ودخل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأرخى السّتر.
- حمّادٌ، عن عليّ بن زيدٍ، عن أنس بن مالكٍ أنّ عمر بن الخطّاب قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّه قد يدخل عليكم البرّ والفاجر، فلو أمرت نساءك يحتجبن، فأنزل اللّه آية الحجاب.
وقوله عزّ وجلّ: {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] صنعته.
وقال مجاهدٌ: متحيّنين حينه.
[تفسير القرآن العظيم: 2/733]
وقوله عزّ وجلّ: {واللّه لا يستحيي من الحقّ} [الأحزاب: 53] يخبركم أنّ هذا يؤذي النّبيّ عليه السّلام.
قوله عزّ وجلّ: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ} [الأحزاب: 53]، يعني: من الرّيبة والدّنس.
تفسير السّدّيّ: أن يكون ذلك من وراء حجابٍ.
قال: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيمًا} [الأحزاب: 53] قال ناسٌ من المنافقين: لو قد مات محمّدٌ تزوّجنا نساءه، فأنزل اللّه هذه الآية). [تفسير القرآن العظيم: 2/734]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه} , فغير منصوبة لأنها نعت للقوم، وهم معرفة , و(غير) نكرة فنصبت على الفعل؛ كقوله: {أحلّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتلى عليكم غير محلّي الصّيد} ., ولو خفضت {غير ناظرين} كان صواباً؛ لأنّ قبلها {طعامٍ} , وهو نكرة، فتجعل فعلهم تابعاً للطعام؛ لرجوع ذكر الطعام في (إناه) , كما تقول العرب: رأيت زيداً مع امرأة محسنٍ إليها، ومحسناً إليها, فمن قال: {محسناً} جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قال: رأيت زيداً مع التي يحسن إليها. فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها، وإن كان فعلاً لغيرها. وقد قال الأعشى:
فقلت له هذه هاتها = فجاء بأدماء مقتادها
فجعل المقتاد تابعا لإعراب الأدماء؛ لأنه بمنزلة قولك: لأدماء يقتادها؛ فخفضته لأنه صلة لها, وقد ينشد بأدماء مقتادها , تخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد, ومعناه: بملء يدي من اقتادها , ومثله في العربية أن تقول: إذا دعوت زيداً , فقد استغثت بزيد مستغيثه, فمعنى زيد مدح , أي: أنه كافي مستغيثه, ولا يجوز أن تخفض على مثل قولك: مررت على رجل حسن وجهه؛ لأن هذا لا يصلح حتى تسقط راجع ذكر الأول , فتقول: حسن الوجه, وخطأ أن تقول: مررت على امرأة حسنة وجهها , وحسنة الوجه صواب.
وقوله: {ولا مستأنسين}, في موضع خفض تتبعه الناظرين؛ كما تقول: كنت غير قائم ولا قاعدٍ؛ وكقولك للوصيّ: كل من مال اليتيم بالمعروف غير متأثّل مالا، ولا واقٍ مالك بماله. ولو جعلت المستأنسين في موضع نصب تتوهّم أن تتبعه بغير لمّا أن حلت بينهما بكلام. وكذلك كلّ معنىً احتمل وجهين ثم فرّقت بينهما بكلام جاز أن يكون الآخر معرباً بخلاف الأوّل.
من ذلك قولك: ما أنت بمحسن إلى من أحسن إليك لا مجملاً، تنصب المجمل وتخفضه: الخفض على إتباعه المحسن, والنصب أن تتوهم أنك قلت: ما أنت محسناً, وأنشدني بعض العرب:
ولست بذي نيربٍ في الصديق = ومنّاع خيرٍ وسبّابها
ولا من إذا كان في جانب = أضاع العشيرة واغتابها
وأنشدني أبو القماقم:
أجدّك لست الدهر رائي رامةٍ = ولا عاقل إلاّ وأنت جنيب
ولا مصعدٍ في المصعدين لمنعجٍ * ولا هابطاً ما عشت هضب شطيب
وينشد هذا البيت:
معاوي إننا بشرٌ فأسجح = فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وينشد (الحديدا) : خفضاً , ونصباً, وأكثر ما سمعته بالخفض, ويكون نصب المستأنسين على فعلٍ مضمرٍ، كأنه قال: فادخلوا غير مستأنسين. ويكون مع الواو ضمير دخولٍ؛ كما تقول: قم ومطيعاً لأبيك.
والمعنى في تفسير الآية : أنّ المسلمين كانوا يدخلون على النبي عليه السلام في وقت الغداء، فإذا طعموا , أطالوا الجلوس، وسألوا أزواجه الحوائج, فاشتدّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم، حتّى أنزل الله هذه الآية، فتكلّم في ذلك بعض الناس، وقال: أننهى أن ندخل على بنات عمّنا إلاّ بإذنٍ، أو من وراء حجاب. لئن مات محمد لأتزوّجنّ بعضهنّ.
فقام الآباء أبو بكرٍ وذووه، فقالوا: (يا رسول الله، ونحن أيضاً لا ندخل عليهنّ إلاّ بإذنٍ، ولا نسألهنّ الحوائج إلاّ من وراء حجاب، فأنزل الله{لا جناح عليهنّ في آبائهنّ}) إلى آخر الآي, وأنزل في التزويج : {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً}). [معاني القرآن: 2/347-349]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({إلى طعامٍ غير ناظرين إناه }: أي : إدراكه وبلوغه, ويقال: أبي لك أن تفعل، يأني أنياً , والاسم إني, وأبى أبلغ أدرك , قال:
تمخّضت المنون له بيوم= أنى ولكلّ حاملةٍ تمام.). [مجاز القرآن: 2/140]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً }: مجازه: ما كان لكم أن تفعلوا شيئاً منذ لك , وكان من حروف الزوائد , قال:
فكيف إذا رأيت ديار قومٍ.= وجيرانٍ لهم كانوا كرام
القافية مجرورة , والقصيدة لأنه جعل " كانوا زائدة للتوكيد , ولو أعمل " كان " لنصب القافية , وقال العجاج:
= إلى كناسٍ كان مستعيده=
وقال الفزاري:
=لم يوجد كان مثل بني زياد=
فرفع مثل بني زياد ؛ لأنه ألقى " كان " , وأعمل " يوجد ".). [مجاز القرآن: 2/140-141]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ وإذا سألتموهنّ متاعاً فاسألوهنّ من وراء حجابٍ ذالكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إنّ ذالكم كان عند اللّه عظيماً}
وقال: {ولا مستأنسين} , فعطفه على {غير} فجعله نصبا , أو على ما بعد {غير} , فجعله جرا.
وقال: {لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه}: نصب على الحال : أي: إلاّ أن يؤذن لكم غير ناظرين, ولا يكون جرا على الطعام إلا أن تقول "أنتم" , ألا ترى أنك لو قلت: "ائذن" لعبد الله على امرأة مبغضا لها" لم يكن فيه إلا النصب إلا أن تقول "مبغض لها هو" لأنك إذا اجريت صفته عليها ,ولم تظهر الضمير الذي يدل على أن الصفة له لم يكن كلاما, لو قلت: "هذا رجلٌ مع امرأةٍ ملازمها" كان لحنا حتى تقول "ملازمها" فترفعأو و تقول "ملازمها هو" فتجر.). [معاني القرآن: 3/31-32]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({إناء}: إدراكه). [غريب القرآن وتفسيره: 304]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({غير ناظرين إناه} : أي : منتظرين وقت إدراكه.). [تفسير غريب القرآن: 352]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجلّ:{يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ وإذا سألتموهنّ متاعا فاسألوهنّ من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيما (53)}
{يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ}:بضم الباء , وقد رويت عن عاصم " بيوت " بكسر الباء , وعن جماعة من أهل الكوفة.
وليس يروي البصريون بيوت بكسر الباء، بل يقولون: إن الضم بعد الكسر ليس موجودا في كلام العرب , ولا في أشعارها, والذين كسروا ؛ فكأنهم ذهبوا إلى اتباع الياء، والاختيار عند الكوفيين الضّم في {بيوت}.
وقوله: {إلّا أن يؤذن لكم إلى طعام}: في موضع نصب, المعنى : إلا بأن يؤذن لكم، أو لأن يؤذن لكم.
وقوله: {إلى طعام غير ناظرين إناه}:(إناه) : نضجه , وبلوغه، يقال : أنى يأني إناء إذا نضج, وبلغ, و " غير " منصوبة على الحال، المعنى : إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين, ولا يجوز الخفض في " غير " لأنها إذا كانت نعتا للطعام لم يكن بدّ من إظهار الفاعل لا يجوز إلا غير ناظرين إناه أنتم.
وقوله عزّ وجلّ: {ولا مستأنسين لحديث إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم}
ويجوز {فيستحي} منكم بياء واحدة، وكذلك قوله: {واللّه لا يستحيي من الحق}, ويستحي بالتخفيف على استحييت , واستحيت، والحذف لثقل الياءين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل إطالتهم كرما منه , فيصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب , فصار أدبا لهم ولمن بعدهم.
وقوله: {وإذا سألتموهنّ متاعا فاسألوهنّ من وراء حجاب}:أي : إذا أردتم أن تخاطبوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أمر , فخاطبوهن من وراء حجاب، فنزل الأمر بالاستتار.
وقوله:{وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه}:أي : ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء.
{ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا}:موضع " أن " رفع, المعنى: وما كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده، وذلك أنه ذكر أن رجلا قال: إذا توفّي محمد تزوّجت امرأته فلانة، فأعلم الله أن ذلك محرّم بقوله: {إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيما}: أي : كان ذنبا عظيما.).[معاني القرآن: 4/234-235]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم}
قال أنس بن مالك: (أنا أعلم الناس بهذه الآية : لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب ابنة جحش , أمرني أن أدعو كل من لقيت , ودعا النبي صلى الله عليه وسلم , فجعل الله جل وعز في الطعام البركة , فأكل قوم , وانصرفوا , وبقيت طائفة , وكانت زينب في البيت , فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وخرج , وهم جلوس , فأنزل الله جل وعز:{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} إلى آخر الآية , فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاب , وانصرفوا).
قال مجاهد في قوله تعالى: {إلى طعام غير ناظرين إناه} : غير متحينين نضجه, {ولا مستأنسين لحديث }, قال: بعد الأكل.
وقوله جل وعز: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب}
فكان لا يحل لأحد أن يسألهن طعاما , ولا غيره , ولا ينظر إليهن متنقبات , ولا غير متنقبات إلا من وراء حجاب , وكانت عائشة : إذا طافت بالبيت , سترت .
وفي الحديث : (لما ماتت زينب , قال عمر : لا يخرج في جنازتها إلا ذو محرم منها , فوصف له النعش فاستحسنه , وأمر به , وقال : اخرجوا , فصلوا على أمكم).
قال أنس : (كنت أدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم , فلما نزلت هذه الآية , جئت لأدخل , فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ((وراءك , يا بني.))) .
وقوله عز وجل: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا}
قال قتادة : (قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم , تزوجت فلانة , قال معمر , قال هذا : طلحة لعائشة)). [معاني القرآن: 5/370-373]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( {غير ناظرين إناه}:أي: منتظرين إناه، أي: بلوغه وإنضاجه, {قولا سديداً}:أي: مستويا.). [ياقوتة الصراط: 411]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {ناظرين إِنَاهُ}: حينه.). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 194]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({إِنَاهُ}: إدراكه.). [العمدة في غريب القرآن: 244]

تفسير قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) )
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (وقال: {إن تبدوا شيئًا أو تخفوه} [الأحزاب: 54]، يعني: ما قالوا: لو قد مات محمّدٌ تزوّجنا نساءه.
{فإنّ اللّه كان بكلّ شيءٍ عليمًا} [الأحزاب: 54] ). [تفسير القرآن العظيم: 2/734]

تفسير قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (ثمّ استثنى من يدخل على أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الحجاب فقال: {لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ} [الأحزاب: 55] المسلمات.
{ولا ما ملكت أيمانهنّ} [الأحزاب: 55] وكذلك الرّضاع بمنزلة الّذي ذكر ممّن يدخل على أزواج النّبيّ عليه السّلام في الحجاب.
- المعلّى، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قوله: {لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ} [الأحزاب: 55] إلى آخر الآية، فقال: هو الجلباب، رخّص لهنّ في وضعه عند هؤلاء.
[تفسير القرآن العظيم: 2/734]
- حدّثني زيد بن عياضٍ المدنيّ، عن الزّهريّ، عن نبهان مولى أمّ سلمة قال: كنت أساير أمّ سلمة بين مكّة والمدينة إذ قالت لي: يا نبهان، كم بقي لي عليك من كتابتك؟ قلت: ألفان، قالت: قطّ؟ قلت: قطّ، قالت: أهما عندك؟ قال: قلت: نعم، قالت: ادفعهما إلى محمّد بن عبد اللّه فإنّي قد أعنته بهما في نكاحه، ثمّ أرخت الحجاب دوني، فبكيت فقلت: واللّه لا أدفعهما
إليه أبدًا، فقالت: يا بنيّ إنّك واللّه لن تراني أبدًا، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهد إلينا أيّما مكاتب إحداكنّ كان عنده ما يؤدّي فاضربن دونه الحجاب.
- بحرٌ السّقّاء، عن الزّهريّ قال: سافرت أمّ سلمة مع مكاتبٍ لها فقالت: يا فلان عندك ما تؤدّي لي؟ قال: نعم وزيادةٌ، فاحتجبت منه، وقالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إذا كان مع المكاتب ما يؤدّي فاحتجبن منه».
قال: {واتّقين اللّه إنّ اللّه كان على كلّ شيءٍ شهيدًا} [الأحزاب: 55] شاهدًا لكلّ شيءٍ، وشاهدًا على كلّ شيءٍ). [تفسير القرآن العظيم: 2/735]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (والمعنى في تفسير الآية : أنّ المسلمين كانوا يدخلون على النبي عليه السلام في وقت الغداء، فإذا طعموا , أطالوا الجلوس، وسألوا أزواجه الحوائج, فاشتدّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم، حتّى أنزل الله هذه الآية، فتكلّم في ذلك بعض الناس، وقال: أننهى أن ندخل على بنات عمّنا إلاّ بإذنٍ، أو من وراء حجاب, لئن مات محمد لأتزوّجنّ بعضهنّ.
فقام الآباء أبو بكرٍ , وذووه، فقالوا: (يا رسول الله، ونحن أيضاً لا ندخل عليهنّ إلاّ بإذنٍ، ولا نسألهنّ الحوائج إلاّ من وراء حجاب، فأنزل الله : {لا جناح عليهنّ في آبائهنّ}) إلى آخر الآية, وأنزل في التزويج : {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً} .). [معاني القرآن: 2/348-349] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله:{لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهنّ واتّقين اللّه إنّ اللّه كان على كلّ شيء شهيدا (55)}
ولم يرد في هذه القصة أعمامهنّ , ولا أخوالهنّ.
فجاء في التفسير : أنه لم يذكر العمّ والخال، لأنّ كل واحد منهما يحل لابنة المرأة، فتحل لابن عمها , وابن خالها, فقيل كره ذلك لأنهما يصفانها لأبنائهما.
وهذه الآية نزلت في الحجاب , فيمن يحل للمرأة البروز له، فذكر الأب , والابن إلى آخر الآية.
المعنى : لا جناح عليهن في رؤية آبائهن لهنّ، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين في الرؤية.
وقد جاء في القرآن تسمية العم أبا ًفي قوله: {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً}, فجعل العمّ أباً.). [معاني القرآن: 4/235-236]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن}
يعني : في الاستئذان , وقيل معنى : ولا نسائهن : ولا أهل دينهن.
وقد قيل : بل هو لجميع النساء , أي: اللواتي من جنسهن
وقيل : ولا ما ملكت أيمانهن من النساء خاصة , وقيل : عام إذا لم تعرف ريبة.). [معاني القرآن: 5/373-373]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 24 جمادى الأولى 1434هـ/4-04-2013م, 01:18 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) }

قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (والإنى على وجهين: الإنى الواحد من آناء الليل والساعات وبلوغ الشيء إلى منتهاه مقصور يكتب بالياء كقول الله عز وجل: {إلى طعام غير ناظرين إناه} والإناء واحد الآنية ممدود). [المقصور والممدود: 20]
قال أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المثنَّى التيمي (ت:209هـ): (
ونحن غداة كان يقال أشرق = ثبير أنى لوقعة دافعينا
يريد بقوله أنى حان ذلك وبلغ إناه (هذا مقصور) وهو من قول الله تعالى: {غير ناظرين إناه} يريد وقته ومبلغه. قال أبو عبيدة وذلك أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم يريدون بلوغ غداء النبي صلى الله عليه وسلم قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستحيي منهم أن يقول لهم في ذلك شيئا فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم يعلمهم ويؤدبهم ألا ينتظروا في جلوسهم بلوغ طعامه صلى الله عليه وسلم). [نقائض جرير والفرزدق: 796]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (باب الثقلاء

قال إبراهيم: إذا علم الثقيل أنه ثقيلٌ فليس بثقيل. كان يقال: من خاف أن يثقل لم يثقل. لأيوب وسئل لم لم يكتب عن طاوس قيل لأيوب: ما لك لا تكتب عن طاوس؟ فقال: أتيته فوجدته بين ثقيلين: ليث بن أبي سليم، وعبد الكريم بن أبي أمية.
للحسن قال الحسن: قد ذكر اللّه الثقل في كتابه قال: {فإذا طعمتم فانتشروا} ). [عيون الأخبار: 3/309]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله:
ورد وأشقر ما يؤنيه طابخه
يقول: ما تغير من اللحم قبل نضجه.
وقوله: "ما يؤنيه طباخه" يقول: ما يؤخره، لأنه لو آناه لأنضجه، لأن معنى "آناه" بلغ به إناه، أي إدراكه، قال الله عز وجل: {إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}، وتقول: أنى يأني إنيّ، إذا أدرك، وآن يئين مثله. وقوله عز وجل: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} أي قد بلغ إناه). [الكامل: 2/676]

تفسير قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) }

تفسير قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 06:22 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري
...


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 06:22 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري
...


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 06:22 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما}
هذه الآية تتضمن قصتين: إحداهما الأدب في أمر الطعام والجلوس، والثانية في أمر الحجاب.
فأما الأولى فالجمهور من المفسرين على أن سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها، فدعا الناس، فلما طعموا قعد نفر في طائفة من البيت، فثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم، فخرج ليخرجوا بخروجه، ومر على حجر نسائه، ثم عاد فوجدهم في مكانهم وزينب في البيت معهم، فلما دخل ورآهم انصرف، فخرجوا عند ذلك، قال أنس: فأعلم أو أعلمته بانصرافهم فجاء، فلما وصل الحجرة أرخى الستر بيني وبينه ودخل، ونزلت الآية بسبب ذلك. وقال قتادة، ومقاتل - في كتاب الثعلبي -: إن هذا السبب جرى في بيت أم سلمة، والأول أشهر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي عليه الصلاة والسلام، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون، وقال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أدب أدب الله تعالى به الثقلاء، وقال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي: بحسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.
وأما آية الحجاب فقال أنس بن مالك وجماعة: سببها أمر القعود في بيت زينب، القصة المذكورة آنفا، وقالت فرقة: بل في بيت أم سلمة، وقال مجاهد: نزلت آية الحجاب بسبب ذلك، وقالت عائشة رضي الله عنها وجماعة: سبب الحجاب كلام عمر رضي الله عنه، وأنه كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا في أن يحجب نساءه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعل، وكان عمر يتابع، فخرجت سودة ليلا لحاجتها - وكانت امرأة تفرع النساء طولا - فناداها عمر رضي الله عنه: قد عرفناك يا سودة - حرصا على الحجاب - وقالت له زينب بنت جحش: عجبنا لك يا ابن الخطاب، تغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟ فما زال عمر رضي الله عنه يتابع حتى نزلت آية الحجاب.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث: منها الحجاب، ومقام إبراهيم، وعسى ربه إن طلقكن. الحديث.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى دار الدعوة، ينتظر طبخ الطعام ونضجه في حديث وأنس، وكذلك إذا انتهوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله تعالى المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله تعالى لهم في ذلك، فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل، لا قبله لانتظار نضج الطعام.
و"ناظرين" معناه: منتظرين، و"إناه" مصدر أنى الشيء يأني إذا فرغ وحان إنى، ومنه قول الشاعر:
تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام
وقرأ الجمهور بفتح النون من "إناه"، وأمالها حمزة والكسائي.
ثم أكد المنع وحصر وقت الدخول بأن يكون عند الإذن، ثم أمر بعد الطعام بأن يفترق جمعهم وينتشر.
وقوله تعالى: {ولا مستأنسين لحديث} عطف على قوله: {غير ناظرين}، و"غير" منصوبة على الحال من الكاف والميم في "لكم أي: غير ناظرين ولا مستأنسين. وقرأ ابن أبي عبلة: "غير" بكسر الراء، وجوازه على تقدير: غير ناظرين إناه أنتم. وقرأ الأعمش: "إناه" على جمع "إنى" بمدة بعد النون. وقرأت فرقة: "فيستحيي" بإظهار الياء المكسورة قبل الساكنة، وقرأت فرقة: "فيستحي" بسكون الياء دون ياء مكسورة قبلها. وقوله: {والله لا يستحيي} معناه: لا يقع منه ترك قول الحق، ولما كان ذلك يقع من البشر لعلة الاستحياء نفى عن الله تعالى العلة الموجبة لذلك في البشر.
وقوله تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا} الآية هي آية الحجاب، و"المتاع" عام في جميع ما يمكن أن يطلب على عرف السكنى والمجاورة من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا. ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن يريد من الخواطر التي تعرض للنساء في أمر الرجال.
قوله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} الآية، روي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال: "لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة "، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأذى به، هكذا كنى عنه ابن عباس بـ"بعض الصحابة"، وحكى مكي عن معمر أنه قال: "هو طلحة بن عبيد الله ".
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
لله در ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا عندي لا يصح على طلحة، الله عاصمه منه، وروي أن رجلا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة. "ما بال محمد يتزوج نساءنا، والله لو قد مات لأجلنا السهام على نسائه"، فنزلت الآية في هذا، وحرم الله نكاح أزواجه بعده، وجعل لهن حكم الأمهات، ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ثم رجعت تزوج عكرمة بن أبي جهل قتيلة بنت الأشعث بن قيس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجها ولم يبن بها، فصعب ذلك على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقلق له، فقال له عمر رضي الله عنه: مهلا، إنها ليست من نسائه، إنه لم يخيرها ولا أرخى عليها حجابا، وقد أبانتها منه ردتها مع قومها، فسكن أبو بكر رضي الله عنه، وذهب عمر إلى ألا يشهد جنازة زينب بنت جحش إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بالقبة، وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه، وروي أن ذلك صنع في جنازة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم).[المحرر الوجيز: 7/ 138-142]

تفسير قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما * لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا}
قوله تعالى: {إن تبدوا شيئا أو تخفوه} الآية ... وعيد وتوبيخ ووعيد لمن تقدم به التعريض في الآية قبلها، ممن أشير إليه بقوله: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}، ومن أشير إليه في قوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله}، فقيل لهم في هذه الآية: إن الله يعلم ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة، ويجازيكم عليها).[المحرر الوجيز: 7/ 143]

تفسير قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (ثم ذكر تبارك وتعالى الإباحة فيمن سمى من القرابة; إذ لا تقضي أحوال البشر إلا مداخلة من ذكر، وكثرة ترداده، وسلامة نفسه من أمر الغزل; لما تتحاشاه النفوس من ذوات المحارم، فمن ذلك الآباء والأولاد والإخوة وأبناؤهم وأبناء الأخوات.
وقوله تعالى: {ولا نسائهن} دخل فيه الأخوات والأمهات وسائر القرابات ومن يتصل من المنصرفات لهن، هذا قول جماعة من أهل العلم، ويؤيد قولهم هذه الإضافة المخصصة في قول: "نسائهن"، وقال ابن زيد وغيره: إنما أراد جميع النساء المؤمنات، وتخصيص الإضافة إنما هي في الإيمان.
وقوله: {أو ما ملكت أيمانهن} قالت طائفة: من الإماء دون العبيد، وقالت طائفة: من العبيد والإماء، ثم اختلفت هذه الطائفة، فقالت فرقة: ما ملكته من العبيد دون من ملك سواهن، وقالت فرقة: بل من جميع العبيد، كان في ملكهن أو في ملك غيرهن، والمكاتب إذا كان عنده ما يؤدي فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب الحجاب دونه، وفعلت ذلك أم سلمة مع مكاتبها نبهان، ذكره الزهراوي.
وقالت فرقة: دخل الأعمام في الآباء، وقال الشعبي، وعكرمة: لم يذكرهم لإمكان أن يصفوا لأبنائهم، وكذلك الأخوال، وكرهوا أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها.
واختلف المتأولون في المعنى الذي رفع فيه الجناح بهذه الآية، فقال قتادة: هو الحجاب، أي: أبيح لهذه الأصناف الدخول على النساء دون الحجاب ورؤيتهن، وقال مجاهد؛ ذلك في رفع الجلباب وإبداء الزينة.
ولما ذكر الله تعالى الرخصة في هذه الأصناف، وانجزمت الإباحة، عطف فأمرهن بالتقوى عطف جملة، على جملة وهذا في غاية البلاغة والإيجاز، كأنه قال: اقتصرن على هذا واتقين الله فيه أن تتعدينه إلى غيره، ثم توعد تبارك وتعالى بقوله: {إن الله كان على كل شيء شهيدا}). [المحرر الوجيز: 7/ 143-144]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 08:57 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 09:00 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيمًا (53) إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإنّ اللّه كان بكلّ شيءٍ عليمًا (54)}.
هذه آية الحجاب، وفيها أحكامٌ وآدابٌ شرعيّةٌ، وهي ممّا وافق تنزيلها قول عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه، كما ثبت ذلك في الصّحيحين عنه أنّه قال: وافقت ربّي في ثلاثٍ، فقلت: يا رسول اللّه، لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلًّى؟ فأنزل اللّه: {واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى} [البقرة: 125]. وقلت: يا رسول اللّه، إن نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر، فلو حجبتهنّ؟ فأنزل اللّه آية الحجاب. وقلت لأزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا تمالأن عليه في الغيرة: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ} [التّحريم:5]، فنزلت كذلك.
وفي روايةٍ لمسلمٍ ذكر أسارى بدرٍ، وهي قضيّةٌ رابعةٌ.
وقد قال البخاريّ: حدّثنا مسدّد، عن يحيى، عن حميد، أنّ أنس بن مالكٍ قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل اللّه آية الحجاب.
وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب بنت جحشٍ، الّتي تولّى اللّه تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السّنة الخامسة، في قول قتادة والواقديّ وغيرهما.
وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنّى، وخليفة بن خيّاطٍ: أنّ ذلك كان في سنة ثلاثٍ، فاللّه أعلم.
قال البخاريّ: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الرّقاشي، حدّثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدّثنا أبو مجلز، عن أنس بن مالكٍ، رضي اللّه عنه، قال: لمّا تزوّج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زينب بنت جحشٍ، دعا القوم فطعموا ثمّ جلسوا يتحدّثون، فإذا هو [كأنّه] يتهيّأ للقيام فلم يقوموا. فلمّا رأى ذلك قام، فلمّا قام [قام] من قام، وقعد ثلاثة نفرٍ. فجاء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليدخل، فإذا القوم جلوسٌ، ثمّ إنّهم قاموا فانطلقت، فجئت فأخبرت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّهم قد انطلقوا. فجاء حتّى دخل، فذهبت أدخل، فألقى [الحجاب] بيني وبينه، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ} الآية.
وقد رواه أيضًا في موضعٍ آخر، ومسلمٌ والنّسائيّ، من طرقٍ، عن معتمر بن سليمان، به. ثمّ رواه البخاريّ منفردًا به من حديث أيّوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالكٍ، رضي اللّه عنه، [بنحوه. ثمّ قال: حدّثنا أبو معمرٍ، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز بن صهيبٍ، عن أنسٍ بن مالكٍ] قال: بني [على] النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب بنت جحشٍ بخبزٍ ولحمٍ، فأرسلت على الطّعام داعيًا، فيجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون. فدعوت حتّى ما أجد أحدًا أدعوه، فقلت: يا نبيّ اللّه، ما أجد أحدًا أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم"، وبقي ثلاثة رهطٍ يتحدّثون في البيت، فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السّلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته". قالت: وعليك السّلام ورحمة اللّه، كيف وجدت أهلك، بارك اللّه لك؟ فتقرّى حجر نسائه كلّهن، يقول لهنّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثمّ رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا رهطٌ ثلاثةٌ [في البيت] يتحدّثون. وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أم أخبر أنّ القوم خرجوا؟ فرجع حتّى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله، وأخرى خارجه، أرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
انفرد به البخاريّ من بين أصحاب الكتب [السّتّة]، سوى النّسائيّ في اليوم واللّيلة، من حديث عبد الوارث.
ثمّ رواه عن إسحاق -هو ابن منصورٍ -عن عبد اللّه بن بكرٍ السّهميّ، عن حميد، عن أنسٍ، بنحو ذلك، وقال: "رجلان" انفرد به من هذا الوجه. وقد تقدّم في أفراد مسلمٍ من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو المظفّر، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد -أبي عثمان اليشكري -عن أنس بن مالكٍ قال: أعرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببعض نسائه، فصنعت أمّ سليمٍ حيسًا ثمّ وضعته في تور، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأقرئه منّي السّلام، وأخبره أنّ هذا منّا له قليلٌ -قال أنسٌ: والنّاس يومئذٍ في جهد -فجئت به فقلت: يا رسول اللّه، بعثت بهذا أمّ سليم إليك، وهي تقرئك السّلام، وتقول: أخبره أنّ هذا منّا له قليلٌ، فنظر إليه ثمّ قال: "ضعه" فوضعته في ناحية البيت، ثمّ قال: "اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا". وسمّى رجالًا كثيرًا، وقال: "ومن لقيت من [المسلمين". فدعوت من قال لي، ومن لقيت من] المسلمين، فجئت والبيت والصّفّة والحجرة ملأى من النّاس -فقلت: يا أبا عثمان، كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائةٍ -قال أنسٌ: فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "جئ به". فجئت به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال: "ما شاء اللّه". ثمّ قال: "ليتحلّق عشرة عشرة، وليسمّوا، وليأكل كلّ إنسانٍ ممّا يليه". فجعلوا يسمّون ويأكلون، حتّى أكلوا كلّهم. فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ارفعه". قال: فجئت فأخذت التّور فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت؟ قال: وتخلّف رجالٌ يتحدّثون في بيت رسول اللّه، وزوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي دخل بها معهم مولّية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أشدّ النّاس حياءً -ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزًا- فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج فسلّم على حجره وعلى نسائه، فلمّا رأوه قد جاء ظنّوا أنّهم قد ثقّلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى أرخى السّتر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيته يسيرًا، وأنزل اللّه عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا} إلى قوله: {بكلّ شيءٍ عليمًا}. قال أنسٌ: فقرأهنّ عليّ قبل النّاس، فأنا أحدث الناس بهن عهدا.
وقد رواه مسلمٌ والتّرمذيّ والنّسائيّ جميعًا، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، به. وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ وعلّقه البخاريّ في كتاب النّكاح فقال:
وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنسٍ، فذكر نحوه.
ورواه مسلمٌ أيضًا عن محمّد بن رافعٍ، عن عبد الرّزّاق، عن معمر، عن الجعد، به. وقد روى هذا الحديث عبد اللّه بن المبارك، عن شريك، عن بيان بن بشرٍ، عن أنسٍ، بنحوه.
وروى البخاريّ والتّرمذيّ، من طريقين آخرين، عن بيان بن بشرٍ الأحمسي الكوفيّ، عن أنسٍ، بنحوه.
ورواه ابن أبي حاتمٍ أيضًا، من حديث أبي نضرة العبديّ، عن أنس بن مالكٍ، بنحوه ورواه ابن جريرٍ من حديث عمرو بن سعيدٍ، ومن حديث الزّهريّ، عن أنسٍ، بنحو ذلك.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: لمّا انقضت عدّة زينب قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ليزيد "اذهب فاذكرها عليّ". قال: فانطلق زيدٌ حتّى أتاها، قال: وهي تخمّر عجينها، فلمّا رأيتها عظمت في صدري = وذكر تمام الحديث، كما قدّمناه عند قوله: {فلمّا قضى زيدٌ منها وطرًا}، وزاد في آخره بعد قوله: ووعظ القوم بما وعظوا به. قال هاشمٌ في حديثه: {لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديثٍ إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم واللّه لا يستحيي من الحقّ}.
وقد أخرجه مسلمٌ والنّسائيّ، من حديث سليمان بن المغيرة، به.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن -ابن أخي ابن وهبٍ -حدّثني عمّي عبد اللّه بن وهبٍ، حدّثني يونس عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: إنّ أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كنّ يخرجن باللّيل إذا تبرّزن إلى المناصع -وهو صعيدٌ أفيح -وكان عمر يقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: احجب نساءك. فلم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة. حرصًا أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب.
هكذا وقع في هذه الرّواية. والمشهور أنّ هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإمام أحمد والبخاريّ ومسلمٌ، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي اللّه عنها، قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأةً جسيمةً لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطّاب فقال: يا سودة، أما واللّه ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعةً، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيتي، وإنّه ليتعشّى، وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول اللّه، إنّي خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى اللّه إليه، ثمّ رفع عنه وإنّ العرق في يده، ما وضعه. فقال: "إنّه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ". لفظ البخاريّ.
فقوله: {لا تدخلوا بيوت النّبيّ}: حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بغير إذنٍ، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهليّة وابتداء الإسلام، حتّى غار اللّه لهذه الأمّة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمّة؛ ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إيّاكم والدّخول على النّساء".
ثمّ استثنى من ذلك فقال: {إلا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه}.
قال مجاهدٌ وقتادة وغيرهما: أي غير متحيّنين نضجه واستواءه، أي: لا ترقبوا الطّعام حتّى إذا قارب الاستواء تعرّضتم للدّخول، فإنّ هذا يكرهه اللّه ويذمّه. وهذا دليلٌ على تحريم التّطفيل، وهو الّذي تسمّيه العرب الضّيفن، وقد صنّف الخطيب البغداديّ في ذلك كتابًا في ذمّ الطّفيليّين. وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.
ثمّ قال تعالى: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا}. وفي صحيح مسلمٍ عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسًا كان أو غيره". وأصله في الصّحيحين وفي الصّحيح أيضًا، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لو دعيت إلى ذراعٍ لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت، فإذا فرغتم من الّذي دعيتم إليه فخفّفوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض" ؛ ولهذا قال: {ولا مستأنسين لحديثٍ} أي: كما وقع لأولئك النّفر الثّلاثة الّذين استرسل بهم الحديث، ونسوا أنفسهم، حتّى شقّ ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما قال [اللّه] تعالى: {إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ فيستحيي منكم}.
وقيل: المراد أنّ دخولكم منزله بغير إذنه كان يشقّ عليه ويتأذّى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدّة حيائه، عليه السّلام، حتّى أنزل اللّه عليه النّهي عن ذلك؛ ولهذا قال: {واللّه لا يستحيي من الحقّ} أي: ولهذا نهاكم عن ذلك وزجركم عنه.
ثمّ قال تعالى: {وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجابٍ} أي: وكما نهيتكم عن الدّخول عليهنّ، كذلك لا تنظروا إليهنّ بالكلّيّة، ولو كان لأحدكم حاجةٌ يريد تناولها منهنّ فلا ينظر إليهنّ، ولا يسألهنّ حاجةً إلّا من وراء حجابٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن مسعر، عن موسى بن أبي كثيرٍ، عن مجاهدٍ، عن عائشة قالت: كنت آكل مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حيسًا في قعب، فمرّ عمر فدعاه، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حسّ -أو: أوّه -لو أطاع فيكنّ ما رأتك عينٌ. فنزل الحجاب.
{ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ} أي: هذا الّذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب.
وقوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيمًا}: قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا عليّ بن الحسين، حدّثنا محمّد بن أبي حمّادٍ، حدّثنا مهران، عن سفيان، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ في قوله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه} قال: نزلت في رجل همّ أن يتزوّج بعض نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. قال رجلٌ لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك.
وكذا قال مقاتل بن حيّان، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السّدّيّ أنّ الّذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد اللّه، رضي اللّه عنه، حتّى نزل التّنبيه على تحريم ذلك؛ ولهذا أجمع العلماء قاطبةً على أنّ من توفّي عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أزواجه أنّه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنّهنّ أزواجه في الدّنيا والآخرة وأمّهات المؤمنين، كما تقدّم. واختلفوا فيمن دخل بها ثمّ طلّقها في حياته هل يحلّ لغيره أن يتزوّجها؟ على قولين، مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله: {من بعده} أم لا؟ فأمّا من تزوّجها ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلّها لغيره -والحالة هذه -نزاعًا، واللّه أعلم.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني [محمّد] بن المثنّى، حدّثنا عبد الوهّاب، حدّثنا داود، عن عامرٍ؛ أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مات وقد ملك قيلة بنت الأشعث -يعني: ابن قيسٍ -فتزوّجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشقّ ذلك على أبي بكرٍ مشقّةً شديدةً، فقال له عمر: يا خليفة رسول اللّه، إنّها ليست من نسائه، إنّها لم يخيّرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولم يحجبها، وقد برّأها اللّه منه بالرّدّة الّتي ارتدت مع قومها. قال: فاطمأنّ أبو بكرٍ، رضي اللّه عنهما وسكن.
وقد عظّم اللّه تبارك وتعالى ذلك، وشدّد فيه وتوعّد عليه بقوله: {إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيمًا}، ثمّ قال: {إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإنّ اللّه كان بكلّ شيءٍ عليمًا} أي: مهما تكنّه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإنّ اللّه يعلمه؛ فإنّه لا تخفى عليه خافيةٌ، {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور} [غافرٍ: 19] ). [تفسير ابن كثير: 6/ 450-456]

تفسير قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهنّ واتّقين اللّه إنّ اللّه كان على كلّ شيءٍ شهيدًا (55)}.
لـمّا أمر تعالى النّساء بالحجاب من الأجانب، بيّن أنّ هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في سورة النّور، عند قوله: {ولا يبدين زينتهنّ إلا لبعولتهنّ أو آبائهنّ أو آباء بعولتهنّ أو أبنائهنّ أو أبناء بعولتهنّ أو إخوانهنّ أو بني إخوانهنّ أو بني أخواتهنّ أو نسائهنّ} إلى آخرها، [النّور: 31]، وفيها زياداتٌ على هذه. وقد تقدّم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته. وقد سأل بعض السّلف فقال: لم لم يذكر العمّ والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشّعبيّ: بأنّهما لم يذكرا؛ لأنّهما قد يصفان ذلك لبنيهما. قال ابن جريرٍ: حدّثني محمّد بن المثنّى، حدّثنا حجّاج بن منهال، حدّثنا حمّادٌ، حدّثنا داود، عن الشّعبيّ وعكرمة في قوله: {لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهنّ} قلت: ما شأن العمّ والخال لم يذكرا؟ قالا هما ينعتانها لأبنائهما. وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمّها.
وقوله: {ولا نسائهنّ}: يعني بذلك: عدم الاحتجاب من النّساء المؤمنات.
وقوله: {ولا ما ملكت أيمانهنّ} يعني به: أرقاءهن من الذّكور والإناث، كما تقدّم التّنبيه عليه، وإيراد الحديث فيه.
قال سعيد بن المسيّب: إنّما يعني به: الإماء فقط. رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقوله: {واتّقين اللّه إنّ اللّه كان على كلّ شيءٍ شهيدًا} أي: واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنّه شهيدٌ على كلّ شيءٍ، لا تخفى عليه خافية، فراقبن الرقيب). [تفسير ابن كثير: 6/ 456]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:02 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة