العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأحزاب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 7 جمادى الأولى 1434هـ/18-03-2013م, 12:20 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,305
افتراضي تفسير سورة الأحزاب [ من الآية (69) إلى الآية (73) ]

تفسير سورة الأحزاب
[ من الآية (69) إلى الآية (73) ]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (73)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16 جمادى الأولى 1434هـ/27-03-2013م, 10:50 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,305
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الحسن وقتادة في قوله لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا قالا إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة فلا يستترون وكان موسى رجلا حييا لا يفعل ذلك فكانوا يقولون ما يمنع موسى أن يسعى معنا إلا أنه آدر فاغتسل يوما ووضع ثوبه على حجر فسعى الحجر بثوبه فأتبعه موسى خلفه ويقول ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى مر على بني إسرائيل فنظروا إليه فرأوه بريئا مما كانوا يقولون فأدرك الحجر فأخذ ثوبه). [تفسير عبد الرزاق: 2/124]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن همام بن منبه قال سمعت أبا هريرة يقول قال النبي كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض وكان موسى يغتسل وحده فقالوا ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا آدر فذهب يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجمح موسى في أثره يقول ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوءة موسى فقالوا والله ما بموسى بأس قال فقام الحجر بعدما نظروا إليه فأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضربا قال أبو هريرة إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة أثر ضربه بالحجر). [تفسير عبد الرزاق: 2/124]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69]
- حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، حدّثنا عوفٌ، عن الحسن، ومحمّدٍ، وخلاسٍ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: " إنّ موسى كان رجلًا حييًّا، وذلك قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا، وكان عند اللّه وجيهًا} [الأحزاب: 69] "). [صحيح البخاري: 6/121]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب لا تكونوا كالّذين آذوا)
موسى ذكر فيه طرفًا من قصّة موسى مع بني إسرائيل وقد تقدّم بسنده مطوّلًا في أحاديث الأنبياء مع شرحه مستوفًى وقد روى أحمد بن منيعٍ في مسنده والطبري وبن أبي حاتم بإسناد قوي عن بن عبّاسٍ عن عليٍّ قال صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون فقال بنو إسرائيل لموسى أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشدّ حبًّا فآذوه بذلك فأمر اللّه الملائكة فحملته فمرّت به على مجالس بني إسرائيل فعلموا بموته قال الطّبريّ يحتمل أن يكون هذا المراد بالأذى في قوله لا تكونوا كالّذين آذوا موسى قلت وما في الصّحيح أصحّ من هذا لكن لا مانع أن يكون للشّيء سببان فأكثر كما تقدم تقريره غير مرّة). [فتح الباري: 8/534-535]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} (الأحزاب: 69)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {يا أيها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} أي: لا تؤذوا محمّدًا كما آذى بنو: إسرائيل موسى، والّذي آذوه به هو قولهم إنّه آدر، وهو العظيم الخصيتين، وقيل: قولهم: أنه قتل هارون وقيل: إنّهم رموه بالسحر والجنون.
- حدّثني إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح بن عبادة حدّثنا عوفٌ عن الحسن ومحمّد وخلاسٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ موسى كان رجلاً حييًّا وذالك قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} فبرّأه الله ممّا قالوا: {وكان عند الله وجيهاً} .
(انظر الحديث 278 وطرفه) .
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وعوف هو المعروف بالأعرابي، والحسن هو البصريّ، ومحمّد بن سيرين، وخلاس، بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللّام وبالسين المهملة: ابن عمرو الهجري، بفتح الهاء والجيم وبالراء.
والحديث مضى مطولا في أحاديث الأنبياء عليهم السّلام، في قصّة موسى مع بني إسرائيل.
قوله: (حيياً) ، على وزن فعيل من الحياة، وكان لا يغتسل إلاّ في الخلوة فاتهموه بأنّه أدر وآذوه بذلك فبرأه الله ممّا قالوا حيث أخذ الحجر ثوبه وذهب به إلى ملاء بني إسرائيل، واتبعه موسى عريانا فرأوه لا عيب فيه، عليه صلوات الله وسلامه. قوله: (وجيهاً) ، أي: كريمًا مقبولًا ذا جاه). [عمدة القاري: 19/127]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69]
(قوله: {لا تكونوا}) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: لا تكونوا ({كالذين آذوا موسى}) [الأحزاب: 69] أي لا تؤذوا رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- كما آذى بنو إسرائيل موسى.
- حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، حدّثنا عوفٌ عن الحسن ومحمّدٍ وخلاسٍ عن أبي هريرة، -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «إنّ موسى كان رجلًا حييًّا، وذلك قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا}».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (روح بن عبادة) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة البصري قال: (حدّثنا عوف) هو ابن أبي جميلة عرف بالأعرابي (عن الحسن) هو البصري (ومحمد) هو ابن سيرين (وخلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبعد الألف مهملة ابن عمرو الهجري البصري الثلاثة (عن أبي هريرة -رضي الله عنه-) أنه (قال: قال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-):
(إن موسى) عليه الصلاة والسلام (كان رجلًا حييًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التحتية الأولى وتشديد الثانية أي كثير الحياء. زاد في أحاديث الأنبياء ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر موسى هذا التستر إلا بعيب في جلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وأن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا
أحسن ما خلق الله وبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بالعصا فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا. (وذلك قوله تعالى): محذرًا أهل المدينة أن يؤذوا رسول الله كما آذى بنو إسرائيل موسى ({يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله}) فأظهر الله براءته ({مما قالوا وكان عند الله وجيهًا}) أي كريمًا ذا جاه وما مصدرية أو بمعنى الذي. وسبق في أحاديث الأنبياء أن خلاسًا والحسن لم يسمعا من أبي هريرة.
وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا جدًّا وذكره تامًّا في أحاديث الأنبياء). [إرشاد الساري: 7/307-308]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوفٍ، عن الحسن، ومحمّدٍ، وخلاسٍ، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أنّ موسى عليه السّلام كان رجلاً حييًّا ستيرًا ما يرى من جلده شيءٌ استحياءً منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التّستّر إلاّ من عيبٍ بجلده إمّا برصٌ وإمّا أدرةٌ وإمّا آفةٌ، وإنّ اللّه عزّ وجلّ أراد أن يبرّئه ممّا قالوا، وإنّ موسى خلا يومًا وحده فوضع ثيابه على حجرٍ ثمّ اغتسل فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإنّ الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، حتّى انتهى إلى ملإٍ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن النّاس خلقًا، وأبرأه ممّا كانوا يقولون قال: وقام الحجر فأخذ ثوبه ولبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللّه إنّ بالحجر لندبًا من أثر عصاه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند الله وجيهًا}.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد روي من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم). [سنن الترمذي: 5/213]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى}
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا روحٌ، قال: حدّثنا عوفٌ، عن خلاسٍ، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: " كان موسى حييًّا ستّيرًا، لا يري من جلده شيئًا استحياءً، فآذاه بعض بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا السّتر إلّا من شيءٍ بجلده، إمّا برصٌ وإمّا أدرةٌ، أو آفةٌ، فدخل ليغتسل، ووضع ثيابه على الحجر، فعدا الحجر بثيابه، فخرج يشتدّ في أثره، فرآه بنو إسرائيل أحسن النّاس خلقًا، وأبرأه ممّا يقولون، فذلك قوله عزّ وجلّ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69].
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا النّضر، عن عوفٍ، بهذا الإسناد مثله). [السنن الكبرى للنسائي: 10/227]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا}.
يقول تعالى ذكره لأصحاب نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا أيّها الّذين آمنوا باللّه ورسوله لا تؤذوا رسول اللّه بقولٍ يكرهه منكم، ولا بفعلٍ لا يحبّه منكم، ولا تكونوا أمثال الّذين آذوا موسى نبيّ اللّه، فرموه بعيبٍ كذبًا وباطلاً {فبرّأه اللّه ممّا قالوا} فيه من الكذب والزّور بما أظهر من البرهان على كذبهم {وكان عند اللّه وجيهًا} يقول: وكان موسى عند اللّه مشفّعًا فيما يسأل، ذا وجهٍ ومنزلةٍ عنده بطاعته إيّاه.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في الأذى الّذي أوذي به موسى الّذي ذكره اللّه في هذا الموضع، فقال بعضهم: رموه بأنّه آدر وروى بذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبرًا.
ذكر الرّواية الّتي رويت عنه، ومن قال ذلك:
- حدّثني أبو السّائب، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبيرٍ، وعبد اللّه بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} قال: قال له قومه: إنّك آدر، قال: فخرج ذات يومٍ يغتسل، فوضع ثيابه على صخرةٍ، فخرجت الصّخرة تشتدّ بثيابه، وخرج يتبعها عريانًا حتّى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، قال: فذلك قوله: {فبرّأه اللّه ممّا قالوا}.
- حدّثني يحيى بن داود الواسطيّ، قال: حدّثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن جابرٍ، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} قال: قالوا: هو آدر، قال: فذهب موسى يغتسل، فوضع ثيابه على حجرٍ، فمرّ الحجر بثيابه، فتبع موسى قفاه، فقال: ثيابي حجر، فمرّ بمجلس بني إسرائيل، فرأوه، فبرّأه اللّه ممّا قالوا {وكان عند اللّه وجيهًا}.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} إلى: {وجيهًا} قال: كان أذاهم موسى أنّهم قالوا: واللّه ما يمنع موسى أن يضع ثيابه عندنا إلاّ أنّه آدر، فآذى ذلك موسى؛ فبينما هو ذات يومٍ يغتسل وثوبه على صخرةٍ؛ فلمّا قضى موسى غسله وذهب إلى ثوبه ليأخذه، انطلقت الصّخرة تسعى بثوبه، وانطلق يسعى في إثرها حتّى مرّت على مجلس بني إسرائيل وهو يطلبها؛ فلمّا رأوا موسى صلّى اللّه عليه وسلّم متجرّدًا لا ثوب عليه، قالوا: وللّه ما نرى بموسى بأسًا، وإنّه لبريءٌ ممّا كنّا نقول له، فقال اللّه: {فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا}.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} الآية، قال: كان موسى رجلاً شديد المحافظة على فرجه وثيابه، قال: فكانوا يقولون: ما يحمله على ذلك إلاّ عيبً في فرجه يكره أن يرى؛ فقام يومًا يغتسل في الصّحراء، فوضع ثيابه على صخرةٍ، فاشتدّت بثيابه، قال: وجاء يطلبها عريانًا، حتّى اطّلع عليهم عريانًا، فرأوه بريئًا ممّا قالوا، وكان عند اللّه وجيهًا قال: والوجيه في كلام العرب: المحبّ المقبول.
وقال آخرون: بل وصفوه بأنّه أبرص.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قال بنو إسرائيل: إنّ موسى آدر؛ وقالت طائفةٌ: هو أبرص من شدّةٍ تستره، وكان يأتي كلّ يومٍ عينًا، فيغتسل ويضع ثيابه على صخرةٍ عندها، فعدت الصّخرة بثيابه حتّى انتهت إلى مجلس بني إسرائيل، وجاء موسى يطلبها؛ فلمّا رأوه عريانًا ليس به شيءٌ ممّا قالوا، لبس ثيابه ثمّ أقبل على الصّخرة يضربها بعصاه، فأثّرت العصا في الصّخرة.
- حدّثنا بحر بن حبيب بن عربيٍّ، قال: حدّثنا روح بن عبادة، قال: حدّثنا عوفٌ، عن محمّدٍ، عن أبي هريرة في هذه الآية {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا} الآية، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ موسى كان رجلاً حييًّا ستّيرًا، لا يكاد يرى من جلده شيءٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا التّستّر إلاّ من عيبٍ في جلده، إمّا برصٌ، وإمّا أدرةٌ، وإمّا آفةٌ، وإنّ اللّه أراد أن يبرّئه ممّا قالوا، وإنّ موسى خلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على حجرٍ، ثمّ اغتسل؛ فلمّا فرغ من غسله أقبل على ثوبه ليأخذه، وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصا وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، حتّى انتهى إلى ملإٍ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا كأحسن النّاس خلقًا، وبرّأه اللّه ممّا قالوا، وإنّ الحجر قام، فأخذ ثوبه ولبسه، فطفق بالحجر ضربًا بذلك، فواللّه إنّ في الحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسن، قال: بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: كان موسى رجلاً حييًّا ستّيرًا ثمّ ذكر نحوًا منه
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: حدّث الحسن، عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: إنّ بني إسرائيل كانوا يغتسلون وهم عراةٌ، وكان نبيّ اللّه موسى منه الحياء والسّتر، فكان يتستّر إذا اغتسل، فطعنوا فيه بعورةٍ، قال: فبينا نبيّ اللّه يغتسل يومًا، إذ وضع ثيابه على صخرةٍ، فانطلقت الصّخرة وأتبعها نبيّ اللّه ضربًا بعصاه: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتّى انتهت إلى ملإٍ من بني إسرائيل، وتوسّطتهم، فقامت، فأخذ نبيّ اللّه ثيابه، فنظروا إلى أحسن النّاس خلقًا، وأعدله صورةً، فقال الملأ: قاتل اللّه أفّاكي بني إسرائيل، فكانت براءته الّتي برّأه اللّه منها.
وقال آخرون: بل كان أذاهم إيّاه ادّعاءهم عليه قتل هارون أخيه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عليّ بن مسلمٍ الطّوسيّ، قال: حدّثنا عبّادٌ، قال: حدّثنا سفيان بن بن حسينٍ، عن الحكم، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، رضي اللّه عنه، في قول اللّه: {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} الآية، قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشدّ حبًّا لنا منك، وألين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر اللّه الملائكة فحملته حتّى مرّوا به على بني إسرائيل، وتكلّمت الملائكة بموته، حتّى عرف بنو إسرائيل أنّه قد مات، فبرّأه اللّه من ذلك فانطلقوا به فدفنوه، فلم يطلع على قبره أحدٌ من خلق اللّه إلاّ الرّخم، فجعله اللّه أصمّ أبكم.
- وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: إنّ بني إسرائيل آذوا نبيّ اللّه ببعض ما كان يكره أن يؤذى به، فبرّأه اللّه ممّا آذوه به، وجائزٌ أن يكون ذلك ما ذكر أنّهم قالوا: إنّه آدر وجائزٌ أن يكون كان قيلهم إنّه أبرص، وجائزٌ أن يكون كان ادّعاءهم عليه قتل أخيه هارون وجائزٌ أن يكون كلّ ذلك، لأنّه قد ذكر كلّ ذلك أنّهم قد آذوه به، ولا قول في ذلك أولى بالحقّ ممّا قال اللّه إنّهم آذوا موسى، فبرّأه اللّه ممّا قالوا). [جامع البيان: 19/190-195]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمنا آدم نا شيبان عن جابر عن عكرمة عن أبي هريرة قال قرأ رسول الله يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا فقال إن بني إسرائيل كانوا يقولون أن موسى آدر فانطلق موسى إلى النهر فاغتسل ووضع ثيابه على حجر فاشتد الحجر بثيابه قال أبو هريرة فإني أنظر إلى النبي يحكي موسى يحرك يديه ويقول ثيابي يا حجر ثيابي يا حجر فمر على بني إسرائيل فنظروا فلم يرو شيئا). [تفسير مجاهد: 521]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله عزّ وجلّ: {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69] الآية. قال: " له قومه به أدرة فخرج ذات يومٍ يغتسل، فوضع ثيابه على صخرةٍ، فخرجت الصّخرة تشتدّ بثيابه فخرج موسى يتبعها عريانًا حتّى انتهت إلى مجالس بني إسرائيل فرأوه وليس بآدر فذلك قوله عزّ وجلّ: {فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا} [الأحزاب: 69] «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه بهذه السّياقة»). [المستدرك: 2/457]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) أبو هريرة - رضي الله عنه -: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعضٍ، وكان موسى - عليه السلام- يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، قال: فذهب مرّة يغتسل، فوضع ثوبه على حجرٍ، ففرّ الحجر بثوبه، قال: فجمح موسى -عليه السلام - بإثره، يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. فقالوا: والله ما بموسى من بأسٍ. فقام الحجر حتى نظر إليه، قال: فأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً، قال أبو هريرة: والله إنّ بالحجر ندباً - ستّة أو سبعة - من ضرب موسى بالحجر».
هذه رواية البخاري، ومسلم.
وللبخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ موسى كان رجلاً حييّاً ستّيراً، لا يرى شيءٌ من جلده، استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا السّتر إلا من عيبٍ بجلده: إمّا برصٍ، وإمّا أدرةٍ، وإمّا آفةٍ، وإنّ الله أراد أن يبرّئه ممّا قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملإ بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر؛ فأخذه بثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فو الله إنّ بالحجر لندباً من أثر ضربه - ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً - فذلك قوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرّأه اللّه مما قالوا وكان عند اللّه وجيهاً} ».
ولمسلم قال: وكان موسى رجلاً حييّاً، قال: فكان لا يرى متجرّداً، قال: فقالت بنو إسرائيل: إنهّ آدر، قال: فاغتسل عند مويهٍ، فوضع ثوبه على حجرٍ، فانطلق الحجر يسعى، واتّبعه بعصاه يضربه: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى وقف على ملأٍ من بني إسرائيل، فنزلت: {يا أيّها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرّأه اللّه مما قالوا وكان عند اللّه وجيهاً}، وأخرجه الترمذي مثل رواية البخاري المفردة.
[شرح الغريب]
(سوأة) السوأة: كل ما يستحي الإنسان منه إذا انكشف.
(آدر) الأدرة: نفخة في الخصية، والرجل آدر.
(فجمح) جمح: إذا أسرع.
(ندباً) الندب: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب في الحجر.
(ملأ) الملأ: أشراف الناس إذا كانوا مجتمعين). [جامع الأصول: 2/323-325]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه} [الأحزاب: 69].
- عن أنسٍ عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال: " «كان موسى رجلًا حييًّا، وإنّه أتى - أحسبه قال: الماء - ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرةٍ وكان لا يكاد تبدو عورته، فقالت بنو إسرائيل: إن موسى آدر وبه آفةٌ، يعنون أنّه لا يضع ثيابه، فاحتملت الصّخرة ثيابه حتّى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى - صلّى اللّه عليه وسلّم - كأحسن الرّجال ". أو كما قال فذلك قوله: {فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا} [الأحزاب: 69]».
رواه البزّار، وفيه عليّ بن زيدٍ وهو ثقةٌ سيّئ الحفظ، وبقيّة رجاله ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/93-94]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (حدّثنا روح بن حاتمٍ، وأحمد بن المعلّى الأدميّ، قالا: ثنا يحيى بن حمّادٍ، ثنا حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيدٍ، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: كان موسى رجلًا حييًّا، وإنّه أتى - أحسبه قال: الماء - ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرةٍ، وكان لا يكاد يبدو عورته، فقالت بنو إسرائيل: إنّ موسى آدر، وبه آفةٌ، يعنون: أنّه لا يضع ثيابه فاحتملت الصّخرة ثيابه حتّى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى صلّى اللّه عليه وسلّم كأحسن الرّجال، أو كما قال، فذلك قوله: {فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا} [الأحزاب: 69].
قال البزّار: لا نعلمه يروى عن أنسٍ إلا بهذا الإسناد، ولا رواه عن حمّادٍ إلا يحيى وعبيد اللّه ابن عائشة). [كشف الأستار عن زوائد البزار: 3/66-67]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أحمد بن منيعٍ: ثنا عبّاد بن العوّام، ثنا سفيان بن حسينٍ، عن الحكم، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن عليٍّ- رضي اللّه عنه- "في قوله- عزّ وجلّ-: (لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا) قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشدّ حبًّا لنا منك، وألين لنا منك. فآذوه بذلك. فأمر اللّه الملائكة فحملوه حتّى مرّوا على بني إسرائيل فتكلمت الملائكة بموته، حتى عرفت بنو إسرائيل أنّه قد مات، فانطلقوا به فدفنوه، فلم يطّلع على قبره أحدٌ من خلق الله- عز وجل- إلا الرخم فجعله اللّه أصمّ أبكم".
هذا إسنادٌ صحيحٌ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/256]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال أحمد بن منيعٍ: حدثنا عبّاد بن العوّام، ثنا سفيان بن حسينٍ، عن الحكم، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن عليٍّ رضي الله عنهم في قوله عزّ وجلّ: {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا}، قال: صعد موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام... فذكر الحديث في " لا تكونوا كالّذين آذوا موسى ".
وقد تقدّم في أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 15/122]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها.
أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد والبخاري والترمذي، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان موسى عليه السلام كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فاذاه من أذاه من بني اسرائيل وقالوا ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده، اما برص واما أدرة وأما آفة وان الله أراد أن يبرئه مما قالوا وان موسى عليه السلام خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وان الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عليه السلام عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني اسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله ان بالحجر لندبا من أثر ضربه، ثلاثا، أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} ). [الدر المنثور: 12/150-151]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البزار، وابن الانباري في المصاحف وة عن أنس رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: كان موسى رجلا حييا وانه أتى ليغتسل فوضع ثيابه على صخرة وكان لا يكاد تبدو عورته فقالت بنو اسرائيل: ان موسى عليه السلام آدر به آفة - يعنون انه لا يضع ثيابه - فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني اسرائيل فنظروا إلى موسى عليه السلام كأحسن الرجال فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} ). [الدر المنثور: 12/151]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان موسى بن عمران كان اذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء). [الدر المنثور: 12/152]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} قال: قال له قومه: انه آدر، فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على صخرة فخرجت الصخرة تشتد بثيابه فخرج موسى عليه السلام يتبعها عريانا حتى انتهت به إلى مجالس بني اسرائيل فرأوه وليس بآدر فذلك قوله {فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} ). [الدر المنثور: 12/152]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن منيع، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون عليه السلام فقالت بنو اسرائيل لموسى عليه السلام: أنت قتلته كان أشد حبا لنا منك وألين فآذوه من ذلك فأمر الله الملائكة عليهم السلام فحملته فمروا به على مجالس بني اسرائيل وتكلمت الملائكة عليهم السلام بموته فبرأه الله من ذلك فانطلقوا به فدفنوه ولم يعرف قبره إلا الرخم وان الله جعل أصم أبكم). [الدر المنثور: 12/152]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الحاكم وصححه من طريق السدي رضي الله عنه عن أبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مرة عن ابن مسعود رضي الله عنه وناس من الصحابة، ان الله أوحى إلى موسى عليه السلام: اني متوف هارون فائت به جبل كذا وكذا، فانطلقا نحو الجبل فاذا هم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيب فلما نظر هارون عليه السلام إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال: يا موسى أني أحب أن أنام على هذا السرير قال: نم عليه قال: نم معي، فلما ناما أخذ هارون عليه السلام الموت فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء فلما رجع موسى عليه السلام إلى بني اسرائيل قالوا: قتل هارون عليه السلام وحسده حب بني اسرائيل له وكان هارون عليه السلام أكف عنهم وألين لهم وكان موسى عليه السلام فيه بعض الغلظة عليهم فلما بلغه ذلك قال: ويحكم انه كان أخي أفتروني أقتله فلما أكثروا عليه قام يصلي ركعتين ثم دعا الله فنزلت الملائكة بالسرير حتى نظروا اليه بين السماء والارض فصدقوه). [الدر المنثور: 12/153]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} قال: لا تؤذوا محمدا كما آذى قوم موسى، موسى). [الدر المنثور: 12/153]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقال رجل: ان هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فاحمر وجهه ثم قال رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر). [الدر المنثور: 12/153-154]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {وكان عند الله وجيها} قال: مستجاب الدعوة). [الدر المنثور: 12/154]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سنان عمن حدثه في قوله {وكان عند الله وجيها} قال: ما سأل موسى عليه السلام ربه شيئا قط إلا أعطاه إياه إلا النظر). [الدر المنثور: 12/154]

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وقولوا قولاً سديدًا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اللّه ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا}.
يقول تعالى ذكره: يا أيّها الّذين صدّقوا اللّه ورسوله، اتّقوا اللّه أن تعصوه، فتستحقّوا بذلك عقوبته.
وقوله: {وقولوا قولاً سديدًا} يقول: قولوا في رسول اللّه والمؤمنين قولاً قاصدًا غير جائزٍ، حقًّا غير باطلٍ.
- كما حدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ {وقولوا قولاً سديدًا} يقول: سدادًا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا عنبسة، عن الكلبيّ {وقولوا قولاً سديدًا} قال: صدقًا.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {اتّقوا اللّه وقولوا قولاً سديدًا} أي عدلاً، قال قتادة: يعني به في منطقه وفي عمله كلّه، والسّديد: الصّدق.
- حدّثني سعد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: حدّثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، في قول اللّه: {وقولوا قولاً سديدًا} قولوا: لا إله إلاّ اللّه). [جامع البيان: 19/195-196]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمنا آدم نا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله قولا سديدا يعني صدقا). [تفسير مجاهد: 521]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم ثنا آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال يعني قولا سدادا). [تفسير مجاهد: 521]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وقولوا قولًا سديدًا} [الأحزاب: 70].
- «عن عبد اللّه بن قيسٍ قال: صلّى بنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - صلاةً ثمّ قال: " على مكانكم اثبتوا ". ثمّ أتى الرّجال فقال: " إنّ اللّه - عزّ وجلّ - أمرني أن آمركم أن تتّقوا اللّه وأن تقولوا قولًا سديدًا "، ثمّ تخلّل إلى النّساء فقال لهنّ: " اللّه أمرني أن آمركم أن تتّقوا اللّه وأن تقولوا قولًا سديدًا» ".
رواه أحمد والطّبرانيّ إلّا أنّه قال في النّساء: " «إنّ اللّه أمرني أن آمركنّ أن تتّقين اللّه وأن تقلن قولًا سديدًا» "، وفيه ليث بن أبي سليمٍ وهو مضطرب الحديث، وبقيّة رجالهما رجال الصّحيح). [مجمع الزوائد: 7/94]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما *.
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر ثم قال على مكانكم اثبتوا ثم أتى الرجال فقال: ان الله أمرني أن آمركم ان تتقوا الله وان تقولوا قولا سديدا ثم أتى النساء فقال: ان الله أمرني ان آمركن ان تتقين الله وان تقلن قولا سديدا). [الدر المنثور: 12/154]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد في الزهد وأبو داود في المراسيل عن عروة رضي الله عنه قال: أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} ). [الدر المنثور: 12/155]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر إلا سمعته يقول {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} ). [الدر المنثور: 12/155]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سمويه في فوائده عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خطب الناس أو علمهم لا يدع هذه الآية أن يتلوها {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} إلى قوله {فقد فاز فوزا عظيما} ). [الدر المنثور: 12/155]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: ما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المنبر قط إلا تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} ). [الدر المنثور: 12/155]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما ان نافع بن الازرق سأله عن قوله {قولا سديدا} قال: قولا عدلا حقا، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب:
أمين على ما استودع الله قلبه * فان قال قولا كان فيه مسددا). [الدر المنثور: 12/155]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد رضي الله عنه في قوله {وقولوا قولا سديدا} قال: صدقا). [الدر المنثور: 12/156]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {قولا سديدا} قال: عدلا). [الدر المنثور: 12/156]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {قولا سديدا} قال: سدادا). [الدر المنثور: 12/156]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {وقولوا قولا سديدا} قال: قولوا لا إله إلا الله). [الدر المنثور: 12/156]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي في الاسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وقولوا قولا سديدا} قال: قولوا لا إله إلا الله). [الدر المنثور: 12/156]

تفسير قوله تعالى: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {يصلح لكم أعمالكم} يقول تعالى ذكره للمؤمنين: اتّقوا اللّه وقولوا السّداد من القول يوفّقكم لصالح الأعمال، فيصلح أعمالكم {ويغفر لكم ذنوبكم} يقول: ويعف لكم عن ذنوبكم، فلا يعاقبكم عليها {ومن يطع اللّه ورسوله} فيعمل بما أمره به، وينتهي عمّا نهاه، ويقل السّديد {فقد فاز فوزًا عظيمًا} يقول: فقد ظفر بالكرامة العظمى من اللّه). [جامع البيان: 19/196]

تفسير قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الحسن وقتادة في قوله إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا إلى آخر السورة قالا هي فرائض الله التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها). [تفسير عبد الرزاق: 2/125]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن غير واحد عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال قال هي فرائض قال وقوله فأبين أن يحملنها قال فلم تستطعها قال فقيل لآدم هل أنت آخذها بما فيها قال وما فيها قال إن أحسنت أجرت وإن أسأت عوقبت قال فحملها). [تفسير عبد الرزاق: 2/125]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله الأمانة ثلاث الصلاة والصيام والغسل من الجنابة). [تفسير عبد الرزاق: 2/125]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن الأعمش عن مسلم أبي الضحى عن مسروق عن أبي بن كعب قال من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها). [تفسير عبد الرزاق: 2/125]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن زيد بن أسلم قال أخبرني وهب الديناري قال في الزبور مكتوب أن الله يقول من اغتسل من الجنابة فإنه عبدي حقا ومن لم يغتسل من الجنابة فإنه عدوي حقا). [تفسير عبد الرزاق: 2/125]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولاً}.
اختلف أهل التّأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: إنّ اللّه عرض طاعته وفرائضه على السّموات والأرض والجبال على أنّها إنّ أحسنت أثيبت وجوزيت، وإن ضيّعت عوقبت، فأبت حملها شفقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها لله، وحملها آدم {إنّه كان ظلومًا} لنفسه {جهولاً} بالّذي فيه الحظّ له.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: الأمانة: الفرائض الّتي افترضها اللّه على العباد.
- قال: حدّثنا هشيمٌ، عن العوّام، عن الضّحّاك بن مزاحمٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها} قال: الأمانة: الفرائض الّتي افترضها اللّه على عباده.
- قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا العوّام بن حوشبٍ، وجويبرٌ، كلاهما عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله {إنّا عرضنا الأمانة} إلى قوله: {جهولاً} قال: الأمانة: الفرائض قال جويبرٌ في حديثه: فلمّا عرضت على آدم، قال: أي ربّ وما الأمانة؟ قال: قيل: إن أدّيتها جزيت، وإن ضيّعتها عوقبت، قال: أي ربّ حملتها بما فيها، قال: فما مكث في الجنّة إلاّ قدر ما بين العصر إلى غروب الشّمس حتّى عمل بالمعصية، فأخرج منها.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عبّاسٍ أنّه قال في هذه الآية {إنّا عرضنا الأمانة} قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذّبتك، قال: قد قبلت، فما كان إلاّ قدر ما بين العصر إلى اللّيل من ذلك اليوم حتّى أصاب الخطيئة.
- حدّثني عليٌّ، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال} إن أدّوها أثابهم، وإن ضيّعوها عذّبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا من غير معصيةٍ، ولكن تعظيمًا لدين اللّه أن لا يقوموا بها، ثمّ عرضها على آدم، فقبلها بما فيها، وهو قوله: {وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولاً} غرًّا بأمر اللّه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض} إلى: {جهولاً} يعني: بالأمانة الطّاعة عرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم، فلم تطقها، فقال لآدم: يا آدم إنّي قد عرضت الأمانة على السّموات والأرض والجبال، فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ فقال: يا ربّ: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحمّلها، فذلك قوله: {وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولاً}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا سفيان، عن رجلٍ، عن الضّحّاك بن مزاحمٍ، في قوله: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولاً} قال آدم: قيل له: خذها بحقّها، قال: وما حقّها؟ قيل: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فما لبث ما بين الظّهر والعصر حتّى أخرج منها.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال} فلم يطقن حملها، فهل أنت يا آدم آخذها بما فيها، قال آدم: وما فيها يا ربّ؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فقال: تحمّلتها، فقال اللّه تبارك وتعالى: قد حمّلتكها؛ فما مكث آدم إلاّ مقدار ما بين الأولى إلى العصر حتّى أخرجه إبليس لعنه اللّه من الجنّة؛ والأمانة: الطّاعة.
- حدّثني سعيد بن عمرٍو السّكونيّ، قال: حدّثنا بقيّة، قال: حدّثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيبٍ، عن الحكم عميرٍ، وكان من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ الأمانة والوفاء نزلاً على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول اللّه، ومنهم نبيٌّ، ومنهم نبيٌّ رسولٌ نزل القرآن وهو كلام اللّه، ونزلت العربيّة والعجميّة، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السّنن بألسنتهم، ولم يدع اللّه شيئًا من أمره ممّا يأتون وممّا يجتنبون، وهي الحجج عليهم، إلاّ بيّنةً لهم، فليس أهل لسانٍ إلاّ وهم يعرفون الحسن من القبيح ثمّ الأمانة أوّل شيءٍ يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب النّاس، ثمّ يرفع الوفاء والعهد والذّمم، وتبقى الكتب، فعالمٌ يعمل، وجاهلٌ يعرفها وينكرها ولا يحملها حتّى وصل إليّ وإلى أمّتي، فلا يهلك على اللّه إلاّ هالكٌ، ولا يغفله إلاّ تاركٌ، والحذر أيّها النّاس، وإيّاكم والوسواس الخنّاس، وإنّما يبلوكم أيّكم أحسن عملاً.
- حدّثني محمّد بن خلفٍ العسقلانيّ، قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد المجيد، الحنفيّ، قال: حدّثنا أبو العوّام القطّان، قال: حدّثنا قتادة، وأبان بن أبي عيّاشٍ، عن خليدٍ العصريّ، عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: خمسٌ من جاء بهنّ يوم القيامة مع إيمانٍ دخل الجنّة: من حافظ على الصّلوات الخمس، على وضوئهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ ومواقيتهنّ، وأعطى الزّكاة من ماله طيّب النّفس بها وكان يقول: وايم اللّه لا يفعل ذلك إلاّ مؤمنٌ، وصام رمضان، وحجّ البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأدّى الأمانة قالوا: يا أبا الدّرداء: وما الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإنّ اللّه لم يأمن ابن آدم على شيءٍ من دينه غيره.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، عن أبيّ بن كعبٍ، قال: من الأمانة أنّ المرأة، اؤتمنت على فرجها.
- حدّثني يونس، قال: حدّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قول اللّه: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: إنّ اللّه عرض عليهنّ الأمانة أن يفترض عليهنّ الدّين، ويجعل لهنّ ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهنّ على الدّين، فقلن: لا، نحن مسخّراتٌ لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: وعرضها اللّه على آدم، فقال: بين أذني وعاتقي؛ قال ابن زيدٍ، فقال اللّه له: أما إذ تحمّلت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابًا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحلّ لك، فأرخ عليه حجابه، واجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق، واجعل لفرجك لباسًا، فلا تكشفه إلاّ على ما أحللت لك.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال} يعني به: الدّين والفرائض والحدود {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قيل لهنّ: احملنها تؤدّين حقّها، فقلن: لا نطيق ذلك {وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولاً} قيل له: أتحملها؟ قال: نعم، قيل: أتؤدّي حقّها؟ قال: نعم، قال اللّه: إنّه كان ظلومًا جهولاً عن حقّها.
وقال آخرون: بل عنى بالأمانة في هذا الموضع: أمانات النّاس.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا تميم بن المنتصر، قال: حدّثنا إسحاق، عن شريكٍ، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن السّائب، عن زاذان، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: القتل في سبيل اللّه يكفّر الذّنوب كلّها أو قال: يكفّر كلّ شيءٍ إلاّ الأمانة؛ يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال له: أدّ أمانتك، فيقول: أي ربّ وقد ذهبت الدّنيا، ثلاثًا؛ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيذهب به إليها، فيهوي فيها حتّى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها، فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنّم، حتّى إذا رأى أنّه قد خرج زلّت، فهوى في أثرها أبد الآبدين قالوا: والأمانة في الصّلاة، والأمانة في الصّوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث؛ وأشدّ ذلك الودائع فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد اللّه؟ فقال: صدق.
- قال شريكٌ: وحدّثني عيّاشٌ العامريّ عن زاذان، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصّلاة، وفي كلّ شيءٍ.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلالٍ، عن أبي حازمٍ، قال: إنّ اللّه عرض الأمانة على سماء الدّنيا، فأبت؛ ثمّ الّتي تليها، حتّى فرغ منها، ثمّ الأرضين ثمّ الجبال، ثمّ عرضها على آدم، فقال: نعم، بين أذني وعاتقي فثلاثٌ آمرك بهنّ، فإنّهنّ لك عونٌ: إنّي جعلت لك بصرًا، وجعلت لك شفرين فغضّهما عن كلّ شيءٍ نهيتك عنه، وجعلت لك لسانًا بين لحيين، فكفّه عن كلّ شيءٍ نهيتك عنه؛ وجعلت لك فرجًا وواريته، فلا تكشفه إلى ما حرّمت عليك.
وقال آخرون: بل ذلك إنّما عنى به ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وخيانة قابيل أباه في قتله أخاه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: كان لا يولد لآدم مولودٌ إلاّ ولد معه جاريةٌ، فكان يزوّج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوّج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتّى ولد له اثنان، يقال لهما قابيل، وهابيل؛ وكان قابيل صاحب زرعٍ، وكان هابيل صاحب ضرعٍ، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أختٌ أحسن من أخت هابيل، وإنّ هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحقّ أن أتزوّجها، فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل فأبى، وإنّهما قرّبا قربانًا إلى اللّه أيّهما أحقّ بالجارية، وكان آدم يومئذٍ قد غاب عنهما، أي لمكّة ينظر إليها، قال اللّه لآدم: يا آدم هل تعلم أنّ لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللّهمّ لا، قال: إنّ لي بيتًا بمكّة فأته، فقال آدم للسّماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت؛ وقال للأرض، فأبت؛ فقال للجبال، فأبت؛ فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرّك؛ فلمّا انطلق آدم وقرّبا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه فيقول: أنا أحقّ بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيّ والدي؛ فلمّا قرّبا، قرّب هابيل جذعةً سمينةً، وقرّب قابيل حزمة سنبلٍ، فوجد فيها سنبلةً عظيمةً، ففركها فأكلها، فنزلت النّار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنّك حتّى لا تنكح أختي، فقال هابيل {إنّما يتقبّل اللّه من المتّقين لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٌ يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف اللّه ربّ العالمين} إلى قوله: {فطوّعت له نفسه قتل أخيه} فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال؛ وأتاه يومًا من الأيّام، وهو يرعى غنمه في جبلٍ، وهو نائمٌ، فرفع صخرةً، فشدخ بها رأسه، فمات، وتركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث اللّه غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثمّ حثا عليه؛ فلمّا رآه قال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} فهو قول اللّه تبارك وتعالى: {فبعث اللّه غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حين يقول: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال} إلى آخر الآية.
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب ما قاله الّذين قالوا: إنّه عنى بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدّين، وأمانات النّاس، وذلك أنّ اللّه لم يخصّ بقوله: {عرضنا الأمانة} بعض معاني الأمانات لما وصفنا.
وبنحو قولنا: قال أهل التّأويل في معنى قول اللّه: {إنّه كان ظلومًا جهولاً}.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ {إنّه كان ظلومًا جهولاً} يعني قابيل حين حمل أمانة آدم لم يحفظ له أهله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا سفيان، عن رجلٍ، عن الضّحّاك، في قوله: {وحملها الإنسان} قال آدم {إنّه كان ظلومًا جهولاً} قال: ظلومًا لنفسه، جهولاً فيما احتمل فيما بينه وبين ربّه.
- حدّثنا عليٌّ، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ {إنّه كان ظلومًا جهولاً} غرّ بأمر اللّه.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة {إنّه كان ظلومًا جهولاً} قال: ظلومًا لها، يعني للأمانة، جهولاً عن حقّها). [جامع البيان: 19/196-205]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني محمّد بن موسى الفقيه، ثنا إبراهيم بن أبي طالبٍ، ثنا محمّد بن عمرو بن أبي مزعورٍ، ثنا خالد بن الحارث، ثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: " قيل لآدم أتأخذها بما فيها، فإن أطعت غفرت، وإن عصيت حذّرتك؟ قال: قبلت. قال: فما كان إلّا كما بين صلاة العصر إلى أن غربت الشّمس حتّى أصاب الذّنب " هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه). [المستدرك: 2/458]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبّار، ثنا حفص بن غياثٍ، عن الأعمش، عن مسروقٍ، عن أبيّ بن كعبٍ في قوله عزّ وجلّ: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال} قال: «من الأمانة أنّ المرأة ائتمنت على فرجها»). [المستدرك: 2/458]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما.
أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الانباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنا عرضنا الأمانة} الآية، قال: الامانة الفرائض عرضها الله على السموات والأرض والجبال ان أدوها أثابهم وان ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك واشفقوا من غير معصية ولكن تعظيما لدين الله ان لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} يعني غرا بأمر الله). [الدر المنثور: 12/156-157]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض} قال: الأمانة: ما أمروا به ونهوا عنه، وفي قوله {وحملها الإنسان} قال: آدم). [الدر المنثور: 12/157]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم قال: ان الله عرض الأمانة على السماء الدنيا فأبت ثم التي تليها حتى فرغ منها ثم الأرض ثم الجبال ثم عرضها على آدم عليه السلام فقال: نعم، بين أذني وعاتقي قال الله فثلاث آمرك بهن فانهن لك عون، اني جعلت لك بصرا وجعلت لك شفرتين ففضهما عن كل شيء نهيتك عنه وجعلت لك لسانا بين لحيين فكفه عن كل شيء نهيتك عنه وجعلت لك فرجا وواريته فلا تكشفه إلى ما حرمت عليك). [الدر المنثور: 12/157]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الانباري عن ابن جريج رضي الله عنه في الاية قال: بلغني ان الله تعالى لما خلق السموات والأرض والجبال قال اني فارض فريضة وخالق جنة ونارا وثوابا لمن أطاعني وعقابا لمن عصاني فقالت السماء: خلقتني فسخرت في الشمس والقمر والنجوم والسحاب والريح والغيوب فانا مسخرة على ما خلقتني لا أتحمل فريضة ولا أبغي ثوابا ولا عقابا وقالت الأرض خلقتني وسخرتني فجرت في الأنهار فأخرجت مني الثمار وخلقتني لما شئت فانا مسخرة على ما خلقتني لا أتحمل فريضة ولا أبغي ثوابا ولا عقابا وقالت الجبال: خلقتني رواسي الأرض فأنا على ما خلقتني لا أتحمل فريضة ولا ابغي ثوابا ولا عقابا فلما خلق الله آدم عرض عليه فحمله {إنه كان ظلوما} ظلمه نفسه في خطيئته {جهولا} بعاقبة ما تحمل). [الدر المنثور: 12/158]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: لما خلق الله السموات والأرض والجبال عرض الأمانة عليهن فلم يقبلوها فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه قال: يا رب وما هي قال: هي ان أحسنت أجرتك وان أسأت عذبتك قال: فقد تحملت يا رب قال: فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج إلا قدر ما بين الظهر والعصر). [الدر المنثور: 12/158]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبه، وعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الانباري في كتاب الاضداد والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنا عرضنا الأمانة} قال: عرضت على آدم عليه السلام فقيل: خذها بما فيها فان أطعت غفرت لك وان عصيت عذبتك قال: قبلتها بما فيها فما كان إلا قدر ما بين الظهر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الذنب). [الدر المنثور: 12/158-159]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أشوع في الآية قال عرض عليهن العمل وجعل لهن الثواب فضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن فقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل ولا نريد الثواب). [الدر المنثور: 12/159]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر عن الآزواعي ان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عرض العمل على محمد بن كعب فأبى فقال له عمر رضي الله عنه: أتعصي فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تعالى حين عرض {الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} هل كان ذلك منها معصية قال: لا، فتركه). [الدر المنثور: 12/159]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ان الله قال لآدم عليه السلام اني عرضت الامانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها قال: أي رب وما فيها قال: ان حملتها أجرت وان ضيعتها عذبت قال: قد حملتها بما فيها قال: فما عبر في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه ابليس من الجنة قيل للضحاك: وما الأمانة قال: هي الفرائض وحق على كل مؤمن ان لا يغش مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير فمن فعل فقد خان أمانته ومن انتقص من الفرائض شيئا فقد خان أمانته). [الدر المنثور: 12/159-160]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} قال: يعني به الدين والفرائض والحدود {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قيل لهن: ان تحملنها وتؤدين حقها، فقلنا: لا نطيق ذلك {وحملها الإنسان} قيل له: أتحملها قال: نعم، قيل: أتؤدي حقها فقال: أطيق ذلك قال الله {إنه كان ظلوما جهولا} أي ظلوما بها جهولا عن حقها {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} قال: هذا اللذان خاناها {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} قال: هذا اللذان أدياها {وكان الله غفورا رحيما} ). [الدر المنثور: 12/160]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {إنا عرضنا الأمانة} قال: الفرائض). [الدر المنثور: 12/160-161]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {إنا عرضنا الأمانة} قال: الدين). [الدر المنثور: 12/161]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة ثلاث، الصلاة والصيام والغسل من الجنابة). [الدر المنثور: 12/161]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في "سننه" عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: من الأمانة ان ائتمنت المرأة على فرجها). [الدر المنثور: 12/161]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي الدنيا في الورع والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: أول ما خلق الله من الانسان فرجه ثم قال: هذه أمانتي عندك فلا تضيعها إلا في حقها، فالفرج أمانة والسمع أمانة والبصر أمانة). [الدر المنثور: 12/161]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الايمان عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: من تضييع الامانة: النظر في الحجرات والدور). [الدر المنثور: 12/161]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ومن الأمانة إلا ومن الخيانة ان يحدث الرجل أخاه بالحديث فيقول: اكتم عني، فيفشيه). [الدر المنثور: 12/162]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد، وعبد بن حميد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان من أعظم الامانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي اليه ثم ينشر سرها). [الدر المنثور: 12/162]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني وأحمد، وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وأبو يعلى والبيهقي والضياء، عن جابر رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة). [الدر المنثور: 12/162]

تفسير قوله تعالى: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات وكان اللّه غفورًا رحيمًا}.
يقول تعالى ذكره: وحمّل الإنسان الأمانة كيما يعذّب اللّه المنافقين فيها، الّذين يظهرون أنّهم يؤدّون فرائض اللّه، مؤمنين بها، وهم مستسرّون الكفر بها والمنافقات، والمشركين باللّه في عبادتهم إيّاه الآلهة والأوثان، {والمشركات ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات} يرجع بهم إلى طاعته، وأداء الأمانات الّتي ألزمهم إيّاها حتّى يؤدّوها {وكان اللّه غفورًا} لذنوب المؤمنين والمؤمنات، بستره عليها، وتركه عقابهم عليها {رحيمًا} أن يعذّبهم عليها بعد توبتهم منها.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا سوّار بن عبد اللّه العنبريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا أبو الأشهب، عن الحسن، أنّه كان يقرأ هذه الآية: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال} حتّى ينتهي {ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} فيقول: اللّذان خاناها، اللّذان ظلماها: المنافق والمشرك.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة {ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} هذان اللّذان خاناها، ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات، هذان اللّذان أدّياها {وكان اللّه غفورًا رحيمًا} ). [جامع البيان: 19/205-206]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ليعذب الله المنافقين} قال: هما اللذان ظلماها واللذان خاناها: المنافق والمشرك). [الدر المنثور: 12/162]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن الحكم بن عمير وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم ان الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فارسلوا به فمنهم رسول الله ومنهم نبي ومنهم نبي رسول الله ونزل القرآن وهو كلام الله ونزلت العربية والعجمية فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم ولن يدع الله شيئا من أمره مما يأتون ومما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بينت لهم فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب لعالم يعلمها وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها حتى وصل الي والى أمتي فلا يهلك على الله إلا هالك ولا يغفله إلا تارك والحذر أيها الناس واياكم والوسواس الخناس فانما يبلوكم أيكم أحسن عملا والله أعلم). [الدر المنثور: 12/162-163]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24 جمادى الأولى 1434هـ/4-04-2013م, 01:32 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا} [الأحزاب: 69]
- حدّثني حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيدٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: كان موسى أراد أن يغتسل، فدخل الماء يومًا ووضع ثوبه على صخرةٍ، وكانت بنو إسرائيل تقول: إنّ موسى آدر، فلمّا أراد أن يخرج يتناول ثوبه تدهدهت الصّخرة، فتبعها وهو يقول: ثوبي، ثوبي، فمرّ بملإٍ من بني إسرائيل، فرأوه {فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا} [الأحزاب: 69] ). [تفسير القرآن العظيم: 2/741]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ)
: (وقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيها (69)}
أي : لا تؤذوا النبي عليه السلام كما آذى أصحاب موسى موسى، عليه السلام، فينزل بكم ما نزل بهم.
وكان أذاهم لموسى فيما جاء في التفسير : أنهم عابوه بشيء في بدنه , فاغتسل يوما , ووضع ثوبه على حجر , فذهب الحجر بثوبه ,فاتبعه موسى , فرآه بنو إسرائيل, ولم يروا ذلك العيب الذي آذوه بذكره.
{وكان عند اللّه وجيها}: كلمه اللّه تكليما , وبرأه من العيب الذي رموه به بآية معجزة.).[معاني القرآن: 4/237]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها}
حدثنا محمد بن إدريس , قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق , قال: حدثنا روح بن عبادة , قال: حدثنا عوف , عن محمد بن سيرين , عن أبي هريرة في هذه الآية :{لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا }, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن موسى صلى الله عليه وسلم كان رجلا حييا ستيرا , لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه , فآذاه من آذاه من بني إسرائيل , وقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص , وإما أدرة , وإما آفة , وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا , وإن موسى خلا يوما وحده , فوضع ثوبه على حجر , ثم اغتسل , فلما فرغ من غسله , أقبل إلى ثوبه , ليأخذه , وإن الحجر عدا بثوبه , فأخذ موسى عصاه , وطلب الحجر , وجعل يقول: ثوبي حجر , ثوبي حجر , حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل , فرأوه عريانا كأحسن الرجال خلقا , فبرأوه مما قالوا له ,ثم إن الحجر قام, فأخذ ثوبه فلبسه.
قال : فطفق بالحجر ضربا , قال : فوالله إن في الحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا , أو أربعا , أو خمسا.)).).
وروى سفيان بن حسين , عن الحكم , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , عن علي عليه السلام في قوله جل وعز: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} .
قال: (صعد موسى , وهارون صلى الله عليهما وسلم إلى الجبل , فمات هارون عليه السلام , فقالت بنو إسرائيل لموسى : أنت قتلته, كان ألين لنا منك , وأشد حبا فأوذي في ذلك , فأمر الله جل وعز الملائكة فحملته , فمروا به على مجالس بني إسرائيل , فتكلمت الملائكة بموته حتى علمت بنو إسرائيل أنه مات, فدفنوه , فلم يعلم موضع قبره إلا الرخم فإن الله قد جعله أصم أبكم) .
قال أبو جعفر : والمعنى لا تؤذوا محمدا صلى الله عليه وسلم كما آذى قوم موسى موسى , {فبرأه الله مما قالوا} : مما رموه به من الأمرين جميعا , {وكان عند الله وجيها} , أي : كلمه تكليما.). [معاني القرآن: 5/380-382]


تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه} [الأحزاب: 70]، يعني: وحّدوا اللّه، وهو تفسير السّدّيّ.
قال: {وقولوا قولا سديدًا} [الأحزاب: 70] عدلا، وهو لا إله إلا اللّه). [تفسير القرآن العظيم: 2/741]

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ)
: ({ وقولوا قولاً سديداً }: قصداً، قال أوس بن حجر:
وما جبنوا إني أسدّ عليهم= ولكن لقواً ناراً تحسّ وتسفع
ويروى: ناراً تخش توقد، وتحس: تستأصل؛ أسد أقول عليهم السداد، يقال: أسددت بالقوم إذا قلت عليهم حقاً وسدداً.). [مجاز القرآن: 2/141]


قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({سديدا}: قصدا). [غريب القرآن وتفسيره: 304]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ( {قولًا سديداً} أي:قصدا.). [تفسير غريب القرآن: 352]


قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا}
قال مجاهد: {وقولوا قولا سديدا}: (أي: سدادا)

وقال الحسن : (أي : صدقاً)). [معاني القرآن: 5/382]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {سَدِيدًا}: صواباً). [العمدة في غريب القرآن: 244]


تفسير قوله تعالى: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) )
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ({يصلح لكم أعمالكم} [الأحزاب: 71] لا يقبل العمل إلا ممّن قال: لا إله إلا اللّه مخلصًا من قلبه.
خالدٌ، عن الحسن، قال: إنّ اللّه لا يقبل عمل عبدٍ حتّى يرضى قوله.
قوله عزّ وجلّ: {يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اللّه ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا} [الأحزاب: 71] وهي النّجاة العظيمة من النّار إلى الجنّة). [تفسير القرآن العظيم: 2/741]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله عزّ وجلّ: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} [الأحزاب: 72]
[تفسير القرآن العظيم: 2/741]
حدّثني الخليل بن مرّة، قال سمعت قتادة يقول، وحدّثني به إسرائيل، عن قتادة، قال: عرض عليهنّ الثّواب، والعقاب، والطّاعة، والمعصية.
وتفسير الكلبيّ: عرض العبادة على السّموات، والأرض، والجبال أيأخذنها بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن أحسنتنّ جوزيتنّ، وإن أسأتنّ عوقبتنّ.
{فأبين أن يحملنها} [الأحزاب: 72] وعرضها على الإنسان، والإنسان آدم فقبلها.
- وحدّثني إبراهيم بن محمّدٍ، عن صالحٍ مولى التّوءمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: الأمانة الّتي حملها الإنسان: الصّلاة، والصّوم، والغسل من الجنابة.
- وحدّثني أبو الأشهب والمبارك والحسن بن دينارٍ، عن الحسن، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " قال اللّه: ثلاثٌ من حفظهنّ فهو عبدي حقًّا، ومن ضيّعهنّ فهو عدوّي حقًّا، ائتمن اللّه ابن آدم على ثلاثٍ على الصّلاة، ولو شاء قال قد صلّيت، وعلى الصّوم ولو شاء قال قد صمت، وعلى الغسل من الجنابة ولو شاء قال قد اغتسلت "، ثمّ تلا هذه الآية {يوم تبلى السّرائر} [الطارق: 9].
قال: {إنّه كان ظلومًا} [الأحزاب: 72] لنفسه.
{جهولا} [الأحزاب: 72] بربّه وهذا المشرك). [تفسير القرآن العظيم: 2/742]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ)
: ( {إنّا عرضنا الأمانة}:يعني: الفرائض، {على السّماوات والأرض والجبال} : بما فيها من الثواب والعقاب، {فأبين أن يحملنها}، وعرضت على الإنسان - بما فيها من الثواب والعقاب - فحملها.
وقال بعض المفسرين: إن آدم لمّا حضرته الوفاة، قال: يا ربّ! من استخلف بعدي؟ فقيل له: اعرض خلافتك على جميع الخلق، فعرضها، فكلّ أباها غير ولده.). [تفسير غريب القرآن: 352]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.
إن الله، جلّ ذكره، لما استخلف آدم على ذرّيته، وسلّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والطير والوحش- عهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه، وحرّم عليه وأحلّ له، فقبله، ولم يزل عاملا به إلى أن حضرته الوفاة، فما حضرته، صلّى الله عليه وسلم، سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلّده من الأمانة ما قلّده. فأمره أن يعرض ذلك على السموات بالشّرط الذي أخذ عليه من الثّواب إن أطاع، ومن العقاب إن عصى. فأبين أن يقبلنه شفقا من عقاب الله.
ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال، فكلّها أباه.
ثم أمره أن يعرضه على ولده، فعرضه عليه فقبله بالشّرط، ولم يتهيّب منه ما تهيبته السماء والأرض والجبال.
إنّه كان ظلوماً لنفسه جهولًا بعاقبة ما تقلّد لربّه.
ثم قال: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ}
أي عرضنا ذلك عليه ليتقلّده، فإذا تقلّده ظهر نفاق المنافق وشرك المشرك، فعذّبه الله به، وظهر إيمان المؤمن فتاب الله عليه. وكان الله غفوراً للمؤمنين رحيماً.
هذا قول على مذهب بعض المفسرين.
وفيه قول آخر:
قالوا: الأمانة: الفرائض، عرضت على السموات والأرض والجبال بما فيها من الثواب والعقاب، فأبين أن يحملنها، وعرضت على الإنسان بما فيها من الثواب والعقاب، فحملها.



والمعنيان في التفسيرين متقاربان). [تأويل مشكل القرآن: 436-437]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ(ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {إنّا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوما جهولا (72)}

روي عن ابن عبّاس , وسعيد بن جبير أنهما قالا: (الأمانة ههنا : الفرائض التي افترضها اللّه على عبادة).

وقال ابن عمر: (عرضت على آدم الطاعة , والمعصية , وعرف ثواب الطاعة, وعقاب المعصية).

وحقيقة هذه الآية واللّه أعلم، وهو موافق للتفسير : أن اللّه عزّ وجلّ ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمن السّماوات والأرض والجبال على طاعته , والخضوع له، فأعلمنا الله أنه قال:{ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11)}
وأعلمنا أن من الحجارة ما يهبط من خشية اللّه , وأن الشمس , والقمر , والنجوم , والملائكة , وكثيرا من الناس يسجدون للّه.
فأعلمنا اللّه أن السّماوات , والأرض , والجبال لم تحتمل الأمانة، أي : أدّتها، وكل من خان الأمانة , فقد احتملها، وكذلك كل من أثم , فقد احتمل الإثم، قال اللّه عزّ جل: {وليحملنّ أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم}, فأعلم اللّه أن من باء بالإثم , يسمّى: حاملاً للإثم.
فالسّماوات والأرض , والجبال أبين أن يحملن الأمانة , وأدّينها, وأداؤها طاعة اللّه فيما أمر به، والعمل به , وترك المعصية.
{وحملها الإنسان}، قال الحسن: (الكافر , والمنافق حملا الأمانة , ولم يطيعا), فهذا المعنى , والله أعلم.
ومن أطاع من الأنبياء والصديقين والمؤمنين فلا , قال: كان ظلوما جهولا، وتصديق ذلك ما يتلو هذه الآية من قوله: {ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات وكان اللّه غفورا رحيما (73) }.). [معاني القرآن: 4/237-238]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها}
في هذه الآية أقوال
منها : أن المعنى : على أهل السموات , ويكون معنى : عرضنا : أظهرنا , كما تقول عرضت المتاع ويكون: فأبين على لفظ الأول ؛ لأنهم لم يحملوها كلهم , ويكون المعنى : فأبوا أن يقبلوها .
وحملها الإنسان : أي تكلفها , وكلهم قد كلفها.
وقيل : لما حضرت آدم صلى الله عليه وسلم الوفاة , أمر أن يعرض الأمانة على الخلق , فعرضها , فلم يقبلها إلا بنوه .
وقول ثالث : هو الذي عليه أهل التفسير :-
حدثنا بكر بن سهل , قال : حدثنا أبو صالح , عن معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قال: قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} , قال : (الأمانة الفرائض عرضها الله على السموات , والأرض, والجبال إن أدوها أثابهم , إن ضيعوها عذبهم , فكرهوا ذلك , وأشفقوا من غير معصية , ولكن تعظيما لدين الله جل وعز ألا يقوموا به , ثم عرضها على آدم , فقبلها بما فيها , وهو قوله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} , غرا بأمر الله جل وعز).
وقال مجاهد : (عرض الله الثواب , والعقاب على السموات , والأرض , والجبال , فأبين ذلك , وأشفقن منه, وقيل لأدم : فقبله , فما أقام في الجنة إلا ساعتين ).
وقال سعيد بن جبير : (عرضت الفرائض على السموات , والأرض , والجبال , فأشفقن منها, وامتنعن , وقبلها آدم صلى الله عليه وسلم) .
وقال عبد الله بن عمر : (عرض على آدم الثواب والعقاب) .
وقال الضحاك : (الأمانة : الطاعة عرضت على السموات , والأرض , والجبال , إن خالفنها عذبن, فأبين , وحملها الإنسان).
وقال قتادة : (عرضت الفرائض على الخلق , فأبين إلا آدم صلى الله عليه وسلم).
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال, وهي أقوال الأئمة من أهل التفسير, تتأول على معنيين :-
أحدهما : أن الله جل وعز جعل في هذه الأشياء ما تميز به , ثم عرض عليها الفرائض , والطاعة ,والمعصية .
والمعنى الآخر : أن الله جل وعز ائتمن ابن آدم على الطاعة , وائتمن هذه الأشياء على الطاعة , والخضوع, فخبرنا أن هذه الأشياء لم تحتمل الأمانة , أي: لم تخنها , يقال : حمل الأمانة , واحتملها, أي : خانها , وحمل إثمها .
وقيل المعنى : وحملها الإنسان , ولم يقم بها , فحذف لعلم المخاطب بذلك , فقال جل وعز: {قالتا أتينا طائعين} , وقال: {وإن منها لما يهبط من خشية الله}
وحملها الإنسان : أي: خانها , وحمل إثمها.
قال الحسن : (وحملها الإنسان , أي : الكافر , والمنافق).
قال أبو جعفر : وقول الحسن يدل على التأويل الثاني , ويدل عليه أيضاً قوله: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} ). [معاني القرآن: 5/382-387]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ}: أي: عمل الفرائض , والجزاء عليها.). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 194]


تفسير قوله تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قال: {ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} [الأحزاب: 73]
حدّثني أبو الأشهب، عن الحسن أنّه قرأ هذه الآية: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض} [الأحزاب: 72] إلى قوله: {وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولا} [الأحزاب: 72].
{ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} [الأحزاب: 73] فقال: هما اللّذان ظلماها، هما اللّذان خاناها، المنافق والمشرك، قال: {ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات وكان اللّه غفورًا} [الأحزاب: 73] لمن تاب من شركه.
{رحيمًا} للمؤمنين، فبرحمته يدخلهم الجنّة). [تفسير القرآن العظيم: 2/743]

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ)
: (وقوله: {لّيعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب...}
بالنصب على الإتباع ,وإن نويت به الاستئناف رفعته، كما قال: {لنبيّن لكم ونقرّ في الأرحام} إلا إن القراءة : {ويتوب}بالنصب.). [معاني القرآن: 2/351]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ}
أي عرضنا ذلك عليه ليتقلّده، فإذا تقلّده ظهر نفاق المنافق وشرك المشرك، فعذّبه الله به، وظهر إيمان المؤمن فتاب الله عليه. وكان الله غفوراً للمؤمنين رحيماً.


هذا قول على مذهب بعض المفسرين). [تأويل مشكل القرآن: 436-437] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (ومن أطاع من الأنبياء والصديقين والمؤمنين فلا , قال: كان ظلوما جهولا، وتصديق ذلك ما يتلو هذه الآية من قوله: {ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات وكان اللّه غفورا رحيما (73)}). [معاني القرآن: 4/238] (م)

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 24 جمادى الأولى 1434هـ/4-04-2013م, 01:33 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) }

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) }

تفسير قوله تعالى: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) }
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( ومما يفسر من كتاب الله جل وعز تفسيرين متضادين قوله تبارك وتعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}، فقال بعض الناس: المعنى لو كانت الأمانة يجوز أن تعرض على السموات والأرض والجبال لكانت تأبى تحملها، ولكنها موات لا تعقل، والأمانة لا تعرض على ما لا يعقل. وقال هذا من باب المجاز، كقول العرب: شكا إلي بعيري طول السير، معناه لو كان يعقل لشكا، ولكنه لا يعقل ولا يشكو.
وقال غيرهم: الأمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال بعقل ركبه فيها، حتى عرفت معنى العرض، وعقلت الرد.
ذهب إلى هذا سادات أهل العلم وقالوا: مجراه مجرى كلام الذئب، وتسبيح الحصى، وسجود البهائم، للنبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثنا بشر بن عمرو الزهراني، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن
يحملنها وأشفقن منها}، فلم تقبلها الملائكة، فلما خلق الله تعالى عز وجل آدم عليه السلام عرضها عليه، فقال: يا رب ما هي؟ قال: إن أحسنت جزيتك، وإن أسأت عذبتك، قال: فقد تحملها يا رب، قال: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة، إلا كقدر ما بين الظهر والعصر.
وحدثنا محمد، قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا الحر بن جرموز، عن ماهات، قال: الأمانة الطاعة.
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا يوسف القطان، قال: خبرنا يعلى بن عبيد، عن جويبر، عن الضحاك، قال: الأمانة: الفرائض على كل مؤمن: ألا يغش مؤمنا، ولا معاهدا في قليل ولا كثير؛ فمن انتقص شيئا من الفرائض فقد خان الأمانة.
أخبرنا عبد الله، قال: حدثنا أحمد بن المنصور، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: الأمانة: الفرائض، عرضها الله تبارك وتعالى على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله تبارك وتعالى ألا يقوموا به،
ثم عرضها على آدم عليه السلام فقبلها بما فيها؛ فهو قوله جل وعز: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}، أي غرا بأمر الله سبحانه.
وأخبرنا عبد الله، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثت أن الله لما خلق السموات والأرض والجبال، قال: إني فارض فريضة، وخالق جنة ونارا، وثوابا لمن أطاعني، وعقابا لمن عصاني، فقالت السموات: خلقتني وسخرت في الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والغيوث، فأنا مسخرة على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثوابا ولا عقابا. وقالت الأرض: خلقتني وسخرت في الأنهار؛ وأخرجت مني الثمار، وخلقتني لما شئت، فأنا لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثوابا ولا عقابا. وقالت الجبال: خلقتني رواسي للأرض، فأنا على ما خلقتني، ولا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثوابا ولا عقابا. فلما خلق آدم عليه السلام عرض ذلك عليه فتحمله، فقال الله جل وعز: {إنه كان ظلوما}، ظلمه نفسه في خطيئته، {جهولا}، بعقاب ما تحمله.
وقال بعض المفسرين: إن الله جل اسمه لما استخلف آدم عليه السلام على ذريته، وسلطه على جميع ما في الأرض
من الأنعام والطير والوحش، عهد إليه عهدا أمره فيه، ونهاه وحرم عليه وأحل له، فقبله، ولم يزل عاملا به حتى حضرته الوفاة، فلما حضرته الوفاة، سأل الله جل وعلا أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده من الأمر ما قلده، فأمره أن يعرض ذلك على السموات والأرض والجبال بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع، ومن الغضب إن عصى، فأبت السموات والأرض والجبال ذلك؛ إشفاقا من معصية الله جلا وعلا وغضبه، ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده ففعل، فقبله ولده، ولم يتهيب منه ما تهيبت السموات والأرض والجبال، فقال الله جل وعز: {إنه كان ظلوما جهولا}، أي بعاقبة ما تقلد لربه جل وعلا، وقال بعد: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات}، أي عرضنا ذلك عليه ليتبين إيمان المؤمن فيتوب الله عليه، ونفاق المنافق فيعاقبه الله عز وجل: {وكان الله غفورا رحيما}.
وقال آخرون: محال أن يكون الله جل وعلا عرض الأمانة على السموات في ذاتها، لأنها مما لا يكلف عملا، ولا يعقل ثوابا، وإنما المعنى: إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال فأبوا أن يحملوها،
فحذف (الأهل) وقام الذي بعده مقامه، وجعل (أبين) للسموات والأرض والجبال لقيامها مقام الأهل، كما قالوا: يا خيل الله اركبي، وأبشري بالجنة، أرادوا: يا فرسان خيل الله اركبوا، فأقيم الخيل مقام الفرسان، وصرف الركوب إليها، والإنسان عندهم الكافر، وهو الذي وصفه الله تعالى بالظلم والجهل، إذ لم يفكر فيما فكر فيه مؤمنو أهل السموات والأرض والجبال.
وقال آخرون: ما عرض الله جل ذكره الأمانة على السموات والأرض قط، وإنما هذا من المجاز على قول العرب: عرضت الحمل على البعير فأبى أن يحمله، أي وجدت البعير لا يصلح للحمل ولا للعرض، فكذلك السموات والأرض والجبال، لا تصلح للأمانة ولا لعرضها عليها). [كتاب الأضداد: 388-392]

تفسير قوله تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) }
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (قوله: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها}
...
وقال بعد: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات}، أي عرضنا ذلك عليه ليتبين إيمان المؤمن فيتوب الله عليه، ونفاق المنافق فيعاقبه الله عز وجل: {وكان الله غفورا رحيما} ). [كتاب الأضداد: 391] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 06:34 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري
...


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 06:34 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري
...


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 06:34 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها * يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}
الذين آذوا موسى هم قوم من بني إسرائيل، واختلف الناس في الإذاية التي كانت وبرأه الله منها، فقالت فرقة: هي قصة قارون وإدخاله المرأة البغي في أن تدعي على موسى، ثم تبرئتها موسى وإشهارها لمداخلة قارون، وقد تقدمت القصة في ذكر قارون. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هي أن موسى وهارون عليهما السلام خرجا من فحص التيه إلى جبل، فمات هارون فيه، فجاء موسى وحده، فقال قوم: هو قتله، فبعث الله ملائكة حملوا هارون عليه السلام حتى طافوا به في أسباط بني إسرائيل، ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى عليه السلام، ولم يكن فيه أثر [القتل]، وروي أنه حيي فأخبرهم بأمره وببراءة موسى، وقال ابن عباس، وأبو هريرة، وجماعة: هي ما تضمنه حديث النبي عليه الصلاة والسلام، قال: "كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة، وكان موسى عليه السلام يتستر كثيرا ويخفي بدنه، فقال قوم: هو آدر أو أبرص أو به آفة فاغتسل موسى يوما وحده وجعل ثيابه على حجر، ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، فمر في اتباعه على ملأ من بني إسرائيل فرأوه سليما مما ظن به..".. الحديث بطوله خرجه البخاري، فبرأه الله مما قالوا.
و"الوجيه": المكرم الوجه، وقرأ الجمهور: "وكان عند الله"، وقرأ ابن مسعود: "وكان عبد الله").[المحرر الوجيز: 7/ 151-152]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (ثم وصى الله المؤمنين بالقول السداد، وذلك يعم جميع الخيرات، وقال عكرمة: أراد: "لا إله إلا الله"، والسداد يعم جميع هذا، وإن كان ظاهر الآية يعطي أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافا للأذى الذي قيل في جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وجهة المؤمنين). [المحرر الوجيز: 7/ 152]

تفسير قوله تعالى: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (ثم وعد تعالى بأنه يجازي على القول السداد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب. وباقي الآية بين). [المحرر الوجيز: 7/ 152]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما}
اختلف الناس في الأمانة، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: هي أمانات المال كالودائع ونحوها، وروي عنه أنه في كل الفرائض، وأشدها أمانة المال.
وذهبت فرقة هي الجمهور إلى أنها كل شيء يؤتمن الإنسان عليه، من أمر ونهي وشأن دين ودنيا، فالشرع كله أمانة، قال أبي بن كعب رضي الله عنه: من الأمانة أن تؤتمن المرأة على فرجها، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: غسل الجنابة أمانة، ومعنى الآية: إنا عرضنا على هذه المخلوقات العظام أن تحمل الأوامر والنواهي، وتقتضي الثواب إن أحسنت والعقاب إن أساءت، فأبت هذه المخلوقات وأشفقت.
ويحتمل أن يكون هذا بإدراك يخلقه الله لها، ويحتمل أن يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة، وروي أنها قالت: رب ذرني مسخرة لما شئت أنت، طائعة فيه، ولا تكلني إلى نظري وعملي، ولا أريد ثوابا، وحمل الإنسان الأمانة: أي: التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه، جهول بقدر ما دخل فيه، وهذا هو تأويل ابن عباس، وابن جبير. وقال الحسن: "وحملها" معناه خان فيها، والآية في الكافر والمنافق.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
والعصاة على قدرهم.
وقال ابن عباس وأصحابه، والضحاك، وغيره: الإنسان: آدم، تحمل الأمانة، فما تم له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة، وروي أن الله تبارك وتعالى قال له: يا آدم، إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، أفتحملها أنت بما فيها؟ قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت أجرت، وإن أسأت عوقبت، قال: نعم قد حملتها، قال ابن عباس رضي الله عنهما، فما مر له ما بين الأولى والعصر حتى عصى ربه.
وقال ابن مسعود وابن عباس: الإنسان ابن آدم، قابيل الذي قتل أخاه، وكان قد تحمل لأبيه الأمانة أن يحفظ الأهل بعده، وكان آدم عليه السلام سافر إلى مكة في حديث طويل ذكره الطبري وغيره.
وقال بعضهم: الإنسان: النوع كله، وهذا حسن مع عموم الأمانة.
وقال الزجاج: معنى الآية: إنا عرضنا الأمانة في نواهينا وأوامرنا على هذه المخلوقات، فقمن بأمرها، وأطعن فيما كلفناها، وتأبين من حمل المذمة في معصيتنا، وحمل الإنسان المذمة فيما كلفناه من أوامرنا وشرعنا، والإنسان - على تأويله - الكافر والعاصي.
وتستقيم هذه الآية مع قوله تعالى: {أتينا طائعين}، فعلى التأويل الأول الذي حكيناه يكون قوله: {أتينا طائعين} إجابة لأمر أمرت به، وتكون هذه الآية إباية وإشفاقا من أمر عرض عليها وخيرت فيه، وروي أن الله عرض الأمانة على هذه المخلوقات فأبت. فلما عرضها الله تبارك وتعالى على آدم عليه السلام قال: أنا أحملها بين أذني وعاتقي، فقال الله: إني سأعينك، قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه عما لا يحل لك، ولفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. وروي في هذا المعنى أشياء تركتها اختصارا لعدم صحتها.
وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي: إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبتها وأشفقت، فعبر عن هذا المعنى بقوله بالآية، وهذا كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد بذلك: قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه.
وقوله تعالى: {ليعذب الله} اللام لام العاقبة; لأن الإنسان لم يحمل ليقع العذاب، لكن حمل فصار الأمر وآل إلى أن يعذب من نافق ومن أشرك، وأن يتوب على من آمن. وقرأ الجمهور: "يتوب" نصبا، عطفا على قوله: "ليعذب"، ورفعها الحسن على القطع والاستئناف. وباقي الآية بين.
كمل بعون الله وتوفيقه تفسير سورة الأحزاب
والحمد لله رب العالمين). [المحرر الوجيز: 7/ 152-154]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 09:17 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 09:21 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا (69)}.
قال البخاريّ عند تفسير هذه الآية: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا عوفٌ، عن الحسن [ومحمّدٍ] وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إنّ موسى كان رجلًا حييا، وذلك قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا}.
هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرًا جدًّا، وقد رواه في أحاديث "الأنبياء" بهذا السّند بعينه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ موسى، عليه السّلام، كان رجلًا حييا ستّيرا، لا يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستّر هذا التّستّر إلّا من عيبٍ بجلده، إمّا برصٌ وإمّا أدرة وإمّا آفةٌ، وإنّ اللّه، عزّ وجلّ، أراد أن يبرئه ممّا قالوا لموسى عليه السّلام، فخلا يومًا وحده، فخلع ثيابه على حجرٍ، ثمّ اغتسل، فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتّى انتهى إلى ملأٍ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق اللّه، عزّ وجلّ، وأبرأه ممّا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللّه إنّ بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا -قال: فذلك قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا}.
وهذا سياقٌ حسنٌ مطوّلٌ، وهذا الحديث من أفراد البخاريّ دون مسلمٍ
وقال الإمام أحمد: حدّثنا روحٌ، حدّثنا عوفٌ، عن الحسن، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم -وخلاسٌ، ومحمّدٌ، عن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال في هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا} قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ موسى كان رجلًا حييا ستّيرا، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياءً منه".
ثمّ ساق الحديث كما رواه البخاريّ مطوّلًا ورواه في تفسيره. عن روحٍ، عن عوفٍ، به. ورواه ابن جريرٍ من حديث الثّوريّ، عن جابرٍ الجعفيّ، عن عامرٍ الشّعبيّ، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحو هذا. وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبير، وعبد اللّه بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {لا تكونوا كالّذين آذوا موسى} قال: قال قومه له: إنّك آدر. فخرج ذات يومٍ يغتسل، فوضع ثيابه على صخرةٍ، فخرجت الصّخرة تشتدّ بثيابه، وخرج يتبعها عريانا حتّى انتهت به مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: {فبرّأه اللّه ممّا قالوا}.
وهكذا رواه العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ سواءً.
وقال الحافظ أبو بكرٍ البزّار: حدّثنا روح بن حاتمٍ وأحمد بن المعلّى الآدميّ قالا حدّثنا يحيى بن حمّادٍ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيدٍ، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "كان موسى، عليه السّلام، رجلًا حييا، وإنّه أتى -أحسبه قال: الماء -ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرةٍ، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقال بنو إسرائيل: إنّ موسى آدر -أو: به آفةٌ، يعنون: أنّه لا يضع ثيابه - فاحتملت الصّخرة ثيابه حتّى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرّجال، أو كما قال، فذلك قوله: {فبرّأه اللّه ممّا قالوا وكان عند اللّه وجيهًا}.
وقال ابن أبي حاتمٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا عبّاد بن العوّام، عن سفيان بن حسينٍ، حدّثنا الحكم، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ عن عليّ بن أبي طالبٍ، رضي اللّه عنهم، في قوله: {فبرّأه اللّه ممّا قالوا} قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، عليه السّلام، فقال بنو إسرائيل لموسى، عليه السّلام: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشدّ حياءً. فآذوه من ذلك، فأمر اللّه الملائكة فحملته، فمرّوا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلّمت بموته، فما عرف موضع قبره إلّا الرّخم، وإنّ اللّه جعله أصمّ أبكم.
وهكذا رواه ابن جريرٍ، عن عليّ بن موسى الطّوسيّ، عن عبّاد بن العوّام، به.
ثمّ قال: وجائزٌ أنّ يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائزٌ أن يكون الأوّل هو المراد، فلا قول أولى من قول اللّه، عزّ وجلّ.
قلت: يحتمل أن يكون الكلّ مرادًا، وأن يكون معه غيره، واللّه أعلم.
قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللّه قال: قسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يومٍ قسمًا، فقال رجلٌ منّ الأنصار: إنّ هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه. قال: فقلت: يا عدوّ اللّه، أما لأخبرنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما قلت. قال: فذكر ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فاحمرّ وجهه، ثمّ قال: "رحمة اللّه على موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
أخرجاه في الصّحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به.
طريقٌ أخرى: قال الإمام أحمد: حدّثنا حجّاجٌ، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشمٍ -مولى الهمدانيّ، عن زيد بن زائدٍ، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه: "لا يبلّغني أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا [سليم الصّدر] ". فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مالٌ فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: واللّه ما أراد محمّدٌ بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة. قال: فتثبّت حتّى سمعت ما قالا ثمّ أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: يا رسول اللّه، إنّك قلت لنا: "لا يبلّغني أحدٌ عن أصحابي شيئًا"، وإنّي مررت بفلانٍ وفلانٍ، وهما يقولان كذا وكذا. فاحمرّ وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وشقّ عليه، ثمّ قال: "دعنا منك، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر".
وقد رواه أبو داود في الأدب، عن محمّد [بن يحيى الذّهلي، عن محمّد بن يوسف الفريابيّ، عن إسرائيل عن الوليد] بن أبي هاشمٍ به مختصرًا: "لا يبلّغني أحدٌ [من أصحابي] عن أحدٍ شيئًا؛ إنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر"
وكذا رواه التّرمذيّ في "المناقب"، عن الذّهليّ سواءً، إلّا أنّه قال: "زيد بن زائدة". ورواه أيضًا عن محمّد بن إسماعيل، عن عبد اللّه بن محمّدٍ، عن عبيد اللّه بن موسى وحسين بن محمّدٍ كلاهما عن إسرائيل، عن السّدّيّ، عن الوليد بن أبي هاشمٍ، به مختصرًا أيضًا، فزاد في إسناده السّدّيّ، ثمّ قال: غريبٌ من هذا الوجه.
وقوله: {وكان عند اللّه وجيهًا} أي: له وجاهةٌ وجاهٌ عند ربّه، عزّ وجلّ.
قال الحسن البصريّ: كان مستجاب الدّعوة عند اللّه. وقال غيره من السّلف: لم يسأل اللّه شيئًا إلّا أعطاه. ولكن منع الرّؤية لما يشاء اللّه، عزّ وجلّ.
وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة [عند اللّه]: أنّه شفع في أخيه هارون أن يرسله اللّه معه، فأجاب اللّه سؤاله، وقال: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيًّا} [مريم: 53] ). [تفسير ابن كثير: 6/ 484-487]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وقولوا قولا سديدًا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اللّه ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا (71)}
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنّه يراه، وأن يقولوا {قولا سديدًا} أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ووعدهم أنّهم إذا فعلوا ذلك، أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفّقهم للأعمال الصّالحة، وأن يغفر لهم الذّنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التّوبة منها.
ثمّ قال: {ومن يطع اللّه ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا}: وذلك أنّه يجار من النّار، ويصير إلى النّعيم المقيم.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عمرو بن عون، حدّثنا خالدٌ، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ قال: صلّى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة الظّهر، فلمّا انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا، فقال: "إنّ اللّه أمرني أن آمركم، أن تتّقوا اللّه وتقولوا قولًا سديدًا". ثمّ أتى النّساء فقال: "إنّ اللّه أمرني أن آمركنّ: أن تتّقين اللّه وتقلن قولًا سديدًا".
وقال ابن أبي الدّنيا في كتاب "التّقوى": حدّثنا محمّد بن عبّاد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزّهريّ، حدّثنا عيسى بن سمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: ما قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر إلّا سمعته يقول: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وقولوا قولا سديدًا} الآية. غريبٌ جدًّا.
وروى من حديث عبد الرّحيم بن زيدٍ العمّي، عن أبيه، عن محمّد بن كعبٍ، عن ابن عبّاسٍ موقوفًا، من سرّه أن يكون أكرم النّاس، فليتّق اللّه.
قال عكرمة: القول السّديد: لا إله إلّا اللّه.
وقال غيره: السّديد: الصّدق. وقال مجاهدٌ: هو السّداد. وقال غيره: هو الصّواب. والكل حق). [تفسير ابن كثير: 6/ 487-488]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولا (72) ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات وكان اللّه غفورًا رحيمًا (73)}
قال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: يعني بالأمانة: الطّاعة، وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم، فلم يطقنها، فقال لآدم: إنّي قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذٌ بما فيها؟ قال: يا ربّ، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحمّلها، فذلك قوله: {وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولا}.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدّوها أثابهم. وإن ضيّعوها عذّبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصيةٍ، ولكن تعظيمًا لدين اللّه ألّا يقوموا بها، ثمّ عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: {وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولا} يعني: غرًا بأمر اللّه.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن بشّارٍ، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ أنّه قال في هذه الآية: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذّبتك. قال: قبلت، فما كان إلّا قدر ما بين العصر إلى اللّيل من ذلك اليوم، حتّى أصاب الخطيئة.
وقد روى الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قريبًا من هذا. وفيه نظرٌ وانقطاعٌ بين الضّحّاك وبينه، واللّه أعلم. وهكذا قال مجاهدٌ، وسعيد بن جبيرٍ، والضّحّاك، والحسن البصري، وغير واحد: [ألا] إنّ الأمانة هي الفرائض.
وقال آخرون: هي الطّاعة.
وقال الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ [قال]: قال أبيّ بن كعبٍ: من الأمانة أنّ المرأة اؤتمنت على فرجها.
وقال قتادة: الأمانة: الدّين والفرائض والحدود.
وقال بعضهم: الغسل من الجنابة.
وقال مالكٌ، عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثةٌ: الصّلاة، والصّوم، والاغتسال من الجنابة.
وكلّ هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متّفقةٌ وراجعةٌ إلى أنّها التّكليف، وقبول الأوامر والنّواهي بشرطها، وهو أنّه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلّا من وفّق اللّه، وباللّه المستعان.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد العزيز بن المغيرة [البصريّ]، حدّثنا حمّاد بن واقدٍ -يعني: أبا عمر الصّفّار -سمعت أبا معمرٍ -يعني: عون بن معمرٍ -يحدّث عن الحسن -يعني: البصريّ -أنّه تلا هذه الآية: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال} قال: عرضها على السّبع الطّباق الطّرائق الّتي زيّنت بالنّجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثمّ عرضها على الأرضين السّبع الشّداد، الّتي شدّت بالأوتاد، وذلّلت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثمّ عرضها على الجبال الشّمّ الشّوامخ الصّعاب الصّلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا.
وقال مقاتل بن حيّان: إنّ اللّه حين خلق خلقه، جمع بين الإنس والجن، والسموات والأرض والجبال، فبدأ بالسموات فعرض عليهنّ الأمانة وهي الطّاعة، فقال لهنّ: أتحملن هذه الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثّواب في الجنّة = ؟ فقلن: يا ربّ، إنّا لا نستطيع هذا الأمر، وليست بنا قوّةٌ، ولكنّا لك مطيعين. ثمّ عرض الأمانة على الأرضين، فقال لهنّ: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها منّي، وأعطيكنّ الفضل والكرامة ؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا ربّ ولا نطيق، ولكنّا لك سامعين مطيعين، لا نعصيك في شيءٍ تأمرنا به. ثمّ قرّب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حقّ رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثّواب في الجنّة. وإن عصيت ولم ترعها حقّ رعايتها وأسأت، فإنّي معذّبك ومعاقبك وأنزلك النّار. قال: رضيت [يا] ربّ. وتحمّلها، فقال اللّه عزّ وجلّ: قد حمّلتكها. فذلك قوله: {وحملها الإنسان}. رواه ابن أبي حاتمٍ.
وعن مجاهدٍ أنّه قال: عرضها على السموات فقالت: يا ربّ، حمّلتني الكواكب وسكّان السّماء وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضةً. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا ربّ، غرست فيّ الأشجار، وأجريت فيّ الأنهار وسكّان الأرض وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضةً. وقالت الجبال مثل ذلك، قال اللّه تعالى: {وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولا} في عاقبة أمره. وهكذا قال ابن جريج.
وعن ابن أشوع أنّه قال: لمّا عرض اللّه عليهنّ حمل الأمانة، ضججن إلى اللّه ثلاثة أيّامٍ ولياليهنّ، وقلن: ربّنا. لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثّواب.
ثمّ قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا هارون بن زيد بن أبي الزّرقاء الموصليّ، حدّثنا أبي، حدّثنا هشام بن سعدٍ، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال} [الآية]، فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي فقال اللّه تعالى: إنّي معينك عليها، أي: معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على فرجك بلباسٍ، فلا تكشفه إلى ما أكره.
ثمّ روي عن أبي حازمٍ نحو هذا.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا يونس، حدّثنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قول اللّه، عزّ وجلّ: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: إنّ اللّه عرض عليهنّ الأمانة أن يفترض عليهنّ الدّين، ويجعل لهنّ ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهنّ على الدّين. فقلن: لا نحن مسخّراتٌ لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا. قال: وعرضها اللّه على آدم فقال: بين أذني وعاتقي. قال ابن زيدٍ: فقال اللّه تعالى له: أمّا إذ تحمّلت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابًا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحلّ لك فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه إلّا على ما أحللت لك.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني سعيد بن عمرٍو السّكوني، حدّثنا بقيّة، حدّثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيبٍ، عن الحكم بن عميرٍ -وكان من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول اللّه، ومنهم نبيٌّ، ومنهم نبيٌّ رسولٌ، ونزل القرآن وهو كلام اللّه، ونزلت العربيّة والعجميّة، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السّنن بألسنتهم، ولم يدع اللّه شيئًا من أمره ممّا يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم، إلّا بيّنه لهم. فليس أهل لسانٍ إلّا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثمّ الأمانة أوّل شيءٍ يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب النّاس، ثمّ يرفع الوفاء والعهد والذّمم وتبقى الكتب، فعالمٌ يعمل، وجاهلٌ يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتّى وصل إليّ وإلى أمّتي، ولا يهلك على اللّه إلّا هالكٌ، ولا يغفله إلّا تاركٌ. فالحذر أيّها النّاس، وإيّاكم والوسواس الخنّاس، فإنّما يبلوكم أيّكم أحسن عملًا.
هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا، وله شواهد من وجوهٍ أخرى.
ثمّ قال ابن جريرٍ: حدّثنا محمّد بن خلفٍ العسقلانيّ، حدّثنا عبد اللّه بن عبد المجيد الحنفيّ، أخبرنا أبو العوّام القطّان، حدّثنا قتادة، وأبان بن أبي عيّاشٍ، عن خليد العصري، عن أبي الدّرداء، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "خمسٌ من جاء بهنّ يوم القيامة مع إيمانٍ دخل الجنّة: من حافظ على الصّلوات الخمس على وضوئهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ ومواقيتهنّ، وأعطى الزّكاة من ماله طيّب النّفس بها -وكان يقول، وايم اللّه لا يفعل ذلك إلّا مؤمنٌ -[وصام رمضان، وحجّ البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلًا]، وأدّى الأمانة". قالوا: يا أبا الدّرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإنّ اللّه لم يأمن ابن آدم على شيءٍ من دينه غيره.
وهكذا رواه أبو داود عن محمّد بن عبد الرّحمن العنبريّ، عن أبي عليٍّ عبيد اللّه بن عبد المجيد الحنفيّ، عن أبي العوّام عمران بن داور القطّان، به.
وقال ابن جريرٍ أيضًا: حدّثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريكٍ، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن السّائب، عن زاذان، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "القتل في سبيل اللّه يكفّر الذّنوب كلّها -أو قال: يكفّر كلّ شيءٍ -إلّا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدّ أمانتك. فيقول: أنّى يا ربّ وقد ذهبت الدّنيا؟ فيقال له: أدّ أمانتك. فيقول: أنّى يا ربّ، وقد ذهبت الدّنيا؟ فيقال له: أدّ أمانتك. فيقول: أنّى يا ربّ وقد ذهبت الدّنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى أمّه الهاوية. فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتّى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنّم، حتّى إذا رأى أنّه قد خرج زلّت فهوى في أثرها أبد الآبدين". وقال: والأمانة في الصّوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشدّ ذلك الودائع. فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد اللّه؟ فقال: صدق.
قال شريكٌ: وحدّثنا عيّاشٌ العامريّ، عن زاذان، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه. ولم يذكر: "الأمانة في الصّلاة وفي كلّ شيءٍ". إسناده جيّدٌ، ولم يخرّجوه.
وممّا يتعلّق بالأمانة الحديث الّذي رواه الإمام أحمد:
حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن حذيفة قال: حدّثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا "أنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرّجال، ثمّ نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السّنّة". ثمّ حدّثنا عن رفع الأمانة، فقال: "ينام الرّجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل أثر [الوكت، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل أثر] المجل كجمرٍ دحرجته [على رجلك، تراه منتبرا وليس فيه شيءٌ". قال: ثمّ أخذ حصًى فدحرجه] على رجله، قال: "فيصبح النّاس يتبايعون لا يكاد أحدٌ يؤدّي الأمانة، حتّى يقال: إن في بني فلانٍ رجلًا أمينًا، حتّى يقال للرّجل: ما أجلده وأظرفه وأعقله. وما في قلبه حبّةٌ من خردلٍ من إيمانٍ. ولقد أتى عليّ زمانٌ وما أبالي أيّكم بايعت، إن كان مسلمًا ليردنّه عليّ دينه، وإن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنّه عليّ ساعيه، فأمّا اليوم فما كنت أبايع منكم إلّا فلانًا وفلانًا".
وأخرجاه في الصّحيحين من حديث الأعمش، به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرميّ، عن عبد اللّه بن عمرٍو؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "أربعٌ إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدّنيا: حفظ أمانةٍ، وصدق حديثٍ، وحسن خليقةٍ، وعفّة طعمة".
هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص.
وقد قال الطّبرانيّ في مسند عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب: حدّثني يحيى بن أيّوب العلّاف المصريّ، حدّثنا سعيد بن أبي مريم، حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حجيرة، عن عبد اللّه بن عمر، رضي اللّه عنهما، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أربعٌ إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدّنيا: حفظ أمانةٍ، وصدق حديثٍ، وحسن خليقةٍ، وعفّة طعمةٍ". فزاد في الإسناد: "ابن حجيرة"، وجعله من مسند ابن عمر.
وقد ورد النّهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد اللّه بن المبارك في كتاب الزّهد: حدّثنا شريكٌ، عن أبي إسحاق الشّيبانيّ، عن خناس بن سحيم -أو قال: جبلة بن سحيم -قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي: لا والأمانة. فجعل زيادٌ يبكي ويبكي، فظننت أنّي أتيت أمرًا عظيمًا، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم. كان عمر بن الخطّاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشدّ النّهي.
وقد ورد في ذلك حديثٌ مرفوعٌ، قال أبو داود: حدّثنا أحمد بن عبد اللّه بن يونس، حدّثنا زهيرٌ، حدّثنا الوليد بن ثعلبة الطّائيّ، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم: "من حلف بالأمانة فليس منّا"، تفرّد به أبو داود، رحمه اللّه). [تفسير ابن كثير: 6/ 488-493]

تفسير قوله تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :(وقوله تعالى: {ليعذّب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أي: إنّما حمل ابن آدم الأمانة وهي التّكاليف ليعذّب اللّه المنافقين منهم والمنافقات، وهم الّذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله ويبطنون الكفر متابعةً لأهله، {والمشركين والمشركات}، وهم الّذين ظاهرهم وباطنهم على الشّرك باللّه، عزّ وجلّ، ومخالفة رسله، {ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات} أي: وليرحم المؤمنين من الخلق الّذين آمنوا باللّه، وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته {وكان اللّه غفورًا رحيمًا}). [تفسير ابن كثير: 6/ 493]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:30 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة