العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الحجرات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12 جمادى الأولى 1434هـ/23-03-2013م, 06:03 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي تفسير سورة الحجرات [ من الآية (1) إلى الآية (5) ]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)


- أسباب نزول الآية رقم (1)
- أسباب نزول الآية رقم (2)
- أسباب نزول الآية رقم (3)
- أسباب نزول الآية رقم (4)
- الوقف والابتداء


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12 جمادى الآخرة 1434هـ/22-04-2013م, 02:28 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وحدثني محمد بن سليم الفارسي أنه سمع الضحاك ابن مزاحم، وكان من أصحاب ابن عباس، كان يقرأ: {يا أيها الذين آمنوا لا} تقدموا {بين يدي الله ورسوله}). [الجامع في علوم القرآن: 3/59]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قال إن ناسا كانوا يقولون لولا أنزل في كذا لولا أنزل في كذا قال معمر وقال الحسن هم قوم ذبحوا قبل أن يصلي النبي فأمرهم النبي فأعادوا الذبح). [تفسير عبد الرزاق: 2/230]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (وقال مجاهدٌ: {لا تقدّموا} [الحجرات: 1] : «لا تفتاتوا على رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم حتّى يقضي اللّه على لسانه»). [صحيح البخاري: 6/137]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وقال مجاهد لا تقدموا لا تفتاتوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى يقضي اللّه على لسانه وصله عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ ورويناه في كتاب ذمّ الكلام من هذا الوجه تنبيهٌ ضبط أبو الحجّاج البناسيّ تقدّموا بفتح القاف والدّال وهي قراءة بن عبّاسٍ وقراءة يعقوب الحضرميّ وهي الّتي ينطبق عليها هذا التّفسير وروى الطّبريّ من طريق سعيدٍ عن قتادة قال ذكر لنا أنّ ناسًا كانوا يقولون لو أنزل في كذا فأنزلها اللّه قال وقال الحسن هم ناسٌ من المسلمين ذبحوا قبل الصّلاة يوم النّحر فأمرهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالإعادة). [فتح الباري: 8/589]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال مجاهد لا تقدموا لا تفتاتوا على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى يقضي الله على لسانه امتحن اخلص ولا تنابزوا يدعى بالكفر بعد الإسلام يلتكم ينقصكم ألتنا نقصنا
قرأت على فاطمة بنت محمّد بن عبد الهادي بصالحية دمشق أن أحمد بن أبي طالب أخبرهم عن عبد الله بن عمر أن أبا الوقت أخبره أنا أبو إسماعيل عبد الله ابن محمّد الهرويّ أنا محمّد بن محمّد بن محمود أنا عبد الله بن أحمد أنا إبراهيم بن خريم ثنا عبد بن حميد قال أخبرني شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله 1 الحجرات {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} قال لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتّى يقضيه الله على لسانه
وقال الفريابيّ ثنا ورقاء مثله). [تغليق التعليق: 4/314-315] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال مجاهدٌ لا تقدّموا لا تفتانوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى يقضي الله على لسانه.
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: {يا أيها الّذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} (الحجرات: 1) وفسّر قوله: {لا تفتاتوا} أي: لا تسبقوا من الإفتيات وهو افتعال من الفوت وهو السّبق إلى الشّيء دون ائتمار من يؤتمر، ومادته فاء وواء وتاء مثناة من فوق، وقال المفسّرون: اختلف في معنى قوله تعالى: {يا أيها الّذين آمنوا لا تقدموا} الآية. فعن ابن عبّاس. لا تقولوا خلاف الكتاب والسّنة. وعنه: لا تتكلموا بين يدي كلامه، وعن جابر والحسن: لا تذبحوا قبل أن يذبح النّبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذّبح، وعن عائشة: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم، وعن عبد الله بن الزبير، قال: قدم وفد من بني تميم على النّبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، وقال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الّذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} الآية، وعن الضّحّاك: يعني في القتال وشرائع الدّين يقول: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله، وعن الكلبيّ: لا تسبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول ولا فعل حتّى يكون هو يأمركم، وعن ابن زيد: لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله ولا تمشوا بين يدي النّبي صلى الله عليه وسلم. قوله: (لا تقدموا) ، بضم التّاء وتشديد الدّال المكسورة. وقال الزّمخشريّ: قدمه وأقدمه منقولان بتنقيل الحشو والهمزة من قدمة إذا تقدمه وحذف مفعوله ليتناول كل ما يقع في النّفس ممّا يقدم، وعن ابن عبّاس: أنه قرأ بفتح التّاء والدّال وقرأ: لا تقدموا، بفتح التّاء وتشديد الدّال بحذف إحدى التّاءين من تتقدموا). [عمدة القاري: 19/181]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: ({لا تقدموا}) [الحجرات: 1] بضم أوله وكسر ثالثه أي (لا تفتاتوا على رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) بشيء (حتى يقضي الله على لسانه) ما شاء وقال الزركشي الظاهر أن هذه التفسير على قراءة ابن عباس بفتح التاء والدال وكذا قيده
البياسي وهي قراءة يعقوب الحضرمي والأصل لا تتقدموا فحذف إحدى التاءين وقال في المصابيح متعقبًا لقول الزركشي ليس هذا بصحيح بل هذا التفسير متأتٍّ على القراءة المشهورة أيضًا فإن قدم بمعنى تقدم قال الجوهري وقدم بين يديه أي تقدم قال الله تعالى: {لا تقدموا بين يدي الله} [الحجرات: 1] اهـ.
قال الإمام فخر الدين: والأصح أنه إرشاد عامّ يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة). [إرشاد الساري: 7/350]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله واتّقوا اللّه إنّ اللّه سميعٌ عليمٌ}.
يعني تعالى ذكره بقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا} يا أيّها الّذين أقرّوا بوحدانيّة اللّه، وبنبوّة نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم {لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} يقول: لا تعجلوا بقضاء أمرٍ في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي اللّه لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر اللّه وأمر رسوله، محكيّ عن العرب فلانٌ يقدّم بين يدي إمامه، بمعنى يعجل بالأمر والنّهي دونه.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل وإن اختلفت ألفاظهم بالبيان عن معناه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا عليٌّ قال: حدّثنا أبو صالحٍ قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} يقول: لا تقولوا خلاف الكتاب والسّنّة.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: ثني أبي قال: ثني عمّي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، في قوله {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} الآية قال: نهوا أن يتكلّموا بين يدي كلامه.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} قال: لا تفتاتوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشيءٍ حتّى يقضيه اللّه على لسانه.
- حدّثنا بشرٌ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} ذكر لنا أنّ ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا أو صنع كذا وكذا، قال: فكره اللّه عزّ وجلّ ذلك، وقدّم فيه.
وقال الحسن: أناسٌ من المسلمين ذبحوا قبل صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم النّحر، فأمرهم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعيدوا ذبحًا آخر.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، في قوله {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} قال: إنّ أناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لو أنزل في كذا وقال الحسن: هم قومٌ نحروا قبل أن يصلّي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمرهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعيدوا الذّبح.
- حدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} يعني بذلك في القتال، وما كان من أمورهم لا يصلح أن يقضى إلاّ بأمره ما كان من شرائع دينهم.
- حدّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ، في قوله جلّ ثناؤه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} قال: لا تقطعوا الأمر دون اللّه ورسوله.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا مهران، عن سفيان، {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} قال: لا تقضوا أمرًا دون رسول اللّه.
وبضمّ التّاء من قوله: {لا تقدّموا} قرأ قرّاء الأمصار، وهي القراءة الّتي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجّة من القرّاء عليها، وقد حكي عن العرب قدّمت في كذا، وتقدّمت في كذا، فعلى هذه اللّغة لو كان قيل: (لا تقدّموا) بفتح التّاء كان جائزًا.
وقوله: {واتّقوا اللّه إنّ اللّه سميعٌ عليمٌ} يقول: وخافوا اللّه أيّها المؤمنون في قولكم أن تقولوا ما لم يأذن لكم به اللّه ولا رسوله، وفي غير ذلك من أموركم، وراقبوه، إنّ اللّه سميعٌ لما تقولون، عليمٌ بما تريدون بقولكم إذا قلتم، لا يخفى عليه شيءٌ من ضمائر صدوركم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم). [جامع البيان: 21/335-338]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قال يقول لا تفتاتوا على ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله عز وجل على لسانه). [تفسير مجاهد: 2/605]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ س ت) عبد الله بن الزبير بن العوام - رضي الله عنهما -: قال: قدم ركبٌ من بني تميمٍ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكرٍ: أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: أمّر الأقرع بن حابسٍ، فقال أبو بكرٍ: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا، حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: {يا أيّها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله واتّقوا اللّه إن اللّه سميع عليم} [الحجرات: 1].
وفي رواية: قال ابن أبي مليكة: كاد الخيّران أن يهلكا: أبو بكرٍ، وعمر، لمّا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظليّ، وأشار الآخر بغيره، ثم ذكره نحوه، ونزول الآية. ثم قال: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدّث بحديثٍ حدّثه كأخي السّرار، لم يسمعه حتى يستفهمه.
وفي أخرى نحوه، وفيه قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكرٍ الصّديق. أخرجه البخاري، وأخرج النسائي الرواية الأولى.
وأخرجه الترمذي قال: إنّ الأقرع بن حابسٍ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكرٍ: يا رسول الله، استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله، فتكلّما عند النبي صلى الله عليه وسلم، حتى علت أصواتهما، فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلا خلافي، فقال: ما أردت خلافك، قال: فنزلت هذه الآية: {يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2] قال: فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم: لم يسمع كلامه، حتى يستفهمه. وما ذكر ابن الزّبير جدّه: يعني أبا بكرٍ.
وقال الترمذي: وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسلاً، ولم يذكر ابن الزبير.
[شرح الغريب]
(فتماريا) التماري: المجادلة والمنازعة في الكلام.
(كأخي السّرار) أي كلاماً كمثل المساررة بخفض صوته، والكاف، صفة لمصدر محذوف، والضمير في «يسمعه» راجع إلى الكاف، ولا يسمعه: منصوب المحل بمنزلة الكاف). [جامع الأصول: 2/360-362]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة). [الدر المنثور: 13/526]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا الوضع كذا وكذا فكره الله ذلك وقدم فيه). [الدر المنثور: 13/526-527]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه). [الدر المنثور: 13/527]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن ناسا ذبحوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فأمرهم أن يعيدوا ذبحا فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}). [الدر المنثور: 13/527]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي عن الحسن رضي الله عنه قال: ذبح رجل قبل الصلاة فنزلت). [الدر المنثور: 13/527]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله في قوله {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} قال: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم). [الدر المنثور: 13/527]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن النجار في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام يعني يوما أو يومين فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}). [الدر المنثور: 13/528]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}). [الدر المنثور: 13/528]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك أنه قرأ (لا تَقَدَّموا) ). [الدر المنثور: 13/528]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد في قوله {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} قال: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضي الله على لسانه، قال الحفاظ: هذا التفسير على قراءة تقدموا بفتح التاء والدال). [الدر المنثور: 13/528]

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني عمر بن طلحة عن محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لما أنزلت هذه السورة: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ}، قال أبو بكر: لا أكلمك إلا كناجي السرار حتى ألقى الله). [الجامع في علوم القرآن: 1/16-17]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الزهري عن ثابت بن قيس بن شماس قال لما نزلت لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبي قال يا نبي الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت ونهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال قال النبي يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة فعاش حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة). [تفسير عبد الرزاق: 2/230]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله لا ترفعوا أصواتكم قال كانوا يرفعون ويجهرون عند النبي فوعظوا ونهوا عن ذلك). [تفسير عبد الرزاق: 2/231]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} [الحجرات: 2] الآية
{تشعرون} [الحجرات: 2] : «تعلمون ومنه الشّاعر»
- حدّثنا يسرة بن صفوان بن جميلٍ اللّخميّ، حدّثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: " كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكرٍ وعمر رضي اللّه عنهما، رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين قدم عليه ركب بني تميمٍ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابسٍ أخي بني مجاشعٍ، وأشار الآخر برجلٍ آخر - قال نافعٌ لا أحفظ اسمه - فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلّا خلافي، قال: ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} [الحجرات: 2] " الآية قال ابن الزّبير: «فما كان عمر يسمع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكرٍ»
- حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، حدّثنا أزهر بن سعدٍ، أخبرنا ابن عونٍ، قال: أنبأني موسى بن أنسٍ، عن أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم افتقد ثابت بن قيسٍ، فقال رجلٌ: يا رسول اللّه، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسًا في بيته، منكّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرٌّ، كان يرفع صوته فوق صوت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد حبط عمله وهو من أهل النّار، فأتى الرّجل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبره أنّه قال كذا وكذا، فقال موسى: فرجع إليه المرّة الآخرة ببشارةٍ عظيمةٍ، فقال: " اذهب إليه فقل له: إنّك لست من أهل النّار، ولكنّك من أهل الجنّة "). [صحيح البخاري: 6/137]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبي الآية)
كذا للجميع قوله تشعرون تعلمون ومنه الشّاعر هو كلام أبي عبيدة
- قوله حدّثنا يسرة بفتح الياء الأخيرة والمهملة وجدّه جميلٌ بالجيم وزن عظيمٍ ونافع بن عمر هو الجمحي المكّيّ وليس هو نافع مولى بن عمر ونبّه الكرمانيّ هنا على شيءٍ لا يتخيّله من له أدنى إلمامٌ بالحديث والرّجال فقال ليس هذا الحديث ثلاثيًّا لأنّ عبد اللّه بن أبي مليكة تابعيٌّ قوله كاد الخيّران كذا للجميع بالمعجمة بعدها تحتانيّةٌ ثقيلةٌ وحكى بعض الشّرّاح روايةً بالمهملة وسكون الموحّدة يهلكان كذا لأبي ذرٍّ وفي روايةٍ يهلكا بحذف النّون قال بن التّين كذا وقع بغير نونٍ وكأنّه نصب بتقدير أن انتهى وقد أخرجه أحمد عن وكيع عن نافع عن بن عمر بلفظ أن يهلكا وهو بكسر اللّام ونسبها بن التّين لرواية أبي ذرٍّ ثمّ هذا السّياق صورته الإرسال لكن ظهر في آخره أنّ بن أبي مليكة حمله عن عبد اللّه بن الزّبير وسيأتي في الباب الّذي بعده التّصريح بذلك ولفظه عن بن أبي مليكة أنّ عبد اللّه بن الزّبير أخبرهم فذكره بكماله قوله رفعا أصواتهما حين قدم عليه ركب بني تميمٍ في رواية أحمد وفد بني تميمٍ وكان قدومهم سنة تسعٍ بعد أن أوقع عيينة بن حصنٍ ببني العنبر وهم بطنٌ من بني تميمٍ ذكر ذلك أبو الحسن المدائنيّ قوله فأشار أحدهما هو عمر بينه بن جريجٍ في الرّواية الّتي في الباب بعده ووقع عند التّرمذيّ من رواية مؤمّل بن إسماعيل عن نافع بن عمر بلفظ إنّ الأقرع بن حابسٍ قدم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أبو بكرٍ يا رسول اللّه استعمله على قومه فقال عمر لا تستعمله يا رسول الله الحديث وهذا يخالف رواية بن جريجٍ وروايته أثبت من مؤمّل بن إسماعيل واللّه أعلم قوله بالأقرع بن حابسٍ أخي بني مجاشعٍ الأقرع لقبٌ واسمه فيما نقل بن دريدٍ فراس بن حابس بن عقالٍ بكسر المهملة وتخفيف القاف بن محمّد بن سفيان بن مجاشع بن عبد اللّه بن دارمٍ التّميميّ الدّارميّ وكانت وفاة الأقرع بن حابسٍ في خلافة عثمان قوله وأشار الآخر هو أبو بكر بينه بن جريجٍ في روايته المذكورة برجلٍ آخر فقال نافعٌ لا أحفظ اسمه سيأتي في الباب الّذي بعده من رواية بن جريج عن بن أبي مليكة أنّه القعقاع بن معبد بن زرارة أي بن عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارمٍ التّميميّ الدّارميّ قال الكلبيّ في الجامع كان يقال له تيّار الفرات لجوده قلت وله ذكرٌ في غزوة حنينٍ أورده البغويّ في الصّحابة بإسنادٍ صحيحٍ قوله ما أردت إلّا خلافي أي ليس مقصودك إلّا مخالفة قولي وفي رواية أحمد إنّما أردت خلافي وهذا هو المعتمد وحكى بن التّين أنّه وقع هنا ما أردت إلى خلافي بلفظ حرف الجرّ وما في هذا استفهاميّةٌ وإلى بتخفيف اللّام والمعنى أيّ شيءٍ قصدت منتهيًا إلى مخالفتي وقد وجدت الرّواية الّتي ذكرها بن التّين في بعض النّسخ لأبي ذرٍّ عن الكشميهني قوله فارتفعت أصواتهما في رواية بن جريجٍ فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما قوله فأنزل الله في رواية بن جريج فنزل في ذلك قوله يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم الآية زاد وكيعٌ كما سيأتي في الاعتصام إلى قوله عظيم وفي رواية بن جريجٍ فنزلت يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله إلى قوله ولو أنهم صبروا وقد استشكل ذلك قال بن عطيّة الصّحيح أنّ سبب نزول هذه الآية كلام جفاة الأعراب قلت لا يعارض ذلك هذا الحديث فإنّ الّذي يتعلّق بقصّة الشّيخين في تخالفهما في التّأمير هو أوّل السّورة لا تقدموا ولكن لمّا اتّصل بها قوله لا ترفعوا تمسّك عمر منها بخفض صوته وجفاة الأعراب الّذين نزلت فيهم هم من بني تميمٍ والّذي يختصّ بهم قوله إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات قال عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة أنّ رجلًا جاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات فقال يا محمّد إنّ مدحي زينٌ وإنّ شتمي شينٌ فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ذاك اللّه عزّ وجلّ ونزلت قلت ولا مانع أن تنزل الآية لأسبابٍ تتقدّمها فلا يعدل للتّرجيح مع ظهور الجمع وصحّة الطّرق ولعلّ البخاريّ استشعر ذلك فأورد قصّة ثابت بن قيسٍ عقب هذا ليبيّن ما أشرت إليه من الجمع ثمّ عقّب ذلك كلّه بترجمة باب قوله ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرا لهم إشارةً إلى قصّة جفاة الأعراب من بني تميمٍ لكنّه لم يذكر في التّرجمة حديثًا كما سأبيّنه قريبًا وكأنّه ذكر حديث ثابتٍ لأنّه هو الّذي كان الخطيب لمّا وقع الكلام في المفاخرة بين بني تميمٍ المذكورين كما أورده بن إسحاق في المغازي مطوّلًا قوله فما كان عمر يسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه في رواية وكيعٍ في الاعتصام فكان عمر بعد ذلك إذا حدّث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بحديثٍ حدّثه كأخي السّرار لم يسمعه حتّى يستفهمه قلت وقد أخرج بن المنذر من طريق محمّد بن عمرو بن علقمة أنّ أبا بكرٍ الصّدّيق قال مثل ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا مرسلٌ وقد أخرجه الحاكم موصولًا من حديث أبي هريرة نحوه وأخرجه بن مردويه من طريق طارق بن شهابٍ عن أبي بكرٍ قال لمّا نزلت لا ترفعوا أصواتكم الآية قال أبو بكرٍ قلت يا رسول اللّه آليت أن لا أكلّمك إلّا كأخي السّرار قوله ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكرٍ قال مغلطاي يحتمل أنّه أراد بذلك أبا بكرٍ عبد اللّه بن الزّبير أو أبا بكرٍ عبد اللّه بن أبي مليكة فإنّ أبا مليكة له ذكرٌ في الصّحابة قلت وهذا بعيدٌ عن الصّواب بل قرينة ذكر عمر ترشد إلى أنّ مراده أبو بكرٍ الصّدّيق وقد وقع في رواية التّرمذيّ قال وما ذكر بن الزّبير جدّه وقد وقع في رواية الطّبريّ من طريق مؤمّل بن إسماعيل عن نافع بن عمر فقال في آخره وما ذكر بن الزّبير جدّه يعني أبا بكرٍ وفيه تعقّبٌ على من عدّ في الخصائص النّبويّة أنّ أولاد بنته ينسبون إليه لقوله إنّ ابني هذا سيد وقد أنكره القفال على بن القاصّ وعدّه القضاعيّ فيما اختصّ به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن الأنبياء وفيه نظرٌ فقد احتجّ يحيى بن يعمر بأنّ عيسى نسب إلى إبراهيم وهو بن بنته وهو استدلالٌ صحيحٌ وإطلاق الأب على الجدّ مشهورٌ وهو مذهب أبي بكرٍ الصّدّيق كما تقدّم في المناقب
- قوله افتقد ثابت بن قيسٍ تقدّم شرحه مستوفًى في أواخر علامات النّبوّة قوله فقال رجلٌ يا رسول اللّه هو سعد بن معاذٍ بيّنه حمّاد بن سلمة في روايته لهذا الحديث عن أنسٍ وقيل هو عاصم بن عديٍّ وقيل أبو مسعودٍ والأوّل المعتمد قوله أنا أعلم لك علمه أي أعلم لأجلك علمًا متعلّقًا به قوله فقال موسى هو بن أنس راوي الحديث عن أنس). [فتح الباري: 8/590-592]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (ذكر فيه حديث بن الزّبير وقد تقدّم شرحه في الّذي قبله وروى الطّبريّ من طريق مجاهدٍ قال هم أعراب بني تميمٍ ومن طريق أبي إسحاق عن البراء قال جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا محمّد إنّ حمدي زينٌ وإنّ ذمّي شينٌ فقال ذاك اللّه تبارك وتعالى وروي من طريق معمرٍ عن قتادة مثله مرسلًا وزاد فأنزل اللّه إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات الآية ومن طريق الحسن نحوه
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ} (الحجرات: 2) الآية)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {يا أيها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبي ولا تجهروا له بالقول} إلى آخر الآية. وحديث الباب يفسر الآية ويبين سبب نزولها.
تشعرون تعلمون، ومنه الشّاعر
أشار به إلى قوله تعالى: {وأنتم لا تشعرون} (الحجرات: 2) وفسره بقوله: تعلمون، وكذا فسره المفسّرون. قوله: (ومنه الشّاعر) ، أراد به من جهة الاشتقاق، يقال: شعرت بالشّيء اشعر به شعرًا. أي: فطنت له، ومنه سمي الشّاعر لفطنته فافهم.
- حدّثنا يسرة بن صفوان بن جميلٍ اللّخميّ حدّثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال كاد الخيران يهلكان أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميمٍ فأشار أحدهما بالأقرع بن حابسٍ أخي بني مجاشعٍ وأشار الآخر برجلٍ آخر قال ناف لا أحفظ اسمه فقال أبو بكرٍ لعمر ما أردت إلاّ خلافي قال ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} الآية.
قال ابن الزّبير فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هاذه الآية حتّى يستفهمه ولم يذكر ذالك عن أبيه يعني أبا بكرٍ رضي الله عنه..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة، وبسرة، بفتح الياء آخر الحروف والسّين المهملة والرّاء ابن صفوان بن جميل، بالجيم ضد القبيح. الملخمي بسكون الخاء المعجمة الدّمشقي، ونافع بن عمر الجمحي بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء المهملة، وابن أبي مليكة عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي مليكة بضم الميم واسمه زهير. وكان عبد الله قاضي مكّة على عهد ابن الزبير، رضي الله عنهم.
وقال الكرماني: هذا الحديث ليس من الثلاثيات لأن عبد الله تابعيّ وهو من المراسيل، وقيل: صورته صورة الإرسال لكن ظهر في آخره ابن أبي مليكة حمله عن عبد الله بن الزبير، وسيأتي في الباب الّذي بعده التّصريح بذلك، وقد مضى الحديث في وفد بني تميم من وجه آخر.
قوله: (كاد الخيران يهلكان) ، بالنّون. قوله: (أبا بكر) ، بالنّصب خبر: كان، وعمر، عطف عليه كذا لأبي ذر وفي رواية بحذف النّون: يهلكا بلا ناصب ولا جازم وهي لغة، والأصل: يهلكان، بالنّون، (والخيران) بتشديد الياء آخر الحروف المكسورة أي: الفاعلان للخير الكثير يهلكان، وفي (التّوضيح) . ويجوز بالمهملة أيضا. قلت: أراد الخبر بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وهو العالم، ويجوز في الخبر الفتح والكسر. قاله ابن الأثير. قوله: (حين قدم عليه ركب بني تميم) ، كان قدومهم سنة تسع من الهجرة، والركب أصحاب الإبل في السّفر. قوله: (فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس) ، فيه حذف تقديره: سألوا النّبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمر عليهم أحدا فأشار أحدهما هو عمر، رضي الله تعالى عنه، فإنّه أشار إلى النّبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمر الأقرع بن حابس، والأقرع لقبه واسمه فراس بن حابس بن عقال، بالكسر وتخفيف القاف: ابن محمّد بن سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم التّميمي الدّارميّ، وكانت وفاة الأقرع في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنه، قوله: (برجل آخر) ، وهو القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس بن يزيد بن عبد الله بن دارم التّميمي الدّارميّ، قال الكلبيّ: كان يقال له تيار الفرات لجوده. قوله: (ما أردت إلّا خلافي) أي ليس مقصودك إلّا مخالفة قولي. قوله: (قال ابن الزبير) أي عبد الله بن الزبير بن العوام. قوله: (يسمع) ، بضم الياء من الأسماع، ولا شكّ أن رفع الصّوت على النّبي صلى الله عليه وسلم فوق صوته حرام بهذه الآية. فإن قلت: ثبت في (الصّحيح) أن عمر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه عالية أصواتهن. قلت: يحتمل أن يكون ذلك قبل النّهي أو يكون علو الصّوت كان بالهيئة الاجتماعية لا بانفراد كل منهنّ. قوله: (عن أبيه يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه) ، قال الكرماني: أطلق الأب على الجد مجازًا، لأن أبا بكر أبو أم عبد الله، وهي أسماء بنت أبي بكر، وقال بعضهم: قال مغلطاي: يحتمل أنه أراد بذلك أبا بكر عبد الله بن الزبير، أو أبا بكر عبد الله بن أبي مليكة. فإن له ذكرا في الصّحابة عند ابن أبي عمر وأبي نعيم، وهذا بعيد عن الصّواب، وقال صاحب (التّلويح) وأغرب بعض الشّرّاح ثمّ ذكر ما ذكره بعضهم. قلت: لا يشك في بعده عن الصّواب، ولكن يؤاخذ بعضهم بقوله، قال مغلطاي، فذكره هكذا يشعر بالتحقير، وكذلك صاحب (التّلويح) يقول: وأغرب بعض الشّرّاح، مع أنه شيخه ولم يشرع الّذي جمعه إلاّ من كتاب شيخه هذا ولم يذكر من خارج إلاّ شيئا يسيرا.
- حدّثنا عليّ بن عبد الله حدّثنا أزهر بن سعدٍ أخبرنا ابن عون قال أنبأني موسى بن أنسٍ عن أنسٍ بن مالكٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيسٍ فقال رجلٌ يا رسول الله أنا أعلم لك علمه فأتاه فوجده جالسا في بيته منكّسا رأسه فقال له ما شأنك فقال شر كان يرفع صوته فوق صوت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله وهو من أهل النّار فأتى الرّجل النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنّه قال كذا وكذا فقال موسى فرجع إليه المرّة الآخرة ببشارةٍ عظيمةٍ فقال اذهب إليه فقل له إنّك لست من أهل النّار ولكنّك من أهل الجنة..
مطابقته للتّرجمة في قوله: (كان يرفع صوته فوق صوت النّبي صلى الله عليه وسلم) ومر هذا الحديث في علامات النّبوّة بعين هذا الإسناد والمتن، وهذا مكرر صريحًا ليس فيه زيادة إلاّ ذكره في التّرجمة المذكورة، وابن عون هو عبد الله، وموسى هو ابن أنس بن مالك قاضي البصرة، يروي عن أبيه.
قوله: (فقال رجل) هو سعيد بن معاذ. قوله: أنا أعلم لك علمه القياس أن يقول: أنا أعلم لك حاله لا علمه، لكن قوله: مصدر مضاف إلى المفعول أي: أعلم لأجلك علما يتعلّق به. قوله: (لكنك من أهل الجنّة) ، صريح في أنه من أهل الجنّة ولا منافاة بينه وبين العشرة المبشرة لأن مفهموم العدد لا اعتبار له. فلا ينفي الزّائد أو المقصود من العشرة الّذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ: بشرت بالجنّة، أو المبشرون بدفعة واحدة، في مجلس واحد، ولا بد من التّأويل إذ بالإجماع أزواج الرّسول وفاطمة والحسنان ونحوهم من أهل الجنّة). [عمدة القاري: 19/182-183]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} الآية. {تشعرون}: تعلمون ومنه الشّاعر
({لا ترفعوا}) ولأبي ذر باب بالتنوين لا ترفعوا ({أصواتكم فوق صوت النبي}) [الحجرات: 2] (الآية) أي إذا كلمتموه لأنه يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام ومن خشي قلبه ارتجف وضعفت حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ومن لم يخف بالعكس وليس المراد بنهي الصحابة عن ذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة كيف وهم خير الناس بل المراد أن التصويت بحضرته مباين لتوقيره وتعزيره.
({تشعرون}) أي (تعلمون. ومنه الشاعر) والمعنى أنكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتم فذلك يؤدي إلى الاستحقار وهو يفضي إلى الارتداد وهو محبط وقوله: {وأنتم لا تشعرون} إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان فإن من ارتكب ذنبًا لم يرتكبه في عمره تراه نادمًا غاية الندامة خائفًا غاية الخوف فإذا ارتكبه مرارًا قلّ خوفه وندامته ويصير عادة أعاذنا الله من سائر المكروهات.
- حدّثنا يسرة بن صفوان بن جميلٍ اللّخميّ، حدّثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة. قال: كاد الخيّران أن يهلكا أبا بكرٍ وعمر -رضي الله عنهما- رفعا أصواتهما عند النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- حين قدم عليه ركب بني تميمٍ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابسٍ أخي بني مجاشعٍ، وأشار الآخر برجلٍ آخر قال نافعٌ لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلاّ خلافي قال: ما أردت
خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} [الحجرات: 2] الآية قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- بعد هذه الآية حتّى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه. يعني أبا بكرٍ.
وبه قال: (حدّثنا يسرة بن صفوان بن جميل) بفتح التحتية والسين المهملة المخففة وجميل بفتح الجيم وكسر الميم (اللخمي) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة قال: (حدّثنا نافع بن عمر) الجمحي المكي (عن أبي مليكة) بضم الميم مصغرًا عبد الله أنه (قال: كاد الخيران) بفتح المعجمة وتشديد التحتية الفاعلان للخير الكثير (أن يهلكا) بكسر اللام وإثبات أن قبل وحذف نون الرفع في الفرع وأصله نصب بأن ولأبي ذر يهلكان بنون الرفع مع ثبوت أن قبل وقال في الفتح كاد الخيران يهلكان يعني بحذف أن وإثبات نون الرفع لأبي ذر وفي رواية يهلكا بحذف النون نصب بتقدير أن قال وقد أخرجه أحمد عن وكيع عن نافع عن ابن عمر بلفظ أن يهلكا ونسبها ابن التين لرواية أبي ذر (أبا بكر) نصب خبر كاد (وعمر) عطف عليه (-رضي الله عنهما-) ولأبي ذر أبو بكر وعمر بالرفع فيهما (رفعا أصواتهما عند النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- حين قدم عليه ركب بني تميم) سنة تسع وسألوا النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يؤمر عليهم أحدًا (فأشار أحدهما) هو عمر بن الخطاب كما عند ابن جريج في الباب التالي (بالأقرع) واسمه فراس (بن حابس أخي بني مجاشع) بضم الميم وبعد الجيم ألف فشين معجمة فعين مهملة التميمي الدارمي (وأشار الآخر) هو أبو بكر (برجل آخر قال نافع) الجمحي (لا أحفظ اسمه) في الباب التالي أنه القعقاع بن معبد بن زرارة (فقال أبو بكر لعمر) -رضي الله عنهما- (ما أردت إلا خلافي) بتشديد اللام بعد همزة مكسورة أي ليس مقصودك إلا مخالفة قولي، ولأبي ذر عن الكشميهني في الفرع كأصله ونسبها الحافظ ابن حجر لحكاية السفاقسي ما أردت إلى خلافي بلفظ حرف الجر وما على هذه الرواية استفهامية أي أيّ شيء قصدت منتهيًا إلى مخالفتي (قال) ولأبي ذر فقال أي عمر (ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله) تعالى: ({يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} الآية قال) ولأبي ذر فقال (ابن الزبير) عبد الله (فما كان عمر) -رضي الله عنه- (يسمع رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- بعد هذه الآية حتى يستفهمه) وفي رواية وكيع في الاعتصام فكان عمر بعد ذلك إذا حدّث النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- بحديث يحدّثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه (ولم يذكر ذلك) عبد الله بن الزبير (عن أبيه) يريد جده لأمه أسماء (يعني أبا بكر) الصديق وإطلاق الأب على الجد مشهور.
وسياق هذا الحديث صورته صورة الإرسال لكن في آخره أنه حمله عن عبد الله بن الزبير ويأتي في الباب اللاحق التصريح بذلك.
- حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، حدّثنا أزهر بن سعدٍ، أخبرنا ابن عونٍ قال: أنبأني موسى بن أنسٍ عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- افتقد ثابت بن قيسٍ، فقال رجلٌ: يا رسول اللّه، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسًا في بيته منكّسًا رأسه، فقال له: ما
شأنك؟ فقال: شرٌّ. كان يرفع صوته فوق صوت النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقد حبط عمله وهو من أهل النّار فأتى الرّجل النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فأخبره أنّه قال: كذا وكذا، فقال موسى، فرجع إليه المرّة الآخرة ببشارةٍ عظيمةٍ، فقال: «اذهب إليه، فقال له إنّك لست من أهل النّار، ولكنّك من أهل الجنّة».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا أزهر بن سعد) بسكون العين البصري الباهلي قال: (أخبرنا ابن عون) عبد الله بن عون بن أرطبان (قال: أنبأني) بالإفراد (موسى بن أنس) قاضي البصرة (عن) أبيه (أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- افتقد ثابت بن قيس) خطيب الأنصار وكان قد قعد في بيته حزينًا لما نزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2] الآية. وكان من أرفع الصحابة صوتًا (فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك) لأجلك (علمه) خبره والرجل هو سعد بن معاذ كما في مسلم لكن قال ابن كثير الصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة قال في الفتح ويمكن الجمع بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت والذي نزل في قصة الأقرع أول السورة وفي تفسير ابن المنذر أنه سعد بن عبادة وعند ابن جرير أنه عاصم بن عدي العجلاني (فأتاه) أي فأتى الرجل ثابت بن قيس (فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأسه) بكسر الكاف (فقال له: ما شأنك)؟ أي ما حالك (فقال) ثابت حالي (شرّ كان يرفع صوته فوق صوت النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) كان الأصل أن يقول كنت أرفع صوتي لكنه التفت من الحاضر إلى الغائب (فقد حبط عمله وهو من أهل النار) لأنه كان يجهر بالقول بين يدي الرسول وكان القياس عملي وأنا (فأتى الرجل النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فأخبره أنه قال: كذا وكذا) للذي قاله ثابت (فقال موسى) بن أنس بالإسناد السابق إلى ثابت (فرجع) الرجل المذكور (إليه) أي إلى ثابت (المرة الآخرة) بمد الهمزة (ببشارة عظيمة) من الرسول (فقال) عليه الصلاة والسلام للرجل:
(اذهب إليه) أي إلى ثابت (فقل له إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة) زاد في رواية أحمد قال فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف فجاء ثابت قد تحنط ولبس كفنه وقاتلهم حتى قتل وهذا لا ينافي ما روي في العشرة المبشرين بالجنة لأن مفهوم العدد لا اعتبار له فلا ينفي الزائد.
وهذا الحديث ذكره أواخر علامات النبوّة وتفرّد به من هذا الوجه). [إرشاد الساري: 7/350-351]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أنّ عبد اللّه بن الزّبير أخبرهم: أنّه " قدم ركبٌ من بني تميمٍ على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال أبو بكرٍ: أمّر القعقاع بن معبدٍ، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابسٍ، فقال أبو بكرٍ: ما أردت إلى، أو إلّا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما "، فنزل في ذلك: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} [الحجرات: 1] حتّى انقضت الآية). [صحيح البخاري: 6/137-138]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله عن بن جريج أخبرني بن أبي مليكة كذا قال حجّاج بن محمّدٍ تقدّم في التّفسير من طريق هشام بن يوسف عن بن جريج عن بن أبي مليكة بالعنعنة وتابعه هشام بن يوسف وأخرجه بن المنذر من طريق محمّد بن ثورٍ عن بن جريجٍ فزاد فيه رجلًا قال أخبرني رجلٌ أن بن أبي مليكة أخبره فيحمل على أن بن جريج حمله عن بن أبي مليكة بواسطةٍ ثمّ لقيه فسمعه منه). [فتح الباري: 8/592]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثنا الحسن بن محمّدٍ حدّثنا حجّاجٌ عن ابن جريجٍ قال أخبرني ابن أبي مليكة أنّ عبد الله بن الزّبير أخبرهم أنّه قدم ركبٌ من بني تميمٍ على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكرٍ أمر القعقاع بن معبدٍ وقال عمر بل أمر الأقرع بن حابسٍ فقال أبو بكرٍ ما أردت إلى أو إلاّ خلافي فقال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذالك: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله} (الحجر: 1) حتّى انقضت الآية..
مطابقته للتّرجمة تؤخذ من قوله: (قدم ركب من بني تميم) وقد ذكرنا الآن أن {الّذين ينادونك} (الحجر: 4) أعراب تميم، والحسن بن محمّد ابن الصّباح، أبو عليّ الزّعفراني، وحجاج هو ابن محمّد الأعور وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وابن أبي مليكة عبد الله وقد مر عن قريب.
والحديث أيضا ومر الكلام فيه. قوله: (فتماريا) ، أي: تجادلا وتخاصما). [عمدة القاري: 19/184]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، حدّثنا الحجّاجٌ عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنّ عبد اللّه بن الزّبير أخبرهم أنّه قدم ركبٌ من بني تميمٍ على النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال أبو بكرٍ: أمّر القعقاع بن معبدٍ وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابسٍ فقال أبو بكرٍ ما أردت إلى أو إلاّ خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} [الحجرات: 1] حتّى انقضت الآية.
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن محمد) أبو علي الزعفراني البغدادي واسم جده الصباح قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن محمد المصيصي الأعور ترمذي الأصل سكن بغداد ثم المصيصة (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الله (أن عبد الله بن الزبير) بن العوّام (أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) فسألوه أن يؤمر عليهم أحدًا (فقال أبو بكر) له عليه الصلاة والسلام: (أمر) عليهم (القعقاع بن معبد) بفتح الميم والموحدة (وقال عمر أمر) عليهم ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني بل أمر (الأقرع بن حابس) أخا بني مجاشع (فقال أبو بكر) لعمر -رضي الله عنهما-: (ما أردت) بذلك (إلى) بلفظ الجارة (أو) قال (إلا خلافي) بكسر الهمزة وتشديد اللام أي إنما تريد مخالفتي (فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا) فتجادلا وتخاصما (حتى ارتفعت أصواتهما) في ذلك (فنزل في ذلك {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} حتى انقضت الآية).
وروى الطبري من طريق أبي إسحاق عن البراء قال: جاء رجل إلى النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال: ذاك الله تبارك وتعالى. وروي من طريق معمر عن قتادة مثله مرسلًا وزاد فأنزل الله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} [الحجرات: 4] الآية). [إرشاد الساري: 7/351-352]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا مؤمّل بن إسماعيل، قال: حدّثنا نافع بن عمر بن جميلٍ الجمحيّ قال: حدّثني ابن أبي مليكة، قال: حدّثني عبد الله بن الزّبير: أنّ الأقرع بن حابسٍ، قدم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أبو بكرٍ: يا رسول الله استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله، فتكلّما عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلاّ خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك قال: فنزلت هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} قال: فكان عمر بن الخطّاب، بعد ذلك إذا تكلّم عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يسمع كلامه حتّى يستفهمه. قال: وما ذكر ابن الزّبير جدّه، يعني أبا بكرٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة، مرسلاً ولم يذكر فيه عن عبد الله بن الزّبير). [سنن الترمذي: 5/240]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ}
- أخبرنا محمّد بن عبد الأعلى، حدّثنا المعتمر هو ابن سليمان، عن أبيه، عن ثابتٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: لمّا نزلت {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2]، قال ثابت بن قيسٍ: أنا والله الّذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنّي أخشى أن يكون قد غضب الله عليّ، قال: فحزن واصفرّ، ففقده النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسأل عنه، فقال: يا نبيّ الله، إنّه يقول: وإنّي أخشى أن أكون من أهل النّار، لأنّي كنت أرفع صوتي عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم: «بل هو من أهل الجنّة»، قال: فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا رجلٌ من أهل الجنّة). [السنن الكبرى للنسائي: 10/266]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره: يا أيّها الّذين صدّقوا اللّه ورسوله، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول اللّه تتجهّموه بالكلام، وتغلظون له في الخطاب {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ} يقول: ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا باسمه: يا محمّد، يا محمّد، ولكن قولاً ليّنًا وخطابًا حسنًا بتعظيمٍ له وتوقيرٍ وإجلالٍ: يا نبيّ اللّه، يا رسول اللّه.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ} قال لا تنادوه نداءً، ولكن قولاً ليّنًا يا رسول اللّه.
- حدّثنا بشرٌ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ} كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فوعظهم اللّه، ونهاهم عن ذلك.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: كانوا يرفعون ويجهرون عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فوعظوا، ونهوا عن ذلك.
- حدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} الآية، هو كقوله: {لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا} نهاهم اللّه أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضًا وأمرهم أن يشرّفوه ويعظّموه، ويدعوه إذا دعوه باسم النّبوّة.
- حدّثنا أبو كريبٍ قال: حدّثنا زيد بن حبابٍ قال: حدّثنا أبو ثابت بن ثابتٍ قيس بن الشّمّاس قال: ثني عمّي إسماعيل بن محمّد بن ثابت بن شمّاسٍ، عن أبيه قال: لمّا نزلت هذه الآية {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول} قال: قعد ثابتٌ في الطّريق يبكي قال: فمرّ به عاصم بن عديٍّ من بني العجلان، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: لهذه الآية، أتخوّف أن تكون نزلت فيّ، وأنا صيّتٌ رفيع الصّوت قال: فمضى عاصم بن عديٍّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: وغلبه البكاء قال: فأتى امرأته جميلة ابنة عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي، فشدّي عليّ الضّبّة بمسمارٍ، فضربته بمسمارٍ حتّى إذا خرج عطفه وقال: لا أخرج حتّى يتوفّاني اللّه، أو يرضى عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ قال: وأتى عاصمٌ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره خبره، فقال: اذهب فادعه لي فجاء عاصمٌ إلى المكان، فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعوك، فقال: اكسر الضّبّة قال: فخرجا فأتيا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيّتٌ، وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول} فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنّة؟ فقال: رضيت ببشرى اللّه ورسوله، لا أرفع صوتي أبدًا على رسول اللّه، فأنزل اللّه {إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه أولئك الّذين امتحن اللّه قلوبهم للتّقوى} الآية.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يعقوب، عن حفصٍ، عن شمر بن عطيّة قال: جاء ثابت بن قيس بن الشّمّاس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محزونٌ، فقال: يا ثابت ما الّذي أرى بك؟ فقال: آيةٌ قرأتها اللّيلة، فأخشى أن يكون قد حبط عملي {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} وكان في أذنه صممٌ، فقال: يا نبيّ اللّه أخشى أن أكون قد رفعت صوتي، وجهرت لك بالقول، وأن أكون قد حبط عملي، وأنا لا أشعر: فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: (امش على الأرض بسطًا فإنّك من أهل الجنّة) حدّثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا ابن عليّة قال: حدّثنا أيّوب، عن عكرمة قال: لمّا نزلت: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} الآية قال ثابت بن قيسٍ: فأنا كنت أرفع صوتي فوق صوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأجهر له بالقول، فأنا من أهل النّار، فقعد في بيته، فتفقّده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وسأل عنه، فقال رجلٌ: إنّه لجاري، ولئن شئت لأعلمنّ لك علمه، فقال: نعم، فأتاه فقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد تفقّدك، وسأل عنك، فقال: نزلت هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} الآية وأنا كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأجهر له بالقول، فأنا من أهل النّار، فرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره، فقال: بل هو من أهل الجنّة؛ فلمّا كان يوم اليمامة انهزم النّاس، فقال: أفٍّ لهؤلاء وما يعبدون، وأفٍّ لهؤلاء وما يصنعون، يا معشر الأنصار خلّوا لي بشيءٍ لعلي أصلى بحرّها ساعةً قال: ورجلٌ قائمٌ على ثلمةٍ، فقتله وقتل.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، أنّ ثابت بن قيس بن شمّاسٍ قال: لمّا نزلت {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} قال: يا نبيّ اللّه، لقد خشيت أن أكون قد هلكت، نهانا اللّه أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وإنّي امرؤٌ جهير الصّوت، ونهى اللّه المرء أن يحبّ أن يحمد بما لم يفعل، فأجدني أحبّ أن أحمد؛ ونهى اللّه عن الخيلاء وأجدني أحبّ الجمال؛ قال: فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنّة؟ فعاش حميدًا، وقتل شهيدًا يوم مسيلمة.
- حدّثني عليّ بن سهلٍ قال: حدّثنا مؤمّلٌ قال: حدّثنا نافع بن عمر بن جميلٍ الجمحيّ قال: ثني ابن أبي مليكة، عن ابن الزّبير قال: قدم وفدٌ أراه قال: تميمٌ، على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، منهم الأقرع بن حابسٍ، فكلّم أبو بكرٍ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يستعمله على قومه قال: فقال عمر: لا تفعل يا رسول اللّه قال: فتكلّما حتّى ارتفعت أصواتهما عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلاّ خلافي قال: ما أردت خلافك قال: ونزل القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} إلى قوله: {وأجرٌ عظيمٌ} قال: فما حدّث عمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك، فسمع النّبيّ كلامه حتّى يستفهمه ممّا يخفض صوته للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال: وما ذكر ابن الزّبير جدّه، يعني أبا بكرٍ.
وقوله: {أن تحبط أعمالكم} يقول: أن لا تحبط أعمالكم فتذهب باطلةً لا ثواب لكم عليها، ولا جزاء برفعكم أصواتكم فوق صوت نبيّكم، وجهركم له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ.
وقد اختلف أهل العربيّة في معنى ذلك، فقال بعض نحويّي الكوفة: معناه: لا تحبط أعمالكم قال: وفيه الجزم والرّفع إذا وضعت (لا) مكان (أن) قال: وهي في قراءة عبد اللّه فتحبط أعمالكم وهو دليلٌ على جواز الجزم.
وقال بعض نحويّي البصرة: قال: {أن تحبط أعمالكم}: أي مخافة أن تحبط أعمالكم وقد يقال: أسند الحائط أن يميل.
وقوله: {وأنتم لا تشعرون} يقول: وأنتم لا تعلمون ولا تدرون). [جامع البيان: 21/338-343]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض يقول لا تنادوه باسمه نداء ولكن قولوا قولا لينا يا رسول الله). [تفسير مجاهد: 2/605]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ س ت) عبد الله بن الزبير بن العوام - رضي الله عنهما -: قال: قدم ركبٌ من بني تميمٍ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكرٍ: أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: أمّر الأقرع بن حابسٍ، فقال أبو بكرٍ: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا، حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: {يا أيّها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله واتّقوا اللّه إن اللّه سميع عليم} [الحجرات: 1].
وفي رواية: قال ابن أبي مليكة: كاد الخيّران أن يهلكا: أبو بكرٍ، وعمر، لمّا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظليّ، وأشار الآخر بغيره، ثم ذكره نحوه، ونزول الآية. ثم قال: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدّث بحديثٍ حدّثه كأخي السّرار، لم يسمعه حتى يستفهمه.
وفي أخرى نحوه، وفيه قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكرٍ الصّديق. أخرجه البخاري، وأخرج النسائي الرواية الأولى.
وأخرجه الترمذي قال: إنّ الأقرع بن حابسٍ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكرٍ: يا رسول الله، استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله، فتكلّما عند النبي صلى الله عليه وسلم، حتى علت أصواتهما، فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلا خلافي، فقال: ما أردت خلافك، قال: فنزلت هذه الآية: {يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2] قال: فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم: لم يسمع كلامه، حتى يستفهمه. وما ذكر ابن الزّبير جدّه: يعني أبا بكرٍ.
وقال الترمذي: وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسلاً، ولم يذكر ابن الزبير.
[شرح الغريب]
(فتماريا) التماري: المجادلة والمنازعة في الكلام.
(كأخي السّرار) أي كلاماً كمثل المساررة بخفض صوته، والكاف، صفة لمصدر محذوف، والضمير في «يسمعه» راجع إلى الكاف، ولا يسمعه: منصوب المحل بمنزلة الكاف). [جامع الأصول: 2/360-362] (م)
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} [الحجرات: 2].
- «عن أبي بكرٍ - يعني الصّدّيق - قال: لمّا نزلت هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} [الحجرات: 2] قلت: يا رسول اللّه، واللّه لا أكلّمك إلّا كأخي السّرار».
رواه البزّار، وفيه حصين بن عمرٍو الأحمسيّ وهو متروكٌ وقد وثّقه العجليّ، وبقيّة رجاله رجال الصّحيح). [مجمع الزوائد: 7/108]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (حدّثنا الفضل بن سهلٍ، ثنا إسحاق بن منصورٍ، ثنا حصين بن عمر، عن مخارقٍ، عن طارق بن شهابٍ، عن أبي بكرٍ، قال: لمّا نزلت هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} [الحجرات: 2] قلت: يا رسول اللّه! واللّه لا أكلّمك إلا كأخي السّرار.
قال البزّار: لا نعلمه يروى متّصلا إلا عن أبي بكرٍ، وحصينٌ حدّث بأحاديث لم يتابع عليها، ومخارقٌ مشهورٌ، ومن عداه أجلاء). [كشف الأستار عن زوائد البزار: 3/69]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (قال أحمد بن منيعٍ: ثنا أبو النّضر، ثنا سليمان، عن ثابتٍ، عن أنسٍ- رضي اللّه عنه- قال: "لما نزلت (يا أيها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي..) الآية، وكان ثابت بن بن شماسٍ رفيع الصّوت فقال: أنا الّذي كنت أرفع صوتي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حبط عملي، أنا من أهل النّار. فجلس في بيته حزينًا، ففقده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقّدك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فقال: أنا الّذي كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأجهر بالقول؟ حبط عملي، أنا من أهل النّار. فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبروه بما قال، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا، بل هو من أهل الجنة. قال أنسٌ: فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنّه من أهل الجنّة، فلمّا كان يوم اليمامة- قال أنسٌ: وأنا فيهم - فكان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيسٍ قد تحنّط وتكفّن ولبس كفنه فقال: بئس ما تعودون أقرانكم. فقاتل حتى قتل".
- وبه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ... فذكره.
قلت: رواه مسلم في صحيحه عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حبان بن هلال، عن سليمان بن المغيرة به ... فذكره دون قوله: "فلما كان يوم اليمامة ... " إلى آخره، ولم يقل: "حبط عملي".
ورواه النسائي في التفسير والمناقب من طريق سليمان التيمي به، وبعض القوم في الحديث هو سعد بن معاذ كما صرح به مسلم في صحيحه من الطريق التي سقناه). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/272]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال أبو يعلى: حدثنا أحمد بن عيسى، ثنا ابن بكرٍ، عن ابن جابرٍ، حدّثني عطاءٌ الخراسانيّ قال: قدمت المدينة فلقيت رجلًا من الأنصار، فقلت: حدّثني بحديث ثابت بن قيس بن شمّاسٍ. قال: نعم، قم معي. فقمت معه، حتّى دفعت إلى باب دارٍ فأجلسني على بابها، ثمّ دخل فلبث مليًّا، ثمّ دعانا فأدخلنا على امرأةٍ، فقال: هذه بنت ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنها، فسلها عمّا بدا لك، فقلت: حدّثيني عنه رحمك اللّه قالت: لمّا أنزل اللّه عزّ وجلّ على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} الآية. دخل بيته، وأغلق بابه، وطفق يبكي، فافتقده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: [ما شأن ثابتٍ؟ قالوا: يا رسول اللّه، ما ندري ما شأنه، إلّا أنّه قد أغلق بابه، وهو يبكي فيه. فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسأله]: ما شأنك؟ قال: يا رسول اللّه. أنزل عليك هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} [الحجرات: 2]، وأنا شديد الصّوت، وأخاف أن أكون قد حبط عملي، قال صلّى اللّه عليه وسلّم: لست منهم، بل تعيش بخيرٍ، وتموت بخيرٍ.
قالت: ثمّ أنزل الله عز وجل على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم: {إنّ اللّه لا يحبّ كلّ مختالٍ فخورٍ}، فأغلق بابه، وطفق يبكي. فافتقده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقال: ثابتٌ ما شأنه؟ قالوا: يا رسول اللّه، ما ندري غير أنّه قد أغلق بابه. فأرسل إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: ما شأنك؟ قال: يا رسول اللّه أنزل عليك: {إنّ اللّه لا يحبّ كلّ مختالٍ فخورٍ}، واللّه إنّي لأحبّ الجمال وأحبّ أن أسود قومي. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: لست منهم، بل تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنّة. فلمّا كان يوم اليمامة، خرج مع خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى مسيلمة الكذّاب... فذكر الحديث في قصّة قتله، ووصيّته وسيأتي إن شاء الله تعالى ذلك في مناقبه رضي الله عنه). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 15/244-245]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 2 - 3.
أخرج البخاريّ، وابن المنذر والطبراني عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس وأشار الآخر برجل آخر فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي قال: ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، وأخرجه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة قال: حدثني عبد الله بن الزبير به). [الدر المنثور: 13/528-529]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير والطبراني من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أن الأقرع بن حابس قدم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله، فتكلما عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي قال: ما أردت خلافك فنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه). [الدر المنثور: 13/529]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البزار، وابن عدي والحاكم، وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} قلت يا رسول الله: والله لا أكلمك إلا كأخي السرار). [الدر المنثور: 13/529]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال: كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون أصواتهم فأنزل الله {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي}). [الدر المنثور: 13/529]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد في قوله {ولا تجهروا له بالقول} الآية قال: لا تنادوه نداء ولكن قولوا قولا لينا يا رسول الله). [الدر المنثور: 13/529]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو يعلى والبغوي في معجم الصحابة، وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: لما نزلت {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} إلى قوله {وأنتم لا تشعرون} وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار وجلس في بيته حزينا ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأجهر له بالقول حبط عملي أنا من أهل النار فأتوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك فقال: لا بل هو من أهل الجنة فلما كان يوم اليمامة قتل). [الدر المنثور: 13/530]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: لما نزلت هذه الآية {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول} قعد ثابت رضي الله عنه في الطريق يبكي فمر به عاصم بن عدي بن العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في وأنا صيت رفيع الصوت فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال: اذهب فادعه لي فجاء فقال: ما يبكيك يا ثابت فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة قال: رضيت ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وأنزل الله تعالى {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} الآية). [الدر المنثور: 13/530-531]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن حبان والطبراني وأبو نعيم في المعرفة عن إسمعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله: لقد خشيت أن أكون قد هلكت، قال: لم قال: يمنع الله المرء أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد وينهى عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال وينهى أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا جهير الصوت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة قال الحافظ بن حجر في الأطراف: هكذا أخرجه ابن حبان بهذا السياق وليس فيه ما يدل على أن إسمعيل سمعه من ثابت فهو منقطع ورواه مالك رضي الله عنه في الموطأ عن ابن شهاب عن إسمعيل عن ثابت أنه قال فذكره ولم يذكره من رواة الموطأ أحد إلا سعيد بن عفير وحده وقال: قال مالك: قتل ثابت بن قيس يوم اليمامة، قال ابن حجر رضي الله عنه: فلم يدركه إسمعيل فهو منقطع قطعا انتهى). [الدر المنثور: 13/531-532]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال: جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو محزون فقال: يا ثابت ما الذي أرى بك قال: آية قرأتها الليلة فأخشى أن يكون قد حبط عملي {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} وكان في أذنه صمم فقال: أخشى أن أكون قد رفعت صوتي وجهرت لك بالقول وأن أكون قد حبط عملي وأنا لا أشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امش على الأرض نشيطا فإنك من أهل الجنة). [الدر المنثور: 13/532]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البغوي، وابن قانع في معجم الصحابة عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن ثابت بن قيس بن شماس قال: لما نزلت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} قعدت في بيتي فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: تعيش حميدا وتقتل شهيدا فقتل يوم اليمامة). [الدر المنثور: 13/532]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البغوي، وابن المنذر والطبراني والحاكم، وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فلقيت رجلا من الأنصار، قلت: حدثني حديث ثابت بن قيس بن شماس، قال: قم معي، فانطلقت معه حتى دخلت على امرأة، فقال الرجل: هذه ابنة ثابت بن قيس بن شماس فاسألها عما بدا لك، فقلت: حدثيني، قالت: سمعت أبي يقول: لما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية دخل [ أي ثابت ] بيته وأغلق عليه بابه وطفق يبكي ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأن ثابت فقالوا: يا رسول الله ما ندري ما شأنه غير أنه قد أغلق عليه باب بيته فهو يبكي فيه، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله: ما شأنك قال: يا رسول الله: أنزل الله عليك هذه الآية وأنا شديد الصوت فأخاف أن أكون قد حبط عملي، فقال: لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير، قالت: ثم أنزل الله على نبيه (إن الله لا يحب كل مختال فخور) فأغلق عليه بابه وطفق يبكي فيه فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ثابت ما شأنه قالوا: يا رسول الله والله ما ندري ما شأنه غير أنه قد أغلق عليه بابه وطفق يبكي، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأنك قال: يا رسول الله: أنزل الله عليك (إن الله لا يحب كل مختال فخور) والله إني لأحب الجمال وأحب أن أسود قومي، قال: لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا ويدخلك الله الجنة بسلام، قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب فلما لقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشفوا فقال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حفر كل منهما لنفسه حفرة وحمل عليهم القوم فثبتا حتى قتلا، وكانت على ثابت يومئذ درع له نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت بن قيس في منامه فقال له: إني أوصيك بوصية إياك أن تقول هذا حلم فتضيعه: إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى العسكر وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد كفا على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رحلا، فائت خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها وإذا قدمت على خليفة رسول الله فأخبره أن علي من الدين كذا وكذا ولي من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق وفلان فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، فأتى الرجل خالد بن الوليد فأخبره فبعث إلى الدرع فنظر إلى خباء في أقصى العسكر فإذا عنده فرس يستن في طوله فنظر في الخباء فإذا ليس فيه أحد فدخلوا فدفعوا الرجل فإذا تحته برمة ثم رفعوا البرمة فإذا الدرع تحتها فأتوا به خالد بن الوليد، فلما قدموا المدينة حدث الرجل أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته بعد موته ولا يعلم أحد من المسلمين جوزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس بن شماس). [الدر المنثور: 13/532-534]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية قال: نزلت في قيس بن شماس). [الدر المنثور: 13/534]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الترمذي، وابن حبان، وابن مردويه عن صفوان بن عسال رضي الله عنه أن رجلا من أهل البادية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يناديه بصوت له جهوري: يا محمد يا محمد فقلنا: ويحك أخفض من صوتك فإنك قد نهيت عن هذا قال: لا والله حتى أسمعه فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: هاؤم قال: أرأيت رجلا يحب قوما ولم يلحق بهم قال: المرء مع من أحب). [الدر المنثور: 13/534]

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى قال أخلص الله قلوبهم فيما أحب). [تفسير عبد الرزاق: 2/231]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ({امتحن} [الحجرات: 3] : «أخلص»). [صحيح البخاري: 6/137]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله امتحن أخلص وصله الفريابيّ من طريق بن أبي نجيحٍ عنه بلفظه وكذا قال عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة قال أخلص اللّه قلوبهم فيما أحبّ). [فتح الباري: 8/589]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال مجاهد لا تقدموا لا تفتاتوا على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى يقضي الله على لسانه امتحن اخلص ولا تنابزوا يدعى بالكفر بعد الإسلام يلتكم ينقصكم ألتنا نقصنا
قرأت على فاطمة بنت محمّد بن عبد الهادي بصالحية دمشق أن أحمد بن أبي طالب أخبرهم عن عبد الله بن عمر أن أبا الوقت أخبره أنا أبو إسماعيل عبد الله ابن محمّد الهرويّ أنا محمّد بن محمّد بن محمود أنا عبد الله بن أحمد أنا إبراهيم بن خريم ثنا عبد بن حميد قال أخبرني شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله 1 الحجرات {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} قال لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتّى يقضيه الله على لسانه
وقال الفريابيّ ثنا ورقاء مثله
وبه في قوله 3 الحجرات {أولئك الّذين امتحن الله قلوبهم للتّقوى} قال أخلص). [تغليق التعليق: 4/314-315] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (امتحن أخلص
أشار به إلى قوله تعالى: {أولئك الّذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} (الحجرات: 3) وفسره بقوله: أخلص، وقال عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة. قال: أخلص الله قلوبهم فيما أحب). [عمدة القاري: 19/181]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({امتحن}) في قوله تعالى: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} [الحجرات: 3] قال مجاهد فيما وصله الفريابي أي (أخلص) من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبيثه). [إرشاد الساري: 7/350]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه أولئك الّذين امتحن اللّه قلوبهم للتّقوى لهم مّغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ}.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره: إنّ الّذين يكفّون رفع أصواتهم عند رسول اللّه، وأصل الغضّ: الكفّ في لينٍ ومنه: غضّ البصر، وهو كفّه عن النّظر، كما قال جريرٌ:
فغضّ الطّرف إنّك من نميرٍ فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا.
وقوله: {أولئك الّذين امتحن اللّه قلوبهم للتّقوى} يقول تعالى ذكره: هؤلاء الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه، هم الّذين اختبر اللّه قلوبهم بامتحانه إيّاها، فاصطفاها وأخلصها للتّقوى، يعني لاتّقائه بأداء طاعته، واجتناب معاصيه، كما يمتحن الذّهب بالنّار، فيخلص جيّدها، ويبطل خبثها.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {امتحن اللّه قلوبهم} قال: أخلص.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، في قوله: {امتحن اللّه قلوبهم} قال: أخلص اللّه قلوبهم فيما أحبّ.
وقوله: {لهم مغفرةٌ} يقول: لهم من اللّه عفوٌ عن ذنوبهم السّالفة، وصفحٌ منه عنها لهم {وأجرٌ عظيمٌ} يقول: وثوابٌ جزيلٌ، وهو الجنّة). [جامع البيان: 21/343-344]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى يقول أخلص الله قلوبهم). [تفسير مجاهد: 2/605]

قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا عليّ بن عبد اللّه الحكيميّ ببغداد، ثنا العبّاس بن محمّد بن حاتمٍ الدّوريّ، ثنا سعيد بن عامرٍ، عن محمّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال: " لمّا نزلت {إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه} [الحجرات: 3] صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو بكرٍ الصّدّيق رضي اللّه عنه، والّذي أنزل عليك الكتاب يا رسول اللّه، لا أكلّمك إلّا كأخي السّرار حتّى ألقى اللّه عزّ وجلّ هذا «حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرّجاه»). [المستدرك: 2/501]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: لما نزلت {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله). [الدر المنثور: 13/529]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: لما نزلت هذه الآية {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول} قعد ثابت رضي الله عنه في الطريق يبكي فمر به عاصم بن عدي بن العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في وأنا صيت رفيع الصوت فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال: اذهب فادعه لي فجاء فقال: ما يبكيك يا ثابت فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة قال: رضيت ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وأنزل الله تعالى {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} الآية). [الدر المنثور: 13/530-531] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزل الله {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منهم ثابت بن قيس بن شماس). [الدر المنثور: 13/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {امتحن} قال: أخلص). [الدر المنثور: 13/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: أخلص الله قلوبهم فيما أحب). [الدر المنثور: 13/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج أحمد في الزهد عن مجاهد قال: كتب إلى عمر رضي الله عنه: يا امير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل لها فكتب عمر رضي الله عنه: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم}). [الدر المنثور: 13/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الحكيم الترمذي عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نفس ابن آدم شابة ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا من امتحن الله قلبه للتقوى وقليل ما هم). [الدر المنثور: 13/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المبارك في الزهد عن أبي الدرداء قال: لا تزال نفس أحدكم شابة من حب الشيء ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا الذين امتحن الله قلوبهم وقليل ما هم). [الدر المنثور: 13/535]

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أن رجلا جاء إلى النبي فناداه من وراء الحجرة فقال يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين فخرج إليه النبي فقال ويلك ذاك الله ويلك ذلك الله فأنزل الله عز و جل إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون). [تفسير عبد الرزاق: 2/231]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}
- أخبرنا الحسن بن محمّدٍ، حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أنّ عبد الله بن الزّبير أخبره، أنّه قدم الرّكب من بني تميمٍ، على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أمّر القعقاع بن معبدٍ، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابسٍ، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] حتّى انقضت الآية {ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم} [الحجرات: 5]
- أخبرنا محمّد بن عليّ بن الحسن بن شقيقٍ، قال: أبي أخبرنا قال: أخبرنا الحسين بن واقدٍ، عن أبي إسحاق، عن البراء، {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} [الحجرات: 4]، فقال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إنّ حمدي زينٌ، وإنّ ذمّي شينٌ، فقال: «ذاك الله تبارك وتعالى»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/267]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] ). [صحيح البخاري: 6/137]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) ). [فتح الباري: 8/592]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} (الحجرات: 4)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {إن الّذين} الآية. قال المفسّرون (إن الّذين ينادونك يعني أعراب تميم نادوا يا محمّد أخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمنا شين، وقال قتادة: وعن زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى النّبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا نكن أسعد النّاس، وإن يكن ملكا نعش في جنابه، فجاؤوا إلى حجرة النّبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه: يا محمّد يا محمّد، فأنزل الله تعالى: {إن الّذين ينادونك} الآية). [عمدة القاري: 19/183]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}
هذا (باب) بالتنوين قوله تعالى: ({إن الذين ينادونك من وراء الحجرات}) من خارجها ما أو قدامها والمراد حجرات نسائه عليه الصلاة والسلام ومناداتهم من ورائها إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له فأسند فعل الإبعاض إلى الكل ({أكثرهم لا يعقلون}) [الحجرات: 4] إذ العقل يقتضي حسن الأدب). [إرشاد الساري: 7/351]

- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (والحجرات بضمّتين جمع حجرةٍ بسكون الجيم والمراد بيوت أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم). [فتح الباري: 8/589]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال الزّجاج: يقرأ الحجرات بضم الجيم وفتحها ويجوز في اللّغة التسكين ولا أعلم أحدا قرأه وهي جمع الحجر والحجر جمع حجرة وهو جمع الجمع، والمراد بيوت أزواج النّبي صلى الله عليه وسلم.
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
ثبتت البسملة لأبي ذر ليس إلاّ). [عمدة القاري: 19/181]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا أبو عمّارٍ الحسين بن حريثٍ، قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقدٍ، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ، في قوله تعالى: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} قال: قام رجلٌ فقال: يا رسول الله إنّ حمدي زينٌ وإنّ ذمّي شينٌ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ذاك اللّه عزّ وجلّ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ). [سنن الترمذي: 5/240]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرًا لّهم واللّه غفورٌ رّحيمٌ}.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ الّذين ينادونك يا محمّد من وراء حجراتك، والحجرات: جمع حجرةٍ، والثّلاث: حجرٌ، ثمّ تجمع الحجر فيقال: حجراتٌ وحجراتٌ، وقد تجمع بعض العرب الحجر: حجراتٌ بفتح الجيم، وكذلك كلّ جمعٍ كان من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ على فعل يجمعونه على فعلاتٍ بفتح ثانيه، والرّفع أفصح وأجود؛ ومنه قول الشّاعر:
أما كان عبّادٌ كفيئا لدارمٍ بلى ولأبياتٍ بها الحجرات.
يقول: بلى ولبني هاشمٍ.
وقوله: {أكثرهم لا يعقلون} يقول: أكثرهم جهّالٌ بدين اللّه، واللاّزم لهم من حقّك وتعظيمك.
ذكر أنّ هذه الآية والّتي بعدها نزلت في قومٍ من الأعراب جاءوا ينادون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء حجرته: يا محمّد اخرج إلينا.
ذكر الرّواية بذلك:
- حدّثنا أبو عمّارٍ الحسين بن الحريث المروزيّ، قالا: حدّثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقدٍ، عن أبي إسحاق، عن البراء، في قوله: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا محمّد إنّ حمدي زينٌ، وإنّ ذمّي شينٌ، فقال: ذاك اللّه تبارك وتعالى.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ قال: حدّثنا الحسين، عن أبي إسحاق، عن البراء بمثله، إلاّ أنّه قال: ذاكم اللّه عزّ وجلّ.
- حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان التّيميّ قال: سمعت داود الطّفاويّ، يقول: سمعت أبا مسلمٍ البجليّ، يحدّث عن زيد بن أرقم قال: جاء أناسٌ من العرب إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال بعضهم لبعضٍ: انطلقوا بنا إلى هذا الرّجل، فإن يكن نبيًّا فنحن أسعد النّاس به، وإن يكن ملكًا نعش في جناحه؛ قال: فأتيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخبرته بذلك قال: ثمّ جاءوا إلى حجر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعلوا ينادونه يا محمّد، فأنزل اللّه على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} قال: فأخذ نبيّ اللّه بأذني فمدّها، فجعل يقول: قد صدّق اللّه قولك يا زيد، قد صدّق اللّه قولك يا زيد.
- حدّثنا الحسن بن أبي يحيى المقدّميّ قال: حدّثنا عفّان، قال: حدّثنا وهيبٌ، قال: حدّثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة قال: ثني الأقرع بن حابسٍ التّميميّ أنّه أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فناداه، فقال: يا محمّد أخرج إلينا إنّ مدحي زينٌ، وإنّ شتمي شينٌ؛ فخرج إليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: ويلك ذلك اللّه فنزلت {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} قال: أعراب بني تميمٍ.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، أنّ رجلاً، جاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فناداه من وراء الحجر، فقال: يا محمّد إنّ مدحي زينٌ، إنّ شتمي شينٌ؛ فخرج إليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: (ويلك ذلك اللّه) فأنزل اللّه {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}.
- حدّثنا بشرٌ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} الآية، ذكر لنا أنّ رجلاً جعل ينادي يا نبيّ اللّه، يا محمّد، فخرج إليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: ما شأنك؟ فقال: واللّه إنّ حمده لزينٌ، وإنّ ذمّه لشينٌ، فقال نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ذاكم اللّه فأدبر الرّجل وذكر لنا أنّ الرّجل كان شاعرًا.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بشر بن غالبٍ ولبيد بن عطاردٍ، أو بشر بن عطاردٍ ولبيد بن غالبٍ، وهما عند الحجّاج جالسان، يقول بشر بن غالبٍ للبيد بن عطاردٍ نزلت في قومك بني تميمٍ {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: أما إنّه لو علم بآخر الآية، أجابه: {يمنّون عليك أن أسلموا} قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك بنو أسدٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا مهران، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: أتى أعرابيٌّ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء حجرته، فقال: يا محمّد، يا محمّد؛ فخرج إليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: ما لك ما لك؟، فقال: تعلم أنّ مدحي لزينٌ، وأنّ ذمّي لشينٌ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ذاكم اللّه، فنزلت {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ}.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {من وراء الحجرات} فقرأته قرّاء الأمصار بضمّ الحاء والجيم من الحجرات، سوى أبي جعفرٍ القارئ، فإنّه قرأ بضمّ الحاء وفتح الجيم على ما وصفت من جمع الحجرة حجرٌ، ثمّ جمع الحجر: حجراتٌ والصّواب من القراءة عندنا الضّمّ في الحرفين كليهما لما وصفت قبل). [جامع البيان: 21/344-348]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله إن الذين ينادونك من وراء الحجرات قال يعني أعراب من بني تميم). [تفسير مجاهد: 2/605-606]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) البراء بن عازب - رضي الله عنه -: في قوله {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} [الحجرات: 4] قال: قام رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إنّ حمدي زينٌ، وذمّي شينٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك الله عز وجل». أخرجه الترمذي.
[شرح الغريب]
(شين) الشين: الذم والعيب). [جامع الأصول: 2/362-363]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} [الحجرات: 4].
- عن زيد بن أرقم قال: «جاء ناسٌ من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرّجل، فإن يك نبيًّا فنحن أسعد النّاس به، وإن يك ملكًا عشنا في جنابه، فانطلقت إلى النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فأخبرته بما قالوا، ثمّ جاءوا إلى حجر النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فجعلوا ينادون: يا محمّد يا محمّد. فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] فأخذ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بأذني فقال: " لقد صدّق اللّه قولك يا زيد» ".
رواه الطّبرانيّ، وفيه داود بن راشدٍ الطّفاويّ وثّقه ابن حبّان وضعّفه ابن معينٍ، وبقيّة رجاله ثقاتٌ.
- «وعن الأقرع بن حابسٍ أنّه نادى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من وراء الحجرات فقال: يا رسول اللّه، فلم يجبه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: يا محمّد، إن حمدي زينٌ وإنّ ذمّي لشينٌ، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " ذاكم اللّه - عزّ وجلّ» ". كما حدّث أبو سلمة.
رواه أحمد والطّبرانيّ، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصّحيح إن كان أبو سلمة سمع من الأقرع، وإلّا فهو مرسلٌ كإسناد أحمد الآخر). [مجمع الزوائد: 7/108]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال مسدد: ثنا معتمر، سمعت داود الطفاوي، حدثني أبو مسلم البجلي، سمعت زيد بن أرقم قال: "أتى ناسٌ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرّجل؟ فإن يكن نبيًّا فنحن نشهد به، وإن يكن ملكاً عشنا في جناحه فأتيت صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته بذلك، فأتوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ينادونه في حجرته: يا محمّد، يا محمّد. فأنزل اللّه- عزّ وجلّ- (إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأذني فمدّها وجعل يقول لقد صدّق اللّه قولك يا زيد، لقد صدّق اللّه قولك يا زيد".
- رواه أبو يعلى الموصليّ: ثنا محمّد بن يحيى بن أبي سمينة البغدادي، ثنا المعتمر، سمعت داود الطفاوي يحدث عن أبي مسلم البجلي، عن زيد بن أرقم قال: "سمعت قوماً يقولون: انطلقوا بنا إلى هذا الرّجل، فإن يكن نبياً كنا أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً عشنا تحت جناحه ... " فذكره، وقد تقدّم في كتاب الوصايا حديث ثابت بن قيس، وفيه شيء من سورة الحجرات). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/272-273]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل: ثنا عفّان، ثنا وهيبٌ، ثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن الأقرع بن حابسٍ "أنّه نادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات فقال: يا محمّد، إنّ حمدي زينٌ وإنّ ذمّي شينٌ. فقال: ذاكم اللّه" كما حدّث أبو سلمة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
هذا إسنادٌ صحيح، ووهيب بن خالد). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/273]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال مسدّدٌ وإسحاق جميعًا: حدثنا معتمرٌ، قال: سمعت داود الطّفاويّ يقول: حدّثني أبو مسلمٍ البجليّ، قال: سمعت زيد بن أرقم رضي الله عنه يقول: أتى ناسٌ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرّجل، فإن كان نبيًّا فنحن نشهد به، وإن يكن ملكًا عشنا في جنابه. فأتيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته بذلك. فأتوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ينادونه من حجرته: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأذني فمدّها، وجعل يقول: لقد صدّق اللّه قولك يا زيد، لقد صدّق اللّه قولك يا زيد.
- رواه أبو يعلى: حدثنا محمّد بن يحيى بن أبي سمينة، ثنا معتمرٌ، به). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 15/251]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 4 - 5.
أخرج أحمد، وابن جرير وأبو القاسم البغوي، وابن مردويه والطبراني بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اخرج إلينا فلم يجبه فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال: ذاك الله فأنزل الله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} قال ابن منيع: لا أعلم روي للأقرع سند غير هذا). [الدر المنثور: 13/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن البراء عازب في قوله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} قال: جاء رجل فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ذاك الله). [الدر المنثور: 13/535-536]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن راهويه ومسدد وأبو يعلى والطبراني، وابن جرير، وابن أبي حاتم بسند حسن عن زيد بن أرقم قال: اجتمع ناس من العرب فقالوا: انطلقوا إلى هذا الرجل فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به وإن يك ملكا نعش بجناحه فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه: يا محمد فأنزل الله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني وجعل يقول: لقد صدق الله قولك يا زيد لقد صدق الله قولك). [الدر المنثور: 13/536-537]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين فقال صلى الله عليه وسلم: ذاك هو الله فنزلت {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}). [الدر المنثور: 13/537]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أخبرت عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن تميما ورجلا من بني أسد بن خزيمة إستبا فقال الأسدي: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} أعراب بني تميم فقال سعيد رضي الله عنه: لو كان التميمي فقيها إن أولها في بني تميم وآخرها في بني أسد). [الدر المنثور: 13/537]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بيني وبين رجل من بني أسد كلام فقال الأسدي {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} بني تميم {أكثرهم لا يعقلون} فذكرت ذلك لسعيد بن جبير قال: أفلا تقول لبني أسد قال الله {يمنون عليك أن أسلموا} فإن العرب لم تسلم حتى قوتلت ونحن أسلمنا بغير قتال فأنزل الله هذا فيهم). [الدر المنثور: 13/537]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال رجل من بني أسد لرجل من بني تميم وتلا هذه الآية {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم} بني تميم {لا يعقلون} فلما قام التميمي وذهب قال سعيد بن جبير: أما إن التميمي لو يعلم ما أنزل في بني أسد لتكلم قلنا: ما أنزل فيهم قال: جاؤوا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد أسلمنا طائعين وإن لنا حقا فأنزل الله {يمنون عليك أن أسلموا} الآية). [الدر المنثور: 13/537-538]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} قال: أعراب من بني تميم). [الدر المنثور: 13/538]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن منده، وابن مردويه من طريق يعلى بن الأشدق عن سعد بن عبد الله أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} قال: هم الجفاة من بني تميم لولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم). [الدر المنثور: 13/538]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن إسحاق، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم وفد بني تميم وهم سبعون رجلا أو ثمانون رجلا منهم الزبرقان بن بدر وعطارد بن معبد وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث وعمرو بن أهتم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وكان يكون في كل سدة حتى أتوا منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوه من وراء الحجرات بصوت جاف: يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين نحن أكرم العرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم بل مدحة الله الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقالوا: إنا أتيناك لنفاخرك فذكره بطوله وقال في آخره: فقام التميميون فقالوا: والله إن هذا الرجل لمصنوع له لقد قام خطيبه فكان أخطب من خطيبنا وقال شاعره فكان أشعر من شاعرنا قال: ففيهم أنزل الله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} من بني تميم {أكثرهم لا يعقلون} قال: هذا كان في القراءة الأولى {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم}). [الدر المنثور: 13/538]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد والبخاري في الأدب، وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه قال: كنت أدخل بيوت أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي). [الدر المنثور: 13/539]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري في الأدب، وابن أبي الدنيا والبيهقي عن داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحوا من ستة أو سبعة أذرع وأحزر البيت الداخل عشرة أذرع وأظن سمكه بين الثمان والسبع). [الدر المنثور: 13/539]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن عطاء الخراساني قال: أدركت حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم فسمعت سعيد بن المسيب رضي الله عنه يقول يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها وقال يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويرون ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده). [الدر المنثور: 13/539]

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم} [الحجرات: 5]). [صحيح البخاري: 6/138]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرا لهم)
هكذا في جميع الرّوايات التّرجمة بغير حديثٍ وقد أخرج الطّبريّ والبغويّ وبن أبي عاصمٍ في كتبهم في الصّحابة من طريق موسى بن عقبة عن أبي سلمة قال حدّثني الأقرع بن حابسٍ التّميميّ أنّه أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا محمّد اخرج إلينا فنزلت إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات الحديث وسياقه لابن جرير قال بن منده الصّحيح عن أبي سلمة أنّ الأقرع مرسل
وكذا أخرجه أحمد على الوجهين وقد ساق محمّد بن إسحاق قصّة وفد بني تميمٍ في ذلك مطوّلة بانقطاع وأخرجها بن منده في ترجمة ثابت بن قيسٍ في المعرفة من طريق أخرى موصولة). [فتح الباري: 8/592-593]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكن خيرا لهم} (الحجر: 5)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {ولو أنهم صبروا} الآية. وليس في كثير من النّسخ: لفظ باب وهكذا في جميع الرّوايات التّرجمة بلا حديث. والظّاهر أنه أخلى موضع الحديث فإمّا أنه لم يظفر بشيء على شرطه أو أدركه الموت، والله أعلم. قوله: (ولو أنهم) ، أي: الّذين ينادونك من وراء الحجرات لو صبروا، وقوله: أنهم في محل الرّفع على الفاعلية لأن المعنى ولو ثبت صبرهم والصّبر حبس النّفس عن أن تنازع إلى هواها. قوله: (حتّى تخرج) ، خطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم). [عمدة القاري: 19/184]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم}
(باب قوله) تعالى: ({ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم}) قال في الكشاف أنهم صبروا في موضع الرفع على الفاعلية لأن المعنى ولو ثبت صبرهم قال أبو حيان هذا ليس مذهب سيبويه بل مذهب سيبويه أن أنّ وما بعدها بعد لو في موضع فاعل ومذهب المبرد أنها في موضع فاعل بفعل محذوف كما زعم الزمخشري ومذهب سيبويه أنها في على رفع الابتداء وحينئذٍ يكون اسم كان ضميرًا عائدًا على صبرهم المفهوم من الفعل ({لكان خيرًا لهم}) [الحجرات: 5] لكان الصبر خيرًا لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب ولم يذكر المؤلّف حديثًا هنا ولعله بيض له فلم يظفر بشيء على شرطه). [إرشاد الساري: 7/352]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم} يقول تعالى ذكره: ولو أنّ هؤلاء الّذين ينادونك يا محمّد من وراء الحجرات صبروا فلم ينادوك حتّى تخرج إليهم إذا خرجت، لكان خيرًا لهم عند اللّه، لأنّ اللّه قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، فهم بتركهم نداءك تاركون ما قد نهاهم اللّه عنه {واللّه غفورٌ رّحيمٌ} يقول تعالى ذكره: اللّه ذو عفوٍ عمّن ناداك من وراء الحجاب، إن هو تاب من معصية اللّه بندائك كذلك، وراجع أمر اللّه في ذلك، وفي غيره؛ رحيمٌ به أن يعاقبه على ذنبه ذلك من بعد توبته منه). [جامع البيان: 21/348]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن إسحاق، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم وفد بني تميم وهم سبعون رجلا أو ثمانون رجلا منهم الزبرقان بن بدر وعطارد بن معبد وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث وعمرو بن أهتم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وكان يكون في كل سدة حتى أتوا منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوه من وراء الحجرات بصوت جاف: يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين نحن أكرم العرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم بل مدحة الله الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقالوا: إنا أتيناك لنفاخرك فذكره بطوله وقال في آخره: فقام التميميون فقالوا: والله إن هذا الرجل لمصنوع له لقد قام خطيبه فكان أخطب من خطيبنا وقال شاعره فكان أشعر من شاعرنا قال: ففيهم أنزل الله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} من بني تميم {أكثرهم لا يعقلون} قال: هذا كان في القراءة الأولى {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم}). [الدر المنثور: 13/538] (م)


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12 جمادى الآخرة 1434هـ/22-04-2013م, 02:31 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (قوله جل وعز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا...}.
اتفق عليها القراء، ولو قرأ قارئ: {لَا تُقَدِّمُوا} لكان صواباً؛ يقال: قدمت في كذا وكذا، وتقدّمت). [معاني القرآن: 3/69]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( "{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} " تقول العرب: فلان يقدّم بين يدي الإمام وبين يدي أبيه يعجل بالأمر والنهى دونه). [مجاز القرآن: 2/219]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {لا تقدموا بين يدي الله}: العرب تقول فلان يقدم بين يدي أبيه أي يعجل بالأمر والنهي دونه). [غريب القرآن وتفسيره: 343]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) :
({لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي لا تقولوا قبل أن يقول رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وسلّم. يقال: «فلان يقدم بين يدي الإمام وبين يدي أبيه»، أي يعجل بالأمر والنهي دونه). [تفسير غريب القرآن: 415]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)}
وقد قرئت {لا تقدّموا} بفتح التاء والدال، والمعنى إذا أمرتم بأمر فلا تفعلوه قبل الوقت الذي أمرتم أن تفعلوه فيه.
وجاء في التفسير أن رجلا ذبح يوم الأضحى قبل صلاة الأضحى فتقدم قبل الوقت فاعلم اللّه أن ذلك غير جائز.
ففي هذا دليل أنّه لا يجوز أن يؤدى فرض قبل وقته ولا تطوع قبل وقته ممّا جاءت به السّنّة، وفي هذا دليل أن تقديم الزكاة قبل وقتها لا ينبغي أن يجوز، فأما ما يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف من العباس شيئا من الزكاة، فلا أعلم أن أحدا ممن أجاز تقديم الزكاة احتج إلا بهذا الحديث، وهذا إن صح فهو على ضربين:
أحدهما أن يكون مخصوصا
والآخر أن يكون الحاجة اشتدت فوقع اضطرار إلى استسلاف الزكاة.
والإجماع أن إعطاءها في وقتها هو الحق، وهو الفضل إن شاء اللّه.
ومن قرأ: {لا تقدّموا} فمعناه كمعنى {لا تقدّموا} ). [معاني القرآن: 5/31]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({لَا تُقَدِّمُوا}: لا تخالفوا أمره). [العمدة في غريب القرآن: 278]

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله عز وجل: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُم...}.
وفي قراءة عبد الله "بأصواتكم"، ومثله في الكلام: تكلم كلاماً حسناً، وتكلم بكلام حسن.
وقوله: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ....}:
يقول: لا تقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: يا نبي الله ـ يا رسول الله، يا أبا القاسم.
وقوله: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ...}.
معناه: لا تحبط وفيه الجزم والرفع إذا وضعت {لا} مكان {أن}، وقد فسر في غير موضع، وهي في قراءة عبد الله: فتحبط أعمالكم، وهو دليل على جواز الجزم فيه). [معاني القرآن: 3/70]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}
قال: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} أي: مخافة أن تحبط أعمالكم. وقد يقال: "اسمك الحائط أن يميل"). [معاني القرآن: 4/19]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} أي لا ترفعوا أصواتكم عليه. كما يرفع بعضكم صوته على بعض. {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} أي لئلا تحبط أعمالكم). [تفسير غريب القرآن: 415]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه: أن تحذف (لا) من الكلام والمعنى إثباتها ...
وقوله: {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات: 2]، أي: لا تحبط أعمالكم). [تأويل مشكل القرآن: 225]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): («اللام» مكان «على»
قال الله تعالى: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: 2] أي لا تجهروا عليه بالقول.
والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي على فيه. قال الشاعر:
فخرَّ صريعًا لليدينِ وَلِلْفَمِ
[تأويل مشكل القرآن: 569]
قال الآخر:
مُعَرَّسُ خَمْسٍ وُقِّعَتْ لِلْجَنَاجِنِ). [تأويل مشكل القرآن: 570]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) :
(وقوله عز وجلّ: ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)}
أمرهم اللّه - عزّ وجلّ - بتبجيل نبيّه عليه السلام، وأن يغضوا أصواتهم وأن يخاطبوه بالسكينة والوقار، وأن يفضلوه في المخاطبة، وذلك مما كانوا يفعلونه في تعظيم ساداتهم وكبرائهم.
ومعنى {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ}أي لا تنزلوه منزلة بعضكم من بعض.
فتقولوا: يا محمد خاطبوه بالنبوة، والسكينة والإعظام.
وقوله: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ}.
معناه لا تفعلوا ذلك فتحبط أعمالكم.
والمعنى لئلا تحبط أعمالكم فالمعنى معنى اللام في أن. وهذه اللام لام الصيرورة وهي كاللام في قوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزنا} والمعنى فالتقطه آل فرعون ليصير أمرهم إلى ذلك، لا أنّهم قصدوا أن يصير إلى ذلك. ولكنه في المقدار فيما سبق من علم الله أن سبب الصير التقاطهم إياه، وكذلك لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سببا لأن تحبط أعمالكم.
{وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} هذا إعلام أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ينبغي أن يجلّ ويعظّم غاية الإجلال.
وأنه قد يفعل الشيء مما لا يشعر به من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون ذلك مهلكا لفاعله أو لقائله.
ولذلك قال بعض الفقهاء: من قال إن زرّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وسخ يريد به - النقص منه وجب قتله.
هذا مذهب مالك وأصحابه). [معاني القرآن: 5/31 -32 ]

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى...}.
أخلصها للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده، ويسقط خبثه). [معاني القرآن: 3/70]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): (" {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى}" من المحنة امتحنه اصطفاه). [مجاز القرآن: 2/219]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} أي أخلصها للتقوى). [تفسير غريب القرآن: 415]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: ({إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)}
{امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}
أخلص قلوبهم.
و" {هم} " يخرج على تفسير حقيقة اللغة، والمعنى اختبر اللّه قلوبهم فوجدهم مخلصين - كما تقول: قد امتحنت هذا الذهب
وهذه الفضة. تأويله قد اختبرتهما بأن أذبتهما حتى خلصت الذهب والفضة فعلمت حقيقة كل واحد منهما). [معاني القرآن: 5/32-33]

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ...}.
وجه الكلام أن تضم الحاء والجيم، وبعض العرب يقول: الحجرات والرّكبات وكل جمع كأن يقال في ثلاثةٍ إلى عشرةٍ: غرف، وحجر، فإذا جمعته بالتاء نصبت ثانية، فالرفع أجود من ذلك.
وقوله: {أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون...}.
أتاه وفد بني تميم في الظهيرة، وهو راقد صلى الله عليه، فجعلوا ينادون: يا محمد، اخرج إلينا، فاستيقظ فخرج، فنزل: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} إلى آخر الآية، وأذن بعد ذلك لهم؛ فقام شاعرهم، وشاعر المسلمين، وخطيب منهم، وخطيب المسلمين، فعلت أصواتهم بالتفاخر، فأنزل الله جل وعز فيه: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}). [معاني القرآن: 3/70]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( " {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون} " واحدتها حجرة قال:
أما كان عبّاد كفّياً لدارهم... بلى ولأبياتٍ بها الحجرات
يقول بلى ولبنى هاشم والذين نادوه صلى الله عليه وسلم من بني تميم وفي قراءة عبد الله بن مسعود: " وأكثرهم بنو تميم لا يعقلون "). [مجاز القرآن: 2/219]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({الحجرات}: واحدها حجرة). [غريب القرآن وتفسيره: 343]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) :
( {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} واحدها: «حجرة»، مثل ظلمة وظلمات.
ويقرأ {حجرات}، كما قيل: ركبات وينشد هذا البيت:
ولما رأونا باديا ركباتنا=على موطن لا نخلط الجد بالهزل
[تفسير غريب القرآن: 415]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه جمع يراد به واحد واثنان:
كقوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]: واحد واثنان فما فوق.
[تأويل مشكل القرآن: 282]
وقال قتادة في قوله تعالى: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ} [التوبة: 66] -: كان رجل من القوم لا يمالئهم على أقاويلهم في النبي صلّى الله عليه وسلم، ويسير مجانبا لهم، فسماه الله طائفة وهو واحد.
وكان «قتادة» يقول في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} [الحجرات: 4]: هو رجل واحد ناداه: يا محمد، إنّ مدحي زين، وإنّ شتمي شين.
فخرج إليه النبي، صلّى الله عليه وسلم فقال: «ويلك، ذاك الله جل وعز»
ونزلت الآية). [تأويل مشكل القرآن: 283] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) :
(وقوله: ({إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون (4)}
يقرأ بضم الحاء والجيم، والحجرات بفتح الجيم، ويجوز في اللغة الحجرات. بتسكين الجيم - ولا أعلم أحدا قرأ بالتسكين وقد فسرنا هذا الجمع فيما تقدم من الكتاب.
وواحد الحجرات حجرة. ويجوز أن تكون الحجرات جمع حجر وحجرات، والأجود أن تكون الحجرات جمع حجرة، وأن الفتح جاز بدلا من الصفة لثقل الضمتين.
وهؤلاء قوم جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من بني تميم فنادوه من وراء الحجرات.
ولهم في التفسير حديث فيه طول، وجملته أنهم جاءوا يفاخرون النبي وأنّهم لم يلقوه بما يجب له عليه السلام). [معاني القرآن: 5/33]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {الْحُجُرَاتِ}: جمع حجرة). [العمدة في غريب القرآن: 278]

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (قال: ({وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}
أي - من تاب بعد هذا الفعل فاللّه غفور رحيم). [معاني القرآن: 5/33]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12 جمادى الآخرة 1434هـ/22-04-2013م, 02:32 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 1,137
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ويروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدً على من سواهم، والمرء كثير بأخيه"
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تتكافأ دماؤهم"، من قولك: فلان كفء لفلان، أي عديله، وموضوع بحذائه، قال الله عز وجل: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ويقال: فلان كفاء فلان، وكفيء فلان، وكفء فلان.
ويروى أن الفرزق بلغه أن رجلاً من الحبطات بن عمرو بن تميم خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال الفرزدق:
بنو دارم أكفاؤهم آل مسمعٍ = وتنكح في أكفائها الحبطات

فآل مسمع بيت بكر بن وائل في الإسلام، وهم ممن بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والحبطات هم بنو الحارث بن عمرو بن تميم فقوله: " أكفاؤهم" إنما هو جمع كفء يا فتى، فقال رجل من الحبطات يجيبه:
أما كان عباد كفيئًا لدارم = بلى ولأبيات بها الحجرات
يعني بني هاشم من قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} ). [الكامل: 1/88-89] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 صفر 1440هـ/8-11-2018م, 09:00 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 صفر 1440هـ/8-11-2018م, 09:00 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري
...

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 صفر 1440هـ/8-11-2018م, 09:08 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم * يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم}
كانت عادة العرب -وهي إلى الآن- الاشتراك في الآراء، وأن يتكلم كل بما شاء ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس ممن لم تتمرن نفسه مع النبي صلى الله عليه وسلم على بعض ذلك، قال قتادة: فربما قال قوم: لو نزل كذا وكذا في معنى كذا، ولو فعل الله كذا، وينبغي أن يكون كذا، وأيضا فإن قوما ذبحوا ضحاياهم قبل النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه الحسن بن أبي الحسن، وقوما فعلوا في بعض حروبه وغزواته شيئا بآرائهم، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك.
وحكى الثعلبي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها في يوم الشك، فقالت للجارية: اسقه عسلا، فقلت: إني صائم، فقالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام هذا اليوم، وفيه نزلت: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}، وقال ابن زيد: معنى "لا تقدموا": لا تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين يدي العلماء، فإنهم ورثة الأنبياء، وتقول العرب: تقدمت في كذا وكذا وتقدمت فيه إذا قلت فيه.
وقرأ الجمهور من القراء: "تقدموا" بضم التاء وكسر الدال، وقرأ ابن عباس، والضحاك، ويعقوب، بفتح التاء والدال على معنى: لا تتقدموا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد في المشي، والمعنى على ضم التاء: بين يدي قول الله ورسوله.
وروي أن سبب هذه الآية هو أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو أَمَّرْتَ الأقرع بن حابس، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله بل أَمِّر القعقاع بن معبد، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ما أردت إلا خلافي، ويروى: إلى خلافي، فقال عمر رضي الله عنه: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية في ذلك، وذهب بعض قائلي هذه المقالة إلى أن قوله تعالى: "لا تقدموا" معناه: لا تقدموا ولاة، فهو من تقدم الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي: اجعلوه مبدأ في الأقوال والأفعال. و"سميع" معناه: لأقوالكم، و"عليم" معناه: بأفعالكم ومقتضى أقوالكم). [المحرر الوجيز: 8/ 5-6]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية هي أيضا في ذلك الفن المتقدم، وروى أن سببها كلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما المتقدم في أمر الأقرع والقعقاع، والصحيح أنها نزلت بسبب عادة الأعراب في الجفاء وعلو الصوت والعنجهية، وكان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه في صوته جهارة، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته لم يخرج وهو كئيب حزين، حتى عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، فبعث فيه فآنسه وقال له: "امش في الأرض بسطا فإنك من أهل الجنة"، وقال له مرة: "أما ترضى أن تعيش حميدا، وتموت شهيدا"، فعاش كذلك ثم قتل رضي الله عنه باليمامة يوم مسيلمة. وفي قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم" بزيادة الباء. وقوله تعالى: {كجهر بعضكم لبعض} أي: كحال جهركم في جفائه وكونه مخاطبة بالأسماء والألقاب، وكانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، قاله ابن عباس وغيره، فأمرهم الله تعالى بتوقيره وأن يدعوه بالنبوه والرسالة والكلام اللين، فتلك حالة الموقر، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرة العالم وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار.
وقوله تعالى: "أن تحبط" مفعول من أجله، أي: مخافة أن تحبط، والحبط: إفساد العمل بعد تقرره، يقال حبط بكسر الباء، وأحبطه الله، وهذا الحبط إن كانت الآية معرضة بمن يفعل ذلك استخفافا واحتقارا وجرأة فذلك كفر والحبط: معه على حقيقته، وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلة وجريا على طبعه فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك، فكأنه قال: أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها، ويحتمل أن يكون المعنى: أن تأثموا ويكون ذلك سببا إلى الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتدرج القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فتحبط الأعمال حقيقة، وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين لا يفعلون ذلك احتقارا، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة: "وأنت لا تشعر" لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملا، وفي قراءة عبد الله بن مسعود: "فتحبط أعمالكم"). [المحرر الوجيز: 8/ 6-8]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (ثم مدح تعالى الصنف المخالف لمن تقدم ذكره وهم الذين يغضون أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، وغض الصوت: خفضه وكسره، وكذلك البصر، ومنه قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... ... ... ... ....
وروي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا بعد ذلك لا يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج مع عمر رضي الله عنه بعد ذلك إلى استعادة اللفظ; لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه. و"امتحن" معناه: اختبر وطهر كما يمتحن الذهب بالنار، فيسرها وهيأها للتقوى، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحن للتقوى: أذهب عنها الشهوات.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
من غلب شهوته وغضبه فذلك الذي امتحن الله قلبه للتقوى، وبذلك تكون الاستقامة). [المحرر الوجيز: 8/ 8-9]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم * يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين * واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم}
قوله تعالى: {إن الذين ينادونك} إلى قوله تعالى: "غفور رحيم" نزلت في وفد بني تميم، حيث كان الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وغيرهم، وذلك أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي تسع، فجعلوا ونادوا ولم ينتظروا، فنادوا بجملتهم: يا محمد، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير، فتربص رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة، ثم خرج إليهم، فقال له الأقرع بن حابس: يا محمد، إن مدحي زين، وذمي شين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ويلك ذلك الله تعالى"، واجتمع الناس في المسجد، فقام خطيبهم فخطب وفخر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، فخطب وذكر الله تعالى والإسلام وأربى على خطيبهم، ثم قام شاعرهم فأنشد مفتخرا، فقام حسان بن ثابت رضي الله عنه ففخر بالله تعالى وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبالبسالة فكان أشعر من شاعرهم، فقال بعضهم لبعض: والله إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ثم نزلت فيهم هذه الآية.
هذا تلخيص ما تظاهرت به الروايات في هذه الآية، وقد رواه موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن الأقرع بن حابس، وفي مصحف ابن مسعود: "أكثرهم بنو تميم لا يعقلون".
و "الحجرات" جمع حجرة، وقرأ الجمهور من القراء: "الحجرات" بضم الحاء والجيم، وقرأ أبو جعفر القارئ وحده: "الحجرات" بفتح الجيم. وقوله تعالى: {لكان خيرا لهم} يعني في الثواب عند الله تعالى، وفي انبساط نفس النبي صلى الله عليه وسلم وقضائه لحوائجهم ووده لهم، وذلك كله خير، لا محالة أن بعضه انزوى بسبب جفائهم. وقوله تعالى: {والله غفور رحيم} ترجية لهم وإعلام بقبوله توبة التائب، وغفرانه ورحمته لمن أناب ورجع). [المحرر الوجيز: 8/ 9-10]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 1 ربيع الأول 1440هـ/9-11-2018م, 05:34 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 1 ربيع الأول 1440هـ/9-11-2018م, 05:40 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله واتّقوا اللّه إنّ اللّه سميعٌ عليمٌ (1) يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه أولئك الّذين امتحن اللّه قلوبهم للتّقوى لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ (3) }
هذه آدابٌ، أدّب اللّه بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من التّوقير والاحترام والتّبجيل والإعظام، فقال: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله [واتّقوا اللّه]}، أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور، حتّى يدخل في عموم هذا الأدب الشّرعيّ حديث معاذٍ، [إذ] قال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب اللّه. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنّة رسول اللّه. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: "الحمد للّه الّذي وفّق رسول رسول اللّه، لما يرضى رسول اللّه".
وقد رواه أحمد، وأبو داود، والتّرمذيّ، وابن ماجه. فالغرض منه أنّه أخّر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسّنّة، ولو قدّمه قبل البحث عنهما لكان من باب التّقديم بين يدي اللّه ورسوله.
قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله}: لا تقولوا خلاف الكتاب والسّنّة.
وقال العوفي عنه: نهى أن يتكلّموا بين يدي كلامه.
وقال مجاهدٌ: لا تفتاتوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشيءٍ، حتّى يقضي اللّه على لسانه.
وقال الضّحّاك: لا تقضوا أمرًا دون اللّه ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثّوريّ: {لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} بقول ولا فعل.
وقال الحسن البصريّ: {لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله} قال: لا تدعوا قبل الإمام.
وقال قتادة: ذكر لنا أنّ ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا كذا، وكذا لو صنع كذا، فكره اللّه ذلك، وتقدّم فيه.
{واتّقوا اللّه} أي: فيما أمركم به، {إنّ اللّه سميعٌ} أي: لأقوالكم {عليمٌ} بنيّاتكم). [تفسير ابن كثير: 7/ 364-365]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ}: هذا أدبٌ ثانٍ أدّب اللّه به المؤمنين ألّا يرفعوا أصواتهم بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم [فوق صوته]. وقد روي أنّها نزلت في الشّيخين أبي بكرٍ وعمر، رضي اللّه عنهما.
وقال البخاريّ: حدّثنا بسرة بن صفوان اللّخميّ، حدّثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا، أبو بكرٍ وعمر، رضي اللّه عنهما، رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين قدم عليه ركب بني تميمٍ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابسٍ أخي بني مجاشعٍ، وأشار الآخر برجلٍ آخر -قال نافعٌ: لا أحفظ اسمه- فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلّا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ} الآية، قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه: يعني أبا بكرٍ رضي اللّه عنه. انفرد به دون مسلمٍ.
ثمّ قال البخاريّ: حدّثنا حسن بن محمّدٍ، حدّثنا حجّاج، عن ابن جريج، حدّثني ابن أبي مليكة: أنّ عبد اللّه بن الزّبير أخبره: أنّه قدم ركبٌ من بني تميمٍ على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال أبو بكرٍ: أمّر القعقاع بن معبد. وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابسٍ، فقال أبو بكرٍ: ما أردت إلى -أو: إلّا- خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي اللّه ورسوله}، حتّى انقضت الآية، {ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم} الآية [الحجرات: 5].
وهكذا رواه هاهنا منفردًا به أيضًا.
وقال الحافظ أبو بكرٍ البزّار في مسنده: حدّثنا الفضل بن سهلٍ، حدّثنا إسحاق بن منصورٍ، حدّثنا حصين بن عمر، عن مخارق، عن طارق بن شهابٍ، عن أبي بكرٍ الصّدّيق قال: لمّا نزلت هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ}، قلت: يا رسول اللّه، واللّه لا أكلّمك إلا كأخي السّرار.
حصين بن عمر هذا -وإن كان ضعيفًا- لكن قد رويناه من حديث عبد الرّحمن بن عوفٍ، وأبي هريرة [رضي اللّه عنه] بنحو ذلك، واللّه أعلم.
وقال البخاريّ: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، حدّثنا أزهر بن سعدٍ، أخبرنا ابن عونٍ، أنبأني موسى بن أنسٍ، عن أنس بن مالكٍ، رضي اللّه عنه، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم افتقد ثابت بن قيسٍ، فقال رجلٌ: يا رسول اللّه، أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده في بيته منكّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرٌّ، كان يرفع صوته فوق صوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقد حبط عمله، فهو من أهل النّار. فأتى الرّجل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره أنّه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرّة الآخرة ببشارةٍ عظيمةٍ فقال: "اذهب إليه فقل له: إنّك لست من أهل النّار، ولكنّك من أهل الجنّة" تفرّد به البخاريّ من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا هاشمٌ، حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: لمّا نزلت هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} إلى: {وأنتم لا تشعرون}، وكان ثابت بن قيس بن الشّمّاس رفيع الصّوت فقال: أنا الّذي كنت أرفع صوتي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حبط عملي، أنا من أهل النّار، وجلس في أهله حزينًا، ففقده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقّدك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ما لك؟ قال: أنا الّذي أرفع صوتي فوق صوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأجهر له بالقول حبط عملي، أنا من أهل النّار. فأتوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبروه بما قال، فقال: "لا بل هو من أهل الجنّة". قال أنسٌ: فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنّه من أهل الجنّة. فلمّا كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شمّاسٍ، وقد تحنّط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعوّدون أقرانكم. فقاتلهم حتّى قتل .
وقال مسلمٌ: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا الحسن بن موسى، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ البناني، عن أنس بن مالكٍ قال: لمّا نزلت هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ} إلى آخر الآية، جلس ثابتٌ في بيته، قال: أنا من أهل النّار. واحتبس عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لسعد بن معاذٍ: "يا أبا عمرٍو، ما شأن ثابتٍ؟ أشتكى؟ " فقال سعدٌ: إنّه لجاري، وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعدٌ فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابتٌ: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أنّي من أرفعكم صوتًا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنا من أهل النّار. فذكر ذلك سعدٌ للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: "بل، هو من أهل الجنة".
ثمّ رواه مسلمٌ عن أحمد بن سعيدٍ الدّارميّ، عن حيّان بن هلالٍ، عن سليمان بن المغيرة، به، قال: ولم يذكر سعد بن معاذٍ. وعن قطن بن نسير عن جعفر بن سليمان، عن ثابتٍ، عن أنسٍ بنحوه. وقال: ليس فيه ذكر سعد بن معاذٍ.
حدّثنا هريم بن عبد الأعلى الأسديّ، حدّثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يذكر، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: لمّا نزلت هذه الآية، واقتصّ الحديث، ولم يذكر سعد بن معاذٍ، وزاد: فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا رجلٌ من أهل الجنّة..
فهذه الطّرق الثّلاث معلّلة لرواية حمّاد بن سلمة، فيما تفرّد به من ذكر سعد بن معاذٍ. والصّحيح: أنّ حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذٍ موجودًا؛ لأنّه كان قد مات بعد بني قريظة بأيّامٍ قلائل سنة خمسٍ، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميمٍ، والوفود إنّما تواتروا في سنة تسعٍ من الهجرة، واللّه أعلم.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا أبو كريب، حدّثنا زيد بن الحباب، حدّثنا أبو ثابتٍ بن ثابت بن قيس بن شمّاس، حدّثني عمّي إسماعيل بن محمّد بن ثابت بن قيس بن شمّاسٍ، عن أبيه قال: لمّا نزلت هذه الآية: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول} قال: قعد ثابت بن قيسٍ في الطّريق يبكي، قال: فمرّ به عاصم بن عديٍّ من بني العجلان، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية، أتخوّف أن تكون نزلت فيّ وأنا صيّتٌ، رفيع الصّوت. قال: فمضى عاصم بن عديٍّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وغلبه البكاء، فأتى امرأته جميلة ابنة عبد اللّه بن أبيّ بن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدّي عليّ الضبّة بمسمارٍ فضربته بمسمارٍ حتّى إذا خرج عطفه، وقال: لا أخرج حتّى يتوفّاني اللّه، عزّ وجلّ، أو يرضى عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قال: وأتى عاصمٌ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره خبره، فقال: "اذهب فادعه لي". فجاء عاصم إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس، فقال له: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعوك. فقال: اكسر الضّبّة. قال: فخرجا فأتيا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما يبكيك يا ثابت؟ ". فقال: أنا صيّتٌ وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول}. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنّة؟ ". فقال: رضيت ببشرى اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. قال: وأنزل اللّه: {إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه أولئك الّذين امتحن اللّه قلوبهم للتّقوى}.
وقد ذكر هذه القصّة غير واحدٍ من التّابعين كذلك، فقد نهى اللّه عزّ وجلّ، عن رفع الأصوات بحضرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد روّينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب [رضي اللّه عنه] أنّه سمع صوت رجلين في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد ارتفعت أصواتهما، فجاء، فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثمّ قال: من أين أنتما؟ قالا من أهل الطّائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا.
وقال العلماء: يكره رفع الصّوت عند قبره، كما كان يكره في حياته؛ لأنّه محترمٌ حيًّا وفي قبره، صلوات اللّه وسلامه عليه، دائمًا. ثمّ نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرّجل لمخاطبه ممّن عداه، بل يخاطب بسكينةٍ ووقارٍ وتعظيمٍ؛ ولهذا قال: {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ}، كما قال: {لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا} [النّور: 63].
وقوله: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} أي: إنّما نهيناكم عن رفع الصّوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب اللّه لغضبه، فيحبط اللّه عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصّحيح: "إنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة من رضوان اللّه لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنّة. وإنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة من سخط اللّه لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النّار أبعد ما بين السموات والأرض"). [تفسير ابن كثير: 7/ 365-368]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ ندب اللّه عزّ وجلّ، إلى خفض الصّوت عنده، وحثّ على ذلك، وأرشد إليه، ورغّب فيه، فقال: {إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه أولئك الّذين امتحن اللّه قلوبهم للتّقوى} أي: أخلصها لها وجعلها أهلًا ومحلًّا {لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ}.
وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزّهد: حدّثنا عبد الرّحمن، حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كتب إلى عمر يا أمير المؤمنين، رجلٌ لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها، أفضل، أم رجلٌ يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر، رضي اللّه عنه: إنّ الّذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها {أولئك الّذين امتحن اللّه قلوبهم للتّقوى لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ}). [تفسير ابن كثير: 7/ 368]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم واللّه غفورٌ رحيمٌ (5) }
ثمّ إنّه تعالى ذمّ الّذين ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب، فقال: {أكثرهم لا يعقلون}
ثمّ أرشد إلى الأدب في ذلك فقال: {ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم} أي: لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدّنيا والآخرة.
ثمّ قال داعيًا لهم إلى التّوبة والإنابة: {واللّه غفورٌ رحيمٌ}
وقد ذكر أنّها نزلت في الأقرع بن حابسٍ التّميميّ، فيما أورده غير واحدٍ، قال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدّثنا وهيب، حدّثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن الأقرع بن حابسٍ؛ أنّه نادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات، فقال: يا محمّد، يا محمّد -وفي روايةٍ: يا رسول اللّه-فلم يجبه. فقال: يا رسول اللّه، إنّ حمدي لزينٌ، وإنّ ذمّي لشينٌ، فقال: " ذاك اللّه، عزّ وجلّ".
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا أبو عمّارٍ الحسين بن حريث المروزيّ، حدّثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقدٍ، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} قال: جاء رجلٌ رسول اللّه فقال: يا محمّد، إنّ حمدي زينٌ، وذمّي شينٌ. فقال: "ذاك اللّه، عزّ وجلّ".
وهكذا ذكره الحسن البصريّ، وقتادة مرسلًا.
وقال سفيان الثّوريّ، عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بشر بن غالبٍ ولبيد بن عطارد -أو بشر بن عطاردٍ ولبيد بن غالبٍ-وهما عند الحجّاج جالسان-فقال بشر بن غالبٍ للبيد بن عطاردٍ: نزلت في قومك بني تميمٍ: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ فقال: أما إنّه لو علم بآخر الآية أجابه: {يمنّون عليك أن أسلموا} [الحجرات: 17]، قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك بنو أسدٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عمرو بن عليٍّ الباهليّ، حدّثنا المعتمر بن سليمان: سمعت داود الطّفّاويّ يحدّث عن أبي مسلمٍ البجليّ، عن زيد بن أرقم قال: اجتمع أناسٌ من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرّجل، فإن يك نبيًّا فنحن أسعد النّاس به، وإن يك ملكًا نعش بجناحه. قال: فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمّد، يا محمّد. فأنزل اللّه [عزّ وجلّ]: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} قال: فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأذني فمدّها، فجعل يقول: "لقد صدّق اللّه قولك يا زيد، لقد صدّق الله قولك يا زيد".
ورواه ابن جريرٍ، عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان، به).[تفسير ابن كثير: 7/ 368-370]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:47 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة