العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النحل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 08:53 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي تفسير سورة النحل [ من الآية (111) إلى الآية (114) ]

{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 08:56 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن جعفر بن سليمان في قوله تعالى يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها قال سمعت علي بن زيد بن جدعان يحدث عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال أنا كعب أن عمر قال له يا كعب خوفنا قال قلت يا أمير المؤمنين أليس فيكم كتاب الله وسنة رسول الله والحكمة قال بلى ولكن خوفنا قال قلت يا أمير المؤمنين اعمل عمل رجل لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيا لازدريت عملك مما ترى قال فأطرق عمر مليا ثم أفاق ثم قال زد يا كعب قال قلت يا أمير المؤمنين لو فتح قدر منخر ثور من جهنم بالمشرق ورجل بالمغرب لغلي دماغه حتى يسيل من شدة حرها قال فأطرق مليا ثم أفاق فقال زد يا كعب قال قلت يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مصطفى إلا خر جاثيا على ركبتيه حتى إن إبراهيم خليل الله ليخر جاثيا لركبتيه يقول لا أسألك إلا نفسي قال فأطرق عمر مليا ثم أفاق قال قلت يا أمير المؤمنين أليس هذا في كتاب الله قال كيف قال قلت يوم تأتي كل نفس تجدل عن نفسها الآية). [تفسير عبد الرزاق: 1/363-364]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يوم تأتي كلّ نفسٍ تجادل عن نفسها، وتوفّى كلّ نفسٍ ما عملت وهم لا يظلمون}.
يقول تعالى ذكره: إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ {يوم تأتي كلّ نفسٍ} تخاصم عن نفسها، وتحتجّ عنها بما أسلفت في الدّنيا من خيرٍ أو شرٍّ، أو إيمانٍ أو كفرٍ {وتوفّى كلّ نفسٍ ما عملت} في الدّنيا من طاعةٍ ومعصيةٍ {وهم لا يظلمون} يقول: وهم لا يفعل بهم إلاّ ما يستحقّونه ويستوجبونه بما قدّموه من خيرٍ أو شرٍّ، فلا يجزى المحسن إلاّ بالإحسان، ولا المسيء إلاّ بالّذي أسلف من الإساءة، لا يعاقب محسنٌ، ولا يبخس جزاء إحسانه، ولا يثاب مسيءٌ إلاّ ثواب عمله.
واختلف أهل العربيّة في السّبب الّذي من أجله قيل " تجادل " فأنّث الكلّ.
فقال بعض نحويّي البصرة: قيل ذلك لأنّ معنى كلّ نفسٍ: كلّ إنسانٍ، وأنّث لأنّ النّفس تذكّر وتؤنّث، يقال: ما جاءني نفسٌ واحدٌ وواحدةٌ,وكان بعض أهل العربيّة يرى هذا القول من قائله غلطًا ويقول: " كلّ " إذا أضيفت إلى نكرةٍ واحدةٍ خرج الفعل على قدر النّكرة: كلّ امرأةٍ قائمةٌ، وكلّ رجلٍ قائمٌ، وكلّ امرأتين قائمتان، وكلّ رجلين قائمان، وكلّ نساءٍ قائماتٌ، وكلّ رجالٍ قائمون، فيخرج على عدد النّكرة وتأنيثها وتذكيرها، ولا حاجة به إلى تأنيث النّفس وتذكيرها). [جامع البيان: 14/381-382]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 111.
أخرج ابن المبارك، وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن كعب قال: كنت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: خوفنا يا كعب فقلت: يا أمير المؤمنين أوليس فيكم كتاب الله وحكمة رسوله قال: بلى ولكن خوفنا قلت: يا أمير المؤمنين لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لازدريت عملك مما ترى، قال: زدنا، قلت: يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلا دماغه حتى يسيل من حرها، قال: زدنا، قلت: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر جاثيا على ركبيته حتى أن إبراهيم خليله ليخر جاثيا على ركبتيه فيقول: رب نفسي، نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي فأطرق عمر مليا، قلت: يا أمير المؤمنين أوليس تجدون هذا في كتاب الله قال: كيف قلت: قول الله في هذه الآية {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون}). [الدر المنثور: 9/126-127]

تفسير قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني حيوة بن شريح عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: {الغاسق إذا وقب} الشمس إذا غربت، والقرية التي قال الله في كتابه: {كانت حاضرة البحر}، طبرية، والقرية التي قال الله: {إذا أرسلنا إليهم اثنين} أنطاكية، والقرية التي قال الله: {كانت آمنة مطمئنة}، قال: هي يثرب). [الجامع في علوم القرآن: 1/15] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى قرية كانت آمنة مطمئنة قال هي مكة). [تفسير عبد الرزاق: 1/360]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وضرب اللّه مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكانٍ، فكفرت بأنعم اللّه، فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}.
يقول اللّه تعالى ذكره ومثّل اللّه مثلاً لمكّة الّتي سكّانها أهل الشّرك باللّه هي القرية الّتي كانت آمنةً مطمئنّةً وكان أمنها أنّ العرب كانت تتعادى ويقتل بعضها بعضًا ويسبي بعضها بعضًا، وأهل مكّة لا يغار عليهم، ولا يحاربون في بلدهم، فذلك كان أمنها وقوله: {مطمئنّةً} يعني: قارّةٌ بأهلها، لا يحتاج أهلها إلى النّجع كما كان سكّان البوادي يحتاجون إليها {يأتيها رزقها رغدًا} يقول: يأتي أهلها معايشهم واسعةٌ كثيرةٌ، وقوله: {من كلّ مكانٍ} يعني: من كلّ فجٍّ من فجاج هذه القرية، ومن كلّ ناحيةٍ فيها.
وبنحو الّذي قلنا في أنّ القرية الّتي ذكرت في هذا الموضع أريد بها مكّة قال أهل التّأويل
ذكر من قال ذلك
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: " {وضرب اللّه مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكانٍ} يعني: مكّة "
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً} قال: " مكّة ".
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وضرب اللّه مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً} قال: " ذكر لنا أنّها مكّة "
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {قريةً كانت آمنةً} قال: " هي مكّة "
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {وضرب اللّه مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً} إلى آخر الآية، قال: " هذه مكّة ".
وقال آخرون: بل القرية الّتي ذكر اللّه في هذا الموضع مدينة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم
ذكر من قال ذلك
- حدّثني ابن عبد الرّحيم البرقيّ، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: حدّثني عبد الرّحمن بن شريحٍ، أنّ عبد الكريم بن الحارث الحضرميّ حدّثه أنّه سمع مشرح بن هاعان، يقول: سمعت سليم بن عترٍ، يقول: " صدرنا من الحجّ مع حفصة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعثمان محصورٌ بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل، حتّى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا: قتل، فقالت حفصة: والّذي نفسي بيده، إنّها القرية، تعني المدينة الّتي قال اللّه تعالى: {وضرب اللّه مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكانٍ فكفرت بأنعم اللّه} قرأها قال أبو شريحٍ: وأخبرني عبيد اللّه بن المغيرة عمّن حدّثه، أنّه كان يقول: إنّها المدينة "
وقوله: {فكفرت بأنعم اللّه} يقول: فكفر أهل هذه القرية بأنعم اللّه الّتي أنعم عليها.
واختلف أهل العربيّة في واحد " الأنعم "، فقال بعض نحويّي البصرة: جمع النّعمة على أنعمٍ، كما قال اللّه: {حتّى إذا بلغ أشدّه}، فزعم أنّه جمع الشّدّة وقال آخر منهم الواحد نعم، وقال: يقال: أيّام طعمٍ ونعمٍ: أي نعيمٍ، قال: فيجوز أن يكون معناها: فكفرت بنعيم اللّه لها واستشهد على ذلك بقول الشّاعر:
وعندي قروض الخير والشّرّ كلّه = فبؤسٌ بذي بؤسٍ ونعمٌ بأنعم
وكان بعض أهل الكوفة يقول: أنعمٌ: جمع نعماء، مثل بأساء وأبؤس، وضرّاء وأضرّ، فأمّا الأشدّ فإنّه زعم أنّه جمع شدٍّ
وقوله: {فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف} يقول تعالى ذكره: فأذاق اللّه أهل هذه القرية لباس الجوع، وذلك جوعٌ خالط أذاه أجسامهم، فجعل اللّه تعالى ذكره ذلك لمخالطته أجسامهم بمنزلة اللّباس لها وذلك أنّهم سلّط عليهم الجوع سنين متواليةً بدعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، حتّى أكلوا العلهز والجيف.
قال أبو جعفرٍ: والعلهز: الوبر يعجن بالدّم والقراد يأكلونه، وأمّا الخوف فإنّ ذلك كان خوفهم من سرايا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي كانت تطيف بهم.
وقوله: {بما كانوا يصنعون} يقول: بما كانوا يصنعون من الكفر بأنعم اللّه، ويجحدون آياته، ويكذّبون رسوله وقال: {بما كانوا يصنعون} وقد جرى الكلام من ابتداء الآية إلى هذا الموضع على وجه الخبر عن القرية، لأنّ الخبر وإن كان جرى في الكلام عن القرية استغناءً بذكرها عن ذكر أهلها لمعرفة السّامعين بالمراد منها، فإنّ المراد أهلها، فلذلك قيل: {بما كانوا يصنعون} فردّ الخبر إلى أهل القرية، وذلك نظير قوله: {فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون} ولم يقل قائلةً، وقد قال قبله: {فجاءها بأسنا}، لأنّه رجع بالخبر إلى الإخبار عن أهل القرية، ونظائر ذلك في القرآن كثيرةٌ). [جامع البيان: 14/382-386]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمنا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله قرية كانت آمنة مطمئنة يعني مكة). [تفسير مجاهد: 354]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 112 – 114
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة} الآية، قال: يعني مكة). [الدر المنثور: 9/127]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في قوله: {وضرب الله مثلا قرية} قال: هي مكة ألا ترى أنه قال: {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه} ). [الدر المنثور: 9/127]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {قرية كانت آمنة} قال: مكة، ألا ترى إلى قوله: {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب} قال: أخذهم الله بالجوع والخوف والقتل الشديد). [الدر المنثور: 9/127]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} قال: فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل، وفي قوله: {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه} قال: أي والله يعرفون نسبه وأمره). [الدر المنثور: 9/127-128]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سليم بن عمر قال: صحبت حفصة زوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهي خارجة من مكة إلى المدينة فأخبرت أن عثمان قد قتل فرجعت، وقالت: ارجعوا بي فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله: {قرية كانت آمنة مطمئنة} إلى آخر الآية). [الدر المنثور: 9/128]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب، قال: القرية التي قال الله: {كانت آمنة مطمئنة} هي يثرب). [الدر المنثور: 9/128]

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد جاءهم رسولٌ منهم فكذّبوه، فأخذهم العذاب وهم ظالمون}.
يقول تعالى ذكره: ولقد جاء أهل هذه القرية الّتي وصف اللّه صفتها في هذه الآية الّتي قبل هذه الآية {رسولٌ منهم} يقول: رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم، يقول: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته، يدعوهم إلى الحقّ وإلى طريقٍ مستقيمٍ {فكذّبوه} ولم يقبلوا منه ما جاءهم به من عند اللّه. {فأخذهم العذاب} وذلك لباس الجوع والخوف مكان الأمن والطّمأنينة والرّزق الواسع الّذي كان قبل ذلك يرزقونه، وقتلٌ بالسّيف {وهم ظالمون} يقول: وهم مشركون، وذلك أنّه قتل عظماؤهم يوم بدرٍ بالسّيف على الشّرك.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ولقد جاءهم رسولٌ منهم} إي واللّه، يعرفون نسبه وأمره {فكذّبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون}، فأخذهم اللّه بالجوع، والخوف، والقتل "). [جامع البيان: 14/386-387]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} قال: فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل، وفي قوله: {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه} قال: أي والله يعرفون نسبه وأمره). [الدر المنثور: 9/127-128] (م)

تفسير قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فكلوا ممّا رزقكم اللّه حلالاً طيّبًا، واشكروا نعمة اللّه إن كنتم إيّاه تعبدون}.
يقول تعالى ذكره: فكلوا أيّها النّاس ممّا رزقكم اللّه من بهائم الأنعام الّتي أحلّها لكم حلالاً طيّبًا مذكّاةً غير محرّمةٍ عليكم {واشكروا نعمة اللّه} يقول: واشكروا اللّه على نعمه الّتي أنعم بها عليكم في تحليله ما أحلّ لكم من ذلك، وعلى غير ذلك من نعمه {إن كنتم إيّاه تعبدون} يقول: إن كنتم تعبدون اللّه، فتطيعونه فيما يأمركم وينهاكم.
وكان بعضهم يقول: إنّما عنى بقوله: {فكلوا ممّا رزقكم اللّه حلالاً طيّبًا} طعامًا كان بعث به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المشركين من قومه في سنيّ الجدب والقحط رقّةً عليهم، فقال اللّه تعالى للمشركين: فكلوا ممّا رزقكم اللّه من هذا الّذي بعث به إليكم حلالاً طيّبًا، وذلك تأويلٌ بعيدٌ ممّا يدلّ عليه ظاهر التّنزيل، وذلك أنّ اللّه تعالى قد أتبع ذلك بقوله: {إنّما حرّم عليكم الميتة والدّم} الآية والّتي بعدها، فبيّن بذلك أنّ قوله: {فكلوا ممّا رزقكم اللّه حلالاً طيّبًا} إعلامٌ من اللّه عباده أنّ ما كان المشركون يحرّمونه من البحائر والسّوائب والوصائل وغير ذلك ممّا قد بيّنّا قبل فيما مضى لا معنى له، إذ كان ذلك من خطوات الشّيطان، فإنّ كلّ ذلك حلالٌ لم يحرّم اللّه منه شيئًا). [جامع البيان: 14/387-388]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 09:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
Post

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {يوم تأتي كلّ نفسٍ تجادل عن نفسها} قال الحسن: إنّ كلّ نفسٍ توقف بين يدي اللّه للحساب ليس يسألها عن عملها إلا اللّه.
قال: {وتوفّى كلّ نفسٍ ما عملت وهم لا يظلمون} أمّا الكافر فليس له من حسناته في الآخرة شيءٌ، قد استوفاها في الدّنيا.
وأمّا سيّئاته فيوفّاها في الآخرة، يجازى بها النّار.
وأمّا المؤمن فهو الّذي يوفّى الحسنات في الآخرة.
وأمّا سيّئاته فإنّ منهم من لم يخرج من الدّنيا حتّى ذهبت سيّئاته بالبلايا والعقوبة كقوله: {وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ}
ومنهم من تبقى عليه من سيّئاته فيفعل اللّه فيه ما يشاء.
قال يحيى: وبلغني أنّ منهم من تبقى عليه من سيّئاته فيشدّد عليه عند الموت، ومنهم من تبقى عليه منها فيشدّد عليه في القبر، ومنهم من تبقى عليه منها فيشدّد عليه في الموقف، ومنهم من يبقى عليه منها فيشدّد عليه عند الصّراط، ومنهم من يبقى عليه منها فيدخل النّار فينتقم منه ثمّ يخرجه اللّه منها إلى الجنّة). [تفسير القرآن العظيم: 1/94]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {يوم تأتي كلّ نفسٍ تجادل عن نّفسها وتوفّى كلّ نفسٍ مّا عملت وهم لا يظلمون}
وقال: {كلّ نفسٍ تجادل عن نّفسها} لأن معنى {كلّ نفسٍ}: كلّ إنسان، وأنّث لأن النفس تؤنّث وتذكر.
يقال "ما جاءتني نفسٌ واحدةٌ" و"ما جاءني نفسٌ واحدٌ"). [معاني القرآن: 2/68]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {يوم تأتي كلّ نفسٍ تجادل عن نفسها} أي يأتي كل إنسان يجادل عن نفسه [غدا] ). [تفسير غريب القرآن: 249]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {يوم تأتي كلّ نفس تجادل عن نفسها وتوفّى كلّ نفس ما عملت وهم لا يظلمون}
{يوم} منصوب على أحد شيئين، على معنى {إنّ ربّك من بعدها لغفور رحيم، يوم تأتي} ويجوز أن يكون بمعنى اذكر لأن معنى القرآن العظة والإنذار والتذكير.
أي اذكر يوم تأتي كل نفس أي كل إنسان يجادل عن نفسه.
ويروى أنه إذا كان يوم القيامة زفرت جهنّم زفرة فلا يبقى ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، وقال يا رب نفسي نفسي، وتصديق هذا قوله تعالى:
{يوم يفرّ المرء من أخيه * وأمّه وأبيه ..} الآية ). [معاني القرآن: 3/221-220]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}
يروى أن كعبا قال لعمر بن الخطاب رحمه الله تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول يا رب نفسي حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ليجثو على ركبتيه ويقول لا أسألك إلا نفسي ثم قال كعب إن هذا لفي كتاب الله وتلا يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وقال غيره يدل على هذا {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه} ). [معاني القرآن: 4/108]

تفسير قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {وضرب اللّه مثلا} يعني وصف اللّه مثلا: شبهًا.
تفسير السّدّيّ.
{قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكانٍ فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون* ولقد جاءهم رسولٌ منهم فكذّبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} القرية: مكّة، والرّسول: محمّدٌ، كفروا بأنعم اللّه فكذّبوا رسوله ولم يشكروا وهم {الّذين بدّلوا نعمت اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار}.
وأمّا قوله: {فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف} فإنّه الجوع الّذي عذّبوا به بمكّة قبل عذابهم يوم بدرٍ، عذّبهم بالسّيف يوم بدرٍ.
وأمّا الخوف فبعدما خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عنهم.
سعيدٌ عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ القرية مكّة). [تفسير القرآن العظيم: 1/95-94]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {قريةً كانت آمنةً مّطمئنّةً...}
يعني مكّة أنها كانت لا يغار عليها كما تفعل العرب: كانوا يتغاورون {مّطمئنّةً} : لا تنتقل كما تنتجع العرب الخصب بالنّقلة.
وقوله: {مّن كلّ مكانٍ}: من كلّ ناحية {فكفرت} ثم قال {بما كانوا يصنعون} ومثله في القرآن كثير. منه قوله: {فجاءها بأسنا بياتاً أوهم قائلون} ولم يقل: قائلة.
فإذا قال {قائلون} ذهب إلى الرجال، وإذا قال (قائلة) فإنما يعني أهلها، وقوله: {فحاسبناها حساباً شديداً وعذّبناها عذابا نكراً فذاقت}.
وقوله: {لباس الجوع والخوف} ابتلوا بالجوع سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة والجيف. والخوف بعوث رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسراياه.
ثم إن النبي صلّي الله عليه وسلم رقّ لهم فحمل إليهم الطعام وهم مشركون. قال الله عز وجل لهم، كلوا {واشكروا} ). [معاني القرآن: 2/114]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {يأتيها رزقها رغداً} أي واسعاً كثيراً.
{فكفرت بأنعم الله} واحدها نعم ومعناه نعمة وهما واحد، قالوا: نادى منادي النبيّ عليه السلام بمنى: إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا) ). [مجاز القرآن: 1/369]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {رغداً}: كثيرا واسعا). [تفسير غريب القرآن: 249]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه قوله سبحانه: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
وأصل الذَّوَاقِ: بالفم، ثم قد يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول في الكلام: ناظر فلانا وَذُقْ ما عنده، أي تعرّف واختبر، واركب الفرس وَذُقْهُ.
قال الشمّاخ في وصف قوس:
فَذَاقَ فأعطته من اللّين جانبا = كَفَى وَلَها أن تُفْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ
يريد: أنه ذاق القوس بالنَّزع فيها ليعلم أليِّنَةٌ هي أم صَلبة؟
وقال آخر:
وإنَّ الله ذاق حُلُوم قيس = فلمّا راء خِفَّتَها قلاها
وهذه الآية نزلت في أهل مكة، وكانوا آمنين بها لا يغار عليهم، مطمئنين لا ينتجعون ولا يتنقَّلون، فأبدلهم الله بالأمن الخوف من سرايا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وبعوثه، وبالكفاية الجوع سبع سنين، حتى أكلوا القِدَّ والعظام.
ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضّمر والشّحوب ونهكة البدن، وتغيّر الحال، وكسوف البال.
وقال في موضع آخر: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى}، أي ما ظهر عنه من السّكينة والإخبات والعمل الصالح، وكما تقول: تعرّفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، وَذُقْتُ بمعنى: تعرَّفت، واللّباس: بمعنى سُوءِ الأثرِ، كذلك تقول: ذقت لباس الجوع والخوف، وأذاقني الله ذلك). [تأويل مشكل القرآن: 164-165] (م)
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقالوا للكبير: (جلل)، وللصغير: (جلل)، لأنّ الصغير قد يكون كبيرا عند ما هو أصغر منه، والكبير يكون صغيرا عند ما هو أكبر منه، فكلّ واحد منهما صغير كبير.
ولهذا جعلت (بعض) بمعنى (كلّ)، لأنّ الشيء يكون كلّه بعضا لشيء، فهو بعض وكلّ.
وقال عز وجل: {وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} (وكلّ) بمعنى (بعض)، كقوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}، و{يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} ،
وقال: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} ). [تأويل مشكل القرآن: 189-190] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {وضرب اللّه مثلا قرية كانت آمنة مطمئنّة يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون }
المعنى - واللّه أعلم - وضرب الله مثلا مثل قرية كانت آمنة مطمئنة.
{يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان} أي واسعا من كل مكان.
الذي جاء في التفسير أنه. يعني بها مكة، وذلك أنهم كانوا قد أمنوا الجوع والخوف لأن اللّه جل ثناؤه جعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.
فأرزاقهم تأتيهم في بلدهم وكان حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم.
{فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف}.
وقد جاعوا حتى بلغوا إلى أن أكلوا الوبر بالدّم، وبلغ منهم الجوع الحال التي لا غاية بعدها. وأنعم جمع نعمة، وقالوا شدّة، وأشدّ.
وقال قطرب: جائز أن يكون جمع نعم وأنعم، مثل بؤس وأبؤس). [معاني القرآن: 3/221]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} روى معمر عن قتادة قال هي مكة وقال غيره كان أهلها في أمن ودعة ثم ابتلاهم الله بالقتل والجوع سبع سنين قال تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} وأصل الذوق بالفم ثم استعمل للابتلاء وللاختبار). [معاني القرآن: 4/109]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (وقوله: {ولقد جاءهم رسولٌ منهم فكذّبوه} يعرفون نسبه وأمّه، يعني: محمّدًا.
{فأخذهم العذاب وهم ظالمون} أخذهم اللّه بالجوع، والخوف، والقتل الشّديد). [تفسير القرآن العظيم: 1/95]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {ولقد جاءهم رسول منهم فكذّبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون}
عذبهم اللّه بالسيف والقتل). [معاني القرآن: 3/221]

تفسير قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {فكلوا ممّا رزقكم اللّه حلالا طيّبًا}، يعني المؤمنين، ما أحلّ لهم من الرّزق ومن الغنيمة وغيرها). [تفسير القرآن العظيم: 1/95]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 09:30 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
Post

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) }

تفسير قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) }

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) }

تفسير قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 03:39 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 03:39 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 03:45 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل}، المعنى: لغفور رحيم يوم، وقوله: {كل نفس} أي: "كل ذي نفس". ثم أجري الفعل على المضاف إليه المذكور فأنث
[المحرر الوجيز: 5/416]
العلامة، و"نفس" الأولى هي النفس المعروفة، والثانية هي بمعنى الذات، كما تقول: نفس الشيء وعينه، أي ذاته. وتوفى كل نفس أي: تجازى، كل من أحسن بإحسانه، وكل من أساء بإساءته.
وظاهر الآية أن كل نفس تجادل، مؤمنة كانت أو كافرة، فإذا جادل الكفار بكذبهم وجحدهم للكفر شهدت عليهم الجوارح والرسل وغير ذلك بحسب الطوائف، فحينئذ لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، فتجتمع آيات القرآن باختلاف المواطن، وقالت فرقة: قول كل أحد من الأنبياء وغيرهم: نفسي نفسي، وهذا ليس بجدال ولا احتجاج، إنما هو مجرد رغبة). [المحرر الوجيز: 5/417]

تفسير قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون}
قال ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، وقتادة: القرية المضروب بها المثل مكة، كانت بهذه الصفة التي ذكر الله; لأنها كانت لا تغزى ولا يغير عليها أحد، وكانت الأرزاق تجلب إليها، وأنعم الله عليها برسوله صلي الله عليه وسلم والمراد بهذه الضمائر كلها أهل القرية فكفروا بأنعم الله في ذلك وفي جملة الشرع والهداية، فأصابتهم السنون والخوف وسائر سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته، هذا إن كانت الآية مدنية، وإن كانت مكية فجوع السنين وخوف العذاب من الله بحسب التكذيب.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وإن كانت هي التي ضربت مثلا فإنما ضربت لغيرها مما يأتي بعدها ليحذر أن يقع فيما وقعت هي فيه، وحكى الطبري عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها كانت تسأل في وقت حصر عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما صنع الناس؟ وهي صادرة من
[المحرر الوجيز: 5/417]
الحج من مكة، فقيل لها: قتل، فقالت: والذي نفسي بيده إنها القرية -تعني المدينة- التي قال الله فيها: وضرب الله مثلا الآية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فأدخل الطبري هذا على أن حفصة قالت: إن الآية نزلت في المدينة وإنها هي التي ضربت مثلا، والأمر عندي ليس كذلك، وإنما أرادت أن المدينة قد حصلت في محذور المثل، وحل بها ما حل بالتي جعلت مثلا، وكذلك يتوجه عندي في الآية أنها قصد بها قرية غير معينة جعلت مثلا، لكنه على معنى التحذير لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة.
و"رغدا" نصب على الحال، و"أنعم" جمع نعمة، كشدة وأشد، كذا قال سيبويه، وقال قطرب: أنعم: جمع نعم، وهي بمعنى النعيم، يقال: هذه أيام نعم وطعم، وقوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} استعارات، أي: لما باشرهم ذلك صار كاللباس، وهذا كقول الأعشى:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت عليه فصارت لباسا
ونحوه قوله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}، ومنه قول الشاعر:
[المحرر الوجيز: 5/418]
وقد لبست بعد الزبير مجاشع ... ثياب التي حاضت ولم تغسل الدما
كأن العار لما باشرهم وألصق بهم جعلهم لبسوه. قوله: "أذاقها" نظير قوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم}، ونظير قول الشاعر:
دونك ما جنيته فاخش وذق
وقرأ الجمهور: "والخوف" عطفا على "الجوع"، وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه-: "والخوف" عطفا على قوله: "لباس"، وفي مصحف أبي بن كعب رضي الله عنه: "لباس الخوف والجوع"، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: "فأذاقها الله الخوف والجوع" ولا يذكر "لباس"). [المحرر الوجيز: 5/419]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (والضمير في "جاءهم" لأهل مكة، والرسول محمد عليه الصلاة والسلام، و"العذاب": الجوع وأمر بدر ونحو ذلك إن كان التمثيل بمكة وكانت الآية مدنية، وإن كانت مكية فهو الجوع فقط، وذكر الطبري أنه القتل ببدر، وهذا يقتضي أن الآية نزلت بالمدينة، وإن كان التمثيل بمدينة قديمة غير معينة فيحتمل أن يكون الضمير في "جاءهم" لأهل تلك المدينة، ويكون هذا مما جرى فيها كمدينة شعيب وغيره، ويحتمل أن يكون الضمير المذكور لأهل مكة، فتأمل). [المحرر الوجيز: 5/420]

تفسير قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {فكلوا مما رزقكم الله} الآية، هذا ابتداء كلام آخر ومعنى حكم، والفاء في قوله: "فكلوا" لصلة الكلام واتساق الجمل، خرج من ذكر الكافرين والمثل عليهم إلى أمر المؤمنين بشرع ما فوصل الكلام بالفاء، وليست المعاني موصلة. هذا قول، والذي عندي أن الكلام متصل المعنى، أي: وأنتم أيها المؤمنون لستم كهذه القرية، فكلوا واشكروا الله على تباين حالكم من حال الكفرة، وهذه الآية هي بسبب أن الكفار كانوا قد سنوا في الأنعام سننا، وأحلوا بعضا وحرموا بعضا، فأمر الله المؤمنين بأكل جميع الأنعام التي رزقها الله عباده.
واختلف العلماء في قوله: "طيبا"، والصحيح أنه "مستلذا" بعد قوله: "حلالا"، ووقع النص في هذا على المستلذ إذ فيه ظهور النعمة، وهو عظم النعم، وإن كان الحلال قد يكون غير مستلذ، ويحتمل أن يكون الطيب بمعنى الحلال، وكرره مبالغة وتوكيدا، وباقي الآية بين.
وقوله: {إن كنتم إياه تعبدون} إقامة للنفوس، كما تقول لرجل: إن كنت من الرجال فافعل كذا، على معنى إقامة نفسه، وروى الطبري أن بعض الناس قال: نزلت هذه الآية خطابا للكفار عن طعام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم في جوعهم، وأنحى الطبري على هذا القول، وكذلك هو فاسد من غير وجه). [المحرر الوجيز: 5/420]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 25 ذو الحجة 1439هـ/5-09-2018م, 08:51 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,240
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 25 ذو الحجة 1439هـ/5-09-2018م, 08:55 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,240
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يوم تأتي كلّ نفسٍ تجادل} أي: تحاجّ {عن نفسها} ليس أحدٌ يحاجّ عنها لا أبٌ ولا ابنٌ ولا أخٌ ولا زوجةٌ {وتوفّى كلّ نفسٍ ما عملت} أي: من خيرٍ وشرٍّ، {وهم لا يظلمون} أي: لا ينقص من ثواب الخير ولا يزاد على ثواب الشّرّ ولا يظلمون نقيرًا). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 607]

تفسير قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وضرب اللّه مثلا قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكانٍ فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ولقد جاءهم رسولٌ منهم فكذّبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113)}
هذا مثلٌ أريد به أهل مكّة، فإنّها كانت آمنةً مطمئنةً مستقرّةً يتخطّف النّاس من حولها، ومن دخلها آمنٌ لا يخاف، كما قال تعالى: {وقالوا إن نتّبع الهدى معك نتخطّف من أرضنا أولم نمكّن لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كلّ شيءٍ رزقًا من لدنّا} [القصص: 57]
وهكذا قال هاهنا: {يأتيها رزقها رغدًا} أي: هنيئها سهلًا {من كلّ مكانٍ فكفرت بأنعم اللّه} أي: جحدت آلاء اللّه عليها وأعظم ذلك بعثة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار جهنّم يصلونها وبئس القرار} [إبراهيم: 28، 29]. ولهذا بدّلهم اللّه بحاليهم الأوّلين خلافهما، فقال: {فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف} أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كلّ شيءٍ، ويأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكانٍ، وذلك لمّا استعصوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبوا إلّا خلافه، فدعا عليهم بسبعٍ كسبع يوسف، فأصابتهم سنةٌ أذهبت كلّ شيءٍ لهم، فأكلوا العلهز -وهو: وبر البعير، يجعل بدمه إذا نحروه.
وقوله: {والخوف} وذلك بأنّهم بدّلوا بأمنهم خوفًا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة، من سطوة سراياه وجيوشه، وجعلوا كلّ ما لهم في سفال ودمارٍ، حتّى فتحها اللّه عليهم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرّسول الّذي بعثه اللّه فيهم منهم، وامتنّ به عليهم في قوله: {لقد منّ اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل عمران: 164]، وقال تعالى: {فاتّقوا اللّه يا أولي الألباب الّذين آمنوا قد أنزل اللّه إليكم ذكرًا رسولا [يتلو عليكم آيات اللّه مبيّناتٍ ليخرج الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات من الظّلمات إلى النّور]} [الطّلاق: 10، 11] الآية وقوله: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة} إلى قوله: {ولا تكفرون} [البقرة: 151، 152].
وكمًّا أنّه انعكس على الكافرين حالهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرّغد، بدّل اللّه المؤمنين من بعد خوفهم أمنًا، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء النّاس وحكّامهم، وسادتهم وقادتهم وأئمّتهم.
وهذا الّذي قلناه من أنّ هذا المثل مضروبٌ لمكّة، قاله العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ. وإليه ذهب مجاهدٌ، وقتادة، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم. وحكاه مالكٌ عن الزّهريّ، رحمهم اللّه.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني ابن عبد الرّحيم البرقي، حدّثنا ابن أبي مريم، حدّثنا نافع بن زيدٍ، حدّثنا عبد الرّحمن بن شريح، أنّ عبد الكريم بن الحارث الحضرميّ حدّثه، أنّه سمع مشرح بن هاعان يقول: سمعت سليم بن عترٍ يقول: صدرنا من الحجّ مع حفصة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلم، وعثمان، رضي الله عنه، محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه: ما فعل؟ حتّى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا قتل. فقالت حفصة: والّذي نفسي بيده، إنّها القرية الّتي قال اللّه: {وضرب اللّه مثلا قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكانٍ فكفرت بأنعم اللّه} قال أبو شريحٍ: وأخبرني عبيد اللّه بن المغيرة، عمّن حدّثه: أنّه كان يقول: إنّها المدينة). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 607-609]

تفسير قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فكلوا ممّا رزقكم اللّه حلالا طيّبًا واشكروا نعمة اللّه إن كنتم إيّاه تعبدون (114) إنّما حرّم عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير اللّه به فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ (115) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على اللّه الكذب إنّ الّذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون (116) متاعٌ قليلٌ ولهم عذابٌ أليمٌ (117)}
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطّيّب، وبشكره على ذلك، فإنّه المنعم المتفضّل به ابتداءً، الّذي يستحقّ العبادة وحده لا شريك له).[تفسير القرآن العظيم: 4/ 609]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:56 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة