عرض مشاركة واحدة
  #47  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 02:54 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 4,005
افتراضي

المسألة الثانية: هل كان مصحف أبي بكر جامعاً للأحرف السبعة؟

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المسألة الثانية: هل كان مصحف أبي بكر جامعاً للأحرف السبعة؟
القولُ بأنّ مصحف أبي بكر رضي الله عنه كان جامعاً للأحرف السبعة لم يكن معروفاً في القرون الأولى، وفي نشأة هذا القول خطأ والتباس ينبغي توضيحه.
وأصل ذلك أنَّ أبا الحسن الأشعري (ت:324هـ) زعم أنّ حفظ القرآن شامل لحفظ الأحرف السبعة، وحكى الإجماع على أنه لا يجوز منع القراءات بالأحرف التي نزل بها القرآن، وهذه مصادَمةٌ لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ترك القراءة بما خالف المصحف الإمام من الأحرف الأخرى.
قال بدر الدين العيني في عمدة القارئ: (قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز حظر ما وسَّعه الله تعالى من القراءات بالأحرف التي أنزلها الله تعالى، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه الله تعالى، بل هي موجودة في قراءتنا، وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها)ا.هـ.
وأبو الحسن الأشعري عفا الله عنه له أقوال كثيرة في القرآن مخالفة لاعتقاد أهل السنة والجماعة، وكان الأولى بهذا القول أن يُردَّ ويبيَّن خَطؤه.
لكن أتى تلميذُ تلاميذه القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي (ت:403هـ) فنصر هذا القول في كتابه "الانتصار" وأظهره في مظهر الانتصار لحفظ القرآن؛ فذهب إلى أن جميعَ هذه الأحرف السبعة قد كانت ظهرت واستفاضت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وضبطتها الأمة عنه، وأن عثمان والجماعة قد أثبتت جميع تلك الأحرف في المصاحف، وأخبرت بصحتها.
وزعم أنّ ما تركه عثمان إنما هي أحرف غير معروفة ولا ثابتة، وأنها كانت منقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم نقل الآحاد التي لا يجوزُ إثبات قرآن وقراءات بها، وأنّ المصاحف التي أحرقها عثمان إنما أحرقها لما فيها من التخليط والفساد في الضبط..) إلى آخر ما قال.
وهذه الجُمَل فيها أخطاء بيّنة، ومخالَفة لما صحّ من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم، وهي مبنية على أصل التلازم بين حفظ القرآن وحفظ الأحرف السبعة، فأدّاه هذا التلازم إلى القول بأنّ جمع عثمان مشتمل على الأحرف السبعة، وأنّ ما خالفه غير ثابت؛ فهو - عنده- إمَّا منقول بخبر الآحاد أو منسوخ، أو مغيَّر بسبب سوء الضبط.
وأبو بكر الباقلاني من كبار نُظَّار الأشاعرة ومتكلّميهم أخذ علم الكلام عن ابن مجاهد الطائي صاحب أبي الحسن الأشعري، وإليه انتهت رئاسة المالكيين في زمانه، لكنه كان غير متمكّن في علم القراءات، وكان الأولى أن يُردّ قولُه ويُبيّن خطؤه.
لكن أتى بعده تلميذه أبو عمرو الداني، وهو على جلالة قدره في علم القراءات وحرصه على توخّي السنّة إلا أنّه ابتلي بالتتلمذ على بعض الأشاعرة، ومن أشهرهم: شيخه أبو بكر الباقلاني، وأبو عمران الفاسي، وأبو الحسن القابسي، وأخذ أيضاً عن بعض أئمة أهل السنة كابن أبي زمنين وغيره، وله عناية ظاهرة بتعظيم السنة والتحذير من البدع.
وكان يُجِلُّ أبا بكر الباقلاني ويعظّمه مع مخالفته له في كثير من المسائل، لكنه تابعه في جملة منها، وله رسالة في العقيدة مطبوعة باسم "الرسالة الواعية" وطبعت أيضاً باسم "الرسالة الوافية" هذّب فيها كثيراً مما ذكره القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه "الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به في علم الكلام"
ولذلك لا تعدّ تلك الرسالة من الرسائل الخالصة في وصف اعتقاد أهل السنة، ولا من الرسائل المعدودة في عقائد الأشاعرة.
وهو من أهل السنة من حيث الجملة إلا أنّه لا يُتابع على ما وافق فيه الأشاعرة من المسائل التي ذكرها في رسائله في الاعتقاد وفي علوم القرآن.

ومسألتنا التي نبحث فيها كان أصل بحثها عَقَدياً لما تقدّم شرحه، ولما كان لها تعلّق بجمع القرآن ورسم المصاحف ذكرها أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع في رسم مصاحف الأمصار" لكنّه هذّب قول الباقلاني المتقدّم، فقال: (فإن قال قائل: فإذْ قد أَوضحتَ ما سُئلتَ عنه من تأوّل هذين الخبرين؛ فعرّفنا بالسبب الذي دعا عثمان رضي الله عنه إلى جمع القرآن في المصاحف، وقد كان مجموعا في الصحف عَلَى ما رويته لنا في حديث زيد بن ثابت المتقدم؟
قلت: السبب في ذلك بيّن؛ فذلك الخبر على قول بعض العلماء وهو أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان قد جمعه أَولاً عَلى السبعة الأحرف التي أَذِن الله عزَّ وجلَّ للأمّة في التلاوة بها، ولم يخصَّ حرفا بعينه؛ فلمَّا كان زمان عثمان ووقع الاختلاف بين أهل العراق وأهل الشام في القراءة وأَعلمه حذيفةُ بذلك رأَى هو ومن بالحضرة من الصحابة أن يُجمع الناس على حرف واحد من تلك الأحرف، وأن يسقط ما سواه؛ فيكون ذلك مما يرتفع به الاختلاف ويوجب الاتفاق، إذ كانت الأمّة لم تؤمر بحفظ الأحرف السبعة، وإنما خُيّرت في أيّها شاءت لزمته وأجزأها؛ كتخييرها في كفارة اليمين بالله بين الإطعام والكسوة والعتق، لا أن يجمع ذلك كله فكذلك السبعة الأحرف.
وقيل: إنما جمع الصحف في مصحف واحد لما في ذلك من حياطة القرآن وصيانته وجعل المصاحف المختلفة مصحفا واحداً متفقا عليه وأسقط ما لا يصحّ من القراءات ولا يثبت من اللغات، وذلك من مناقبه وفضائله رضي الله عنه)
ا.هـ.

وهذا كما ترى فيه ردٌّ لكثير مما ذهب إليه الباقلاني مما يخالف ما هو متقرر لدى أهل القراءات، لكنَّه نقلَ دعوى جمع الأحرف السبعة من مصحف عثمان إلى مصحف أبي بكر.
ومصحف أبي بكر مفقود لا يمكن الوقوف عليه، ولم يُنقل خَبَرُ ما فيه على التحقيق، ولذلك قال: (فذلك الخبر على قول بعض العلماء، وهو أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان قد جمعه أَولاً عَلى السبعة الأحرف)
وهذا القول ليس مما ثبت لديه بنقل صحيح، وقد علم القُرّاء أنَّ رَسْمَ مصحف أبي بكر ليسَ له إسناد يُنقل به علم ما فيه، كما تنقل أحرف القراءات، ومسائل الرسم العثماني، وعدّ الآي، وغيرها من علوم القراءات والمصاحف.
وإنما هو اجتهاد في محاولة الجمع بين ما قرَّرَه شيخُه أبو بكر الباقلانيّ وبين ما هو متقرر لدى أهل القراءات لإيجاد جوابٍ عن سؤال الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان؛ فخرج بهذا الاحتمال المبني على فرض التسليم بصحة هذا القول.

وأبو عمرو الداني من علماء القراءات الكبار؛ وقد ذكر هذه المسألة في كتابه "المقنع في رسم مصاحف الأمصار"؛ فلذلك حَمَل عنه هذا القول من لم يعرف علَّته، بل تلقّاه بعض العلماء على أنّه صحيح متقرر، وهو إنما ذكره احتمالاً، وقولاً من قولين فيهما نظر.
وهذه العلّة كانت فيما يظهر لي هي منشأ شهرة هذا القول؛ وذلك لشهرة كتاب "المقنع" لأبي عمرو الداني وكثرة الناقلين عنه.
ثمّ أتى بعده أبو القاسم الشاطبي(ت:590هـ) فنظم المقنع في منظومته التي سماها "عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد في علم رسم المصاحف"
وكان مما قال فيها:
إن اليمامة أهواها مسيلمة الـ ... ـكذاب في زمن الصديق إذ خسرا
وبعد بأس شديد حان مصرعه ... وكان بأساً على القراء مستعرا
نادى أبا بكرٍ الفاروقُ: خفتُ على الـْ ... ـقراء فادرك القرآن مستطرا
فأجمعوا جمعه في الصحْف واعتمدوا ... زيدَ بن ثابتٍ العدلَ الرضا نظرا
فقام فيه بعون الله يجمعه ... بالنصح والجدّ والحزم الذي بهرا
من كل أوجهه حتى استتمّ له ... بالأحرف السبعة العليا كما اشتهرا).


وهذا كما ترى إنما هو نظم لما في المقنع، وقد صرّح بنظم المقنع في منظومته فقال:
وهاك نظم الذي في "مقنعٍ" عن أبي ... عمروٍ وفيه زياداتٌ فَطِبْ عُمُرا
وقد أثنى في منظومته على أبي بكر الباقلاني وكتابيه "الانتصار للقرآن" و"إعجاز القرآن" بقوله:
لله درّ الذي تأليف "معجزه" ... و"الانتصار" له قد أوضح الغُررا

ثمّ أتى بعده تلميذه علم الدين السخاوي (ت:643هـ) شيخ القراء بدمشق؛ فشرح هذه المنظومة في كتابه "الوسيلة إلى كشف العقيلة" فقال في شرح تلك الأبيات المتقدّمة: (فإن قيل: فقد زعمتم أن زيداً كان جامعاً للقرآن؛ فما هذا التتبع والطلب لشيء يحفظه ويعلمه؟!!
فالجواب: أنه كان يتتبع وجوهه وقراءاته، ويسأل عنها غيره ليحيط بالسبعة التي نزل بها القرآن، وكذلك نظره في الرقاع والعسب واللخاف التي قد عرف كتابتها وتيقّن أمرها.
قال: ويجوز أن تكون تلك الرقاع والعسب واللخاف والأكتاف مما كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الظاهر، وعليه يُحمل قوله: (فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة) يعني الصحيفة التي فيها الآية.
وإذا كانت مما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بدّ من النظر فيها، وإن كان حافظاً ليستظهر بذلك، وليعلم هل فيها قراءة غير قراءته أم لا؟)
.ا.هـ.
فجعل هذا القول احتمالاً من احتمالين، وجعل الثاني هو الظاهر، ولم يبنِ الاحتمال الأوّل على دليل يُعتمد عليه، وإنما هو حكاية لقول قيل في هذه المسألة، وقد علمتَ أصلَ نشأته وعلّته.

ومن أخذ هذه النقول غير مرتّبة ترتيباً يَكشِفُ عِلَّتها ربما قُذف في نفسه أنها مستندة على حُجّة يُعتمد عليها، وهي دعوى كبيرة لا يمكن قبولها إلا بنقل ثابت.

وهذه الدعوى يلزم منها القول بأن مصحف أبي بكر قد كُتب سبع مرات أو أن تكون كتابة المصحف بالجمع بين الأحرف السبعة في الرسم في المصحف الواحد وهو أمر غير ممكن؛ إذ يلزم منه أن تكرر كتابة الكلمة أو الآية التي فيها اختلاف ضبط أو اختلاف تقديم وتأخير، وهذه دعوى محدثة.
ولا حاجة إلى هذه الدعوى للجواب عن سؤال الفرق بين الجمعين، فإنَّ أبا بكر قد جمع المصحف بين اللوحين نسخة واحدة، وليس نسخاً متعددة لكل حرف نسخة، ولم يُؤثر أن جمعها كان فيه تكرار لكتابة بعض الكلمات على عدد الأحرف المقروءة بها، ولم يكونوا يقرءون بالجمع بين القراءات، وإنّما كان يقرأ كلّ قارئ منهم كما عُلّم، وكلّ قراءة منها كافية شافية، وبأيّ حرف منها كُتب المصحف فهو صحيح كافٍ فيما كُتب لأجله.
وكان مستند القراءة على السماع لا على الرسم، وقد كتب الصحابة بعد ذلك مصاحف بحسب ما قرأ كاتبوها؛ فكان لابن مسعود مصحف، ولأبيّ بن كعب مصحف، ولأبي موسى الأشعري مصحف، وكان بين هذه المصاحف اختلاف في بعض الأحرف من زيادة بعضها على بعض، وتقديم وتأخير، وإبدال كلمة بأخرى، واختلاف ضبط، مما يكون مستندهم فيه أصلاً السماع، ويكتبون مصاحفهم بحسب ما أُقرئوا، وكان منها صُحُفٌ من إملاءِ النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد بَقيت تلك المصاحف والصحف حتى جمع عثمان الناس على رسم واحد في الجملة، وأحرق ما خالفه من المصاحف.
والقول بأنّ جمع أبي بكر كان حاوياً للأحرف السبعة لا يصحّ عن أحد من السلف.

وقال ابن عبد البرّ (ت:463هـ) في التمهيد: (وأمّا جمع أبي بكرٍ للقرآن فهو أوّل من جمع ما بين اللّوحين، وجمع عليّ بن أبي طالبٍ للقرآن أيضًا عند موت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وولاية أبي بكرٍ فإنّما كلّ ذلك على حسب الحروف السّبعة لا كجمع عثمان على حرفٍ واحدٍ، حرف زيد بن ثابتٍ وهو الّذي بأيدي النّاس بين لوحي المصحف اليوم)ا.هـ.
وهذا كما ترى فيه إجمال من جهة الحروف السبعة، وفيه خطأ في مواضع أخرى.
فإنّ قوله: (فإنّما كلّ ذلك على حسب الحروف السبعة) كلام مجمل وأولى ما يحمل عليه أن يقال: إنّ مراده أن جمع أبي بكر كان على وجوه من الأحرف السبعة لم يتقيّد فيها بلسان قريش، ولا باختيار حرف بعينه.
وقد يُفهم منه أنه أراد أنّ جمع أبي بكر وجمع عليّ بن أبي طالب كان مشتملا على الأحرف السبعة.
وهذا – إن كان هو مراده – فلعله فَهِم من جمع عثمان الناسَ على حرف واحد أنّ جمع أبي بكر كان على الأحرف السبعة، وأنّ جمع عليّ بن أبي طالب كان كذلك، وكلا الأمرين غيرُ لازمين.
فإنّ مصحف أبي بكر لم يكن شائعاً في الناس، ولم يكنِ القُرَّاءُ كابن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء وأبيّ بن كعب - وهم أشهر قراء الأمصار في زمانهم - لم يكونوا يعتمدونه في الإقراء، وإنما كان يقرأ كلّ واحد منهم كما أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرئ الناس بذلك، حتى حصل من الاختلاف في أوّل عهد عثمان ما حصل.
وكذلك جمع عليّ بن أبي طالب إنما أراد به جمعه في صدره كما هو ظاهر المراد بقولهم: جمع فلان القرآن، وفلان لم يجمعه، وفلان جمعه إلا سوراً يسيرة، ونحو ذلك مما يراد به حفظ الصدر.
وقول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن أبي بكر: إنّه "أوّل من جمع القرآن بين لوحين" يدلّ على ذلك.
ولو كان جمعه متقدماً على جمع أبي بكر لبيّن ذلك؛ كما بيّن سعة علمه بنزول كلّ آية من القرآن ومعرفة مكان نزولها وفيم أنزلت.
وقد كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ كما عُلّم، وهو أحد رواة حديث: ((اقرؤوا كما عُلّمتم)).
وربما كتب مصحفاً خاصاً به كما كتب غيره من الصحابة، بحسب ما عُلّم، وأما دعوى أنّ عليّ بن أبي طالب كتب مصحفاً مشتملاً على الأحرف السبعة فهذه دعوى عريضة لا أصل لها، ولو كان الأمر كذلك لعلمه خواصّ أصحابه، ولنقل واشتهر؛ فإنّه من أعظم الأمور التي تشتد الرغبة في السؤال عنها وذكرها ونشرها ولا سيّما من القراء لو كان ذلك حقيقة، وقد اجتهدوا في نقل دقائق من أحوال القراء وأخبارهم؛ فكيف يغفلون عن نقل هذا الأمر العظيم في شأن القرآن وجمع حروفه.

وربما كان قول ابن عبد البرّ – إذا حُمل على المعنى الثاني- مستفاداً من كلام أبي عمرو الداني أو كلام شيخه الباقلاني؛ فابن عبد البرّ وأبو عمرو قرينان قارئان مالكيان أندلسيان قد اشتركا في عدد من الشيوخ والتلاميذ، ولابن عبد البرّ كتاب مفقود في القراءات، لكن غالب عناية ابن عبد البر بالحديث والفقه، وغالب عناية أبي عمرو الداني بالقراءات وعلوم القرآن.

ولابن الجزري كلام حسن دقيق في هذه المسألة، وهو أجود ما قيل فيها، إذ قال في كتابه "منجد المقرئين": (والحق ما تحرَّرَ من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب القيسي وأبي القاسم الشاطبي وابن تيمية وغيرهم، وذلك أن المصاحف التي كتبت في زمن أبي بكر رضي الله عنه كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة).
وهذا الكلام صحيح لكنّه منصرف إلى المصاحف والصحف التي كانت موجودة في زمن أبي بكر لا إلى المصحف الذي جمعه أبو بكر وحده.
وقد تقدّم أنّ مصحف ابن مسعود كان فيه ما يخالف مصحف أبي موسى، وكان في مصاحفهما ما يخالف مصحف زيد ومصاحف أهل الشام من أصحاب أبي الدرداء.
ولم نجد في الآثار المروية في جمع أبي بكر ما يدلّ على أنّه جمعه بالأحرف السبعة لا جمعاً ولا تكراراً.

وقول ابن الجزري: (والحق ما تحرر من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب القيسي وأبي القاسم الشاطبي وابن تيمية وغيرهم..).
ربما فُهم منه أنّ ما خرج به هو منصوص أقوالهم، وأنهم اتفقوا عليه، وليس الأمر كذلك، فإنّ الخلاف بينهم ظاهر، ومن تأمّل كلامهم في كتبهم ظهر له من الخلاف بينهم ما لا يمكن التئامه على قول واحد.
وإنما مراد ابن الجزري أنّ هذا القول هو ما تحرَّرَ له بَعد نَظره في كلامهم، وتفكُّرِه فيه، لا أنّه قول اتّفقوا عليه.

وما خرج به ابنُ الجزري قولٌ صحيح لكن أسيء فهمه من وجهين:

أحدهما: دعوى أن مصحف أبي بكر كان جامعاً للأحرف السبعة.
والآخر: أنّ هذا القول هو ما اتفق عليه العلماء الذين ذكر أسماءهم.
وكلام ابن جرير وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب وابن تيمية ليس فيه هذه الدعوى؛ فبقي كلام ابن عبد البرّ والشاطبي وقد علمتَ أصلَ قولِهما في هذه المسألة.

ثم جاء بعد ابن الجزري بدرُ الدين العيني فقال في شرح صحيح البخاري: (لو قيل: إن زيداً كان جامعاً للقرآن فما معنى هذا التتبع والطلب لشيء إنما هو ليحفظه ويعلمه؟!!
أجيب: أنه كان يتتبع وجوهه وقراءاته ويسأل عنهما غيره ليحيط بالأحرف السبعة التي نزل بها الكتاب العزيز، ويعلم القراءات التي هي غير قراءته)ا.هـ.
وهذا النقل مستفاد من كلام عَلَم الدين السخاوي المتقدّم في "الوسيلة".
وقال في موضع آخر: (غرض أبي بكر كان جمع القرآن بجميع حروفه ووجوهه الّتي نزل بها وهي على لغة قريش وغيرها، وكان غرض عثمان تجريد لغة قريش من تلك القراءات).
وهذا القول مع ما قبله من الأقوال من أسباب شيوع القول بأنّ مصحف أبي بكر كان جامعاً للأحرف السبعة، وهو كما ترى قول محدث لا يسنده أثر، وإنما هو فهم تحصَّل من محاولات الخروج من إشكالات واردة، والتزام ما لا يلزم، وأصل المسألة عقديّ ثمّ نقل إلى كتب علوم القرآن.

وقول مروان بن الحكم لابن عمر لما أراد إتلاف مصحف أبي بكر أنه يخشى أن يكون فيه ما يخالف مصحف عثمان فيه دلالة على أنّه لم يكن جامعاً للأحرف السبعة، إذ لو كان كذلك لكان مشهوراً معروفاً، ولما احتاج إلى التعبير بالخشية مع التحقق بأنّه كان جامعاً للأحرف السبعة، وكانت حجته أظهر في إتلافه لو كان كذلك.

ومن الأدلة على خطأ هذا القول أيضاً أنّ مصحف أبي بكر لو كان جامعاً للأحرف السبعة لما احتاج عثمان إلى التوثّق من الصحابة في صحفهم التي قبضها منهم أنها من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يكفيه أن يجمعها ويتلفها، وينسخ من مصحف أبي بكر، لكنّه أراد أن يجمع من مجموع مصاحف الصحابة وصحفهم المتفرقة مصحفاً واحداً يجتمعون عليه.
ولذلك ربما ترك بعض ما في مصحف أبي بكر ترجيحاً منه لبعض الأحرف التي في المصاحف الأخرى، ويدلّ على ذلك صراحة الآثار المروية في المراسلات التي كانت بين زيد بن ثابت وعثمان في رسم بعض الكلمات وقد تقدّم ذكرها). [جمع القرآن:149 - 161]


رد مع اقتباس