عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 12:38 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 393
افتراضي

أنواع الغواسق

ويكون الغسق على الفرد وعلى الجماعة ، ويكون على جسد الإنسان، وعلى روحه، بل يكون على بعض أعضائه، فإنه يغسق عليه من أنواع الغواسق ما يكون معه من الشرور والأذى الذي يهجم عليه أو يمنع عنه أسباب ما ينفعه ما يحتاج معه إلى أن يوقى شرَّ هذا الغاسق، ويفلق عنه ما أحاط به من الشرَّ.

ومن ذلك : أن القلب له سحابة كسحابة القمر إذا غطت القلبَ نسي الإنسان ما شاء الله أن ينسى فإذا تجلت هذه السحابة ذَكَرَ ما كان نسيه.
وقد روى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في معرفة الصحابة قصة مجلس مذاكرة جمع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وفيه أن عمر سأل علياً : (ممَّ يذكر الرجل؟ ومم ينسى؟).
فقال علي: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينا القمر مضيء إذ علت عليه سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء، وبينا الرجل يحدث إذ علته سحابة فنسي، إذ تجلت عنه فذكر)) ). والحديث حسنه الألباني.
ويروى في معناه حديث مشتهر في كتب أهل اللغة رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس مرفوعاً: (إن للقلب طخاة كطخاة القمر).
ولا يصح إسناده ، لكن صح في معناه الحديث السابق، وقد تكلم أهل اللغة في تفسيره ، فقال الخليل بن أحمد: (وفي الحديث: ((إن للقَلبِ طَخْأَةً كطَخْأَةِ القَمَر)) إذا غَشِيَه الشّيء، وكلُّ شيءٍ أُلبِسَ شيئاً فهو طَخاءٌ له، والطَّخْياءُ : ظُلْمةُ الغَيْمِ). ا.هـ.
يقال: طَخْأَةٌ، وطَخَاة بالتسهيل، ويقال: طَخْيَةٌ وطِخية وطُخية بتثليث الطاء ، كما نص عليه المبرد في الكامل.
والعرب تسمي الظلمة الشديدة: الطِّخية.
كما قال أعشى بني باهلة في رثائه المنتشر الباهلي:

إما سلكتَ سبيلاً أنتَ سالِكُهُ ..... فاذهبْ فلا يبعدَنْكَ اللهُ منتشرُ
وَرَّادُ حَربٍ شِهابٌ يُستضاءُ بهِ ..... كما يضيءُ سوادَ الطِّخْيَةِ القمرُ
فالطخية هنا : الظلمة الشديدة.
والمقصود أن الطخية مما يشمله اسم الغاسق.
وطخاء القلب هو نوع من أنواع الغسق، وذلك أن سحابة القلب تتغشاه فينسى العبدُ ما كان يذكره، وأشدُّ من ذلك الرَّين والطبع والختم فإنها إذا جعلت على القلب قسا وغفل عن الحق غفلة شديدة وعمي عنه فلا يبصره ولا يريده من شدة إعراضه؛ فيكون العبد بذلك من الذين هم في طغيانهم يعمهون.
وكلما استرسل العبد في المعاصي واتباع خطوات الشيطان وأعرض عن هدى الله ازداد الرَّين على قلبه حتى يُطبعَ على قلبه فلا يفقه ولا يهتدي للحق، والعياذ بالله.
وهذا حال المنافقين الذين قال الله فيهم: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون}.
قال عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ رضِيَ اللهُ عنهُ: (الإيمانُ يَبْدَأُ لُمْظَةً بيضاءَ في القلبِ، كُلَّما ازدادَ الإيمانُ ازدادت بَياضًا حتى يَبْيَضَّ القلبُ كلُّه، وإن النِّفاقَ يَبْدَأُ لُمْظَةً سوداءَ في القلبِ فكلما ازدادَ النفاقُ ازدادت حتى يَسْوَدَّ القلبُ كلُّه). رواه ابنُ أبي شَيْبةَ في كتابِ الإيمانِ، والبيهقيُّ في شُعب الإيمانِ.
والُّلمْظَةُ هي كالنُّقْطةِ الصغيرةِ.
وأصل علة اسوداد القلب وتسلط الشياطين عليه : الإعراض عن ذكر الله عز وجل ، وقد قال الله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}.
فأخطر ما يكون على الإنسان أن يعرض عن ذكر ربه فإذا تليت عليه آيات الله نفر منها، وإذا وعظه واعظ الله في قلبه أعرض عنه وأقبل على غيّه ؛ فهذا هو منشأ الضلال وسببه.
وبذلك تعلم أن أصل الهدى والخير والفلاح هو الإنابة إلى الله تعالى فيكون العبد مقبلاً بقلبه على الله ، معظماً لله ، معظماً لذكر الله ، ولآيات الله ، يعلم أن اتباعه لهدى الله خير له وأحسن عاقبةً في الأمور كلها ؛ فيوفَّق العبد بسبب الإنابة للهداية ويؤتى من حسن التذكر وفهم القرآن العظيم ما لا يؤتاه غيره، ويفتح له من أبواب التفكر فيه والانتفاع به ما لا يفتح لغيره.
وقد قال الله تعالى: {وما يتذكر إلا من ينيب} ، وقال: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}، وقال: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} ، وقال: {واتبع سبيل من أناب إلي} ، وقال: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد}.
ولا يندفع شر الشيطان بمثل الإنابة إلى الله تعالى، وإقبال القلب عليه جل وعلا، والالتجاء إليه ، ومحبة ذكره وطاعته وتلاوة كتابه .
فإذا قرأ العبد أذكاره بقلب منيب إلى الله فقد هدي إلى الصراط المستقيم ، وعصم من الشيطان الرجيم، وكان من أهل العبودية الخاصة، الذين هم أولياء الله وصفوته من خلقه.
والمقصود هنا بيان أن الغاسق له معنى كبير يقع على أشياء كثيرة متعددة؛ فيقع على الأفق عامة ، كما في غسق الليل الذي يغسق على الأفق فيظلم ويكون في وقوبه -وهو أول دخوله- ما يكون من الشرور العظيمة والفتن والآفات التي يصيب الله بها من يشاء ويصرفها عمن يشاء.
ويكون الغسق أيضاً على الجماعة من الناس ، فإنه قد يغشاهم شر أو فتنة تحيط بهم فتصرفهم عن الحق أو عن بعض ما ينفعهم ، ويكون وقوبها عليهم وقوب شر وبلاء.
ويكون الغاسق أيضاً على الواحد من الناس ، فيغشاه من الشر في جسده أو روحه ما يحجب عنه ما ينفعه أو يكون معه فتنة أو شر يصيبه بما يضره بإذن الله، وقد يطول أمد هذا الغاسق، وقد يقصر، وقد تكثر عليه بسببه الفتن والآفات والشرور وقد تقل ، وقد يعظم أثرها عليه جداً وقد يخف بحسب ما يقدّره الله عليه من ذلك كله.
والخلاصة أننا نستعيذ بالله من شر كلّ غاسق إذا وقب ، علمناه أو لم نعلمه.
ولعل هذا الشرح والتفصيل يطلعك على بعض معاني عظمة هذا القرآن العظيم ؛ فانظر ما دلت عليه هذه الكلمة من معانٍ عظيمة جامعة لأشياء كثيرة لا نحصيها.

رد مع اقتباس