عرض مشاركة واحدة
  #59  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 05:32 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 644
افتراضي

الباب العاشر: مصاحف الصحابة رضي الله عنهم

مصاحف الصحابة رضي الله عنهم

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (مصاحف الصحابة رضي الله عنهم
من المسائل المتّصلة بجمع القرآن ما يتعلق بمصاحف الصحابة رضي الله عنهم قبل الجمع العثماني وبعده، ومعرفة أحوال تلك المصاحف وتحرير أحكام ما يُنسب إليها مما يعين على معرفة الجواب عن الإشكالات التي تثار في هذا الباب، وكشف شبهات الطاعنين في جمع القرآن من الرافضة والمستشرقين والزنادقة.

وقد عُلم مما تقدّم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكن لهم مصحفٌ جامع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لما سبق ذكره من أنّ الوحي لم يكن قد انقطع؛ وكان القرآن يزيد الله فيه ما يشاء وينسخ على ما تقتضيه حكمته.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كتّاب الوحي أن يكتبوا له، وأذن للصحابة رضي الله عنهم أن يكتبوا عنه القرآن، بل كان ينهى عن كتابة غير القرآن لئلا يلتبس عليهم بغيره كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار).
ثمّ إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يكتب عنه كلامه صلى الله عليه وسلم؛ فكانت عنده صحيفة تسمّى "الصادقة"، وأذن لبعض أصحابه بالكتابة لمّا أُمنت فتنة التباس القرآن بغيره، وكَثُر حملة القرآن من أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.

فكان من الصحابة رضي الله عنهم من يكتب لنفسه بعض السور والآيات، وبعض أؤلئك كانت كتابتهم من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، كما في كتاب المصاحف لابن أبي داوود من رواية إسرائيل بن يونس، عن جدّه أبي إسحاق السبيعي، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أن عثمان قال في خطبته: (فأعزمُ على كلِّ رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به)
قال مصعب: وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرةً، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلاً رجلاً فناشدهم: (لسمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملاه عليك؟)
فيقول: نعم..). ثم ساق الخبر.
ورواه عمر بن شبة من طريق زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق السبيعي ، عن مصعب بن سعد أنَّ عثمان عزم على كلِّ مَن كان عنده شيء من القرآن إلا جاء به، قال: (فجاء الناس بما عندهم، فجعل يسألهم عليه البينة أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وكانوا يكتبون في العسب واللخاف والأكتاف والأدُم كما تقدّم بيانه؛ فلمّا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أعظم أوجه عناية الصحابة رضي الله عنهم بالقرآن استكمال جمعه والتفقّه في معانيه وتدارسه، ومنهم من حبس نفسه لذلك.

قال يزيد بن هارون: أخبرنا ابن عونٍ، عن محمّد [بن سيرين]، قال: لمّا استُخلف أبو بكرٍ قعد عليٌّ في بيته؛ فقيل لأبي بكرٍ؛ فأرسل إليه: (أكرهت خلافتي؟)
قال: لا، لم أكره خلافتك، ولكن كان القرآنُ يزاد فيه، فلمّا قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلتُ عليّ أن لا أرتدي إلاّ لصلاةٍ حتّى أجمعه للنّاس، فقال أبو بكرٍ: (نعم ما رأيتَ). رواه ابن أبي شيبة.
وهذا مرسل جيد رجاله أئمة ثقات، غير أنّ محمّد بن سيرين لم يدرك عليّ بن أبي طالب.
وقد رواه ابن الضريس من طريق هوذة بن خليفة قال: (حدثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن عكرمة فيما أحسب..) فذكره بنحوه.
ورواه أيضا من طريق النضر بن شميل عن عوف عن ابن سيرين عن عكرمة (من غير شك).
وقد ورى نحو هذا الأثر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة قال: (لما بويع لأبي بكر تخلَّف عليٌّ في بيته فلقيَه عمر فقال: "تخلفت عن بيعة أبي بكر؟"
فقال: "إني آليتُ بيمين حين قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أرتدي برداء إلا إلى الصلاة المكتوبة حتى أجمع القرآن؛ فإنّي خشيتُ أن يتفلَّت القرآن" ثم خرج فبايعه).

وهذا الخبر استشكله بعض أهل العلم حتى ضعّفه ابن حجر في الفتح لانقطاعه، لما تبادر منه أنه أراد جمع القرآن مكتوباً للناس، وهذا من المعلوم أنه مخالف لقول علي بأنّ أبا بكر هو أوّل من جمع القرآن بين دفّتين.
والصواب أنّ الجمعَ المراد في الأثر المرويّ عن عليّ جمع الحفظ في صدره، ولا يمنع أن يكون كتب سوراً كثيرة في صحف، وأما جمعُ أبي بكر فكان كان مكتوباً في مصحف جامع بين لوحين.

وقد اختلف في المراد من كون زيد بن ثابت لم يجد آخر آيتين من براءة مكتوبة إلا عند أبي خزيمة على قولين:
أحدهما: حمله على ظاهره، وهو أنهما لم توجدا مكتوبتين إلا عنده.
والآخر: أن الصحابة اشترطوا في اعتبار الكتابة أن تكون من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وأنّهم لم يجدوهما على هذا الشرط إلا عند أبي خزيمة.

ولمّا تيسّر للصحابة من أدوات الكتابة في زمن الخلفاء الراشدين ما تيسّر كثر فيهم اتّخاذ المصاحف، فمنها ما كتب قبل الجمع العثماني ومنها ما كتب بعده، واعتنوا بتعليم القرآن وعرض المصاحف، حتى إنّ منهم من كان يخصص موضعاً في مسجده لعرض المصاحف كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وذكر ابن عبد البر في التمهيد عن الإمام مالك أنه قال: (قد كان الناس ولهم مصاحف، والستَّةُ الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب كانت لهم مصاحف).
يريد بالستة: عثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين.
وكان لبعض أمهات المؤمنين مصاحف صحّ ذلك عن عائشة وحفصة وأم سلمة.
وممن روي أن لهم مصاحف: أبيّ بن كعب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس). [جمع القرآن:207 - 211]


رد مع اقتباس