عرض مشاركة واحدة
  #55  
قديم 15 محرم 1439هـ/5-10-2017م, 03:26 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 4,004
افتراضي

المسألة الرابعة: الكلام على حديث يزيد الفارسي عن ابن عباس في شأن سورتي الأنفال وبراءة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المسألة الرابعة: الكلام على حديث يزيد الفارسي عن ابن عباس في شأن سورتي الأنفال وبراءة
قال عوف بن أبي جميلة الأعرابي: حدثنا يزيد الفارسي قال: قال لنا ابن عباس: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر "بسم الله الرحمن الرحيم" فوضعتموها في السبع الطوال، فما حملكم على ذلك؟

قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب له فيقول: «ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» وإذا أنزلت عليه الآيات قال: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» وإذا أنزلت عليه الآية، قال: «ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا»).
قال: (وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما أنزل من القرآن).
قال: (فكانت قصتها شبيها بقصتها، فظننا أنها منها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطرا: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال). رواه الإمام أحمد وأبو عبيد وأبو داوود والترمذي والنسائي في الكبرى، ومداره على يزيد الفارسي، وقد اختلف فيه: هل هو يزيد بن هرمز الفارسي أو غيره؟
فذهب الإمام أحمد وعبد الرحمن بن مهدي إلى أنهما واحد.
وذهب يحيى بن سعيد القطان وأبو حاتم الرازي ويحيى بن معين إلى التفريق بينهما.
قال أبو حاتم الرازي: (يزيد بن هرمز هذا ليس بيزيد الفارسي، هو سواه، فأما يزيد بن هرمز فهو والد عبد الله بن يزيد بن هرمز، وكان ابن هرمز من أبناء الفرس الذين كانوا بالمدينة وجالسوا أبا هريرة مثل أبي السائب مولى هشام بن زهرة ونظرائه، وليس هو يزيد الفارسي البصري الذي يروي عن ابن عباس ويروي عنه عوف الأعرابي، إنما روى عن يزيد بن هرمز الحارث بن أبي ذباب وليس بحديثه بأس، وكذلك صاحب ابن عباس لا بأس به)ا.هـ.
وقال ابن الجنيد: (قيل ليحيى بن معين وأنا أسمع: يزيد الفارسي روى عنه أحد غير عوف؟
قال: «لا»
قلت ليحيى: فإنهم يزعمون أن يزيد بن هرمز هو يزيد الفارسي الذي روى عنه الزهري وقيس بن سعد حديث نجدة.
فقال: «باطل، كذب، شيء وضعوه، ليس هو ذاك»).

وذكره البخاري في الضعفاء، وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان مع بعض الأمراء.
وقد روى له ابن أبي داوود خبراً في كِتاب "المصاحف" من طريق عبد الله بن فيروز وفيه أنه كان كاتباً لعبيد الله بن زياد، وأنه كتب له مصحفاً بأمره فيه مخالفة لرسم المصاحف العثمانية.
وروى ابن أبي شيبة وابن شبّة عن عوف الأعرابي أن يزيد الفارسي كان يكتب المصاحف، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقصّ خبره على ابن عباس فصدّقه في وصفه.
فالذي يظهر أنه غير يزيد بن هرمز، وقول المفرّقين بينهما مقدّم هنا لما معهم من زيادة علم.
ويحيى بن سعيد القطان قد روى هذا الخبر عن عوف عن يزيد الفارسي كما في تاريخ المدينه لابن شبة؛ فهو أخبرُ به، وقد حدّثه عوفٌ به من غير واسطة.

ويزيد الفارسي ممن لا يحتمل تفرّده بمثل هذا الخبر، وقد ضعّفه البخاري، وأما قول أبي حاتم فيه: لا بأس به؛ فإنما تُمشَّى به روايته فيما لا نكارة فيه.
وهذا الخبر مما اختلف في حكمه أهل العلم
- فحسّنه الترمذي وابن حجر في كتابه "موافقة الخُبْر الخبَر"
.
- وصححه الحاكم بناء على أنّ يزيد هو ابن هرمز.
- وضعّفه أحمد شاكر والألباني وجماعة من المعاصرين.
قال أحمد شاكر: (فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث، يكاد يكون مجهولا، حتى شُبِّهَ على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره البخاري في الضعفاء، فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به).
ثمّ ذكر الشيخ أحمد شاكراً كلاماً في نقد المتن فيه نظر، فقال: (وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي، قراءةً وسماعاً وكتابةً في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأنَّ عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك).
وهذا غير لازم، لأن اجتهاد عثمان ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم لم يكن عن مجرّد الرأي والاستحسان، وإنما كان اجتهادهم في الاختيار من الأحرف التي يُقرأ بها.
وسيأتي الكلام على ترك البسملة في أول براءة قريباً إن شاء الله.
والمتن معلول بعلل توجب عدم قبول تفرّد يزيد الفارسي به، وما ذكره الشيخ أحمد شاكر في نقد المتن فيه نظر.
وأمّا الألباني فضعّفه لأجل أن يزيد الفارسي لم تثبت عدالته، ولأنَّ البخاري ذكره في الضعفاء، ولأن في المتن نكارة ولا متابع له عليه.
وهذه العلل كافية في ردّ رواية يزيد الفارسي هذه، وعدم الاعتداد بها.
وقد تبع الشيخين أحمد شاكر والألباني جماعة من المصنفين في علوم القرآن على تضعيف هذا الأثر وإنكاره.
وقد ردّ الشيخ عبد الله الجديع على الشيخ أحمد شاكر تضعيفَه، وذهب إلى تصحيح الأثر ترجيحاً منه بأن يزيد الفارسي هو ابن هرمز، وعلى فرض أنه غيره فدفع عنه الجهالة بقول ابن أبي حاتم فيه: (لا بأس به)، وبأنّ ما ذكره الشيخ أحمد شاكر من نكارة المتن غير لازم، وأنّ أهل الحديث على مرّ القرون كانوا يروونه من غير نكير، وأنّه لم يؤثر عن أحد من الأئمة المتقدمين تضعيف هذا الخبر، وإنما المأثور عنهم تصحيحُه أو تحسينُه.

وقول الشيخ الجديع مُتعقَّب بما ذكره الطحاوي في شرح مشكل الآثار من إعلال بعض العلماء المتقدمين لمتن الأثر؛ إذ قال فيما حكى عنهم: (وأَنِفُوا أنْ يكونَ مثلُ هذا يذهب عن عثمان رضي الله عنه لعنايته بالقرآن قديماً وحديثاً إلى أن توفَّاه الله رضي الله عنه على ذلك).

وما روي عن عثمان أنه قال في هذا الأثر: (فكانت قصتها شبيها بقصتها، فظننا أنها منها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطرا: بسم الله الرحمن الرحيم).
ففيه علل توجب ردّ هذه الجمل:
منها: أنّه يلزم من ذلك أن يكون قد غاب عن عثمان وجميع قرّاء الصحابة والتابعين في زمان الجمع معرفة كون سورة الأنفال من التوبة أو لا، وأنه لم يكن لدى أحد منهم علم تقوم به الحجّة في هذا الأمر.
ومنها: أنه يلزم من ذلك أن يكون هذا الإشكال قد عرض في جمع أبي بكر ولم يُحسم، وقد كان قراء الصحابة فيه أكثر توافراً.
ومنها: أنه يلزم من ذلك مخالفة الإجماع في ترتيب آيات كلّ سورة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظها في الصدور.
ومنها: أنه يلزم من ذلك أنه قد فات علمُ هذا الأمر على من شهد العرضة الأخيرة من الصحابة رضي الله عنهم.
ومنها: أن هذا الخبر ينقض أوَّلُه آخرَه؛ فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوقفهم على مواضع الآيات من السور؛ فكيف يظنّ أنه لم يبيّن لهم ما هو أعظم من ذلك وهو أن سورة تزيد على مائة آية لا يدرون هل هي مستقلة أو تابعة لسورة أخرى؟!!
فكيف يقول: ((فكانت قصتها شبيها بقصتها، فظننا أنها منها..).
ومنها: أن يقال: كيف خفي علم هذا الأمر العظيم المتعلق بمسألة من مظانّ ما يعتنى به وتتوافر الهمم على فقهه مدارسة وتقريراً كيف خفي علمه عن خاصة أصحاب ابن عباس وأعلمهم بالتفسير كسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان وأضرابهم حتى يتفرد بروايته يزيد الفارسي.

والخلاصة أنّ هذا الخبر فيه مواضع منكرة مخالفة لما صحّ من الأحاديث والآثار وهو ما يتعلق بتميّز سورة الأنفال عن سورة التوبة، ودعوى أن عثمان ومن معه كانوا يجهلون هذا الأمر العظيم، وقد علموا دقائق الفروق بين الأحرف السبعة ووازنوا بين القراءات واختاروا منها.
وقد يقال: إنّ سورتي التوبة والأنفال سورة واحدة في بعض الأحرف، وسورتان في أحرف أخرى، كما حُكي في سورتي الفيل وقريش أنّهما سورة واحدة في قراءة أبيّ بن كعب، ويكون الاجتهاد المذكور عن عثمان هو اجتهاد مفاضلة بين الأحرف، إذ لا بدّ من أن يُكتب المصحف على قول واحد مختار، ثم جرى من حكاية الأثر بالمعنى ما أثار بعض الإشكالات التي تزول بالتفصيل والتمحيص.
والنتيجة المتّفق عليها أنّ ما كُتب عليه المصحف واستقرّ عليه الاختيارُ أمرٌ مجمعٌ على صحّته لا يُرتاب في ذلك، وإن خفيت علينا بعض أسباب الخلاف ومآخذ الاختيارات.
وأما ما يتعلّق بترتيب السُّوَرِ وترك كتابة البسملة في أوَّل براءة فهو أمرٌ يدخله الاجتهادُ في المفاضلة بين الأحرف السبعة، ولا نكارة في ذلك كما تقدّم، غير أنّ العمدة في ذلك ليست على خبر يزيد الفارسي). [جمع القرآن:188 - 194]


رد مع اقتباس