عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 11:55 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ وإن هم إلا يظنّون (78) فويلٌ للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند اللّه ليشتروا به ثمنًا قليلا فويلٌ لهم ممّا كتبت أيديهم وويلٌ لهم ممّا يكسبون (79)}
يقول تعالى: {ومنهم أمّيّون}:«أي: ومن أهل الكتاب»، قاله مجاهدٌ،
والأمّيّون جمع أمّيٍّ،«وهو: الرّجل الذي لا يحسن الكتابة»، قاله أبو العالية، والرّبيع، وقتادة، وإبراهيم النّخعي، وغير واحدٍ وهو ظاهرٌ في قوله تعالى: {لا يعلمون الكتاب [إلا أمانيّ]} أي: لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه أمّيٌّ؛ لأنّه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتابٍ ولا تخطّه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] ، وقال عليه الصّلاة والسّلام: «إنّا أمّةٌ أمّيّةٌ، لا نكتب ولا نحسب، الشّهر هكذا وهكذا وهكذا» الحديث. أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتابٍ ولا حسابٍ، وقال تعالى: {هو الّذي بعث في الأمّيّين رسولا منهم} [الجمعة: 2].
وقال ابن جريرٍ: نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرّجال إلى أمّه في جهله بالكتاب دون أبيه، قال: وقد روي عن ابن عبّاسٍ، رضي اللّه عنهما قولٌ خلاف هذا، وهو ما حدّثنا به أبو كريب: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {ومنهم أمّيّون} قال: «الأمّيّون قومٌ لم يصدّقوا رسولًا أرسله اللّه، ولا كتابًا أنزله اللّه، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثمّ قالوا لقومٍ سفلة جهّال: {هذا من عند اللّه}»، وقال:«قد أخبر أنّهم يكتبون بأيديهم، ثمّ سمّاهم أمّيّين، لجحودهم كتب اللّه ورسله». ثمّ قال ابن جريرٍ: وهذا التّأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم. وذلك أنّ الأمّيّ عند العرب: الذي لا يكتب.
قلت: ثمّ في صحّة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد، نظر. والله أعلم.
قوله تعالى: {إلا أمانيّ} قال ابن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ: «{إلا أمانيّ} إلّا أحاديث».
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {إلا أمانيّ} يقول: «إلّا قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا».
وقال مجاهدٌ: «إلّا كذبًا».
وقال سنيدٌ، عن حجّاجٍ، عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ: {ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ} قال: «أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلّمون بالظّنّ بغير ما في كتاب اللّه، ويقولون: هو من الكتاب، أمانيّ يتمنّونها».
وعن الحسن البصريّ، نحوه.
وقال أبو العالية، والرّبيع وقتادة: «{إلا أمانيّ} يتمنّون على اللّه ما ليس لهم».
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: {إلا أمانيّ} قال: «تمنّوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم».
قال ابن جريرٍ: والأشبه بالصّواب قول الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ،
وقال مجاهدٌ: «إنّ الأمّيّين الّذين وصفهم اللّه أنّهم لا يفقهون من الكتاب -الذي أنزل اللّه على موسى- شيئًا، ولكنّهم يتخرّصون الكذب ويتخرّصون الأباطيل كذبًا وزورًا».
والتّمنّي في هذا الموضع هو تخلّق الكذب وتخرّصه. ومنه الخبر المرويّ عن عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه: «ما تغنّيت ولا تمنّيت». يعني: ما تخرّصت الباطل ولا اختلقت الكذب.
وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ وإن هم إلا يظنّون} ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوّتك بالظّنّ».
وقال مجاهدٌ: «{وإن هم إلا يظنّون} يكذبون».
وقال قتادة: وأبو العالية، والرّبيع: «يظنّون الظّنون بغير الحقّ»). [تفسير ابن كثير: 1/ 310-311]

تفسير قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {فويلٌ للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند اللّه ليشتروا به ثمنًا قليلا} الآية: هؤلاء صنفٌ آخر من اليهود، وهم الدّعاة إلى الضّلال بالزّور والكذب على اللّه، وأكل أموال النّاس بالباطل.
والويل: الهلاك والدّمار، وهي كلمةٌ مشهورةٌ في اللّغة. وقال سفيان الثّوريّ، عن زياد بن فيّاضٍ: سمعت أبا عياضٍ يقول: «ويلٌ: صديدٌ في أصل جهنّم».
وقال عطاء بن يسارٍ: «الويل: وادٍ في جهنّم لو سيّرت فيه الجبال لماعت».
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهبٍ، أخبرني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: «ويلٌ وادٍ في جهنّم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره».
ورواه التّرمذيّ عن عبد بن حميدٍ، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن درّاجٍ، به. وقال: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلّا من حديث ابن لهيعة.
قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكنّ الآفة ممّن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد -مرفوعًا- منكرٌ، واللّه أعلم.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا المثنّى، حدّثنا إبراهيم بن عبد السّلام بن صالحٍ العشيريّ حدّثنا عليّ بن جريرٍ، عن حمّاد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفرٍ، عن كنانة العدوّيّ، عن عثمان بن عفّان، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {فويلٌ لهم ممّا كتبت أيديهم وويلٌ لهم ممّا يكسبون} قال: «الويل جبلٌ في النّار. وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنّهم حرّفوا التّوراة، زادوا فيها ما أحبّوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم من التّوراة. ولذلك غضب اللّه عليهم، فرفع بعض التّوراة، فقال: {فويلٌ لهم ممّا كتبت أيديهم وويلٌ لهم ممّا يكسبون}».
وهذا غريبٌ أيضًا جدًا.
[وعن ابن عبّاسٍ: «الويل: السّعير من العذاب»،
وقال الخليل بن أحمد: الويل: شدّة الشّرّ،
وقال سيبويه: ويلٌ: لمن وقع في الهلكة، وويحٌ لمن أشرف عليها،
وقال الأصمعيّ: الويل: تفجّعٌ والويل ترحّمٌ،
وقال غيره: الويل: الحزن.
وقال الخليل: وفي معنى ويلٍ: ويحٌ وويشٌ وويهٌ وويكٌ وويبٌ، ومنهم من فرّق بينها،
وقال بعض النّحاة: إنّما جاز الابتداء بها وهي نكرةٌ؛ لأنّ فيها معنى الدّعاء، ومنهم من جوّز نصبها، بمعنى: ألزمهم ويلًا.
قلت: لكن لم يقرأ بذلك أحدٌ].
وعن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: {فويلٌ للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم} قال: «هم أحبار اليهود».
وكذا قال سعيدٌ، عن قتادة: «هم اليهود».
وقال سفيان الثّوريّ، عن عبد الرّحمن بن علقمة: سألت ابن عبّاسٍ عن قوله تعالى: {فويلٌ للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم} قال: «نزلت في المشركين وأهل الكتاب».
وقال السّدّيّ:«كان ناسٌ من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدّثونهم أنّه من عند اللّه، ليأخذوا به ثمنًا قليلًا».
وقال الزّهريّ: أخبرني عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ، وكتابكم الذي أنزل اللّه على نبيّه، أحدث أخبار اللّه تقرؤونه محضًا لم يشب؟ وقد حدّثكم اللّه تعالى أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا كتاب اللّه وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند اللّه ليشتروا به ثمنًا قليلًا؛ أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا واللّه ما رأينا منهم أحدًا قطّ سألكم عن الذي أنزل إليكم». رواه البخاريّ من طرقٍ عن الزّهريّ.
وقال الحسن بن أبي الحسن البصريّ: «الثّمن القليل: الدّنيا بحذافيرها».
وقوله تعالى: {فويلٌ لهم ممّا كتبت أيديهم وويلٌ لهم ممّا يكسبون} أي: فويلٌ لهم ممّا كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان، والافتراء، وويلٌ لهم ممّا أكلوا به من السّحت، كما قال الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ: {فويلٌ لهم} يقول: «فالعذاب عليهم، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب»، {وويلٌ لهم ممّا يكسبون} يقول:«ممّا يأكلون به النّاس السّفلة وغيرهم»). [تفسير ابن كثير: 1/ 311-313]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وقالوا لن تمسّنا النّار إلا أيّامًا معدودةً قل أتّخذتم عند اللّه عهدًا فلن يخلف اللّه عهده أم تقولون على اللّه ما لا تعلمون (80)}
يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادّعوه لأنفسهم، من أنّهم لن تمسّهم النّار إلّا أيّامًا معدودةً، ثمّ ينجون منها، فردّ اللّه عليهم ذلك بقوله: {قل أتّخذتم عند اللّه عهدًا} أي: بذلك؟ فإن كان قد وقع عهدٌ فهو لا يخلف عهده.
ولكنّ هذا ما جرى ولا كان. ولهذا أتى بـ"أم" التي بمعنى: بل، أي: بل تقولون على اللّه ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال محمّد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: «أنّ اليهود كانوا يقولون: هذه الدّنيا سبعة آلاف سنةٍ، وإنّما نعذّب بكلّ ألف سنةٍ يومًا في النّار، وإنّما هي سبعة أيّامٍ معدودةٍ. فأنزل اللّه تعالى: {وقالوا لن تمسّنا النّار إلا أيّامًا معدودةً} إلى قوله: {خالدون}».
ثمّ رواه عن محمّدٍ، عن سعيدٍ -أو عكرمة- عن ابن عبّاسٍ، بنحوه.
وقال العوفيّ عن ابن عبّاسٍ: «{وقالوا لن تمسّنا النّار إلا أيّامًا معدودةً} اليهود قالوا: لن تمسّنا النّار إلّا أربعين ليلةً»، [زاد غيره: «هي مدّة عبادتهم العجل»، وحكاه القرطبيّ عن ابن عبّاسٍ وقتادة].
وقال الضّحّاك: قال ابن عبّاسٍ: «زعمت اليهود أنّهم وجدوا في التّوراة مكتوبًا: أنّ ما بين طرفي جهنّم مسيرة أربعين سنةً، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزّقّوم، التي هي نابتةٌ في أصل الجحيم. وقال أعداء اللّه: إنّما نعذّب حتّى ننتهي إلى شجرة الزّقّوم فتذهب جهنّم وتهلك. فذلك قوله تعالى: {وقالوا لن تمسّنا النّار إلا أيّامًا معدودةً}».
وقال عبد الرّزّاق، عن معمر، عن قتادة: «{وقالوا لن تمسّنا النّار إلا أيّامًا معدودةً} يعني: الأيّام التي عبدنا فيها العجل».
وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: لن ندخل النّار إلّا أربعين ليلةً، وسيخلفنا إليها قومٌ آخرون، يعنون محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده على رءوسهم: «بل أنتم خالدون مخلّدون لا يخلفكم إليها أحدٌ». فأنزل اللّه: {وقالوا لن تمسّنا النّار إلا أيّامًا معدودةً} الآية.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه اللّه: حدّثنا عبد الرّحمن بن جعفرٍ، حدّثنا محمّد بن محمّد بن صخرٍ، حدّثنا أبو عبد الرّحمن المقرئ، حدّثنا ليث بن سعدٍ، حدّثني سعيد بن أبي سعيدٍ، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: لمّا فتحت خيبر أهديت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شاةٌ فيها سمٌّ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا»، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من أبوكم؟»، قالوا: فلانٌ. قال: «كذبتم، بل أبوكم فلانٌ». فقالوا: صدقت وبررت، ثمّ قال لهم: «هل أنتم صادقيّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟». قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من أهل النّار؟»، فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثمّ تخلفونا فيها. فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اخسأوا، واللّه لا نخلفكم فيها أبدًا». ثمّ قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «هل أنتم صادقيّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟». قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: «هل جعلتم في هذه الشّاة سمًّا؟». فقالوا: نعم. قال: «فما حملكم على ذلك؟». فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرّك.
ورواه أحمد، والبخاريّ، والنّسائيّ، من حديث اللّيث بن سعدٍ، بنحوه). [تفسير ابن كثير: 1/ 313-314]

تفسير قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({بلى من كسب سيّئةً وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون (81) والّذين آمنوا وعملوا الصّالحات أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون (82)}
يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنّيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنّه من عمل سيّئةً وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنةٌ، بل جميع عمله سيّئاتٌ، فهذا من أهل النّار، والّذين آمنوا باللّه ورسوله وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشّريعة- فهم من أهل الجنّة. وهذا المقام شبيهٌ بقوله تعالى: {ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون اللّه وليًّا ولا نصيرًا* ومن يعمل من الصّالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلون الجنّة ولا يظلمون نقيرًا} [النّساء: 123، 124].
قال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن سعيدٍ -أو عكرمة- عن ابن عبّاسٍ: «{بلى من كسب سيّئةً} أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتّى يحيط به كفره فما له من حسنةٍ».
وفي روايةٍ عن ابن عبّاسٍ، قال: «الشّرك».
قال ابن أبي حاتمٍ: وروي عن أبي وائلٍ، وأبي العالية، ومجاهدٍ، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والرّبيع بن أنسٍ، نحوه.
وقال الحسن -أيضًا- والسّدّيّ: «السّيّئة: الكبيرة من الكبائر».
وقال ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {وأحاطت به خطيئته} قال: «بقلبه».
وقال أبو هريرة، وأبو وائلٍ، وعطاءٌ، والحسن: {وأحاطت به خطيئته} قالوا:«أحاط به شركه».
وقال الأعمش، عن أبي رزينٍ، عن الرّبيع بن خثيم: {وأحاطت به خطيئته} قال: «الذي يموت على خطايا من قبل أن يتوب». وعن السّدّيّ، وأبي رزينٍ، نحوه.
وقال أبو العالية، ومجاهدٌ، والحسن، في روايةٍ عنهما، وقتادة، والرّبيع بن أنسٍ: «{وأحاطت به خطيئته} الكبيرة الموجبة».
وكلّ هذه الأقوال متقاربةٌ في المعنى، واللّه أعلم.
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدّثنا سليمان بن داود، حدّثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربّه، عن أبي عياضٍ، عن عبد الله بن مسعودٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّهنّ يجتمعن على الرّجل حتّى يهلكنه». وإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ضرب لهنّ مثلًا كمثل قومٍ نزلوا بأرضٍ فلاةٍ، فحضر صنيع القوم، فجعل الرّجل ينطلق فيجيء بالعود، والرّجل يجيء بالعود، حتّى جمعوا سوادًا، وأجّجوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها). [تفسير ابن كثير: 1/ 315-316]

تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّدٌ، عن سعيدٍ -أو عكرمة-، عن ابن عبّاسٍ: «{والّذين آمنوا وعملوا الصّالحات أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون} أي: من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنّة خالدين فيها. يخبرهم أنّ الثّواب بالخير والشّرّ مقيمٌ على أهله، لا انقطاع له أبدًا»). [تفسير ابن كثير: 1/ 316]


رد مع اقتباس