عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 18 محرم 1439هـ/8-10-2017م, 02:43 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 9,617
افتراضي

بداية المحنة

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (بداية المحنة
وفي سنة 218هـ عزم المأمون على امتحان العلماء في القول بخلق القرآن؛ فكتب إلى الولاة بامتحانهم، ومن أبى هُدّد بالعزل أو الحبس أو القتل.

وكان أوّلَ من امتحن من العلماء عفّان بن مسلم الصفّار شيخ الإمام أحمد، وكان شيخاً كبيراً في الرابعة والثمانين من عمره لمّا امتحن، وكان رجلاً فقيراً ، وفي داره نحو أربعين إنساناً، ويُجرى عليه من بيت المال ألف درهم كلّ شهر.
فدعاه نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم المصعبي؛ فقرأ عليه كتاب المأمون، فإذا فيه: (امتحن عفّان وادعه إلى أن يقول: القرآن مخلوق، فإن قال ذلك فأقرَّه على أمره، وإلا فاقطع عنه الذي يجري عليه).
قال عفان: فقال لي إسحاق: ما تقول؟
فقرأت عليه: " {قل هو الله أحد} " حتى ختمتها.
فقلت: أمخلوق هذا؟
قال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه يقطع عنك ما يجري عليك.
قال عفان: فقلت له: يقول الله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}؛ فسكتَ وانصرفتُ.

ثمّ ورد كتاب المأمون بامتحان جماعة من أهل الحديث منهم: يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وإسماعيل الجوزي، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس المستملي، وابن أبي مسعود.
أمر المأمون بإحضارهم إليه في الرقّة ؛ ولم يُمتحنوا في بلدانهم؛ وإنما أحضروا إليه؛ فامتحنوا فهابوه وخافوا معارضته؛ فأجابوا وأطلقوا.
قال الإمام أحمد: (لو كانوا صبروا وقاموا لله عزّ وجلّ لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل - يعني المأمون - ولكن لمّا أجابوا وهم عينُ البلد اجترأ على غيرهم).
وكان إذا ذكرهم اغتمّ وقال: (همّ أوّل من ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا الأمر).

وفي دمشق ورد كتاب المأمون على إسحاق بن يحيى بن معاذ أمير دمشق، أن أحضر المحدثين بدمشق فامتحنهم؛ فأحضر هشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وعبد الله بن ذكوان، وأحمد بن أبي الحواري، وكان والي دمشق يجلّ هؤلاء العلماء ولا يقوى على مخالفة أمر الخليفة؛ فامتحنهم امتحانا ليس بالشديد، فأجابوا، خلا أحمد بن أبي الحواري الناسك العابد، وقد كان من أهل الحديث في أوّل أمره ويغلب عليه العناية بالسلوك والتعبّد وتزكية النفس؛ عالماً بأخبار النسّاك والعبّاد وأحوالهم؛ قال عنه أبو داوود السجستاني: (ما رأيت أحداً أعلم بأخبار النُّسَّاك منه).
وكان معروفا بصلاحه؛ حتى قال يحيى بن معين: (أظن أهل الشام يسقيهم الله به الغيث).
ثم إنّه ألقى كتبه في البحر واجتهد في العبادة، وكان معظَّماً محبوباً عند أهل الشام، وكان أمير دمشق يحبّه ويجلّه؛ فجعل يرفق به في المحنة، ويقول: أليست السماوات مخلوقة؟ أليست الأرض مخلوقة؟ وأحمد يأبى أن يطيعه؛ فسجنه في دار الحجارة.
واجتهد والي دمشق أن يجيبه ولو متأوّلاً لأنّه يعلم شدّة المأمون في هذه المحنة؛ فوجّه إلى امرأته وصبيانه ليأتوه ويبكوا عليه ليرجع عن رأيه.
وقيل له: قل: ما في القرآن من الجبال والشجر مخلوق.
فأجاب على هذا، وكتب إسحاق بإجابته إلى الخليفة.

وامتحن في تلك المدة أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغسّاني قاضي دمشق وهو من شيوخ الإمام أحمد؛ وكان موصوفا بالعلم والفقه؛ وكان عظيم القدر عند أهل الشام.
قال أبو حاتم الرازي: (ما رأيت أحدا في كورة من الكُوَر أعظم قدرا ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، وكنت أرى أبا مسهر إذا خرج إلى المسجد اصطفت الناس يسلمون عليه).
وكان شيخاً كبيراً قد بلغ الثامنة والسبعين من عمره؛ فأُدخل على المأمون وبين يدي المأمون رجل مطروح قد ضُربت عنقه، ليرهبه بذلك؛ فقال له المأمون: ما تقول في القرآن؟
قال: كما قال الله: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}.
قال: أمخلوق أو غير مخلوق؟
قال: ما يقول أمير المؤمنين؟
قال: مخلوق.
قال: بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة، أو التابعين؟
قال: بالنظر. واحتج عليه.
قال: يا أمير المؤمنين، نحن مع الجمهور الأعظم، أقول بقولهم، والقرآن كلام الله غير مخلوق.
وأخذ المأمون يجادله على طريقة المعتزلة؛ فأبى أبو مسهر أن يجيبه إلى ما قال؛ فدعا المأمون بالنطع والسيف؛ فلما رأى ذلك أجاب مترخّصاً بعذر الإكراه.
قال ابن سعد: (فتركه من القتل وقال: أما إنك لو قلت ذلك قبل أن أدعو لك بالسيف لقبلت منك ورددتك إلى بلادك وأهلك.
ولكنك تخرج الآن فتقول: قلت ذلك فرَقا من القتل؛ أشخصوه إلى بغداد فاحبسوه بها حتى يموت.
فأُشْخِصَ من الرَّقة إلى بغداد في شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة ومائتين فحبس قِبَل إسحاق بن إبراهيم فلم يلبث في الحبس إلا يسيرا حتى مات فيه، في غرة رجب سنة ثماني عشرة ومائتين؛ فأخرج ليدفن فشهده قوم كثير من أهل بغداد)ا.هـ). [الإيمان بالقرآن:52 - 55]


رد مع اقتباس