عرض مشاركة واحدة
  #68  
قديم 22 محرم 1439هـ/12-10-2017م, 06:12 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 3,448
افتراضي

التحذير من الغلوّ في باب خواصّ القرآن

قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (التحذير من الغلوّ في باب خواصّ القرآن
وليحذر المسلم من الغلوّ في هذا الباب؛ فإنّه قد قاد الغلاة إلى فساد كبير، وضلال مبين، وانحلال من الدين، والعياذ بالله.
ومن ذلك ما ابتدعه بعض الصوفية الغلاة في خواصّ القرآن من دعاوى وضلالات، واستعمال أشياء غير معقولة المعنى
من رسوم وأحوال، وجداول وأوفاق تبيّن للمحققين أنها من طلاسم السحر، لكنّهم موّهوا بها على أتباعهم، وسموّا الأمور بغير أسمائها، فسمّوا الشياطين الذين يتقرّبون إليهم خُدّام الآيات، وسمّوا الاستغاثات الشركية عزائم، وسمّوا غرائب أسماء الشياطين أسراراً، ولولا خشية الإغراء بها مع ضعف النفوس لذكرت أمثلة مما ذكروه في هذا الباب مما يدلّ على ضلالهم وتضليلهم وبعدهم عن هدى القرآن، وتلبيسهم على الناس.
وقد اعترف بذلك بعضُ مَنْ مَنَّ الله عليه بالتوبة من السِّحْر من أصحاب تلك الطرق، وذكر أنه كان يعتقد أنه يكلّم الملائكة ويخاطبهم، وأنّ ما هو فيه إنما هو من الكرامات التي يُؤتاها الأولياء والأقطاب عندهم.
وتلا قول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)}
ثم قال ما معناه: كانت هذه حالنا، كنا نظنّ أننا نخاطب الملائكة ونتقرب إليهم ويخدموننا؛ فإذا بهم شياطين.

والمقصود أن غلاة الصوفية قد أدخلوا على الأمّة من هذا الباب شرّا عظيماً، وبلاء وفتنة ضلّ بها طوائف من أتباع الطُّرُق والعامّة المخدوعين بضلالاتهم؛ فلبسوا الحق بالباطل، وموّهوا على الجهّال والعامّة، وروّجوا أباطيلهم وأسحارهم باسم خواصّ القرآن، وكان منهم من يكتب الحُجب والتمائم ويبيعها، ويزعم أنّ فيها من الخواصّ ما يدفع البلاء، ويجلب السعد، ويحفظ من العين والعدوّ، وأكلوا أموال الناس بالباطل والتمويه والتضليل.

ولكبار الصوفية مؤلفات فيما يدّعون أنّه من "خواصّ القرآن" فيها غلوّ وضلال مبين، ومنها:
1. كتاب "خواصّ القرآن الحكيم" لمحمّد بن أحمد بن سعيد التميمي (ت: 390هـ)، ولم أقف على كتابه، لكن ذُكرت عنه عظائم، وله مخطوطات يعتني بها السحرة.
2. ورسالة في "خواص بسم الله الرحمن الرحيم" لأحمد بن علي بن يوسف البوني (622هـ).
3. وكتاب "العقد المنظوم فيما تحتويه الحروف من الخواص والعلوم" لابن عربي الطائي (ت:638هـ) زعيم الصوفية في زمانه ، وهو كتاب سحرٍ ضمّنه ما ادّعى فيه أنه من خواص القرآن لقضاء الحاجات ودفع المضار تدليساً وتمويهاً.
4. وكتاب "السر الجليل في خواص حسبنا الله ونعم الوكيل " لأبي الحسن الشاذلي (ت: 656هـ ) زعيم الطريقة الشاذلية، وكتابه هذا كتاب سحر في حقيقته.
5. وكتاب "فضائل القرآن وخواصها" لأبي بكر الغساني الودياشي (ت696هـ).
6. وكتاب "البرهان والدليل في خواصّ سور التنزيل" لابن منظور القيسي الأندلسي (ت:750هـ)
7. وكتاب "الدر النظيم في خواصّ القرآن العظيم" لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت:768هـ) وكان صوفيّاً أشعرياً متعصّبا، ومبالغاً في تعظيم ابن عربي وعلومه، وكانت الصوفيّة في زمانه تعظّمه وتقدّمه، وكتابه هذا قد أكثر فيه من الموضوعات والأباطيل، وذكر فيه تقاسيم وجداول وأوفاق، وتراسيم يذكرها لقضاء الحاجات؛ كلّها بواطيل تدلّ على اعتمادهم على طرق السحر وتلبيس صناعتهم لباس خواصّ القرآن وأسراره.

وكتب الصوفيّة في هذا الباب كثيرة، والمقصود التنبيه على باطلها بذكر أمثلة منها؛ فليحذرها طلاب العلم، وليحذّروا من اغترّ بها.
وما يذكرونه مما يُحذّر منه في هذا الباب على صنفين:
1. صنف حقيقته سحر وتقرّب إلى الشياطين بأعمال بدعية، ورسوم وأحوال وهيئات، واستغاثات وعزائم.
2. وصنف دعاوى مجرّدة، وكذب على الصالحين بذكر تجارب مزعومة، ودعاوى متوهّمة.
ومن ذلك ما ذُكر عن ابن منظور القيسي في خواصّ قوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} أنه نسب إلى ابن الجوزي رحمه الله أن من خواصّها أنها تُقرأ عند شراء البطّيخ، فمن أراد ذلك فليقرأها سراً وهو يقلب البطيخ فإنه يرشد إلى طيب ما فيها، فإذا أراد أكلها قرأ عليها عند شقها بالسكين {فذبحوها وما كادوا يفعلون} فإنه يجدها طيبة إن شاء الله تعالى.
فهذا كذب بيّن على ابن الجوزيّ رحمه الله.

وقد كتب في هذا الباب من غير الصوفية مَن خلط فيه وأساء، وجمع فيه ما يجمع حاطب الليل من الغثّ والسمين، والضعيف والصحيح، والباطل المكذوب، والحكايات البليدة التي تلوح عليها أمارات الكذب والاختلاق.
ومنهم من يأتي بدعاوى منكَرة كما قال الشاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي في كتابه "الفوز الكبير في أصول التفسير": (تكلمت طائفة من المتقدمين في خواص القرآن من ناحيتين: إحداهما ما يشبه الدعاء، والثانية ما يشبه السحر، أعوذ بالله منه، ولكنَّ الله تعالى فتح على الفقير باباً وراء ما نُقل من خواصّ القرآن، وألقى في حجري الأسماء الحسنى والآيات العظمى والأدعية المباركة مرة واحدة، وقال: إنها عطاؤنا للتصريف، إلا أن كل آية واسم ودعاء مشروط بشروط لا تضبطها قاعدة من القواعد، بل قاعدتها انتظار عالم الغيب، كما يكون في حالة الاستخارة، حتى ينظر بأي آية أو اسم يشار عليه من عالم الغيب ثم يتلو الآية أو الاسم على طريق من الطرائق المعلومة لدى أهل هذا الفن)ا.ه.
وكلام الدهلوي هذا ضرب من الجهل والغلو في هذا الباب، ودعواه هذه منكرة جداً،
وهو وإن لم يكن معدودا من الصوفية، بل ذكر عنه ما يدل على منابذتهم والتحذير منهم وإصلاح ما أفسدوه في بلاد الهند إلا أنّه لم يسلم من التأثّر بهم في بعض الأبواب، فكلامه فيها مضطرب غير مقبول.
وإنما أوردته للتنبيه على أنّ بعض ما يكتب في هذا الباب غلوّ وابتداع حتى يُحذر مما يُكتب باسم "خواصّ القرآن" جهلاً وتخليطاً أو تمويهاً وتلبيساً، وحقيقته
لغو وتضليل، أو سحر وتدجيل.

***
اللهمّ اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، ووفّقنا لاتّباع رضوانك، ومنّ علينا بفضلك وإحسانك، وأصلح لنا شؤوننا كلها، لا إله إلا أنت.
وصلى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين). [بيان فضل القرآن:179 - 183]

رد مع اقتباس