عرض مشاركة واحدة
  #30  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 12:56 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 393
افتراضي

ما هو شر الحاسد؟

وههنا مسألة مهمة تتعلق بتفسير الآية: وهي ما هو شر الحاسد؟
والخلاصة: أن شر الحاسد على نوعين:
النوع الأول: شر نفسه وشر عينه، قال قتادة في تفسير قول الله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} قال: (من شرّ عينه ونفسه).
والفرق بين النفس والعين هنا أن العين: ما كان عن معاينة وحضور، فيصيبه بعينه بإذن الله فيؤثر فيه ذلك.
والنفس: هي تعلّق نفس الحاسد بالنعمة التي لدى المحسود فيؤثر فيها ذلك بإذن الله.
النوع الثاني: ما ينشأ عن الحسد من الكيد والبغي وقول السوء بل ربما يصل الأمر ببعض الحسدة إلى استعمال السحر والعياذ بالله للإضرار بالمحسود؛ فهذا كله من شر الحاسد.
وهذا الشر قد يكون في حَجْب ما ينفع المحسود، وقد يكون في جَلْب ما يضرّه، وكل ذلك من الحسد.
فبعض الحسدة إذا ذكر عنده من يراد نفعه بشيء اجتهد في صرف ذلك النفع عنه حسداً وبغياً، وهو قد لا يسعى في الأذية والنكاية المباشرة وجلب الضرر، لكنه لا يودّ أن ينال هذا المحسود ما استحسنه من الخير.
وبعض الحسدة يجاوز هذا إلى إرادة الإضرار والاجتهاد في إيقاع الأذى بما يستطيع من الوسائل والعياذ بالله.
وأنت إذا تأملت هذا وجدت أن الحُسَّادَ على درجات وأنواع كثيرة في حسدهم.
والاستعاذة بالله من شر الحاسد تشتمل على هذه الأنواع كلها: من شر نفسه وعينه، ومن شر بغيه وكيده، ومن شر سعيه في صرف الخير أو جلب الضر.
وإذا كانت استعاذة العبد بالله من شر الحاسد استعاذة صحيحة فإن الله يعيذه، ولا بدّ، لأن الله قد أمر بالاستعاذة به من شر الحاسد إذا حسد، وهذا يتضمن وعده جلّ وعلا بالإعاذة، والله تعالى لا يُخلف الميعاد، وإنما يؤتى العبد من قبل نفسه، ولذلك كان بعض السلف يقولون: (إنا لا نحمل همّ الإجابة، وإنما نحمل همّ الدعاء).
نسأل الله تعالى أن يعيذنا جميعاً من شرور أنفسنا، ومن شرور أهل الحسد.
قال ابن جرير: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شر كل حاسد إذا حسد؛ فعانه أو سحره، أو بغاه سوءاً).

وبعض المعتزلة خرجوا بقولين في هذه المسألة وهي مسألة المراد بشر الحاسد:
القول الأول: شر كيده وبغيه.
والقول الثاني: شر إثمه وسماجة حاله ورأيه، وقبح ما أظهر من الحسد.
وهذان القولان ذكرهما الزمخشري في تفسيره، وسبب ذلك أن المعتزلة ينكرون الإصابة بالعين والنفس.
فقولهم الأول حقّ وهو جزء من المعنى المراد، لكن لا يُقصر عليه.
وأما قولهم الثاني فإنا وإن كنا لا ننكر أن الحاسد آثم وأنَّ عمله قبيح وحالَه سمجة بالحسد إلا أننا نرى أن هذا شر قاصر على الحاسد لا يتعدّى لغيره؛ والمناسب في هذه الحال هو سؤال العافية مما ابتلي به لا الاستعاذة منه.
والآية دلت على أن شر الحاسد متعدٍّ غيرِ قاصر.

رد مع اقتباس