عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 17 ربيع الأول 1432هـ/20-02-2011م, 02:42 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,007
افتراضي تصدير الأستاذ محمود شاكر رحمه الله

  • تنبيه: المادة العلمية تحت المراجعة.
تصدير
بقلم الأستاذ: محمود محمد شاكر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده لا شريك له، أنزل الكتاب بالحق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصلى الله على خيرته من خلقه، محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وترك الناس على المحجة الواضحة بنور القرآن الذي لا يخبو نوره، وضياء السنة التي لا يخفت ضياؤها.
وبعد:
فماذا يقول القائل في عمل قام به فرد واحد، لو قامت عليه جماعة لكان لها مفخرة باقية؟ فمن التواضع أن يسمى هذا العمل الذي يعرضه عليك هذا الكتاب «معجمًا نحويًا صرفيًا للقرآن العظيم».
فمعلوم أن جل اعتماد المعاجم قائم على الحصر والترتيب.
أما هذا الكتاب، فالحصر والترتيب مجرد صورة مخططة يعتمد عليها.
أما القاعدة العظمى التي يقوم عليها، فهي معرفة واسعة مستوعبة تامة لدقائق علم النحو، وعلم الصرف، وعلم اختلاف الأساليب.
ولولا هذه المعرفة لم يتيسر لصاحبه أن يوقع في حصره من حروف المعاني وتصاريف اللغة على أبوابها من علم النحو، وعلم الصرف، وعلم أساليب اللغة.
وهذا العمل الجليل الذي تولاه أستاذنا الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة والذي أفنى فيه خمسة وعشرين عامًا طوالاً، والذي يعرض عليك منه هذا القسم الأول إنما هو جزء من عمل ضخم لم يسبقه إليه أحد، ولا أظن أن أحدًا من أهل زماننا كان قادرًا عليه بمفرده، فإن الشيخ قد أوتي جلدًا وصبرًا معرفة، وأمانة في الإطلاع، ودقة في التحري لم أجدها متوافرة لكثيرة ممن عرفت.
وحروف المعاني التي يتناولها هذا القسم الأول من جمهرة علم القرآن العظيم ([1])، أصعب أبواب هذه الجمهرة؛ لكثرتها وتداخل معانيها. فقل أن تخلو آية من القرآن العظيم من حرف من حروف المعاني.
أما المشقة العظيمة، فهي في وجوه اختلاف مواقع هذه الحروف من الجمل؛ ثم اختلاف معانيها باختلاف مواقعها، ثم ملاحظة الفروق الدقيقة التي يقتضيها هذا الاختلاف في دلالته المؤثرة في معاني الآيات وهذا وحده أساس علم جليل من علوم القرآن العظيم.
وسترى في هذا القسم العمل المتقن الذي تولاه أستاذنا الجليل، مواضع كثيرة من الاستدراك على النحاة منذ سيبويه إلى ابن هشام ولكن ليس معنى هذا أن نبخس الشيوخ الأوائل نصيبهم من التفوق الهائل الذي يذهل العقول، ولكن معناه أن الأساس الذي أسسوه في أزمنتهم المتطاولة كان ينقصه هذا الحصر الدقيق لكل ما في القرآن العظيم من حروف المعاني، وكان هذا الحصر خارجًا يومئذ عن طاقتهم، فإن الذي أعان عليه هو الطباعة التي استحدثت في زماننا. والناظر في كتب القدماء لا يخطئه أن يرى أنهم قاموا بحصر غير تام، بيد أن هذا القدر الذي قاموا به هو في ذاته عمل فوق الجليل وفوق الطاقة.
ويظن أستاذنا الشيخ عضيمة أن الأوائل قد شغلهم الشعر عن النظر في شواهد القرآن العظيم، وأظن أن الذي تولاه أستاذنا من حصر هذه الأشياء في القرآن العظيم، وتنزيلها في منازلها من أبواب علم النحو وعلم الصرف، وعلم أساليب اللغة، مقدمة فائقة الدلالة، لعمل خر ينبغي أن تتولاه جماعة منظمة في حصر ما في الشعر الجاهلي والإسلامي من حروف المعاني، ومن تصاريف اللغة، ومن اختلاف الأساليب ودلالتها. والذي ظن الأستاذ أن القدماء قد فرغوا هممهم له، هو في الحقيقة ناقصٌ يحتاج إلى تمامٍ، وتمامه أن يهيء الله للناس من يقوم لهم في الشعر بمثل ما قام به هو في القرآن العظيم.
وإذا تم هذا كما أتم الشيخ عمله في القرآن العظيم، فعسى أن يكون قد حان الحين للنظر في «إعجاز القرآن» نظرًا جديدًا، لا يتيسر للناس إلا بعد أن يتم تحليل اللغة تحليلاً دقيقًا قائمًا على حصر الوجوه المختلفة لكل حرف من حروف المعاني، وتصاريف اللغة. لأن هذه الحروف وهذه التصاريف، تؤثر في المعاني، وتؤثر في الأساليب، وتحدد الفروق الدقيقة بين عبارة وعبارة وأثرها في النفس الإنسانية وأثر النفس الإنسانية فيها، وفي دلالاتها.
وإذا كان أستاذنا الجليل قد تواضع فظن أنه قد وضع أساسًا علميًا ثابتًا للحكم على أساليب القرآن، وموقعها من النحو والصرف، فإني أظن أنه قد فات ذلك وسبقه، فهيأ لنا أساسًا جديدًا للنظر في «إعجاز القرآن» نظرة جديدة تخرجه من الحيز القديم، إلى حيز جديد يعين على إنشاء «علم بلاغة» مستحدث. فإنه مهما اختلف المختلفون في شأن «البلاغة» فالذي لا يمكن أن يدخله الاختلاف هو أن تركيب الكلام على أصول النحو والصرف، هو الذي يحدث في كلام ما ميزة يفوق بها كلامًا آخر. وهذا لا يتيسر معرفته إلا بتحليل اللغة وتحليل مفرداتها وأدواتها، وروابطها، التي هي حروف المعاني، عمل لا ينتهي فيه إلى غاية، إلا بعد الحصر التام للغة وتصاريفها، ولا سيما حروف المعاني، وبعد معرفة أثر هذه الفروق في تفضيل كلام على كلام.
والشيخ – حفظه الله – لم يترك مجالاً للاستدراك على عمله العظيم، فكل ما أستطيع أن أقوله، إنما هو ثناء مستخرج من عمل يثنى على نفسه، ولكن بقى ما نتهاداه في هذه الحياة الدنيا، وهو أن أدعو الله له بالتوفيق، وأن يزيده من فضله، وأن يعينه على إتمام ما بدأ، وأن يجعل هذا العمل ذخيرة له يوم لا ينفع مال ولا بنون.
محمود محمد شاكر
20 من جمادى الآخرة سنة 1392
31 من يوليو سنة 1972



([1]) «الجمهرة» هذه اللفظة وضعتها لما نسميه في هذا الزمان «دائرة المعارف» أو «الموسوعة».


رد مع اقتباس