عرض مشاركة واحدة
  #25  
قديم 6 ربيع الثاني 1438هـ/4-01-2017م, 02:00 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,008
افتراضي

(25) الابتلاء بالحسد
إذا حاسب المحسود نفسه، ورجا أنّه قد عوفي من أسباب العقوبة التي سبق التنبيه عليها؛ فليعلم أن هذا الحسد ابتلاء له؛ وقد ابتلي به الأنبياء والصالحون قبله، وليعلم أنّ الله تعالى لم يقدّر عليه هذا الابتلاء إلا لحكمة بالغة؛ فلتكن عنايته متّجه لفقه مقصد الابتلاء، واتّباع الهدى الذي يريد الله تعالى منه أن يتّبعه.
وكلّ بلاء يُبتلى به المؤمن يصاحبه أمران:
الأمر الأول: بيان الهدى من الله فيما يجب على العبد أن يفعله، وما يجب أن يتقيه ويتجنَّبه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قال الشافعي : (فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها).
فمن اتّبع الهدى كانت عاقبته حسنة في الدنيا والآخرة، وكان ذلك البلاء كفارة لسيئاته ورفعة في درجاته، فيأتيه من الخير بسبب ذلك البلاء ما لم يكن يخطر له على بال.
والأمر الثاني: اللطف والتيسير والإعانة من الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ولن يغلب عسر يسرين، وأول التيسير أن يعلم أنه لا ينزل بعبد مؤمن بلاء إلا كان بعده فرج؛ فهذا اليقين المعتمد على حسن الظن بالله والتصديق بوعده ورجائه عبادة عظيمة من أجل العبادات، وهو في هذا يدافع وساوس الشيطان وما يلقيه في نفسه من الخواطر الرديئة والتيئيس من رحمة الله والتشكيك في صدق وعده؛ فيكون المؤمن في حال ابتلائه مجاهداً صابراً راجياً ربه.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين). رواه الإمام مالك في الموطأ.
وقال الشاعر:

وكل شديدة نزلت بحي سيأتي بعد شدتها رخاء
وفي صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي قال: قال رسول الله : ((عجباً لأمر المؤمن أن أمره كله له خيرٌ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)).
وتأملوا قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ ولم يقل (علينا) وفي هذا دليل على أن كل ما يصيب المؤمن فهو له وليس عليه، وذلك إذا اتبع هدى الله.
ومن تأمل أوجه اللطف فيما يتعرض له من البلاء علم حقيقة هذا الأمر.
وبهذا يعلم المؤمن أن كل قضاء يقضيه الله له فهو خير له، وليس ذلك إلا للمؤمن والله تعالى عليم حكيم في قضائه وقدره وتدبيره.
أما إذا خالف هدى الله فإنه يستحق من العقوبة بقدر ما خالف وضعف إيمانه.


التوقيع :

رد مع اقتباس