عرض مشاركة واحدة
  #21  
قديم 6 ربيع الثاني 1438هـ/4-01-2017م, 01:59 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,330
افتراضي

(21) كيف يعالج الحاسد نفسه
الحسد داء خطير، ويجب على من وجد في نفسه شيئاً من الحسد أن يسعى لخلاص نفسه من شرّه وإثمه حتى يتعافى منه ومن آثاره السيئة على دينه ونفسه وحياته.
والحاسد يُوصى بأمور قائمة على الأصلين المتقدمين للتعافي مما يجده في نفسه من الحسد:
1: العلم بقبح الحسد وخطره، وضرره عليه في دينه ودنياه، وأنه لا يجدي عليه شيئاً، بل يضرّه ولا ينفعه؛ وأنّه بحسده لغيره ينفع المحسود ولا يضرّه، لأنّه ظالم معتدٍ، والمحسود مظلوم موعود بالنصر وإجابة الدعاء، وأنّه بحسده إنما يتعرّض لسخط الله وعقوبته؛ وكثيراً ما يعاقب الحاسد على حسده بحرمان بعض النعم، وحلول بعض النقم، وبمحق البركة، وضيق النفس، وكدر العيش.
فمن أيقن بهذه الأمور أدرك أنه يجب عليه أن يتخلّص من الحسد، وأن يجتهد في البراءة منه.
قال ابن سيرين: (ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة؛ فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار).
2: معالجة الأسباب التي دعته إلى الحسد؛ وأهمّها ازدراء المحسودين، وإعجابه بنفسه؛ وهذا يدعوه إلى التفكّر في نفسه، والتبصّر بعللها، وإصلاح خللها، والاشتغال بعيبه عن عيوب الناس، وبتكميل نفسه عن تنقّصهم، وليعلم أن العجب داء مهلك يحمل صاحبه على الكبر والحسد، ويعرّضه لسخط الله وعقوبته، ولا ينصّب نفسه حكما على الناس، وقيّما على ما يصلح أن يُعطَوا من النعم وما لا يصلح لهم؛ فإنّ هذا من خصائص ربوبية الله تعالى لخلقه، ومن نازع الله في ربوبيته ولم يؤمن بحكمته تعرّض لمقته ونقمته، وليعلم أنّ لله أسراراً في قضائه وقدره، وحكماً بالغة لا يدركها كثير من خلقه، وأن كثيراً من الظواهر تحتها بواطن لا يعلمها، وكم من إنسان له سريرة خير يحبّها الله ويرفعه بها درجات وهو فيما يرى الناس ليس بكثير صلاة ولا صوم ولا صدقة.

3: غمّ خواطر الحسد في القلب ، وعدم إظهارها، فهذا من إنكار المنكر بالقلب، وهو منكر نفسه، وأولى ما يجاهد المرء نفسه؛ فمن أنكر خواطر الحسد؛ فهو مجاهد لنفسه مأجور على جهاده، ولا تضرّه هذه الخواطر.
قال الحسن البصري: (غُمّوا هذا الحسد بينكم؛ فإنّه من الشيطان، وإنّه ما من أحد إلا وهو يعرض له منه شيء، وإنّه ليس بضائر عبداً ما لم يعدُ بلسان أو يد). رواه وكيع وهناد عن الحسن مرسلاً، وروي عنه من قوله، ولعله الصواب.
ومن وقي شرّ هذه الخواطر استراح مما كان سيترتب عليها لو استرسل معها، وأما من أطلق لنفسه العنان في الحسد، وإذا رأى ما يعجبه من النعم حسد أصحابها، فإن القوة الحاسدة تنمو لديه بكثرة ما يمرّنها عليه حتى تعظم ويعظم أثرها؛ فيكون حسوداً كثير الحسد شديد الأذى.
4: الدعاء للمحسود بالبركة ، وهذا الأمر يحتاج فيه العبد إلى مجاهدة نفسه في أوّل الأمر؛ ثم يسهل عليه بعد ذلك، فإنّه لا يدعو لأخيه بدعوة إلا قال له الملك: ولك بمثل، وهذا الدعاء للمحسود من أعظم ما يطهر به المرء قلبه من الحسد، ويقطع به كيد الشيطان، وخواطر النفس الرديئة، فدعاء المسلم لأخيه من أعظم ما يغيظ الشيطان، ويحمله على قطع التسبب فيه، وأمّا من استرسل مع الحسد وكبر على نفسه أن يدعو للمحسود فقد أبان للشيطان ضعف نفسه وفتح له باب الاجتهاد في التسلط عليه؛ فلا يزال يخطر بقلبه خواطر الحسد حتى يعظم حسده ويشتد، وتسوء حاله، ويستفحل داؤه.
والدعاء للمحسود بالبركة يمنع الإصابة بالعين الحاسدة بإذن الله، وبذلك يحجز شرَّه وعدوانه عن المحسود؛ فيسلم من خطر كبير.
5: سؤال الله من فضله، فكلما عرضت له نعمة يخطر بخاطره حسد صاحبها؛ فليتوجّه إلى الله بالدعاء وسؤاله من فضله؛ فإنّ عطاء الله واسع، والله تعالى قادر على أن يرزقه ما هو خير له من النعمة التي رآها على من أمرته نفسه بحسده.
ومن أكثر من سؤال الله من فضله كلما خطرت له خاطرة حسد رُجي له أن يسلّمه الله من الحسد وينجّيه، ويفتح الله له من أبواب فضله ما يغنيه.

6: تجنّب العمل بما يمليه عليه حسده من قول أو فعل للسعي في مضرّة المحسود، أو دفع الخير عنه، وهذا من تقوى الله عزّ وجلّ، وكفّ النفس عن الظلم والبغي والعدوان، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.
ويُروى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا ظننتم فلا تحقوا، وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله توكلوا).رواه ابن عدي في الكامل، وصححه الألباني بشواهده.

7: تجنّب ما يهيّج الحسد، ويثيره في النفس ، ومن أحسن ما تعالج به النفس التي فيها نوازع الحسد مجالسة المساكين والتقلل من مجالسة من تثير مجالستهم الحسد في النفس حتى يذهب ما فيها من العلة، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة ما علّمه ربّه جلّ وعلا في الحديث القدسي: (قل يا محمد إذا صليت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة، أن تقبضني إليك غير مفتون). رواه أحمد من حديث معاذ بن جبل، وحديث ابن عباس.
قال عون بن عبد الله:( كنت أجالس الأغنياء فكنت من أكثر الناس هما وأكثرهم غما، أرى مركبا خيرا من مركبي، وثوبا خيرا من ثوبي فأهتم، فجالست الفقراء فاسترحت).

8: وخاتمة هذه الوصايا وأعظمها نفعاً، الانطراح بين يدي الله، وصدق الالتجاء إليه، وسؤاله الخلاص من أسباب سخطه وعقابه، والنجاة من فتنة الدنيا، ومن أوى إلى الله آواه الله، ومن التجأ إليه حماه، ومن استهداه هداه، ومن استكفاه كفاه.
ومما يهوّن ذلك عليه أن تكون الآخرة هي أكبر همّه؛ فإنّ كثرة ذكر الموت والدار الآخرة وعواقب الأمور تذهب الحسد من القلب، قال أبو الدرداء: «من أكثر من ذكر الموت قل حسده وقل فرحه» رواه ابن المبارك وابن أبي شيبة.


التوقيع :
رد مع اقتباس