عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 6 ربيع الثاني 1438هـ/4-01-2017م, 01:57 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,008
افتراضي

(17) معنى التقييد بإذا في قول الله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد}
الحسد إذا بقي كامناً في النفس لا يصحبه فعل ولا قول ولم يكن بسببه إصابة بعين فإنّه لا يضرّ المحسود؛ فشرّ الحاسد يكون إذا حسد؛ أي عمل بحسده فكاد المحسود وسعى في مضرته أو تكلم فيه بسوء ليصرف عنه شيئاً من الخير أو يجلب عليه شيئاً من الضرر أو انبعثت منه عين حاسدة فهنا يكون شرّ الحاسد متعدياً؛ فيستعاذ بالله من شرّه.
فأظهر الأقوال في معنى التقييد بالظرف في قوله تعالى: {إذا حسد} هو ما تقدم من العمل بالحسد سواء أكان العمل قلبياً أم بالجوارح أم بإصابة بالعين الحاسدة.
وقد عبّر ابن القيم عن هذا المعنى تعبيراً حسناً فقال: (قد يكون الرجل في طبعه الحسد، وهو غافل عن المحسود لاهٍ عنه، فإذا خطر على ذِكْرِه وقلبه انبعثت نار الحسد من قلبه إليه، ووَجّهت إليه سهامَ الحسد من قِبَله، فيتأذى المحسود بمجرّد ذلك) ا.هـ.
وبنحو هذا القول قال جماعة من المفسرين.
وهذا كما يقال في المرأة: هي مرضع؛ أي إذا كان لها ولد في سِنّ الرَّضاع ، ولها ما ترضعه به .
ويقال: هي مرضعة، إذا كانت تُرضِع بالفعل، فالصفة الأولى للقدرة على الفعل وقابلية الاتصاف به، والصفة الثانية للفعل نفسه.
ولذلك تسمّى المرأة مرضعاً وإن لم تكن ترضع في الحال.
قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها}
فالمرضعة هي التي ترضع ولدها بالفعل فهو يلتقم ثديها، إذا رأت الساعة ذهلت عن رضيعها.
وهكذا الحاسد، حسده كامن في نفسه، فإذا رأى النعمة على غيره ظهر هذا الحسد، وخرج من نفسه وعينه سهام مسمومة على المحسود فتؤثر فيه بإذن الله، ومنهم من يحمله الحسد على الكيد والبغي.
وأما من يكون في نفسه وطبعه حسد كامن وإذا رأى ما يعجبه من النعمة على غيره دعا للمنعم عليه بالبركة واستعاذ بالله من شر نفسه، فإن حسده لا يضره ولا يضر صاحب النعمة، ومن كان كذلك في معاملة نفسه بكفّها عن الحسد، بالدعاء بالبركة وسؤال الله من فضله؛ فإن صفة الحسد تضعف عنده حتى تضمحلّ، ويحلّ محلها إرادة الخير للناس ومحبة نفعهم ، فيكون سليم الصدر طيب القلب ، لا يحسد ولا يحقد.


التوقيع :
رد مع اقتباس