عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 6 ربيع الثاني 1438هـ/4-01-2017م, 01:57 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,321
افتراضي


(15) فضل من لا يحسد
قال الله تعالى في ثنائه على الأنصار بصفة من الصفات التي أحبّها الله جلّ وعلا فيهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)}
فهم لا يجدون في صدورهم شيئاً من الغل والحسد مما أوتي المهاجرين، بل يحبّونهم ويؤثرونهم على أنفسهم من صدقهم مع الله تعالى ويقينهم بفضله وثوابه، ولمحبّتهم من هاجر إليهم من إخوانهم المسلمين.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته ماء من وضوئه معلق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاصي فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليال، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت، فقال: نعم، قال أنس: فكان عبد الله بن عمرو بن العاصي يحدث أنه بات معه ليلة أو ثلاث ليال، فلم يره يقوم من الليل بشيء، غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء، قال عبد الله: غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليال كدت أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت تلك الثلاث مرات، فأردت آوي إليك فأنظر عملك، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فانصرفت عنه، فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلا لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه، قال عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق). رواه أحمد والنسائي.
قال ابن تيمية: ( فقول عبد الله بن عمرو له: "هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق" يشير إلى خلوه وسلامته من جميع أنواع الحسد).
- وروى ابن وهب بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ( تعجل إلى ربه موسى فرأى عبدا فغبطه بمنزلته من العرش، فقال: " يا رب، من عبدك هذا؟ فقال: إذا سنخبرك من عمله بثلاث: " كان لا يحسد ناسا على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يمشي بين الناس بالنميمة، وكان لا يعق والديه).

فسلامة الصدر من الحسد من أسباب محبّة الله تعالى للعبد وتقريبه له، وإنعامه عليه.
ومحبةُ الله تعالى للعبد لها آثار مباركة على حياة العبد وعمله، وإنعامُه عليه يكفيه ويغنيه عن حسد الناس، وعن اشتغال الفكر بما أنعم الله به عليهم، وأعظم النعم اليقين والبصيرة في الدين والعافية من المآثم وعقوباتها.
وأول ثواب الذي لا يحسد سلامته من آثار الحسد المضرّة بالنفس والقلب والدين، والمورثة للهمّ والحسرة والضيق، فالذي لا يحسد في عافية من ذلك، فهو منشرح الصدر، مرتاح البال، مطمئنّ القلب لسعة فضل الله وعطائه، موقن بكفايته ورعايته، يحبّ الخير لإخوانه المسلمين كما يحبّه لنفسه ، وهذه المحبة تفتح له أبواباً من الخير يغلقها الحسود عن نفسه.


التوقيع :
رد مع اقتباس