عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 14 ربيع الثاني 1435هـ/14-02-2014م, 12:33 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي

نسخ الحكم قبل العمل به

قال مَكِّيُّ بنُ أبي طالبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ) : (ومن ذلك أن تعلم أن نسخ الشيء قبل فعله جائز:
كنسخ الله –عز وجل- للذبح عن الذبيح بذبح كبشٍ قبل الذبح الذي أمر الله به إبراهيم.
وكفرض الصدقة قبل مناجاة الرسول –عليه السلام- ثم نسخه قبل العمل به وقد قيل إن عليًا –رضي الله عنه- عمل به وحده ثم نسخ.
وكفرض الله –عز وجل- على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى أمته خمسين صلاةً ثم نسخت وردّت إلى خمس صلوات قبل العمل بها.

وقد منع بعض الناس النسخ قبل العمل وقال: هو بداء، ولا يجوز على الله البداء؛ لأنه رأي يظهر ويتعالى الله عن ذلك. وتأول في قصة الذبح أن الذي رأى إبراهيم في منامه هو الذي فعل من الإضجاع وأخذ السكين وجرها، ولم ير نفس الذبح بعينه، ولذلك قال الله: {قد صدقت الرؤيا}، أي فعلت ما رأيت.
ولو رأى نفس الذبح وحقيقته في رؤياه لما قال الله تعالى: {صدقت الرؤيا} لأنه لم يفعل ذبحًا حقيقيًا موجودًا، إنما فعل ما يؤدي إلى الذبح، وهو ما رأى في منامه، لا الذبح بعينه).
[الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه:116]
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (وقوع النسخ صحيحا جائزا إذا عمل بالحكم ثم نسخ بعد ذلك
فصلٌ: واتّفق العلماء على أنّ الحكم المأمور به إذا عمل به ثمّ نسخ بعد ذلك أنّ النّسخ يقع صحيحًا جائزًا. واختلفوا هل يجوز نسخ الحكم قبل العمل به فظاهر كلام أحمد: جواز ذلك وهو اختيار عامّة أصحابنا وكان أبو الحسن
التّميميّ يقول: لا يجوز ذلك وهو قول أصحاب أبي حنيفة.
واحتجّ الأوّلون بأنّ اللّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ثمّ نسخ ذلك بالفداء قبل فعله وأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فرض عليه وعلى أمّته ليلة المعراج خمسون صلاةً ثمّ نسخ ذلك بخمس صلواتٍ ومن جهة المعنى: فإنّ الأمر بالشّيء يقع فيه تكليف الإيمان به والاعتقاد له، ثمّ تكليف العزم على فعله في الزّمان الّذي عين له ثم إذا فعله على الوجه المأمور به، فجاز أن ينسخ قبل الأداء، لأنّه لم يفقد من لوازمه غير الفعل، والنّيّة نائبةٌ عنه.
واحتجّ من منع من ذلك، بأنّ اللّه تعالى إنّما يأمر عباده بالعبادة، لكونها حسنةً فإذا أسقطها قبل فعلها، خرجت عن كونها حسنةً وخروجها قبل الفعل يؤدّي إلى البداء وهذا كلامٌ مردودٌ بما بيّنّا من الإيمان والامتثال. والعزم يكفي في تحصيل المقصود، من التكليف بالعبادة) .[نواسخ القرآن:102- 104]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (التنبيه الثالث: في تقسيم القرآن على ضروب من وجه آخر.
قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب:
الأول: نسخ المأمور به قبل امتثاله وهذا الضرب هو النسخ على الحقيقة كأمر الخليل بذبح ولده وكقوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} الآية [المجادلة: 12] ثم نسخه سبحانه بقوله: {أَأَشْفَقْتُمْ} الآية [المجادلة: 13].
الثاني: ويسمى نسخا تجوزا وهو ما أوجبه الله على من قبلنا كحتم القصاص، ولذلك قال عقب تشريع الدية: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} الآية [البقرة: 178] وكذلك ما أمرنا الله به أمرا إجماليا ثم نسخ كنسخه التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة فإن ذلك كان واجبا علينا من قضية أمره باتباع الأنبياء قبله وكنسخ صوم يوم عاشوراء برمضان.
الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون لقاء الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجاب لذلك وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسء كما قال تعالى: {أَوْ نُنْسِئُهَا} الآية [البقرة: 106] فالمنسأ: هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى.
وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا وإلى هذا أشار الشافعي في الرسالة إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الرأفة ثم ورد الإذن فيه فلم يجعله منسوخا بل من باب زوال الحكم لزوال علته حتى لو فاجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي.
ومن هذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية [المائدة: 105] كان ذلك في ابتداء الأمر فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمقاتلة عليه ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ))، عاد الحكم وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فإذا رأيت هوى متبعا وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك)).
وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ضعفه ما يليق بتلك الحال رأفة بمن تبعه ورحمة إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة فلما أعز الله الإسلام وأظهره ونصره أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالإسلام أو بأداء الجزية إن كانوا أهل كتاب أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب.
ويعود هذان الحكمان أعني المسألة عند الضعف والمسايفة عند القوة بعود سببهما وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة بل كل منهما يجب امتثاله في وقته ). [البرهان في علوم القرآن:41-4/43]

قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت: 911هـ): (الرابعة: النسخ أقسام:
أحدها: نسخ المأمور به قبل امتثاله وهو النسخ على الحقيقة كآية النجوى.
الثاني: ما نسخ مما كان شرعا لمن قبلنا كآية شرع القصاص والديه أو كان أمر به أمرا جمليا كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة وصوم عاشوراء برمضان وإنما يسمى هذا نسخا تجوزا.
الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح، ثم نسخ بإيجاب القتال وهذا في الحقيقة ليس نسخا، بل هو من قسم المنسأ كما، قال تعالى: {أو ننسأها} الآية [البقرة: 106]، فالمنسأ: هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ أنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله.
وقال مكي: ذكر جماعة أن ما ورد في الخطاب مشعر بالتوقيت والغاية، مثل قوله في البقرة: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} الآية [البقرة: 109]، محكم غير منسوخ؛ لأنه مؤجل بأجل والمؤجل بأجل لا نسخ فيه ). [الإتقان في علوم القرآن: 4/1438]

ما عمل به واحد

قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت: 911هـ): (النوع الرابع والستون: ما عَمِل به واحد ثم نسخ
هو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول..} الآية [المجادلة: 12] قال ابن عطية: قال جماعة: لم يُعمل بهذه الآية بل نسخ حكمها قبل العمل.
وصح عن علي أنه قال: (ما عمل بهذه الآية أحد غيري ولا يعمل بها أحد بعدي). رواه الحاكم وصححه وفيه: (كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت: {أأشفقتم...} الآية [المجادلة: 13] ).
وروى الترمذي عنه قال: (لما نزلت هذه الآية قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما ترى دينار؟)). قلت: لا يطيقونه، قال: ((فنصف دينار))، قلت: لا يطيقونه، قال: ((فكم؟)) قلت: شعيرة، قال: ((إنك لزهيد))، فنزلت: {أأشفقتم...} الآية [المجادلة: 12]، قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة)
قال مقاتل: بقي هذا الحكم عشرة أيام، وقال قتادة: ساعة من نهار، قلت: الظاهر قول قتادة كما لا يخفى).
[التحبير في علم التفسير: 261-262]


رد مع اقتباس