عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 12 ربيع الثاني 1435هـ/12-02-2014م, 07:13 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي

الفرق بين حقيقة النسخ وحقيقة التخصيص والاستثناء

قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ) : (باب الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء
اعلم أن النسخ والتخصيص والاستثناء يجتمعن في معنى أنها كلها لإزالة حكم متقدم قبلها، ويفترقن في معانٍ أخر.
والنسخ: إزالة حكم المنسوخ كله بغير حرف متوسطٍ، ببدل حكم آخر أو بغير بدل في وقت معين. فهو بيان الأزمان التي انتهى إليها العمل بالفرض الأول ومنها ابتدأ الفرض الثاني الناسخ للأول.
والتخصيص: إزالة بعض الحكم بغير حرف متوسط. فهو بيان الأعيان.
والاستثناء: مثل التخصيص إلا أنه لا يكون إلا بحرف متوسط، ولا يكون إلا متصلاً بالمستثنى منه.
والتخصيص: إنما يجوز على قول من أجاز تأخير البيان.
وهو أن يأتي لفظٌ ظاهره العموم لما وقع تحته، ثم يأتي لفظ
نص آخر، أو دليل، أو قرينة أو إجماع يدل على أن ذلك اللفظ الذي ظاهره عام ليس بعام. والتخصيص: إنما هو بيان اللفظ الأول أنه ليس بعام في كل ما تضمنه ظاهر اللفظ، فهو بيان الأعيان.
فهذا هو الأصل الذي يعتمد عليه في الفرق بين النسخ والتخصيص.
النسخ: بيان الأزمان التي انتهى إليها العمل بالفرض الأول وابتدأ منها الفرض الثاني.
والتخصيص: بيان الأعيان الذين عمهم اللفظ أن بعضهم غير داخل تحت ذلك اللفظ.
فالنسخ لا يكون إلا منفصلاً من المنسوخ.
والتخصيص يكون منفصلاً ومتصلاً بالمخصص.
والاستثناء لا يكون إلا متصلاً بالمستثنى منه بحرف الاستثناء.
ولا حرف للنسخ ولا للتخصيص.
وهذا الذي ذكرنا من جواز التخصيص إنما هو مبني على قول مالك وأصحابه الذين يقولون بالعموم في كل لفظٍ أتى عامًا عاريًا من قرينة تدل على تخصيصه.
وغيرهم بخلافهم في ذلك.
ومن الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء:
أن النسخ لا يكون في الأخبار.
والاستثناء والتخصيص يكونان في الأخبار.
وسنذكر هذا الفن من الأصول في غير هذا الكتاب إن شاء الله تعالى). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 85-87]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ):
(وحقيقة التخصيص والاستثناء تخالف حقيقة النسخ؛ لأن التخصيص أن يجيء اللفظ عاما والمراد بعض متناولاته، فإذا أتى ما دل على أن المراد غير ظاهر اللفظ ظهر التخصيص. وقالوا في حده: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب.
ولأن الاستثناء صيغة دالة على أن المستثنى غير داخل في الخطاب فالتخصيص قريب من معنى الاستثناء، إلا أن الاستثناء لا يكون إلا بحرف دال على إخراج المستثنى. لهذا قالوا في حده: صيغة دالة، ودلالة التخصيص إما بنص آخر، أو بإجماع، أو قرينة.
فالتخصيص نحو قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} الآية [المائدة: 5] بعد قوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} الآية [البقرة: 221] ولو كان هذا نسخا لكانت آية البقرة المراد بها الكتابيات.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: (آية المائدة ناسخة لآية البقرة).
وقال قائلون: لا يصح هذا إلا أن تكون آية البقرة في المشركات من أهل الكتاب.
وأقول: إن هذا الذي قالوه غير مستقيم؛ فإن قولنا: نسخ وتخصيص واستثناء اصطلاح وقع بعد ابن عباس، وكان ابن عباس يسمى ذلك نسخا، ولو وقع الاصطلاح على تسمية جميع ذلك نسخا، ويكون النسخ على ثلاثة اضرب لم يمتنع لاجتماع المعاني الثلاثة في الإزالة للحكم المتقدم ). [جمال القراء : 247]

أمثلة للتفريق بين النسخ والتخصيص
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) : (باب بيان النسخ والتخصيص وتمثيله
قال الله –عز وجل-: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}.
فعم هذا اللفظ بتحريم نكاح كل مشركة من كتابية وغيرها.
ثم خصص ذلك بقوله في المائدة: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} -الآية- فأحل نكاح الكتابية.
فخرج الكتابيات من عموم آية البقرة. وبقيت الآية مخصوصة في تحريم نكاح كل مشركة غير كتابية. فبين بالتخصيص الأعيان المحرمات.
ولا يكون هذا نسخًا، لأن حكم النسخ إزالة الحكم الأول بكليته. ولأن النسخ إنما هو بيان الزمان الذي انتهى إليه العمل بالفرض المنسوخ.
وليس ذلك في هذا.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (آية المائدة ناسخة لآية البقرة).
وهذا إنما يجوز على أن تكون آية البقرة يراد بها الكتابيات خاصة، حرّمن إلى وقت، ثم نسخت بآية المائدة في وقت آخر.
فبيّن الأزمان بالنسخ، وذهب الحكم الأول بكليته.
والاستثناء والتخصيص يزيلان بعض الحكم الأول، والنسخ يزيل الحكم كله؛ فاعْرفْهُ.
ويكون تحريم نكاح المشركات من غير أهل الكتاب بالسنة؛ فكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة أولى من كونها ناسخة لها؛ ليكون تحريم نكاح المشركات من غير أهل الكتاب بنص القرآن؛ فذلك ظاهر اللفظ.
- ومن هذا أيضًا قوله تعالى في سورة الشورى إخبارًا عن الملائكة: {يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض}.
فظاهر اللفظ عموم الاستغفار لكل من في الأرض.
ثم قال تعالى ذكره في سورة غافر: {ويستغفرون للذين آمنوا}.
فعلم أن آية الشورى ليست بعامة، وأن معناها: ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين.
فآية غافر خصصت آية الشورى، وبينتها أنها في بعض الأعيان دون بعض.
وقد قلنا إن التخصيص: بيان الأعيان.

وقد زعم قومٌ أن التخصيص نسخ. وليس الأمر على ذلك؛ لما بيّنا من الفرق بين النسخ والتخصيص.
وإنما يقول هذا من قال: لا عموم، ومن قال: لا يجوز تأخير البيان.
وهذه أصول تحتاج إلى بسط نذكرها –إن شاء الله في غير هذا الكتاب.
فافهم هذه المعاني التي بنى عليها أحكام النسخ والتخصيص. فبها تتحصل الأصول وتجري الأحكام على أصل ثابت.
باب:
اعلم أن هذا الذي ذكرنا من تخصيص آيةٍ لآيةٍ أخرى، إنما يجوز على قول من قال بالعموم في اللفظ المطلق –وهو مذهب مالكٍ وأصحابه-، وعلى قول من أجاز تأخير البيان.
فتكون الآية الأولى مما ذكرنا وما نذكر نزلن ولا بيان معهن يدل على المراد.
ثم نزلت الآية الثانية فبينت ما المراد بالآية الأولى.
فأما من منع تأخير البيان، وقال: لا يجوز أن يتأخر البيان.
فإنه يجعل الثانية أبدًا ناسخة للأولى؛ لأن الناسخ حقه أن يأتي بعد المنسوخ في الزمان.
وجواز النسخ في مثل هذا بعيدٌ لأنه خبرٌ والأخبار لا تنسخ. إنما تخصص وتبين ويستثنى منها.
والنسخ في هذا مروي عن وهب بن منبه وغيره.
ويدل على جواز تأخير البيان، أن هذه الآيات إذا امتنع فيها النسخ لأنها خبر وجب أن تكون مبينة ومخصصة؛ إذ لا يمتنع ذلك في الخبر. وإذا كانت مبيّنة ومخصصة بآيةٍ أخرى، وجب تأخير البيان وجوازه.
ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {فإذا قرآناه فاتّبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}. و{ثم} توجب المهلة بين الأول والثاني. فدل على جواز تأخير البيان بهذا النص.
وبين أصحاب مالكٍ في جواز تأخير البيان اختلافٌ.
ومن منعه لم يكن له بد أن يجعل آية غافر ناسخة لآية الشورى، فيجيز النسخ في الأخبار. ولا يقدر أن يدعي أن الآيات كلها نزلت في وقتٍ واحد؛ لأن المائدة نزلت بعد البقرة بسنين.
ولم يختلف أحدٌ من العلماء أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه لا يجوز.
إنما وقع الاختلاف في جواز تأخير البيان في الآية التي لم يضطر إلى معرفة بيانها في الوقت الذي نزلت فيه إلى وقت آخر. فاعرفه.
فصل من هذا الباب يزيده بيانًا
قال الله –جل ذكره-: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} -الآية-.
فظاهر هذا اللفظ العموم في كل ما عبد من دون الله، وقد عبدت الملائكة وعبد عيسى، وعبد عزير.
لكن الآية مخصصة ومبينة بقوله تعالى بعد ذلك: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} -الآيات-.
فبيّن ذلك أن الآية الأولى ليست على ظاهر عمومها في كل من عبد من دون الله تعالى. وأن معناها: وما تعبدون من دون الله ممن لم يسبق لهم من الله الحسنى.
وقد ذهب الكلبي إلى أن قوله تعالى: {إن الذين سبقت} -الآيات- نسخت قوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله} -الآية-.
وهذا لا يجوز فيه نسخٌ لأنه خبرٌ. فكلّ آية عامةٍ يجوز فيها التخصيص. وليس كل آية (عامة) يجوز فيها النسخ إذا كانت خبرًا.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها}.
فعمّ. "ثم خصّصه" بقوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون}.
فعلم أن إيجاب الورود إنما هو لمن لم يسبق له عند الله الحسنى. فهي في الكفار خاصة.
ومن هذا قوله: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} فعمّ. ثم قال: {وأقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون}.
فعلم أنه موطن لا يتساءلون فيه: وموطن آخر يتساءلون فيه، وقد بينت اختلاف الناس في هذه الآيات وما قيل فيها في كتاب "الهداية".
ومن هذا قوله: {لا تدركه الأبصار} فعمّ. ثم قال: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}.
فعلم أن الأولى في منع الإدراك (إنّما هو) في الدنيا خاصة.
ومن هذا قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}.
فعمّ بالإباحة ملك اليمين.
فدخل تحته الجمع بين الأختين من ملك اليمين ومن يحرم بالرضاع من ملك اليمين، وشبه ذلك.
ثم بيّن ذلك وخصصه بعموم قوله: {وأخواتكم من الرضاعة} وبقوله - صلى الله عليه وسلم-: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)) –(فالسنة) تخصص القرآن بلا اختلاف، لأن التخصيص بيانٌ، وقد قال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} -.
وكذلك بينه وخصصه بعموم قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف}.
فحرم ذلك كله تحريمًا عامًا، فدخل تحته ملك اليمين وغيره.
فصار قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} غير عام مخصصًا مبينًا بما ذكرنا؛ لأنها نزلت قبل آيات النساء، إذ هي مكية، والنساء مدنية، والآخر يبين الأول ويخصصه وينسخه.
وقد تأول قومٌ أن آية النساء مخصوصة في الحرائر غير عامة في غيرهن. واحتجوا بقول عثمان –رضي الله عنه- في الجمع بين الأختين من ملك اليمين: أحلتها آية، يعني: آية سورة قد أفلح، لظاهر عمومها، وحرمتها آيةٌ، يعني: آية النساء.
وروى مثله عن علي وابن عباس.
وقد احتج قومٌ في إباحة الجمع بين الأختين من ملك اليمين بقوله في النساء: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم} فعم ملك اليمين بالتحليل.
وهذا عند أهل المعاني والنظر مردودٌ إلى "المحصنات" خاصّة، فهو مخصوص غير عام.
ولو رجع ذلك على كل من تقدم من المحرمات المذكورات قبله لوجب تحليل جميع من ذكر من المحرمات إذا ملك ولم يعتق على مالكه.
ولجواز رجوع {إلا ما ملكت أيمانكم} إلى جميع ما تقدم من المحرمات، ولعموم آية قد أفلح والمعارج؛ أسقط مالك
–رحمه الله- الحد عن من اشترى ذات محرم منه ممن لا يعتق عليه فوطئ بعد علمه أو قبل علمه جاهلاً بالتحريم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)).
ولو كانت ممن يعتق عليه فلا حد عليه إن وطئ قبل العتق والعلم. وإن وطئ قيل بعد العلم حد على قول من قال: بعقد شرائه يجب العتق –وهو قول أكثر أصحاب مالك-.
ومن قال: لا يجب العتق بعقد الشراء حتى يعتق عليه السلطان أو إحداث عتقٍ منه.
فيجب على قياس قوله: أنه إن وطئ قبل عتق السلطان عليه وبعد علمه جاهلاً بالتحريم أن لا يحد، للشبهة التي في جواز عموم الآية في النساء، ولعموم آية قد أفلح والمعارج.
فإن وطئ في كل ما ذكرنا بعد علمه بالتحريم حد إذ لا عذر له.
ومن هذا الباب أيضًا قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}.
فظاهر حكم الآية ولفظها يقتضي أن كل مطلقة تعتد بثلاثة قروء – والأقراء: الأطهار – عند مالكٍ وأصحابه –وأصله: الوقت وهو يصلح للأطهار والحيض، لكن جعلها مالك للأطهار لدلائل كثيرة ليس هذا موضعًا لذكرها-.
فلما وقع لفظ الآية عامًّا بيّن الله –جل وعز- ذلك وخصصه:
فقال في سورة الطلاق: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} تم الكلام على معنى: واللائي لم يحضن كذلك عدتهن ثلاثة أشهر. وحذف الثاني لدلالة الأول عليه.
ثم قال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}.
فصارت بذلك آية البقرة غير عامة في جميع المطلقات إذ خرج منها اليائسة والتي لم تحض والحامل.
وبقيت الآية على عمومها في كل مطلقة بعدما خرج منها ما في سورة الطلاق.
فبين الله وخص مما بقي المطلقة غير المدخول بها فبين الله أنها لا عدة عليها، فقال في سورة الأحزاب: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} فخرجت التي لم يدخل بها من عموم آية البقرة.
فحصل في آية سورة البقرة تخصيصات من سورتين.
كذلك أيضًا آية سورة الطلاق عامة في كل من المطلقات اليائسات، والمطلقات اللواتي لم يحضن.
فخصصها وبينها آية الأحزاب، فبينت أن ذلك إنما هو في المدخول بها دون من لم يدخل بها.
فهذا كله تخصيص وبيان لا نسخ.
وقد قيل إن آية الطلاق غير مخصصة ولا مبينة لآية البقرة؛ لأن ذكر الأقراء في سورة البقرة يدل على أنها نزلت في ذوات الأقراء خاصة، فخرج من ذلك بظاهر نص آية البقرة اليائسة من الأقراء، والتي لم تحض، والحامل؛ لأنهن لسن في حالهن من ذوات الأقراء.
ففي آية البقرة إنما أريد بذكر الأقراء بيان ذلك، ولا تحتاج إلى أن تبينها وتخصصها في ذلك غيرها من الآي.
فبين في سورة البقرة حكم ذوات الأقراء في العدة، وبيّن في "الطلاق" حكم غير ذوات الأقراء في العدة فليس واحدة منهما تخصص الأخرى ولا تبيّنها.
فعلى هذا القول يكون في آية البقرة تخصيصٌ واحدٌ بآية الأحزاب، فثبت أن آية البقرة في المدخول بهن من النساء، وآية الأحزاب في غير المدخول بهن.
فهذا ما حفظته في هذه الآية من أقوال العلماء.
والذي عندي أن آية الأحزاب غير مخصصة لآية البقرة؛ لأنه تعالى قد قال: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن}.
فدل هذا النص على أنها في ذوات الحيض، وأنها في المدخول بها، وأنها في غير اليائسات من المحيض، فآية البقرة قائمة في حكمها غير محتاجة إلى تخصيصٍ بغيرها.
فعلى هذا قياس التخصيص والنسخ والاستثناء، فاعرفه كله) . [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 88-100]
أقسام ما يخصص القرآن
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) : (باب أقسام ما يخصص القرآن اعلم أن القرآن إذا أتت اللفظة منه تعم ما تحتها حملت على ذلك من عمومها –عند مالك وأصحابه- حتى يأتي ما يخصصها فتحمل عليه. والذي يخصص العام من لفظ القرآن ينقسم خمسة أقسام:
الأول: هو أن يخصص الآية العامة آية أخرى. فهذا تخصيص القرآن بالقرآن- وقد مضى تمثيله وشرحه في الفصل الذي قبل هذا الباب-.
الثاني والثالث: هما أن يخصص القرآن بالسنة المتواترة، أو بخبر العدل عن العدل، لا اختلاف في ذلك، بخلاف النسخ.
وذلك نحو قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}.
فجاء الأمر بالقطع عامًا لكل من سرق أدنى شيء من أي موضع كان.
ثم خصص ذلك وبيّن بما ثبت من الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أن المراد
من ذلك من سرق ربع دينار عينًا فأكثر أو ما قيمته ربع دينار إذا كان الربع دينار في القيمة قيمة ثلاثة دراهم فأكثر. أو سرق ثلاثة دراهم عينًا فأكثر- وهو قول مالك وجماعة من الفقهاء غيره- وفيه اختلاف.
وخصصت السنة أيضًا أن السرقة من غير حرزٍ لا قطع فيها.
وخصصت السنة أيضًا من هذا العموم أشياءً كثيرة على اختلاف فيها. وهذا كثير في الأحكام. ولا اختلاف في جواز هذا التخصيص. إنما الاختلاف في التحديد. فالنبي - صلى الله عليه وسلم- مبين مفسر لمجمل القرآن.
الرابع: هو أن يخصص القرآن بالإجماع بخلاف النسخ.
وذلك نحو قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}.
فجاء هذا اللفظ عامًا في كل ولدٍ عبدٍ أو حر، على دين أبيه أو على غير دين أبيه هلك عنه أب حرٌّ أو عبدٌ.
ثم أجمع المسلمون أن الولد إذا كان عبدًا لم يرث. وكذلك الأب إذا
كان عبدًا لم يرث من ابنه الحر.
فخصّ هذا الإجماع الآية. وصار معناها: يوصيكم الله في أولادكم الأحرار مثلكم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وخصصت السنة من الآية أن لا يرث الولد إذا كان على غير دين أبيه، وكذلك الأب لقوله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا يتوارث أهل ملتين)).
وخصصت السنة أيضًا من الآية أن لا يرث الولد إذا كان قاتلاً لأبيه عمدًا.
وهذا الباب واسعٌ كبير في كتاب الله. فقس على ما ذكرت لك.
الخامس: هو أن يخصص القرآن بالقياس، بخلاف النسخ.
وذلك نحو قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة}.
فأتى لفظ الآية عامًا في كلّ زانٍ.
ثم خصصها الله بآية الإماء فقال: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشةٍ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}.
فدل ذلك على أن الأمة لم تدخل في عموم الآية بجلد مائة. ولم يجر للعبد ذكرٌ ولا حكم منصوص. فقيس العبد على حكم الأمة.
فصار العبد خارجًا من حكم عموم آية الزاني والزانية بالقياس يجلد إذا زنى خمسين قياسًا على الأمة التي خرج حكمها من عموم الآية بالنص.
فصارت آية الزاني والزانية مخصصة بنصٍ وقياسٍ على النص.
وقد قيل: إن حدّ العبد كان مائة جلدةٍ لعموم الآية، ثم نسخ من حده خمسون بقوله في الإماء: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}.
والقول الأول أولى به من النسخ. وهو أن يكون مخصصًا بالقياس على الأمة التي قد نص على حدها.
فافهم هذه الأصول فإنها تنبهك –إن شاء الله- على تصاريف أحكام كتاب الله –جل ذكره- وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم-.
ذكر آيات من كتاب الله جل ذكره من هذه الأبواب تبينها وتشرحها
قال الله –جل ذكره-: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين}.
فظاهر هذا اللفظ أنه أمر عامٌ لجميع الآباء والأقربين، وأمر عامٌ في جواز الوصية بما أراد الإنسان.
فنسخ الله الوصية للوالدين المسلمين الحرّين بآية المواريث.
وبقيت الوصية لهما جائزة إذا كان عبدين أو غير مسلمين. وبقيت الوصية للأقربين إذا كانوا غير وارثين، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا وصية لوارث)).
واختلف في إيجاب ذلك لهم بما سنذكره بعد –إن شاء الله تعالى-.
وبين النبي - صلى الله عليه وسلم- أنّ الوصية لا يجاوز بها الثلث.
فالآية ماضيةٌ على عمومها وظاهر لفظؤها إلا ما نسخ منها، وما بيّنه (وخصصه) النبي - صلى الله عليه وسلم- منها – على ما بينا- وما وقع فيه الاختلاف في إيجاب الوصية لمن بقي حكمه في الآية.
ومثل ذلك قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وما بعده من فرض الأبوين وفرض الزوجين وفرض بني الأم.
كلّه لفظه عامٌّ في جميعهم.
وقد بينت السنة وخصصت جميعهم.
فلا شيء لولدٍ ولا لأبوين، ولا لزوجةٍ، ولا لولد الأمّ إذا كانوا عبيدًا، أو كانوا غير مسلمين، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا يرث المسلم الكافر)).
وأجمعت الأمة على ألاّ يرث العبد الحرّ.
فحكم القرآن جارٍ أبدًا على ظاهره، إلا ما بيّنته السنة وخصصته، أو الإجماع، أو القرآن. فلا يقال في شيء خصصته السنة وبينته إنه منسوخ. إنما يقع النسخ في الحكم الذي زال بكليته.
فقس على هذا، فهو كثير في كتاب الله –جل ذكره- وسترى كل ذلك في مواضعه مشروحًا –إن شاء الله تعالى-). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 101-106]


رد مع اقتباس