عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 12 ربيع الثاني 1435هـ/12-02-2014م, 09:17 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي

تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ

قال أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:320هـ):
(
وقبل الشروع في المقصود لا بد من ذكر مقدمة تكون مدخلا إلى معرفة المطلوب يذكر فيه حقيقة النسخ ولوازمه وتوابعه:

اعلم أن النسخ له اشتقاق عند أرباب اللسان وحد عند أصحاب المعاني وشرائط عند العالمين بالأحكام، أما أصله فالنسخ في اللغة عبارة عن إبطال شيء وإقامة آخر مقامه.
وقال أبو حاتم: الأصل في النسخ هو أن يحول العسل في خلية والنحل في أخرى، ومنه نسخ الكتاب،
وفي الحديث: (ما من نبوة إلا وتنسخها فترة).
ثم إن النسخ في اللغة موضوع بإزاء معنيين أحدهما الزوال على جهة الانعدام، والثاني على جهة الانتقال.

أما الناسخ بمعنى الإزالة فهو أيضا على نسخ إلى بدل نحو قولهم نسخ الشيب الشباب، ونسخت الشمس الظل أي أذهبته وحلت محله، ونسخ إلى غير بدل، ورفع الحكم وإطالة من غير أن يقيم له بدلا يقال نسخت الريح الديار أي أبطلتها وإزالتها وأما النسخ بمعنى النقل فهو من قولك نسخت الكتاب ما فيه وليس المراد به إعدام ما فيه ومنه قوله تعالى {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}. يريد نقله إلى الصحف، أو من الصحف إلى غيرها.
غير أن المعروف من النسخ في القرآن هو إبطال الحكم مع إثبات الخط وكذلك هو في السنة أو في الكتاب أن تكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين في التلاوة إلا أن المنسوخة لا يعمل بها مثل عدة المتوفى عنها زوجها كانت سنة لقوله {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [234 / 2 البقرة].
وأما حَدُّه؛ فمنهم من قال: إنه بيان انتهاء مدة العبادة وقيل انقضاء العبادة التي ظاهرها الدوام وقال بعضهم أنه رفع الحكم بعد ثبوته).
[الناسخ والمنسوخ لابن حزم:6-7]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب أصل النّسخ واشتقاقه
اشتقاق النّسخ من شيئين:
أحدهما أنّه يقال: نسخت الشّمس الظّلّ إذا أزالته وحلّت محلّه، ونظير هذا {فينسخ اللّه ما يلقي الشّيطان} [الحج: 52]
والآخر من نسخت الكتاب إذا نقلته من نسخةٍ، وعلى هذا النّاسخ والمنسوخ.
وأصله أن يكون الشّيء حلالًا إلى مدّةٍ ثمّ ينسخ فيجعل حرامًا أو يكون حرامًا فيجعل حلالًا أو يكون محظورًا فيجعل مباحًا أو مباحًا فيجعل محظورًا، يكون هذا في الأمر والنّهي والحظر والإطلاق والإباحة والمنع ).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 424-428]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (اعلم أن النّسخ في كلام العرب هو الرّفع للشّيء وجاء الشّرع بما تعرف العرب إذ كان النّاسخ يرفع حكم المنسوخ) . [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 20]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) : (باب معنى النسخ
النسخ يأتي في كلام العرب على ثلاثة أوجه:
الأول: أن (يكون) مأخوذًا من قول العرب: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه إلى كتاب آخر، فهذا لم يتغير المنسوخ منه، إنما صار له نظيرًا مثله في لفظه ومعناه. وهما باقيان.
وهذا المعنى ليس من النسخ الذي قصدنا إلى بيانه؛ (إذ) ليس في القرآن آية ناسخة لآية (أخرى) كلاهما بلفظٍ واحد ومعنىً واحدٍ وهما (باقيتان) وهذا لا معنى لدخوله فيما قصدنا إلى بيانه.
وقد غلط في هذا جماعة، وجعلوا النسخ الذي وقع في القرآن [مأخوذًا من هذا المعنى، وهو وهمٌ، وقد انتحله النّحاس] وقال في
كتابه: "أكثر النسخ في كتاب الله – عز وجل – مشتقٌ من نسخت الكتاب" مع كلام يدل على هذا المذهب.
وهذا خطأ، ليس في القرآن آية نسخت بآية مثلها (في لفظها ومعناها) وهما باقيتان؛ لأن معنى نسخت الكتاب: نقلت ألفاظه ومعانيه إلى كتاب آخر.
وهذا ليس من النسخ الذي هو إزالة الحكم وإبقاء اللفظ، ولا من النسخ الذي هو إزالة الحكم واللفظ.
وإنما هذا نظير قوله تعالى: {إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون}. فقد قال ابن عباس وغيره في معنى ذلك: إن أعمال العباد (يكتبها) الحفظة من اللوح المحفوظ قبل عملهم لها، ثم يقابل (بذلك) ما يحدث من عملهم، وحركاتهم في الدنيا فيجدون الأمر على ما استنسخوا من اللوح المحفوظ لا يزيد العباد شيئًا ولا ينقصون شيئًا – فهذا من قولهم: نسخت الكتاب –.
وقد قيل: إن معنى الآية: أن الملائكة تستنسخ من عند الحفظة في كل خميس أعمال العباد التي يجازون عليها من خير وشر، وتدع ما عدا
ذلك. فهو قوله: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحقّ إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون}. فهذا أيضًا من (نسخت الكتاب).
وليس في هذا كلّه نسخ شيءٍ بشيء آخر، فإضافة النسخ في القرآن إلى هذا المعنى وهمٌ وغلط.
الثاني من معاني النسخ:
أن يكون مأخوذا من قول العرب: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته وحلّت محله.
وهذا المعنى هو لأكثر الجمهور في منسوخ القرآن وناسخه.
وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يزول حكم الآية المنسوخة بحكم آية أخرى متلوةٍ، أو بخبر متواتر، ويبقى لفظ المنسوخة متلوًّا، نحو قوله تعالى في الزواني: {فأمسكوهنّ في البيوت حتى يتوفاهنّ الموت} الآية، وقوله: {واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما}.
فأمر فيهما بالسجن والضرب ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين الذي تواتر به الخبر والعمل المنسوخ لفظ تلاوته، وبالجلد مائة في
البكرين المذكورين في سورة النور. - فهذا مثال ما نسخ حكمه بحكمٍ آخر وبقي لفظه متلوًا -.
والضرب الثاني: أن تزول تلاوة الآية المنسوخة مع زوال حكمها، وتحل الثانية محلها في الحكم والتلاوة.
وهذا إنما يؤخذ من طريق الأخبار الثابتة، وذلك نحو ما تواتر به النقل عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات - تريد - يحرمن. قالت عائشة: فنسخهن خمس {رضعات} معلومات يحرمن. فتوفي رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وهن مما يقرأ من القرآن ".
فهذا على قول عائشة غريبٌ في الناسخ والمنسوخ: الناسخ غير متلو، والمنسوخ غير متلو؛ و(حكم الناسخ قائم).
(ولهذا المعنى) اختلف في ذلك:
_ فالعشر رضعات عند مالك وأهل المدينة نسخ لفظهن وحكمهنّ بقوله: {وأخواتكم من الرضاعة}، فرضعة واحدة عندهم تحرّم.
فهذا قول حسن، الناسخ "فيه" متلو والمنسوخ غير متلوّ، وله نظائر كثيرة في الناسخ والمنسوخ، وليس (له) على قول عائشة - رضي الله عنها- نظير فيما علمته.
- وأخذ الشافعي بأن لا يحرم إلا خمس رضعات، على ظاهر لفظ الحديث.
وقد روى هذا الحديث عن عائشة القاسم بن محمد بن أبي بكر،
وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن عمرو بن حزم يرفعانه إلى عائشة. ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري ولم يذكر فيه يحيى: "فتوفي رسول الله وهنّ مما يقرأ".
(وهذا) هو الصحيح عند أهل العلم بالأصول إذ لا يجوز النسخ إلاّ قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وغير جائز أن يتوفى (رسول الله) صلى الله عليه وسلم وقرآنٌ يتلى، ثم يجمع المسلمون على إسقاطه من التلاوة بعده (إلاّ على قول من أجاز النسخ بالإجماع).
وعلى هذين المعنيين أكثر الناسخ والمنسوخ في القرآن.
الثالث من معاني النسخ:
أن يكون مأخوذًا من قول العرب: نسخت الريح الآثار، إذا أزالتها
فلم يبق منها عوضٌ، ولا حلّت الريح محلّ الآثار، بل زالا جميعًا.
وهذا النوع من النسخ إنما يؤخذ من جهة الأخبار، نحو ما روي أن سورة الأحزاب كانت (تعدل) سورة البقرة طولاً، فنسخ الله منها ما شاء، فأزاله بغير عوضٍ، وذهب حفظه من القلوب.
ودليل ذلك كله، قوله عز وجل: {أو ننسها}، أي ننسكها يا محمد، فأعلمه أنه ينسيه ما شاء من القرآن. وله نظائر ستراها.
وهذا النوع أيضًا على ضربين:
أحدهما: أن يزول اللفظ من الحفظ، ويزول الحكم، نحو ما ذكرنا من سورة الأحزاب وما نذكر من غيرها.
الثاني: أن تزول التلاوة واللفظ ويبقى الحكم والحفظ للفظ ولا يتلى على أنه قرآنٌ ثابت، نحو (آية) الرّجم [التي تواترت] الأخبار عنها أنها كانت مما يتلى، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولاً به، وبقي حفظها منقولاً لم تثبت تلاوته في القرآن.
وبقي من أصناف المنسوخ صنفٌ:
وهو أن يزول حكم الآية بغير عوضٍ متلوّ ويبقى لفظها متلوًّا غير محكوم به، نحو ما فرض الله من شروط المهادنة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش المذكورة في سورة الممتحنة، فنسخها زوال حكم المهادنة لأنها إنما كانت شروطًا معلقة بعهدٍ، فلما زال العهد زال حكم الشروط. فهو زوال حكمٍ بغير عوض، وبقي لفظ الشروط متلوًّا غير محكوم به، وسنبين ذلك كله في مواضعه – إن شاء الله – بأشبع من هذا وأبين). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه:47-54]

قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (الباب الثّالث: باب بيان حقيقة النّسخ
النّسخ في اللّغة على معنيين:
أحدهما: الرّفع والإزالة، يقال: نسخت الشّمس الظّلّ إذا رفعت ظلّ الغداة بطلوعها وخلفه ضوؤها. ومنه قوله تعالى: {فينسخ اللّه ما يلقي الشّيطان}.
والثّاني: تصويرٌ مثل المكتوب في محلٍّ آخر، (يقولون) نسخت الكتاب، ومنه قوله تعالى: {إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون}.
وإذا أطلق النّسخ في الشّريعة أريد به المعنى الأوّل، لأنّه رفع الحكم الّذي ثبت تكليفه للعباد إمّا بإسقاطه إلى غير بدلٍ أو إلى بدلٍ). [نواسخ القرآن:90- 94]

قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (والنسخ في العربية: النقل، تقول: نسخت الكتاب: إذا نقلته، والإزالة يقولون: نسخت الشمس الظل: أي أزالته وحلت محله.
وتقول أيضا: نسخت الريح الأثر. فهذه إزالة لا إلى بدل. ونسخ القرآن بمعنى الإزالة ). [جمال القراء : 245]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (الناسخ: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. والمنسوخ: هو الحكم الزائل بعد ثباته بخطاب متقدم، بخطاب واقع بعده، متراخ عنه، دال على ارتفاعه على وجه لولاه لكان ثابتا.
وأما النسخ: فإنه زوال شرع بشرع متأخر عنه ). [جمال القراء : 245]

قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (والنسخ يأتي بمعنى: الإزالة ومنه، قوله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ} الآية [الحج: 52].
ويأتي بمعنى: التبديل، كقوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} الآية [النحل: 101] .
وبمعنى: التحويل كتناسخ المواريث- يعني تحويل الميراث من واحد إلى واحد.
ويأتي بمعنى: النقل من موضع إلى موضع ومنه: "نسخت الكتاب" إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه.
قال مكي: وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن، وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ وإنما يأتي بلفظ آخر، وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن بركات السعدي يشهد لما قاله النحاس، قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الآية [الجاثية: 29]، وقال: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} الآية [الزخرف: 4]، ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، كما قال: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 78-79].
ثم اختلف العلماء فقيل: المنسوخ ما رفع تلاوة تنزيله كما رفع العمل به ورد بما نسخ الله من التوراة بالقرآن والإنجيل وهما متلوان ). [البرهان في علوم القرآن:29-44/30]

قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت: 911هـ): (وفي هذا النوع مسائل:الأولى:يرد النسخ بمعنى الإزالة، ومنه قوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} الآية [الحج: 52].
وبمعنى التبديل ومنه: {وإذا بدلنا آية مكان آية} الآية [النحل: 101].
وبمعنى التحويل كتناسخ المواريث، بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد.
وبمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه.
قال مكي: وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن، وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ وأنه إنما يأتي بلفظ آخر.
وقال السعيدي: يشهد لما قاله النحاس، قوله تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} الآية [الجاثية: 29]، وقال: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 4].
ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: {في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون} الآية [الواقعة: 78-79] ). [الإتقان في علوم القرآن: 1436-1435]


رد مع اقتباس