الموضوع: أقسام الوقوف
عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,636
افتراضي

تقسيم ابن الجزري

قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : ((وقد اصطلح الأئمة لأنواع أقسام الوقف والابتداء أسماء، وأكثر في ذلك الشيخ أبو عبد الله محمد بن طيفور السنجاوندي. وخرج في مواضع عن حد ما اصطلحه واختاره كما يظهر ذلك من كتابي: الاهتداء. وأكثر ما ذكر الناس في أقسامه غير منضبط ولا منحصر.
وأقرب ما قلته في ضبط أن الوقف ينقسم إلى اختياري واضطراري. لأن الكلام إما أن يتم أولاً، فإن تم كان اختيارياً. وكونه تاماً لا يخلو إما أن لا يكون له تعلق بما بعده البتة- أي لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى- فهو الوقف الذي اصطلح عليه الأئمة
بالتاملتمامه المطلق، يوقف عليه ويبتدأ بما بعده، وإن كان له تعلق فلا يخلو هذا التعلق إما أن يكون من جهة المعنى فقط وهو الوقف المصطلح عليه بالكافي للاكتفاء به عما بعده، واستغناء ما بعده عنه وهو كالتام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده، وإن كان التعلق من جهة اللفظ فهو الوقف المصطلح عليه بالحسنلأنه في نفسه حسن مفيد يجوز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظي إلا أن يكون رأس آية فإنه يجوز في اختيار أكثر أهل الأداء لمجيئه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: {بسم الله الرحمن الرحيم} ثم يقف، ثم يقول: {الحمد لله رب العالمين} ثم يقف، ثم يقول: {الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين}رواه أبو داود ساكتاً عليه، والترمذي وأحمد، وأبو عبيدة وغيرهم وهو حديث حسن وسنده صحيح.
وكذلك عد بعضهم الوقف على رؤوس الآي في ذلك سنة.
وقال أبو عمرو: وهو أحب إليَّ واختاره أيضاً البيهقي في شعب الإيمان، وغيره من العلماء، وقالوا: الأفضل الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها.
قالوا: واتباع هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أولى.
وإن لم يتم الكلام كان الوقف عليه اضطرارياً وهو المصطلح عليه
بالقبيح لا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفس ونحوه لعدم الفائدة أو لفساد المعنى.
فالوقف التام اكثر ما يكون في رؤوس الآي وانقضاء القصص نحو الوقف على (بسم الله الرحمن الرحيم) والابتداء (الحمد لله رب العالمين) ونحو الوقف على (مالك يوم الدين) والابتداء (إياك نعبد وإياك نستعين) ونحو (وأولئك هم المفلحون) والابتداء (إن الذين كفروا) ونحو (إن الله على كل شيء قدير) والابتداء (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ونحو ( وهو بكل شيء عليم) الابتداء (وإذ قال ربك للملائكة) ونحو (وأنهم إليه راجعون) والابتداء (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي) وقد تكون قبل انقضاء الفاصلة نحو (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) هذا انقضاء حكاية كلام بلقيس ثم قال تعالى (وكذلك يفعلون) رأس آية. وقد يكون وسط الآية نحو (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) هو تمام وقد يكون بعد انقضاء الآية بكلمة نحو (لم نجعل لهم من دونها سترا) آخر لأمره. أو كذلك كان خبرهم، على اختلاف بين المفسرين في تقديره مع إجماعهم على أنهم التمام ونحو (وإنكم لتمرون عليها مصبحين) وهو آخر الآية التمام (وبالليل) أي مصبحين ومليلين ونحوه (وسرراً عليها يتكئون) آخر الآية، والتمام (وزخرفا) وقد يكون الوقف تاماً على التفسير أو إعراب ويكون غير تام على آخر نحو (وما يعلم تأويله إلا الله) وقف تام على أن ما بعده مستأنف وهو قو ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم ومذهب أبي حنيفة وأكثر أهل الحديث به وقال نافع والكسائي ويعقوب والفراء والأخفش وأبو حاتم وسواهم من أئمة العربية، قال عروة والراسخون في العلم لا يعلمون التأويل ولكن يقولون آمنا به، وهو غير تام عند آخرين والتمام عندهم على (والراسخون في العالم) فهو عندهم معطوف عليه وهو اختيار ابن الحاجب وغيره ونحو (الم) ونحوه من حروف الهجاء فواتح السور الوقف عليها تام عل أن يكون المبتدأ أو الخبر محذوفاً أي هذا الم أو الم هذا، أو على إضمار فعل أي قل الم على استئناف ما بعدها، وغير تام على أن يكون ما بعدها هو الخبر، وقد يكون الوقف تاماً على قراءة وغير تام على أخرى نحو: (مثابة الناس وأمنا) تام على قراءة من كسر خاء (واتخذوا) وكافيا على قراءة من فتحها، ونحو (إلى صراط العزيز الحميد) تام على قراءة من رفع الاسم الجليل بعدها. وحسن على قراءة من خفض.
وقد يتفاضل التام في التمام نحو (مالك يوم الدين، وإياك نعبد وإياك نستعين) كلاهما تام إلا أن الأول أتم من الثاني لاشتراك الثاني فيما بعده في معنى الخطاب بخلاف الأول.
(والوقف الكافي) يكثر من الفواصل وغيرها نحو (ومما رزقناهم ينفقون، وعلى: من قبلك، وعلى: هدى من ربهم، وكذا: يخادعون الله والذين آمنوا، وكذا: إلا أنفسهم، وكذا: إنما نحن مصلحون) هذا كله كلام مفهوم، والذي بعده كلام مستغن عما قبله لفظاً وإن اتصل معنى.
وقد يتفاضل في الكفاية كتفاضل التام نحوه (في قلوبهم مرض) كاف (فزادهم الله مرضاً) أكفى منه (بما كانوا يكذبون) أكفى منهما وأكثر ما يكون التفاضل في رؤوس الآي نحو (ألا إنهم السفهاء) كاف (ولكن لا يعلمون) أكفى. نحو (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) كاف و (كنتم مؤمنين) أكفى، ونحو (ربنا تقبل منا) كاف (أنت السميع العليم) أكفى. وقد يكون الوقف كافياً على تفسير أو إعراب ويكون غير كاف على آخر نحو (يعلمون الناس السحر)كاف: إذا جعلت –ما- بعده نافية. فإن جعلت موصولة كان حسناً فلا يبتدأ بها ونحو (وبالآخرة هم يوقنون) كاف على أن يكون ما بعده مبتدأ خبره (على هدى من ربهم) وحسن على أن يكون ما بعده خبر (الذين يؤمنون بالغيب) أو خبر (والذين يؤمنون بما أنزل إليك) وقد يكون كافياً على قراءة غي كاف على قراءة أخرى نحو (ونحن له مخلصون)كاف على قراءة من قرأ (أم تقولون) بالخطاب وتام على قراءة من قرأ بالغيب وهو نظير ما قدمنا في التام. ونحو (يحاسبكم به الله) كاف على قراءة من رفع (فيغفر ويعذب) وحسن على قراءة من جزم ونحو (يستبشرون بنعمة من الله وفضل) كاف على قراءة من كسر (وأن) وحسن على قراءة الفتح.
(والوقف الحسن) نحو الوقف على (بسم الله) وعلى (الحمد لله) وعلى (رب العالمين) وعلى (الرحمن. وعلى: الرحيم، والصراط المستقيم، وأنعمت عليهم) الوقف على ذلك وما أشبهه حسن لأن المراد من ذلك يفهم، ولكن الابتداء بـ (الرحمن الرحيم، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وصراط الذين، وغير المغضوب عليهم) لا يحسن لتعلقه لفظاً. فإنه تابع لما قبله إلا ما كان من ذلك رأس آية وتقدم الكلام فيه وأنه سنة. وقد يكون الوقف حسناً على تقدير، وكافياً على آخر، وتاماً على غيرهما نحو قوله تعالى (هدى للمتقين) يجوز أن يكون حسناً إذا جعل (الذين يؤمنون بالغيب) نعتاً (للمتقين) وأن يكون كافياً إذا جعل (الذين يؤمنون بالغيب) رفعاً بمعنى: هم الذين يؤمنون بالغيب، أو نصباً بتقدير أعني الذين. وأن يكون تاماً إذا جعل (الذين يؤمنون بالغيب) مبتدأ، وخبره (أولئك على هدى من ربهم).
(والوقف القبيح) نحو الوقف على: بسم، وعلى: الحمد، وعلى: رب، وملك يوم. وإياك، وصراط الذين، وغير المغضوب. فكل هذا لا يتم عليه كلام ولا يفهم منه معنى.
وقد يكون بعضه أقبح من بعض كالوقف على ما يحيل المعنى (وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه) فإن المعنى بهذا الوقف لأن المعنى أن البنت مشتركة في النصف مع أبويه. وإنما المعنى أن النصف للبنت دون الأبوين. ثم استأنف الأبوين بما يجب لهما مع الولد. وكذا الوقف على قوله تعالى (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى) إذ الوقف عليه يقتضي أن يكون الموتى مستجيبون مع الذين يسمعون. وليس كذلك بل المعنى أن الموتى لا يستجيبون. وإنما أخبر الله تعالى عنهم أنهم يبعثون مستأنفاً بهم. وأقبح من هذا ما يحيل المعنى ويؤدي إلى ما لا يليق والعياذ بالله تعالى نحو الوقف على (إن الله لا يستحي. فبهت الذي كفر والله، وإن الله لا يهدي، ولا يبعث الله، وللذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله، وفويل للمصلين) فالوقف على ذلك كله لا يجوز ا اضطراراً لانقطاع النفس أو نحو ذلك من عارض لا يمكنه الوصل معه فهذا حكم الوقف اختيارياً واضطرارياً).
[النشر في القراءات العشر:؟؟]
تقسيم ابن الجزري للابتداء
قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : (وأما الابتداء فلا يكون إلا اختياريا لأنه ليس كالوقف تدعو إليه ضرورة فلا يجوز إلا بمستقل بالمعنى موف بالمقصود. وهو في أقسامه كأقسام الوقف الأربعة، ويتفاوت تماما"وكفاية وحسنا"وقبحا"بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى إحالته نحو الوقف على(ومن الناس) فإن الابتداء بالناس قبيح. ويؤمن تام. فلو وقف على من يقول :كان الابتداء بيقول أحسن من إبتداءه بمن، وكذا الوقف على (ختم الله) قبيح والابتداء بالله أقبح. ويختم كاف والوقف على عزير ابن. والمسيح ابن قبيح. والابتداء بابن أقبح. والابتداء بعزيز والمسيح أقبح منهما. ولو وقف على (ما وعدنا الله) ضرورة كان الابتداء بالجلالة قبيحاً. وبوعدنا لأقبح منه. وبما أقبح منهما. والوقف على (بعد الذي جاءك من العلم) للضرورة والابتداء بما بعده قبيح. وكذا بما قبله من أول الكلام.
وقد يكون الوقف حسناً والابتداء به قبيحاً نحو (يخرجون الرسول وإياكم) الوقف عليه حسن لمام الكلام. والابتداء به قبيح لفساد المعني إذ يصير تحذيراً من الإيمان بالله تعالى. وقد يكون الوقف قبيحاً والابتداء به جيد نحو (من بعثاً من مرقدنا هذا) فإن الوقف على هذا قبيح عندنا لفصله بين المبتدأ وخبره ولأنه يوهم أن الإشارة إلى مرقدنا (وليس) كذلك عند أئمة التفسير والابتداء بهذا كاف أو تام لأنه وما بعده جملة مستأنفة رد بها قولهم).
[النشر في القراءات العشر:؟؟]
قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : (
(73) وَبَـعْدَ تَجْوِيـدِكَ لِلْحُرُوفِ*** لاَبُدَّ مِنْ مَعْرِفَـةِ الْـوُقُـوفِ
(74) وَالاْبِتِـدَاءِ وَهْـىَ تُقْسَـمُ إِذَنْ*** ثَلاَثَةٌ تَامٌ وَكَـافٍ وَحَسَــنْ
(75) وَهْـىَ لِمَا تَـمَّ فَإنْ لَّمْ يُوجَــدِ*** تَعَلُق أَوْ كَانَ مَعْنَـى فَابْتَدى
(76) فَالتَّامُ فَالْكَافِى وَ لَفْظــاً فَامْنَعَنْ*** إِلاَّ رُؤُس الآىِ جَوِّزْ فَالحَسَنْ
(77) وَغَيْرُ مَا تَـمَّ قَبِيـــحٌ وَلَـهُ*** الوقَفُ مُضْطُـرَّاً وَيُبْدَا قَبْلَـهُ
(78) وَلَيسَ في الْقُرْآنِ مِنْ وَقْفٍ وَجَبْ*** وَلاَ حَرَامٌ غَيْرَ مَـالَـهُ سَبَبْ).
[المقدمة الجزرية : 1/73-78]

- قال زكريّا بن محمد بن أحمد السُّنيكي الأنصاري (ت:926هـ): ((73) "وبعدَ " معرفةِ "تجويدِكَ للحُروفِ لا بُدَّ " لكَ " من معرفةِ الوُقوفِ" والابتداءِ.
(74) "والابْتِدَا "، والوقوفُ: جمعُ وَقَفٍ. جمعَهُ باعتبارِ أنواعِهِ المذكورةِ بقولِهِ:
"وهي تُقْسَمُ إِذَنْ" – زائدةٌ – " ثلاثةً " وهي " تامٌ " – بتخفيفِ الميمِ للوزنِ " وكافٌ وحسنُ ".
والوقفُ – لُغةً -: الكفُّ. واصطِلاحًا: قطعُ الكَلِمةِ عمَّا بعدَها بسكتةٍ طويلَةٍ.

فإن لم يكنْ بعدَهَا شيءٌ؛ سُمِّيَ ذلكَ قطعًا.
(75) "وهي" أي: الوقوفُ المذكورةُ إنَّما تكونُ " لمَّا تمَّ " معناهُ.
"فإنْ لم يُوجَدْ" فيمَا يُوقَفُ عليه "تعلُّقٌ" بمَا بعدَهُ لا لفظًا ولا معنىً. "أَوْ كانَ" فيه تعلُّقٌ بهِ "معنىً" لا لفظًا" "فابتدي" أنتَ بما بعدَهُ في القسميْنِ.
الوقفُ التَّامُّ والكَافي والحسَنُ، وقل: أمَّا الوقوفُ في الأوَّلِ منها فالتَّامُّ.
(76) " فالتَّامُّ " سُمِّيَ بهِ لتمامِ اللَّفْظِ، وانقطاعِ ما بعدَهُ عنهُ.
وأمَّا في الثَّاني " فالكافي " سُمِّيَ بهِ للاكتفاءِ بالوُقوفِ عليهِ وبالابتداءِ بمَا بعدَهُ، كالتَّامِّ، وإنْ كانَ فيه تعلُّقٌ بمَا بعدَهُ " لفظًا " ومعنىً " فامنعن " الابتداءَ بمَا بعدَهُ.
"إلا رؤوسَ الآيِ جُوِّزَ" أي: يجوزُ الابتداءُ بما بعدَهَا؛ لورودِ السُّنَّةِ بالوقوفِ على {العالمينَ}، والابتداءِ بـ {الرَّحمنِ} ؛ولأنَّ رؤوسَ الآيِ فواصلُ بمنزلةِ فواصِلِ السَّجعِ والقوافي.
وأمّا الوقوفُ على ما فيه التَّعلُّقُ المذكورُ " فالحَسَنُ " سُمِّيَ بهِ لحُسنِ الوَقْفِ عليْهِ.
والمُرادُ بـ "التعلُّقِ المعنويِّ": أنْ يتعلَّقَ المُتأخِّرُ بالمتقدِّمِ من حيثُ المعنى، لا الإعرابُ. كالإخبارِ عن حالِ الكافرينَ، أوْ حالِ المُؤمنينَ، أو تَمامِ قِصَّةٍ.
وبـ "اللفظيُّ": أنْ يتعلَّقَ بهِ منْ حيثُ الإعرابُ؛ لكونهِ صِفَةًلهُ، أَوْ معطوفًا عليهِ.
1- فمثالُ "الوقْفِ التَامِّ": {..وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة: 3]، و { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.وأكثرُ ما يُوجَدُ في الفواصِلِ، ورؤوسِ الآي. وقد يُوجَدُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْفَاصِلَةِ. نحوُ: { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً}.إذ قولُه: "أَذِلَّةً" هُوَ آخرُ كلامِ "بلقيسَ"، و"يفعلونَ" هو رأسُ الآية.
وقد يُوجدُ بعدَ انقضائِهَا بكلمةٍ. نَحْوُ: { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ}.إذْ رأسُ الآيةِ: "مُصْبِحِينَ) وتمامُ الكلامِ قولُهُ – تعالَى -: { وباللّيلِ}. لأنَّهُ معطوفٌ على المعنَى. أيْ: بالصُّبحِ واللَّيْلِ. وكذَا { عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ – وَزُخْرُفًا}. رأسُ الآيةِ: "يَتَّكِئُونَ"، وتمامُ الكلامِ: "وزُخْرُفًا"؛ لأنَّهُ معطوفٌ على "سُقُفًا".
2- ومثالُ "الكافي": { لَا رَيْبَ فِيهِ}(76)، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (76).
3- ومثالُ "الحَسَنِ" { الْحَمْدُ لِلَّهِ} (76) فالوقوفُ عليه حَسَنٌ؛ لأنَّ المعنى مفهومٌ، ولا يَحْسُنُ الابتداءُ بمَا بعدَهُ، ولكونِهِ تابعاً لمَا قبلَهُ، وليسَ رأسَ آيةٍ.
الوقفُ القبيحُ
(77) "وغيرُ ما تَمَّ" معناه فالوقوفُ عليْهِ "قبيحُ". كالوقوفِ على المُضافِ دونَ المُضافِ إليْهِ، وعلى الرَّافِعِ دونَ مرفوعِهِ، وعلى النَّاصبِ دون مَنْصُوبِهِ، وعلى الشَّرْطِ دونَ جوابِهِ، وعلى الموْصوفِ دون صِفَتِهِ؛ إذا لم يتمَّ معناهُ بدونِهَا. وكذا على المعطوفِ عليْهِ دونَ المعطوفِ.
"وله" أيْ لِلْقارئِ "الوقفُ" على ذلكَ "مضطَرًّا". لعيٍّ، أو لضيقِ النَّفَسِ، أوْ غيرِهِ. ولكنْ "يبدأُ" مما "قبلَهُ" أيْ من الكلمةِ التي وقفَ علَيْهَا، ليَصِلَ الكَلامَ بعضَه ببعْضٍ.
وأقبحُ من الوقفِ على ما ذُكِرَ من الأمثلةِ: الوقفُ على قولِهِ – تعالَى -: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا}[آل عمران: 181]، وعلى قولِهِ – تعالى -: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى} [المائدة: 18]، فإنْ وقَفَ عليهِمَا مضطَرًّا، فلا يبدأُ بقولِهِ:{إنَّ اللهَ فقيرٌ}، و {نحنُ أبناءُ اللهِ}، بل يبتدِئُ بمَا وقفَ علَيْهِ، فإنْ لم يفعلْ فقدْ أخطأَ.
(78) "وليْسَ في القُرآنِ مِنْ" – زائدةٌ – "وَقْفٍ وَجْبٍ" – وفي نسخةِ يجبُ – حتى إذا تركَهُ القارئ يأثَمُ. "ولا حرامٍ" حتَّى إذا فعلَهُ يأثَمُ "غَيْرَ مَا لَهُ سَبَبٌ"؛ لأنَّ الوقفَ والوصْلَ لا يدلَّانِ على معنًى، حتى يختلَّ بترْكِهِمَا.
فإنْ كانَ لَهُ سببٌ يَستدعِي تحريمَهُ؛ كأَنْ قَصَدَ الوقفَ علَى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ}، و {إِنِّي كَفَرْتُ}(78)، ونحوِهِمَا من غيرِ ضَرورةٍ حُرِّمَ. ومَعَ عَدَمِ القصْدِ فالأحسنُ أنْ يَتَجَنَّبَ الوقفَ على ذلكَ للإبهامِ.
ويَجُوزُ رفعُ حرامٍ عطفًا على محلِّ وقفٍ؛لأنَّهُ اسمُ لَيْسَ، وجرِّهِ عطفًا على لفظِهِ. ومثلُهُ لفظة غَيْرٍ. فإن رُفِعَ رُفِعَتْ، وإن جُرَّ جُرَّتْ. ويجوزُ نصبُهمَا حالاً). [الدقائق المحكمة:1/32-33]

- قال المُلاّ عليُّ بنُ سلطان محمّد القاري الهرويُّ (ت:1014هـ ): ((وبعدَ تَجويدِكَ للحروفِ) بالإشباعِ أي: وبعدَ مَعْرفةِ تحسينِكَ للحروفِ مفردةً ومركبةً، موصولةً وموقوفةً.
بـــابُ الوقــوفِ:
وتعميمُنا أَوْلَى مِن تخصيصِ المصريِّ لها بحروفِ الهجاءِ, واعْتِرَاضُه على ابنِ المصنِّفِ في تفسيرِه إياها بالكلماتِ، فإنَّه عُدُولٌ عن الظاهرِ (لابدَّ مِن مَعْرفةِ الوقوفِ) أي: لابدَّ لكَ مِن مَعْرفةِ أماكنِ الوقوفِ ( والِابْتِدَاءِ وهي تُقْسَمُ إلى ) بحذفِ همزةِ ألِ وكسرِ لامِهِ للالتقاءِ وبسكونِ هاءٍ (وهي) الراجعةُ إلى الوقوفِ و (تُقْسَمُ) بصيغةِ المجهولِ مُخَفَّفًا، وفي نسخةٍ: ضُبِطَ بكسرِ هاءٍ و (هي) وسكونُ يائِها و (تُقَسَّمُ) بتشديدِ سينِها والظاهرُ أنَّهُ غيرُ موزونٍ إلا بقصرِ الابتداءِ (تامٌّ وكافٍ حسنٌ تَفَضُّلًا) بضمِّ الضادِ، تمييزٌ كما اختارَه الروميُّ، وبفتحِها جملةٌ مستأنفةٌ، كما أشارَ إليه ابنُ المصنِّفِ بقولِه: أي: تبيَّنَ تقسيمُ الوقوفِ، فَأَلِفُه للإطلاقِ وخُفِّفَتْ ميمُ تامٍّ ضرورةً، وفي نسخةٍ: (وهي تُقَسَّمُ إذنْ ثلاثةً؛ تامٌ وكافٍ وحسنْ) فمعنى إذنْ أي: حينئذٍ فهو ظرفٌ (لتُقْسَمُ) كما صرَّحَ به الروميُّ، وقالَ الشيخُ زكريَّا وتبِعَه المصريُّ: زائدةٌ، وفيه أنَّ إذا الزائدةَ لا تكونُ مُنَوَّنَةً، ونَصَبَ ثلاثةً على المفعوليَّةِ من (تُقْسَمُ) وحذفُ (إلى ) لدلالةِ الحالِ عليها، وقولُه (تامٌ) مُخَفَّفٌ، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ هو (هي) و (كافٍ) بكسرِ الفاءِ مُنَوَّنٌ وهو مرفوعٌ لكن علامةُ رفعِه مُقَدَّرَةٌ كإعرابِ قاضٍ مرفوعًا، و (حسنْ) بالسكونِ وقفًا، وهذه النسخةُ هي أصلُ الشيخِ زكريَّا وخالدٍ الأزهريِّ قالَ ابنُ المصنِّفِ: الوقوفُ جمعُ وقفٍ وجمعُها باعتبارِ تَنَوُّعِها، يعني في مَحِلٍّ واحدٍ من الإسكانِ والرَّوْمِ والإشمامِ، ووحدَ الابتداءَ؛لأنَّه غيرُ مُتَنَوِّعٍ، أي: كذلك، والأظهرُ أنَّ الوقوفَ مَصْدَرٌ، كالابتداءِ، ففي القاموسِ: وَقَفَ يَقِفُ وُقُوفًا دامَ قائمًا، والمَوْقِفُ مَحلُّ الوقوفِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدَّرَ مضافًا فيقالُ: مَعْرفةُ مواضعِ الوقوفِ ومَحَالِّ الابتداءِ، فالمعنى مَعْرفةُ المواقفِ والمبادي، أو يرادُ بهما المعنى المصدريُّ أي: مَعْرفةُ كيفيَّةِ الوقوفِ والابتداءِ، ثمَّ قالَ ابنُ المصنِّفِ: والوقفُ عن الشيءِ تركُ الإتيانِ به، ولهذا سُمِّيَ في الاصطلاحِ وقفًا؛ لأنَّه وقفٌ عن الحركةِ أي: تَرْكُها، وفيه: أنَّ هذا الحدَّ غيرُ جامعٍ؛ لأنَّه لم يَشْمَل الكلمةَ التي يكونُ آخرُها ساكنًا مِن أصلِها كـ (لم يلدْ) وإنْ في ونحوِها، فالأَوْلَى أنْ يقالَ: لأنَّه وقَفَ على الكلمةِ ولم يَتَعَدَّهَا (وهي لما تمَّ فإنْ لم يوجدْ) بالإشباعِ (تَعَلَّقَ أو كانَ معنى فابتدَى) أي: وهذه المواقفُ المذكورةُ إنَّما تكونُ لمِا تمَّ مَعْناه لا لما كَمُلَ مبناهُ.
والحاصلُ: أنَّ هذه الوقوفَ للفظٍ تمَّ الكَلاَمُ عليه من حصولِ رُكْني الجملةِ من المسندِ والمسندِ إليه، ثمَّ يُقَسِّمُ ذلكَ التمامَ إلى ما فصَّلَه في مقامِ المرامِ بقولِه: (فإنْ لم يوجدْ) لما تمَّ مِن الكَلاَمِ تَعَلُّقٌ بما بعدَه لامبنىً ولا معنىً، أو يوجدُ له تَعَلُّقٌ به معنىً لا مبنىً، فابْتَدِىءْ أنتَ بما بعدَه في القسمينِ المذكورينِ، إذا وقَفْتَ على ما قبلَه في الصنفينِ المسطورينِ، فقولُه: (ابْتَدِىءْ) عطْفٌ على مقدَّرٍ، أي: قفْ حينئذٍ على ما تمَّ فابْتَدِئْ بما بعدَه، قالَ الروميُّ:هو أَمْرٌ حَذَفَ الهمزةَ مِن آخرِه (أشبعَ الدالَ للوزنِ، وفيه أنَّهُ لا وجهَ لحذفِها مجانًا، فالصوابُ أنَّهُ إبدالُ الهمزةِ الساكنةِ ياءً على قاعدةِ حمزةَ وهشامٍ وقفًا فينبغي أنْ يكتبَ بالياءِ بعدَ الدالِ ليكونَ دالاّ على الإعلالِ.

(فالتامُّ فالكافي ولفظًا فامْنَعَنْ = إلا رؤوسَ الآيِ جُوِّزَ فالحَسَنُ)
الفاءُ الأُولَى للتفصيلِ أو للتفريعِ، وما بعدَها للترتيبِ في التنويعِ، وفيه لَفٌّ ونشرٌ مُرَتَّبٌ في الصنيعِ، وتقديرُ الكَلاَمِ: وقلَّ أمَّا الوقفُ على الأَوَّلِ منهما فالتامُّ، سُمِّيَ به لتمامِ المبنى، وانقطاعِ ما بعدَه عنه في المعنى، وأمَّا الوقفُ على الثاني فالكافيِ، وسُمِّي به للاكتفاءِ في الوقفِ عليه والابتداءِ بما بعدَه كالتَّامِّ، و (لفظًا) عطفٌ على معنى في البيتِ السابقِ أي: وإن كانَ فيه تَعَلُّقٌ بما بعدَه لفظًا ومعنى؛ لأنَّه يلزمُ مِن اللفظِ تَعَلُّقُ المعنى بخلافِ عكسِ المبنى كما سيأتي في تحقيقِ التَّعَلُّقِ وقولُه: (فَامْنَعَنْ) بالنونِ الساكنةِ المُخَفَّفَةِ، دخَلَتْ على الأمرِ للتأكيدِ، والفاءِ لأنَّه جوابٌ للشرطِ المُقَدَّرِ، والمعنى فامْنَعِ الابتداءَ حينئذٍ بما بعدَه، بل ابْتَدِئْ بما قبلَه، إلا رؤوسَ الآيِ التي فيها التَّعَلُّقُ اللفظيُّ يجوزُ الابتداءُ بما بعدَها؛ لورودِ الحديثِ بالوقوفِ على {العالمينَ}والابتداءُ {بالرحمنِ}؛ ولأنَّ رؤوسَ الآيِ بمنزلةِ فواصلِ السجعِ في النثرِ، وفي مرتبةِ القوافي في الشعرِ، من حيثُ إنَّها محَالُّ التوقفِ، وقولُه (فالحسنُ) بالفاءِ، بِناءً على أنَّهُ جوابُ إنْ الُمَقَدَّرَةِ، أي: إنْ كانَ التَّعَلُّقُ لفظًا فوقفُه الحسنُ، أو فاسمُ وقفِه الحسنُ، فإذا عرَفْتَ ذلكَ فاعلمْ أنَّ الوقفَ على ما فيه التَّعَلُّقُ اللفظيُّ مطلقًا سُمِّيَ بالحسنِ لحُسْنِ الوقفِ عليه، وإن كانَ تفصيلٌ في الابتداءِ بما بعدَه، فقولُه {الحمدُ} مثلًا لفظٌ غيرُ تامٍّ، فلا يدخلُ تحتَ أنواعِ الوقوفِ المُسْتَحْسَنَةِ، وأمَّا {الحمدُ للهِ} فوقفُه الحَسَنُ، لكن لا يَحْسُنُ الابتداءُ بما بعدَه، فلابدَّ مِن أنْ يعيدَ ما قبلَه كُلَّه أو بعضَه، وأمَّا { ربِّ العالمينَ } فوقفُه حسنٌ أيضًا لكن يَحْسُنُ الابتداءُ بما بعدَه لكونِه من رؤوسِ الآيِ، على خلافٍ في أنَّ الوقفَ على مثلِه أَوْلَى، أو وصلَه بما بعدَه مِن أصلِه أعلى، وسيجىءُ تحقيقُه، وكذا الكَلاَمُ على { الرحيمِ } ، وأمَّا الوقفُ على { مالكِ يومِ الدينِ } فكافٍ، وكذا على { نستعينُ } فلا خلافَ في أنَّ الوقفَ عليهما هو الأَوْلَى، قالَ ابنُ المصنِّفِ: والوقفُ التامُّ عندَ تمامِ القصصِ، وأكثرُ ما يكونُ موجودًا في الفواصلِ ورؤوسِ الآيِ، كقولِه تعالى: { وأولئكَ هم المُفْلِحُونَ} ، زادَ الشيخُ زكريَّا {وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وفيه بحثٌ، واللهُ هو المُعِينُ، وقد يوجدُ قبلَ انقضاءِ الفاصلةِ، كقولِه تعالى: { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } قالَ ابنُ المصنِّفِ: وهذا التامُّ؛ لأنَّه انقضاءُ كَلاَمِ بِلْقِيسَ، وهو ليسَ رأسَ آيةٍ ا.هـ يعني قولَه تعالى: { وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ } ابتداءُ كَلاَمٍ مِن اللهِ شهادةٌ على ماذَكَرْتُه، وفيه أنَّ له تَعَلُّقًا مَعْنويًّا فلا يكونُ وقفُه تامًّا، بلْ وَقْفُه كافيًا، وقالَ بعضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ قولَه: { وكذلكَ يَفْعَلُونَ } أيضًا مِن كَلاَمِها تأكيدًا لما قبلَها، فالوقفُ على (أَذِلَّةٍ) كافٍ وعلى (يفعلونَ) تامٌّ، وقد يقالُ: إنَّه كافٍ أيضًا؛ لأنَّ ما بعدَه من جملةِ مقولِها فله تَعَلُّقٌ مَعْنويٌّ بما قبلَه، ثمَّ قالَ: وقد يوجدُ بعدَ انقضاءِ الفاصلةِ بكلمةٍ، كقولِه تعالى: { وإنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عليهم مُصْبِحِينَ وبالليلِ } لأنَّه مَعْطُوفٌ على المعنى، أي: بالصبحِ وبالليلِ، يعني فيهما، وفيه البحثُ السابقُ؛ إذ من جملةِ التعليقِ المَعْنويِّ قولُه: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فهو وقفٌ تامٌّ وما قبلَه كافٍ، ثمَّ قالَ: وأمَّا التعليقُ من جهةِ المعنى دونَ اللفظِ فنحوُ قولِه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} والابتداءُ بما بعدَ ذلكَ في الآيةِ كُلِّها، وفيه أنَّ الظاهرَ أنَّ ما بينَ المَعْطوفِ والمَعْطوفِ عليه تَعَلُّقٌ لفظيٌّ، فهو مِن قبيلِ الوقفِ الحسنِ، ثمَّ قالَ: وكذلكَ القطعُ على الفواصلِ في سورةِ الجنِّ، والمُدَّثِّرِ، والتكويرِ، والانفطارِ، والانشقاقِ، وما أَشْبَهَهُنَّ، وفيه أنَّ رؤوسَ آيِ هذه السورِ المُخْتَلِفَةِ الصورِ، فبعضُها تامٌّ، وبعضُها كافٍ، وبعضُها حسنٌ، عندَ مَن له إلمامٌ بالمباني العربيَّةِ، والمَعْاني التفسيريَّةِ، خصوصًا في فواصلِ سورةِ الجنِّ، فإنَّ أربابَ الوقوفِ جعَلُوا الخلافَ في جوازِ وقفِها بِناءً على كسرِ الهمزةِ بعدَ الواوِ فيها، وتعيينِ الوصلِ على فتحِها، ثمَّ قالَ: وكذلكَ مثلَ الوقفِ على {لاريبَ فيه}، وفيه أنَّ وقوعَ اختلافِ أربابِ الوقوفِ يُنافِيه، فبعضُهُم وقَفَ على (لاريبَ بِناءً على أنَّ خبرَ (لا) محذوفٌ، لحذفِه كثيرًا بلا شَكٍّ، وأنَّ قولَه (فيه) خبرٌ مُقَدَّمٌ لقولِه { هدًى للمُتَّقِينَ } ، أي: هدايةً وباعثهُ عنايةً للمؤمنينَ، وبعضُهم وقفَ على (فيه) بِناءً على أنَّهُ خبرُ (لا) وأنَّ (هدى) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه: هو هدًى، بمعنى هادٍ أو ذو هدايةٍ، وسُمِّيَ بالمصدرِ للمبالغةِ ومثلَ هذا التركيبِ يُسَمَّى عندَ أربابِ الوقوفِ مُعَانَقَةً أو مُراقبةً، بمعنى: أنَّهُ إذا وقفَ على الأَوَّلِ يصلُ في الثاني، وبالعكسِ، فلا يجوزُ وقفُهُما ولا وصلُهما، وأمثالُ ذلكَ في القرآنِ مواضعُ جمعَها بعضُهم.
ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ على رؤوسِ الآيِ سُنَّةٌ؛ لمِا ذكرَه ابنُ المصنِّفِ بروايتِه على أبيه بسندِه المُتَّصِلِ إلى أمِّ سلمةَ رضي اللهُ تعالى عنها: (كانَ إذا قرأَ قطَّعَ آيةً آيةً يقولُ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ثمَّ يقفُ ثمَّ يقولُ الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ ثمَّ يقفُ ثمَّ يقولُ: الرحمنِ الرحيمِ ثمَّ يقفُ) قالَ: ولهذا الحديثِ طرقٌ كثيرةٌ وهو أصلٌ في هذا البابِ.
أقول: فظاهرُ هذا الحديثِ أنَّ رؤوسَ الآيِ يُسْتَحَبُّ الوقوفُ عليها سواءٌ وُجِدَ تَعَلُّقٌ لفظيٌّ أمْ لا، وهو الذي اختارَه البيهقيُّ، وقالَ أبو عمرٍو: وهو أحبُّ إليََّ، لكنَّهُ خلافُ ماذهبَ إليه أربابُ الوقوفِ كالسجاوندي وصاحبِ الخلاصةِ وغيرِهما مِن أنَّ رؤوسَ الآيِ وغيرَها في حكمٍ واحدٍ، من جهةِ تَعَلُّقِ ما بعدَه بما قبلَه وعدمِ تَعَلُّقِهِ؛ولذا جعلُوا رمزَ (لا) ونحوَه فوقَ الفواصلِ، كما كتبُوها فوقَ غيرِها، معَ اتِّفَاقِهِم على جوازِ الابتداءِ بعدَ روؤسِ الآيِ، بخلافِ ما سِوَاها ممَّا لا يكونُ علامةَ الوقوفِ فوقَها، وحمَلُوا الحديثَ الواردَ على بيانِ الجوازِ، وعلى تعليمِ الفواصلِ، فإنَّه مِن بابِ التوقيفِ لعدمِ اطِّلاعِ غيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها، بلْ فَرَّقُوا في رؤوسِ الآيِ بحسبِ اختلافِ القُرَّاءِ المُقْتَضِي لاختلافِ الإعرابِ المُوجِبِ للتَّعَلُّقِ وعدمِهَ، فَوَقَفُوا في سورةِ إبراهيمَ على قولِه تعالى: { العزيزُ الحميدُ } إذ قرَأُوا لنافعٍ والشاميِّ برفعِ ما بعدَه، ووصلُوا على قراءةِ غيرِهما بجرِّه، وأمثالُ ذلكَ كثيرٌ في القرآنِ يَعْرِفُها أربابُ الوقوفِ من الأعيانِ، وقد اعتنى قرَّاءُ العجمِ بهذا الشأنِ، وأَهْمَلَ أمرَه قرَّاءُ العربِ في هذا الزمانِ، حتَّى ذكرَ مولانا نورُ الدينِ عبدُ الرحمنِ الجاميُّ قُدِّسَ سِرُّهُ الساميُّ بطريقِ اللطافةِ أنَّ قُرَّاءَ مصرَ والشامِ ترَكُوا مراعاةَ وقوفِ الكَلاَمِ، فكأنَّ قضاتَهم لمَّا ضَيَّقُوا أوقافَ كُلِّ مكانٍ رفعُوا أيضًا وقوفَ القرآنِ.
هذا والتَّعَلُّقُ اللفظيُّ هو أنْ يكونَ ما بعدَه مُتَعَلِّقًا بما قَبلَه من جهةِ الإعرابِ، كأنْ يكونَ صفةً أو مَعْطُوفًا لكن بشرطِ أنْ يكونَ ما قبلَه كَلاَمًّا تامًّا، وأمَّا التَّعَلُّقُ المَعْنويُّ فهو أنْ يكونَ تَعَلُّقُهُ، من جهةِ المعنى فقطْ دونَ شيءٍ من تَعَلُّقَاتِ الإعرابِ، كالإخبارِ عن حالِ المؤمنينَ في أَوَّلِ سورةِ البقرةِ مثلًا فإنَّه لا يتمُّ إلاَّ إلى قولِه: { الْمُفْلِحُونَ } ثمَّ أحوالُ الكافرينَ يتمُّ عندَ قولِه تعالى: { وَلَهُم عذابٌ عظيمٌ } ثمَّ تمامُ أحوالِ المنافقينَ عندَ قولِه: { إنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ } حيثُ لم يَبْقَ لما بعدَه تَعَلُّقٌ بما قبلَه لا لفظًا ولا معنىً، وقد اعْتَنَى أبو عمرٍو الدانيُّ برسالةٍ مَسْتَقِلَّةٍ مُسْتَوْعِبَةٍ لأَنْواعِ الوقفِ من التامِّ والكافي والحسنِ في جميعِ السورِ.
وأمَّا قولُ الأزهريِّ: والمختارُ أنَّ التامَّ والكافيَ حسنٌ، والحسنَ جائزٌ، وكذا حكمُ الابتداءِ. فَخُروجٌ عن اصطلاحِ القُرَّاءِ وتحقيقِ العلماءِ، ومبنيٌّ على عدمِ التمييزِ بينَ مراتبِ الوقوفِ والابتداءِ.

(وغيرُ ماتمَّ قبيحٌ وله = يُوقَفُ مُضطرًّا ويُبْدَا قبلَهُ)

يُبْدَأُ بصيغةِ المجهولِ، وسُكِّنَ همزتُه ضرورةً، ثمَّ أُبْدِلَ ألفًا، وقالَ اليمنيُّ: الهمزةُ في يبدأُ ساكنةٌ على نيَّةِ الوقفِ، كما في روايةِ قُنْبلٍ * (بسبأٍ) وضَبَطَ الروميُّ: بصيغةِ الفاعلِ، حيثُ قالَ: ويَبْدَأُ القارئُ، لكنَّهُ خلافُ الظاهرِ، للاحتياجِ إلى القولِ بحذفِ الفاعلِ ولو بقرينةِ المقامِ، معَ ما يَفُوتُه مِن المناسبةِ بينَ (يبدأُ) و (يوقفُ) على ما فيه من نظامِ المرامِ، وفي أصلِ زكريَّا (الوقفُ مضطرًّا) بفتحِ همزة أل للابتداءِ، وقالَ التقديرُ: للقارئِ الوقفُ على ذلكَ، وفي نسخةٍ (يُوقَفُ) أي ولأجلِ قَبُحِ الوقفِ على ذلكَ يُوقَفُ عليه مُضْطرًّا إلخ، وأنتَ تعلمُ أنَّ نسخةَ المضارعِ أحسنُ مِن المصدرِ، وهو كذلكَ في النسخِ باعتبارِ الأكثرِ، ومعنى البيتِ مُجْمَلًا أنَّ غيرَ ما تمَّ مِن الكَلاَمِ قبيحُ الوقفِ عليه عندَ القُرَّاءِ الفِخَامِ، حالَ الاختيارِ، دونَ وقفِ الاختيارِ، أو الانتظارِ، أو الاضطرارِ، فالمرادُ بالاضطرارِ أعمُّ مِن الحقيقيِّ والحكميِّ في الاعتبارِ، وقولُه (مضطرًّا) حالٌ مِن الواقفِ بِناءً على نسخةِ (الوقفِ) ومِن الوقفِ على نسخةِ (يُوقَفُ) ولا يبعُدُ أنْ يُجْعَلَ المضطرُّ مصدرًا للعِلَّةِ، والأظهرُ أنَّهُ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: يُوقَفُ وقفًا مضطرًّا لِعيٍّ وحصرٍ وغيرِهما، لكنْ حينئذٍ يُبْدَأ بما قبلَ موضعِ الوقفِ، من الكلمةِ التي وقفَ عليها، وبيانُ تفصيلِه بحسبِ تمثيلِه: أنَّ الوقفَ على {الحمدِ} قبيحٌ وكذا على (بسمِ) كما صرَّحَ به ابنُ المصنِّفِ، وأمَّا ما سبقَ مِن المصريِّ أنَّ الوقفَ على (بسمِ الله ِ) قبيحٌ وعلى {الرحمنِ} كذلكَ وعلى {الرحيمِ} تامٌّ، فخطأٌ قبيحٌ منه، فإنَّ الوقفَ على كُلٍّ مِن الجلالةِ والرحمنِ حسنٌ؛ لأنَّه معَ مُتَعَلِّقِه مِن الفعلِ أو الاسمِ المُقَدَّرِ كَلاَمٌ تامٌّ، كما وردَ في أحاديثِه عليه السلامُ مِن الاكتفاءِ على بسمِ اللهِ في ابتداءِ الطعامِ ونحوِه من المواضعِ الكرامِ، وإنَّما يَقْبُحُ الوقفُ على (بسمِ)؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ لأيِّ شيءٍ أَضَفْتَهُ، وكذا الوقفُ على المضافِ دونَ المضافِ إليه، والصفةِ دونَ الموصوفِ، والرافعِ دونَ المرفوعِ، والناصبِ دونَ المنصوبِ والمنصوبِ دونَ الناصبِ، ولا على المَعْطوفِ دونَ ما عَطفْتَه عليه ولا على إنَّ وأخواتِها دونَ اسمِها، ولا على اسمِها دونَ خبرِها، وعلى كانَ وأخواتِها دونَ اسمِها، ولا على اسمِها دونَ خبرِها، وعلى ظننتُ وأخواتِها دونَ منصوباتِها، ولا على صاحبِ الحالِ دونَها، ولا على المُسْتَثْنَى منه دونَ الاستثناءِ، ولا على المُفَسِّرِ دونَ المُفَسَّرِ، ولا على الذي، وما، وَمن، دونَ صلاتِهِنَّ، ولا على صلاتِهِنَّ دونَ مَعْمُولاتِهِنَّ، ولا على الفعلِ دونَ مصدرٍ، ولا على مصدرٍ دونَ آلتِه، ولا على حروفِ الاستفهامِ دونَ ما اسْتُفْهِمَ بها عنه، ولا على حروفِ الشرطِ دونَ المشروطِ، ولا على المشروطِ دونَ الجزاءِ، ولا على الأمرِ دونَ جوابِه، إلا أنْ يكونَ القارئُ مضطرًّا فإنَّهُ يجوزُ له الوقفُ حالَ اضطرارِه، كانقطاعِ نَفَسٍ ونحوِه، لكن إذا وقفَ يبتدىءُ من الكلمةِ التي وقفَ عليها، يعني: إذا حسُن الابتداءُ بها، كذا ذكرَه المصنِّفُ، ولعلَّه مبنيٌّ على أنَّ التمامَ عندَه ما يَحْسُنُ السكوتُ عليه من الكَلاَمِ، وأمَّا على الظاهرِ المُتَبَادِرِ من كَلاَمِ الناظمِ وتقسيمِه إلى أنواعِ التَّعَلُّقِ فمعنى التمامِ استيفاءُ الكَلاَمِ للمُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه، ثمَّ يُرَدُّ على ابنِ المصنِّفِ في إطلاقِ أمثلتِه إذا وقعَ شيءٌ منها في رؤوسِ الآيِ؛ فإنَّه ليسَ الوقفُ عليها بقبيحٍ إجماعًا، وإنَّما اختلفُوا في الوجهِ الأَوَّلِ، وكذا يُرَدُّ على قولِه: ولا على المَعْطوفِ دونَ ما عطَفْتَه عليه، ما سبقَ منه أنَّ الوقفَ على قولِه: {حُرِّمَتْ عليكُم أُمَّهَاتُكُم} هو الكافي، ويمكنُ دفعُه بأنَّهُ أرادَ عطفَ المفردِ، كقولِه: {واللهُ ورسولُه} وكذا يُرَدُّ على قولِه: وعلى الموصوفِ دونَ الصفةِ، ما تقدَّمَ من حُسْنِ الوقفِ على (بسمِ اللهِ) وكذا في (الحمدِ للهِ).
ثمَّ قالَ: واعلمْ أنَّ مِن الوقفِ القبيحِ الوقفَ على (غيرِ) مِن {غيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم} وعلى (إلهٍ) من {إلهِ الناسِ} كما يفعلُه جهلةُ القُرَّاءِ، ويَسْتَدِلُّونَ برقمِ السجاوندي على ما قبلَ هذه الكلماتِ: لا، أي لا وقفَ، فليتَ شعري هل نهاكَ عن الوقفِ على رأسِ الآيةِ الذي هو سُنَّةٌ وأمَرَكَ بالوقفِ على المضافِ دونَ ما أُضِيفَ له مِن (غيرِ) و (إلهٍ) يعني: وتُخَالِفُ السُّنَّةَ وأئمةَ الوقوفِ في القِراءةِ فَتَقِفُ تارةً بعدَ تمامِ الآيِ وتارةً قبلَها لكونِ كتابةِ (لا) على رؤوسِ الآيِ، وأمَّا ما نَقَلَ بعضُهم مِن الروايةِ عن بعضِ مَن ليسَ له الدِّرايةُ أنَّ الوقفَ على (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم) غيرُ جائزٍ بل حرامٌ وَكُفْرٌ وَأَمْثَالُ ذلكَ فهذا نقلٌ باطلٌ ليسَ فيه وجهٌ طائلٌ، وكذا ما ذَكَرَه بعضُهم مِن أنَّ الوقفَ على: { والسَّمَاءِ ذاتِ الرجعِ } مُبْطِلٌ للصلاةِ وَكُفْرٌ في خارجِها تَعَمُّدًا فَمِن أقبحِ الرواياتِ؛ لأنَّه مُخَالِفٌ لإجماعِ أربابِ القِرَاءاتِ وقواعدِهم المَأْخُوذَةِ مِن الأصولِ العربيَّةِ، لا سيَّما وقد وَرَدَتْ الأحاديثُ النبويَّةُ بخصوصِ رؤوسِ الآيِ القرآنيَّةِ، ثمَّ قالَ: وأقبحُ مِن هذا الوقفُ على قولِه: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذينَ قالُوا} {لَقَدْ كَفَرَ الَّذينَ قالُوا} {وَقَالَتِ الْيَهُودُ} {وَقَالَتِ النَّصَارَى} {فَاعْبُدُونِ} و {قالُوا} و{مِن إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ} {وهم مُهْتَدُونَ} {ومالي} {ومَن يَقُلْ مَنْهُمْ} {مِن الخاسرينَ} {فَبَعَثَ} {إلا أنْ قالُوا أَبَعَثَ} والابتداءُ بقولِه تعالى: {إنَّ اللهَ فقْيرٌ} و {إنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ} و {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} و {المَسِيحُ ابنُ اللهِ } و {وَلَدَ اللهُ} و {لا أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي} و {إني إلهٌ مِن دونِه} و {اللهُ غُرَابًا} و {اللهُ بَشَرًا} لأنَّ المعنى يَخْتَلُّ بلْ يَسْتَحِيلُ بفصلِ ذلكَ عمَّا قَبْلَهُ.
قُلْتُ أمَّا الابتداءُ في المثالينِ الآخرينِ فإنَّه يَشْتَبِهُ على العوامِّ حيثُ لا يُمَيِّزُونَ بينَ المنصوبِ والمرفوعِ في حكمِ الكَلاَمِ ونظامِ المرامِ، وأمَّا في سائرِ الأمثلةِ فالوقفُ ليسَ بقبيحٍ فضلًا عن أنْ يكونَ أقبحَ، وإنَّما القبيحُ في غايةِ القبحِ هو الابتداءُ بما بعدُ، لما يتفرَّعُ على الابتداءِ مِن توهُّمِ الإنشاءِ، وسيأتي تحقيقُ أساسِ ذلكَ البناءِ، ومِن هذا القبيلِ الوقفُ على نحوِ: { قلْ يا أيُّهَا الكافرونَ لا } والابتداءُ بقولِه { أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ } ثمَّ قالَ: ومِثْلُه في القبحِ الوقفُ على قولِه: {فَبُهِتَ الذي كَفَرَ واللهُ} و {الذينَ لا يؤمنونُ بالآخرةِ مَثَلُ السَّوْءِ وللهِ} {إنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِ} {إنَّ اللهَ لا يَهْدِي} و {لا يَبْعَثُ اللهُ}، وَشِبْهِهِ؛ لأنَّ المعنى يفسُدُ بفصلِ ذلكَ عمَّا بَعْدَه.
أقولُ: وإنَّما قالَ: ومثلَه، وفُصِلَ عمَّا قَبْلَه؛ لأنَّ الوقفَ على هذه المواضعِ قبيحٌ جدًّا لمَا يَتَرَتَّبُ عليه مِن قُبْحِ العطفِ، أو تركِ المفعولِ، وأمَّا الابتداءُ بِما بعدَه فليسَ بقبيحٍ، بخلافِ الأمثلَةِ التي قبلَه، فقولُه: ومن انقطعَ نَفَسُه على ذلكَ وجبَ عليه أنْ يرجعَ إلى ما قبلَه ويصلَ الكَلاَمَ بعضَه ببعضٍ فإن لم يَفْعَلْ أَثِمَ، إنَّما يستقيمُ في الأمثلةِ الأُولَى، وأمَّا في الأمثلةِ الثانيَةِ فينبغي أنْ يعودَ فالعودُ أحمدُ، ثمَّ قالَ: وكانَ ذلكَ أي الابتداءُ في القسمِ الأَوَّلِ والوقفُ في الثاني من الخطأِ العظيمِ الذي لو تَعَمَّدَهُ مُتَعَمِّدٌ لَخَرَجَ بذلكَ عن دينِ الاسلامِ؛ لكونِ اعتقادِ ذلك افتراءً على اللهِ عزَّ وجلَّ وجهلًا به سبحانَه. وأقولُ: وأمَّا قولُ (قاضيخانَ) مِن علمائِنا الحنفيَّةِ في فتاواه: وإنْ غَيَّرَ المعنى تغيُّرًا فاحشًا بأنْ قرأَ: { إنَّما يَخْشَى اللهَ مِن عِبَادِه العلماءُ } برفعِ الهاءِ ونصبِ العلماءِ، وقرأَ: { إنَّ اللهَ برىءٌ مِن المشركينَ ورسولُه } بكسرِ لامِ الرسولِ، وما أَشْبَهَ ذلكَ ممَّا لو تَعَمَّدَهُ به يُكَفَّرُ، وإذا قرأَ خطأً فَسَدَتْ صلاتُه في قولِ المُتَقَدِّمِينَ فَسَهْوٌ فهو صَدَرَ عنه مِن الغفلةِ عن مَعْرفةِ القِراءةِ الشاذَّةِ ووجوِه القواعدِ العربيَّةِ، إذ نَصَبَ (العلماءَ) رُوِيَ عن أبي حنيفةَ رحمَهُ اللهُ تعالى إمامِ الفقهاءِ، وَوُجِّهَ بأنَّ (يخشى) بمعنى يُعَظِّمُ، على قاعدةِ التجريدِ، فإنَّ الخشيةَ خوفٌ مَقْرُونٌ بالتعظيمِ ووجهُ كسرِ (رسولِه) المقروءِ في الشواذِّ أيضًا بأنَّ واوَه للقسمِ أو جَرِّه للجِوارِ، كما ذكرَه صاحبُ الكَشَّافِ، ثمَّ قالَ: وإنْ وصَلَ في غيرِ موضعِه، وفَصَلَ في غيرِ موضعِه، فإن لم يتغيَّر المعنَى تَغَيُّرًا فاحشًا، بأنْ وقَف على الشرطِ وابتدأَ بالجزاءِ فقرأَ: {إنَّ الذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصالحَاتِ} وَوَقَفَ ثمَّ ابتدأَ بـ {أُولَئِكَ هم خيرُ البريَّةِ} أو فَصَلَ بينَ الصفةِ والموصوفِ، نحوَ إنْ قرأَ { إنَّهُ كانَ عبدًا } ووقفَ ثمَّ ابتدأَ بقولِه: {شَكُورًا} فَمِثلُ هذا لا يَحْسُنُ، ولا يُفْسِدُ صلاتَه؛ لأنَّ مَوْضِعَ الفصلِ والوصلِ لا يعرفُها إلا العلماءُ، وإن تغيَّرَ المعنى تَغَيُّرًا فاحشًا نحوُ أنْ يقرأَ {اللهُ لا إلهَ} وَيَقِفُ ثمَّ يبتدىءُ بقولِه: {إِلاَّ هُوَ} أو قرأَ {قالَت اليَهودُ} وَيَقِفُ، ثمَّ يَبْتَدِيءُ بقولِ {عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ} ونحوُ ذلكَ، قالَ عامَّةُ العلماءِ: لا تَفْسُدُ صلاتُهَ، وقالَ بعضُهم: تَفْسُدُ. ا هـ. وفي الخلاصةِ لو وقفَ على قولِه: {وَقَالَتِ اليَهودُ} ثمَّ ابتدأَ بقولِه: {عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ} لاتَفْسُدُ صلاتُه بالإجماعِ. أقولُ: ولعلَّ وَجْهَهُ ما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، وأبي حفصٍ الكبيرِ البخاريِّ ومُحَمَّدٍ بنِ مُقَاتِلٍ، وغيرِهم مِن أنَّ عدمَ فسادِه لِمَا فيه من ضرورةِ سَبْقِ اللِّسانِ، ثمَّ قالَ في الخلاصةِ: ولو لم يقفْ عندَ قولِه: {أنَّهُم أصحابُ النارِ} بلْ وصلَ بقولِه: {الذينَ يَحْمِلُونَ العرشَ} لا تَفْسُدُ لكنَّه قبيحٌ ا.هـ.َ
ولا يخفى أنَّ أربابَ الوقوفِ جعلُوا الميمَ الذي هو علامةُ الوقفِ اللازمِ على قولِه (أصحابُ النارِ) لأنَّ في وصلِه إبهامَ أنْ يكونَ ما بعدَه صفةً لما قبلَه، وهو يُغَيِّرُ المعنى تغيرًا فاحشًا؛ لأنَّ قصدَ ذلك المعنى يكونُ كُفْرًا، وبِهَذَا التقريرِ وما سبقَ به من التحريرِ تبيَّنَ معنى قولِ الناظمِ التحريرِ (وليسَ في القرآنِ مِن وقفٍ وَجَبَ) وفي نسخةٍ (يَجِبُ) و (مِن) زائدةٌ مُؤَكِّدَةٌ، للمبالغةِ في النفيِ، فيجوزُ وصلُ الكلماتِ مِن أَوَّلِها إلى آخرِها في القرآنِ العظيمِ، ولا يكونُ فاعلُه تاركًا لواجبٍ عليه، بمعنى أنَّهُ يَأْثَمُ بتركِ الوقفِ لديه وإنَّما ينبغي له بالوجوبِ الاصطلاحيِّ ويُسْتَحَبُّ له باللزومِ العرفيِّ مراعاةُ الوقوفِ القرآنيَّةِ، لما وردَ أنَّ عليًّا كرَّمَ اللهُ وجهَهُ سُئِلَ عن قولِه تعالى: {وَرَتِّل القرآنَ تَرْتِيلًا} فقالَ الترتيلُ: تجويدُ الحروفِ ومَعْرفةُ الوقوفِ.
ولِمَا وردَ عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّهُ قالَ: " لقد عِشْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنَا وإنَّ أحدَنا لَيُؤْتَى الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وتَنْزِلُ السورةُ على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَتَعَلَّمُ حلالَها وحرامَها وأمرَها وزَجْرَها وما ينبغي أنْ يُوقَفَ عندَه منَها.
قالَ الناظمُ ففي كَلاَمِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه دليلٌ على وجوبِ تَعَلُّمِهِ ومَعْرفتِه وفي كَلاَمِ ابنِ عمرَ رضي اللهُ تعالى عنهما برهانٌ على أنَّ تَعَلُّمَهُ إجماعٌ مِن الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، وصحَّ بلْ تواترَ عندَنا تَعَلُّمُهُ والاعتناءُ به من السلفِ الصالحِ، قالَ: ومِن ثَمَّ اشترطَ كثيرٌ مِن أئمَّةِ الخلفِ على المجيزِ أنْ لا يُجِيزَ أحدًا إلا بعدَ مَعْرفةِ الوقفِ والابتداءِ، وقالَ الإمامُ أبو زكريَّا: الوقفُ في الصدرِ الأَوَّلِ مِن الصحابةِ والتابعينَ وسائرِ العلماءِ مرغوبٌ فيه من مشايخِ القُرَّاءِ والأئمَّةِ الفُضَلاءِ، مطلوبٌ فيما سلفَ من الأعصارِ، واردةٌ به الأخبارُ الثابتةُ، والآثارُ الصحيحةُ، ففي الصحيحينِ أنَّ أمَّ سلمةَ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قراءتَه يقولُ: " (الْحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ) ثمَّ يقفُ " الحديثَ. ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَشَهَّدَ أحدُهُما وقالَ: مَن يُطِع اللهَ ورسولَه فقدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِمَا ووقفَ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قُمْ بِئْسَ الخطيبُ أنتَ ). قالَ بعضُهم: إنَّما قالَ ذلكَ لِقُبْحِ لفظِه، وكانَ حقُّه أنْ يقفَ على (رَشَدَ) أو على (غَوَى) أو يصلَ الجميعَ، فانظرْ كيفَ كَرِهَ قُبْحَ لَفْظِه إنْ كانَ مرادُه الخيرَ لا الشرَّ ا.هـ.
ولا يخفى أنَّ قولَه: وما ينبغي أنْ يُوقَفَ عندَه منها لا يبعُدُ أن يُرَادَ بها الآياتُ المتشابهةُ في مَعْناها، فليسَ في الحديثِ الثاني نصٌّ على الوقفِ المصطلحِ عليه.
(ولا حرامٌ غيرُ ما لَه سببٌ) يجوزُ رفعُ حرامٍ على أنَّهُ مَعْطُوفٌ على مَحَلِّ (َمَن وَقَفَ)؛ لأنَّه اسمُ ليسَ، وَجَرُّه للعطفِ على لفظِه، كما قُرِيءَ بالوجهينِ في قولِه تعالى: {هلْ مِن خالقٍ غيرُ اللهِ} وقولِه سبحانَه { مَالَكُمْ مِن إِلَهٍ غَيْرُه} لكن الجمهورُ بالرفعِ وأمَّا (غيرُ في البيتِ فَتَابِعٌ لحرامٍ في إعرابِه، وَجُوِّزَ نَصْبُه حالًا، ويمكنُ نصبُه على الاستثناءِ أيضًا.
وحاصلُ معنى البيتِ بكمالِه أنَّهُ ليسَ في القرآنِ وقفٌ واجبٌ يَأْثَمُ القارئُ بتركِه، ولا وَقْفٌ حرامٌ يَأْثَمُ بِوَقْفِه؛ لأنَّهما لا يدلاَّنِ على معنًى فَيَخْتَلُّ بِذَهَابِهِمَا، إلا أنْ يكونَ لذلكَ سببٌ يَسْتَدْعِي تحريمَه ومُوجِبٌ يقتضي تَأْثِيمَه، كأنْ يَقْصِدَ الوقفَ على {ما مِن إلهٍ} و {إنِّي كَفَرْتُ} ونحوِهما كما سبقَ مِن غيرِ ضرورةٍ، إذ لايَقْصِدُ ذلكَ مُسْلِمٌ واقفٌ على مَعْناهُ، وإذا لم يَقْصِدْ فلا يَحْرُمُ عليه لا الوصلُ ولا الوقفُ في مبناهِ، وأمَّا غيرُ الواقِفينَ على مَعْناهُ ففي الأمرِ سَعَةٌ عليهم؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ القصدُ لديهم، لكن الأحسنُ معَ عدمِ القصدِ أنْ يُتَجَنَّبَ الوقفُ على مثلِ ذلكَ مطلقًا، للإبهامِ على خلافِ المَرامِ، لاسيَّما إذا كانَ مُسْتَمِعًا في ذلكَ المقامِ.
ثمَّ اعلمْ أنَّ المُتَأَخِّرينَ مِن عُلَمَائِنا اتَّفَقُوا على أنَّ الخطأَ إنْ كانَ في الإعرابِ لا يُفْسِدُ الصلاةَ مُطْلَقًا، وإنْ كانَ ممَّا اعتقدَه كُفِّرَ؛ لأنَّ أكثرَ الناسِ لا يُمَيِّزُونَ بينَ وجوهِ الإعرابِ، قالَ قاضيخانَ: وما قالَه المتأخِّرُونَ أوسعُ، وما قالَه المُتَقَدِّمُونَ أحوطُ؛ لأنَّه لو تَعَمَّدَهُ يكونُ كُفْرًا وما يكونُ كُفْرًا لا يكونُ مِن القرآنِ. قالَ ابنُ الهُمَامِ: فيكونُ مُتَكَلِّمًا بكَلاَمِ الناسِ الكفارِ وهو مُفْسِدٌ كما لو تَكَلَّمَ بكَلاَمِ الناسِ ساهيًا ممَّا ليسَ بكفرٍ فكيفَ وهو كُفْرٌ.
قالَ شارحُ المنيَّةِ: ولا يُقَاسُ مسألةُ زَلَّةِ القارئِ بعضِها ممَّا ليسَ مذكورًا عن الأئمَّةِ المتقدِّمِينَ والمُتَأَخِّرينَ على بعضٍ ممَّا هو مذكورٌ إلا بعلمٍ كاملٍ في اللغةِ و العربيَّةِ والمَعْاني ونحوِ ذلكَ ممَّا يحتاجُ إليه تفسيرٌ لِيُعْلَمَ ما اعتقادُه كُفِّرَ وما هو بعيدٌ فاحشًا أو غيرَ فاحشٍ. ثمَّ قالَ: وأمَّا الحُكْمُ في قطعِ بعضِ الكلمةِ عن بعضٍ، بأنْ أرادَ أنْ يقولَ (الَحَمْدُ للهِ) فقالَ (أل) فانقطعَ نَفَسُه أو نَسِيَ الباقيَ ثمَّ تَذَكَّرَ فقالَ (الْحَمْدُ للهِ) أو لم يَتَذَكَّرْ فَتَرَكَ الباقيَ وانتقلَ إلى كلمةٍ أُخْرَى فقدْ كانَ الشيخُ الإمامُ شمسُ الأئمَّةِ الحُلْوَانِيُّ يُفْتِي بالفسادِ في مثلِ ذلكَ، وعامَّةُ المشايخِ قالُوا: لا تَفْسُدُ لعمومِ البَلْوَى في انقطاعِ النفَسِ والنسيانِ.
أقولُ: وفيه بحثٌ؛ لأنَّ المثالَ المذكورَ لا يصلُحُ أنْ يكونَ لقطعِ بعضِ الكلمةِ عن بعضٍ على وجهِ الحقيقةِ؛ فإنَّ لامَ التعريفِ كلمةٌ مستقلةٌ، لكن لكمالِ امتزاجِها بمدخولِها تُعَدُّ كلمةً واحدةً ولا يُسْتَحْسَنُ قطعُها عمَّا بعدَها وكذا فُصِلَ ما بعدَها عنها لاتِّصَالِها رسمًا فالمثالُ اللائقُ فيما نحنُ فيه أنْ يقولَ: (الْحَمْدُ للهِ) بأنْ يَقِفَ على الميمِ وابْتَدَأَ بالدالِ، فَتَأَمَّلْ في تحقيقِ تَصَوُّرِ المثالِ، قالَ: وأمَّا الوقفُ في غيرِ موضعِه والابتداءُ في غيرِ موضعِه فلا يُوجِبُ ذلكَ فسادَ الصلاةِ أيضًا لعمومِ البلوى بانقطاعِ النَّفَسِ وحصولِ النسيانِ، وعدمِ مَعْرفةِ المعنى في حقِّ العوامِّ، وانتفاءِ القصدِ المذمومِ بالنسبةِ إلى الخواصِّ، عندَ عامَّةِ علمائِنا، وعندَ بعضِ العلماءِ تَفْسُدُ إن تغيَّرَ المعنى تَغَيُّرًا فاحشًا نحوُ أنْ يقرأَ { لا إلهَ } ووقفَ وابتدأَ بقولِه: { إلا اللهُ } وهذا مثالُ الوقفِ، أو قرأَ: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذينَ أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم } ووقفَ وابتدأَ بقولِه: {وإيَّاكُمْ أنِ اتَّقُوا اللهَ} أو قرأَ: { يُخْرِجُونَ الرَسُولَ } وابْتَدَأَ بقولِه: {وإيَّاكُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ ربِّكُمْ} وأمثالُ ذلكَ ممَّا تقدَّمَ، فالصحيحُ عدمُ الفسادِ في ذلكَ واللهُ أعلمُ.
ثمَّ قالَ ولو وَصَلَ حرفًا مِن آخرِ كلمةٍ بكلمةٍ أُخْرَى بأنْ قرأَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نستعينُ} بوصلِ كافِ إيَّاكَ بالنونِ، أو قرأَ {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكوثرَ} وما أَشْبَهَ ذلكَ فإنَّ صلاتَه لا تَفْسُدُ على قولِ العامَّةِ مِن العلماءِ، قالَ قاضيخانِ: وإنْ تَعَمَّدَ ذلكَ، وفي شرحِ التَّهْذِيبِ: هو الصحيحُ؛ لأنَّ مِن ضرورةِ وصْلِ الكلمةِ بالكلمةِ اتصالَ آخرِ الأُولَى بأَوَّلِ الثانيَةِ. قالَ في فتاوَى الحُجَّةِ: المُصَلِّي إذا وصلَ في الفاتحةِ {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لا ينبغي أنْ يَقِفَ على (إيَّاكَ) ثمَّ يقولُ (نَعْبُدُ) بل الأَوْلَى والأصحُّ أنْ يصلَ {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نستعينَ} قالَ صاحبُ المنيَّةِ: وعلى قولِ بعضِ المشايخِ تَفْسُدُ صلاتُه، والظاهرُ أنَّ مُرَادَ هذا القائلِ إنَّما هو عندَ السكتِ على (إيا) ونحوِها، وإلا فلا ينبغي لعاقلٍ أنْ يَتَوَهَّمَ فيه الفسادَ فضلًا عن العالمِ، هذا وبعضُ المشايخِ فصَّلُوا وقالُوا: إنْ عَلِمَ القارىءُ أنَّ القرآنَ كيفَ هو، أي عَلِمَ أنَّ الكافَ مِن الكلمةِ الأُولَى لامِن الثانيَةِ إلا أنَّهُ جرَى على لسانِه هذا الوصلُ لاتَفْسُدُ صلاتُه، وإن كانَ في اعتقادِه أنَّ القرآنَ كذلكَ أي: إنَّ الكافَ مثلًا مِن الكلمةِ الثانيَةِ تَفْسُدُ صلاتُه، لأنَّ ما قرأَ ليسَ بقرآنٍ، نظرًا إلى ما أرادَه، والصحيحُ قولُ العامَّةِ؛ لأنَّ هذه كُلَّها تكَلُّفَاتٌ باردةٌ، وإذا إتَّسَقَ اللفظُ فلا عبرةَ بإرادةٍ.
أقولُ وما اشْتَهَرَ على لسانِ بعضِ الجهلةِ من القُرَّاءِ أنَّ في سورةِ الفاتحةِ للشيطانِ كذا من الأسماءِ في مثلِ هذه التراكيبِ من البناءِ فخطأٌ فاحشٌ وإطلاقٌ قبيحٌ، ثمَّ سَكْتُهُمْ عن نحوِ دالِ الحمدِ وكافِ إيَّاكَ وأمثالِها غلطٌ صريحٌ.

تعريـفُ الوقـفِ والسَّكْـتِ:
ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ: هو قطعُ الصوتِ عندَ آخرِ الكلمةِ مِقْدَارَ زمنِ التنفُّسِ، والسكتَ: قطعُ الصوتِ زمانًا أقصرَ مِن زمنِ التنفُّسِ، ثمَّ الوقفُ اختياريٌّ: وهوَ أنْ يُقْصَدَ لذاتِه مِن غيرِ عُرُوضِ سببٍ في جهاتِه، واضطراريٌّ وهو ما يَعْرِضُ بسببِ حصرٍ وعجزٍ ونسيانٍ لما بعدَه من كلماتِه، واختياريٌّ: وهو ما يَمْتَحِنُه الأستاذُ بقولِه كيفَ تقفُ على هذا اللفظِ بعينِه؟ لِيَعْلَمَ مهارتَه في وجوهِ قراءتِه، وانتظاريٌّ: وهو أنْ يقفَ على كلمةٍ ليَعْطِفَ عليها غيرَها حينَ جمعِه لاختلافِ رواياتِه. (في الوقفِ على { وَمَا يَعْلَمَ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ}.
ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ قد يكونُ كافيًا على إعرابٍ وتفسيرٍ، وغيرَ كافٍ على آخرَ، نحوُ قولِه تعالى {وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إلا اللهُ} فإنه كافٍ على أنَّ ما بعدَه مُسْتَأْنَفٌ، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وعائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وغيرِهم رَضِيَ اللهُ عنهم، ومذهبُ أبي حنيفةَ، وأكثرِ أهلِ العلمِ، وذهبَ إليه الفَرَّاءُ، والأخفشُ، وأبو حاتمٍ، وغيرُهم، قالَ عُرْوَةُ: والراسخونُ في العلمِ لا يعلمونَ التأويلَ ولكن يقولونُ آمنَّا بِه. وعندَ غيرِهم الوقفُ كافٍ على { والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ} فإنَّه عندَهم مَعْطُوفٌ عليه، وهو روايةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ، واختارَه ابنُ الحاجبِ ومن تَبِعَه، والمَعْتمَدُ هو الأَوَّلُ، وعندَ أربابِ الوقوفِ هو المُعَوَّلُ؛ ولذا رَمَزُوا فوقَ لفظِ الجلالةِ حرفَ الميمِ بالْحُمْرَةِ، للإيماءِ إلى أنَّ الوصلَ مُوهِمٌ لمعنًى فيه خَلَلٌ مِن حيثُ الاعتقادُ، وأمَّا جَعْلُ المصريِّ الوقفَ على الجلالةِ تامًّا فغيرُ تامٍّ؛ لأنَّ ما بعدَه له تَعَلُّقٌ مَعْنويٌّ بما قبلَه، بلْ عندَ المحقِّقِينَ مِن أربابِ التفسيرِ إثباتُ تَعَلُّقِ المعنى في جميعِ الآياتِ ولو ما بينَ القصصِ وبينَ السورِ من سائرِ الكلماتِ.
والحاصلُ أنَّ الناظمَ جعلَ الوقوفَ على ثلاثِ مراتبَ تبعًا لأبي عمرٍو الدانيِّ، وأمَّا السجاونديُّ وكذا مَن تَبِعَه لم يُفَرِّقْ بينَ التامِّ والكافي، لكنَّه جعلَهما على مراتبَ مِن وقفٍ مُطْلَقٍ ورمزُه الطاءُ، حيثُ لم يُجَوِّزْ فيه الوصلَ، ومِن وقفٍ جائزٍ وصلُه والأَوْلَى وقفُه وَرَمْزُه الجيمُ، ومِن وقفٍ مُجَوَّزٍ وصلُه أَوْلَى ورمزُه الزايُ، وجعَل لطولِ الكَلاَمِ وقفًا سَمَّاهُ مُرَخِّصًا ورمزُه الصادُ، وجعلَ بعضَ أنواعِ المطلقِ وقفًا لازمًا ورمزُه الميمُ، وذلكَ لَمَّا كانَ في وصلِه حصولُ خللٍ في المَعْني نحوُ قولِه تعالى {وَمَاهُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ} فإنَّ حالَ الوصلِ قد يُتَوَهَّمُ أنَّ قولَه: (يُخَادِعُونَ) قيدٌ للنفيِ بكونِه وصفًا أو حالًا، والصوابُ أنَّهُ استئنافٌ، ونحوُ قولِه تعالى: {وَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْعِزَّةَ للهِ} و {إنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ} فإنَّ وَصْلَهُ مُوهِمٌ أنَّ القولَ هو مابعدَه وليسَ كذلكَ بلْ القولُ مُقَدَّرٌ، أي: فينا أو فيكَ أو في كتابِنا، ثمَّ الجملةُ استئنافيَّةٌ مُعَلِّلَةٌ لنفيِ الحزنِ، وتسليةٌ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وتهديدٌ لهمْ.
وقد يكونُ الاختلافُ باختلافِ القِراءةِ فنحوُ قولِه تعالى: { يُحَاسِبْكُمْ بِه اللهِ } وقفٌ كافٍ على قراءةِ مَن رفعَ: فَيَغْفِرُ ويُعَذِّبُ ووقفٌ حَسَنٌ لِمَنْ يَجْزِمُهُمَا، لكن لا يُسْتَحْسَنُ الوقفُ عليه لعدمِ حُسْنِ الابتداءِ بما بعدَه، وقِسْ على هذا ما وقعَ في القرآنِ مثلَه، وقد جاءني في سؤالٍ عن بعضِ فضلاءِ اليمينِ في الفَرْقِ بينَ قولِه تعالى: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} وبينَ قولِه سبحانَه: { وإلى ثَمُودَ أَخَاهُم صالحًا} حيثُ جعلَ رمزَ الوقفِ على الأَوَّلِ مطلقًا وعلى الثاني لازمًا، معَ أنَّ ما بعدَهُمَا { قالَ يا قومِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِن إلهٍ غَيْرُهُ} بلا تفاوتٍ في الموضعينِ. فقلتُ:لأنَّ الأَوَّلِ عَلَمٌ جامدٌ لا يصلُحُ أنَّ ما بعدَه وهوَ قولُه: {قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِن إلهٍ غَيْرُه} وصفٌ له بخلافِ الثاني فإنَّهُ عَلَمٌ مُشْتَقٌّ وقعَ في صورةِ النكرةِ فقدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ مَابَعْدَهُ نعتٌ له، ومِن تحقيقِ أربابِ هذا الفنِّ وتدقيقِ نظرِهم في التعبيرِ وكمالِ حَذَاقَتِهِمْ في علمِ التفسيرِ أنَّ السجاونديَّ جعلَ رمزَ الوقفِ على قولِه تعالى حكايةً عن موسى عليه السلامُ: {قالَ ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما} و {ربُّ المشرقِ والمغربِ وما بينَهُما} مطلقًا، وعلى قولِه سبحانَه وتعالى في الدُّخَانِ: {ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهُمَا} لازمًا، معَ اتِّحَادِ ما بَعْدَهُمَا بقولِه تعالى: {إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} وقد جاءَ صاحبُ الخلاصةِ وجعلَ رمزَهما مطلقًا من غيرِ فرقٍ بينهما، بل اعْتُرِضَ علي مَن ميَّزَ باختلافِ رمزِهما، وأقولُ: الصوابُ هو الأَوَّلُ؛ لأنَّ الوصلَ في الآيةِ الأُولَى ليسَ بِمُوهِمٍ لخللٍ في المعنى، بخلافِ الآيةِ الثانيَةِ؛ لأنَّ ما قبلَها فيه خطابٌ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيثُ قالَ تعالى: {إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} فلو وصلَ لربَّمَا يُتَوَهَّمُ أنَّ الخطابَ في كُنْتُمْ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على طريقِ التعظيمِ، أو له ولأمَّتِه على جهةِ التغليبِ، وقد عرَضْتُ هذه الدقيقةَ على مشايخِي في الحرمينِ الشريفينِ، أعني: شيخَ القُرَّاءِ بالمدينةِ السَّكِينَةِ مولانا المَغْفُورِ له أبو الحَرَمِ المدنيِّ، وشيخَ القُرَّاءِ بمكةَ الأمينةِ أستاذِنا المَبْرُوَِر سِرَاجِ الدينِ عُمَرَ الشوافيِّ اليمنيِّ فاسْتَحْسَنَا ما ذكَرْتُه غايةَ التحسينِ، لمَّا تَبَيَّنَ الفرقُ لهما على وجهِ التبيينِ، وقد اعْتَنَى بعضُهم برسالةٍ مُخْتَصَّةٍ في وقفِ اللازمِ، والعوامُّ يَحْسَبونَ أنَّهُ واجبٌ، ووصلُه حرامٌ، ويَغْفُلُونَ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بما ذَكَرَه الناظمُ مِن سببِ قصدِ المُخَالفِ المرامَ، وقد صُنِّفَتْ كتبٌ في الوقوفِ القرآنيَّةِ بعضُها مُدَلِّلٌ ببيانِ إعرابِ المباني، وإعرابِ المَعْاني، والمصاحفُ المصحَّحَةُ الْمَقْرُؤةُ على قُرَّاءِ العجمِِ مَرْمُوزَةٌ في مُشْتَبِهَاتِ المثاني. فإنْ قلتَ: ما وجهُ أربابِ الوقوفِ أنَّهُم كَتَبُوا (لا) في بعضِ المواضعِ ولم يَسْتَغْنُوا بعدمِ كتابةِ رمزِ الدالِّ على نفيِ الوقفِ في أكثرِها؟ قلتُ: لأنَّ تلكَ المواضعَ كانتْ مَظِنَّةَ أنَّهَا مَحَلُّ وقفٍ وانقطاعٍ لها عمَّا بعدَها فَنَبَّهُوا على خلافِ ما يُتَوَهَّمُ مِن ظواهرِها، هذا وقدْ وقعَ اختلافٌ بينَ الكوفيِّ والبصريِّ في بعضِ رؤوسِ الآىِ فجعلَ رمزَ آيةِ الكوفيِّ (لب) وعلامةَ خُمْسِهِمْ (الهاء) وَعُشْرِهِمْ رأسَ العينِ أو حرفَ الياءِ، ورمزَ آيةِ البصريِّ (تب) وَخُمْسِهِمْ (خب) وعُشْرِهِمْ (عب)
فقولُه (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ) في الفاتحةِ آيةٌ للكوفيِّ و { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } آيةٌ للبصريِّ معَ الإجماعِ على أنَّ سورةَ الفاتحةِ سبعُ آياتٍ، وأمَّا البسملةُ في سائرِ السورِ فليستْ بآيةٍ اتفاقًا، وكذا (آلم) البقرةُ آيةٌ عندَ الكوفيِّ خلافًا للبصريِّ، وتفصيلُ ذلكَ يطولُ ويَضُرُّ للمَلُولِ، والعاقلُ يكفيه الإشارةُ، ثمَّ اعْلَمْ أنَّهُ قدْ يقعُ الوقفُ كافيًا على إعرابٍ، وحسنًا على آخرَ، نحوُ قولِه تعالى: { هُدًى للْمُتَّقِينَ } فإنَّه إنْ جَعَلْتَ الموصولَ بعدَه نعتًا له فَالْوَقْفُ حسنٌ، وإنْ جَعَلْتَهُ مرفوعًا أو منصوبًا على القطعِ أو مُبْتَدَأً فوقفُه كافٍ، وَبِمُرَاعَاةِ هذِه الملاحظاتِ في إعرابِ الآياتِ وسائرِ الكلماتِ يحصلُ الفهمُ والدرايةُ، ويتَّضِحُ مِنْهاجُ الهدايةِ ومِعْراجُ الروايةِ، فَتَلْتَذُّ به التلاوةُ على وجهِ الغايةِ والنهايةِ، وأمَّا إذا لم يُلاَحَظ الإعرابُ والمعنى فقد يَقَعُ الواقفُ في خطأ المبنى كما إذا وقفَ على نحوِ قولِه تعالى: { وإنْ كَانَتْ واحدةٌ فَلَها النَّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ}وكذا الوقفُ على { لاتَقْرَبُوا الصَّلاَة } وكذا على { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ } وإنْ كانَ رأسَ آيةٍ، ولايُقَاسُ هذا على نحوِ { ربِّ الْعَالَمِِينَ } لِمَا بَيْنَهُمَا مِن الفرقِ الجليِّ المَعْنويِّ، وأمَّا قولُ المصريِّ: الوقفُ على خَتْمِ اللهِ قبيحٌ، والابتداءُ باللهِ أقبحُ، فليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ الوقفَ على ختمِ اللهِ حَسَنٌ، إلا أنَّهُ يَبْدَأُ بما قبلَه، والابتداءُ بختمٍ أحسنُ مِن الابتداءِ بالجلالةِ، ثمَّ قولُه: وقد يكونُ الوقفُ قبيحًا والابتداءُ به جيِّدًا نحوُ قولِه تعالى: { مَن بَعَثَنَا مِن مَرْقَدِنَا هذا } فإنَّ الوقفَ على (هذا) قبيحٌ؛ لفصلِه بينَ المبتدأِ والخبرِ؛ ولأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ الإشارةَ إلى (مَرْقَدِنَا) وليسَ كَذَلِكَ عندَ أَئِمَّةِ التفسيرِ، ففيه تنبيهٌ حَسَنٌ، إلا أنَّ الأقبحَ منه وصلُ (مَرْقَدِنَا) فإنَّ وَقْفَه عندَ أربابِ الوقوفِ لازمٌ، لما سَبَقَ، وإنْ وُصِلَ هذا بما بعدَه لحصولِ تَوَهُّمِ ما تقدَّمَ، واختارَ حفصٌ عَن عَاصِمٍ السكتَ على (مَرْقَدِنَا) وهو وقفَةٌ لطيفةٌ مِن غيرِ تنَفُّسٍ لحصولِ هذا المعنى، ولدفعِ تَوَهُّمِ ذلكَ المبنى؛ ولأنَّ هذا وما بعدَه معَ ما قبلَه داخلانِ في أجزَاءِ مقولِهم،فلا يَحْسُنُ القطعُ بالكُلِّيَّةِ بينَ مقولِهم، فَتَأَمَّلْ؛ فإنَّه موضعُ تحقيقٍ ومَحَلُّ تدقيقٍ، كما اختارَ السكتَ أيضًا على قوله في سورةِ الكهفِ { وَلَمْ يَجْعَلْ له عِوَجًا } وغيرُه جعلَ وَقْفَه مُطْلَقًا، معَ أنَّهُ مِن رؤوسِ الآىِ، ويتبيَّنُ لكَ وجهُ سكتِه وسببُ العُدُولِ عن وقفِه ممَّا حكاهُ بعضُهم مِن أنَّهُ سمِعَ شيخًا يُعْرِبُ لِتِلْمِيذِهِ (قَيِّمًا) مِن قولِه تعالى: { ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا قَيِّمًا } صفةً لِعِوَجًا قالَ فَقُلْتُ له: يا هذا كيفَ يكونُ الْعِوَجُ قَيِّمًا وَتَرَحَّمْتُ على مَن وقفَ من القُرَّاءِ على ألفِ التنوينِ في (عِوَجًا) وَقَفَةً لطيفةً دفعًا لهذا الوهمِ وإنَّما (قَيِّمًا) حالٌ إمَّا مِن اسمٍ محذوفٍ هو وعاملُه، أي أَنْزَلَه قَيِّمًا، وإمَّا مِن (الكتابِ) وجملةُ النفيِ مَعْطُوفةٌ على الأَوَّلِ ومُعْتَرِضَةٌ على الثاني على ماذكرَه المُفْتِي).[المنح الفكرية:1/57-65]


- قال عبد الرَّازق بنُ عليِّ بنِ إبراهيمَ موسى (ت:1429هـ): (بابُ الوقْفِ والابتداءِ وما يَتعلَّقُ بهما:
لما فرَغَ الناظمُ من الكلامِ على المدِّ شرَعَ في الكلامِ على الوقْفِ والابتداءِ فقالَ:


73 - وبعـدَ تجويـدِك للحــروفِ = لابـدَّ مِـنْ معْرِفَـةِ الوُقُـــوفِ
74 - والابتِـداءِ وهـي تنقسِمُ إذنْ = ثلاثةٌ تـامٌّ وكــافٍ وحسَـــنْ

أيْ بعدَ ما أَتْقَنْتَ أيُّها القارئُ مَخارجَ الحروفِ وصفاتِها والإدمانَ في تجويدِها وتلاوتِها، وكيفيَّةَ النطقِ بها لابدَّ لك من معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ، ومعرفةُ الوقْفِ والابتداءِ متأكِّدٌ غايةَ التأكيدِ وهو من متعلِّقاتِ التجويدِ إذ لا يَتبيَّنُ معنى كلامِ الله ويَتمُّ على أكمَلِ وجهٍ إلا بذلك فربما قارئٌ يَقرأُ ويقِفُ قبلَ تمامِ المعنى فلا يَفهمُ هو ما يَقرأُ ومن يَسمعُه كذلك، ويَفوتُ بسببِ ذلك ما لأجلِه يُقرأُ كتابُ اللهِ ولا يَظهرُ مع ذلك وجهُ الإعجازِ بل قد يُفهمُ من ذلك غيرُ المعنى المرادِ وهذا فسادٌ عظيمٌ.
ولهذا اعتَنَى بعلْمِه وتعليمِه والعملِ به المتقدِّمون والمتأخِّرون وألَّفُوا في ذلك من الدواوين المطوَّلةِ والمتوسِّطةِ والمختصَرةِ ما لا يُعدُّ كثرةً ومن لم يَلتفتْ لهذا ويقِفْ أين شاءَ، فقد خرَقَ الإجماعَ وحادَ عن إتقانِ القراءةِ وتمامِ التجويدِ وهو الغالبُ في قراءةِ قرَّاءِ زمانِنا فإيَّاكَ إيَّاكَ أيُّها القارئُ أن تَفعلَ مثلَهم، والدليلُ على وُجوبِ تعلُّمِ الوقْفِ والابتداءِ من قولِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه ما يلي: حديثُ أبى بَكرةَ أن جبريلَ عليه السلامُ: أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ: اقْرأ الْقُرْآنَ على حرفٍ، فقالَ ميكائيلُ: استزِدْه فقالَ: اقرأْ على حرفَيْن فقالَ ميكائيلُ: استزِدْه حتى بَلغَ سبعةَ أحرُفٍ، ثم قالَ: كلٌّ شافٍ كافٍ ما لم تَختمْ آيةَ عذابٍ بآيةِ رحمةٍ، أو آيةَ رحمةٍ بآيةِ عذابٍ. ورُويَ عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: لقد عِشْنا برهةً من دهرِنا، وإنَّ أحدَنا ليُؤْتى الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وتَنزلُ السورةُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فنَتعلَّمُ حلالَها وحرامَها، وأمرَها وزجرَها، وما يَنبغي أن يُوقفَ عندَه منها، وقالَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنه لما سُئلَ عن قولِه تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} (المزمل: آية 4) الترتيلُ معرفةُ الوقوفِ وتجويدُ الحروفِ، وقال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما: يوقَفُ عندَ قولِه تعالى: {أِنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} (غافر: آية 6)، مقدارُ ما يَشربُ الشربةَ من الماءِ، وقال غيرُه مقدارَ ما يُقالُ: أعوذُ باللهِ من النارِ ثلاثَ مراتٍ، وقال ابنُ الْجَزْرِيِّ في النشْرِ، بعد أن ذكَرَ ما قدَّمناه عن عليٍّ وابنِ عمرَ، ففي كلامِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنه دليلٌ على وجوبِ تعلُّمِ الوقْفِ والابتداءِ ومعرفتِه وفي كلامِ ابنِ عمرَ برهانٌ على أنَّ تعلُّمَه إجماعٌ من الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم.
ومن ثَمَّ اشتَرطَ كثيرٌ من أئمَّةِ الخلَفِ على المُجيزِ ألاَّ يُجيزَ أحداً إلا بعدَ معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ، وفي نهايةِ القولِ المفيدِ ورُويَ أنَّ رجلَيْن أَتَيَا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتشهَّدَ أحدُهما فقالَ: من يُطِع اللهَ ورسولَه فقد رَشدَ ومن يَعصِهما ووقَفَ، فقالَ له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قُمْ بئسَ الخطيبُ أنتَ قلْ: ومنْ يَعصِ اللهَ ورسولَه فقد غَوى، ففي هذا الخبرِ دليلٌ واضحٌ على كراهةِ الوقْفِ على المستبْشَعِ من اللفظِ المتعلِّقِ بما يُبيِّنُ حقيقتَه ويدلُّ على المرادِ منه، لأنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنما ذمَّ الخطيبَ وأقامَه، لما قطَعَ على ما يَقبحُ إذ جمَعَ بقطعِه بينَ حالِ من أطاعَ ومن عَصى ولم يَفصلْ بينَهما، يقولُ صاحبُ نهايةِ القولِ المفيدِ معلِّقاً على هذا الحديث: فإذا كان مثلُ هذا مكروهاً مستبشَعاً في الكلامِ الجاري بينَ المخلوقين فهو في كلامِ اللهِ تعالى أشدُّ كراهةً واستبشاعاً، وتجنُّبُه أَوْلى وأحقُّ، فيجبُ علينا أن نَهتَمَّ بمعرفةِ الوقْفِ والابتداءِ خُصوصاً القائمين على مراجعةِ المصاحفِ وطباعتِها، فعَلَيهم أن يَعتمدوا الكتُبَ الصحيحةَ المؤلَّفَةَ في هذا الشأنِ، ولا يعملون برأيِهم وهم على درجةٍ أقلَّ من مستوى العلماءِ في اللغةِ العربيَّةِ المتخصِّصين في هذا الفنِّ، ومع ذلك يقولون: إنَّ هذه الكُتبَ يُستأنسُ بها فقط ويَعملُ برأيه مخالِفاً لها تكبُّراً وعِناداً، وابتغاءً للشهرةِ ظنًّا منه أنه سيكونُ في نظَرِ الناسِ أعلى ممن تتَلمَذَ عليهم وانتفعَ بكتبِهم، ويقولون: المصحفُ لم يكن فيه هذه العلاماتُ على عهدِ عثمانَ رضيَ اللهُ عنه وينْسونَ أنَّ الذين وَضعُوها - أي علاماتِ الوقفِ - من العلماءِ الذين درَسوا اللغةَ والتفسيرَ والبلاغةَ، بدرجةٍ كبيرةٍ ليس هناك نسبةٌ بينَ هؤلاءِ المحدَثين والقدماءِ في هذا المجالِ، هدانا اللهُ وإيَّاهم.
إذا علمْتَ هذا أيُّها القارئُ، فاعلَمْ أنَّ الوقْفَ في اللغةِ الكفُّ عن القولِ والفعلِ.
وفي الاصطلاحِ: قطْعُ الصوتِ على آخِرِ الكلمةِ الوضعيَّةِ زمناً يُتنفَّسُ فيه عادةً بنيَّةِ استئنافِ القراءةِ، فقولُنا: قطْعُ الصوتِ: جنسٌ يَشملُ الوقفَ والسكْتَ والقطعَ وقولُنا على آخِرِ الكلمةِ الوضعيَّةِ نحوَ: {كُلَّمَا} فإن آخِرَها وضْعاً الألفُ وقولُنا زمناً يُتنفَّسُ فيه، فصلٌ آخَرُ أخرَجَ السكْتَ، فإنه قطْعُ الصوتِ زمناً من غيرِ تنفُّسٍ. وقولُنا بنيَّةِ استئنافِ القراءةِ خرَجَ به القطْعُ أي قطْعُ القراءةِ بدونِ الرجوعِ إليها. وقولُنا عادةً فصلٌ آخَرُ أخرَجَ القطْعَ أيضاً فإنه الإعراضُ عن القراءةِ بالكليَّةِ، والسببُ الداعي إلى معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ كما قالَه الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى: أنه لما لم يُمَكَّن القارئُ أن يَقرأَ السورةَ أو القصَّةَ في نفَسٍ واحدٍ ولم يَجزْ التنفُّسُ بينَ كلمتين حالةَ الوصْلِ بل ذلك كالنفَسِ في أثناءِ الكلمةِ وَجبَ حينئذٍ اختيارُ وقْفٍ للتنفُّسِ فيه والاستراحةِ وتعيَّنَ أيضاً ابتداءٌ بعدَ التنفُّسِ والاستراحةِ، وتَحتَّمَ أن لا يَكونَ ذلك مما يُحيلُ المعنى، ولا يُخلُّ بالفهْمِ إذ بذلك يَظهرُ الإعجازُ ويَحصلُ القصدُ، وكذلك حضَّ الأئمَّةُ على تعليمِه ومعرفتِه كما قدَّمْنا.
ثم اعلمْ أيُّها القارئُ أنَّ الوقْفَ ثلاثةُ أقسامٍ، اختباريٌّ بالموحَّدةِ، واضطراريٌّ واختياريٌّ بالياءِ المثنَّاةِ من تحتَ.
فالاختباريُّ بالموحَّدةِ، متعلِّقُه الرسمُ العثمانيُّ لبيانِ المقطوعِ من الموصولِ، والهاءِ المربوطةِ من التاءِ المجرورةِ والثابتِ من المحذوفِ من حروفِ المدِّ، ويَلحقُ بهذا الوقْفِ وقفُ القارئِ لإعلامِ غيرِه بكيفيةِ الوقفِ على الكلمةِ بكونِه عالماً بها ولهذا يُسمَّى اختباريًّا وحكْمُه الجوازُ بشرطِ أن يَبتدئَ الواقفُ بما وَقفَ عليه ويصلَه بما بعدَه، ويأتي الكلامُ عليه قريباً.
والاضطراريُّ: هو الوقْفُ عندَ ضِيقِ النفَسِ والتعَبِ ونحوِهما.
والاختياريُّ: هو الذي يَقصِدُ القارئُ الوقْفَ عليه لكن تارةً يُفهمُ منه معنًى، وتارةً لا، فالأوَّلُ يَنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: وقْفٌ تامٌّ، وكافٍ وحسَنٌ وهذا هو المرادُ بقولِ الناظمِ:

74- والابتـداءِ وهـي تنقسمُ إذنْ = ثلاثةٌ تـامٌّ وكــافٍ وحسَـــنْ
75 - وهـي لِمَا تـمَّ فإن لم يُوجـدِ = تعلُّـقٌ أو كان معنَـى فــابْتَـدِي

يعني أنَّ الأقسامَ الثلاثةَ مختَصَّةٌ بالكلامِ على الذي معناه والمرادُ بتمامِ المعنى أن يكونَ للكلامِ معنًى يُفهمُ، بأن اشتَملَ على رُكْنَي الجملةِ، من مُسنَدٍ ومسنَدٍ إليه. ووجْهُ ضبْطِ الثلاثةِ أن يقالَ: إذا وُقفَ على كلامٍ معناه، فإما أن لا يكونَ له تعلُّقٌ بما بعدَه لا لفظاً ولا معنًى، أو يكونَ له تعلُّقٌ به لفظاً ومعنًى، أو معنًى فقطْ، فالأوَّلُ التامُّ والثاني الحسَنْ، والثالثُ الكافي: وقولُ الناظمِ رحمَه اللهُ تعالى:


75- ................ فإنْ لم يُوجـدِ = تعلُّـقٌ أو كان معنًى فــابْتَـدِي
76 - فالتـامُّ فالكـافى ولفظاً فامنَعَنْ = إلا رءوسَ الآيِ جـوِّزْ فالحسَنْ


إشارةً إلى بيانِ حُكْمِها مع بيانِ الفرْقِ بينَها، فالتامُّ هو الذي لا تعلُّقَ له بما بعدَه لا لفظاً ولا معنًى، وحكمُه جوازُ الوقْفِ عليه والابتداءُ بما بعدَه.
والكافي هو الذي تعلَّقَ بما بعدَه معنًى لا لفظاً، وحكمُه جوازُ الوقْفِ عليه، والابتداءُ بما بعدَه كالتامِّ، وهذا معنى قولِه: فإن لم يُوجدِ تعلُّقٌ، أي أصلاً لا لفْظاً ولا معنًى، أو كان معنى، أي فيه تعلُّقٌ معنًى لا لفظاً، فابتدئْ أنت بما بعدَه في القسمين وقلْ في الوقْفِ الأوَّلِ منهما، وهو الوقْفُ التامُّ، والثاني هو الوقْفُ الكافي.
والحسَنُ هو الوقْفُ الذي تعلَّقَ بما بعدَه لفظاً ومعنًى، وحكمُه جوازُ الوقْفِ عليه، وعدَمُ جوازِ الابتداءِ بما بعدَه إلا رءوسَ الآيِ جَوِّزْ، أيْ فيجوزُ الابتداءُ بما بعدَه، وقَلَّ الوقْفُ عليه هو الحسَنُ، والمرادُ بالتعلُّقِ المعنويِّ أي يَتعلَّقُ المتقدِّمُ بالمتأخِّرِ من حيثُ المعنى، لا من حيثُ الإعرابِ، كالإخبارِ عن أحوالِ المؤمنين أو الكافرين أو تمامِ قصَّةٍ، وبالتعلُّقِ اللفظيِّ أن يَتعلَّقَ به من حيثُ الإعرابُ كأن يكونَ موصوفاً. للمتأخِّرِ، أو معطوفاً عليه المتأخِّرُ، فمثالُ الوقفِ التامِّ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة: آية 5)، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: آية 29)، {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} (إبراهيم: آية 43)، {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (القيامة:آية 15)، وأكثرُ ما يُوجدُ في رءوسِ الآيِ، وتمامِ القَصصِ وآخِرِ السورِ، وقد يُوجدُ التامُّ قبلَ تمامِ الفاصلةِ نحوُ: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} (النمل: آية34)، إذ هو آخِرُ كلامِ بلقيسَ، وقولُه: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}، هو من كلامِ اللهِ جَلَّ ذكْرُه، وهو رأسُ آيةٍ، بإجماعٍ، وقد يكونُ التامُّ بعدَ تمامِ الفاصلةِ نحوُ: و {إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِالَّيْلِ} (الصافات: آية 137، 138)، وهو تامٌّ اتفاقاً، والفاصلةُ {مُصْبِحِينَ} قبلَه، وقدْ يكونُ على قراءةٍ دونَ قراءةٍ، كقولِه تعالى: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللهِ} (إبراهيم: آية 2،1) هو تامٌّ على قراءةِ رفْعِ لَفْظِ الجلالةِ بعدَه وحسَنٌ على قراءةِ الخفْضِ.
قال في النشْرِ: قد يَتفاضلُ التامُّ في التمامِ نحوُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، كلاهما تامٌّ، إلا أنَّ الأوَّلَ أ من الثاني لاشتراكِ الثاني مع ما بعدَه في معنى الخطابِ، بخلافِ الأوَّلِ ا هـ.
وسُمِّيَ تامًّا لتمامِ لفظِه وانقطاعِ ما بعدَه عنه في اللفظِ والمعنى، ومثالُ الكافي، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (البقرة: آية3) {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (البقرة: آية 4)، {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (البقرة:آية 5)، وسُمِّيَ كافياً لكفايتِه مع وجودِ التعلُّقِ المعنويِّ نظراً إلى عدمِ التعلُّقِ اللفظيِّ، ويُسمَّى أيضاً مفهوماً، واحتجَّ له الداني بما في صحيحِ البخاريِّ وغيرِه عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه، قالَ: قالَ لي النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قلتُ: أَأَقرأُ عليكَ وعليكَ أُنزلَ؟ قالَ: فَأُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فقرأتُ عليه سورةَ النساءِ حتى إذا بلغتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً}.
فقال: أَمْسِكْ. فإذا عيناه تَذرِفان ا هـ. وهو استدلالٌ ظاهرٌ لأنَّ القطْعَ أبلغُ من الوقْفِ والوقْفُ عليه كافٍ، فلو كان الوقْفُ عليه غيرَ سائغٍ ما أَمَرَ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع قرْبِ التامِّ المجمَعِ عليه، وهو (حديثاً) بعدَه ومثالُ الوقْفِ الحسَنْ الذي يَجوزُ الوقفُ عليه ولا يَجوزُ الابتداءُ بما بعدَه كالوقفِ على {الْحَمْدُ للهِ} فإنك إذا وقفْتَ عليه، وابتَدأتَ بربِّ العالمين فقد فصَلْتَ بينَ النعْتِ والمنعوتِ وابتدأتَ بمجرورٍ، ولا يَجوزُ ذلك لأنَّ المجرورَ معمولٌ، والعاملُ والمعمولُ كشيءٍ واحدٍ، ولأنك إذا ابتدأْتَ بشيءٍ فقد عرَّيْتَه عن العواملِ اللفظيَّةِ، وهو المبتدأُ، والمبتدأُ مرفوعٌ وهو مخفوضٌ، ومثالُ الحسَنِ الذي يَجوزُ الوقْفُ عليه والابتداءُ بما بعدَه كالوقْفِ على {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وعلى {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ولجوازِ الوقْفِ عليه والابتداءِ بما بعدَه أمرَان:
الأوَّلُ: أنّ رءوسَ الآيِ فواصلُ بمنزلةِ فواصلِ السجْعِ والقوافي.
الثاني: أن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقفُ على رءوسِ الآيِ، بل جَعلَ جماعةٌ الوقفَ على رءوسِ الآيِ سنَّةً، واستدلُّوا على ذلك بحديثِ أمِّ سلمةَ رضيَ اللهُ عنها، أنّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قرأَ قَطَّعَ قراءتَه آيةً آيةً يقولُ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثم يَقفُ {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يَقفُ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ويُسَمَّى أيضاً صالحاً، وإنما ذكَرُوه ليتَّسِعَ الأمرُ على القارئِ فربما ضاقَ نفسُه قبل الوصولِ إلى التمامِ أو الكافي.
لاسيَّما من كان ضيِّقَ الحنجرةِ ثم لا يَستطيعُ أن يَتكلَّمَ بكلامٍ كثيرٍ في نفَسٍ واحدٍ.
فيقفُ على الجائزِ فهو أَوْلى من الوقوفِ على كلامٍ لم تَحصُلْ لسامعِه فائدةٌ.
والثاني وهو الذي لا يَتمُّ معناه عندَ الوقفِ يُسمَّى قبيحاً، وقد أشارَ له الناظمُ بقولِه:


77 - وغـيرُ ما تَـمَّ قبيــحٌ ولــهُ = يُوقــفُ مضطـرًّا ويُبـدَا قبلَـــهُ

أي يَمتنعُ على القارئِ أن يَقفَ على موضعٍ لم يَتمَّ الكلامُ فيه ولم يَنقطعْ عمَّا بعدَه لا لفظاً ولا معنًى، ولا معنًى فقط، وللقارئِ أن يَقفَ عليه حالَ اضطرارِه لانقطاعِ نفَسٍ أو نحوِه، ومن ثم سُمِّيَ هذا الوقفُ وقفَ الضرورةِ، لكن إذا وَقفَ عليه أن يَبتدئَ بالكلمةِ التي وَقفَ عليها ليَصلَ الكلامَ بعضَه ببعضٍ، ومثالُه: الوقْفُ على المضافِ دونَ المضافِ إليه، وعلى الرافعِ دونَ مرفوعِه، وعلى الناصبِ دونَ منصوبِه، وعلى الشرْطِ دونَ جوابِه، وعلى الموصوفِ دونَ صفتِه، إذا لم يَتمَّ معناه بدونِها وعلى المعطوفِ عليه دونَ المعطوفِ، إلا إذا كَثُرَت المعطوفاتُ، وطالَ الكلامُ وعَجَزت الطاقةُ عن بلوغِ الوقفِ فيَجوزُ، أو كان عطفَ جملةٍ على جملةٍ أيضاً فيَسوغُ لأنهما يَجريان مجْرَى الجملتين المستغنيَةِ إحداهُما عن الأُخرى، فاللاَّحقةُ كالمنفصِلةِ عن السابقةِ, وأقبحُ من الوقْفِ القبيحِ ما يُفسدُ المعنى لإيهامِه خلافَ المقصودِ كقولِه تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَِبَوَيْهِ} (النساء: آية 11) إن وَقفَ على أبويه لأنه يُوهم أن النصْفَ للبنتِ وللأبوين، وليس كذلك بل البنتُ لها النصْفُ والأبوان لكلٍّ منهما السدُسُ، على التفصيلِ المأخوذِ من الآيةِ، فالوقْفُ على النصْفِ وهو كافٍ، ومثلُه {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (هود: آية 6) إن وُقفَ على (بِجَنَاحَيْهِ) لأنه يُوهمُ نفْيَ ما هو مشاهدٌ وهو مكابرةٌ وجحْدٌ للضرورةِ، فالوقفُ على أمثالِكم، وهو كافٍ، ومثلُه {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ} (الإنسان: آية 31) إذا وُقفَ على الظالمين لأنه يُوهم أن الظالمين داخلون في رحمةِ اللهِ وليس كذلك.
وأقبحُ من هذا ما أَوْهمَ فسادَ المعنى، وفيه سوءُ أدَبٍ مع اللهِ تعالى: كقولِه تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: آية 258) إن وُقفَ على الجلاَلةِ إذ ما فيه من فسادِ المعنى وسوءِ الأدبِ ظاهرٌ لا يَنبغي لأحدٍ التفَوُّه به ومثلُ هذا في القُبحِ أو أقبحُ منه، أن يَقفَ على المنفيِّ الذي يأتي بعدَه الإيجابُ وفي الإيجابِ إثباتُ وصْفٍ له جلَّ وعَلا، أو لرُسلِه نحوَ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ} (محمد: أية 19) إن وُقفَ على إله، ومثلُ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} (الإسراء: آية 105) إن وُقفَ على أَرْسَلْنَاكَ.

والحاصلُ أنَّ القارئَ يُندبُ له الوقْفُ على التامِّ فإن لم يُمكنْه ذلك أو يُمكنْه ولكن يَشقُّه فيقفَ على الكافي، فإن لم يُمكنْه، فعلى الجائزِ ويُعيدُ ما وَقفَ عليه، إلا أن يكونَ رأسَ آيةٍ، ولا يَعدلُ عن هذه إلى المواضعِ التي يَقبحُ الوقفُ عليها إلا من ضرورةٍ وإن لم يَفعلْ فإن لم يَحصُلْ فسادٌ في المعنى عُوتِبَ ولا إثمَ عليه، وإلا أثِمَ. ثم قالَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى:


78 - وليس فـى القرآنِ من وقفٍ وَجَبْ = ولا حـرامٌ غيرَ ما لــه سبـــبْ

أخبرَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى: أنه ليس في الْقُرْآنِ وقفٌ واجبٌ إذا ترَكَه القارئُ أَثِمَ ولا حرامٌ إذا فعلَه أثِمَ لأن الوقفَ والوصلَ لا يَدلاَّن على معنى حتى يَختلَّ بذهابِهما: والحاصلُ منهما إيهامُ خلافِ المرادِ في المواضعِ التي نُهِيَ عن الوقفِ عليها، أو أُمِرَ به، إنما هو لتوهُّمِ السامعِ استقلالَ ما بعدَها، أو اتِّصالَه مع كونِه خلافَ الواقعِ، فليس التوهُّمُ من ذاتِ الوقْفِ والوصلِ، فلا يكونُ الوقْفُ واجباً ولا حراماً، إلا أن يكونَ له سببٌ يَستدعي تحريمَه، فيَحرمُ كأن يَقصدَ الوقْفَ على {مَا مِنْ إِلَهٍ}، {إِنِّي كَفَرْتُ} ونحوِهما من غيرِ ضرورةٍ، هذا إذا كان قلبُه مطمئِنًّا بالإيمانِ وإلا فقدْ خرَجَ عن دِينِ الإسلامِ، أعاذنا اللهُ من ذلك، فإن لم يَقصدْ ذلك لم يَحرُمْ، ومع عدَمِ القصْدِ فالأحسَنُ أن يَجتنبَ الوقْفَ على مثلِه بالتيقُّظِ وعدَمِ الغفلةِ دفعاً لإيهامِ أنه وَقفَ على ذلك عمْداً.
واعلمْ أن الابتداءَ يُطلبُ منه ما يُطلبُ في الوقْفِ، فلا يكونُ إلا بمستقلٍّ في المعنى، موفٍ بالمقصودِ، يُستفادُ منه معنًى صحيحٌ، بل هو آكَدُ، إذ اعتبارُ حسْنِ مطالِعِ الكلامِ، وأوائلِه، أَوْلى من مُنتهاه وآخِرِه، ولأنه لا يكونُ إلا اختياراً بخلافِ الوقْفِ، فربَّما تَدعو إليه ضرورةٌ، وتَتفاوتُ مراتبُه كتَفاوتِ مراتبِ الوقْفِ من التامِّ، والكافي والحسَنِ، وقد يكونُ الابتداءُ قبيحاً، كالوقْفِ ويَتفاوتُ في القبْحِ، فلو وُقفَ على {مَرَضٌ} من قولِه تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} (الأحزاب: آية 12)، أو على {مَا وَعَدَنَا اللهُ} (الأحزاب: آية 12) ضرورةً كان الابتداءُ بالجلالةِ قبيحاً وبـ (وَعَدَنَا) أقبحَ منه، وبـ(ما) أقبحَ منهما. وقد يكونُ الابتداءُ أشدَّ قبْحاً من الوقْفِ، كما إذا وُقفَ على (قالوا) من قولِه تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ} إلخ الآيةِ (آل عمران: آية 181) {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ} في الآيتَيْن (المائدة: آية 72)، وابتدأَ بأن اللهَ بل الوقْفُ على {أَغْنِيَاء}، و {مَرْيَم} و {وَاحِد} والابتداءُ بعدَهن ومثلُه الوقْفُ على: {وَقَالَت الْيَهُودُ}، {وَقَالَت النَّصَارَى}، {وَقَالَت الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ}، {وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ}.
والابتداءُ بـ{يَدُ اللهِ} و {عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ}، و {الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ}، بل الوقْفُ على أيديِهم وعلى الجلالةِ وقد كان بعضُ السلَفِ إذا قَرأَ ما أخْبرَ اللهُ به من مقالاتِ الكفارِ يَخفِضُ صوتَه بذلك حياءً من اللهِ عزَّ وجلَّ، أن يَتفوَّه بذلك بينَ يديْهِ، وهو أدبٌ حسَنٌ، ورُويَ أن رجلاً قالَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أوصِني يا رسولَ اللهِ قالَ: "اسْتَحِ مِنَ اللهِ كَمَا تَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ قَوْمِكَ" اللهم ارزقْنا التوفيقَ وتجاوَزْ عن تقصيرِنا. آمين).[الفوائد التجويدية:؟؟]


قال عبدُ الباسطِ بنُ حامدِ بنِ محمد هاشم:(المبحث الثاني عشر: في بيان الوقف والابتداء
وهو مبحث من أهم المباحث وأنفسها، قال العلماء: إن بيان الوقف والابتداء نصف علوم التجويد، وسئل الإمام علي عن قوله تبارك وتعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} فقال: هو تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف. وقال الإمام الهذلي في (كامله): الوقف حلية التلاوة، وزينة القارئ، وبلاغ التالي، وفهم المستمع، وفخر العالم.
والأصل فيه ماروي عن القاسم بن عوف البكري قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما: يقول لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه.
قال النحاس: هذا دليل على أنهم كانوا يتعلمون الوقوف.
وقول ابن عمر: كنا، فيه دليل على أن ذلك إجماع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والوقف لغة: هو الكف عن الشيء مطلقاً.
واصطلاحاً: قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه بنية استئناف التلاوة، ويأتي في رؤوس الآيات ووسطها مع النفس ولابد، وأما السكت فلا تنفس فيه.
والقطع لغة: هو الإبانة والازالة، واصطلاحاً: هو قطع صوت القارئ عن القراءة بنية الانتهاء منها، ولا يكون إلا على ما تم معناه. وهناك جم غفير من العلماء لايفرقون بين الوقف والقطع، ويقولون هو بمعنى واحد. ولسنا من هؤلاء إذ كيف يتفق قطع القراءة والوقف بنية استئنافها؟‍ لايستويان. هذا والوقف بنية الواقف ينقسم إلى أربعة أقسام: -
أولاً: وقف اختياري، وهو ما يستحسنه القارئ فيقف عليه.
ثانياً: وقف اضطراري، وهو ما يضطر القارئ للوقوف عليه لنفس ضاق أو سعلة أو غير ذلك.
ثالثا ً: وقف انتظاري، وهو ما وقف القارئ عليه لعطف قراءة أو رواية أخرى إن كان يقرأ بالقراءات.
رابعاً: وقف اختباري، وهو ما يطلب الشيخ من تلميذه الوقف عليه بنية اختباره كيف يقف؟ وسمى العلماء هذا النوع بوقف الابتلاء. قال الإمام الداني: من لم يعلم وقف الابتلاء لم يكن يوماً من العلماء.
والابتلاء هو الاختبار.
والكلام في هذا الباب إن شاء الله في النوع الأول من هذه الأربعة، وهو الوقف الاختيارى.
وينقسم الوقف الاختياري عند الإمام ابن الجزري وأتباعه إلى أربعة أقسام:
تام، وكاف، وحسن، وقبيح. وإليك بيانها.
فالتام: مالا تعلق قبله ولا بعده معنى ولا لغة، فهو قائم بذاته، وقد بلغنا أن جبريل عليه السلام أوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عشر كلمات أثناء العرضة الأخيرة، وقالوا إن جميعها تامة فلننظر.
أولها: {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات} بسورة البقرة، وفي رأيي أنه تام.
ثانياً: {قل صدق الله} وهو عندي ليس بتام؛ لفاء السببية بعده، والراجح أنه من الوقوف الكافية.
الثالث: {ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات} بسورة المائدة، وهو عندي تام.
الرابع: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ماليس لي بحق} وهو كاف ليس تاماً؛ لأن مقول القائل لم ينته.
خامساً: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله} بسورة يوسف، وهو كاف ليس بتام؛ لأن الدعوة إلى الله لا تكون إلا على بصيرة.
سادساً: {كذلك يضرب الله الأمثال} بسورة الرعد، وهو تام لا شك فيه
سابعاً: {والأنعام خلقها} بسورة النحل وهو كاف ليس بتام؛ لتعلق ما بعده به معنى ولغة.
الثامن: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً}، وهو تام لا مرية فيه لانتهاء الاستفهام.
تاسعاً: {ثم أدبر يسعى فحشر}، بوصل يسعى بحشر، وهو تام عندي؛ لأن قوله {فنادى فقال أنا ربكم} غير السعي في حشر الناس ضد الدعوة.
عاشراً: قوله تعالى {ليلة القدر خير من ألف شهر}، وهو تام لا مرية فيه، ورأس آية.
هذا ومن علامات الوقف التام الابتداء بعده بالاستفهام ملفوظاً أو مقدَّراً، وأيضاً الابتداء بياء النداء {يا أيها الناس} {يا أيها الذين آمنوا} {يا أهل الكتاب}.
أو بفعل أمر مثل قوله: {ادخلوها بسلام} {اقتلوا يوسف} {ادفع بالتي هي أحسن}.
أو بالشرط مع جوابه كقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه}.
أو بفصل بين آية رحمة وعذاب، أو بالعدول عن الإخبار إلى الحكاية، أو بانتهاء الاستثناء والقول، أو بابتداء بعده بنفي، أو ابتداء بعده بنهي أو فصل بين الصفتين المتضادتين.
ومن الوقف التام الوقف على ما قبل إن الإخبارية، إذا كانت من كلام الحق جل وعلا كقوله: {إن الله غفور رحيم} {إن الله عليم حكيم} {إن الشيطان لكم عدو} وما شابه ذلك.
ولفظ إن في القرآن الكريم على أربعة أنواع: -
أولاً: إن من مقول القائل مثل قوله: {وتب علينا إنك} {وهب لنا من لدنك رحمة إنك}، {ولا تخزنا يوم القيامة إنك}. والوقف على ما قبل هذه الأنواع من قبيل الحسن لامن الكافي ولا من التام.
النوع الثاني: إن السببية كقوله {فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان}، {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم}، { لا تعبد الشيطان إن الشيطان}. والوقف على مثل هذا النوع من قبيل الحسن لامن الكافي ولا من التام.
النوع الثالث: ما قصد به تحقيق الاستفهام كقوله: {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن}، بسورة العاديات، والوقف على {حصل ما في الصدور} مع أنه رأس آية إلا أنه من قبيل الحسن لا التام ولا الكافي.
النوع الرابع: ما كان من كلام الحق لا يرتبط بماقبله معنى ولا لغة، فالوقف على ما قبله تام كقوله: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} {واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما}، {إن الله كان عليكم رقيبا}، وقد سبق بيان ذلك.
ومن علامات الوقف التام أيضاً، الوقف على ماقبل حرف الإضراب وهو بل كقوله: {أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون }، {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون}، وقوله: {ولا هم ينصرون} {بل تأتيهم بغتة} وقوله: {سبحان الله عما يصفون}، {بل أتيناهم بالحق}.
ومعنى الإضراب نفي ما زعموه، وتصديق ما كذبوه. فإن أتت لمضاعفة الذم كقوله: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل}، فلا يوقف على ما قبلها؛ لأنها ليست للإضراب.
وإن أتت لمقول القائل، كقوله:{فسيقولون بل تحسدوننا} فليست للإضراب، فلا يوقف على ما قبلها.
ومن الوقف التام: الوقف على بلى قبل إن مثل قوله تعالى: {بلى إن ربه كان به بصيرا}، فيوقف على بلى، ومثل قوله تعالى: {بلى إنه على كل شيء قدير} أما {بلى وهو الخلاق} فهو من قبيل الوقف الكافي، تلك علامات الوقف التام فلتعيها.
النوع الثاني: الوقف الكافي، هو الوقف على كلمة تعلق ما قبلها وما بعدها بها معنى لا لغة، كقولك: {الحمد لله رب العالمين} فهو كاف، لأن ما بعده متعلق به، وهو {الرحمن الرحيم} والوقف على {الرحمن الرحيم} كاف؛ لأن ما بعده متعلق به معنى، وهو {مالك يوم الدين}، وهذا تام، فـ{الرحمن الرحيم} نعت لـ{رب العالمين}، و{مالك يوم الدين} صفة لـ{لرحمن الرحيم}، وعند {مالك يوم الدين} تم المعنى.
ونحو ذلك {هدى للمتقين} فقوله: {الذين يؤمنون} نعت للمتقين. وقوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} نعت أيضاً، فالوقف التام على قوله {وأولئك هم المفلحون} فمن قوله تعالى: {هدى للمتقين} إلى {المفلحون} كلها نعوت وصفات، والتام عند قوله: {وأولئك هم المفلحون}، ولا أعني بذلك منع الوقوف عليها فهي رؤوس آي وإنما أعني معرفة التام من الكافي.
وتارة يتفاضل الكافي فهناك كاف وهناك أكفى وهناك أكفى وأكفى، مثل قوله تعالى: {في قلوبهم مرض} هذا كاف، وأكفى منه {فزادهم الله مرضا}، وأكفى منهما {ولهم عذاب أليم}. والتام {بما كانوا يكذبون}.
النوع الثالث من الوقوف:
الوقف الحسن: وهو أقلها شأناً والأحب وصله إن طال النفس إلا في رؤوس الآي، ويعفى عنه أيضاً في القصص الطويل وتعريفه:
هو الوقف على لفظ تم معناه وتعلق ما قبله وما بعده به معنى ولغة، ولا يحسن الوقف عليه إلا في رؤوس الآي كما تقدم، وفيما طالت قصته، مثل قوله تبارك وتعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله}... إلى آخر الآية. ومثل قوله تعالى: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا} إلى آخر الآية.
فإن اتسع النفس استحب وصله في غير رؤوس الآي، وإليك أمثلة من الوقف الحسن كقولك: {إياك نعبد} وتقف {الذين يؤمنون بالغيب} وتقف {ويقيمون الصلاة} وتقف {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} وتقف {وما أنزل من قبلك}، {أولئك على هدى من ربهم} وتقف، وهكذا...
كل هذا من قبيل الحسن، ووصله أفضل واجود.
ولنا هنا كلام في الوقوف ينبغي تفصيله والتنبيه عليه، فمثلاً الوقوف على رؤوس الآيات كقوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}، ثم يبدأ {في الدنيا والآخرة}. إذا قلت له لم؟ قال لك الوقوف على رؤوس الآي سنة.
أقول: إن الوقوف على رؤوس الآي سنة، وتتحقق السنة بالوقوف على سبع آيات أو ثمان آيات في الربع، وعشر آيات في الجزء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)). وكان رسول الله يقف على رؤس الآيات؛ ليبين رأس الآية. فإذا تعارض الوقف على رأس الآية مع المعنى قدم المعنى؛ لقول الله تبارك وتعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} وأنى لنا أن نتدبر مع اختلال المعنى ونقصه؟ لذا يفضل وصل الآية بقوله: {في الدنيا والآخرة} فتقول {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } وإلا فأنبئني إذا قلت: {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الدنيا والآخرة}. هل يستقيم المعنى؟ كلا والله، وكذلك قوله تبارك وتعالى: {وأنزل التوراة والإنجيل} وتبدأ: {من قبل هدى للناس}. أيليق أن أقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من قبل هدى للناس؟‍
هذا اختلال في المعنى، فإذا وصلنا مثل هذه الآيات المرتبطة معنى لانخل بسنة رسول الله أبدا فإن مراعاة المعنى في القرآن واجب، فاذا لم يختل المعنى سُن لنا أن نقف على رؤوس الآيات سنة مؤكدة، {وقيل لهم أين ما كنتم تشركون} وبعد (هذا) أبدأ وأقول: {من دون الله قالوا ضلوا عنا} ألذلك معنى؟‍
{أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الدنيا والآخرة} وهل للشيطان سلطان علينا في الآخرة {من دون الله هل ينصرونكم أوينتصرون} ما معنى ذلك؟ ‍
فمثل هذه الآيات ينبغي وصلها، ولا أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسن ما يتعارض مع معاني القرآن وتدبره، فإن قلت أليست رؤوس آيات قلت للبيان لا لحتمية الوقف، وإنما يوقف على رؤوس الآيات إذا لم تخل بالمعنى، وإلا فقل لي بربك أتستطيع أن تقول: {بسم الله الرحمن الرحيم من دون الله قالوا ضلوا عنا } ما معنى هذا؟ وكأني بقائل يقول لي الوقوف على رؤوس الآي سنة متبعة. أقول: وتدبر كلام الله فرض وهو أقوى وأعظم من السنة.
ومن الوقوف التامة التي لم يشر إليها كتَّاب المصحف رحمهم الله قول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} فالوقف على سمعهم تام؛ لأن الواو عطف مغايرة بين ما يستحق الختم وما يستحق الغشاوة، وإلم يكن تاما فهو كاف، ومنه في سورة النحل: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر} وتقف ثم تبدأ {والنجومُ مسخرات}، على أنه عطف مغايرة، وإنما لايصلح الوقف عليه على قراءة من قرأ: {والنجومَ}. أما على قراءة من قرأ: {والنجومُ} وهو حفص، فالوقف على هذا كاف على الأقل على أن الشمس والقمر والليل والنهار نعَم كبرى والنجوم أقل منها شأوا، ومثال قوله تبارك وتعالى {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}، ثم يبدأ القارئ فيقول: {فاذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة} أهذا كلام؟ أين جواب شرط {فإذا أمنتم}؟ لابد من الوقف على قوله: {فإذا أمنتم} أي فإذا أمنتم يا من أحصرتم ولم تتموا العمرة فأتموا العمرة، فجواب الشرط محذوف تقديره: فإذا أمنتم يا من لم تتموا العمرة وأحصرتم فأتموا، هذا جواب الشرط في {فإذا أمنتم}. {فمن تمتع} كلام أخر جوابه: {فما استيسر من الهدي }، وبذلك يستقيم المعنى.
ومن الوقوف الشائعة في سورة البقرة أيضاً. قول الله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} وأصبح هذا الوقف مثلا فكلما كلمت أحداً في نقصان العلم وزيادته قال لك: { واتقوا الله ويعلمكم الله} فكم من تقي ليس بعالم وكم من فاجر عالم، فالوقف الصحيح: {واتقوا الله } ثم نقول: {ويعلمكم الله} فقد يكون العالم غير تقي، وقد يكون التقي أفضل من العالم، كيف لا وقد...

الوجه الثاني
...قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان)) فأوضح صلى الله عليه وسلم أن من المنافقين علماء، ومن الممكن أن يكون حافظا للقرآن قارئا له ومنافق، من الذين قال فيهم رسول الله: ((يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم))، ومن الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم ((تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم)) يعني بهم الخوارج فالعالم شيء، والتقي شيء، وقد يكون العالم أفضل من التقي، وقد يكون التقي أفضل من العالم، فارتباط العلم بالتقوى لا يشترط. فالمطلوب الوقف على {فاتقوا الله} ثم نقف {ويعلمكم الله}.
هذا والوقف على ما قبل الاستدراك ممنوع، والاستدراك هو ولكن المشمولة بالواو، أما لكنّ يجوز الوقف على ما قبلها، لأن لكن بدون واو للفصل بين الشيء والشيء كقوله تبارك وتعالى: {لكن الذين اتقوا} فإن لكن هنا للفصل بين من مأواهم جهنم وبين المتقين، وكذلك { لكن الرسول والذين آمنوا } فإن لكن هنا للفصل بين من جاهد في سبيل الله وبين من لم يجاهد، وقوله { لكنا هو الله ربي} للفصل ما بين الكافر والمؤمن، فالمحذور الوقف على ما قبل ولكن المشمولة بالواو فهي للاستدراك.
وكذلك { ولكن ليبلوكم } لا يوقف على ما قبلها، { والله غالب على أمره ولكن }، {قال بلى ولكن }، { لكل ضعف ولكن } هذه أمثلة الاستدراك الذي لا يوقف على ما قبله.
ومن الوقوف التي لم يشر إليها راسمو المصحف قوله تعالى في سورة النساء: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } جميع القراء يصلونها، يقولون: { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } فهل الخوف مرتبط بصلاة السفر؟ لنفرض أننا سافرنا بلا خوف هل نقصر الصلاة أم لا؟
الوقف الواجب هنا {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ونقف، فهذا جواب شرط إذا، وأما شرط {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فجوابه محذوف، تقديره فاقصروا، فالوقف على { أن تقصروا من الصلاة }،والوقف أيضا على قوله: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ليتم بيان الحكمين.
ومن الوقوف التامة التي غفل عنها كتَّاب المصحف قوله تبارك وتعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم} لابد أن يوقف على {حرم ربكم} وألا توصل ولا يوقف بـ{عليكم}، لأننا لو وصلناها وقلنا {قل تعالوا أتل ماحرم ربكم عليكم ألا تشركوا } أو لو وقفنا على {حرم ربكم عليكم} لوقعنا في مأزق لغوي خطير، إذ أننا لو قلنا: {حرم ربكم عليكم } وقلنا { ألا تشركوا} (يبقى) حرم علينا ربنا ألا نشرك فماذا أحل لنا؟ أحل لنا أن نشرك {حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } وحرم علينا أن نحسن إلى والدينا، ولا تقتلوا وحرم علينا ألا نقتل، وأحل لنا أن نقتل،وهكذا، لذا فالوقف {حرم ربكم}، ثم نبدأ {عليكم ألا تشركوا به شيئا}، أي فرض عليكم، وكتب عليكم، وأوجب عليكم ألا تشركوا، وبذا يستقيم المعنى.
وقد غفل مصححوا المصحف عن هذا، فغفر الله لنا ولهم.
ومن قوله { عليكم ألا تشركوا به شيئا } إلى { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } هذا هو الوقف التام، وما سوى ذلك فحسن، ومن الوقوف التامة قوله تعالى: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة } ونقف، ثم نبدأ { من الأرض إذا أنتم تخرجون }، باقي القراء وجميع القراء يقولون: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} ويقف {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض } من الداعي؟ الله، فكيف نقول دعوة من الأرض، وهو منزه عن الحلول والجهه والاتصال الانفصال والسفة؟، فلو وصلنا دعوة بالأرض، فقد حوزنا ربنا وجعلنا له مكانا.
قال العلامة الكسائي في بيان الوقف والابتداء: من وصل دعوة بما بعدها بالروم، فقد جهل ربه، وإنما الحال أن تقوم السماء والأرض بأمره روحا، لقول الله تعالى: { قل الروح من أمر ربي ثم إذا دعاكم دعوة} تقومون أجسادا، حينما ينادي المنادي أيتها اللحوم المتناثرة، والشعور المتبعثرة، والعظام النخرة، إن الله يدعوكن لفصل القضاء، تقومون أجسادا، فبأمره أرواحا، وبدعوته أجسادا، ثم نبدأ: {من الأرض إذا أنتم تخرجون } فالوقف هكذا: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } فتعالى صاحب الدعوة عن المكان والزمان.
وجميع المصاحف تجد الوقف على قوله بأمره، ويصلون ما سوى ذلك، وهذا من الخطأ بمكان.
كما يجب الوقف على قوله { ماكان لله أن يتخذ من ولد} بسورة مريم، {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} بسورة الأنبياء، { وقالوا اتخذ الله ولدا} بالبقرة، فيجب الوقف على الولد في كل هذا، ولا توصل بسبحانه؛ لئلا يكون التسبيح للولد، فإنك لو قلت { ولدا سبحانه } أقررت لله باتخاذ الولد والعياذ بالله، وقليل بل أقل من القليل من المصاحف من ينبه على هذا.
ومما ينبغي الوقوف عليه قوله تعالى في سورة القتال: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم } ولا توصل أبدا بقوله: {وأملى لهم }؛ لأن الإملاء تأخير الآجال، وليس ذلك في يد الشيطان، وإنما معنى ذلك: الشيطان سول لهم وأخر الله آجالهم ليعظم ذنبهم. ولكن جميع القراء يقولون: { الشيطان سول لهم وأملى لهم } وهذا من الخطأ بمكان، وليس في جميع المصاحف الإشارة إلى هذا الوقف أبدا.
وكذلك في سورة الفتح في قوله تعالى: { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } من المسبَّح هنا؟ هل الله أم رسوله؟ الواجب الوقف على قوله: { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعذروه وتوقروه } لنفصل بين ضمير رسول الله وضمير الحق جل وعلا، إذ لا يعقل أن يقول: مسلم سبحانك يا محمد. وقد غفلت المصاحف عن هذا الوقف، ولم ينبه أحد عليه.
والوقف على {مبشرا ونذيرا} ليس بتام، لوجود لام التعليل، ولكنه من قبيل الحسن، ولو وصل لكان أجود، نقول: { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعذروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا }.
والوقف قبل لام التعليل ليس تاما، ولا كافيا، وإنما يتجاوز عنه لو كان رأس آية، فإن لم يكن رأس آية فلابد من وصله، مثال {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله} {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص } { وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية } وقس على ذلك.

وإذا طال المعنى في آية مثل قوله تعالى: { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله } هذا حسن، ولكنه معفو عنه، لطول القصة {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} هذا أيضا حسن، { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } هذا هو الكافي.
فالأولين حسن والثالث كاف، وقد يعفى عن مثل ذلك لطول الكلام، لكن إذا طال النفس استحب الوصل، والوقف على{ تولوا إلا قليلا منهم } تام، وما ذكرته من الوقوف ليس على سبيل الحصر، وإنما لنقيس عليها ما شابهها، فليس المصحف مرجعا للوقوف، فليراعى ذلك.
ومما ينبغي التنبيه عليه الوقف على كلمة: كلا، وقد ذكرت في القرآن الكريم، في النصف التحتي منه ثلاتاً وثلاثين مرة، وخلا منها النصف الفوقي، وقد جوز معقل بن يسار وسيبويه الوقف على جميع: كلا. وفيه نظر، وقال أهل الأداء: الوقف على كلا نوعان:
_ نوع من قبيل الحسن والكافي.
_ ونوع من قبيل التام.
و لنبين ذلك جيدا فنقول: أما التام في كلا فخمس مواضع:
أولاً وثانيا: قوله تعالى:{ أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً كلا} في سورة مريم، وقوله: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا }.
الثالث والرابع: في سورة الشعراء { ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا } , { قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا }.
والخامس: في سورة سبأ { قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا } فهذه خمس مواضع، الوقف عليها من الوقوف التامة لا محالة.
وثم تسع مواضع الوقف عليها إما حسن، وإما كاف، وهي أولا في سورة (المؤمنون) {قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا} الوقف عليه كاف.
الثاني والثالث: بسورة المعارج { ومن في الأرض جمعياً ثم ينجيه كلا } { أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا } والوقف على هذين كاف.
الرابع والخامس: في سورة المدثر { ثم يطمع أن أزيد كلا } { أن يؤتى صحفا منشرة كلا } والوقف عليهما كاف.
السادس: { كلا لا وزر} بسورة القيامة، والوقف عليه حسن، وينبغي وصلها بـ{أين المفر كلا}. وكذلك كل أنواع كلا الموقوف عليها ينبغي وصلها بما قبلها.
السابع: { قال أساطير الأولين كلا } وتستأنف { بل ران } بالتطفيف، وهو من قبيل الحسن.
الثامن: { فيقول ربي أهانن كلا } بسورة الفجر، وهو حسن.
التاسع: في سورة الهمزة { يحسب أن ماله أخلده كلا } وهو حسن.
هذا ما أخبر به أهل الأداء في الوقف على كلا، وأما باقيها فلا وقف عليها، إلا في رأي سيبويه و معقل بن يسار، ولم يؤخذ به، واختلفوا في معنى كلا، فبعضهم قال: هي بمعنى نعم، وبعضهم قال: هي بمعنى لا، وبعضهم قال: هي بمعنى ألا للتنبيه، وبعضهم قال أنها بمعنى الردع... إلى غير ذلك، وقد نظمها بعض العلماء فقال:

ثلاثين كلا أتبعت بثلاثة = جميع الذي في الذكر منها تنزلا
ومجموعها في خمس عشرة سورة = ولا شيء منها جاء في النصف أولا

فخمس عليها قف تماما بمريم = وفي الشعرا اعدده وفي سبأ حلا
وفي تسعة خيِّر قد افلح سائل = ومدثر بدء وثالثه حلا
وأول حرف في القيامة قد أتى = ومطفف ثان وفي الفجر أولا
وفي عمد حرف ولا وقف عندهم = على ما سوى هذا لمن قد تأملا
وعند إمام النحو في فرقة سموا = عليها يكون الوقف فيما تحصلا
وليس لها معنى سوى الردع عندهم = وإن أوهمت شيئا سواه تؤولا
وقال سواهم إنما الردع غالب = وتأتي لمعنى غير ذاك محصلا
كحقا ومعنى سوف في ناجر أتت = ومثل نعم أيضا ومشبهة ألا
فقف إن أتت للردع وابدأ بها إذا = أتت لسوى هذا على ما تحصلا
ومهما عليه كان وقفك دائما = تجد سندا من سيبويه ومعقلا

يعني: إن وقفت على جميع كلا، فعندك رخصة من سيبويه و معقل بن يسار ومن تبعهما.
وخلاصة القول: أن الوقف لا حكم له في القرآن، وإنما هو ذوق عربي، ففقهك في اللغة يزيدك خبرة في الوقوف، فلا يحرم الوقف ولا يمنع، ولا يجب إلا بسنب لغوي، كما قال الناظم:
وليس في القرآن من وقف وجب = ولا حرام غير ما له سبب

وسنعود إلى الباب من قول الناظم معلقين عليه إن شاء الله. ولا يحرم الوقف أو يكره إلا بتغيير معنى، أو وقف على مضاف دون مضافه، أو على ظرف دون مظروفه، أو ما إلى ذلك من محظورات الوقوف التي تقدمت.
قال الناظم:
وبعد تجويدك للحروف = لابد من معرفة الوقوف

لذا جعلناه في آخر الأحكام، قال الناظم:

والابتدا وهي تقسم إذن = ثلاثة تام وكاف وحسن

أي لابد أن تعرف الوقف والابتداء. والوقف يقسم إلى ثلاثة أقسام:، تام، وكاف، وحسن.
وإنما قال: والابتداء؛ لأن من الناس من يحسنون الوقف، ولا يحسنون الابتداء، كأن يقول مثلا: { يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم } ويضيق نفسه، فيبدأ {وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم} فالابتداء قبيح، لذا لابد من معرفة الابتداء كما تُعرف الوقوف، ومثل قوله { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله }، ثم يبدأ { ولد الله وإنهم لكاذبون } فهذا ابتداء بقبيح، ومثل قوله: {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي } ثم يبدأ { إني كفرت بما أشركتمون }.
من أجل هذا قال الناظم:

(لابد من معرفة الوقوف)
(والابتداء ... )
قال الناظم:
وهو لما تم فإلم يوجد = تعلق....

وهو: أي الوقف التام، الذي لا يوجد تعلق له بما قبله، ولا بما بعده، لا معنى ولا لغة، وقوله: (أو كان معنى فابتدي، فالتام فالكاف)، يعني الأول هو التام، والذي تعلق بما قبله أو بما بعده معنى فالكافي.
وقوله: (ولفظا فامنعن)، أي الذي تعلق بما قبله وبما بعده لفظا ومعنى فامنع الوقوف عليه، إلا رؤوس الآي فقد جاز ذلك، ولفظا فامنعن إلا رؤوس الآي جوز، واسم هذا النوع الحسن، فما لا يتعلق، تام وما تعلق بمعنى، كاف وما تعلق بمعنى ولغة حسن، ولا يوقف عليه مع طول النفس إلا على رؤوس الآي، فإن ضاق النفس أبيح.

وقوله وغير ما تم قبيح وله = يوقف مضطرا ويبدأ قبله

كأن يقول: { يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة } أو أن يقول: { لهو القصص الحق وما من إله } أو أن يقول: { فويل للمصلين } أو أن يقول: { يعلم السر وأخفى الله } هذا معنى قوله: (وغير ما تم قبيح، وله يوقف مضطرا) فلا يوقف على مثل هذا إلا عند الاضطرار وضيق النفس، ولكن يبدأ قبل الوقف لتصحيح المعنى، ولذا قال: يوقف مضطرا، ويبدأ قبله.
ثم قال:

وليس في القرآن من وقف وجب = ولا حرام غير ما له سبب

يعني: أن الوقف ليس له حكم شرعي يمنعه، أو يحرمه، أو يحله إلا بسبب خطأ في اللغة أو فساد في المعنى، كما تقدم.
أما السكت فهو لغة: المنع، واصطلاحا: الوقف على آخر كلمة أو وسطها مقدار حركتين بلا تنفس بنية استئناف القراءة، ولحفص من روايتنا هذه أربع سكتات:
قوله تعالى { ولم يجعل له عوجا قيما } بسورة الكهف، فالسكت على عوجا مقدار حركتين مستأنفا قيما.
الثاني: { من بعثنا من مرقدنا } والسكت حركتين بلا تنفس، ثم يبدأ { هذا ما وعد الرحمن } بـ يس.
والثالث: { وقيل من } ثم يبدأ { راق } والسكت على {من} مقدار حركتين بلا تنفس بسورة القيامة.
والرابع: {كلا بل} والسكت على {بل} مقدار حركتين بلا تنفس، ثم يستأنف { ران على قلوبهم } بالتطفيف.
قال الإمام الشاطبي:

وسكتة حفص دون قطع لطيفة = على ألف التنوين في عوجا بَلى
وفي نون من راق ومرقدنا ولام بل = ران والباقون لا سكت موصلا

ويلحق بهذه المواضع، السكت ما بين الأنفال والتوبة، وقد ذكرناه في أحكام البسملة آنفا.
وثم موضع سادس، وهو في قوله { ما أغنى عني ماليه هلك} بسورة الحاقة، فلحفص وجهان هنا:
_ إما أن يقرأ { ماليه هلك } بإدغام الهاء في الهاء، ويسمى إدغام مثلين صغير.
_ وإما أن يسكت على {ماليه} مقدار حركتين بلا تنفس مستأنفا { هلك }، هكذا: {ما أغنى عني ماليه هلك}.
وقد نظم العلامة السمنودي في الوقف والقطع والسكت كلاما نفيسا قال: في كتابه لآلئ البيان:
الوقف تام حيث لا تعلقا = فيه وكاف حيث معنى علقا
قف وابتدأ وحيث لفظا فحسن = فقف ولا تبدأ وفي الآي يسن
وحيث لم يتم فالقبيح قف = ضرورة و ابدأ بما قبل عرف
ولم يجب وقف ولم يحرم عدا = ما يقتضي من سبب إن قصدا
والقطع كالوقف وفي الآيات جا = واسكت على مرقدنا وعوجا
بالكهف مع بل ران من راق ومر = خلف بماليه ففي الخمس انحصر
وأعتقد أني قد أطلت النفس بما فيه الكفاية في هذا الباب، وأسأل الله أن أكون قد رزقت توفيقا، والله تعالى أعلم).[شرح المقدمة الجزرية مفرغ]


رد مع اقتباس