عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 17 ذو القعدة 1434هـ/21-09-2013م, 09:25 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,030
افتراضي

عشر مراتب للهداية

قال رحمه الله في "مدارج السالكين": (فصل: في مراتب الهداية الخاصّة والعامّة، وهي عشر مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبة تكليم اللّه عزّ وجلّ لعبده يقظةً بلا واسطةٍ، بل منه إليه، وهذه أعلى مراتبها، كما كلّم موسى بن عمران، صلوات اللّه وسلامه على نبيّنا وعليه، قال اللّه تعالى: {وكلّم اللّه موسى تكليمًا}؛ فذكر في أوّل الآية وحيه إلى نوحٍ والنّبيّين من بعده، ثمَّ خصَّ موسى من بينهم بالإخبار بأنّه كلّمه، وهذا يدلّ على أنّ التّكليم الّذي حصل له أخصّ من مطلق الوحي الّذي ذكر في أوّل الآية، ثمّ أكّده بالمصدر الحقيقيّ الّذي هو مصدر "كَلَّمَ" وهو التّكليم رفعًا لما يتوهّمه المعطّلة والجهميّة والمعتزلة وغيرهم من أنّه إلهام، أو إشارة، أو تعريف للمعنى النّفسيّ بشيءٍ غير التّكليم، فأكّده بالمصدرِ المفيدِ تحقيقَ النّسبةِ ورفعَ تَوَهُّمِ المجاز.
قال الفرّاء: (العرب تسمّي ما يوصل إلى الإنسان كلامًا بأيّ طريقٍ وصل، ولكن لا تحقِّقُه بالمصدر، فإذا حقَّقَتْهُ بالمصدر لم يكن إلّا حقيقةَ الكلام، كالإرادة، يقال: فلان أراد إرادةً، يريدون حقيقة الإرادة، ويقال: أراد الجدار، ولا يقال: إرادةً، لأنّه مجاز غير حقيقةٍ) هذا كلامه.
وقال تعالى:
{ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمَه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك} وهذا التّكليم غير التّكليم الأوّل الّذي أرسله به إلى فرعون، وفي هذا التّكليم الثّاني سأل النّظر لا في الأوَّل، وفيه أُعْطِيَ الألواحَ، وكان عن مواعدةٍ من اللّه له، والتّكليمُ الأوّلِ لم يكن عن مواعدةٍ، وفيه قال اللّه له: {يا موسى إنّي اصطفيتك على النّاس برسالاتي وبكلامي} أي بتكليمي لك بإجماع السّلف.
وقد أخبر سبحانه في كتابه أنّه ناداه وناجاه، فالنّداء من بعدٍ، والنّجاء من قربٍ، تقول العرب: إذا كَبِرَت الحَلْقة فهو نداء، أو نجاء، وقال له أبوه آدم في محاجّته: (( أنت موسى الّذي اصطفاك اللّه بكلامه، وخطّ لك التّوراة بيده؟)).
وكذلك يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشّفاعة إلى ربّه، وكذلك في حديث الإسراء في رؤية موسى في السّماء السّادسة أو السّابعة على اختلاف الرّواية.
قال: وذلك بتفضيله بكلام اللّه، ولو كان التّكليم الّذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن لهذا التّخصيص له في هذه الأحاديث معنًى، ولا كان يسمّى كليم الرّحمن وقال تعالى: {وما كان لبشرٍ أن يكلّمه اللّه إلّا وحيًا أو من وراء حجابٍ أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء}.
ففرّق بين تكليم الوحي، والتّكليم بإرسال الرّسول، والتّكليم من وراء حجابٍ.


المرتبة الثّانية: مرتبة الوحي المختصِّ بالأنبياء
قال اللّه تعالى: {إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنّبيّين من بعده} وقال: {وما كان لبشرٍ أن يكلّمه اللّه إلّا وحيًا أو من وراء حجابٍ} الآية، فجعلَ الوحيَ في هذه الآية قسمًا من أقسام التَّكلِيم، وجعله في آية النّساء قسيمًا للتَّكليم، وذلك باعتبارين، فإنّه قَسيمُ التَّكليم الخاصِّ الذي هو بلا واسطةٍ، وقِسْمٌ من التّكليم العامِّ الّذي هو إيصالُ المعنى بطرقٍ متعدّدةٍ.
والوحيُ في اللّغةِ: هو الإعلام السّريع الخفيّ، ويقال في فعله: وَحَى، وأَوْحَى، قال رُؤْبَة:
وَحَى لها القرارَ فاستقرّتِ
وهو أقسام، كما سنذكره.

المرتبة الثّالثة: إرسال الرّسول الملكيّ إلى الرّسول البشريّ
فيوحى إليه عن اللّه ما أمره أن يوصله إليه.

فهذه المراتب الثّلاث خاصّة بالأنبياء لا تكون لغيرهم.
ثمّ هذا الرّسول الملكيُّ قد يتمثَّلُ للرّسولِ البشريِّ رَجُلًا، يراهُ عيانًا ويخاطبه، وقد يراه على صورته التي خُلِقَ عليها، وقد يدخل فيه الملك، ويوحي إليه ما يوحيه، ثمّ يَفْصِمُ عنه، أي يُقْلِعُ، والثّلاثة حصلتْ لنبيّنا صلى الله عليه وسلم.

المرتبة الرّابعة: مرتبة التَّحْدِيث
وهذه دون مرتبة الوحيِ الخاصِّ، وتكون دونَ مرتبة الصدِّيقينَ، كما كانت لعمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( إنّه كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثُون، فإن يكن في هذِه الأمَّة فعمر بن الخطاب)).
وسمعتُ شيخَ الإسلام تقيَّ الدينِ ابنَ تيميَّةَ رحمه اللّه يقول: (جزم بأنّهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلَّق وجودَهم في هذه الأمّة بـ"إن" الشَّرطيَّة، مع أنّها أفضل الأمم، لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمّة عنهم بكمال نبيّها ورسالته، فلم يُحْوِجِ اللهُ الأمَّةَ بعدَه إلى مُحَدَّثٍ ولا مُلْهَمٍ، ولا صاحبِ كَشْفٍ ولا مَنَامٍ، فهذا التَّعْليقُ لكمَال الأمَّةِ واستغنائها لا لِنَقْصِهَا).
والمحدَّثُ: هو الذي يُحَدَّثُ في سرِّهِ وقَلْبِهِ بالشِّيء فيكونُ كما يُحَدَّثُ به.
قال شيخنا: (والصدِّيقُ أكملُ من المحدَّث، لأنَّه استغنى بكمالِ صدِّيقيَّتِه ومتابعتِهِ عن التَّحْدِيث والإلهامِ والكشفِ، فإنَّه قد سلَّم قلبَه كلَّه وسرَّه وظاهرَه وباطنَه للرَّسولِ، فاستغنَى بهِ عمَّا منه).
قال: (وكانَ هذا المحدَّثُ يعرِض ما يحدَّثُ به على ما جاء به الرَّسولُ، فإن وافَقَه قَبِلَه، وإلّا رَدَّه، فَعُلِمَ أنَّ مرتبةَ الصدِّيقيَّةِ فوقَ مرتبةَ التَّحديثِ).
قال: (وأمّا ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: حدّثني قلبي عن ربّي؛ فصحيحٌ أنَّ قلبَه حدَّثه، ولكن عمَّن؟!! عن شيطانه أو عن ربّه؟
فإذا قال: حدّثني قلبي عن ربِّي، كان مسندًا الحديث إلى من لم يعلم أنَّه حدَّثَه به، وذلك كذب).
قال: (ومحدَّث الأمَّة لم يكن يقولُ ذلكَ، ولا تَفَوَّهَ بهِ يومًا من الدَّهر، وقد أعاذه اللّه من أن يقولَ ذلك، بل كتبَ كاتبُهُ يومًا: "هذا ما أرى اللهُ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب"
فقال: (لا، امحه واكتب: هذا ما رأى عمر بن الخطّاب، فإن كان صوابًا فمن اللّه، وإن كان خطأً فمن عمر واللّه ورسوله منه بريء).
وقال في الكلالة: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللّه، وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشّيطان).
فهذا قولُ المحَدَّثِ بشهادة الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم، وأنت ترى الاتِّحَادِيَّ والحُلُوليَّ والإِباحيَّ الشَّطَّاحَ والسَّمَاعيَّ مجاهرًا بالقِحَة والفِرْيةِ، يقول: "حدَّثَني قلبي عن ربِّي!!").

فانظر إلى ما بين القائلَيْن والمرتبتَيْنِ والقولَيْنِ والحالَيْنِ، وأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا تجعلِ الزَّغَل والخَالِصَ شيئًا واحدًا.

المرتبة الخامسة: مرتبة الإفهام
قالَ اللّه تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنّا لحكمهم شاهدين ففهّمناها سليمان وكلًّا آتينا حكمًا وعلمًا} فذكر هذين النَّبيَّيْنِ الكريمينِ، وأثنى عليهما بالعلم والحكم، وخصَّ سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعيَّنةِ، وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ وقد سُئِلَ: هل خصَّكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشيءٍ دون النّاس؟
فقال: (لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، إلّا فهمًا يؤتيه اللّه عبدًا في كتابه، وما في هذه الصّحيفة) وكان فيها العقل، وهو الدّيات، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافرٍ".
وفي كتاب عمر بن الخطّاب لأبي موسى الأشعريِّ رضيَ اللّه عنهما: (والفَهْمَ الفَهْمَ فيما أُدْلِيَ إليك).
فالفهمُ نعمةٌ مِنَ اللهِ على عَبْدِه، ونورٌ يقذفُهُ اللهُ في قلبه يعرِفُ به ويدرك ما لا يدركُهُ غيرُه ولا يعرفُه، فيفهَمُ من النَّصِّ ما لا يفهَمُه غيره مع استوائِهما في حِفْظِه وفهم أصل معناه.

فالفهمُ عن اللّه ورسوله عنوان الصِّدِّيقيَّةِ، ومنشورُ الوِلايةِ النَّبويَّةِ، وفيه تفاوُتُ مراتبِ العلماءِ، حتَّى عُدَّ أَلْفٌ بواحدٍ!!
فانظر إلى فهم ابن عبّاسٍ وقد سأله عمر، ومن حضر من أهل بدرٍ وغيرهم عن سورة "إذا جاء نصر اللّه والفتح" وما خُصَّ به ابنُ عبَّاسٍ من فَهْمِهِ منها أنَّها نَعْيُ اللهِ سبحانَه نبيَّه إلى نَفْسِهِ وإعلامِهِ بحضورِ أَجَلِه، وموافقة عمر له على ذلك، وخفائه عن غيرهما من الصّحابة، وابن عبّاسٍ إذ ذاك أحدثهم سنًّا، وأين تجد في هذه السّورة الإعلام بأجله، لولا الفهم الخاصِّ؟ ويدقُّ هذا حتَّى يَصِلَ إلى مراتبَ تتقاصَرُ عنها أفهامُ أكثرِ النَّاسِ، فيحتاجُ مع النَّصِّ إلى غيرِهِ، ولا يَقَعُ الاستغناءُ بالنُّصوصِ في حقِّه، وأمَّا في حقِّ صاحبِ الفَهْمِ فلا يحتاج مع النِّصوصِ إلى غيرها.


المرتبة السّادسة: مرتبة البيان العامِّ
وهو تَبْيينُ الحقِّ وتمييزُهُ من الباطلِ بأدِلَّتِهِ وشواهدِهِ وأَعْلامِهِ، بحيثُ يصيرُ مشهودًا للقلبِ كشهودِ العَيْنِ للمرئيَّاتِ.
وهذه المرتبة هي حُجَّةُ الله على خلقه، التي لا يعذِّب أحدًا ولا يضلُّه إلا بعدَ وصولِهِ إليهَا، قال الله تعالى:{وما كان اللّه ليضلّ قومًا بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم ما يتّقون} فهذا الإضلال عقوبةٌ منه لهم، حين بيَّنَ لهم فلم يقبلوا ما بيَّنَهُ لهم، ولم يعملوا به؛ فعاقبهم بأن أضلّهم عن الهدى، وما أضلَّ الله سبحانه أحدًا قطُّ إلا بعد هذا البيان.
وإذا عَرَفْتَ هذا عرفتَ سِرَّ القَدَرِ، وزالت عنك شكوكٌ كثيرةٌ وشبهاتٌ في هذا الباب، وعَلِمْتَ حكمةَ الله في إضلاله من يضلُّهُ من عباده، والقرآن يصرِّحُ بهذا في غير موضعٍ، كقوله: {فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم}، {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع اللّه عليها بكفرهم}
فالأوّل: كفر عنادٍ.
والثّاني: كفر طبعٍ.
وقوله:
{ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون}؛ فعاقَبَهُم على ترك الإيمان بهِ حينَ تيقَّنوه وتحقَّقوهُ، بأن قلَّبَ أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له؛
فتأمَّل هذا الموضعَ حقَّ التّأمُّلِ، فإنَّه موضعٌ عظيم.
وقال تعالى: {وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى} فهذا هدىً بعدَ البيانِ والدَّلالة، وهو شَرْطٌ لا مُوجِب، فإنَّهُ إن لم يقترن به هدًى آخر بعدَه لم يحصلْ بهِ كمالُ الاهتداءِ، وهو هدى التَّوفيقِ والإِلْهَامِ.
وهذا البيان نوعان:
- بيان بالآيات المسموعة المتلوّة.
-
وبيان بالآيات المشهودة المرئيّة.
وكلاهما أدلَّةٌ وآياتٌ على توحيدِ اللهِ وأسمائه وصفاته وكماله، وصِدْقِ ما أخبرَتْ به رسلُهُ عنه، ولهذا يدعو عباده بآياته المتلوَّةِ إلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ المشهودَةِ ويحضُّهم على التَّفكيرِ في هذه وهذه.
وهذا البيانُ هو الذي بُعِثَتْ به الرُّسُلُ، وجُعِلَ إليهم وإلى العلماء بعدَهم، وبعدَ ذلكَ يُضِلُّ اللهُ من يشاء، قال اللّه تعالى:
{وما أرسلنا من رسولٍ إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم فيضلّ اللّه من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} فالرُّسُلُ تبيِّنُ، واللّه هو الذي يُضِلُّ مَنْ يشاءُ ويهدي مَنْ يشاءُ بعزَّتِهِ وحِكْمَتِه.

المرتبة السّابعة: البيانُ الخاصُّ
وهو البيانُ المستلزِمُ للهدايةِ الخاصَّةِ، وهو بيانٌ تقارِنُه العنايةُ والتَّوفيقُ والاجتباءُ وقَطْعُ أسبابِ الخُذْلانِ وموادِّها عن القلبِ؛ فلا تتخلَّفُ عنه الهداية ألبتَّةَ، قال تعالى في هذه المرتبة: {إن تحرص على هداهم فإنّ اللّه لا يهدي من يضلّ} وقال: {إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء}
فالبيانُ الأوَّلُ شرطٌ، وهذا مُوجِب.


المرتبة الثّامنة: مرتبة الإسماع
قال اللّه تعالى: {ولو علم اللّه فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون}، وقد قال تعالى:{وما يستوي الأعمى والبصير . ولا الظلمات ولا النور . ولا الظّلّ ولا الحرور . وما يستوي الأحياء ولا الأموات إنّ اللّه يسمع من يشاء وما أنت بمسمعٍ من في القبور . إن أنت إلّا نذير}.
وهذا الإسماعُ أخصُّ من إسماعِ الحُجَّةِ والتَّبليغِ، فإنَّ ذلكَ حاصلٌ لهم، وبه قامت الحُجَّةُ عليهِم، لكنَّ ذاك إسماعُ الآذان، وهذا إسماعُ القلوب؛ فإنّ الكلام له لفظ ومعنًى، وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلُّق بهما، فسماعُ لَفْظِهِ حظُّ الأذن، وسماعُ حقيقةِ معناهُ ومقصودِهِ حظُّ القلبِ؛ فإنَّه سبحانه نفى عن الكفَّارِ سماعَ المقصودِ والمرادِ الذي هو حظُّ القلبِ، وأثبتَ لهم سماعَ الألفاظِ الذي هو حظُّ الأذن في قوله:
{ما يأتيهم من ذكرٍ من ربّهم محدثٍ إلّا استمعوه وهم يلعبون لاهيةً قلوبهم} وهذا السَّماعُ لا يفيدُ السَّامعَ إلا قيامَ الحُجَّةِ عليهِ، أو تمكُّنَه منها، وأمّا مقصودُ السَّمَاعِ وثمرَتُه والمطلوبُ منه فلا يحصل مع لَهْوِ القلب وغفلتِهِ وإعراضِه، بل يخرُجُ السَّامِعُ قائلًا للحاضِرِ مَعَه: ماذا قالَ آنفًا؟! {أولئك الّذين طبع اللّه على قلوبهم}.

والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام أنَّ هذه المرتبةَ إنَّمَا تحصلُ بواسطة الأذنِ، ومرتبةُ الإفهام أعمُّ؛ فهي أخصُّ من مرتبة الفَهْمِ من هذا الوجه، ومرتبة الفهم أخصُّ من وجهٍ آخر، وهي أنّها تتعلَّقُ بالمعنى المرادِ ولوازِمِه ومتعلِّقاته وإشارَاته، ومرتبة السّماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب، ويترتَّب على هذا السَّماعِ سَمَاعُ القَبُولِ.
فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن، وسماع القلب، وسماع القبول والإجابة.

المرتبة التّاسعة: مرتبة الإلهام
قال تعالى: {ونفسٍ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها} وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لحصين بن منذرٍ الخزاعيِّ لمَّا أسلم قل: (( اللّهمّ ألهمني رشدي، وقني شرّ نفسي )).
وقد جعل صاحب المنازل الإلهام هو مقام المحَدَّثِين، قال: (وهو فوق مقام الفراسة، لأنّ الفراسة ربّما وقعت نادرةً، واستصعبت على صاحبها وقتًا، أو استعصت عليه، والإلهام لا يكون إلّا في مقامٍ عتيدٍ)ا.هـ.
قلتُ: التَّحديثُ أخصُّ من الإلهامِ، فإنَّ الإلهامَ عامٌّ للمؤمنينَ بحسب إيمانهم؛ فكلُّ مؤمنٍ فقدْ ألهمَهُ اللهُ رُشْدَهُ الذي حَصَلَ لهُ بهِ الإيمانُ، فأمّا التّحديثُ فالنَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم قال فيه: (( إن يكن في هذه الأمّة أحد فعمر)) يعني من المحدّثين.
فالتَّحْديثُ إلهامٌ خاصٌّ، وهو الوحي إلى غيرِ الأنبياءِ إمَّا من المكلَّفِينَ، كقوله تعالى:
{وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه} وقوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريّين أن آمنوا بي وبرسولي} وإمّا من غير المكلَّفين، كقوله تعالى: {وأوحى ربّك إلى النّحل أن اتّخذي من الجبال بيوتًا ومن الشّجر وممّا يعرشون} فهذا كلُّه وَحْيُ إلهامٍ.
وأمّا جعله فوقَ مقامِ الفِرَاسة فقد احتجَّ عليه بأنَّ الفِرَاسةَ ربَّما وقعتْ نادرةً كما تقدَّم، والنّادرُ لا حُكْمَ له، وربَّما استعصتْ على صاحبها واستصعبَتْ عليه فلم تطاوعْه، والإلهامُ لا يكون إلا في مقامٍ عتيدٍ، يعني في مقام القُرْبِ والحضور.
والتَّحقيق في هذا أنَّ كلَّ واحدٍ من "الفراسة" و "الإلهام" ينقسم إلى: عامٍّ وخاصٍّ، وخاصُّ كلِّ واحدٍ منهما فوقَ عامِّ الآخَر، وعامُّ كلِّ واحدٍ قد يقعُ كثيرًا، وخاصُّه قد يقعُ نادرًا.
ولكنَّ الفرْقَ الصَّحيحَ أنَّ الفراسة قد تتعلَّق بنوع كَسْبٍ وتحصيلٍ، وأمّا الإلهام فموهبة مجرَّدَة، لا تُنال بكسبٍ ألبتَّة.

فصل : درجات الإلهام
قال: (وهو على ثلاث درجاتٍ:
الدّرجة الأولى: نبأ يقع وحيًا قاطعًا مقرونًا بسماعٍ، إذ مطلق النّبأ الخبر الّذي له شأن، فليس كلّ خبرٍ نبأً، وهو نبأ خبرٍ عن غيبٍ معظّمٍ.
ويريد بالوحي والإلهام: الإعلام الّذي يقطع من وصل إليه بموجبه، إمّا بواسطة سمعٍ، أو هو الإعلام بلا واسطةٍ)ا.هـ.
قلت: أمّا حصوله بواسطة سَمْعٍ فليسَ ذلكَ إلهامًا، بل هو من قبيلِ الخِطَابِ، وهذا يستحيل حصولُه لغيرِ الأنبياء، وهو الذي خُصَّ به موسى إذْ كان المخاطبَ هو الحقُّ عزَّ وجلَّ.
وأمّا ما يقع لكثيرٍ من أرباب الرِّياضَات من سماعٍ فهو من أحد وجوهٍ ثلاثةٍ لا رابع لها:
أعلاها: أن يخاطبه الملَك خطابًا جُزئيًّا، فإنّ هذا يقع لغير الأنبياء، فقد كانت الملائكة تخاطب عمران بن حصينٍ بالسَّلام، فلمَّا اكتوى تركَتْ خِطَابه، فلمَّا تَرَكَ الكيَّ عادَ إليِه خِطَابٌ ملكيٌّ، وهو نوعان:
- أحدهما: خطابٌ يسمعه بأذنه، وهو نادر بالنَّسبة إلى عمومِ المؤمنين.
- والثَّاني: خِطَابٌ يُلْقَى في قلبِه يُخاطِبُ به المَلَكُ روحَه، كما في الحديث المشهور (( إنَّ للمَلَكِ لَمَّةً بقلبِ ابنِ آدم، وللشيطان لَمَّةً، فلَمَّةُ الملَكِ: إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد، ولَمَّةُ الشّيطانِ إيعادٌ بالشَّرِّ وتكذيب بالوعد، ثمّ قرأ: {الشّيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء واللّه يعدكم مغفرةً منه وفضلًا} )).
وقال تعالى:
{إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبِّتوا الّذين آمنوا} قيل في تفسيرها: قَوُّوا قلوبَهم، وبشِّرُوهم بالنَّصر، وقيل: احضُرُوا معهم القتال، والقولان حقّ، فإنَّهم حضَرُوا معَهم القتال، وثبَّتُوا قلوبَهم.
ومِنْ هذا الخطابِ واعظُ اللهِ عزَّ وجلَّ في قلوبِ عبادِهِ المؤمنين، كما في جامع التِّرمذيِّ ومسند أحمد من حديث النَّوَّاسِ بن سَمْعَان عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (( إنَّ اللّه تعالى ضربَ مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى كنفتي الصِّرَاط سُوران، لهما أبواب مفتَّحَة، وعلى الأبوابِ ستورٌ مُرْخَاة، وداعٍ يدعو على رأسِ الصِّرَاطِ، وداعٍ يدعو فوق الصِّرَاط، فالصِّراط المستقيمُ: الإسلام، والسُّوران حدودُ اللهِ، والأبوابُ المفتَّحَةُ محارمُ اللهِ، فلا يقَعُ أحدٌ في حدٍّ من حدود الله حتَّى يكشِفَ السِّتْر، والدّاعي على رأسِ الصِّرَاطِ كتابُ الله، والدَّاعي فوقَ الصِّراطِ واعظُ اللهِ في قَلْبِ كلِّ مؤمنٍ)).
فهذا الواعظُ في قلوبِ المؤمنينَ هو الإلهامُ الإلهيُّ بواسِطَةِ الملائكة.
وأمّا وقوعُه بغيرِ واسطةٍ فما لم يتبيَّن بعد، والجزم فيه بنفيٍ أو إثباتٍ موقوف على الدّليل، واللّه أعلم.

النّوع الثّاني من الخطاب المسموع
خِطَابُ الهواتِف من الجانِّ، وقد يكونُ المخاطِبُ جِنِّيًّا مؤمنًا صالحًا، وقد يكون شيطانًا، وهذا أيضًا نوعان:
أحدهما: أن يخاطِبَه خطابًا يَسْمَعُه بأذنه.
والثّاني:أن يُلْقِي في قلبه عندما يلمُّ به، ومنه وَعْدُه وتَمْنِيَتُه حينَ يَعِدُ الإنسيَّ ويمنِّيه، ويأمرُه وينهاه، كما قال تعالى: {يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم الشّيطان إلّا غرورًا} وقال: {الشّيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} ولِلقلب من هذا الخطاب نصيبٌ، وللأذن أيضًا منه نصيب، والعِصْمة منتفيةٌ إلا عن الرُّسُل، ومجموعُ الأمّة.
فمن أين للمخاطَبِ أنَّ هذا الخطاب رحمانيٌّ أو مَلَكِيٌّ ؟ بأيّ برهانٍ ؟ أو بأيّ دليلٍ ؟ والشّيطان يقذف في النَّفْسِ وَحْيَه، ويُلْقِي في السَّمْع خطَابَه، فيقولُ المغرورُ المخدوع: قيل لي وخوطبت!!
صَدَقْتَ، لكنَّ الشَّأنَ في القائل لكَ والمخاطِب، وقد قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه لغيلان بن سلمة وهو من الصّحابة لمَّا طلَّق نساءَه وقسَّم مالَه بين بنيه: (إنِّي لأظنُّ الشَّيطانَ فيما يسترقُ من السَّمْعِ سَمِعَ بموتك؛ فقذَفَه في نفسك).
فَمَنْ يأمنُ القُرَّاء بعدك يا شَهْرُ؟!

النّوع الثّالث: خطابٌ حاليِّ، تكونُ بدايته من النَّفْسِ، وَعَوْدُه إليها، فيتوهَّمُه من خارجٍ، وإنَّما هو من نَفْسِهِ، منها بَدَأَ وإليها يعود.
وهذا كثيرًا ما يعرض للسَّالك، فَيَغْلَطُ فيه، ويعتقدُ أنَّه خِطَابٌ من الله، كلَّمَهُ بهِ منهُ إليه، وسَبَبُ غَلَطِهِ أنَّ اللَّطيفةَ المُدْرَكَةَ منَ الإنسانِ إذا صَفَتْ بالرِّيَاضَةِ، وانقطَعَتْ عُلَقُها عن الشَّواغل الكثيفةِ صارَ الحُكْمِ لها بحكم استيلاء الرّوح والقلب على البدن، ومصير الحكم لهما، فتنصرف عناية النّفس والقلب إلى تجريد المعاني الّتي هي متّصلة بهما، وتشتدّ عناية الرّوح بها، وتصير في محلّ تلك العلائق والشّواغل، فتملأ القلب، فتنصرف تلك المعاني إلى المنطق والخطاب القلبيّ الرّوحيّ بحكم العادة، ويتّفق تجرّد الرّوح، فتشكّل تلك المعاني للقوّة السّامعة بشكل الأصوات المسموعة، وللقوّة الباصرة بشكل الأشخاص المرئيّة، فيرى صورها، ويسمع الخطاب، وكلّه في نفسه ليس في الخارج منه شيء، ويحلف أنّه رأى وسمع، وصدّق، لكن رأى وسمع في الخارج، أو في نفسه ؟ ويتّفق ضعف التّمييز، وقلّة العلم، واستيلاء تلك المعاني على الرّوح، وتجرّدها عن الشّواغل.
فهذه الوجوه الثّلاثة هي وجوه الخطاب ، ومن سمّع نفسه غيرها فإنّما هو غرور، وخدع وتلبيس، وهذا الموضع مقطع القول، وهو من أجلّ المواضع لمن حقّقه وفهمه، واللّه الموفّق للصّواب.

فصل:
قال: (الدَّرَجة الثَّانية: إلهامٌ يقع عيانًا، وعلامة صحَّته أنَّه لا يَخْرِقُ سترًا، ولا يجاوِزُ حدًّا، ولا يُخْطِئُ أبدًا).
ش: الفرق بين هذا وبين الإلهام في الدّرجة الأولى: أنَّ ذلك علمٌ شبيهٌ بالضَّروريِّ الذي لا يمكن دَفْعُهُ عن القلب، وهذا معاينة ومكاشفة، فهو فوقُه في الدَّرجة، وأتمُّ منه ظهورًا، ونسبتُه إلى القلبِ نسبةُ المرئيِّ إلى العَيْنِ، وذَكَر له ثلاث علاماتٍ:
إحداها: أنّه لا يخرق سترًا، أي صاحبه إذا كوشف بحالٍ غير المستور عنه لا يَخْرِقُ سترَه ويكشفُه، خيرًا كان أو شرًّا، أو أنَّه لا يخرق ما سترَهُ اللهُ من نفسِهِ عن النَّاس، بل يستُرُ نفسَه، ويستُرُ من كوشِفَ بحالِه.
الثّانية: أنَّه لا يجاوِزُ حدًّا، يحتمل وجهين:
- أحدهما: أنَّه لا يتجاوزُ به إلى ارتكابِ المعاصي، وتجاوزِ حدودِ اللهِ، مثلِ الكُهَّانِ، وأصحابِ الكشفِ الشَّيطانيِّ.
- الثّاني: أنّه لا يقع على خلاف الحدود الشَّرعيَّةِ، مثلِ أن يتجسَّسَ به على العوراتِ الّتي نَهَى اللّه عن التَّجَسُّسِ عليها وتتبُّعِها، فإذا تتبَّعَها وقعَ عليها بهذا الكشفِ، فهو شيطانيٌّ لا رحماني.
الثّالثة: أنّه لا يخطئ أبدًا، بخلاف الشّيطانيّ، فإنّ خطأه كثير، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلمَ لابن صائدٍ: (( ما ترى ؟))
قال: أرى صادقًا وكاذبًا.
فقال: (( لُبِّسَ عليك ))
فالكشفُ الشَّيطانيُّ لا بدَّ أن يكذب، ولا يستمرُّ صِدْقُه ألبتَّةَ
.

فصل:
قال: (الدّرجة الثّالثة: إلهام يجلو عين التّحقيق صرفًا، وينطق عن عين الأزل محضًا، والإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها).
ش: عينُ التَّحقيقِ عنده هي الفناء في شهودِ الحقيقة، بحيثُ يَضْمَحِلُّ كلُّ ما سواها في ذلك الشُّهودِ، وتعودُ الرُّسوم أعدامًا محضةً، فالإلهامُ في هذه الدَّرَجة يجلو هذا العينَ للمُلْهَمِ صِرْفًا، بحيث لا يمازِجُها شيءٌ من إدراكِ العُقولِ ولا الحواسِّ، فإن كان هناك إدراك عقليٌّ أو حِسِّيٌّ لم يتمحَّض جلاءُ عينِ الحقيقةِ.
والنَّاطق عن هذا الكشف عندهم لا يَفْهَم عنه إلا من هو معه، ومشارِكٌ له، وعند أربابِ هذا الكشف أنَّ كلَّ الخلقِ عنه في حجابٍ، وعندهم أنَّ العلم والعقل والحالَ حُجُبٌ عليه!!
وأنَّ خطابَ الخلق إنّما يكون على لسان الحجابِ!!
وأنّهم لا يفهمون لغةَ ما وراء الحجاب من المعنى المحجوب؛ فلذلك تمتنع الإشارة إليه، والعبارة عنه، فإنّ الإشارة والعبارة إنّما يتعلّقان بالمحسوس والمعقول، وهذا أمر وراء الحسِّ والعقل.

وحاصلُ هذا الإلهامِ أنَّه إلهامٌ ترتفع معه الوسائط وتضمحلُّ وتَعْدَمُ، لكن في الشُّهود لا في الوجود.
وأمَّا الاتِّحَاديَّةُ القائلون بوَحْدَةِ الوجود فإنَّهم يجعلون ذلك اضمحلالًا وعَدَمًا في الوجود، ويجعلون صاحب "المنازل"(1) منهم، وهو بريء منهم عقلًا ودينًا وحالًا ومعرفةً، والله أعلم.


المرتبة العاشرة من مراتب الهداية: الرُّؤيا الصَّادقة
وهي من أجزاء النُّبوَّةِ كما ثبت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلمَ أنّه قال: (( الرّؤيا الصّادقة جزء من ستّةٍ وأربعين جزءًا من النّبوّة )).
وقد قيل في سبب هذا التّخصيص المذكور: إنَّ أوَّلَ مبتدأ الوحي كان هو الرُّؤيا الصَّادقة، وذلك نِصْفُ سنةٍ، ثمّ انتقل إلى وحي اليقظة مدَّة ثلاثٍ وعشرين سنةً، من حين بُعِثَ إلى أن تُوفِّي، صلواتُ الله وسلامه عليه، فنسبة مدَّةِ الوحي في المنام من ذلك جزء من ستَّةٍ وأربعين جزءًا، وهذا حسن، لولا ما جاء في الرّواية الأخرى الصّحيحة: (( إنّها جزء من سبعين جزءًا )).
وقد قيل في الجمع بينهما: إن ذلك بحسب حال الرَّائي، فإنَّ رؤيا الصِّدِّيقين من ستّةٍ وأربعين، ورؤيا عموم المؤمنين الصَّادقة من سبعين، والله أعلم.
والرّؤيا مبدَأ الوحي، وصِدْقُها بحسب صِدْقِ الرَّائي، وأصدَقُ النَّاس رؤيا أصدَقُهم حديثًا، وهي عند اقتراب الزَّمَان لا تكادُ تخطِئ، كما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم، وذلك لِبُعْدِ العَهْدِ بالنُّبوَّةِ وآثارِها، فيتعوَّضُ المؤمنونَ بالرّؤيا، وأمَّا في زمن قوَّةِ نور النبوةِ ففي ظهور نورها وقوَّتِه ما يغني عن الرُّؤيا.
ونظيرُ هذا الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهرْ عليهم، لاستغنائهم عنها بقوَّةِ إيمانهم، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم، وقد نصَّ أحمدُ على هذا المعنى، وقال عبادة بن الصّامت: (رؤيا المؤمنِ كلامٌ يكلِّم بهِ الرَّبُّ عبدَه في المنام)
وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((
لم يَبْقَ من النُّبُوَّةِ إلا المبشِّرَات))
قيل: وما المبشِّراتُ يا رسول الله؟
قال: ((
الرُّؤيا الصَّالحة، يراها المؤمن أو تُرى له، وإذا تواطَأَت رؤيا المسلمين لم تكذبْ)).
وقد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه لمَّا أُرُوا ليلةَ القَدْرِ في العشر الأواخر، قال: (( أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان منكم متحرِّيَها فليتحرَّها في العشر الأواخر من رمضان)).
- والرّؤيا كالكَشْفِ، منها رحمانيٌّ، ومنها نفسانيٌّ، ومنها شيطانيٌّ، وقال النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: (( الرّؤيا ثلاثة: رؤيا من اللّه، ورؤيا تَحْزينٌ من الشيطان، ورؤيا ممَّا يحدِّثُ به الرَّجُلُ نفسَه في اليقظة فيراه في المنام)).
- والذي هو من أسباب الهداية:هو الرُّؤيا التي مِنَ الله خاصَّة.
- ورؤيا الأنبياء وحي، فإنَّها معصومة من الشيطان، وهذا باتِّفَاق الأمَّة، ولهذا أقدمَ الخليلُ على ذبح ابنه إسماعيل عليهما السّلام بالرُّؤيا.
- وأمّا رؤيا غيرهم فتُعْرَض على الوحي الصَّريح، فإن وافَقَتْهُ وإلا لم يُعْمَل بها.
فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة أو تواطأت؟
قلنا: متى كانت كذلك استحالَ مخالفتُها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقةً له، منبِّهةً عليه، أو منبِّهَةً على اندراج قضيَّةٍ خاصَّةٍ في حُكْمِه لم يعرف الرَّائي اندراجها فيه؛ فيتنبَّهُ بالرُّؤيا على ذلك.
- ومن أراد أن تَصْدُق رؤياه فليتحرَّ الصِّدْقَ وأَكْلَ الحلال، والمحافظةَ على الأمر والنّهي، ولْيَنَمْ على طهارةٍ كاملةٍ مستقبلَ القِبلةِ، ويذكرِ الله حتى تغلِبَه عيناه، فإنَّ رؤياه لا تكادُ تكذب ألبتَّةَ.

- وأصدق الرّؤيا: رؤيا الأسحار، فإنَّه وقتُ النُّزولِ الإلهيِّ، واقترابِ الرَّحمة والمغفرة، وسُكُونِ الشَّياطين.
وعكسه: رؤيا العَتَمَة، عند انتشار الشَّياطين والأرواح الشَّيطانيَّة.
وقال عبادة بن الصّامت رضي اللّه عنه: ( رؤيا المؤمن كلام يكلّم به الرّبّ عبده في المنام ).

- وللرُّؤيا مَلَكٌ موكَّلٌ بها يريها العبدَ في أمثالٍ تناسِبُه وتُشَاكِلُه، فيضربُها لكلِّ أحَدٍ بحسَبه.
وقال مالك: (الرّؤيا من الوحي وحي)، وزجر عن تفسيرها بلا علمٍ، وقال: (أتتلاعب بوحي اللّه؟).

ولذكر الرُّؤيَا وأحكامها وتفاصيلها وطرق تأويلها مظانّ مخصوصة بها، يُخْرِجُنا ذِكْرُها عن المقصود، والله أعلم).


(1) يريد أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (ت:481هـ) صاحب كتاب "منازل السائرين" ، وهو الكتاب الذي شرحه ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين.


التوقيع :

رد مع اقتباس