عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 17 ذو القعدة 1434هـ/21-09-2013م, 07:05 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,030
افتراضي

عشرة أسباب لتخلّف العمل عن العلم

قالَ رحمه الله في "مفتاح دار السعادة": (العلمُ بكونِ الشيءِ سبباً لمصلحةِ العبد ولذاته وسروره قد يتخلَّف عنه عملُه بمقتضاه لأسبابٍ عديدة:
السبب الأول: ضعف معرفته بذلك.
السبب الثاني : عدم الأهليَّة، وقد تكون معرفته به تامة لكن يكون مشروطا بزكاة المحل وقبوله للتزكية؛ فإذا كان المحلّ غير زكيّ ولا قابل للتزكية كان كالأرض الصلدة التي لا تخالطها الماء؛ فإنه يمتنع النبات منها لعدم أهليتها وقبولها؛ فإذا كان القلبُ قاسيا حجَريا لا يقبل تزكيةً، ولا تؤثّر فيه النصائح لم ينتفع بكل علم يعلمه، كما لا تنبت الأرض الصلبة ولو أصابها كلُّ مطر، وبُذِر فيها كلُّ بذر، كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}، وقال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} وقال تعالى: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} وهذا في القرآن كثير.
فإذا كان القلب قاسيا غليظاً جافياً لا يعمل فيه العلم شيئاً، وكذلك إذا كان مريضاً مهيناً مائياً لا صلابةَ فيه، ولا قوَّة ولا عزيمة لم يؤثِّرْ فيه العلم.
السبب الثالث: قيامُ مانعٍ وهو إما حسدٌ أو كِبْرٌ، وذلك مانع إبليس من الإنقياد للأمر وهو داء الأولين والآخرين إلا من عصم الله.
- وبه تخلَّفَ الإيمان عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا صحَّة نبوَّتِه، ومن جرى مجراهم.
- وهو الذي منع عبدَ الله بنَ أبيٍّ من الإيمان.
- وبه تخلَّف الإيمانُ عن أبي جهل وسائر المشركين؛ فإنهم لم يكونوا يرتابون في صدقه، وأنَّ الحق معه لكن حملهم الكِبْرُ والحسدُ على الكفر.
- وبه تخلَّف الإيمانُ عن أميَّة وأضرابه ممن كان عنده علم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

السبب الرابع: مانعُ الرياسَةِ والملكِ، وإن لم يقم بصاحبه حَسَدٌ ولا تكبُّر عن الانقيادِ للحقّ، لكن لا يمكنه أن يجتمع له الانقياد وملكه ورياسته؛ فيَضِنُّ بملكه ورياسته؛ كحالِ هِرَقل وأضرابه من ملوك الكفار الذين علموا نبوَّته وصدقَه وأقروا بها باطناً، وأحبّوا الدخول في دينه، لكن خافوا على ملكهم!!
- وهذا داء أربابِ الملك والولاية والرياسة، وقلَّ من نجا منه إلا من عصَمَ الله.
- وهو داءُ فرعون وقومه، ولهذا قالوا: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون}؛ أَنِفُوا أن يؤمنوا، ويتبعوا موسى وهارون وينقادوا لهما، وبنو إسرائيل عبيدٌ لهم.
ولهذا قيل: إن فرعون لما أراد متابعةَ موسى وتصديقَه شاورَ هامان وزيرَه؛ فقال: بينا أنتَ إِلهٌ تُعْبَدْ تصيرُ عبداً تَعْبُدُ غيرَك؛ فأبى العبوديَّة، واختارَ الرياسةَ والإلهيةَ المُحال.

السبب الخامس: مانعُ الشهوةِ والمالِ، وهو الذي منع كثيراً من أهل الكتاب من الإيمان خوفا من بطلان مأكَلِهم وأموالِهم التي تصير إليهم من قومهم، وقد كانت كفارُ قريش يصدّون الرجلَ عن الإيمان بحسب شهوته فيدخلون عليه منها؛ فكانوا يقولون لمن يحب الزنا: إن محمدا يحرم الزنا، ويحرم الخمر، وبه صدّوا الأعشى الشاعر عن الاسلام.
وقد فاوضتُ غيرَ واحدٍ من أهل الكتاب في الإسلام وصحَّته؛ فكان آخر ما كلَّمَني به أحدُهُم: أنا لا أترك الخمر، وأشربها آمناً؛ فإذا أسلمتُ حِلْتُم بيني وبينها، وجلدتموني على شربها.
وقال آخر منهم بعد أن عرف ما قلت له: لي أقارب أرباب أموال وإني إن أسلمت لم يصل إلي منها شيء، وأنا أؤمل أن أرثهم أو كما قال، ولا ريبَ أن هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار فتتَّفِق قوَّة داعي الشهوة والمال، وضعف داعي الإيمانِ؛ فيجيب داعي الشهوة والمال، ويقول: لا أرغب بنفسي عن آبائي وسلفي.
السبب السادس: محبَّةُ الأَهْلِ والأقاربِ والعشيرةِ، يرى أنَّهُ إذا اتَّبَع الحقَّ وخالفَهم أبعدوه وطردوه عنهم، وأخرجوه من بين أظهرهم، وهذا سبب بقاءِ خلقٍ كثيرٍ على الكفر بين قومِهم وأهاليهم وعشائرهم.

السبب السابع : محبَّةُ الدارِ والوطنِ وإن لم يكن له بها عشيرة ولا أقارب، لكن يرى أنَّ في متابعة الرسول خروجُه عن داره ووطنه إلى دار الغربة والنوى فيضِنُّ بوَطَنِه.
السبب الثامن : تَخَيُّلُ أنَّ في الإسلامِ ومتابعةِ الرسولِ إزراءً وطعناً منه على آبائه وأجداده، وذمّا لهم، وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام، استعظموا آباءهم وأجدادهم أن يشهدوا عليهم بالكفر والضلال، وأن يختاروا خلاف ما اختار أولئك لأنفسهم، ورأوا أنهم إن أسلموا سفَّهُوا أحلامَ أولئك، وضلَّلُوا عقولَهم، ورموهم بأقبح القبائح، وهو الكفر والشرك.
ولهذا قالَ أعداءُ اللهِ لأبي طالب عند الموت: (ترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب؟!!)
فكان آخر ما كلَّمهم به: هو على ملة عبد المطلب.
فلَمْ يَدْعُهُ أعداءُ الله إلا من هذا الباب، لعلمهم بتعظيمه أباه عبدَ المطلب، وأنَّهُ إنَّما حازَ الفَخَر والشَّرَفَ به؛ فكيف يأتي أمراً يلزم منه غاية تنقيصه وذمه؟!!
ولهذا قال: لولا أن تكون مسبَّة على بني عبد المطلب لأقررت بها عينك، أو كما قال.
وهذا شعره يصرِّحُ فيه بأنه قد عَلِمَ وتحقَّقَ نبوَّةَ محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلَّمَ وَصِدْقَه، كقوله:

ولقـــــــد علــــمـــت بــــأن ديــــن مـحــمــــدٍ.......مــــــن خــــيـــر أديــــان الــبــرية ديـــنــا
لـــــولا المـــلامــــــــــــة أو حــــذار مســبـــــــة....... لـوجدتـنـي سـمــحــا بــذاك مـــبــيـنــا
وفي قصيدته اللامية:
فو الله لولا أن تكون مسبـــــــــــــة.......تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعنـــــــاه على كل حالـــــــة.......من الدهر جدا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكـــــــــذَّب.......لدينا ولايعنى بقـــــــــــــــــول الأباطل
والمسبّة التي زعم أنها تُجَرُّ على أشياخِهِ شهادَتُه عليهم بالكفرِ والضَّلالِ وتَسْفِيهِ الأحلامِ وتضليلِ العقولِ؛ فهذا هو الذي منعه من الإسلام بعد تيقّنِه.
السبب التاسع : متابعة من يعاديه من النَّاسِ للرَّسول، وَسَبْقِه إلى الدخول في دينه، وتخصُّصِه وقربه منه، وهذا القدر منع كثيراً من اتِّبَاع الهدى، يكونُ للرجلِ عدوٌّ، ويبغض مكانه، ولا يحبُّ أرضاً يمشي عليها، ويقصد مخالفته ومناقضته؛ فيراه قد اتَّبع الحقَّ؛ فيحمله قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الحق وأهله، وإن كان لا عداوة بينه وبينهم، وهذا كما جرى لليهود مع الأنصار فإنَّهم كانوا أعداءَهم، وكانوا يتواعدونهم بخروج النبي صلى الله عليه وسلَّمَ، وأنهم يتَّبعونه ويقاتلونهم معه؛ فلما بدرهم إليه الأنصارُ وأسلموا حملهم معاداتُهم على البقاءِ على كُفْرِهم ويهوديَّتِهم.

السبب العاشر: مانعُ الإلفِ والعادَةِ والمنشأِ؛ فإنَّ العادةَ قد تقوى حتى تغلبَ حُكْمَ الطبيعةِ، ولهذا قيل: هي طبيعة ثانية؛ فيربى الرجل على المقالة، وينشأ عليها صغيراً؛ فيتربَّى قلبُه ونفسُه عليها؛ كما يتربَّى لحمُه وعظمُه على الغذاء المعتاد، ولا يعقل نفسه إلا عليها، ثم يأتيه العلم وهلةً واحدة، يريد إزالتها وإخراجها من قلبه، وأن يسكن موضعها؛ فيعسرُ عليه الانتقالُ ويصعب عليه الزوالُ!!
وهذا السبب وإن كان أضعفَ الأسبابِ معنى؛ فهو أغلبها على الأمم وأرباب المقالات والنِّحَل، ليس مع أكثرهم بل جميعهم -إلا ما عسى أن يشذَّ- إلا عادةٌ ومَرْبَى تربَّى عليه طِفلاً لا يعرف غيرها، ولا يحسُّ به؛ فدينُ العوائدِ هو الغالبُ على أكثرِ النَّاسِ؛ فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعةٍ ثانية!!
فصلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله خصوصاً على خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ كيف غيَّروا عوائد الأمم الباطلة، ونقلوهم إلى الإيمان حتى استحدثوا به طبيعة ثانية خرجوا بها عن عادتهم وطبيعتهم الفاسدة؟!!
ولا يعلم مشقَّةَ هذا على النفوس إلا من زاول نَقْلَ رَجُلٍ واحدٍ عن دِينِه ومقالَتِه إلى الحق؛ فجزى الله المرسلين أفضل ما جزى به أحداً من العالمين.

إذا عرف أن المقتضي نوعان: فالهدى المقتضي -وحدَه -لا يوجب الاهتداء ، والهدى التام يوجب الاهتداء
فالأول
: هدى البيان الدلالة والتعليم، ولهذا يقال: هُدِيَ فما اهتدَى.
والثاني: هدى البيان والدلالة مع إعطاء التوفيق وخَلْقِ الإرادة؛ فهذا الهُدَى الذي يسلتزم الاهتداء، ولا يتخلف عنه موجَبه؛ فمتى وُجِدَ السَّبَبُ وانتفتِ الموانعُ لزم وجود حكمه.

وههنا دقيقة بها ينفصل النزاع وهي أنه هل ينعطف من قيام المانع وعدم الشرط إلى المقتضي أمر يضعفه في نفسه ويسلبه اقتضاءه وقوَّتَه أو الاقتضاء بحاله، وإما غلب المانع فكان التأثير له؟
ومثال ذلك في مسألتنا: أنه بوجود هذه الموانع المذكورة أو بعضها هل يضعفُ العلمُ حتى لا يصير مؤثرا ألبتة؟
أو العلم بحالِه ولكن المانع بقوَّتِه غلبَ؛ فكان الحكم له؟
هذا سرّ المسألة وفقهها؛ فأما الأول فلا شكَّ فيه ، ولكن الشأن في القسم الثاني وهو بقاء العلم بحاله والتحقيق أن الموانع تحجبه وتعميه وربما قلبت حقيقته من القلب، والقرآن قد دلَّ على هذا قال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين}؛ فعاقبهم سبحانه بإزاغة قلوبهم عن الحق لما زاغوا عنه ابتداء، ونظيره قوله تعالى: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون}.
ولهذا قيل: من عُرِضَ عليه حق فردَّه؛ فلم يقبلْه عوقب بفساد قَلبِه وعَقْلِه ورَأيه.
ومن هنا قيل: لا رأي لصاحبِ هوى؛ فإنَّ هواهُ يحمله على ردِّ الحقِّ فيفسدُ الله عليهِ رأيَهُ وعقلَهُ، قال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الانبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف} أخبرَ سُبْحَانَه أنَّ كُفْرَهُم بالحقِّ بعد أن عَلِمُوهُ كان سبباً لِطَبْعِ اللهِ على قلوبهم، {بل طبع الله عليها بكفرهم} حتى صارت غُلْفَا، والغُلْفُ جمعُ أغلَف، وهو القلب الذي قد غَشِيَه غلافٌ كالسيفِ الذي في غلافه، وكلُّ شيء في غلافه فهو أغلف، وجمعه غلف.
يقال: سيف أغلف، وقوس غلفاء، ورَجُلٌ أغلفُ وأقْلَفُ، إذا لم يُختَن.
والمعنى: قلوبنا عليها غشاوةٌ وغِطَاء؛ فلا تَفْقَهُ ما تقولُ يا محمد - صلى الله عليه وسلَّم- ولمْ تَعِ شيئا).



التوقيع :

رد مع اقتباس